Полный текст (4 439 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.
стр. 946
قوله : ﴿قَلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِّن فَوقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: أن العذاب الذي من فوقهم الرجم , والذي من تحت أرجلهم الخسف , قاله ابن جبير , ومجاهد , وأبو مالك. والثاني: أن العذاب الذي من فوقهم أئمة السوء , والعذاب الذي من تحت أرجلهم عبيد السوء , قاله ابن عباس. والثالث: أن الذي من فوقهم الطوفان , والذي من تحت أرجلهم الريح , حكاه علي بن عيسى. ويحتمل أن العذاب الذي من فوقهم طوارق السماء التي ليست من أفعال العباد لأنها فوقهم , والتي من تحت أرجلهم ما كان من أفعال العباد لأن الأرض تحت أرجل جميعهم. ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً﴾ فيه تأويلان: أحدهما: أنها الأهواء المُخْتَلَقَة , قاله ابن عباس. والثاني: أنها الفتن والاختلاف , قاله مجاهد. ويحتمل ثالثاً: أي يسلط عليكم أتباعكم الذين كانوا أشياعكم , فيصيروا لكم أعداء بعدما كانوا أولياء , وهذا من أشد الانتقام أن يستعلي الأصاغر على الأكابر. روي أن موسى بن عمران ﵇ دعا ربه على قوم فأوحى الله إليه: أو ليس هذا هو العذاب العاجل الأليم. هذا قول المفسرين من أهل الظاهر , وَتَأَوَّلَ بعض المتعمقين في غوامض
стр. 947
المعاني ﴿عَذَاباً مِن فَوقِكُمْ﴾ معاصي السمع والبصر واللسان ﴿أَوْمِن تَحْتِ أَرْجلِكُمْ﴾ المشي إلى المعاصي حتى يواقعوها , وما بينهما يأخذ بالأقرب منهما ﴿أَوَيَلْبِسَكُمْ شِيَعاً﴾ يرفع من بينكم الأُلفة. ﴿وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ﴾ تكفير أهل الأهوال بعضهم بعضاً , وقول الجمهور: ﴿وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ﴾ يعني بالحروب والقتل حتى يفني بعضهم بعضاً , لأنه لم يجعل الظفر لبعضهم فيبقى. ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآياتِ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: نفصل آيات العذاب وأنواع الانتقام. والثاني: نصرف كل نوع من الآيات إلى قوم ولا يعجزنا أن نجمعها على قوم. ﴿لَعَلَّهُم يَفْقَهُونَ﴾ أي يتعظون فينزجرون. واختلف أهل التأويل في نزول هذه الآية على قولين: أحدهما: أنها في أهل الصلاة , قاله ابن عباس , والحسن , وقتادة , وأن نزولها شق على النبي ﷺ , [فقام] فصلى صلاة الضحى وأطالها فقيل له: ما أطلت صلاة كاليوم , فقال: (إِنَّهَا صَلَاةُ رَغْبَةٍ وَرَهْبَةٍ , إنِّي سَأَلْتُ رَبِّي أَنْ يُجِيرَنِي مِنْ أَرْبعٍ فَأَجَارَنِي مِنْ خَصْلَتِينِ وَلَمْ يُجِرْنِي مِنْ خَصْلَتَينِ: سَأَلْتُهُ أَلَاّ يُهْلِكَ أُمَّتِي بِعَذَابٍ مِنْ فَوقِهِم كَمَا فَعَلَ بِقَومِ نُوْحٍ , وَبِقَومِ لُوطٍ فَأَجَارَنِي , وَسَأَلْتُهُ أَلَاّ يَهْلِكَ أُمَّتِي بعذَاب مِنْ تَحْتِ أَرْجلِهِم كَمَا فَعَلَ بِقَارُونَ فَأَجَارنِي , وَسَأَلْتُهُ أََلَاّ يُفَرِّقَهُمْ شِيَعاً فَلَمْ يُجِرْنِي , وَسَأَلْتُهُ أَلَاّ يُذِيقَ بَعْضَهُم بَأْسَ بَعْضٍ فَلَمْ يُجِرْنِي) وَنَزَلَ عَلَيهِ قَولُه تعالى: ﴿الم أحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُواْ أَن يَقُولُواْءَامَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت: ٢٢١]
стр. 948
والقول الثاني: أنها نزلت في المشركين , قاله بعض المتأخرين.
стр. 949
﴿وكذب به قومك وهو الحق قل لست عليكم بوكيل لكل نبإ مستقر وسوف تعلمون وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء ولكن ذكرى لعلهم يتقون﴾ قوله : ﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ﴾ وفيما كذَّبوا به قولان: أحدهما: أنه القرآن , قاله الحسن , والسدي. والثاني: تصريف الآيات , قاله بعض المتأخرين. ﴿وَهُوَ الْحَقُّ﴾ يعني ما كذَّبوا به , والفرق بين الحق والصواب أن الحق قد يُدْرَكُ بغير طلب , والصواب لا يُدْرَكُ إلا بطلب. ﴿قُل لَّسْتُ عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: معناه لست عليكم بحفيظ لأعمالكم لأجازيكم عليها , وإنما أنا منذر , قاله الحسن. والثاني: لست عليكم بحفيظ أمنعكم من أن تكفروا , كما يمنع الوكيل على الشيء من إلحاق الضرر به , قاله بعض المتأخرين. والثالث: معناه لست آخذكم بالإِيمان اضطراراً وإجباراً , كما يأخذ الوكيل بالشيء , قاله الزجاج.
стр. 950
﴿لِّكُلِ نَبَإٍ مُّسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدهما: معناه أن لكل خَبَرٍ أَخْبَرَ الله تعالى به من وعد أو وعيد مستقراً في مستقبل الوقت أو ماضيه أو حاضره في الدنيا وفي الآخرة , وهذا معنى قول ابن عباس , ومجاهد. والثاني: أنه وعيد من الله للكافرين في الآخرة لأنهم لا يقرون بالبعث , قاله الحسن. والثالث: أنه وعيد لهم بما ينزل بهم في الدنيا , قاله الزجاج. قوله : ﴿وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ﴾ فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: وما على الذين يتقون الله في أوامره ونواهيه من حساب الكفار فيما فعلوه من الاستهزاء والتكذيب مآثم يؤاخذون بها , ولكن عليهم أن يذكروهم بالله وآياته لعلهم يتقون ما هم عليه من الاستهزاء والتكذيب , قاله الكلبي. والثاني: وما على الذين يتقون الله من الحساب يوم القيامة ما على الكفار في الحساب من التشديد والتغليظ لأن محاسبة المتقين ذكرى وتخفيف , ومحاسبة الكفار تشديد وتغليظ لعلهم يتقون إذا علموا ذلك. والثالث: وما على الذين يتقون الله فيما فعلوه من رد وصد حساب , ولكن اعدلوا إلى الذكرى لهم بالقول قبل الفعل , لعلهم يتقون إذا علموا. ويحتمل هذا التأويل وجهين: أحدهما: يتقون الاستهزاء والتكذيب. والثاني: يتقون الوعيد والتهديد.
стр. 951
﴿وذر الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا وغرتهم الحياة الدنيا وذكر به أن تبسل نفس بما كسبت ليس لها من دون الله ولي ولا شفيع وإن تعدل كل عدل لا يؤخذ منها أولئك الذين أبسلوا بما كسبوا لهم
стр. 952
شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرون﴾ قوله : ﴿وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً﴾ فيهم قولان: أحدهما: أنهم الكفار الذين يستهزئون بآيات الله إذا سمعوها , قاله علي بن عيسى. والثاني: أنه ليس قوم لهم عيد يلهون فيه إلا أمة محمد ﷺ , فإن أعيادهم صلاة وتكبير وبر وخير , قاله الفراء. ﴿وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: معناه وغرتهم الحياة الدنيا بالسلامة فيها , ونيل المطلوب منها. والثاني: معناه وغرتهم الدنيا بالحياة والسلامة منها , فيكون الغرور على الوجه الأول بالحياة , وعلى الثاني بالدنيا. ﴿وَذَكَّرَ بِهِ أَن تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ﴾ قيل معناه أن لا تبسل كما قال تعالى: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ﴾ [النساء: ١٧٦] بمعنى أن لا تضلوا. وفي قوله: ﴿أَن تُبْسَلَ﴾ ستة أوجه: أحدها: أن تسلم , قاله الحسن , وعكرمة , ومجاهد , والسدي. والثاني: أن تُحْبَس , قاله قتادة. والثالث: أن تُفْضح , قاله ابن عباس. والرابع: أن تُؤْخَذ بما كسبت , قاله ابن زيد. والخامس: أن تُجْزَى , قاله الكلبي. والسادس: أن تُرْتَهن , قاله الفراء , من قولهم أسد باسل لأن فريسته مُرْتَهَنَة معه لا تَفْلِت منه , ومنه قول عوف بن الأحوص الكلابي:
стр. 953
(وإبسالي بني بغير جرم ... بعوناه ولا بدم مراق)
وقوله: بعوناه أي جنيناه , وأصل الإبسال التحريم من قولهم: شراب بَسْل اي حرام , قال الشاعر:
(بَكَرت تَلُومُكَ بَعْدَ وَهْنٍ في النَّدى ... بسلٌ عليكِ مَلَامَتِي وَعِتَابي)
أي حرام عليك. وفي قوله تعالى: ﴿ ... وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَاّ يُؤْخَذْ مِنْهَا﴾ تأويلان: أحدهما: معناه وإن تفد كل فدية من جهة المال والثروة , قاله قتادة , والسدي , وابن زيد. والثاني: من جهة الإِسلام والتوبة , قاله الحسن. واختلف في نسخها على قولين: أحدهما: أنها منسوخة بقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيثُ وَجَدْتُمُوهُم﴾ [التوبة: ٥] قاله قتادة. والثاني: أنها ثابتة على جهة التهديد كقوله تعالى: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً﴾ [المدثر: ١١] , قاله مجاهد.
стр. 954
﴿قل أندعو من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا ونرد على أعقابنا بعد إذ هدانا الله كالذي استهوته الشياطين في الأرض حيران له أصحاب يدعونه إلى الهدى ائتنا قل إن هدى الله هو الهدى وأمرنا لنسلم لرب العالمين
стр. 955
وأن أقيموا الصلاة واتقوه وهو الذي إليه تحشرون وهو الذي خلق السماوات والأرض بالحق ويوم يقول كن فيكون قوله الحق وله الملك يوم ينفخ في الصور عالم الغيب والشهادة وهو الحكيم الخبير﴾ قوله تعالى: ﴿قَلْ أَنَدْعُواْ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا﴾ يعني الأصنام , وفي دعائها في هذا الموضع تأويلان: أحدهما: عبادتها. والثاني: طلب النجاح منها. فإن قيل: فكيف قال ولا يضرنا؟ ودعاؤها لما يستحق عليه من العقاب ضارٌّ؟ قيل: معناه ما لا يملك لنا ضراً ولا نفعاً. ﴿وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ بالإِسلام. ﴿كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الأرْضِ ... ﴾ فيه قولان: أحدهما: أنه استدعاؤها إلى قصدها واتباعها , كقوله تعالى: ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيهِم﴾ [إبراهيم: ٣٧] أي تقصدهم وتتبعهم. والثاني: أنها أَمْرُهَا بالهوى. وحكى أبو صالح عن ابن عباس: أن هذه الآية نزلت في أبي بكر وامرأته حين دعَوا ابنهما عبد الرحمن إلى الإِسلام والهدى أن يأتيهما. قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَواتِ وَالأرْضَ بِالْحَقِّ﴾ في الحق الذي خلق به السموات والأرض أربعة أقاويل: أحدها: أنه الحكمة. والثاني: الإِحسان إلى العباد. والثالث: نفس خلقها فإنه حق.
стр. 956
والرابع: يعني بكلمة الحق. ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ كُن فَيَكُونُ﴾ فيه قولان: أحدهما: أن يقول ليوم القيامة: كن فيكون , لا يثنِّي إليه القول مرة بعد أخرى , قاله مقاتل. والثاني: أنه يقول للسموات كوني صوراً يُنْفَخ فيه لقيام الساعة , فتكون صوراً مثل القرآن , وتبدل سماءً أخرى , قاله الكلبي. وفي قوله تعالى: ﴿ ... وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾ قولان: أحدهما: أن الصور قرن ينفخ فيه النفخة الأولى للفناء , والثانية للإِنشاء علامة للانتهاء والابتداء , وهو معنى قوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَمَن فِي الأَرْضِ إِلَاّ مَن شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ﴾ [الزمر: ٦٨]. والثاني: أن الصور جمع صورة تنفخ فيها روحها فتحيا. ثم قال تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ ... ﴾ فيه قولان: أحدهما: أنه عائد إلى خلق السموات والأرض , والغيب ما يغيب عنكم , والشهادة ما تشاهدون. والثاني: أنه عائد إلى نفخ الصور هو عالم الغيب والشهادة المتولي للنفخة.
стр. 957
﴿وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر أتتخذ أصناما آلهة إني أراك وقومك في
стр. 958
ضلال مبين وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربي فلما أفل قال لا أحب الآفلين فلما رأى القمر بازغا قال هذا ربي فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر فلما أفلت قال يا قوم إني بريء مما تشركون إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين﴾ قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِءَازَرَ ... ﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدهما: أن آزر اسم أبيه , قاله الحسن , والسدي , ومحمد بن إسحاق , قال محمد: كان رجلاً من أهل كوتى قرية من سواد الكوفة. والثاني: أن آزر اسم صنم , وكان اسم أبيه تارح , قال مجاهد. والثالث: أنه ليس باسم , وإنما هو صفة سب بعيب , ومعناه معوج , كأنه عابه باعوجاجه عن الحق , قاله الفراء. فإن قيل: فكيف يصح من إبراهيم - وهو نبي - سبَّ أباه؟ قيل: لأنه سبّه بتضييعه حق الله تعالى , وحق الوالد يسقط في تضييع حق الله.
стр. 959
قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتُ السَّمَوَاتِ والأرْضِ﴾ ذلك وذاك وذا: إشارات , إلا أن ذا لما قَرُبَ , وذلك لما بَعُد , وذاك لتفخيم شأن ما بَعُدَ. وفي المراد بملكوت السموات والأرض خمسة أوجه: أحدها: أنه خلق السموات والأرض , قاله ابن عباس. والثاني: مُلْك السموات والأرض. واختلف من قال بهذا فيه على وجهين: أحدهما: أن الملكوت هو المُلْك بالنبطية , قاله مجاهد. والثاني: أنه المُلْك بالعربية , يقال مُلْك وملكوت كما يقال رهبة ورهبوت , ورحمة ورحموت , والعرب تقول: رهبوت خير من رحموت , أي أن نُرْهَب خير من أن نُرْحَم , قاله الأخفش. والثالث: معناه آيات السموات والأرض , قاله مقاتل. والرابع: هو الشمس والقمر والنجوم , قاله الضحاك. والخامس: أن ملكوت السماوات: القمر , والنجوم , والشمس , وملكوت الأرض: الجبال , والشجر , والبحار , قاله قتادة. ﴿وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: من الموقنين لوحدانية الله تعالى وقدرته.
стр. 960
والثاني: من الموقنين نبوته وصحة رسالته. قوله : ﴿فَلمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيلُ رَءَا كَوْكَباً﴾ قال مجاهد: ذكر لنا أنه رأى الزهرة طلعت عشاءً. ﴿قَالَ هَذَا رَبِّي﴾ ومعنى جَنَّ عليه الليل , أي ستره , ولذلك سمي البستان جَنَة لأن الشجر يسترها , والجِنُّ لاستتارهم عن العيون , والجُنُون لأنه يستر العقل , والجَنِين لأنه مستور في البطن , والمِجَنّ لأنه يستر المتترس , قال الهذلي:
(وماء وردت قيل الكرى ... وقد جنه السدف الأدهم)
وفي قوله تعالى: ﴿هَذَا رَبِّي﴾ خمسة أقاويل: أحدها: أنه قال: هذا ربي في ظني , لأنه في حال تقليب واستدلال. والثاني: أنه قال ذلك اعتقاداً أنه ربه , قاله ابن عباس. والثالث: أنه قال ذلك في حال الطفولية والصغر , لأن أمه ولدته في مغارة حذراً عليه من نمرود , فلما خرج عنه قال هذا القول قبل قيام الحجة عليه , لأنها حال لا يصح فيها كفر ولا إيمان , ولا يجوز أن يكون قال ذلك بعد البلوغ. والرابع: أنه لم يقل ذلك قول معتقد , وإنما قاله على وجه الإِنكار لعبادة
стр. 961
الأصنام , فإذا كان الكوكب والشمس القمر وما لم تصنعه يد ولا عَمِلَه بشر لم تكن معبودة لزوالها , فالأصنام التي هي دونها أولى ألاّ تكون معبودة. والخامس: أنه قال ذلك توبيخاً على وجه الإِنكار الذي يكون معه ألف الاستفهام وتقديره: أهذا ربي , كما قال الشاعر:
(رفوني وقالوا يا خويلد لا ترع ... فقلت وأنكرت الوجه هم هم)
بمعنى أهم هم؟ ﴿فَلَمَّا أَفَلَ﴾ أي غاب , قال ذو الرمة:
(مصابيح ليست باللواتي يقودها ... نجوم ولا بالآفلات الدوالك)
﴿قَالَ لَا أُحِبُّ الأفِلِينَ﴾ يعني حُبَّ رَبٍّ معبود , وإلا فلا حرج في محبتهم غير حب الرب. ﴿فَلمَّا رَءَا الْقَمَرَ بَازِغاً﴾ أي طالعاً , وكذلك بزغت الشمس أي طلعت. فإن قيل: فَلِمَ كان أفولها دليلاً على أنه لا يجوز عبادتها وقد عبدها مع العلم بأفولها خلق من العقلاء؟ قيل لأن تغيرها بالأفول دليل على أنها مُدَبَّرة محدثة , وما كان بهذه الصفة استحال أن يكون إلهاً معبوداً.
стр. 962
﴿وحاجه قومه قال أتحاجوني في الله وقد هدان ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا وسع ربي كل شيء علما أفلا تتذكرون وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل
стр. 963
به عليكم سلطانا فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء إن ربك حكيم عليم﴾ قوله تعالى: ﴿الَّذِينَءَامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلمٍ﴾ في الظلم ها هنا قولان: أحدهما: أنه الشرك , قاله ابن مسعود , وأُبَيّ بن كعب , روى ابن مسعود قال: لما نزلت هذه الآية شق على المسلمين فقالوا: ما منَّا من أحد إلا وهو يظلم نفسه , فقال رسول الله ﷺ : (لَيسَ كَمَا تَظُنُّونَ , وَإِنَّمَا هُوَ كَمَا قَالَ لَقْمَانُ لابْنِه﴾ ﴿يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الْشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]. والثاني: أنه سائر أنواع الظلم. ومن قال بهذا اختلفوا في عمومها وخصوصها على قولين: أحدهما: أنها عامة. والثاني: أنها خاصة. واختلف من قال بتخصيصها فيمن نزلت على قولين: أحدهما: أن هذه الآية نزلت في إبراهيم خاصة وليس لهذه الأمة منها شيء , قاله علي كرّم الله وجهه. والثاني: أنها فيمن هاجر إلى المدينة , قاله عكرمة.
стр. 964
واختلفوا فيمن كانت هذه الآية جواباً منه على ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه جواب من الله تعالى فصل به بين إبراهيم ومن حَاجّه من قومه , قاله ابن زيد , وابن إسحاق. والثاني: أنه جواب قومه لما سألهم ﴿أَيُّ الْفَرِيقَينِ أَحَقُّ بِالأمْنِ﴾؟ فأجاوبا بما فيه الحجة عليهم , قاله ابن جريج. والثالث: أنه جواب إبراهيم كما يسأل العالم نفسصه فيجيبها , حكاه الزجاج. قوله تعالى: ﴿وَتَلْكَ جُجَّتُنآءَاتَينَاهآ إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ﴾ وفي هذه الحجة التي أوتيها ثلاثة أقاويل: أحدها: قوله لهم: ﴿أَتَعُْبدُونَ مِنْ دِونِ اللَّهِ مَا لَا يمْلِكُ لَكُم ضَراً وَلَا نَفْعاً﴾ أم تعبدون من يملك الضر والنفع؟ فقالوا: مالك الضر والنفع أحق. والثاني: أنه لما قال: ﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَينِ أَحَقُّ بِالأمْنِ﴾ عبادة إله واحد أم آلهة شتى؟ فقالوا: عبادة إله واحد فأقروا على أنفسهم. والثالث: أنهم لما قالوا لإِبراهيم ألا تخاف أن تخبلك آلهتنا؟ فقال: أما تخافون أن تخبلكم آلهتكم بجمعكم للصغير مع الكبير في العبادة. واختلفوا في سبب ظهور الحجَّة لإبراهيم على قولين: أحدهما: أن الله تعالى أخطرها بباله حتى استخرجها بفكره. والثاني: أنه أمره بها ولقنه إياها. ﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَشَاءُ﴾ فيه أربعة أوجه: أحدها: عند الله بالوصول لمعرفته. والثاني: على الخلق بالاصطفاء لرسالته. والثالث: بالسخاء. والرابع: بحسن الخلق. وفيه تقديم وتأخير , وتقديره: نرفع من نشاء درجات.
стр. 965
﴿ووهبنا له إسحاق ويعقوب كلا هدينا ونوحا هدينا من قبل ومن
стр. 966
ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وكذلك نجزي المحسنين وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس كل من الصالحين وإسماعيل واليسع ويونس ولوطا وكلا فضلنا على العالمين ومن آبائهم وذرياتهم وإخوانهم واجتبيناهم وهديناهم إلى صراط مستقيم ذلك هدى الله يهدي به من يشاء من عباده ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده قل لا أسألكم عليه أجرا إن هو إلا ذكرى للعالمين﴾ قوله : ﴿ ... فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلآءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً لَّيْسُواْ بِهَا بِكَافِرِينَ﴾ فيهم خمسة أقاويل: أحدها: فإن تكفر بها قريش فقد وكلنا بها الأنصار , قاله الضحاك. والثاني: فإن يكفر بها أهل مكة فقد وكلنا بها أهل المدينة , قاله ابن عباس. والثالث: فإن تكفر بها قريش فقد وكلنا بها الملائكة , قاله أبو رجاء. والرابع: أنهم الأنبياء الثمانية عشر الذين ذكرهم الله تعالى من قبل بقوله: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ , قاله الحسن , وقتادة. والخامس: أنهم كل المؤمنين , قاله بعض المتأخرين. ومعنى قوله: ﴿فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا﴾ أي أقمنا بحفظها ونصرتها , يعني: كتب الله وشريعة دينه.
стр. 967
﴿وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون وهذا كتاب أنزلناه مبارك مصدق الذي بين يديه ولتنذر أم القرى ومن حولها والذين يؤمنون بالآخرة يؤمنون به وهم على صلاتهم يحافظون﴾ قوله : ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ فيه أربعة تأويلات: أحدها: وما عظموه حق عظمته , قاله الحسن , والفراء , والزجاج. والثاني: وما عرفوه حق معرفته , قاله أبو عبيدة. والثالث: وما وصفوه حق صفته , قاله الخليل. والرابع: وما آمنوا بأن الله على كل شيء قدير , قاله ابن عباس. ﴿إِذْ قَالُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ﴾ يعني من كتاب من السماء. وفي هذا الكتاب الذي أنكروا نزوله قولان: أحدهما: أنه التوراة , أنكر حبر اليهود فيما أنزل منها ما روي أن النبي ﷺ رأى هذا الحبر اليهودي سميناً , فقال له: (أَمَا تَقْرَءُونَ فِي التَّورَاةِ: أَنَّ اللَّه يَبْغَضُ الحَبْرَ السَّمِينَ) فغضب من ذلك وقال: ما أنزل الله على بشر من شيء , فتبرأت منه اليهود ولعنته , حكاه ابن بحر. والقول الثاني: أنه القرآن أنكروه رداً لأن يكون القرآن مُنَزَّلاً. وفي قائل ذلك قولان: أحدهما: قريش. والثاني: اليهود. فرد الله تعالى عليهم بقوله: ﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَآءَ بِهِ مُوسَى﴾ يعني التوراة لاعترافهم بنزولها.
стр. 968
ثم قال: ﴿نُوراً وَهُدىً لِّلنَّاسِ﴾ لأن المنزل من السماء لا يكون إلا نوراً وهدىً. ثم قال: ﴿تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيراً﴾ يعني أنهم يخفون ما في كتابهم من بنوة محمد ﷺ , وصفته وصحة رسالته. قوله : ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلَنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ يعني القرآن , وفي ﴿مُبارَكٌ﴾ ثلاثة أوجه: أحدها: أنه العظيم البركة لما فيه من الاستشهاد به. والثاني: لما فيه من زيادة البيان لأن البركة هي الزيادة. والثالث: أن المبارك الثابت. ﴿مُّصَدِقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ فيه قولان: أحدهما: الكتب التي قبله من التوراة , والإِنجيل , وغيرهما , قاله الحسن البصري. والثاني: النشأة الثانية , قاله علي بن عيسى. ﴿وَلِتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى﴾ يعني أهل أم القرى , فحذف ذكر الأهل إيجازاً كما قال: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢]. و ﴿أُمَّ الْقُرَى﴾ مكة وفي تسميتها بذلك أربعة أقاويل: - أحدها: لأنها مجتمع القرى , كما يجتمع الأولاد إلى الأم. والثاني: لأن أول بيت وضع بها , فكأن القرى نشأت عنها , قاله السدي. والثالث: لأنها معظمة كتعظيم الأم , قاله الزجاج. والرابع: لأن الناس يؤمونها من كل جانب , أي يقصدونها. ثم قال: ﴿وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ قال ابن عباس: هم أهل الأرض كلها.
стр. 969
﴿وَالَّذِينَ يَؤْمِنُونَ بِالأَخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ وفيما ترجع إليه هذه الكناية قولان: أحدهما: إلى الكتاب , وتقديره: والذين يؤمنون بالآخرة يؤمنون بهذا الكتاب , قاله الكلبي. والثاني: إلى محمد ﷺ , وتقديره: والذين يؤمنون بالآخرة , يؤمنون بمحمد ﷺ لِمَا قد أظهر الله تعالى من معجزته وأَبَانَه الله من صدقه , قاله الفراء. فإن قيل: فيمن يؤمن بالآخرة من أهل الكتاب لا يؤمنون به؟ قيل: لا اعتبار لإِيمانهم بها لتقصيرهم في حقها , فصاروا بمثابة من لم يؤمن بها.
стр. 970
﴿ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على الله غير الحق وكنتم عن آياته تستكبرون ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء لقد تقطع بينكم وضل عنكم ما كنتم تزعمون﴾ قوله : ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيهِ شَيْءٌ﴾ فيمن نزل فيه ذلك قولان: أحدهما: أنه مسيلمة الكذاب , قاله عكرمة. والثاني: مسيلمة والعنسي , قاله قتادة. وقد روى معمر عن الزهري أن النبي ﷺ قال: (بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ كَأَنَّ
стр. 971
فِي يَديَّ سُوَارَينِ مِن ذَهبٍ , فَكَبُرَ عليَّ , فَأُوحِي إِلَيَّ أَنْ أَنْفُخَهُمَا فَنَفَخْتُهُمَا فَطَارَا , فَأَوَّلْتُ ذَلِكََ كَذَّابَ اليَمَامَةِ وَكَذَّابَ صَنْعَاءَ العَنَسِي). ﴿وَمَن قَالَ سَأُنزِلَ مِثْلَ مَآ أَنزَلَ اللَّهُ﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: من تقدم ذكره من مدعي الوحي والنبوة. والثاني: أنه عبد الله بن سعد بن أبي سرح , قاله السدي , قال الفراء: كان يكتب للنبي ﷺ فإذا قال النبي: ﴿غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ كتب ﴿سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ و ﴿عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ فيقول له النبي ﷺ : (هُمَا سَوَاء) حتى أملى عليه ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِن طِينٍ﴾ إلى قوله: ﴿خَلْقاً أَخَرَ﴾ فقال ابن أبي السرح: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَْحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ تعجباً من تفصيل خلق الإِنسان , فقال النبي ﷺ : (هَكَذَا نَزَلَتْ) فشك وارتد. والثالث: ما حكاه الحكم عن عكرمة: أنها نزلت في النضر بن الحارث , لأنه عارض القرآن , لأنه قال: والطاحنات طحناً , والعاجنات عجناً , والخابزات خبزاً , فاللاقمات لقماً. وفي قوله: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ﴾ قولان: أحدهما: باسطوا أيديهم بالعذاب , قاله الحسن , والضحاك. والثاني: باسطو أيديهم لقبض الأرواح من الأجساد , قاله الفراء. ويحتمل ثالثاً: باسطوا أيديهم بصحائف الأعمال. ﴿أَخْرِجُواْ أَنْفُسَكُمُ﴾ فيه قولان: أحدهما: من أجسادكم عند معاينة الموت إرهاقاً لهم وتغليظاً عليهم , وإن كان إخراجها من فعل غيرهم.
стр. 972
والثاني: أخرجوا أنفسكم من العذاب إن قدرتم , تقريعاً لهم وتوبيخاً بظلم أنفسهم , قاله الحسن. ويحتمل ثالثاً: أن يكون معناه خلصوا أنفسكم بالاحتجاج عنها فيما فعلتم. ﴿الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ﴾ والهون بالضم الهوان , قاله ذو الأصبع العدواني:
(أذهب إليك أمي براعية ... ترعى المخاض ولا أغضي على الهون)
وأما الهَوْن بالفتح فهو الرفق ومنه قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوناً﴾ يعني برفق وسكينة , قال الراجز:
(هونكما لا يرد الدهر ما فاتا ... لا تهلكن أسى في أثر من ماتا)
قوله : ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ الفرادى الواحدان , ويحتمل وجهين: أحدهما: فرادى من الأعوان. والثاني: فرادى من الأموال. ﴿وَتَرَكْتُم مَّا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَآءَ ظُهُورِكُمْ﴾ يعني ما ملكناكم من الأموال , والتخويل تمليك المال , قال أبو النجم:
(أعطى فلم يبخل ولم يبخل ... كوم الذرى من خول المخول)
﴿وَمَا نَرَى مَعَكُم شُفعاءَكُمُ﴾ فيه وجهان: أحدهما: آلهتهم التي كانوا يعبدونها , قاله الكلبي. والثاني: الملائكة الذين كانوا يعتقدون شفاعتهم , قاله مقاتل.
стр. 973
﴿الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَآءُ﴾ فيه وجهان: أحدهما: يعني شفعاء , قاله الكلبي. والثاني: أى متحملين عنكم تحمل الشركاء عن الشركاء. ﴿لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ فيه وجهان: أحدهما: تفرق جمعكم في الآخرة. والثاني: ذهب تواصلكم في الدنيا , قاله مجاهد. ومن قرأ ﴿بَيْنَكُمْ﴾ بالفتح , فمعناه تقطع الأمر بينكم. ﴿وَضَلَّ عَنَكُم مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ فيه وجهان: أحدهما: من عدم البعث والجزاء. والثاني: من شفعائكم عند الله. فإن قيل: فقوله: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا﴾ خبر عن ماض , والمقصود منه الاستقبال؟ فعن ذلك جوابان. أحدهما: أنه يقال لهم ذلك في الآخرة فهو على الظاهر إخبار. والثاني: أنه لتحققه بمنزلة ما كان , فجاز , وإن كان مستقبلاً أن يعبر عنه بالماضي.
стр. 974
﴿إن الله فالق الحب والنوى يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي ذلكم الله فأنى تؤفكون فالق الإصباح وجعل الليل سكنا والشمس والقمر حسبانا ذلك تقدير العزيز العليم وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر قد فصلنا الآيات لقوم يعلمون﴾ قوله : ﴿ ... فَالِقُ الْحَبِّ وَالْنُّوَى﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: يعني فالق الحبة عن السنبلة والنواة عن النخلة , قاله الحسن. وقتادة , والسدي , وابن زيد.
стр. 975
والثاني: أن الفلق الشق الذي فيهما , قال مجاهد. والثالث: أنه يعني خالق الحب والنوى , قاله ابن عباس. وذكر بعض أصحاب الغوامض قولاً رابعاً: أنه مُظْهِرُ ما في حبة القلب من الإخلاص , والرياء. ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الَحيِّ﴾ فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: يخرج السنبلة الحية من الحبة الميتة , والنخلة الحية من النواة الميتة , ويعني بإخراج الميت من الحي أن يخرج الحبة الميتة من السنبلة الحية , والنواة الميتة من النخلة الحية , قاله السدي. والثاني: أن يخرج الإِنسان من النطفة , والنطفة من الإِنسان , قاله ابن عباس. والثالث: يخرج المؤمن من الكافر , والكافر من المؤمن , قاله الحسن. وقد ذكرنا فيه احتمالاً , أنه يخرج الفَطِن الجَلْد من البليد العاجز , ويخرج البليد العاجز من الفَطِن الجَلْد. ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ أي تصرفون عن الحق. ﴿فَالِقُ الإِصْبَاحِ﴾ فيه أربعة أقاويل: أحدها: فالق الإِصباح , قاله قتادة. والثاني: أنه إضاءة الفجر , قاله مجاهد. والثالث: أن معناه خالق نور النهار , وهذا قول الضحاك. والرابع: أن الإِصباح ضوء الشمس بالنهار وضوء القمر بالليل , قاله ابن عباس. ﴿وَجَعَلَ اللَّيلَ سَكَناً﴾ فيه قولان:
стр. 976
أحدهما: أنه سُمِّي سكناً لأن كل متحرك بالنهار يسكن فيه. والثاني: لأن كل حي يأوي فيه إلى مسكنه. ﴿وَالشَّمْسَ والْقَمَرَ حُسْبَاناً﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: معناه يجريان في منازلهما بحساب وبرهان فيه بدء ورد إلى زيادة ونقصان , قاله ابن عباس والسدي. والثاني: أي جعلهما سبباً لمعرفة حساب الشهور والأعوام. والثالث: أي جعل الشمس والقمر ضياء , قاله قتادة , وكأنه أخذه من قوله تعالى: ﴿وَيُرْسِلَ عَلَيهَا حُسْبَاناً مِنَ السَّمَآءِ﴾ [الكهف: ٤٠] قال: ناراً.
стр. 977
﴿وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة فمستقر ومستودع قد فصلنا الآيات لقوم يفقهون وهو الذي أنزل من السماء ماء فأخرجنا به نبات كل شيء فأخرجنا منه خضرا نخرج منه حبا متراكبا ومن النخل من طلعها قنوان دانية وجنات من أعناب والزيتون والرمان مشتبها وغير متشابه انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه إن في ذلكم لآيات لقوم يؤمنون﴾ قوله : ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَكُمْ مِّن نَّفْسِ وَاحِدَةٍ﴾ يعني آدم ﵇. ﴿فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَودَعٌ﴾ فيه ستة تأويلات: أحدها: فمستقر في الأرض ومستودع في الأصلاب , قاله ابن عباس. والثاني: فمستقر في الرحم ومستودع في القبر , قاله ابن مسعود. والثالث: فمستقر في أرحام النساء ومستودع في أصلاب الرجال , قاله عطاء , وقتادة.
стр. 978
والرابع: فمستقر في الدنيا ومستودع في الآخرة , قاله مجاهد. والخامس: فمستقر في الأرض ومستودع في القبر , قاله الحسن. والسادس: أن المستقر ما خُلِق , والمستودع ما لم يُخلق , وهو مروي عن ابن عباس أيضاً. قوله : ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ فيه قولان: أحدهما: معناه رزق كل شيء من الحيوان. والثاني: نبات كل شيء من الثمار. ﴿فَأَخْرجْنَا مِنهُ خَضِراً﴾ يعني زرعاً رطباً بخلاف صفته عند بذره. ﴿نُّخْرِجُ مِنهُ حَبّاً مُّتَرَاكِباً﴾ يعني السنبل الذي قد تراكب حبه. ﴿وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيةٌ﴾ القنوان جمع قنو وفيه ثلاثة تأويلات: أحدهما: أنه الطلع , قاله الضحاك. والثاني: أنه الجمار. والثالث: هي الأعذاق , قال امرؤ القيس
(أثت أعاليه وآدت أصوله ... ومال بقنوان من البسر أحمرا)
﴿دَانِيَةٌ﴾ فيه قولان: أحدهما: دانية من المجتني لقصر نخلها وقرب تناولها , قاله ابن عباس. والثاني: داينة بعضها من بعض لتقاربها , قاله الحسن. ﴿وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ﴾ يعني بساتين من أعناب. ﴿مُشْتَبِهاً وَغَيرَ مُتَشَابِهٍ﴾ فيه وجهان: أحدهما: مشتبها ورقه مختلفاً ثمره , قال قتادة.
стр. 979
والثاني: مشتبهاً لونه مختلفاً طعمه , قاله الكلبي. ﴿انظُرُواْ إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ﴾ قرأ حمزة والكسائي بالضم , وقرأ الباقون بالفتح , وفي اختلافه بالضم والفتح قولان: أحدهما: أن الثُّمُر بالضم جمع ثمار , وبالفتح جمع ثمرة , قاله علي بن عيسى. والثاني: أن الثُّمُر بالضم: المال , وبالفتح: ثمر النخل , قاله مجاهد , وأبو جعفر الطبري. ﴿وَيَنْعِهِ﴾ يعني نضجة وبلوغه.
стр. 980
﴿وجعلوا لله شركاء الجن وخلقهم وخرقوا له بنين وبنات بغير علم سبحانه وتعالى عما يصفون﴾ قوله : ﴿وَجَعَلُواْ لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أن المجوس نسبت الشر إلى إبليس , وتجعله بذلك شريكاً لله. والثاني: أن مشركي العرب جعلوا الملائكة بنات الله وشركاء له , قاله قتادة , والسدي , وابن زيد كقوله تعالى: ﴿وَجَعَلُواْ بَينَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ فَسَمَّى الملائكة لاختفائهم عن العيون جنة. والثالث: أنه أطاعوا الشيطان في عبادة الأوثان حتى جعلوها شركاء لله في العبادة , قاله الحسن , والزجاج. ﴿وَخَلَقَهُمْ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أنه خلقهم بلا شريك [له] , فَلِمَ جعلوا له في العبادة شريكاً؟. والثاني: أنه خلق من جعلوه شريكاً فكيف صار في العبادة شريكاً.
стр. 981
وقرأ يحيى بن يعمر ﴿وَخَلْقَهُمْ﴾ بتسكين اللام. ومعناه أنهم جعلوا خلقهم الذي صنعوه بأيديهم من الأصنام لله شريكاً. ﴿وَخَرَقُواْ لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ في خرقوا قراءتان بالتخفيف والتشديد , وفيه قولان: أحدهما: أن معنى خرقوا كذبوا , قاله مجاهد , وقتادة , وابن جريج , وابن زيد. والثاني: معناه وخلقوا له بنين وبنات , والخلق والخرق واحد , قاله الفراء. والقول الثاني: أن معنى القراءتين مختلف , وفي اختلافهما قولان: أحدهما: أنها بالتشديد على التكثير. والثاني: أن معناها بالتخفيف كذبوا , وبالتشديد اختلفوا. والبنون قول النصارى في المسيح أنه ابن الله , وقول اليهود أن عزيراً ابن الله. والبنات قول مشركي العرب في الملائكة أنهم بنات الله. ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: بغير علم منهم أن له بنين وبنات. والثاني: بغير حجة تدلهم على أن له بنين وبنات.
стр. 982
﴿بديع السماوات والأرض أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة وخلق كل شيء وهو بكل شيء عليم ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شيء فاعبدوه وهو على كل شيء وكيل لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير﴾ قوله : ﴿لَاّ تُدْرِكُهُ الأبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ﴾ فيه لأهل التأويل خمسة أقاويل:
стр. 983
أحدها: معناه لا تحيط به الأبصار , وهو يحيط بالأبصار , واعتل قائل هذا بقوله: ﴿فَلَمَّا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ﴾ فوصف الله الغرق بأنه أدرك فرعون , وليس الغرق موصوفاً بالرؤية , كذلك الإدراك هنا , وليس ذلك بمانع من الرؤية بالإِبصار , غير أن هذا اللفظ لا يقتضيه وإن دل عليه قوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾. والقول الثاني: معناه لا تراه الأبصار وهو يرى الأبصار , واعتل قائلو ذلك بأمرين: أحدهما: أن الأبصار ترى ما بينها ولا ترى ما لاصقها , وما بين البصر فلا بد أن يكون بينهما فضاء , فلو رأته الأبصار لكان محدوداً ولخلا منه مكان , وهذه صفات الأجسام التي يجوز عليها الزيادة والنقصان. والثاني: أن الأبصار تدرك الألوان كما أن السمع يدرك الأصوات , فلما امتنع أن يكون ذا لون امتنع أن يكون مرئياً , كما أن ما امتنع أن يكون ذا صوت امتنع أن يكون مسموعاً. والقول الثالث: لا تدركه أبصار الخلق في الدنيا بدليل قوله: ﴿لَا تَدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ وتدركه في الآخرة بدليل قوله: ﴿إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٣] وهو يدرك الأبصار في الدنيا والآخرة. والرابع: لا تدركه أبصار الظالمين في الدنيا والآخرة , وتدركه أبصار المؤمنين , وهو يدرك الأبصار في الدنيا والآخرة , لأن الإِدراك له كرامة تنتفي عن أهل المعاصي.
стр. 984
والقول الخامس: أن الأبصار لا تدركه في الدنيا والآخرة , ولكن الله يحدث لأوليائه حاسة سادسة سوى حواسهم الخمس يرونه بها , اعتِلَالاً بأن الله أخبر برؤيته , فلو جاز أن يُرَى في الآخرة بهذه الأبصار وإن زِيْدَ في قواها جاز أن يرى بها في الدنيا وإن ضعفت قواها بأضعف من رؤية الآخرة , لأن ما خُلِقَ لإِدراك شيء لا يُعْدَمُ إدراكه , وإنما يختلف الإِدراك بحسب اختلاف القوة والضعف , فلما كان هذا مانعاً من الإدراك - وقد أخبر الله تعالى بإدراكه - اقتضى أن يكون ما أخبر به حقاً لا يدفع بالشبه , وذلك بخلق حاسة أخرى يقع بها الإِدراك. ثم قال: ﴿وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ فاحتمل وجهين من التأويل: أحدهما: لطيف بعباده في الإِنعام عليهم , خبير بمصالحهم. والثاني: لطيف في التدبير خبير بالحكمة.
стр. 985
﴿قد جاءكم بصائر من ربكم فمن أبصر فلنفسه ومن عمي فعليها وما أنا عليكم بحفيظ وكذلك نصرف الآيات وليقولوا درست ولنبينه لقوم يعلمون﴾ قوله : ﴿وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن يتلو بعضها بعضاً فلا ينقطع التنزيل. والثاني: أن الآية تنصرف في معان متغايرة مبالغة في الإِعجاز ومباينة لكلام البشر. والثالث: أنه اختلاف ما تضمنها من الوعد والوعيد والأمر والنهي , ليكون أبلغ في الزجر , وأدعى إلى الإِجابة , وأجمع للمصلحة. ثم قال تعالى: ﴿وَلِيَقُولُواْ دَرَسْتَ﴾ وفي الكلام حذف , وتقديره: ولئلا يقولوا درست , فحذف ذلك إيجازاً كقوله تعالى: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ﴾ [النساء: ١٦٧] أي لئلا تضلوا. وفي ﴿دَرَسْتَ﴾ خمس قراءات يختلف تأويلها بحسب اختلافها:
следующие страницы →