Полный текст (921 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
الْعَيْنَيْنِ بَرَّاقُ الثَّنَايَا فِي وَجْهِهِ خَالٌ أَقْنَى أَجْلَى فِي كَتِفِهِ عَلَامَةُ النَّبِيِّ ﷺ » .
وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: «الْمَهْدِيُّ أَزَجُّ أَبْلَجُ أَعْيَنُ يَجِيءُ مِنَ الْحِجَازِ حَتَّى يَسْتَوِيَ عَلَى مَسْجِدِ دِمَشْقَ» . أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ.
وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي نُعَيْمٍ بِكَتِفِهِ الْيُمْنَى خَالٌ.
وَفِي حَدِيثِ عَلِيٍّ مَرْفُوعًا: «أَنَّهُ كَثُّ اللِّحْيَةِ أَكْحَلُ الْعَيْنَيْنِ بَرَّاقُ الثَّنَايَا فِي وَجْهِهِ خَالٌ وَفِي كَتِفِهِ عَلَامَةٌ» .
وَقَالَ كَعْبُ الْأَحْبَارِ: إِنِّي لَأَجِدُ الْمَهْدِيَّ مَكْتُوبًا فِي أَسْفَارِ الْأَنْبِيَاءِ مَا فِي حُكْمِهِ ظُلْمٌ وَلَا عَيْبٌ. أَخْرَجَهُ أَبُو عَمْرٍو الْمُقْرِي فِي سُنَنِهِ وَنُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ.
وَأَخْرَجَ أَبُو نُعَيْمٍ عَنْ طَاوُسٍ قَالَ: عَلَامَةُ الْمَهْدِيِّ أَنَّهُ يَكُونُ شَدِيدًا عَلَى الْعُمَّالِ جَوَادًا بِالْمَالِ رَحِيمًا بِالْمَسَاكِينِ.
وَرَأَيْتُنِي قَدْ وَصَفْتُهُ فِي كِتَابِ الْبِحَارِ الزَّاخِرَةِ بِأَنَّهُ آدَمُ أَيْ أَسْمَرُ، ضَرْبٌ مِنَ الرِّجَالِ أَيْ خَفِيفُ اللَّحْمِ، مَمْشُوقٌ مُسْتَدِقٌّ، رَبْعَةٌ أَيْ لَا بِالطَّوِيلِ وَلَا بِالْقَصِيرِ، أَجْلَى الْجَبْهَةِ أَيْ خَفِيفُ شَعْرِ النَّزْعَتَيْنِ عَنِ الصُّدْغَيْنِ وَهُوَ الَّذِي انْحَسَرَ الشَّعْرُ عَنْ جَبْهَتِهِ، أَقْنَى الْأَنْفِ أَيْ طَوِيلُهُ مَعَ دِقَّةِ أَرْنَبَتِهِ أَشَمُّ أَيْ رَفِيعُ الْعِرْنِينِ، أَزَجُّ أَيْ حَاجِبُهُ فِيهِ تَقْوِيسٌ مَعَ طُولٍ فِي طَرَفِهِ أَوِ امْتِدَادِهِ، أَبْلَجُ أَعْيَنُ أَكْحَلُ الْعَيْنَيْنِ وَاسِعُ الْعَيْنِ - وَالْكَحَلُ بِفَتْحَتَيْنِ سَوَادٌ فِي أَجْفَانِ الْعَيْنِ خِلْقَةً مِنْ غَيْرِ اكْتِحَالٍ، بَرَّاقُ الثَّنَايَا أَيْ لِثَنَايَاهُ بَرِيقٌ وَلَمَعَانٌ، أَفْرَقُهَا أَيْ لَيْسَتْ مُتَلَاصِقَةً، أَزْيَلُ الْفَخِذَيْنِ أَيْ مُنْفَرِجُ الْفَخِذَيْنِ مُتَبَاعِدُهُمَا. وَفِي رِوَايَةٍ فِي لِسَانِهِ ثِقَلٌ وَإِذَا أَبْطَأَ عَلَيْهِ ضَرَبَ فَخِذَهُ الْأَيْسَرَ بِيَدِهِ الْيُمْنَى، ابْنُ أَرْبَعِينَ سَنَةً - وَفِي رِوَايَةٍ: «مَا بَيْنَ ثَلَاثِينَ إِلَى أَرْبَعِينَ - خَاشِعٌ لِلَّهِ خُشُوعَ النَّسْرِ بِجَنَاحَيْهِ عَلَيْهِ عَبَاءَتَانِ قَطَوَانِيَّتَانِ» . قَالَ فِي النِّهَايَةِ هِيَ عَبَاءَةٌ بَيْضَاءُ قَصِيرَةُ الْخَمْلِ وَالنُّونُ زَائِدَةٌ.
[الثانية سيرة المهدي]
(الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ فِي سِيرَتِهِ)
قَالَ أَهْلُ الْعِلْمِ: يَعْمَلُ بِسُنَّةِ النَّبِيِّ ﷺ لَا يُوقِظُ نَائِمًا، وَيُقَاتِلُ عَلَى السُّنَّةِ لَا يَتْرُكُ سُنَّةً إِلَّا أَقَامَهَا وَلَا بِدْعَةً إِلَّا رَفَعَهَا، يَقُومُ بِالدِّينِ آخِرَ الزَّمَانِ كَمَا قَامَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ أَوَّلَهُ، يَمْلِكُ الدُّنْيَا كُلَّهَا كَمَا مَلَكَ ذُو الْقَرْنَيْنِ وَسُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ ﵉، يَكْسِرُ الصَّلِيبَ وَيَقْتُلُ الْخِنْزِيرَ وَيَرُدُّ إِلَى الْمُسْلِمِينَ أُلْفَتَهُمْ وَنِعْمَتَهُمْ، يَمْلَأُ الْأَرْضَ قِسْطًا وَعَدْلًا كَمَا مُلِئَتْ ظُلْمًا وَجَوْرًا، يَحْثُو الْمَالَ حَثْوًا وَلَا يَعُدُّهُ عَدًّا، يَقْسِمُ الْمَالَ صِحَاحًا بِالسَّوِيَّةِ، يَرْضَى عَنْهُ سَاكِنُ السَّمَاءِ وَسَاكِنُ الْأَرْضِ وَالطَّيْرُ فِي الْجَوِّ
стр. 527
وَالْوَحْشُ فِي الْقَفْرِ وَالْحِيتَانُ فِي الْبَحْرِ، يَمْلَأُ قُلُوبَ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ غِنًى حَتَّى إِنَّهُ يَأْمُرُ مُنَادِيًا يُنَادِي: أَلَا مَنْ لَهُ حَاجَةٌ فِي الْمَالِ؟ فَلَا يَأْتِيهِ إِلَّا رَجُلٌ وَاحِدٌ فَيَقُولُ أَنَا فَيَقُولُ ائْتِ السَّادِنَ - أَيِ الْخَازِنَ - فَقُلْ لَهُ الْمَهْدِيُّ يَأْمُرُكَ أَنْ تُعْطِيَنِي مَالًا فَيَقُولُ لَهُ احْثُ حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ فِي حِجْرِهِ وَأَبْرَزَهُ نَدِمَ فَيَقُولُ كُنْتُ أَجَشَعَ - أَيْ أَحْرَصَ - أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ أَعَجَزَ عَنِّي مَا وَسِعَهُمْ؟ قَالَ فَيَرُدُّهُ فَلَا يَقْبَلُ مِنْهُ فَقَالَ لَهُ إِنَّا لَا نَأْخُذُ شَيْئًا أَعْطَيْنَاهُ الْأُمَّةَ.
تَنْعَمُ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ بَرُّهَا وَفَاجِرُهَا فِي زَمَانِهِ نِعْمَةً لَمْ يَسْمَعُوا بِمِثْلِهَا قَطُّ وَتُرْسَلُ السَّمَاءُ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا لَا تَدَّخِرُ شَيْئًا مِنْ قَطْرِهَا، وَتُؤْتِي الْأَرْضُ أُكُلَهَا لَا تَدَّخِرُ عَنْهُمْ شَيْئًا مِنْ بَذْرِهَا، تَجْرِي عَلَى يَدَيْهِ الْمَلَاحِمُ، يَسْتَخْرِجُ الْكُنُوزَ وَيَفْتَحُ الْمَدَائِنَ مَا بَيْنَ الْخَافِقَيْنِ، يُؤْتَى إِلَيْهِ بِمُلُوكِ الْهِنْدِ مُغَلَّلِينَ وَتُجْعَلُ خَزَائِنُهُمْ لِبَيْتِ الْمَقْدِسِ حَلْيًا، يَأْوِي إِلَيْهِ النَّاسُ كَمَا يَأْوِي النَّحْلُ إِلَى يَعْسُوبِهِ حَتَّى يَكُونَ النَّاسُ عَلَى مِثْلِ أَمْرِهِمُ الْأَوَّلِ، يُمِدُّهُ اللَّهُ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ يَضْرِبُونَ وُجُوهَ مُخَالِفِيهِ وَأَدْبَارَهُمْ جِبْرِيلُ عَلَى مُقَدِّمَتِهِ وَمِيكَائِيلُ عَلَى سَاقَتِهِ، تَرْعَى الشَّاةُ وَالذِّئْبُ فِي زَمَانِهِ فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ، وَتَلْعَبُ الصِّبْيَانُ بِالْحَيَّاتِ وَالْعَقَارِبِ لَا تَضُرُّهُمْ شَيْئًا، وَيَزْرَعُ الْإِنْسَانُ مُدًّا فَيُخْرِجُ لَهُ سَبْعَمِائَةِ مُدٍّ، وَيُرْفَعُ الرِّبَا وَالزِّنَا وَشُرْبُ الْخَمْرِ، وَتَطُولُ الْأَعْمَارُ وَتُؤَدَّى الْأَمَانَةُ وَتُهْلَكُ الْأَشْرَارُ وَلَا يَبْقَى مَنْ يُبْغِضُ آلَ مُحَمَّدٍ ﷺ .
مَحْبُوبٌ - يَعْنِي الْمَهْدِيَّ - فِي الْخَلَائِقِ يُطْفِئُ اللَّهُ بِهِ الْفِتْنَةَ الْعَمْيَاءَ وَتَأْمَنُ الْأَرْضُ حَتَّى إِنَّ الْمَرْأَةَ تَحُجُّ فِي خَمْسِ نِسْوَةٍ مَا مَعَهُنَّ رَجُلٌ وَلَا يَخَفْنَ شَيْئًا إِلَّا اللَّهَ، مَكْتُوبٌ فِي شَعَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ مَا فِي حُكْمِهِ ظُلْمٌ وَلَا عَيْبٌ.
[الثالثة علامات ظهور المهدي]
(الثَّالِثَةُ فِي عَلَامَاتِ ظُهُورِهِ)
قَالَ الْعَلَّامَةُ الشَّيْخُ مَرْعِيٌّ فِي كِتَابِهِ (فَوَائِدُ الْفِكَرِ فِي الْمَهْدِيِّ الْمُنْتَظَرِ) اعْلَمْ أَنَّ لِظُهُورِ الْمَهْدِيِّ عَلَامَاتٍ جَاءَتْ بِهَا الْآثَارُ وَدَلَّتْ عَلَيْهَا الْأَحَادِيثُ وَالْأَخْبَارُ، فَمِنْ عَلَامَاتِ ظُهُورِهِ عَلَى مَا وَرَدَ كُسُوفُ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَنَجْمُ الذَّنَبِ وَالظُّلْمَةُ وَسَمَاعُ الصَّوْتِ بِرَمَضَانَ وَتَحَارُبُ الْقَبَائِلِ بِذِي الْقَعْدَةِ وَظُهُورُ الْخَسْفِ وَالْفِتَنِ، وَمَعَهُ قَمِيصُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَسَيْفُهُ، وَرَايَتُهُ مِنْ مُرُطٍ مُخَمَّلَةٍ مُعَلَّمَةٍ سَوْدَاءَ فِيهَا حَجَرٌ لَمْ تُنْشَرْ مُنْذُ
стр. 528
تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَا تُنْشَرُ حَتَّى يَخْرُجَ الْمَهْدِيُّ مَكْتُوبٌ عَلَى رَأْسِهَا " الْبَيْعَةُ لِلَّهِ " كَذَا فِي الْإِشَاعَةِ لِلْعَلَّامَةِ السَّيِّدِ مُحَمَّدٍ الْبَرْزَنْجِيِّ الْمَدَنِيِّ، «وَيَغْرِسُ قَضِيبًا يَابِسًا فِي أَرْضٍ يَابِسَةٍ فَيَخْضَرُّ وَيُورِقُ، وَيُطْلَبُ مِنْهُ آيَةٌ فَيُومِئُ إِلَى طَيْرٍ فِي الْهَوَاءِ بِيَدِهِ فَيَسْقُطُ عَلَى يَدِهِ وَيُنَادِي مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ: أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ قَطَعَ عَنْكُمُ الْجَبَّارِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَأَشْيَاعَهُمْ وَوَلَّاكُمْ خَيْرَ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَأَلْحِقُوهُ بِمَكَّةَ فَإِنَّهُ الْمَهْدِيُّ وَاسْمُهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَتُخْرِجُ الْأَرْضُ أَفْلَاذَ كَبِدِهَا مِثْلَ الْأُسْطُوَانَاتِ مِنَ الذَّهَبِ وَيَخْرُجُ كَنْزُ الْكَعْبَةِ الْمَدْفُونُ فِيهَا فَيُقَسِّمُهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» . رَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ عَنْ عَلِيٍّ ﵁.
وَيُسْتَخْرَجُ تَابُوتُ السَّكِينَةِ مِنْ غَارِ أَنْطَاكِيَّةَ أَوْ مِنْ بُحَيْرَةِ طَبَرِيَّةَ فَيَخْرُجُ حَتَّى يُحْمَلَ فَيُوضَعَ بَيْنَ يَدَيْهِ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ فَإِذَا نَظَرَ إِلَيْهِ يَهُودُ أَسْلَمُوا إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ، وَتَأْتِيهِ الرَّايَاتُ السُّودُ مِنْ خُرَاسَانَ فَيُرْسِلُونَ إِلَيْهِ الْبَيْعَةَ، وَتَنْشَفُ الْفُرَاتُ فَتَحَسَّرُ عَلَى جَبَلٍ مِنْ ذَهَبٍ.
وَذَكَرُوا أَنَّهُ يَنْكَسِفُ الْقَمَرُ أَوَّلَ مَرَّةٍ مِنْ رَمَضَانَ وَالشَّمْسُ لَيْلَةَ النِّصْفِ. وَنَظَرَ فِي هَذَا الشَّيْخُ مَرْعِيٌّ بِأَنَّ الْعَادَةَ انْكِسَافُ الْقَمَرِ لَيَالِيَ الْأَبْدَارِ وَالشَّمْسِ أَيَّامَ الْأَسْرَارِ، وَلَكِنْ مِنَ الْمُمْكِنِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ آيَةً لِظُهُورِهِ وَفِيهَا خَرْقٌ لِلْعَادَةِ.
وَرَوَى أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْفِتَنِ قَالَ شَرِيكٌ بَلَغَنِي أَنَّ الْقَمَرَ قَبْلَ خُرُوجِهِ يَنْكَسِفُ مَرَّتَيْنِ بِرَمَضَانَ. وَذَكَرَ الْكِسَائِيُّ عَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ أَنَّ الْقَمَرَ يَنْكَسِفُ ثَلَاثَ لَيَالٍ مُتَوَالِيَاتٍ. وَرُوِيَ عَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ يَطْلُعُ نَجْمٌ بِالْمَشْرِقِ وَلَهُ ذَنَبٌ يُضِيءُ كَمَا يُضِيءُ الْقَمَرُ يَنْعَطِفُ حَتَّى يَلْتَقِيَ طَرَفَاهُ أَوْ يَكَادُ. وَفِي الدَّيْلَمِيِّ مَرْفُوعًا تَكُونُ هَدَّةٌ فِي رَمَضَانَ تُوقِظُ النَّائِمَ وَتُفْزِعُ الْيَقْظَانَ. وَمِنْ وَجْهٍ آخَرَ يَكُونُ صَوْتٌ فِي رَمَضَانَ فِي نِصْفِ الشَّهْرِ يُصْعَقُ مِنْهُ سَبْعُونَ أَلْفًا وَيَعْمَى مِثْلُهَا وَيُخْرَسُ مِثْلُهَا وَيُصَمُّ مِثْلُهَا وَيَنْفُقُ مِنَ الْأَكَابِرِ مِثْلُهَا.
وَمِنْ عَلَامَاتِ الْمَهْدِيِّ أَيْضًا خَسْفُ قَرْيَةٍ بِبِلَادِ الشَّامِ يُقَالُ لَهَا حَرَسْتَا كَمَا فِي الْإِشَاعَةِ وَغَيْرِهَا.
[الرابعة بعض ما يسبق المهدي من الفتن]
(الرَّابِعَةُ)
(فِي الْإِشَارَةِ إِلَى بَعْضِ الْفِتَنِ الْوَاقِعَةِ قَبْلَ خُرُوجِ الْمَهْدِيِّ وَخُرُوجِ خَوَارِجَ قَبْلَ ذَلِكَ) .
(مِنْهَا) مَا ذَكَرَهُ فِي الْإِشَاعَةِ أَنَّهُ «يُحْسَرُ الْفُرَاتُ عَنْ جَبَلٍ مِنْ ذَهَبٍ كَمَا
стр. 529
تَقَدَّمَ فَإِذَا سَمِعَ بِهِ النَّاسُ سَارُوا إِلَيْهِ وَاجْتَمَعَ عَلَيْهِ ثَلَاثَةٌ كُلُّهُمُ ابْنُ خَلِيفَةٍ يَقْتَتِلُونَ عِنْدَهُ ثُمَّ لَا يَصْبِرُ إِلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ فَيَقُولُ كُلُّ وَاحِدٍ وَاللَّهِ لَئِنْ تَرَكْتُ النَّاسَ يَأْخُذُونَ مِنْهُ لَيُذْهَبَنَّ بِكُلِّهِ فَيَقْتَتِلُونَ عَلَيْهِ حَتَّى يُقْتَلَ مِنْ كُلِّ مِائَةٍ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ، وَفِي رِوَايَةٍ فَيُقْتَلُ تِسْعَةُ أَعْشَارِهِمْ، وَفِي رِوَايَةٍ مِنْ كُلِّ تِسْعَةٍ سَبْعَةٌ، فَيَقُولُ كُلُّ رَجُلٍ لَعَلِّي أَنَا أَنْجُو.
وَقَدْ قَالَ ﷺ " مَنْ حَضَرَ فَلَا يَأْخُذْ مِنْهُ شَيْئًا» ". وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " «مَنْ حَضَرَ فَلَا يَأْخُذْ مِنْهُ شَيْئًا» " وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَخْرُجَ الْمَهْدِيُّ مِنْ وَلَدِي وَلَا يَخْرُجُ الْمَهْدِيُّ حَتَّى يَخْرُجَ سِتُّونَ كَذَّابًا كُلُّهُمْ يَقُولُ أَنَا نَبِيٌّ» ".
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ " «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُبْعَثَ دَجَّالُونَ كَذَّابُونَ قَرِيبًا مِنْ ثَلَاثِينَ كُلُّهُمْ يَزْعُمُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ» " رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ بِمَعْنَاهُ وَتَمَامُ الْحَدِيثِ فِي مُسْلِمٍ " «وَحَتَّى يُقْبَضَ الْعِلْمُ وَتَكْثُرَ الزَّلَازِلُ وَيَتَقَارَبَ الزَّمَانُ وَتَظْهَرَ الْفِتَنُ وَيَكْثُرَ الْهَرْجُ» " وَهُوَ الْقَتْلُ - الْحَدِيثَ. وَهُوَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ إِلَّا أَنَّ قَوْلَهُ وَتَكْثُرَ الزَّلَازِلُ فِي الْبُخَارِيِّ دُونَ مُسْلِمٍ.
وَفِي مُسْلِمٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ﵁ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «إِنَّ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ كَذَّابِينَ» " زَادَ فِي طَرِيقٍ أُخْرَى قَالَ جَابِرٌ فَاحْذَرُوهُمْ. وَقَالَ جَعْفَرٌ الصَّادِقُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَاقِرِ لَا يَظْهَرُ الْمَهْدِيُّ إِلَّا عَلَى خَوْفٍ شَدِيدٍ مِنَ النَّاسِ وَزِلْزَالٍ وَفِتْنَةٍ وَبَلَاءٍ يُصِيبُ النَّاسَ وَالطَّاعُونِ قَبْلَ ذَلِكَ وَسَيْفٍ قَاطِعٍ بَيْنَ الْعَرَبِ وَاخْتِلَافٍ شَدِيدٍ فِي النَّاسِ وَتَشَتُّتٍ فِي دِينِهِمْ وَتَغَيُّرٍ فِي حَالِهِمْ حَتَّى يَتَمَنَّى الْمُتَمَنِّي الْمَوْتَ صَبَاحًا وَمَسَاءً مِنْ عَظِيمِ مَا يَرَى مِنْ كَلَبِ النَّاسِ وَأَكْلِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا فَحِينَئِذٍ يَخْرُجُ فَيَا طُوبَى لِمَنْ أَدْرَكَهُ وَكَانَ مِنْ أَنْصَارِهِ وَالْوَيْلُ كُلُّ الْوَيْلِ لِمَنْ خَالَفَهُ وَخَالَفَ أَمْرَهُ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الصَّامِتِ قُلْتُ لِلْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ ﵄ أَمَا مِنْ عَلَامَةٍ بَيْنَ يَدَيْ هَذَا الْأَمْرِ - يَعْنِي ظُهُورَ الْمَهْدِيِّ - قَالَ قَالَ: بَلَى، قُلْتُ وَمَا هِيَ قَالَ: هَلَاكُ بَنِي الْعَبَّاسِ وَخُرُوجُ السُّفْيَانِيِّ وَالْخَسْفُ بِالْبَيْدَاءِ. قُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاكَ أَخَافُ أَنْ يَطُولَ هَذَا الْأَمْرُ، فَقَالَ إِنَّمَا هُوَ كَنِظَامٍ يَتْبَعُ بَعْضُهُ بَعْضًا.
стр. 530
وَعَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: تَكُونُ فِي الشَّامِ رَجْفَةٌ يَهْلَكُ فِيهَا أَكْثَرُ مِنْ مِائَةِ أَلْفٍ يَجْعَلُهَا اللَّهُ رَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَعَذَابًا عَلَى الْمُنَافِقِينَ فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَانْظُرُوا إِلَى أَصْحَابِ الْبَرَاذِينِ الشُّهُبِ وَالرَّايَاتِ الصَّفْرَاءِ تُقْبِلُ مِنَ الْمَغْرِبِ حَتَّى تَحِلَّ بِالشَّامِ وَذَلِكَ عِنْدَ الْجُوعِ الْأَكْبَرِ وَالْمَوْتِ الْأَحْمَرِ فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ فَانْظُرُوا خَسْفَ قَرْيَةٍ مِنْ قُرَى دِمَشْقَ يُقَالُ لَهَا حَرَسْتَا فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ خَرَجَ ابْنُ آكِلَةِ الْأَكْبَادِ مِنَ الْوَادِي الْيَابِسِ حَتَّى يَسْتَوِيَ عَلَى مِنْبَرِ دِمَشْقَ فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ فَانْظُرُوا خُرُوجَ الْمَهْدِيِّ.
وَمِنْ أَقْوَى عَلَامَاتِ خُرُوجِ الْمَهْدِيِّ خُرُوجُ مَنْ يَتَقَدَّمُهُ مِنَ الْخَوَارِجِ السُّفْيَانِيُّ وَالْأَبْقَعُ وَالْأَصْهَبُ وَالْأَعْرَجُ وَالْكِنْدِيُّ.
أَمَّا السُّفْيَانِيُّ فَاسْمُهُ عُرْوَةُ وَاسْمُ أَبِيهِ مُحَمَّدٌ وَكُنْيَتُهُ أَبُو عُتْبَةَ، قَالَ الْعَلَّامَةُ الشَّيْخُ مَرْعِيٌّ فِي فَوَائِدِ الْفِكَرِ وَفِي الدُّرَرِ إِنَّ السُّفْيَانِيَّ مِنْ وَلَدِ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ مَلْعُونٌ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ أَكْثَرُ خَلْقِ اللَّهِ ظُلْمًا قَالَ عَلِيٌّ ﵁: السُّفْيَانِيُّ مِنْ وَلَدِ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ رَجُلٌ ضَخْمُ الْهَامَةِ بِوَجْهِهِ أَثَرُ جُدَرِيٍّ بِعَيْنِهِ نُكْتَةُ بَيَاضٍ يَخْرُجُ مِنْ نَاحِيَةِ دِمَشْقَ وَعَامَّةُ مَنْ يَتْبَعُهُ مِنْ كَلْبٍ فَيَقْتُلُ حَتَّى يَبْقُرَ بُطُونَ النِّسَاءِ وَيَقْتُلَ الصِّبْيَانَ وَيَخْرُجُ إِلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي فِي الْحَرَمِ فَيَبْلُغُ السُّفْيَانِيُّ فَيَبْعَثُ إِلَيْهِ جُنْدًا مَنْ جُنْدِهِ فَيَهْزِمُهُمْ فَيَسِيرُ إِلَيْهِ السُّفْيَانِيُّ بِمَنْ مَعَهُ حَتَّى إِذَا جَازَ بَيْدَاءَ مِنَ الْأَرْضِ خُسِفَ بِهِمْ فَلَا يَنْجُو إِلَّا الْمُخْبِرُ عَنْهُمْ. أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ.
وَالْأَبْقَعُ يَخْرُجُ مِنْ مِصْرَ، وَالْأَصْهَبُ يَخْرُجُ مِنْ بِلَادِ الْجَزِيرَةِ، ثُمَّ يَخْرُجُ الْجُرْهُمِيُّ مِنَ الشَّامِ، قَالَ كَعْبُ الْأَحْبَارِ: أَوَّلُ مَنْ يَخْرُجُ وَيَغْلِبُ عَلَى الْبِلَادِ الْأَصْهَبُ يَخْرُجُ مِنْ بِلَادِ الْجَزِيرَةِ، ثُمَّ يَخْرُجُ مِنْ بَعْدِهِ الْجُرْهُمِيُّ مِنَ الشَّامِ، وَيَخْرُجُ الْقَحْطَانِيُّ مِنْ بِلَادِ الْيَمَنِ.
قَالَ كَعْبٌ: فَبَيْنَمَا هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةُ قَدْ تَغَلَّبُوا عَلَى مَوَاضِعِهِمْ وَإِذَا قَدْ خَرَجَ السُّفْيَانِيُّ مِنْ دِمَشْقَ مِنْ وَادٍ يُقَالُ لَهُ وَادِي الْيَابِسِ يُؤْتَى فِي مَنَامِهِ فَيُقَالُ لَهُ قُمْ فَاخْرُجْ فَيَقُومُ فَلَا يَجِدُ أَحَدًا ثُمَّ يُؤْتَى الثَّانِيَةَ ثُمَّ الثَّالِثَةَ وَيُقَالُ لَهُ فِيهَا فَانْظُرْ إِلَى بَابِ دَارِكَ
стр. 531
فَيَنْحَدِرُ فِي الثَّالِثَةِ إِلَى بَابِ دَارِهِ فَإِذَا بِسَبْعَةِ أَنْفَارٍ أَوْ تِسْعَةٍ مَعَهُمْ لِوَاءٌ فَيَقُولُونَ نَحْنُ أَصْحَابُكَ وَمَعَ رَجُلٍ مِنْهُمْ لِوَاءٌ مَعْقُودٌ لَا يَرَى ذَلِكَ اللِّوَاءَ أَحَدٌ إِلَّا انْهَزَمَ فَيَخْرُجُ إِلَيْهِ صَاحِبُ دِمَشْقَ لِيُقَاتِلَهُ فَإِذَا نَظَرَ إِلَى رَايَتِهِ انْهَزَمَ فَيَدْخُلُ دِمَشْقَ الشَّامِ فِي ثَلَاثِمِائَةٍ وَسِتِّينَ رَاكِبًا وَمَا يَمْضِي عَلَيْهِ شَهْرٌ حَتَّى يَجْتَمِعَ عَلَيْهِ ثَلَاثُونَ أَلْفًا مِنْ كَلْبٍ وَهُمْ أَخْوَالُهُ، وَعَلَامَةُ خُرُوجِهِ خَسْفٌ بِقَرْيَةِ حَرَسْتَا وَيَسْقُطُ جَانِبُ مَسْجِدِهَا الْغَرْبِيُّ، ثُمَّ يَخْرُجُ الْأَبْقَعُ وَالْأَصْهَبُ فَيَخْرُجُ السُّفْيَانِيُّ مِنَ الشَّامِ وَالْأَبْقَعُ مِنْ مِصْرَ وَالْأَصْهَبُ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ وَيَخْرُجُ الْأَعْرَجُ الْكِنْدِيُّ بِالْمَغْرِبِ وَيَدُومُ الْقِتَالُ بَيْنَهُمْ سَنَةً ثُمَّ يَغْلِبُ السُّفْيَانِيُّ عَلَى الْأَبْقَعِ وَالْأَصْهَبِ وَيَسِيرُ صَاحِبُ الْغَرْبِ فَيَقْتُلُ الرِّجَالَ وَيَسْبِي النِّسَاءَ ثُمَّ يَرْجِعُ حَتَّى يَنْزِلَ الْجَزِيرَةَ فِي قَيْسٍ إِلَى السُّفْيَانِيِّ فَيَظْهَرُ السُّفْيَانِيُّ عَلَيْهِ وَيَحُوزُ مَا جَمَعُوا مِنَ الْأَمْوَالِ وَيَظْهَرُ عَلَى الرَّايَاتِ الثَّلَاثِ ثُمَّ يُقَاتِلُ التُّرْكَ فَيَظْهَرُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ يُفْسِدُ فِي الْأَرْضِ وَيَدْخُلُ الزَّوْرَاءَ فَيَقْتُلُ مِنْ أَهْلِهَا.
ثُمَّ يَخْرُجُ وَرَاءَ النَّهْرِ خَارِجٌ يُقَالُ لَهُ الْحَارِثُ عَلَى مُقَدِّمَتِهِ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ الْمَنْصُورُ يُمَكِّنُ لِآلِ مُحَمَّدٍ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ نَصْرُهُ. وَهَذَا الرَّجُلُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْهَاشِمِيُّ الْآتِي ذِكْرُهُ وَيُلَقَّبُ بِالْحَارِثِ كَمَا يُلَقَّبُ الْمَهْدِيُّ بِالْجَابِرِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ غَيْرَهُ.
وَيَثُورُ أَهْلُ خُرَاسَانَ بِعَسَاكِرِ السُّفْيَانِيِّ فَتَكُونُ بَيْنَهُمْ وَقَعَاتٌ فَإِذَا طَالَ عَلَيْهِمْ قِتَالُهُ بَايَعُوا رَجُلًا مِنْ بَنِي هَاشِمٍ بِكَفِّهِ الْيُمْنَى خَالٌ سَهَّلَ اللَّهُ أَمْرَهُ وَطَرِيقَهُ هُوَ أَخُو الْمَهْدِيِّ مِنْ أَبِيهِ أَوِ ابْنُ عَمِّهِ وَهُوَ حِينَئِذٍ بِآخِرِ الْمَشْرِقِ بِأَهْلِ خُرَاسَانَ وَطَالَقَانَ وَمَعَهُ الرَّايَاتُ السُّودُ الصِّغَارُ وَهِيَ غَيْرُ رَايَاتِ بَنِي الْعَبَّاسِ عَلَى مُقَدِّمَتِهِ رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ الْمَوَالِي رَبْعَةٌ أَصْفَرُ قَلِيلُ اللِّحْيَةِ كَوْسَجٌ وَاسْمُهُ شُعَيْبُ بْنُ صَالِحٍ التَّمِيمِيُّ يَخْرُجُ إِلَيْهِ فِي خَمْسَةِ آلَافٍ فَإِذَا بَلَغَهُ خُرُوجُهُ صَيَّرَهُ عَلَى مُقَدِّمَتِهِ لَوِ اسْتَقْبَلَتْهُ الْجِبَالُ الرَّوَاسِي لَهَدَّهَا يُمَهِّدُ الْأَرْضَ لِلْمَهْدِيِّ فَيَلْتَقِي الْهَاشِمِيُّ بِخَيْلِ السُّفْيَانِيِّ فَيَقْتُلُ مِنْهُمْ مَقْتَلَةً عَظِيمَةً بِبَيْضَاءِ إِصْطَخْرَ حَتَّى تَطَأَ الْخَيْلُ الدِّمَاءَ إِلَى أَرْسَاغِهَا ثُمَّ تَأْتِيهِ جُنُودٌ مِنْ قِبَلِ سِجِسْتَانَ عَلَيْهِمْ رَجُلٌ مِنْ بَنِي عَدِيٍّ فَيُظْهِرُ اللَّهُ أَنْصَارَهُ وَجُنُودَهُ ثُمَّ يَجْتَمِعُ مَعَ الْمَهْدِيِّ وَيُبَايِعُهُ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
стр. 532
[الخامسة فِي مَوْلِدِ المهدي وَبَيْعَتِهِ وَمُدَّةِ مُلْكِهِ وَمُتَعَلِّقَاتِ ذَلِكَ]
(الْخَامِسَةُ فِي مَوْلِدِهِ وَبَيْعَتِهِ وَمُدَّةِ مُلْكِهِ وَمُتَعَلِّقَاتِ ذَلِكَ)
أَخْرَجَ نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَالَ: الْمَهْدِيُّ مَوْلِدُهُ بِالْمَدِينَةِ مِنْ أَهْلِ بَيْتِ النَّبِيِّ ﷺ وَاسْمُهُ اسْمُ نَبِيٍّ وَمُهَاجَرُهُ بَيْتُ الْمَقْدِسِ. وَفِي مَرْفُوعِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵄ عِنْدَ أَبِي نُعَيْمٍ وَأَبِي بَكْرِ بْنِ الْمُقْرِي فِي مُعْجَمِهِ: يَخْرُجُ الْمَهْدِيُّ مِنْ قَرْيَةٍ يُقَالُ لَهَا كَرِيمَةُ.
وَأَمَّا بَيْعَتُهُ فَيُبَايَعُ بِمَكَّةَ الْمُشَرَّفَةِ بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْمَقَامِ لَيْلَةَ عَاشُورَاءَ، وَإِذَا هَاجَرَ الْمَهْدِيُّ مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ تَخْرُبُ الْمَدِينَةُ بَعْدَ هِجْرَتِهِ وَتَصِيرُ مَأْوًى لِلْوُحُوشِ، وَقَدْ وَرَدَ: «عُمْرَانُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ خَرَابُ يَثْرِبَ» . وَفِي حَدِيثِ قَتَادَةَ: «يَخْرُجُ الْمَهْدِيُّ مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى مَكَّةَ» . وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «يَسْتَخْرِجُوهُ مِنْ بَطْنِ مَكَّةَ مِنْ دَارٍ عِنْدَ الصَّفَا» . وَفِي خَبَرِ أَبِي جَعْفَرٍ: «يَظْهَرُ الْمَهْدِيُّ بِمَكَّةَ عِنْدَ الْعِشَاءِ» . وَفِي الْخَبَرِ: يَبْعَثُ السُّفْيَانِيُّ جَيْشًا إِلَى مَكَّةَ فَيَأْمُرُ بِقَتْلِ مَنْ كَانَ فِيهَا مِنْ بَنِي هَاشِمٍ فَيُقْتَلُونَ وَيَتَفَرَّقُونَ هَارِبِينَ إِلَى الْبَرَارِيِّ وَالْجِبَالِ حَتَّى يَظْهَرَ أَمْرُ الْمَهْدِيِّ بِمَكَّةَ فَإِذَا ظَهَرَ اجْتَمَعَ كُلُّ مَنْ شَذَّ مِنْهُمْ إِلَيْهِ بِمَكَّةَ وَيَأْتِي سَبْعَةُ عُلَمَاءَ مِنْ آفَاقٍ شَتَّى عَلَى غَيْرِ مِيعَادٍ قَدْ بَايَعَ لِكُلٍّ مِنْهُمْ ثَلَاثُمِائَةٍ وَبِضْعَةَ عَشَرَ فَيَجْتَمِعُونَ بِمَكَّةَ وَيَقُولُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ مَا جَاءَ بِكُمْ فَيَقُولُونَ جِئْنَا فِي طَلَبِ هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ تَهْدَأَ عَلَى يَدَيْهِ الْفِتَنُ وَتُفْتَحَ لَهُ قُسْطَنْطِينِيَّةُ قَدْ عَرَفْنَاهُ بِاسْمِهِ وَاسْمِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ - وَلَمْ نَقِفْ عَلَى اسْمِ أُمِّ الْمَهْدِيِّ بَعْدَ الْفَحْصِ وَالتَّتَبُّعِ وَلَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَ اسْمَ أُمِّهِ بِالْكَشْفِ كَمَا ذَكَرَهُ فِي الْإِشَاعَةِ فَيَقِفُ السَّبْعُ عَلَى ذَلِكَ - فَيَطْلُبُونَهُ فَيُصِيبُونَهُ بِمَكَّةَ فَيَقُولُونَ أَنْتَ فُلَانٌ؟ فَيَقُولُ بَلْ أَنَا رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَيَنْفَلِتُ مِنْهُمْ فَيُصِيبُونَهُ لِأَهْلِ الْخِبْرَةِ وَالْمَعْرِفَةِ بِهِ فَيَقُولُونَ هُوَ صَاحِبُكُمُ الَّذِي تَطْلُبُونَهُ وَقَدْ لَحِقَ بِالْمَدِينَةِ، فَيَطْلُبُونَهُ بِالْمَدِينَةِ فَيُخَالِفُهُمْ إِلَى مَكَّةَ، وَهَكَذَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَيُصِيبُونَهُ بِمَكَّةَ فِي الثَّالِثَةِ عِنْدَ الرُّكْنِ فَيَقُولُونَ: إِثْمُنَا عَلَيْكَ وَدِمَاؤُنَا فِي عُنُقِكَ إِنْ لَمْ تَمُدَّ يَدَكَ نُبَايِعْكَ، وَقَدْ أَقْبَلَ عَسْكَرُ السُّفْيَانِيِّ فِي طَلَبِنَا، فَيَجْلِسُ بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْمَقَامِ فَيَمُدُّ يَدَهُ فَيُبَايَعُ لَهُ فَيُلْقِي اللَّهُ مَحَبَّتَهُ فِي قُلُوبِ الْخَلْقِ فَيَصِيرُ مَعَ قَوْمٍ أُسْدٍ بِالنَّهَارِ رُهْبَانٍ بِاللَّيْلِ. أَخْرَجَهُ نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁.
стр. 533
وَأَخْرَجَ أَيْضًا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: يُبْعَثُ الْمَهْدِيُّ بَعْدَ إِيَاسٍ حَتَّى يَقُولَ النَّاسُ لَا مَهْدِيَّ وَأَنْصَارُهُ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ عَدَدُهُمْ ثَلَاثُمِائَةٍ وَخَمْسَةَ عَشَرَ رَجُلًا عَدَدَ أَصْحَابِ بَدْرٍ يَسِيرُونَ إِلَيْهِ مِنَ الشَّامِ حَتَّى يَسْتَخْرِجُوهُ مِنْ بَطْنِ مَكَّةَ مِنْ دَارٍ عِنْدَ الصَّفَا فَيُبَايِعُوهُ كُرْهًا فَيُصَلِّي بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ عِنْدَ الْمَقَامِ.
وَأَخْرَجَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ يُبَايَعُ الْمَهْدِيُّ بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْمَقَامِ لَا يُوقِظُ نَائِمًا وَلَا يُهَرِيقُ دَمًا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَدْ تَكَاثَرَتِ الرِّوَايَاتُ وَالْآثَارُ بِأَمْرِ الْمَهْدِيِّ وَقَدْ ذَكَرَ الْعُلَمَاءُ أَنَّ أَوَّلَ ظُهُورِهِ يَكُونُ شَابًّا ثُمَّ يَخَافُ عَلَى نَفْسِهِ مِنَ الْقَتْلِ فَيَفِرُّ إِلَى مَكَّةَ مُخْتَفِيًا ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى مَكَّةَ فَيَرَوْنَهُ بِالْمَطَافِ عِنْدَ الرُّكْنِ فَيَقْهَرُونَهُ عَلَى الْمُبَايَعَةِ بِالْإِمَامَةِ ثُمَّ يَتَوَجَّهُ إِلَى الْمَدِينَةِ وَمَعَهُ الْمُؤْمِنُونَ ثُمَّ يَسِيرُونَ إِلَى جِهَةِ الْكُوفَةِ ثُمَّ يَعُودُ مُنْهَزِمًا مِنْ جَيْشِ السُّفْيَانِيِّ إِلَى الشَّامِ فَيَقْصِدُهُ الْمَهْدِيُّ فَيَذْبَحُهُ عِنْدَ عَتَبَةِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ كَمَا تُذْبَحُ الشَّاةُ وَيَغْنَمُهُ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ أَخْوَالِهِ الَّذِينَ هُمْ جُنْدُهُ مِنْ بَنِي كَلْبٍ وَلَا أَكْثَرَ مِنْ تِلْكَ الْغَنِيمَةِ.
وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ يَخْرُجُ رَجُلٌ مِنْ كَلْبٍ يُقَالُ لَهُ كِنَانَةُ بِعَيْنِهِ كَوْكَبٌ فِي رَهْطٍ مِنْ قَوْمِهِ حَتَّى يَأْتِيَ الصَّخْرِيَّ يَعْنِي السُّفْيَانِيَّ فَيَبْعَثُ إِلَيْهِ الْمَهْدِيُّ رَايَةً وَأَعْظَمُ رَايَةٍ فِي زَمَانِهِ مِائَةُ رَجُلٍ فَتَصُفُّ كَلْبٌ خَيْلَهَا وَرَجِلَهَا وَإِبِلَهَا وَغَنَمَهَا فَإِذَا تَشَامَّتِ الْخَيْلَانِ وَلَّتْ كَلْبٌ أَدْبَارَهَا فَيَقْتُلُونَهُمْ وَيَسْبُونَهُمْ حَتَّى تُبَاعَ الْعَذْرَاءُ مِنْهُمْ بِثَمَانِيَةِ دَرَاهِمَ وَيُؤْخَذُ الصَّخْرِيُّ فَيُؤْتَى بِهِ أَسِيرًا إِلَى الْمَهْدِيِّ فَيُذْبَحُ عَلَى الصَّخْرَةِ الْمُعْتَرِضَةِ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ عِنْدَ الْكَنِيسَةِ الَّتِي بِبَطْنِ الْوَادِي عَلَى دَرَجِ طُورِ زَيْتَا الْمُقَنْطَرَةِ الَّتِي عَلَى الْوَادِي كَمَا تُذْبَحُ الشَّاةُ.
وَفِي رِوَايَةٍ ثُمَّ يُؤْخَذُ عُرْوَةُ السُّفْيَانِيُّ عَلَى أَعْلَى شَجَرَةٍ عَلَى بُحَيْرَةِ طَبَرِيَّةَ - قَالَ ﷺ " «وَالْخَائِبُ يَوْمَئِذٍ مَنْ خَابَ مِنْ قِتَالِ كَلْبٍ وَلَوْ بِكَلِمَةٍ أَوْ بِتَكْبِيرَةٍ أَوْ بِصَيْحَةٍ وَالْخَائِبُ مَنْ خَابَ يَوْمَئِذٍ مِنْ غَنِيمَةِ كَلْبٍ وَلَوْ بِعِقَالٍ " فَقَالَ حُذَيْفَةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ يَحِلُّ قَتْلُهُمْ وَتُغْنَمُ أَمْوَالُهُمْ وَهُمْ مُسْلِمُونَ؟ فَقَالَ ﷺ " يَكْفُرُونَ بِاسْتِحْلَالِهِمُ الْخَمْرَ وَالزِّنَا» . "
وَفِي الْحَدِيثِ: «لَا تُحْشَرُ أُمَّتِي حَتَّى يَخْرُجَ الْمَهْدِيُّ يُمِدُّهُ اللَّهُ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَيَخْرُجُ إِلَيْهِ الْأَبْدَالُ مِنَ الشَّامِ
стр. 534
وَالنُّجَبَاءُ مِنْ مِصْرَ وَعَصَائِبُ أَهْلِ الشَّرْقِ حَتَّى يَأْتُوا مَكَّةَ فَيُبَايَعُ لَهُ بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْمَقَامِ ثُمَّ يَتَوَجَّهُ إِلَى الشَّامِ وَجِبْرِيلُ عَلَى مُقَدِّمَتِهِ وَمِيكَائِيلُ عَلَى يَسَارِهِ وَمَعَهُ أَهْلُ الْكَهْفِ أَعْوَانٌ لَهُ فَيَفْرَحُ بِهِ أَهْلُ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ وَالْوَحْشُ وَالْحِيتَانُ فِي الْبَحْرِ وَتَزِيدُ الْمِيَاهُ فِي دَوْلَتِهِ وَتَمْتَدُّ الْأَنْهَارُ وَتُضْعِفُ الْأَرْضُ أُكُلَهَا فَيَقْدَمُ إِلَى الشَّامِ فَيَأْخُذُ السُّفْيَانِيَّ فَيُذْبَحُ تَحْتَ الشَّجَرَةِ الَّتِي أَغْصَانُهَا إِلَى بُحَيْرَةِ طَبَرِيَّةَ. وَالَّذِي يَظْهَرُ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ رِوَايَاتِ ذَبْحِ السُّفْيَانِيِّ أَنَّهُ يُذْبَحُ تَحْتَ الشَّجَرَةِ هُوَ أَوْ وَزِيرُهُ وَالَّذِي يُذْبَحُ عَلَى الْعَتَبَةِ هُوَ نَفْسُهُ إِنْ كَانَ الْمَذْبُوحُ تَحْتَ الشَّجَرَةِ وَزِيرَهُ أَوْ وَزِيرُهُ إِنْ كَانَ هُوَ الْمَذْبُوحُ. ثُمَّ تُمَهَّدُ الْأَرْضُ لِلْمَهْدِيِّ وَيَدْخُلُ فِي طَاعَتِهِ مُلُوكُ الْأَرْضِ كُلُّهُمْ وَيَبْعَثُ بَعْثًا إِلَى الْهِنْدِ فَتُفْتَحُ وَيُؤْتَى بِمُلُوكِ الْهِنْدِ إِلَيْهِ مُقْفَلِينَ وَتُنْقَلُ خَزَائِنُهَا إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَتُجْعَلُ حِلْيَةً لِبَيْتِ الْمَقْدِسِ وَيَمْكُثُ فِي ذَلِكَ سِنِينَ» .
وَقَدِ اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَاتُ فِي مُدَّةِ مُلْكِ الْمَهْدِيِّ فَفِي بَعْضِهَا يَمْلِكُ خَمْسًا أَوْ سَبْعًا أَوْ سِتًّا - بِالتَّرْدِيدِ - وَفِي بَعْضِهَا: تِسْعَ عَشْرَةَ سَنَةً أَوْ شَهْرًا، وَفِي بَعْضِهَا: عِشْرِينَ، وَفِي بَعْضِهَا: ثَلَاثِينَ، وَفِي بَعْضِهَا: أَرْبَعِينَ مِنْهَا تِسْعُ سِنِينَ يُهَادِنُ الرُّومَ فِيهَا.
وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ عَلَى تَقْدِيرِ صِحَّةِ الْكُلِّ بِأَنَّ مُلْكَهُ مُتَفَاوِتُ الظُّهُورِ وَالْقُوَّةِ فَيُحْمَلُ الْأَكْثَرُ بِاعْتِبَارِ جَمِيعِ مُدَّةِ الْمُلْكِ مُنْذُ الْبَيْعَةِ وَالْأَقَلُّ عَلَى غَايَةِ الظُّهُورِ وَالْأَوْسَطُ عَلَى الْأَوْسَطِ. قَالَ فِي الْإِشَاعَةِ: وَهَذَا الَّذِي تَقْتَضِيهِ بِشَارَةُ النَّبِيِّ ﷺ بِالْمَهْدِيِّ وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُعَوِّضُهُمْ عَنِ الظُّلْمِ وَالْجَوْرِ قِسْطًا وَعَدْلًا، وَاللَّائِقُ بِاللَّهِ تَعَالَى أَنْ تَكُونَ مُدَّةُ ذَلِكَ بِقَدْرِ مَا يَنْسَوْنَ فِيهَا الظُّلْمَ وَالْجَوْرَ وَالْفِتَنَ، وَالسَّبْعُ وَالتِّسْعُ أَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ مَعَ أَنَّهُ فِي مُدَّتِهِ تُفْتَحُ الدُّنْيَا كُلُّهَا كَمَا فَتَحَهَا ذُو الْقَرْنَيْنِ وَسُلَيْمَانُ وَيَدْخُلُ جَمِيعَ الْآفَاقِ كَمَا فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ، وَيَبْنِي الْمَسَاجِدَ وَالْبُلْدَانَ وَيُحَلِّي بَيْتَ الْمَقْدِسِ، وَهَذَا يَقْتَضِي مُدَّةً طَوِيلَةً مَعَ مَا وَرَدَ أَنَّ الْأَعْمَارَ تَطُولُ فِي زَمَانِهِ فَطُولُهَا مُسْتَلْزِمٌ لِطُولِ مُدَّتِهِ وَالتِّسْعُ وَنَحْوُهَا لَيْسَتْ مِنَ الطُّولِ فِي شَيْءٍ وَلَا سِيَّمَا مُهَادَنَتُهُ لِلرُّومِ تِسْعَ سِنِينَ ثُمَّ فَتْحُ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ وَرُومِيَّةَ الْمَدَائِنِ وَغَيْرِهِمَا وَهَذَا يَقْتَضِي طُولَ مُدَّتِهِ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
стр. 535
(تَنْبِيهٌ)
قَدْ كَثُرَتِ الْأَقْوَالُ فِي الْمَهْدِيِّ حَتَّى قِيلَ لَا مَهْدِيَّ إِلَّا عِيسَى، وَالصَّوَابُ الَّذِي عَلَيْهِ أَهْلُ الْحَقِّ أَنَّ الْمَهْدِيَّ غَيْرُ عِيسَى وَأَنَّهُ يَخْرُجُ قَبْلَ نُزُولِ عِيسَى ﵇، وَقَدْ كَثُرَتْ بِخُرُوجِهِ الرِّوَايَاتُ حَتَّى بَلَغَتْ حَدَّ التَّوَاتُرِ الْمَعْنَوِيِّ وَشَاعَ ذَلِكَ بَيْنَ عُلَمَاءِ السُّنَّةِ حَتَّى عُدَّ مِنْ مُعْتَقَدَاتِهِمْ.
وَقَدْ رَوَى الْإِمَامُ الْحَافِظُ ابْنُ الْإِسْكَافِ بِسَنَدٍ مَرْضِيٍّ إِلَى جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " «مَنْ كَذَّبَ بِالدَّجَّالِ فَقَدْ كَفَرَ وَمَنْ كَذَّبَ بِالْمَهْدِيِّ فَقَدْ كَفَرَ» ".
وَفِي حَدِيثِ حُذَيْفَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : " «يَا حُذَيْفَةُ لَوْ لَمْ يَبْقَ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا يَوْمٌ وَاحِدٌ لَطَوَّلَ اللَّهُ ذَلِكَ الْيَوْمَ حَتَّى يَمْلِكَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي تَجْرِي الْمَلَاحِمُ عَلَى يَدَيْهِ وَيَظْهَرُ الْإِسْلَامُ وَلَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ» ". أَخْرَجَهُ الْحَافِظُ أَبُو نُعَيْمٍ الْأَصْفَهَانِيُّ، وَأَخْرَجَ نَحْوَهُ أَبُو عَمْرٍو الْمُقْرِي مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا، وَمِنْ حَدِيثِ قَيْسِ بْنِ جَابِرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ مَرْفُوعًا وَفِيهِ " «ثُمَّ يَخْرُجُ الْمَهْدِيُّ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي يَمْلَأُ الْأَرْضَ عَدْلًا كَمَا مُلِئَتْ جَوْرًا» " رَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي فَوَائِدِهِ وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي مُعْجَمِهِ، وَمِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ.
وَمِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَخْرَجَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي تَارِيخِهِ، وَمِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ فِي سُنَنِهِمْ، وَقَدْ رُوِيَ عَمَّنْ ذُكِرَ مِنَ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِ مَنْ ذُكِرَ مِنْهُمْ ﵃ بِرِوَايَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ وَعَنِ التَّابِعِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مَا يُفِيدُ مَجْمُوعُهُ الْعِلْمَ الْقَطْعِيَّ فَالْإِيمَانُ بِخُرُوجِ الْمَهْدِيِّ وَاجِبٌ كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ وَمُدَوَّنٌ فِي عَقَائِدِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ وَكَذَا عِنْدَ أَهْلِ الشِّيعَةِ أَيْضًا لَكِنَّهُمْ زَعَمُوا أَنَّهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الْعَسْكَرِيُّ كَمَا تَقَدَّمَ.
وَزَعَمَتِ الْكَيْسَانِيَّةُ أَنَّ الْمَهْدِيَّ هُوَ مُحَمَّدُ ابْنُ الْحَنَفِيَّةِ وَأَنَّهُ حَيٌّ مُقِيمٌ بِجَبَلِ رَضْوَى وَأَنَّهُ بَيْنَ أَسَدَيْنِ يَحْفَظَانِهِ وَعِنْدَهُ عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ تَجْرِيَانِ بِمَاءٍ وَعَسَلٍ فَزَعَمُوا أَنَّهُ دَخَلَ إِلَيْهِ وَمَعَهُ أَرْبَعِينَ مِنْ أَصْحَابِهِ وَلَمْ يُوقَفْ لَهُمْ عَلَى خَبَرٍ. قَالُوا وَهُمْ أَحْيَاءٌ يُرْزَقُونَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ يَعُودُ بَعْدَ الْغَيْبَةِ وَيَمْلَأُ الْأَرْضَ
стр. 536
عَدْلًا كَمَا مُلِئَتْ جَوْرًا، قَالُوا وَإِنَّمَا عُوقِبَ بِهَذَا الْحَبْسِ لِخُرُوجِهِ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ وَقِيلَ إِلَى يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ. وَإِلَى هَذَا الِاعْتِقَادِ أَشَارَ كُثَيِّرُ عَزَّةَ بِقَوْلِهِ:
وَسِبْطٌ لَا يَذُوقُ الْمَوْتَ حَتَّى ... يَقُودَ الْخَيْلَ يَقْدُمُهَا اللِّوَاءُ
تَغَيَّبَ لَا يُرَى فِيهِمْ زَمَانًا ... بِرَضْوَى عِنْدَهُ عَسَلٌ وَمَاءُ
وَكَانَ السَّيِّدُ الْحِمْيَرِيُّ عَلَى هَذَا الْمَذْهَبِ وَهُوَ الْقَائِلُ:
أَلَا قُلْ لِلْإِمَامِ فَدَتْكَ نَفْسِي ... أَطَلْتَ بِذَلِكَ الْجَبَلِ الْمُقَامَا
وَجَبَلُ رَضْوَى بِفَتْحِ الرَّاءِ وَبَعْدَهَا ضَادٌ مُعْجَمَةٌ وَبَعْدَ الْوَاوِ أَلِفٌ كَسَكْرَى هُوَ جَبَلُ جُهَيْنَةَ فِي عَمَلِ الْيَنْبُعِ بَيْنَهُمَا مَسِيرَةُ يَوْمٍ وَاحِدٍ وَهُوَ مِنَ الْمَدِينَةِ عَلَى سَبْعِ مَرَاحِلَ وَمَيَامِنُهُ طَرِيقُ الْمَدِينَةِ وَمَيَاسِرُهُ طَرِيقُ الْبَرِّ لِمَنْ كَانَ مُصْعِدًا إِلَى مَكَّةَ وَهُوَ عَلَى لَيْلَتَيْنِ إِلَى الْبَحْرِ، وَكَانَ الْمُخْتَارُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ الثَّقَفِيُّ الْخَبِيثُ الْمَشْهُورُ يَدْعُو إِلَى إِمَامَةِ مُحَمَّدِ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ ﵁ وَعَنْ أَبِيهِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَكَانَ الْمُخْتَارُ يَزْعُمُ أَنَّ مُحَمَّدًا هَذَا هُوَ الْمَهْدِيُّ.
قَالَ الْجَوْهَرِيُّ فِي الصِّحَاحِ كَيْسَانُ لَقَبُ الْمُخْتَارِ الْمَذْكُورِ. وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْقَامُوسِ أَيْضًا، وَقَالَ غَيْرُهُمَا كَيْسَانُ مَوْلَى عَلِيٍّ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ.
وَقِيلَ إِنَّ كَيْسَانَ تِلْمِيذُ عَلِيٍّ، وَهَؤُلَاءِ الْكَيْسَانِيَّةُ إِحْدَى فِرَقِ الضَّلَالِ كَمَا مَرَّ فِي تَعْدَادِ الْفِرَقِ فَعَلَى عُقُولِهِمُ الدَّمَارُ وَعَلَى أَفْعَالِهِمُ الْبَوَارُ مَا أَضَلَّ عُلُومَهُمْ وَأَبْلَدَ فُهُومَهُمْ. وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
(تَتِمَّةٌ)
جَاءَ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ أَنَّ الْمَهْدِيَّ خَيْرٌ مِنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ قَدْ كَادَ يَفْضُلُ الْأَنْبِيَاءَ. وَجَاءَ عَنْهُ أَيْضًا لَا يُفَضَّلُ عَلَيْهِ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، وَهُوَ وَإِنْ كَانَ أَخَفَّ مِنَ الْأَوَّلِ فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ فَإِنَّ الْأُمَّةَ مُجْتَمِعَةٌ عَلَى أَفْضَلِيَّتِهِمَا عَلَيْهِ بَلْ وَعَلَى جَمِيعِ الصَّحَابَةِ خِلَافًا لِلرَّافِضَةِ خَذَلَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ بَلْ غَيْرُهُمَا مِنَ الصَّحَابَةِ أَفْضَلُ مِنَ الْمَهْدِيِّ.
ثُمَّ يَسْتَمِرُّ سَيِّدُنَا الْمَهْدِيُّ حَتَّى يُسْلِمَ الْأَمْرَ لِرُوحِ اللَّهِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ﵇ وَيُصَلِّي الْمَهْدِيُّ بِعِيسَى ﵇ صَلَاةً وَاحِدَةً وَهِيَ صَلَاةُ الْفَجْرِ ثُمَّ يَسْتَمِرُّ الْمَهْدِيُّ عَلَى الصَّلَاةِ خَلْفَ سَيِّدِنَا عِيسَى ﵇ بَعْدَ تَسْلِيمِهِ الْأَمْرَ إِلَيْهِ ثُمَّ يَمُوتُ الْمَهْدِيُّ وَيُصَلِّي عَلَيْهِ رُوحُ اللَّهِ عِيسَى وَيَدْفِنُهُ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَبِمُقْتَضَى مَا مَرَّ يُعْلَمُ
стр. 537
قَدْرُ سِنِّهِ لِأَنَّهُ يَخْرُجُ وَيُبَايَعُ لَهُ وَهُوَ ابْنُ أَرْبَعِينَ أَوْ خَمْسَةٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً وَتَقَدَّمَ الْخِلَافُ فِي مُدَّةِ مُلْكِهِ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(خَاتِمَةٌ)
أَخْرَجَ نُعَيْمٌ عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ قَالَ سَمِعْتُ رَجُلًا يُحَدِّثُ قَوْمًا فَقَالَ: الْمَهْدِيُّونَ ثَلَاثَةٌ مَهْدِيٌّ إِلَى الْخَيْرِ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَمَهْدِيُّ الدَّمِ وَهُوَ الَّذِي يَسْكُنُ عَلَى يَدَيْهِ الدِّمَاءُ، وَمَهْدَيُّ الدِّينِ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ﵇. وَأَخْرَجَ أَيْضًا عَنْ كَعْبٍ قَالَ: مَهْدِيُّ الْخَيْرِ بَعْدَ السُّفْيَانِيِّ.
وَأَخْرَجَ أَيْضًا عَنْ أَرْطَاةَ قَالَ بَلَغَنِي أَنَّ الْمَهْدِيَّ يَعِيشُ أَرْبَعِينَ عَامًا ثُمَّ يَمُوتُ عَلَى فِرَاشِهِ ثُمَّ يَخْرُجُ رَجُلٌ مِنْ قَحْطَانَ مَثْقُوبُ الْأُذُنَيْنِ عَلَى سِيرَةِ الْمَهْدِيِّ بَقَاؤُهُ عِشْرُونَ سَنَةً ثُمَّ يَمُوتُ قَتْلًا بِالسِّلَاحِ، ثُمَّ يَخْرُجُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِ النَّبِيِّ ﷺ مَهْدِيٌّ حَسَنُ السِّيرَةِ يَغْزُو مَدِينَةَ قَيْصَرَ وَهُوَ آخِرُ أَمِيرٍ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ يَخْرُجُ فِي زَمَانِهِ الدَّجَّالُ وَيَنْزِلُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ.
وَنَقَلَ الْعَلَّامَةُ الشَّيْخُ مَرْعِيٌّ فِي كِتَابِهِ فَوَائِدِ الْفِكَرِ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ أَنَّهُ قَالَ قَدْ تَوَاتَرَتِ الْأَحَادِيثُ وَاسْتَفَاضَتْ بِكَثْرَةِ رُوَاتِهَا عَنِ الْمُصْطَفَى ﷺ بِمَجِيءِ الْمَهْدِيِّ وَأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ ﷺ وَأَنَّهُ يَمْلِكُ سَبْعَ سِنِينَ وَأَنَّهُ يَمْلَأُ الْأَرْضَ عَدْلًا وَأَنَّهُ يَخْرُجُ مَعَ عِيسَى يُصَلِّي خَلْفَهُ. يَعْنِي صَلَاةً وَاحِدَةً وَهِيَ الْفَجْرُ كَمَا مَرَّ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
[الْعَلَامَةُ الثَّانِيَةُ خُرُوجُ الدَّجَّالِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ]
وَمَا أَدْرَاكَ مَا الدَّجَّالُ مَنْبَعُ الْكُفْرِ وَالضَّلَالِ وَيَنْبُوعِ الْفِتَنِ وَالْأَوْجَالِ، قَدْ أَنْذَرَتْ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ قَوْمَهَا وَحَذَّرَتْ مِنْهُ أُمَمَهَا وَنَعَتَتْهُ بِالنُّعُوتِ الظَّاهِرَةِ وَوَصَفَتْهُ بِالْأَوْصَافِ الْبَاهِرَةِ وَحَذَّرَ مِنْهُ الْمُصْطَفَى وَأَنْذَرَ وَنَعَتَهُ لِأُمَّتِهِ نُعُوتًا لَا تَخْفَى عَلَى ذِي بَصَرٍ.
وَقَدْ قِيلَ إِنَّهُ صَافِي بْنُ الصَّيَّادِ أَوْ صَائِدٌ وَأَنَّ مَوْلِدَهُ الْمَدِينَةُ كَمَا فِي الْحَدِيثِ الْوَارِدِ، وَقِيلَ بَلْ هُوَ الشَّيْطَانُ مُوثَقٌ فِي بَعْضِ الْجَزَائِرِ أَوْ أَنَّهُ مِنْ أَوْلَادِ شِقٍّ الْكَاهِنِ أَوْ هُوَ شِقٌّ نَفْسُهُ وَأَنَّ أُمَّهُ كَانَتْ جِنِّيَّةً عَشِقَتْ أَبَاهُ فَأَوْلَدَهَا إِيَّاهُ وَكَانَتِ الشَّيَاطِينُ تَعْمَلُ لَهُ الْعَجَائِبَ فَحَبَسَهُ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ ﵉ وَهَذَا الْقَوْلُ لَيْسَ بِصَائِبٍ، وَقَالَ كَعْبُ الْأَحْبَارِ: الدَّجَّالُ تَلِدُهُ أُمُّهُ بِقُوصَ مِنْ
стр. 538
أَرْضِ مِصْرَ بَيْنَ مَوْلِدِهِ وَخُرُوجِهِ أَرْبَعُونَ سَنَةً. وَفِي التِّرْمِذِيَّ أَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ خُرَاسَانَ.
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَنَسٍ ﵁ مَرْفُوعًا " «يَتْبَعُ الدَّجَّالَ مِنْ يَهُودِ أَصْبَهَانَ سَبْعُونَ أَلْفًا عَلَيْهِمُ الطَّيَالِسَةُ» ". وَفِي مُسْتَدْرَكِ الْحَاكِمِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ مَرْفُوعًا " «يَخْرُجُ الدَّجَّالُ مِنْ يَهُودِيَّةِ أَصْبَهَانَ ثُمَّ يُخْلَقُ لَهُ عَيْنٌ (؟ - ١) وَالْأُخْرَى كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ مَمْزُوجَةٌ بِدَمٍ، يَشْوِي فِي الشَّمْسِ سَمَكًا وَيَتَنَاوَلُ الطَّيْرَ مِنَ الْجَوِّ لَهُ ثَلَاثُ صَيْحَاتٍ يَسْمَعُهَا أَهْلُ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ» ".
وَمِنْ حِلْيَتِهِ أَنَّهُ شَابٌّ وَفِي رِوَايَةٍ شَيْخٌ وَسَنَدُهُمَا صَحِيحٌ جَسِيمٌ أَحْمَرُ وَفِي رِوَايَةٍ أَبْيَضُ أَمْهَقُ وَفِي رِوَايَةٍ آدَمُ، قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ: يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ أُدْمَتُهُ صَافِيَةٌ وَقَدْ يُوصَفُ ذَلِكَ بِالْحُمْرَةِ لِأَنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأُدْمِ قَدْ تَحْمَرُّ وَجْنَتَاهُ، جَعْدُ الرَّأْسِ قَطَطٌ أَعْوَرُ الْعَيْنِ الْيُمْنَى كَأَنَّهَا عِنَبَةٌ طَافِيَةٌ، وَفِي رِوَايَةٍ: أَعْوَرُ الْعَيْنِ الْيُسْرَى، وَجَاءَ فِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ أَعْوَرُ الْعَيْنِ مَطْمُوسَةٌ وَلَيْسَتْ جَحْرَاءَ. وَهَذَا مَعْنَى طَافِئَةٌ مَهْمُوزَةٌ.
قَالَ فِي فَتْحِ الْبَارِي نَقْلًا عَنِ الْقَاضِي عِيَاضٍ: الَّذِي رَوَيْنَاهُ عَنِ الْأَكْثَرِ وَصَحَّحَهُ الْجُمْهُورُ وَجَزَمَ بِهِ الْأَخْفَشُ طَافِيَةٌ بِغَيْرِ هَمْزٍ، وَمَعْنَاهُ أَنَّهَا نَاتِئَةٌ نُتُوءَ الْعِنَبَةِ، قَالَ وَضَبَطَهُ بَعْضُ الشُّيُوخِ بِالْهَمْزَةِ وَأَنْكَرَهُ بَعْضُهُمْ، قَالَ وَلَا وَجْهَ لِإِنْكَارِهِ، ثُمَّ جَمَعَ الْقَاضِي بَيْنَ الرِّوَايَاتِ بِأَنَّ عَيْنَهُ الْيُمْنَى طَافِيَةٌ بِغَيْرِ هَمْزَةٍ (؟ - ٢) وَمَمْسُوحَةٌ أَيْ ذَهَبَ ضَوْؤُهَا وَهُوَ مَعْنَى حَدِيثِ أَبِي دَاوُدَ مَطْمُوسُ الْعَيْنِ، لَيْسَتْ بِنَاتِئَةٍ وَلَا جَحْرَاءَ أَيْ لَيْسَتْ بِعَالِيَةٍ وَلَا عَمِيقَةٍ كَمَا فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى عَنْهُ وَهِيَ الْجَاحِظَةُ الَّتِي كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ وَكَأَنَّهَا نُخَاعَةٌ فِي الْحَائِطِ وَهِيَ الْخَضْرَاءُ كَمَا جَاءَ ذَلِكَ فِي الْأَحَادِيثِ، قَالَ وَعَلَى هَذَا فَهُوَ أَعْوَرُ الْعَيْنَيْنِ مَعًا فَكُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْ عَيْنَيْهِ عَوْرَاءُ وَذَلِكَ أَنَّ الْعَوَرَ الْعَيْبُ، وَالْأَعْوَرُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ الْمَعِيبُ وَكِلْتَا عَيْنَيِ الدَّجَّالِ مَعِيبَةٌ إِحْدَاهُمَا بِذَهَابِ نُورِهَا وَالْأُخْرَى بِنُتُوِّهَا وَخُضْرَتِهَا. قَالَ الْإِمَامُ النَّوَوِيُّ وَهَذَا فِي غَايَةِ الْحُسْنِ. انْتَهَى.
وَقَدْ وَرَدَ أَنَّ عَلَى عَيْنَيْهِ ظَفَرَةٌ غَلِيظَةٌ وَهِيَ لَحْمَةٌ تَنْبُتُ عِنْدَ الْمَأْقِ، وَقِيلَ لُحْمَةٌ تَخْرُجُ فِي الْعَيْنِ فِي الْجَانِبِ الَّذِي عَلَى الْأَنْفِ وَهُمَا مُتَقَارِبَانِ.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي فَتْحِ الْبَارِي: وَقَدْ وَرَدَ فِي كِلْتَا عَيْنَيْهِ أَنَّ عَلَيْهِمَا ظَفَرَةٌ، وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ
стр. 539
عَنْهُ عِنْدَ الْإِمَامِ أَحْمَدَ: «جَاحِظَةٌ لَا تَخْفَى كَأَنَّهَا نُخَاعَةٌ فِي حَائِطٍ مُجَصَّصٍ وَعَيْنُهُ الْيُسْرَى كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ» .
وَفِي حَدِيثِ أُبَيٍّ ﵁ عِنْدَ الْإِمَامِ أَحْمَدَ أَيْضًا وَالطَّبَرَانِيِّ: إِحْدَى عَيْنَيْهِ كَأَنَّهَا زُجَاجَةٌ خَضْرَاءُ، قَالَ وَالَّذِي يَتَحَصَّلُ مِنْ مَجْمُوعِ الْأَخْبَارِ أَنَّ الصَّوَابَ فِي طَافِيَةٍ بِغَيْرِ هَمْزَةٍ، وَصَرَّحَ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْقِلٍ وَسَمُرَةَ وَأَبِي بَكْرَةَ ﵃ بِأَنَّ عَيْنَهُ الْيُسْرَى مَمْسُوحَةٌ، وَالطَّافِيَةُ غَيْرُ الْمَمْسُوحَةِ، وَأَمَّا الظَّفَرَةُ فَجَائِزٌ أَنْ تَكُونَ فِي كُلٍّ مِنْ عَيْنَيْهِ لِأَنَّهُ لَا يُنَافِي الطَّمْسَ وَلَا النُّتُوَّ، أَوْ تَكُونَ الَّتِي ذَهَبَ ضَوْؤُهَا هِيَ الْمَطْمُوسَةُ يَعْنِي الْيُسْرَى وَالْمَعِيبَةُ مَعَ بَقَاءِ حَدَقَتِهَا هِيَ الْبَارِزَةُ. انْتَهَى.
وَمِنْ أَوْصَافِ الدَّجَّالِ أَنَّهُ قَصِيرٌ أَفْحَجُ كَمَا فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ وَعَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " «إِنَّ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ قَصِيرٌ أَفْحَجُ جَعْدٌ أَعْوَرُ مَطْمُوسُ الْعَيْنِ - أَيْ مُتَبَاعِدُ مَا بَيْنَ السَّاقَيْنِ وَقِيلَ هُوَ التَّدَانِي مَا بَيْنَ صُدُورِ الْقَدَمَيْنِ مَعَ تَبَاعُدِهِمَا، وَقِيلَ هُوَ الَّذِي فِي رِجْلَيْهِ اعْوِجَاجٌ - جُفَالُ الشَّعْرِ - بِضَمِّ الْجِيمِ وَتَخْفِيفِ الْفَاءِ أَيْ كَثِيرُهُ - هِجَانٌ - بِكَسْرِ أَوَّلِهِ وَتَخْفِيفِ الْجِيمِ - أَبْيَضُ - أَقْمَرُ - أَيْ شَدِيدُ الْبَيَاضِ - ضَخْمٌ فَيْلَمَانِيٌّ - بِفَتْحِ الْفَاءِ وَسُكُونِ التَّحْتِيَّةِ أَيْ عَظِيمُ الْجُثَّةِ» .
قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي نِهَايَتِهِ فِي صِفَةِ الدَّجَّالِ: أَقْمَرُ فَيْلَمٌ وَفِي رِوَايَةٍ فَيْلَمَانِيًّا الْفَيْلَمُ الْعَظِيمُ الْجُثَّةِ وَالْفَيْلَمُ الْأَمْرُ الْعَظِيمُ وَالْيَاءُ زَائِدَةٌ وَالْفَيْلَمَانِيُّ مَنْسُوبٌ إِلَيْهِ بِزِيَادَةِ الْأَلِفِ وَالنُّونِ لِلْمُبَالَغَةِ انْتَهَى.
كَأَنَّ رَأْسَهُ أَغْصَانُ شَجَرَةٍ - أَيْ شَعْرُ رَأْسِهِ كَثِيرٌ مُتَفَرِّقٌ قَائِمٌ، وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّ رَأْسَهُ مِنْ وَرَائِهِ حُبُكٌ أَيْ شَعْرٌ مُنَكَّسٌ مِنَ الْجُعُودِ كَالْمَاءِ السَّاكِنِ وَالرَّمْلِ إِذَا هَبَّتْ عَلَيْهِمَا الرِّيحُ، قَالَ فِي النِّهَايَةِ وَهَذَا مَعْنَى مَا مَرَّ أَنَّهُ جَعْدٌ قَطَطٌ - مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ ك ف ر - حُرُوفًا مُقَطَّعَةً - يَقْرَؤُهَا كُلُّ مُسْلِمٍ كَاتِبٍ وَغَيْرِ كَاتِبٍ - وَلَا يَقْرَؤُهَا الْكَافِرُ - لَا يُولَدُ لَهُ وَلَا يَدْخُلُ الْمَدِينَةَ وَلَا مَكَّةَ تَتْبَعُهُ أَقْوَامٌ كَأَنَّ وُجُوهَهُمُ الْمَجَانُّ الْمُطْرَقَةُ وَسَبْعُونَ أَلْفًا مِنْ يَهُودِ أَصْبَهَانَ عَلَيْهِمُ التِّيجَانُ وَكُلُّهُمْ ذُو سَيْفٍ مُحَلًّى.
وَمِنْ صِفَاتِهِ أَيْضًا أَنَّهُ تَنَامُ عَيْنَاهُ وَلَا يَنَامُ قَلْبُهُ وَأَبُوهُ طُوَالٌ ضَرْبُ اللَّحْمِ كَأَنَّ أَنْفَهُ مِنْقَارٌ، وَأُمُّهُ امْرَأَةٌ فِرْضَاخِيَّةٌ أَيْ كَثِيرَةُ اللَّحْمِ طَوِيلَةُ الشَّفَتَيْنِ.
وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ وَفِي حَدِيثِ الدَّجَّالِ وَأَنَّ أُمَّهُ كَانَتْ فِرْضَاخِيَّةً أَيْ ضَخْمَةً عَظِيمَةَ الثَّدْيَيْنِ يُقَالُ رَجُلٌ فِرْضَاخٌ وَامْرَأَةُ فِرْضَاخَةٌ وَالتَّاءُ لِلْمُبَالَغَةِ لَهُ. أَيِ الدَّجَّالُ حِمَارٌ
стр. 540
وَهُوَ الْمُشْعِرُ الْغَلِيظُ يَعْنِي كَثِيرَ الشَّعْرِ - مَا بَيْنَ أُذُنَيْهِ أَرْبَعِينَ ذِرَاعًا يَضَعُ خَطْوَهُ عِنْدَ مُنْتَهَى طَرْفِهِ. وَقَالَ أَبُو الطُّفَيْلِ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ ﵃: يَخْرُجُ الدَّجَّالُ عَلَى حِمَارٍ رِجْسٍ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ.
وَقَالَ عَلِيٌّ ﵁: يَخْرُجُ الدَّجَّالُ وَمَعَهُ سَبْعُونَ أَلْفًا مِنَ الْحَاكَةِ - زَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الْحَاكَةَ اسْمُ مَوْضِعٍ - عَلَى مُقَدِّمَتِهِ أَشْعَرُ - أَيْ رَجُلٌ كَثِيرُ الشَّعْرِ - يَقُولُ بِدُو بِدُو. وَهَذَا لَفْظٌ فَارِسِيٌّ مَعْنَاهُ أَسْرِعْ أَسْرِعْ.
وَفِي مُسْنَدِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «أَنَّ الدَّجَّالَ عَرِيضُ الْمَنْخِرِ فِيهِ رَفًا أَيِ انْحِنَاءٌ» .
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ هِشَامِ بْنِ عَامِرٍ ﵁ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ " «مَا بَيْنَ خَلْقِ آدَمَ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ خَلْقٌ أَكْبَرُ مِنَ الدَّجَّالِ " وَفِي رِوَايَةٍ أَمْرٌ أَكْبَرُ مِنَ الدَّجَّالِ» .
وَاعْلَمْ أَنَّ الْعُلَمَاءَ قَدِ اخْتَلَفُوا فِي الدَّجَّالِ فَقِيلَ إِنَّهُ لَيْسَ بِإِنْسَانٍ وَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ مُوثَقٌ بِسَبْعِينَ حَلْقَةً فِي بَعْضِ جَزَائِرِ الْيَمَنِ لَا يُعْلَمُ مَنْ أَوْثَقَهُ أَهُوَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ ﵇ أَوْ غَيْرُهُ فَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ ظُهُورَهُ فَكَّ عَنْهُ كُلَّ عَامٍ حَلْقَةً وَإِذَا أُبْرِزَ أَتَتْهُ أَتَانٌ عَرْضُ مَا بَيْنَ أُذُنَيْهَا أَرْبَعُونَ ذِرَاعًا فَيَضَعُ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْبَرًا مِنْ نُحَاسٍ فَيَقْعُدُ عَلَيْهِ وَتَتْبَعُهُ قَبَائِلُ الْجِنِّ وَيَخْرُجُونَ إِلَيْهِ بِخَزَائِنِ الْأَرْضِ وَأَوَّلُ خُرُوجِهِ يَدَّعِي الْإِيمَانَ وَالصَّلَاحَ وَيَدْعُو إِلَى الدِّينِ فَيُتَّبَعُ وَيَظْهَرُ فَلَا يَزَالُ حَتَّى يَقْدَمَ الْكُوفَةَ فَيُظْهِرُ الدِّينَ وَيَعْمَلُ بِهِ فَيُتَّبَعُ وَيُحَبُّ عَلَى ذَلِكَ، ثُمَّ يَدَّعِي الْإِلَهِيَّةَ فَيَقُولُ أَنَا اللَّهُ فَتُغْشَى عَيْنُهُ وَتُقْطَعُ أُذُنَاهُ وَيُكْتَبُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ كَافِرٌ فَلَا يَخْفَى عَلَى مُسْلِمٍ فَيُفَارِقُهُ كُلُّ أَحَدٍ مِنَ الْخَلْقِ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنَ الْإِيمَانِ. هَكَذَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ.
وَقَالَ كَعْبُ الْأَحْبَارِ: يَتَوَجَّهُ الدَّجَّالُ فَيَنْزِلُ عِنْدَ بَابِ دِمَشْقَ الشَّرْقِيِّ ابْتِدَاءً قَبْلَ خُرُوجِهِ، ثُمَّ يُلْتَمَسُ فَلَا يُقْدَرُ عَلَيْهِ ثُمَّ يُرَى عِنْدَ الْمِيَاهِ الَّتِي عِنْدَ نَهْرِ الْكُسْوَةِ فَيُطْلَبُ فَلَا يُدْرَى أَيْنَ تَوَجَّهَ، ثُمَّ يَظْهَرُ بِالْمَشْرِقِ فَيُعْطَى الْخِلَافَةَ ثُمَّ يُظْهِرُ السِّحْرَ ثُمَّ يَدَّعِي النُّبُوَّةَ فَيَنْصَرِفُ النَّاسُ عَنْهُ يَعْنِي الْمُسْلِمِينَ فَيَأْتِي النَّهْرَ فَيَأْمُرُهُ أَنْ يَسِيلَ فَيَسِيلُ ثُمَّ يَأْمُرُهُ أَنْ يَرْجِعَ فَيَرْجِعَ ثُمَّ يَأْمُرُهُ أَنْ يَيْبَسَ فَيَيْبَسَ - الْحَدِيثَ. رَوَاهُ نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ.
وَيَبْعَثُ اللَّهُ لَهُ شَيَاطِينَ فَيَقُولُونَ لَهُ اسْتَعِنْ بِنَا عَلَى مَا تُرِيدُ فَيَقُولُ لَهُمْ نَعَمْ اذْهَبُوا لِلنَّاسِ فَقُولُوا أَنَا رَبُّهُمْ فَيَبُثُّهُمْ فِي الْآفَاقِ وَيَدَّعِي الْإِلَهِيَّةَ، وَيَخْرُجُ مِنْ أَرْضِ
стр. 541
الْمَشْرِقِ مِنْ نَوَاحِي خُرَاسَانَ وَمَعَهُ الْيَهُودُ مِنْ أَصْبَهَانَ وَغَيْرِهَا، وَقِيلَ إِنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ يَهُودِيَّةِ أَصْبَهَانَ كَمَا تَقَدَّمَ، وَقِيلَ مِنْ كُوثَا بِالْكُوفَةِ وَأَكْثَرُ مَنْ يَتَّبِعُهُ الْيَهُودُ وَالنِّسَاءُ وَالْأَعْرَابُ. وَفِي التِّرْمِذِيِّ أَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ خُرَاسَانَ.
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَنَسٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ " «يَتْبَعُ الدَّجَّالَ مَنْ يَهُودِ أَصْبَهَانَ سَبْعُونَ أَلْفًا عَلَيْهِمُ الطَّيَالِسَةُ» " وَفِي الطَّبَرَانِيِّ يَخْرُجُ الدَّجَّالُ مِنْ قِبَلِ أَصْبَهَانِ الْمَشْرِقِ مَعَهُ قَوْمُهُ وُجُوهُهُمْ كَالْمَجَانِّ فَيَفْتَتِنُ النَّاسُ بِهِ فِتْنَةً عَظِيمَةً. فَفِي الْحَدِيثِ: «مَا كَانَتْ وَلَا تَكُونُ فِتْنَةٌ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ أَعْظَمَ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ، وَمَا مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا وَحَذَّرَ قَوْمَهُ الدَّجَّالَ» . الْحَدِيثَ، رَوَاهُ الْحَاكِمُ عَنْ جَابِرٍ ﵁ مَرْفُوعًا.
وَفِي الْحَدِيثِ «أَنَّ قَبْلَ خُرُوجِهِ ثَلَاثَ سِنِينَ أَوَّلُ سَنَةٍ تُمْسِكُ السَّمَاءُ ثُلُثَ قَطْرِهَا وَالْأَرْضُ ثُلُثَ نَبَاتِهَا، وَالسَّنَةُ الثَّانِيَةُ تُمْسِكُ السَّمَاءُ ثُلُثَيْ قَطْرِهَا وَالْأَرْضُ ثُلُثَيْ نَبَاتِهَا، وَالسَّنَةُ الثَّالِثَةُ تُمْسِكُ السَّمَاءُ مَا فِيهَا وَيَهْلَكُ كُلُّ ذِي ضِرْسٍ وَظِلْفٍ، وَيَسِيرُ وَمَعَهُ جَبَلَانِ أَحَدُهُمَا فِيهِ أَشْجَارٌ وَأَثْمَارٌ وَمَاءٌ، وَأَحَدُهُمَا فِيهِ دُخَانٌ، فَيَقُولُ هَذِهِ الْجَنَّةُ وَهَذِهِ النَّارُ» . رَوَاهُ الْحَاكِمُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا.
«وَعَنْ حُذَيْفَةَ أَنَّ مَعَهُ جَنَّةً وَنَارًا وَرِجَالًا يَقْتُلُهُمْ ثُمَّ يُحْيِيهِمْ وَمَعَهُ جَبَلُ ثَرِيدٍ وَنَهْرُ مَاءٍ» .
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ حُذَيْفَةَ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " «الدَّجَّالُ أَعْوَرُ الْعَيْنِ الْيُسْرَى جُفَالُ الشَّعْرِ مَعَهُ جَنَّةٌ وَنَارٌ فَنَارُهُ جَنَّةٌ وَجَنَّتُهُ نَارٌ» ". وَعَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " «لَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا مَعَ الدَّجَّالِ مِنْهُ، مَعَهُ نَهْرَانِ يَجْرِيَانِ أَحَدُهُمَا رَأْيَ الْعَيْنِ مَاءٌ أَبْيَضُ وَالْآخَرُ رَأْيَ الْعَيْنِ نَارٌ تَأَجَّجُ، فَأَمَّا إِنْ أَدْرَكَ ذَلِكَ أَحَدٌ مِنْكُمْ فَلْيَأْتِ النَّهْرَ الَّذِي يَرَاهُ نَارًا وَلْيُغْمِضْ ثُمَّ لِيُطَأْطِئْ رَأْسَهُ فَيَشْرَبَ فَإِنَّهُ مَاءٌ بَارِدٌ. وَإِنَّ الدَّجَّالَ مَمْسُوحُ الْعَيْنِ عَلَيْهَا ظَفَرَةٌ غَلِيظَةٌ مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ كَافِرٌ يَقْرَؤُهُ كُلُّ مُؤْمِنٍ كَاتِبٍ وَغَيْرِ كَاتِبٍ» ".
وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ فِي الدَّجَّالِ: «إِنَّ مَعَهُ مَاءً وَنَارًا فَنَارُهُ مَاءٌ بَارِدٌ وَمَاؤُهُ نَارٌ فَلَا تَهْلَكُوا» . قَالَ أَبُو مَسْعُودٍ وَأَنَا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
كُلُّ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَاتَّفَقَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ حُذَيْفَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ وَهِيَ قَوْلُهُ «إِنَّ الدَّجَّالَ يَخْرُجُ وَإِنَّ مَعَهُ مَاءً
стр. 542
وَنَارًا فَأَمَّا الَّذِي يَرَاهُ النَّاسُ مَاءً فَنَارٌ تُحْرِقُ وَأَمَّا الَّذِي يَرَاهُ النَّاسُ نَارًا فَمَاءٌ بَارِدٌ عَذْبٌ فَمَنْ أَدْرَكَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَلْيَقَعْ فِي الَّذِي يَرَاهُ نَارًا فَإِنَّهُ مَاءٌ عَذْبٌ طَيِّبٌ» . قَالَ أَبُو مَسْعُودٍ وَأَنَا قَدْ سَمِعْتُهُ تَصْدِيقًا لِحُذَيْفَةَ.
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " «أَلَا أُخْبِرُكُمْ عَنِ الدَّجَّالِ حَدِيثًا مَا حَدَّثَهُ نَبِيٌّ قَوْمَهُ، إِنَّهُ أَعْوَرُ وَإِنَّهُ يَجِيءُ مَعَهُ مِثْلُ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ فَالَّتِي يَقُولُ إِنَّهَا الْجَنَّةُ هِيَ النَّارُ وَإِنِّي أَنْذَرْتُكُمْ بِهِ كَمَا أَنْذَرَ بِهِ نُوحٌ قَوْمَهُ» ".
وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ الْكِلَابِيِّ ﵁ قَالَ «ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الدَّجَّالَ ذَاتَ غَدَاةٍ فَخَفَّضَ فِيهِ وَرَفَّعَ حَتَّى ظَنَنَّاهُ فِي طَائِفَةِ النَّخْلِ فَلَمَّا رُحْنَا إِلَيْهِ عَرَفَ ذَلِكَ فِينَا فَقَالَ مَا شَأْنُكُمْ؟ قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ ذَكَرْتَ الدَّجَّالَ غَدَاةً فَخَفَّضْتَ فِيهِ وَرَفَّعْتَ حَتَّى ظَنَنَّاهُ فِي طَائِفَةِ النَّخْلِ، فَقَالَ غَيْرُ الدَّجَّالِ أَخْوَفُنِي عَلَيْكُمْ إِنْ يَخْرُجْ وَأَنَا فِيكُمْ فَأَنَا حَجِيجُهُ دُونَكُمْ وَإِنْ يَخْرُجْ وَلَسْتُ فِيكُمْ فَكُلُّ امْرِئٍ حَجِيجُ نَفْسِهِ، وَاللَّهُ خَلِيفَتِي عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، إِنَّهُ شَابٌّ قَطَطٌ عَيْنُهُ طَافِيَةٌ كَأَنِّي أُشَبِّهُهُ بِعَبْدِ الْعُزَّى بْنِ قَطَنٍ فَمَنْ أَدْرَكَهُ مِنْكُمْ فَلْيَقْرَأْ عَلَيْهِ فَوَاتِيحَ سُورَةِ الْكَهْفِ، إِنَّهُ خَارِجٌ خَلَّةً - أَيْ أَنَّهُ يَخْرُجُ قَصْدًا وَطَرِيقًا وَالتَّخَلُّلُ الدُّخُولُ الشَّيْءَ - بَيْنَ الشَّامِ وَالْعِرَاقِ فَعَاثَ يَمِينًا وَعَاثَ شِمَالًا يَا عِبَادَ اللَّهِ فَاثْبُتُوا، قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ فَمَا لَبْثُهُ فِي الْأَرْضِ؟ قَالَ: أَرْبَعُونَ يَوْمًا يَوْمٌ كَسَنَةٍ وَيَوْمٌ كَشَهْرٍ وَيَوْمٌ كَجُمْعَةٍ وَسَائِرُ أَيَّامِهِ كَأَيَّامِكُمْ، قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ فَذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَسَنَةٍ تَكْفِينَا فِيهِ صَلَاةُ يَوْمٍ؟ قَالَ لَا، اقْدُرُوا لَهُ قَدْرَهُ، قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا إِسْرَاعُهُ فِي الْأَرْضِ؟ قَالَ كَالْغَيْثِ اسْتَدْبَرَتْهُ الرِّيحُ فَيَأْتِي عَلَى الْقَوْمِ فَيَدْعُوهُمْ فَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَجِيبُونَ لَهُ فَيَأْمُرُ السَّمَاءَ فَتُمْطِرُ وَالْأَرْضَ فَتُنْبِتُ فَتَرُوحُ عَلَيْهِمْ سَارِحَتُهُمْ أَطْوَلَ مَا كَانَتْ ذُرًى وَأَسْبَغَهُ ضُرُوعًا وَأَمَدَّهُ خَوَاصِرَ، ثُمَّ يَأْتِي الْقَوْمَ فَيَدْعُوهُمْ فَيَرُدُّونَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ فَيَنْصَرِفُ عَنْهُمْ فَيُصْبِحُونَ مُمْحِلِينَ لَيْسَ بِأَيْدِيهِمْ شَيْءٌ مِنْ أَمْوَالِهِمْ، وَيَمُرُّ بِالْخَرِبَةِ فَيَقُولُ أَخْرِجِي كُنُوزَكِ فَتَتْبَعُهُ كُنُوزُهَا كَيَعَاسِيبِ النَّحْلِ ثُمَّ يَدْعُو رَجُلًا شَابًّا مُمْتَلِئًا فَيَضْرِبُهُ بِالسَّيْفِ فَيَقْطَعُهُ
стр. 543
جَزْلَتَيْنِ رَمْيَةَ الْغَرَضِ ثُمَّ يَدْعُوهُ فَيُقْبِلُ يَتَهَلَّلُ وَجْهُهُ يَضْحَكُ، فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ بَعَثَ اللَّهُ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ ﵇ فَيَنْزِلُ عِنْدَ الْمَنَارَةِ الْبَيْضَاءِ شَرْقِيَّ دِمَشْقَ بَيْنَ مَهْرُودَتَيْنِ وَاضِعًا كَفَّيْهِ عَلَى أَجْنِحَةِ مَلَكَيْنِ إِذَا طَأْطَأَ رَأْسَهُ قَطَرَ وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ تَحَدَّرَ مِنْهُ جُمَانٌ كَاللُّؤْلُؤِ فَلَا يَحِلُّ لِكَافِرٍ يَجِدُ رِيحَ نَفَسِهِ إِلَّا مَاتَ وَنَفَسُهُ يَنْتَهِي حَيْثُ يَنْتَهِي طَرْفُهُ» - الْحَدِيثَ.
وَقَدْ ذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الَّذِي مَعَهُ مِنْ صُورَةِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ وَنَحْوِهَا عَلَى طَرِيقِ التَّخْيِيلِ لَا الْحَقِيقَةِ مِنْهُمُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَاسْتَدَلَّ بِحَدِيثِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا أَنَّهُ قَالَ «كُنْتُ أُكْثِرُ مِنْ سُؤَالِ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ آيَةِ الدَّجَّالِ فَقَالَ لِي وَمَا يَضُرُّكَ؟ قُلْتُ إِنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّ مَعَهُ جَبَلُ خُبْزٍ؟ قَالَ " هُوَ أَهْوَنُ مِنْ ذَلِكَ " قَالَ فَمَعْنَاهُ أَنَّهُ أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ مِنْ أَنْ يَكُونَ مَعَهُ ذَلِكَ حَقِيقَةً بَلْ يُرِي ذَلِكَ وَلَيْسَ بِحَقِيقَةٍ، وَيَدُلُّ لَهُ أَيْضًا الرِّوَايَةُ السَّابِقَةُ أَحَدُهُمَا فِي رَأْيِ الْعَيْنِ أَبْيَضُ» - الْحَدِيثَ.
وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: بَلْ هِيَ عَلَى ظَاهِرِهَا امْتِحَانًا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لِعِبَادِهِ. وَحَمَلُوا قَوْلَهُ هُوَ أَهْوَنُ إِلَخْ أَيْ مِنْ أَنْ يُخَافَ مِنْهُ أَوْ أَنْ يُضِلَّ اللَّهُ بِهِ مَنْ يُحِبُّهُ.
قَالَ فِي الْإِشَاعَةِ كَالْعَلَّامَةِ الشَّيْخِ مَرْعِيٍّ، وَالتَّحْقِيقُ الْأَوَّلُ، وَيَدُلُّ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ " «فَمَنْ أَدْرَكَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَلْيَقَعْ بِالَّذِي يَرَاهُ أَنَّهَا نَارٌ فَإِنَّهُ عَذْبٌ بَارِدٌ» " وَبِمَا فِي رِوَايَةِ: فَالنَّارُ رَوْضَةٌ خَضْرَاءُ.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا حَدِيثًا طَوِيلًا عَنِ الدَّجَّالِ فَكَانَ فِيمَا حَدَّثَنَا قَالَ " «يَأْتِي وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْهِ أَنْ يَدْخُلَ نِقَابَ الْمَدِينَةِ فَيَنْتَهِي إِلَى بَعْضِ السِّبَاخِ الَّتِي تَلِي الْمَدِينَةَ فَيَخْرُجُ إِلَيْهِ يَوْمَئِذٍ رَجُلٌ هُوَ خَيْرُ النَّاسِ أَوْ مِنْ خَيْرِ النَّاسِ فَيَقُولُ لَهُ أَشْهَدُ أَنَّكَ الدَّجَّالُ الَّذِي حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَدِيثَهُ، فَيَقُولُ الدَّجَّالُ أَرَأَيْتُمْ إِنْ قَتَلْتُ هَذَا ثُمَّ أَحْيَيْتُهُ أَتَشُكُّونَ فِي الْأَمْرِ؟ فَيَقُولُونَ لَا، قَالَ فَيَقْتُلُهُ ثُمَّ يُحْيِيهِ، فَيَقُولُ الرَّجُلُ حِينَ يُحْيِيهِ: وَاللَّهِ مَا كُنْتُ فِيكَ قَطُّ أَشَدَّ بَصِيرَةً مِنِّي الْآنَ، قَالَ فَيُرِيدُ الدَّجَّالُ أَنَّ يَقْتُلَهُ فَلَا يُسَلَّطُ عَلَيْهِ» " وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ عَنْهُ أَيْضًا فِي هَذَا الْحَدِيثِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يَخْرُجُ الدَّجَّالُ فَيَتَوَجَّهُ قِبَلَهُ رَجُلٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
стр. 544
فَيَلْقَاهُ الْمَسَالِحُ مَسَالِحُ الدَّجَّالِ - أَيْ وَهُوَ جَمْعُ مَسْلَحَةٍ قَوْمٌ مَعَهُمْ سِلَاحٌ وَالْمَسْلَحَةُ كَالثَّغْرِ وَالْمَرْقَبِ وَهُوَ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ قَوْمٌ يَرْقُبُونَ الْعَدُوَّ لِئَلَّا يَهْجُمَ عَلَيْهِمْ - فَيَقُولُونَ لَهُ أَيْنَ تَعْمِدُ؟ فَيَقُولُ أَعْمِدُ إِلَى هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي خَرَجَ، قَالَ فَيَقُولُونَ لَهُ أَوَمَا تُؤْمِنُ بِرَبِّنَا؟ فَيَقُولُ: مَا بِرَبِّنَا خَفَاءٌ، فَيَقُولُونَ اقْتُلُوهُ فَيَقُولُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ أَلَيْسَ قَدْ نَهَاكُمْ رَبُّكُمْ أَنْ تَقْتُلُوا أَحَدًا دُونَهُ، قَالَ فَيَنْطَلِقُونَ بِهِ إِلَى الدَّجَّالِ فَإِذَا رَآهُ الْمُؤْمِنُ قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ هَذَا الدَّجَّالُ الَّذِي ذَكَرَ النَّبِيُّ ﷺ ، قَالَ فَيَأْمُرُ بِهِ الدَّجَّالُ فَيُشَجُّ فَيَقُولُ خُذُوهُ وَشُجُّوهُ فَيُوسِعُ ظَهْرَهُ وَبَطْنَهُ ضَرْبًا، قَالَ فَيَقُولُ: أَمَا تُؤْمِنُ بِي؟ قَالَ فَيَقُولُ: أَنْتَ الْمَسِيحُ الْكَذَّابُ، قَالَ فَيُؤْمَرُ بِهِ فَيُنْشَرُ بِالْمِنْشَارِ مِنْ مَفْرِقِهِ حَتَّى يُفْرَقَ بَيْنَ رِجْلَيْهِ قَالَ ثُمَّ يَمْشِي الدَّجَّالُ بَيْنَ الْقِطْعَتَيْنِ، ثُمَّ يَقُولُ لَهُ قُمْ فَيَسْتَوِي قَائِمًا - وَفِي رِوَايَةٍ قُمْ حَيًّا بِإِذْنِي فَيَعُودُ حَيًّا - قَالَ فَيَقُولُ لَهُ أَتُؤْمِنُ بِي؟ فَيَقُولُ مَا ازْدَدْتُ فِيكَ إِلَّا بَصِيرَةً، قَالَ ثُمَّ يَقُولُ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّهُ لَا يَفْعَلُ بَعْدِي بِأَحَدٍ مِنَ النَّاسِ، قَالَ فَيَأْخُذُهُ الدَّجَّالُ لِيَذْبَحَهُ فَيُجْعَلُ مَا بَيْنَ رَقَبَتِهِ إِلَى تَرْقُوَتِهِ نُحَاسٌ، فَلَا يَسْتَطِيعُ إِلَيْهِ سَبِيلًا، قَالَ فَيَأْخُذُ بِيَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ فَيَقْذِفُ بِهِ فَيَحْسَبُ النَّاسُ أَنَّهُ قَذَفَهُ إِلَى النَّارِ وَإِنَّمَا أُلْقِيَ فِي الْجَنَّةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَذَا أَعْظَمُ النَّاسِ شَهَادَةً عِنْدَ رَبِّ الْعَالَمِينَ» .
قَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي تَذْكِرَتِهِ يُقَالُ إِنَّ هَذَا الْخَضِرُ ﵇. قَالَ الْعَلَّامَةُ الشَّيْخُ مَرْعِيٌّ فِي بَهْجَتِهِ ثَبَتَ أَنَّ الدَّجَّالَ لَا يُسَلَّطُ عَلَى أَحَدٍ بِالْقَتْلِ إِلَّا عَلَى رَجُلٍ وَاحِدٍ يَخْرُجُ إِلَيْهِ وَهُوَ شَابٌّ حَسَنٌ فَيَقُولُ لَهُ الدَّجَّالُ أَتُؤْمِنُ بِي وَبِأُلُوهِيَّتِي فَيَقُولُ لَهُ إِنَّكَ اللَّعِينُ الْكَذَّابُ أَوِ الدَّجَّالُ فَيَقْتُلُهُ وَيَشُقُّهُ نِصْفَيْنِ وَيَمْشِي الدَّجَّالُ بِحِمَارِهِ بَيْنَ الشِّقَّيْنِ وَيَقُولُ لَهُ قُمْ حَيًّا بِإِذْنِي فَيَعُودُ حَيًّا ثُمَّ يَقُولُ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ أَتُؤْمِنُ بِي؟ فَيَقُولُ مَا ازْدَدْتُ فِيكَ إِلَّا يَقِينًا، إِنَّكَ اللَّعِينُ، قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُفْيَانَ يُقَالُ إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ هُوَ الْخَضِرُ ﵇. وَقَدْ تَوَهَّمَ الْقُرْطُبِيُّ فَزَعَمَ أَنَّ الْقَائِلَ ذَلِكَ إِبْرَاهِيمُ أَبُو إِسْحَاقَ السَّبِيعِيُّ وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَقَالَ بَعْضُهُمْ إِنَّ الرَّجُلَ الْمَذْكُورَ مِنْ أَصْحَابِ الْكَهْفِ وَقَدْ مَرَّ أَنَّهُمْ يَكُونُونَ مِنْ أَصْحَابِ الْمَهْدِيِّ.
فَإِنْ قُلْتَ كَيْفَ يُقَالُ إِنَّهُ لَا يُسَلَّطُ إِلَّا عَلَى وَاحِدٍ مَعَ مَا وَرَدَ عَنْ حُذَيْفَةَ
стр. 545
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ مَعَ الدَّجَّالِ رِجَالًا يَقْتُلُهُمْ ثُمَّ يُحْيِيهِمْ فَالْجَوَابُ أَنَّ هَؤُلَاءِ الرِّجَالَ إِنَّمَا هُمْ شَيَاطِينُ وَقَتْلُهُ إِيَّاهُمْ وَإِحْيَاؤُهُ لَهُمْ إِنَّمَا هُوَ فِي رَأْيِ الْعَيْنِ لَا عَلَى الْحَقِيقَةِ وَأَمَّا قَتْلُ ذَلِكَ الرَّجُلِ فَعَلَى الْحَقِيقَةِ.
(فَائِدَةٌ)
وَرَدَ أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنَ النَّاسِ بِلَا فِتْنَةٍ مِنَ الدَّجَّالِ إِلَّا اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ رَجُلٍ وَسَبْعَةُ آلَافِ امْرَأَةٍ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ.
وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵄ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " «يَخْرُجُ الدَّجَّالُ فِي أُمَّتِي فَيَمْكُثُ أَرْبَعِينَ - لَا أَدْرِي أَرْبَعِينَ يَوْمًا أَوْ أَرْبَعِينَ شَهْرًا أَوْ أَرْبَعِينَ عَامًا - فَيَبْعَثُ اللَّهُ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ ﵇ كَأَنَّهُ عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ فَيَطْلُبُهُ فَيُهْلِكُهُ» " الْحَدِيثَ.
[الْعَلَامَةُ الثَّالثة نزول عيسى ﵇]
[نزول عيسى ﵇ ثَابِتٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ]
((وَ)) مِنْهَا أَيْ مِنْ عَلَامَاتِ السَّاعَةِ الْعُظْمَى الْعَلَامَةُ الثَّالِثَةُ أَنْ يَنْزِلَ مِنَ السَّمَاءِ السَّيِّدُ ((الْمَسِيحُ)) عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ﵇ وَنُزُولُهُ ثَابِتٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ [النساء: ١٥٩] أَيْ لَيُؤْمِنَنَّ بِعِيسَى قَبْلَ مَوْتِ عِيسَى وَذَلِكَ عِنْدَ نُزُولِهِ مِنَ السَّمَاءِ آخِرَ الزَّمَانِ حَتَّى تَكُونَ الْمِلَّةُ وَاحِدَةً مِلَّةُ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا مُسْلِمًا.
وَنُوزِعَ فِي الِاسْتِدْلَالِ بِهَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ وَأَنَّ الضَّمِيرَ فِي قَوْلِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ لِيَهُودَ وَيُؤَيِّدُهُ قِرَاءَةُ أُبَيٍّ ﵁ قَبْلَ مَوْتِهِمْ.
وَأَمَّا السُّنَّةُ فَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَيُوشِكَنَّ أَنْ يَنْزِلَ فِيكُمُ ابْنُ مَرْيَمَ حَكَمًا عَدْلًا فَيَكْسِرُ الصَّلِيبَ وَيَقْتُلُ الْخِنْزِيرَ وَيَضَعُ الْجِزْيَةَ» " الْحَدِيثَ. وَفِي مُسْلِمٍ عَنْهُ " «وَاللَّهِ لَيَنْزِلَنَّ ابْنُ مَرْيَمَ حَكَمًا عَدْلًا فَلَيَكْسِرَنَّ الصَّلِيبَ» " بِنَحْوِهِ.
وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ أَيْضًا عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي يُقَاتِلُونَ عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَيَنْزِلُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ فَيَقُولُ أَمِيرُهُمْ: تَعَالَ صَلِّ بِنَا فَيَقُولُ: لَا إِنَّ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ أُمَرَاءُ تَكْرِمَةَ اللَّهِ هَذِهِ الْأُمَّةَ» ".
وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ فَقَدْ أَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَى نُزُولِهِ وَلَمْ يُخَالِفْ فِيهِ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الشَّرِيعَةِ، وَإِنَّمَا أَنْكَرَ ذَلِكَ الْفَلَاسِفَةُ وَالْمَلَاحِدَةُ مِمَّنْ لَا يُعْتَدُّ بِخِلَافِهِ، وَقَدِ انْعَقَدَ إِجْمَاعُ الْأُمَّةِ عَلَى
стр. 546
أَنَّهُ يَنْزِلُ وَيَحْكُمُ بِهَذِهِ الشَّرِيعَةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ وَلَيْسَ يَنْزِلُ بِشَرِيعَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ عِنْدَ نُزُولِهِ مِنَ السَّمَاءِ وَإِنْ كَانَتِ النُّبُوَّةُ قَائِمَةً بِهِ وَهُوَ مُتَّصِفٌ بِهَا، وَيَتَسَلَّمُ الْأَمْرَ مِنَ الْمَهْدِيِّ وَيَكُونُ الْمَهْدِيُّ مِنْ أَصْحَابِهِ وَأَتْبَاعِهِ كَسَائِرِ أَصْحَابِ الْمَهْدِيِّ حَتَّى أَصْحَابِ الْكَهْفِ الَّذِينَ هُمْ مِنْ أَتْبَاعِ الْمَهْدِيِّ كَمَا مَرَّ.
وَتَقَدَّمَ أَنَّ عِيسَى ﵇ يُصَلِّي وَرَاءَ الْمَهْدِيِّ صَلَاةَ الْفَجْرِ وَلَا يَقْدَحُ ذَلِكَ فِي نُبُّوتِهِ، وَكَذَلِكَ يُسَلِّمُ إِلَيْهِ تَابُوتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكُلَّ مَا مَعَهُ مِنْ آلَاتِ الْأَمْرِ.
[فَوَائِدُ فِي مُتَعَلِّقَاتِ السَّيِّدِ الْمَسِيحِ ﵇ الأولى حليته وسيرته]
(فَوَائِدُ فِي مُتَعَلِّقَاتِ السَّيِّدِ الْمَسِيحِ ﵇
(الْأُولَى) فِي حِلْيَتِهِ وَسِيرَتِهِ، أَمَّا حِلْيَتُهُ فَعِنْدَ الْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ عُقَيْلِ بْنِ خَالِدٍ «أَنَّهُ أَحْمَرُ جَعْدٌ عَرِيضُ الصَّدْرِ. وَفِي رِوَايَةٍ آدَمُ كَأَحْسَنِ مَا أَنْتَ رَاءٍ مِنْ أُدْمِ الرِّجَالِ سَبْطٌ يَنْطِفُ» - بِكَسْرِ الطَّاءِ الْمُهْمِلَةِ أَيْ يَقْطُرُ - زَادَ فِي رِوَايَةٍ: «لَهُ لِمَّةٌ - أَيْ بِكَسْرِ اللَّامِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ - أَحْسَنُ مَا أَنْتَ رَاءٍ مِنَ اللِّمَمِ قَدْ رَجَّلَهَا» - بِتَشْدِيدِ الْجِيمِ أَيْ سَرَّحَهَا - وَفِي رِوَايَةٍ - «لِمَّتُهُ بَيْنَ مَنْكِبَيْهِ رَجِلُ الشَّعْرِ يَقْطُرُ رَأْسُهُ مَاءً» . وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ مَرْفُوعًا: " «وَرَأَيْتُ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ ﵇ مَرْبُوعَ الْخَلْقِ إِلَى الْحُمْرَةِ وَالْبَيَاضِ سَبْطَ الرَّأْسِ» - زَادَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ بِنَحْوِهِ: «كَأَنَّمَا خَرَجَ مِنْ دِيمَاسٍ» - يَعْنِي الْحَمَّامَ - وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ الْحُمْرَةِ وَالْأُدْمَةِ لِجَوَازِ أَنْ تَكُونَ أُدْمَتُهُ صَافِيَةً كَمَا مَرَّ: لَا يَجِدُ رِيحَ نَفَسِهِ كَافِرٌ إِلَّا مَاتَ.
وَأَمَّا سِيرَتُهُ فَيَكْسِرُ الصَّلِيبَ وَيَقْتُلُ الْخِنْزِيرَ كَمَا تَقَدَّمَ وَيَقْتُلُ الْقِرْدَ وَيَضَعُ الْجِزْيَةَ وَلَا يَقْبَلُ إِلَّا الْإِسْلَامَ وَيَتَّحِدُ الدِّينُ فَلَا يُعْبَدُ إِلَّا اللَّهُ، وَيَتْرُكُ الصَّدَقَةَ أَيِ الزَّكَاةَ لِعَدَمِ مَنْ يَقْبَلُهَا، وَتَظْهَرُ الْكُنُوزُ فِي زَمَنِهِ وَلَا يُرْغَبُ فِي اقْتِنَاءِ الْمَالِ، وَيَرْفَعُ الشَّحْنَاءَ وَالتَّبَاغُضَ وَيَنْزِعُ اللَّهُ سُمَّ كُلِّ ذِي سُمٍّ حَتَّى تَلْعَبَ الْأَوْلَادُ بِالْحَيَّاتِ وَالْعَقَارِبِ فَلَا تَضُرُّهُمْ، وَتَرْعَى الشَّاةُ مَعَ الذِّئْبِ فَلَا يَضُرُّهَا، وَتُمْلَأُ الْأَرْضُ سِلْمًا - وَيَنْعَدِمُ الْقِتَالُ، وَتُنْبِتُ الْأَرْضُ نَبْتَهَا كَعَهْدِ آدَمَ حَتَّى يَجْتَمِعَ النَّفَرُ عَلَى الْقِطْفِ مِنَ الْعِنَبِ فَيُشْبِعُهُمْ، وَكَذَا الرُّمَّانَةُ، وَتَرْخُصُ الْخَيْلُ لِعَدَمِ الْقِتَالِ، وَيَغْلُو الثَّوْرُ لِأَنَّ الْأَرْضَ تُحْرَثُ كُلُّهَا. وَيَكُونُ مُقَرِّرًا لِشَرِيعَةِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ لَا أَنَّهُ رَسُولٌ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ كَمَا مَرَّ، وَيَكُونُ
стр. 547
قَدْ عُلِّمَ أَحْكَامَ هَذِهِ الشَّرِيعَةِ بِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَهُوَ فِي السَّمَاءِ قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ.
وَزَعَمَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ أَنَّ بِنُزُولِ سَيِّدِنَا عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ﵇ يُرْفَعُ التَّكْلِيفُ. وَهَذَا مَرْدُودٌ لِلْأَخْبَارِ الْوَارِدَةِ أَنَّهُ يَكُونُ مُقَرِّرًا لِأَحْكَامِ هَذِهِ الشَّرِيعَةِ وَمُجَدِّدًا لَهَا إِذْ هِيَ آخِرُ الشَّرَائِعِ وَنَبِيُّنَا مُحَمَّدٌ ﷺ آخِرُ الرُّسُلِ، وَالدُّنْيَا لَا تَبْقَى بِلَا تَكْلِيفٍ، فَإِنَّ بَقَاءَ الدُّنْيَا إِنَّمَا يَكُونُ بِمُقْتَضَى التَّكْلِيفِ إِلَى أَنْ لَا يُقَالَ فِي الْأَرْضِ اللَّهُ اللَّهُ، ذَكَرَهُ الْقُرْطُبِيُّ فِي تَذْكِرَتِهِ.
وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ قَالَ ﷺ : «وَتُسْلَبُ قُرَيْشٌ مُلْكَهَا» . قَالَ الْحَافِظُ السَّخَاوِيُّ فِي كِتَابِهِ الْقَنَاعَةِ وَابْنُ حَجَرٍ فِي الْقَوْلِ الْمُخْتَصَرِ: مَعْنَى ذَلِكَ لَا يَبْقَى لِقُرَيْشٍ اخْتِصَاصٌ بِشَيْءٍ دُونَ مُرَاجَعَتِهِ فَلَا يُعَارِضُ ذَلِكَ خَبَرُ " «لَا يَزَالُ هَذَا الْأَمْرُ فِي قُرَيْشٍ مَا بَقِيَ مِنَ النَّاسِ اثْنَانِ» ". قَالَ الْبَرْزَنْجِيُّ فِي الْإِشَاعَةِ: وَيَدُلُّ لِهَذَا حَدِيثُ جَابِرٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ " «فَيَقُولُ أَمِيرُهُمْ تَعَالَ صَلِّ لَنَا فَيَقُولُ لَا إِنَّ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ أُمَرَاءُ تَكْرِمَةَ اللَّهِ هَذِهِ الْأُمَّةَ» " وَعَلَى هَذَا فَلَا مُنَافَاةَ أَنْ يَكُونَ الْمَهْدِيُّ أَمِيرًا حَتَّى فِي زَمَنِ عِيسَى ﵇ وَيَكُونُ مُرَاجَعَتُهُ فِي الْأُمُورِ لِعِيسَى ﵇ لِلتَّبَرُّكِ وَالتَّيَمُّنِ بِهِ.
فَإِنْ قُلْتَ كَيْفَ يَصِحُّ خَبَرُ لَا يَزَالُ هَذَا الْأَمْرُ فِي قُرَيْشٍ مَعَ مُشَاهَدَتِنَا انْفِصَالَ قُرَيْشٍ عَنِ الْمُلْكِ مُنْذُ أَزْمَانٍ، فَالْجَوَابُ اسْتِحْقَاقُهَا لِهَذَا الْأَمْرِ وَإِنْ ظَلَمَهَا ظَالِمٌ.
وَأَمَّا عِيسَى فَيُظْهِرُ كَمَالَ الْعَدْلِ فَلَا يَأْخُذُ حَقَّهُمْ وَرُبَّمَا أَنْ يَكُونَ بَقَاءُ الْأَمْرِ فِي قُرَيْشٍ وَلَوْ مُرَاجَعَةً، وَلَا شَكَّ أَنَّ قُرَيْشًا يُرَاجَعُونَ، عَلَى أَنَّ مُلُوكَ زَمَانِنَا يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ إِنَّمَا يَتَمَلَّكُونَ بِالنِّيَابَةِ عَنْ قُرَيْشٍ وَيَعْمَلُونَ صُورَةً نِيَابَةً عَنْ نَقِيبِ السَّادَةِ الْأَشْرَافِ عَلَى أَنَّ لِبَنِي هَاشِمٍ اسْتِقْلَالًا بِالْأَمْرِ فِي مَحَلَّاتٍ كَالْحِجَازِ وَالْيَمَنِ وَالْمَغْرِبِ وَغَيْرِهَا.
ثُمَّ إِنَّهُ لَا يَخْفَى أَنَّهُ لَا يَحْسُنُ أَنْ يَقُولَ إِنَّ الْأَمْرَ فِي أَيَّامِ عِيسَى يَكُونُ لِلْمَهْدِيِّ مَعَ كَوْنِ عِيسَى رَسُولًا مِنْ أُولِي الْعَزْمِ مَعْصُومًا وَالْمَهْدِيُّ رَجُلٌ مُجْتَهِدٌ، نَعَمْ يَكُونُ الْمَهْدِيُّ مِنْ خَوَاصِّ السَّيِّدِ عِيسَى بَلْ وَزِيرُهُ وَالْمُقَرَّبُ لَدَيْهِ يُرَاجِعُهُ فِي الْأُمُورِ وَتَصْدُرُ عَنْهُ الشُّورَى وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
стр. 548
[الثانية وقت نزول المسيح ومحله وما يجري على يديه]
(الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ)
فِي وَقْتِ نُزُولِهِ مِنَ السَّمَاءِ وَمَحَلُّهُ وَمَا يَجْرِي عَلَى يَدَيْهِ مِنَ الْمَلَاحِمِ.
أَمَّا مَحَلُّ نُزُولِهِ فَعِنْدَ الْمَنَارَةِ الْبَيْضَاءِ شَرْقِيَّ دِمَشْقَ وَاضِعًا كَفَّيْهِ عَلَى أَجْنِحَةِ مَلَكَيْنِ، فَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ ﵁ أَنَّهُ ﷺ قَالَ " «فَبَيْنَمَا هُوَ أَيِ الدَّجَّالُ كَذَلِكَ إِذْ بَعَثَ اللَّهُ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ ﵇ فَيَنْزِلُ عِنْدَ الْمَنَارَةِ الْبَيْضَاءِ شَرْقِيَّ دِمَشْقَ بَيْنَ مَهْرُودَتَيْنِ وَاضِعًا كَفَّيْهِ عَلَى أَجْنِحَةِ مَلَكَيْنِ إِذَا طَأْطَأَ رَأْسَهُ قَطَرَ وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ تَحَدَّرَ مِنْهُ جُمَانٌ كَاللُّؤْلُؤِ، فَلَا يَحِلُّ لِكَافِرٍ يَجِدُ رِيحَهُ إِلَّا مَاتَ، وَنَفَسُهُ يَنْتَهِي حَيْثُ يَنْتَهِي طَرْفُهُ» ) .
قَوْلُهُ مَهْرُودَتَيْنِ قَالَ فِي جَامِعِ الْأُصُولِ: رُوِيَتْ فِي هَذِهِ اللَّفْظَةِ بِالْمُهْمَلَةِ وَالْمُعْجَمَةِ يُقَالُ لِلثَّوْبِ إِذَا صُبِغَ بِالْوَرْسِ ثُمَّ بِالزَّعْفَرَانِ جَاءَ لَوْنُهُ مِثْلُ زَهْرَةِ الْحَوْذَانَةِ فَذَلِكَ الثَّوْبُ مَهْرُودٌ، وَقِيلَ أَرَادَ بِالْمَهْرُودِ الثَّوْبَ الْمَصْبُوغَ بِالْهُرْدِ وَهُوَ صِبْغٌ أَصْفَرُ قِيلَ إِنَّهُ الْكُرْكُمُ، وَقِيلَ أَرَادَ فِي شِقَّتَيْنِ مِنَ الْهَرْدِ وَهُوَ الْقَطْعُ. انْتَهَى.
وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ: فِي حَدِيثِ عِيسَى ﵇ إِنَّهُ يَنْزِلُ بَيْنَ مَهْرُودَتَيْنِ أَيْ فِي شِقَّتَيْنِ أَوْ حُلَّتَيْنِ، وَقِيلَ الثَّوْبُ الْمَهْرُودُ الثَّوْبُ الَّذِي يُصْبَغُ بِالْوَرْسِ ثُمَّ بِالزَّعْفَرَانِ فَيَجِيءُ لَوْنُهُ مِثْلُ لَوْنِ زَهْرَةِ الْحَوْذَانَةِ، قَالَ الْقُتَيْبِيُّ هُوَ خَطَأٌ مِنَ النَّقَلَةِ وَأَرَاهُ مَهْرُوَّتَيْنِ أَيْ صَفْرَاوَيْنِ يُقَالُ هَرَّيْتُ الْعِمَامَةَ إِذَا لَبِسْتَهَا صَفْرَاءَ وَكَانَ فَعَلْتُ مِنْهُ هَرَوْتُ فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا بِالدَّالِ فَهُوَ مِنَ الْهَرْدِ الشَّقِّ.
وَخُطِّئَ ابْنُ قُتَيْبَةَ فِي اسْتِدْرَاكِهِ وَاشْتِقَاقِهِ.
قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ الْقَوْلُ عِنْدَنَا فِي الْحَدِيثِ بَيْنَ مَهْرُودَتَيْنِ يُرْوَى بِالدَّالِ وَالذَّالِ أَيْ بَيْنَ مُمَصَّرَتَيْنِ عَلَى مَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ وَلَمْ نَسْمَعْهُ إِلَّا فِيهِ، وَكَذَلِكَ أَشْيَاءُ لَمْ تُسْمَعْ إِلَّا فِي الْحَدِيثِ، وَالْمُمَصَّرَةُ مِنَ الثِّيَابِ الَّتِي فِيهَا صُفْرَةٌ خَفِيفَةٌ، وَقِيلَ الْمَهْرُودُ الثَّوْبُ الَّذِي يُصْبَغُ بِالْعُرُوقِ وَالْعُرُوقُ يُقَالُ لَهَا الْهُرْدُ، وَفِي حَدِيثِ ذَابَ جِبْرِيلُ ﵇ «حَتَّى صَارَ مِثْلَ الْهُرْدَةِ» جَاءَ تَفْسِيرُهُ فِي الْحَدِيثِ أَنَّهَا الْعَدَسَةُ. انْتَهَى. وَالْجُمَانُ حَبُّ الْفِضَّةِ.
وَيَكُونُ نُزُولُ سَيِّدِنَا عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ﵇ لِسِتِّ سَاعَاتٍ مَضَتْ مِنَ
стр. 549
النَّهَارِ حَتَّى يَأْتِيَ مَسْجِدَ دِمَشْقَ يَقْعُدُ عَلَى الْمِنْبَرِ فَيَدْخُلُ الْمُسْلِمُونَ الْمَسْجِدَ وَكَذَا النَّصَارَى وَالْيَهُودُ كُلُّهُمْ يَرْجُونَهُ حَتَّى لَوْ أُلْقِيَ شَيْءٌ لَمْ يُصِبْ إِلَّا رَأْسَ إِنْسَانٍ مِنْ كَثْرَتِهِمْ، وَيَأْتِي مُؤَذِّنُ الْمُسْلِمِينَ وَصَاحِبُ بُوقِ الْيَهُودِ وَنَاقُوسِ النَّصَارَى فَيَقْتَرِعُونَ فَلَا يَخْرُجُ إِلَّا سَهْمُ الْمُسْلِمِينَ وَحِينَئِذٍ يُؤَذِّنُ مُؤَذِّنُهُمْ وَيَخْرُجُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى مِنَ الْمَسْجِدِ وَيُصَلِّي بِالْمُسْلِمِينَ صَلَاةَ الْعَصْرِ ثُمَّ يَخْرُجُ بِمَنْ مَعَهُ مِنْ أَهْلِ دِمَشْقَ فِي طَلَبِ الدَّجَّالِ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ.
[الثالثة مقدار مدة ووفاة المسيح ﵇]
(الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ فِي مِقْدَارِ مُدَّتِهِ وَوَفَاتِهِ) .
أَمَّا مُدَّتُهُ وَوَفَاتُهُ فَقَدْ وَرَدَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ وَابْنِ عَسَاكِرَ أَنَّهُ ﷺ قَالَ " «يَنْزِلُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ فَيَمْكُثُ فِي النَّاسِ أَرْبَعِينَ سَنَةً» " وَعِنْدَ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَابْنِ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبِي دَاوُدَ وَابْنِ جَرِيرٍ وَابْنِ حِبَّانَ عَنْهُ «أَنَّهُ يَمْكُثُ أَرْبَعِينَ سَنَةً ثُمَّ يُتَوَفَّى وَيُصَلِّي عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ وَيَدْفِنُونَهُ عِنْدَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ » .
وَأَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَابْنُ عَسَاكِرَ وَأَبُو يَعْلَى عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " «يَنْزِلُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ فَيَقْتُلُ الدَّجَّالَ ثُمَّ يَمْكُثُ عِيسَى فِي الْأَرْضِ أَرْبَعِينَ سَنَةً إِمَامًا عَادِلًا حَكَمًا مُقْسِطًا» ".
وَأَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ أَيْضًا فِي الزُّهْدِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ " يَلْبَثُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ أَرْبَعِينَ سَنَةً لَوْ يَقُولُ لِلْبَطْحَاءِ سِيلِي عَسَلًا لَسَالَتْ ".
وَفِي الْمُنْتَظِمِ لِلْإِمَامِ الْحَافِظِ ابْنِ الْجَوْزِيِّ عَنْ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ " «يَنْزِلُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ فَيَتَزَوَّجُ وَيُولَدُ لَهُ» " ذَكَرَ بَعْضُهُمْ وَلَدَيْنِ أَحَدُهُمَا يُسَمِّيهِ مُوسَى وَالْآخَرُ مُحَمَّدٌ وَأَنَّ أُمَّهُمَا مِنَ الْيَزْدِ، قَالَ «وَيَمْكُثُ خَمْسًا وَأَرْبَعِينَ سَنَةً ثُمَّ يَمُوتُ وَيُدْفَنُ مَعِي فِي قَبْرِي فَأَقُومُ أَنَا وَعِيسَى مِنْ قَبْرٍ وَاحِدٍ بَيْنَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ» " وَعَلَى هَذَا رِوَايَاتٌ أَرْبَعِينَ وَرَدَتْ بِإِلْغَاءِ الْكَسْرِ.
وَوَرَدَ فِي رِوَايَةٍ «أَنَّهُ إِنَّمَا يَمْكُثُ سَبْعَ سِنِينَ» . وَجَمَعَ بَعْضُهُمْ أَنَّ سَيِّدَنَا عِيسَى حِينَ رُفِعَ كَانَ عُمْرُهُ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ سَنَةً وَيَنْزِلُ سَبْعًا فَهَذِهِ أَرْبَعُونَ سَنَةً. وَهَذَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ لَيْسَ بِشَيْءٍ لِمَا مَرَّ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ عِنْدَ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ " «فَيَقْتُلُ الدَّجَّالَ ثُمَّ يَمْكُثُ عِيسَى فِي
стр. 550
الْأَرْضِ أَرْبَعِينَ سَنَةً» ".
وَقَدْ قَالَ الْحَافِظُ جَلَالُ الدِّينِ السُّيُوطِيُّ كُنْتُ أَفْتَيْتُ بِأَنَّ ابْنَ مَرْيَمَ يَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ بَعْدَ نُزُولِهِ سَبْعَ سِنِينَ، قَالَ وَاسْتَمَرَّيْتُ عَلَى ذَلِكَ مُدَّةً مِنَ الزَّمَانِ حَتَّى رَأَيْتُ الْإِمَامَ الْحَافِظَ الْبَيْهَقِيَّ اعْتَمَدَ أَنَّ مُكْثَهُ فِي الْأَرْضِ أَرْبَعُونَ سَنَةً مُعْتَمِدًا مَا أَفَادَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي رِوَايَتِهِ بِلَفْظِ " «ثُمَّ يَمْكُثُ ابْنُ مَرْيَمَ فِي الْأَرْضِ بَعْدَ قَتْلِ الدَّجَّالِ أَرْبَعِينَ سَنَةً» ". وَهَذَا هُوَ الْمَرْجِعُ لِأَنَّ زِيَادَةَ الثِّقَةِ يُحْتَجُّ بِهَا، وَلِأَنَّهُمْ يَأْخُذُونَ بِرِوَايَةِ الْأَكْثَرِ وَيُقَدِّمُونَهَا عَلَى رِوَايَةِ الْأَقَلِّ لِمَا مَعَهَا مِنْ زِيَادَةِ الْعِلْمِ، وَلِأَنَّهُ مُثْبَتٌ وَالْمُثْبَتُ مُقَدَّمٌ. انْتَهَى.
وَإِلَى قَتْلِ سَيِّدِنَا عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ لِلدَّجَّالِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ:
[قتل المسيح للدجال]
((وَإِنَّهُ يَقْتُلُ الدَّجَّالْ ... بِبَابِ لُدٍّ خَلِّ عَنْ جِدَالْ))
((وَإِنَّهُ)) أَيِ الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ ﵇ ((يَقْتُلُ)) بِأَمْرِ اللَّهِ لَهُ وَمَعُونَتِهِ وَتَأْيِيدِهِ ((الدَّجَّالْ)) أَيِ الْكَذَّابَ وَهُوَ اسْمٌ لِهَذَا الشَّخْصِ الْمُشَارِ إِلَيْهِ فِي الشَّرَائِعِ وَقِيلَ إِنَّمَا سُمِّيَ دَجَّالًا لِأَنَّهُ يَقْطَعُ الْأَرْضَ وَيَسِيرُ فِي أَكْثَرِ نَوَاحِيهَا، يُقَالُ دَجَلَ الرَّجُلُ إِذَا فَعَلَ ذَلِكَ.
وَقِيلَ سُمِّيَ بِهِ لِتَمْوِيهِهِ عَلَى النَّاسِ وَتَلْبِيسِهِ، يُقَالُ دَجَلَ إِذَا لَبَّسَ وَمَوَّهَ. وَقِيلَ مَأْخُوذٌ مِنَ الدَّجْلِ وَهُوَ طَلْيُ الْجَرَبِ بِالْقَطِرَانِ وَتَغْطِيَتُهُ فَكَأَنَّ الرَّجُلَ يُغَطِّي الْحَقَّ وَيَسْتُرُهُ.
(تَنْبِيهٌ)
إِنَّمَا سُمِّيَ الدَّجَّالُ مَسِيحًا لِأَنَّ إِحْدَى عَيْنَيْهِ مَمْسُوحَةٌ لَا يُبْصِرُ بِهَا وَالْأَعْوَرُ يُسَمَّى مَسِيحًا كَمَا فِي جَامِعِ الْأُصُولِ، وَأَمَّا تَسْمِيَةُ سَيِّدِنَا عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مَسِيحًا فَقِيلَ لِمَسْحِ زَكَرِيَّا ﵇ إِيَّاهُ، وَقِيلَ لِأَنَّهُ كَانَ يَمْسَحُ الْأَرْضَ أَيْ يَقْطَعُهَا فِي سِيَاحَتِهِ، وَقِيلَ الْمَسِيحُ الصِّدِّيقُ. فَسَيِّدُنَا عِيسَى مَسِيحُ الْهُدَى وَأَمَّا الدَّجَّالُ فَمَسِيحُ الضَّلَالَةِ، وَضَبْطُهُ فِيهِمَا بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِ السِّينِ مُخَفِّفَةً وَبِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَسُمِعَ مِسِّيحٌ بِالتَّشْدِيدِ عَلَى وَزْنِ فِعِّيلٍ قَالَهُ الْأَزْهَرِيُّ، فَرْقًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ عِيسَى فَيُشَدِّدُ فِي الدَّجَّالِ وَيُخَفِّفُ فِي سَيِّدِنَا عِيسَى.
قَالَ الْغُنَيْمِيُّ الشَّافِعِيُّ فِي رِسَالَتِهِ " الْأَجْوِبَةُ الْمُفِيدَةُ عَلَى الْأَسْئِلَةِ الْعَدِيدَةِ " مَا لَفْظُهُ: قَالَ ابْنُ دِحْيَةَ عَنْ شَيْخِهِ أَبِي الْقَاسِمِ عَنْ أَبِي عُمَرَ أَنَّ مُوسَى بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ سَمِعْتُ الْحَافِظَ أَبَا عُمَرَ بْنَ
стр. 551
عَبْدِ الْبَرِّ يَقُولُ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ ذَلِكَ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَذَلِكَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ خَطَأٌ وَلِذَا ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ نَطَقَ بِهِ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَنَقَلَهُ الصَّحَابَةُ الْمُبَلِّغُونَ عَنْهُ وَقَالَ الرَّاجِزُ:
إِذَا الْمَسِيحُ قَتَلَ الْمَسِيحَا
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يَعْنِي عِيسَى ﵇ يَقْتُلُ الدَّجَّالَ. انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الْمَطْلَعِ: الْمَسِيحُ اثْنَانِ نَبِيُّ اللَّهِ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ﵇ وَالدَّجَّالُ، وَلَمْ يُخْتَلَفْ فِي ضَبْطِ الْمَسِيحِ عِيسَى عَلَى مَا هُوَ فِي الْقُرْآنِ وَإِنَّمَا اخْتُلِفَ فِي مَعْنَاهُ، فَقِيلَ سُمِّيَ مَسِيحًا لِمَسْحِهِ الْأَرْضَ فَعِيلٌ بِمَعْنَى فَاعِلٍ - وَذَكَرَ نَحْوَ مَا تَقَدَّمَ، وَزَادَ: قِيلَ إِنَّمَا سُمِّيَ مَسِيحًا لِأَنَّهُ كَانَ مَمْسُوحَ الْقَدَمَيْنِ لَا أَخْمَصَ لَهُ، وَقِيلَ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مَسَحَهُ أَيْ خَلَقَهُ خَلْقًا حَسَنًا، وَهَذَا تَقَدَّمَ - وَالْمَسْحَةُ الْجَمَالُ وَالْحُسْنُ، وَقِيلَ لِأَنَّهُ خَرَجَ مَمْسُوحًا بِالدُّهْنِ.
قَالَ: وَأَمَّا الدَّجَّالُ فَهُوَ مِثْلُ عِيسَى فِي اللَّفْظِ عِنْدَ عَامَّةِ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ وَالرِّوَايَةِ، وَعَنْ أَبِي مَرْوَانَ بْنِ سِرَاجٍ وَغَيْرِهِ كَسْرُ الْمِيمِ وَتَشْدِيدُ السِّينِ، وَأَنْكَرَهُ الْهَرَوِيُّ وَجَعَلَهُ تَصْحِيفًا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ كُسِرَتِ الْمِيمُ لِلتَّفْرِقَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عِيسَى ﵇، وَقَالَ الْحَرْبِيُّ بَعْضُهُمْ يَكْسِرُهَا فِي الدَّجَّالِ وَيَفْتَحُهَا فِي عِيسَى وَكُلٌّ سَوَاءٌ.
قَالَ أَبُو الْهَيْثَمِ وَالْمَسِيحُ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ ضِدُّ الْمَسِيخِ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ مَسَحَهُ اللَّهُ إِذْ خَلَقَهُ خَلْقًا حَسَنًا وَمَسَخَ الدَّجَّالَ إِذْ خَلَقَهُ مَلْعُونًا.
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: الْمَسِيحُ الْمَمْسُوحُ الْعَيْنِ وَبِهِ سُمِّيَ الدَّجَّالُ، وَقِيلَ الْمَسِيحُ الْأَعْوَرُ وَبِهِ سُمِّيَ الدَّجَّالُ، وَقِيلَ أَصْلُهُ مَشِيحٌ فِيهِمَا مُعَرَّبٌ، وَعَلَى هَذَا اللَّفْظِ يَنْطِقُ بِهِ الْعِبْرَانِيُّونَ. انْتَهَى.
وَذَكَرَ نَحْوَهُ فِي النِّهَايَةِ ثُمَّ قَالَ فِي الدَّجَّالِ وَقِيلَ إِنَّهُ الَّذِي مُسِخَ خَلْقُهُ أَيْ شُوِّهَ وَلَيْسَ بِشَيْءٍ. انْتَهَى.
تَقَدَّمَ أَنَّ سَيِّدَنَا عِيسَى ﵇ يُصَلِّي بِالْمُسْلِمِينَ صَلَاةَ الْعَصْرِ بِمَسْجِدِ دِمَشْقَ ثُمَّ يَخْرُجُ بِمَنْ مَعَهُ مِنْ أَهْلِهَا فِي طَلَبِ الدَّجَّالِ وَيَمْشِي وَعَلَيْهِ السَّكِينَةُ وَالْأَرْضُ تُقْبَضُ لَهُ وَمَا أَدْرَكَ نَفَسُهُ مِنْ كَافِرٍ إِلَّا وَقَتَلَهُ وَيُدْرِكُ حَيْثُ مَا أَدْرَكَ بَصَرُهُ حَتَّى يُدْرِكَ بَصَرُهُ حُصُونَهُمْ وَقَرْيَاتِهِمْ إِلَى أَنْ يَأْتِيَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ فَيَجِدَهُ مُغْلَقًا قَدْ حَصَرَهُ الدَّجَّالُ فَيُصَادِفُ ذَلِكَ صَلَاةَ الصُّبْحِ.
وَفِي رِوَايَةٍ عِنْدَ الْإِمَامِ أَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ مَرْفُوعًا: «فَيَفِرُّ الْمُسْلِمُونَ - يَعْنِي مِنَ الدَّجَّالِ - إِلَى جَبَلِ الدُّخَانِ بِالشَّامِ فَيَأْتِيهِمْ فَيَشْتَدُّ حِصَارُهُمْ وَيُجْهِدُهُمْ جُهْدًا شَدِيدًا. ثُمَّ إِنَّ النَّاسَ يَشُكُّونَ فِي أَمْرِ الدَّجَّالِ حِينَ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى قَتْلِ ذَلِكَ الرَّجُلِ ثَانِيًا
стр. 552
كَمَا تَقَدَّمَ وَيُبَادِرُ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَإِذَا صَعِدَ عَقَبَةَ فِيقٍ رَفَعَ ظُلَّةً عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَيُوتِرُونَ قِسِيَّهُمْ لِقِتَالِهِ فَأَقْوَاهُمْ مَنْ بَرَكَ حَتَّى إِذَا طَالَ الْحِصَارُ قَالَ رَجُلٌ: إِلَى مَتَى هَذَا الْحِصَارُ؟ اخْرُجُوا إِلَى هَذَا الْعَدُوِّ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا إِمَّا بِالشَّهَادَةِ وَإِمَّا الْفَتْحُ فَهَلْ أَنْتُمْ إِلَّا بَيْنَ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ؟ فَيَتَبَايَعُونَ عَلَى الْقِتَالِ بَيْعَةً يَعْلَمُ اللَّهُ أَنَّهَا الصِّدْقُ عَنْ أَنْفُسِهِمْ وَذَلِكَ بَعْدَ ثَلَاثِ سِنِينَ شِدَادٍ يُصِيبُ النَّاسَ فِيهَا الْجُوعُ الشَّدِيدُ وَإِنَّ قُوتَ الْمُؤْمِنِ التَّهْلِيلُ وَالتَّسْبِيحُ وَالتَّحْمِيدُ ثُمَّ تَأْخُذُهُمْ ظُلْمَةٌ لَا يُبْصِرُ أَحَدُهُمْ كَفَّهُ فَيَنْزِلُ ابْنُ مَرْيَمَ ﵇ فَيَحْسُرُ عَنْ أَبْصَارِهِمْ وَبَيْنَ أَظْهُرِهِمْ رَجُلٌ عَلَيْهِ لَأْمَةٌ فَيَقُولُونَ مَنْ أَنْتَ؟ فَيَقُولُ أَنَا عَبْدُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ عِيسَى اخْتَارُوا إِحْدَى ثَلَاثٍ: أَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ عَلَى الدَّجَّالِ وَجُنُودِهِ عَذَابًا جَسِيمًا أَوْ يَخْسِفَ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْهِ سِلَاحَكُمْ وَيَكُفَّ سِلَاحَهُمْ. فَيَقُولُونَ: هَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَشَفَى لِصُدُورِنَا فَيَوْمَئِذٍ تَرَى الْيَهُودِيَّ الْعَظِيمَ الطَّوِيلَ الْأَكُولَ الشَّرُوبَ لَا تُقِلُّ يَدُهُ سَيْفَهُ مِنَ الرُّعْبِ فَيَنْزِلُونَ إِلَيْهِمْ فَيُسَلَّطُونَ عَلَيْهِمْ» .
هَكَذَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: «فَبَيْنَمَا أَمَامَهُمْ - أَيِ الْمَهْدِيُّ - قَدْ تَقَدَّمَ يُصَلِّي بِهِمُ الصُّبْحَ إِذْ نَزَلَ عَلَيْهِمْ نَبِيُّ اللَّهِ ابْنُ مَرْيَمَ ﵇ لِلصُّبْحِ فَيَرْجِعُ الْمَهْدِيُّ قَهْقَرَى لِيَتَقَدَّمَ عِيسَى ﵇ لِيُصَلِّيَ بِالنَّاسِ وَيُقَالُ لَهُ يَا رُوحَ اللَّهِ تَقَدَّمْ - أَيْ يَقُولُ ذَلِكَ مَنْ لَمْ يُحْرِمْ بِالصَّلَاةِ إِذَنْ فَيَقُولُ ﵇ لِيَتَقَدَّمْ إِمَامُكُمْ فَيُصَلِّي لَكُمْ، فَيَضَعُ عِيسَى ﵇ يَدَهُ بَيْنَ كَتِفَيِ الْمَهْدِيِّ فَيَقُولُ لَهُ تَقَدَّمْ فَإِنَّهَا لَكَ أُقِيمَتْ، فَيُصَلِّي بِهِمْ إِمَامُهُمْ فَإِذَا انْصَرَفَ قَالَ عِيسَى افْتَحْ فَيَفْتَحُ وَوَرَاءَهُ أَيْ وَرَاءَ الْبَابِ الدَّجَّالُ مَعَهُ سَبْعُونَ أَلْفَ يَهُودِيٍّ كُلُّهُمْ ذُو سَيْفٍ مُحَلًّى وَسَاجٍ فَإِذَا نَظَرَ إِلَيْهِ الدَّجَّالُ ذَابَ كَمَا يَذُوبُ الْمِلْحُ فِي الْمَاءِ وَانْطَلَقَ هَارِبًا فَيَقُولُ ﵇ إِنَّ لِي فِيكَ ضَرْبَةً لَنْ تَسْبِقَنِي بِهَا فَيُدْرِكُهُ عِنْدَ بَابِ لُدٍّ» .
وَلِذَا قَالَ ((بِبَابِ)) مُتَعَلِّقُ بِقَتْلِ الدَّجَّالِ أَيْ يَقْتُلُهُ بِبَابِ ((لُدٍّ)) بِضَمِّ اللَّامِ فَدَالٌ مُهْمَلَةٌ بِوَزْنِ مُدٍّ بَلَدٌ مَشْهُورَةٌ بَيْنَهَا وَبَيْنَ رَمْلَةِ فِلَسْطِينَ مِقْدَارُ فَرْسَخٍ إِلَى جِهَةِ الشَّمَالِ مُتَّصِلٌ شَجَرُهَا بِشَجَرِهَا - فَيَقْتُلُهُ هُنَاكَ.
وَفِي رِوَايَةٍ «ثُمَّ يَنْزِلُ عِيسَى ﵇ فَيُنَادِي (مُنَادٍ) مِنَ السَّحَرِ فَيَقُولُ يَا أَيُّهَا النَّاسُ مَا يَمْنَعُكُمْ أَنْ تَخْرُجُوا إِلَى الْكَذَّابِ الْخَبِيثِ، وَيَسْمَعُونَ النِّدَاءَ: جَاءَكُمُ الْغَوْثُ. فَيَقُولُونَ هَذَا كَلَامُ
стр. 553
رَجُلٍ شَبْعَانَ، وَتُشْرِقُ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَيَنْزِلُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ فَيَقُولُ يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ احْمِدُوا رَبَّكُمْ وَسَبِّحُوهُ - أَيْ فَإِنَّ التَّحْمِيدَ وَالتَّسْبِيحَ قُوتُهُمْ كَمَا مَرَّ - فَيَفْعَلُونَ وَيُرِيدُ أَصْحَابُ الدَّجَّالِ الْفِرَارَ فَيُضَيِّقُ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْأَرْضَ فَإِذَا أَتَوْا بَابَ لُدٍّ فِي نِصْفِ سَاعَةٍ يُوَافِقُونَ عِيسَى فَإِذَا نَظَرَ الدَّجَّالُ عِيسَى يَقُولُ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ خَوْفًا مِنْهُ - أَيْ مِنْ عِيسَى وَيَقُولُ يَا نَبِيَّ اللَّهِ قَدْ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَيَقُولُ عِيسَى يَا عَدُوَّ اللَّهِ زَعَمْتَ أَنَّكَ رَبَّ الْعَالَمِينَ فَلِمَنْ تُصَلِّي؟ فَيَضْرِبُهُ بِمِقْرَعَتِهِ، وَفِي رِوَايَةٍ بِحَرْبَتِهِ الَّتِي نَزَلَ بِهَا مِنَ السَّمَاءِ، وَفِي رِوَايَةٍ يَذْبَحُهُ بِالسِّكِّينِ» . وَلَا مُنَافَاةَ فِي ذَلِكَ إِذْ كُلُّ ذَلِكَ سِلَاحٌ لِسَيِّدِنَا عِيسَى ﵇ فَيَقْتُلُهُ.
رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ جَابِرٍ ﵁ مَرْفُوعًا وَلَفْظُهُ: «ثُمَّ يَنْزِلُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ فَيُنَادِي مِنَ السَّحَرِ يَا أَيُّهَا النَّاسُ مَا يَمْنَعُكُمْ أَنْ تَخْرُجُوا إِلَى هَذَا الْكَذَّابِ الْخَبِيثِ فَيَقُولُونَ هَذَا رَجُلٌ حَيٌّ فَيَنْطَلِقُونَ فَإِذَا هُمْ بِعِيسَى ﵇ فَتُقَامُ الصَّلَاةُ فَيُقَالُ لَهُ تَقَدَّمْ يَا رُوحَ اللَّهِ فَيَقُولُ لِيَتَقَدَّمْ إِمَامُكُمْ فَلْيُصَلِّ بِكُمْ، فَإِذَا صَلَّوْا صَلَاةَ الصُّبْحِ خَرَجُوا إِلَيْهِ، فَحِينَ يَرَاهُ الْكَذَّابُ يَنْمَاثُ كَمَا يَنْمَاثُ الْمِلْحُ فِي الْمَاءِ فَيَمْشِي إِلَيْهِ فَيَقْتُلُهُ حَتَّى إِنَّ الشَّجَرَ وَالْحَجَرَ يُنَادِي يَا رُوحَ اللَّهِ هَذَا يَهُودِيٌّ فَلَا يَتْرُكَنَّ أَحَدٌ مِمَّنْ كَانَ تَبِعَهُ أَحَدًا إِلَّا قَتَلَهُ» .
وَحَاصِلُ وَجْهِ الْجَمْعِ بَيْنَ الرِّوَايَاتِ أَنَّ سَيِّدَنَا عِيسَى ﵇ يَنْزِلُ أَوَّلًا بِدِمَشْقَ الشَّامِ عَلَى الْمَنَارَةِ الْبَيْضَاءِ لِسِتِّ سَاعَاتٍ مِنَ النَّهَارِ ثُمَّ يَأْتِي إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ غَوْثًا لِلْمُسْلِمِينَ وَيَلْحَقُهُمْ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ وَقَدْ أَحْرَمَ الْمَهْدِيُّ وَالنَّاسُ كُلُّهُمْ أَوْ بَعْضُهُمْ لَمْ يُحْرِمْ بَعْدُ فَيَخْرُجُ إِلَيْهِ مَنْ لَمْ يُحْرِمْ بِالصَّلَاةِ فَيَأْتِي وَالْمَهْدِيُّ فِي الصَّلَاةِ فَيُقَهْقِرُ وَيُقَالُ لِعِيسَى تَقَدَّمْ أَيْ يَقُولُ لَهُ ذَلِكَ مَنْ لَمْ يُحْرِمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ لَمَّا رَأَى الْمَهْدِيَّ تَقَهْقَرَ فَيَضَعُ عِيسَى يَدَهُ عَلَى كَتِفِ الْمَهْدِيِّ أَنْ تَقَدَّمْ وَيَقُولُ لِلْقَائِلِ إِمَامُكُمْ فَيُجِيبُ الْمَهْدِيُّ بِالْفِعْلِ، وَالْقَائِلُ بِالْقَوْلِ لِيَكُونَ جَوَابُ كُلٍّ عَلَى طِبْقِ قَوْلِهِ «ثُمَّ إِذَا أَصْبَحُوا شَرَدَ أَصْحَابُ الدَّجَّالِ فَتُضَيَّقُ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ فَيُدْرِكُهُمْ بِبَابِ لُدٍّ فَيُصَادِفُ ذَلِكَ صَلَاةَ الظُّهْرِ فَيَتَحَيَّلُ الدَّجَّالُ إِلَى الْخَلَاصِ مِنْ سَيِّدِنَا عِيسَى بِالصَّلَاةِ فَلَمَّا عَرَفَ عَدَمَ التَّخَلُّصِ ذَابَ خَوْفًا مِنْهُ كَمَا يَذُوبُ الْمِلْحُ بِالْمَاءِ فَأَدْرَكَهُ فَقَتَلَهُ» ، أَوْ أَنَّ الدَّجَّالَ يُنْشِئُ صَلَاةً
стр. 554
فِي غَيْرِ وَقْتِهَا وَهُوَ أَدَلُّ عَلَى ضَلَالِهِ وَجَهَالَتِهِ بِاللَّهِ كَمَا فِي الْإِشَاعَةِ.
ثُمَّ قَالَ وَهُنَا وَجْهٌ آخَرُ وَهُوَ أَقْرَبُ إِلَى التَّحْقِيقِ وَهُوَ أَنَّ الصَّلَاةَ فِي الْأَيَّامِ الْقِصَارِ الَّتِي هِيَ آخِرُ أَيَّامِ الدَّجَّالِ تُقَدَّرُ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُصَادِفَ التَّقْدِيرُ ذَلِكَ الْوَقْتَ وَعَلَى هَذَا فَلَا إِشْكَالَ بَيْنَ كَوْنِهِ يَنْزِلُ بِدِمَشْقَ لِسِتِّ سَاعَاتٍ مَضَيْنَ مِنَ النَّهَارِ وَبَيْنَ كَوْنِهِ يُصَلِّي بِالنَّاسِ صَلَاةَ الْعَصْرِ.
وَلِي عَلَى هَذَا الْجَمْعِ اسْتِشْكَالٌ ذَكَرْتُهُ فِي الْبُحُورِ الزَّاخِرَةِ وَحَاصِلُهُ أَنَّ الرِّوَايَاتِ ثَابِتَةٌ أَنَّ نُزُولَ عِيسَى ﵇ مَعَ الْفَجْرِ عَلَى مَنَارَةِ دِمَشْقَ الشَّرْقِيَّةِ وَيَكُونُ الْمَهْدِيُّ قَدْ جَمَعَ النَّاسَ لِقِتَالِ الدَّجَّالِ فَتَعُمُّهُمْ ضَبَابَةٌ مِنْ غَمَامٍ ثُمَّ تَنْكَشِفُ عَنْهُمْ مَعَ الصُّبْحِ فَيَرَوْنَ عِيسَى ﵇ قَدْ نَزَلَ وَيَكُونُ نُزُولُهُ عَلَى الْمَنَارَةِ الْبَيْضَاءِ وَالنَّاسُ يُرِيدُونَ صَلَاةَ الصُّبْحِ ثُمَّ بَعْدَ الصَّلَاةِ يَتْبَعُونَ الدَّجَّالَ وَقَدْ فَرَّ، فَهَذَا كَالصَّرِيحِ أَنَّ عِيسَى يَنْزِلُ عَلَى مَنَارَةِ دِمَشْقَ الصُّبْحَ فَكَيْفَ يُقَالُ لِسِتِّ سَاعَاتٍ مَضَتْ مِنَ النَّهَارِ؟ .
وَفِيهِ أَيْضًا أَنَّ النَّاسَ لَمْ يَكُونُوا أَحْرَمُوا بِالْفَجْرِ بَعْدُ، بَلْ يُرِيدُونَ ذَلِكَ. وَأَيْضًا الْمَعْرُوفُ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ عِيسَى ﵇ إِنَّمَا يُصَلِّي وَرَاءَ الْمَهْدِيِّ صَلَاةَ الصُّبْحِ لَا الْعَصْرِ فَأَوَّلُ صَلَاةِ عِيسَى بِالنَّاسِ الظُّهْرُ.
وَرُبَّمَا يُجَابُ عَنْ هَذَا بِأَنْ يَكُونَ قَدْ جَمَعَ بَيْنَ صَلَاتَيِ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ تَأْخِيرًا لِاشْتِغَالِهِ فِي طَلَبِ الدَّجَّالِ فَالْأُولَى التَّسْلِيمُ لِمَا وَرَدَ عَلَى مَا وَرَدَ وَالْإِذْعَانُ لِلْأَخْبَارِ الثَّابِتَةِ فَلَا تُقَابَلُ بِالْمُعَارَضَةِ وَالرَّدِّ وَلِهَذَا قَالَ ((خَلِّ)) أَيِ اتْرُكْ وَتَنَحَّ وَتَفَرَّغْ ((عَنْ جِدَالْ)) فِي ذَلِكَ فَإِنَّهُ أَمْرٌ سَمْعِيٌّ أَخْبَرَ بِهِ الْمَعْصُومُ وَالْعَقْلُ لَا يُحِيلُهُ فَوَجَبَ اعْتِقَادُهُ وَالتَّسْلِيمُ وَالِانْقِيَادُ وَالْإِذْعَانُ لِمَا أَخْبَرَ بِهِ خَيْرُ الْعِبَادِ وَرَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﷺ .
وَالْجَدَلُ لُغَةً اللَّدَدُ فِي الْخُصُومَةِ وَالْقُدْرَةُ عَلَيْهَا يُقَالُ جَادَلَ يُجَادِلُ فَهُوَ جَدِلٌ كَكَتِفٍ وَمِجْدَلٌ كَمِنْبَرٍ وَمِجْدَالٌ كَمِحْرَابٍ، وَجَدَلْتُ الْحَبْلَ أَجْدِلُهُ جَدْلًا مِثْلَ فَتَلْتُهُ أَفْتِلُهُ فَتْلًا ; أَيْ فَتَلْتُهُ فَتْلًا مُحْكَمًا، وَالْجَدَالَةُ الْأَرْضُ يُقَالُ طَعَنَهُ فَجَدَلَهُ أَيْ رَمَاهُ عَلَى الْأَرْضِ وَمِنْهُ حَدِيثُ " «كُنْتَ نَبِيَّنَا وَآدَمُ مُنْجَدِلٌ فِي طِينَتِهِ» " وَالْجِدَالُ فِي اصْطِلَاحِ النُّظَّارِ وَالْفُقَهَاءِ فَتْلُ الْخَصْمِ عَنْ قَصْدِهِ لِطَلَبِ صِحَّةِ قَوْلِهِ وَإِبْطَالِ قَوْلِ غَيْرِهِ، وَهُوَ وَإِنْ كَانَ مَأْمُورًا بِهِ عَلَى وَجْهِ الْإِنْصَافِ وَإِظْهَارِ الْحَقِّ لِأَنَّهُ لَا يُسْتَغْنَى عَنْهُ لِأَنَّ بِهِ نَتَبَيَّنُ صِحَّةَ الدَّلِيلِ مِنْ فَسَادِهِ
стр. 555
تَحْرِيرًا وَتَقْرِيرًا وَتَتَّضِحُ الْأَسْئِلَةُ الْوَارِدَةُ مِنَ الْمَرْدُودَةِ إِجْمَالًا وَتَفْصِيلًا إِلَّا أَنَّ الْغَالِبَ فِيهِ إِنَّمَا يَكُونُ عَلَى وَجْهِ الْغَلَبَةِ وَالْخُصُومَةِ وَالْغَضَبِ وَالْمِرَاءِ، وَهُوَ يَعْنِي الْمِرَاءَ اسْتِخْرَاجَ غَضَبِ الْمُجَادَلِ عَنْ طَرِيقِ الْحَقِّ، وَإِلَيْهِ يَنْصَرِفُ النَّهْيُ عَنْ قِيلَ وَقَالَ.
قَالَ الْبَرْبَهَارِيُّ مِنْ عُلَمَائِنَا وَاسْمُهُ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ فِي كِتَابِهِ شَرْحِ السُّنَّةِ: لَيْسَ فِي السُّنَّةِ قِيَاسٌ وَلَا يُضْرَبُ لَهَا الْأَمْثَالُ وَلَا يُتَّبَعُ فِيهَا الْأَهْوَاءُ بَلْ هِيَ التَّصْدِيقُ بِآثَارِ الرَّسُولِ ﷺ بِلَا كَيْفٍ فَلَا يُقَالُ لِمَ؟ وَلَا كَيْفَ؟ قَالَ وَالْكَلَامُ وَالْخُصُومَةُ وَالْجِدَالُ وَالْمِرَاءُ مُحْدَثٌ يَقْدَحُ الشَّكَّ فِي الْقَلْبِ وَإِنْ أَصَابَ صَاحِبُهُ السُّنَّةَ وَالْحَقَّ. انْتَهَى مُخْتَصَرًا.
وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ مَرْفُوعًا " «مَا ضَلَّ قَوْمٌ بَعْدَ هُدًى كَانُوا عَلَيْهِ إِلَّا أَنْ أُوتُوا الْجَدَلَ - ثُمَّ تَلَا - " ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا﴾ [الزخرف: ٥٨] » .
وَلِلْإِمَامِ أَحْمَدَ عَنْ مَكْحُولٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ مَرْفُوعًا " «لَا يُؤْمِنُ الْعَبْدُ الْإِيمَانَ كُلَّهُ حَتَّى يَتْرُكَ الْمِرَاءَ وَإِنْ كَانَ مُحِقًّا» " وَلِلتِّرْمِذِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ مَرْفُوعًا " «لَا تُمَارِ أَخَاكَ» " وَلِأَبِي دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ﵁ مَرْفُوعًا " «أَنَا زَعِيمُ بَيْتٍ فِي رَبَضِ الْجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الْمِرَاءَ وَإِنْ كَانَ مُحِقًّا» " وَعِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيِّ وَحَسَّنَهُ عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا " «مَنْ تَرَكَ الْمِرَاءَ وَهُوَ مُحِقٌّ بُنِيَ لَهُ بَيْتٌ فِي وَسَطِ الْجَنَّةِ» " وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ - وَاللَّفْظُ لَهُ - وَابْنُ مَاجَهْ وَالْبَيْهَقِيُّ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ حَسَنٌ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " «مَنْ تَرَكَ الْجِدَالَ وَهُوَ مُبْطِلٌ بُنِيَ لَهُ بَيْتٌ فِي رَبَضِ الْجَنَّةِ، وَمَنْ تَرَكَهُ وَهُوَ مُحِقٌّ بُنِيَ لَهُ فِي وَسَطِهَا، وَمَنْ حَسُنَ خُلُقُهُ بُنِيَ لَهُ فِي أَعْلَاهَا» " وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
[تنبيهات الأول قتل المسلمين لأتباع الدجال من اليهود]
(تَنْبِيهَاتٌ)
(الْأَوَّلُ) إِذَا قَتَلَ سَيِّدُنَا عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ﵇ الدَّجَّالَ انْهَزَمَ جُنُودُهُ الَّذِينَ هُمُ الْيَهُودُ وَمَنْ مَعَهُمْ فَلَا يَبْقَى شَيْءٌ مِمَّا خَلَقَ اللَّهُ يَتَوَارَى بِهِ يَهُودِيٌّ إِلَّا «أَنْطَقَ اللَّهُ ذَلِكَ الشَّيْءَ لَا شَجَرٌ وَلَا حَجَرٌ وَلَا حَائِطٌ وَلَا دَابَّةٌ إِلَّا قَالَ يَا عَبْدَ اللَّهِ هَذَا يَهُودِيٌّ، وَفِي لَفْظٍ: هَذَا دَجَّالِيٌّ فَتَعَالَ اقْتُلْهُ إِلَّا الْغَرْقَدَ فَإِنَّهَا مِنْ شَجَرِ الْيَهُودِ لَا يَنْطِقُ» .
فَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ " «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُقَاتِلَ الْمُسْلِمُونَ
стр. 556
الْيَهُودَ فَيَقْتُلُهُمْ الْمُسْلِمُونَ حَتَّى يَخْتَبِئَ الْيَهُودِيُّ مِنْ وَرَاءِ الْحَجَرِ وَالشَّجَرِ فَيَقُولُ الْحَجَرُ وَالشَّجَرُ يَا مُسْلِمُ هَذَا يَهُودِيٌّ خَلْفِي فَاقْتُلْهُ إِلَّا الْغَرْقَدَ فَإِنَّهُ شَجَرُ الْيَهُودِ» " وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ نَحْوُهُ.
[الثَّانِي فِي قَدْرِ لُبْثِ الدجال وَكَيْفِيَّةِ النَّجَاةِ مِنْهُ]
(الثَّانِي فِي قَدْرِ لُبْثِهِ فِي الْأَرْضِ وَكَيْفِيَّةِ النَّجَاةِ مِنْهُ)
أَمَّا قَدْرُ لُبْثِهِ فِي الْأَرْضِ فَتَقَدَّمَ فِي خَبَرِ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ عِنْدَ مُسْلِمٍ وَالتِّرْمِذِيِّ «أَنَّهُ يَمْكُثُ أَرْبَعِينَ يَوْمًا يَوْمٌ كَسَنَةٍ وَيَوْمٌ كَشَهْرٍ وَيَوْمٌ كَجُمُعَةٍ وَسَائِرُ أَيَّامِهِ كَأَيَّامِكُمْ» . وَفِي رِوَايَةٍ عِنْدَ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ مَرْفُوعًا " «يَخْرُجُ الدَّجَّالُ فِي أُمَّتِي فَيَمْكُثُ أَرْبَعِينَ فَيَبْعَثُ اللَّهُ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ ﵇ كَأَنَّهُ عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيُّ فَيَطْلُبُهُ فَيُهْلِكُهُ» ".
وَفِي حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ ﵁ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ وَابْنِ خُزَيْمَةَ وَالْحَاكِمِ وَالضِّيَاءِ " «إِنَّ أَيَّامَهُ أَرْبَعُونَ سَنَةً كَنِصْفِ السَّنَةِ وَالسَّنَةُ كَالشَّهْرِ وَالسَّنَةُ كَالْجُمُعَةِ وَآخِرُ أَيَّامِهِ كَالشَّرَرَةِ، يُصْبِحُ أَحَدُكُمْ عَلَى بَابِ الْمَدِينَةِ فَلَا يَبْلُغُ بَابَهَا الْآخَرَ حَتَّى يُمْسِيَ» ".
وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي تَأْوِيلِ هَذَا الْحَدِيثِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ هُوَ كِنَايَةٌ عَنِ اشْتِغَالِ النَّاسِ بِأَنْفُسِهِمْ مِنَ الْفِتَنِ حَتَّى لَا يَدْرُوا كَيْفَ يَمْضِي النَّهَارُ فَيَكُونُ مُضِيُّ النَّهَارِ عِنْدَهُمْ كَمُضِيِّ السَّاعَةِ وَالشَّهْرِ كَالْيَوْمِ، وَالسَّنَةِ كَالشَّهْرِ. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ بَلْ هُوَ عَلَى ظَاهِرِهِ فَقَدْ وَرَدَ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ ﵁ عِنْدَ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَالتِّرْمِذِيِّ فِي أَشْرَاطِ السَّاعَةِ «حَتَّى يَتَقَارَبَ الزَّمَانُ فَتَكُونُ السَّنَةُ كَالشَّهْرِ وَيَكُونُ الشَّهْرُ كَالْجُمُعَةِ وَتَكُونُ الْجُمُعَةُ كَالْيَوْمِ وَيَكُونُ الْيَوْمُ كَالسَّاعَةِ وَتَكُونُ السَّاعَةُ كَالضَّرْمَةِ بِالنَّارِ» .
وَذَكَرَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الصَّلَاةَ تُقَدَّرُ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ أَيْضًا عَلَى قِيَاسِ مَا مَرَّ. وَاخْتَلَفَ الْجَوَابُ عَنِ اخْتِلَافِ الْحَدِيثَيْنِ فَمِنْهُمْ مَنْ مَالَ إِلَى التَّرْجِيحِ فَعَلَى هَذَا حَدِيثُ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي الْمُسْنَدِ وَمُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ وَالتِّرْمِذِيُّ فِي سُنَنِهِ فَهُوَ أَقْوَى لِأَنَّهُ أَصَحُّ وَإِنْ كَانَ الثَّانِي أَيْضًا صَحِيحًا فَيُقَدَّمُ عَلَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ مَالَ إِلَى الْجَمْعِ وَطَرِيقُهُ أَنَّ أَيَّامَهُ أَرْبَعُونَ سَنَةً وَتُسَمَّى السِّنِينُ أَيَّامًا مَجَازًا كَمَا يُقَالُ أَيَّامُ ابْنِ الزُّبَيْرِ وَأَيَّامُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَأَيَّامُ بَنِي أُمَيَّةَ، ثُمَّ إِنَّ أَوَّلَ أَيَّامِ السَّنَةِ الْأُولَى كَسَنَةٍ وَثَانِيَهَا كَشَهْرٍ وَثَالِثَهَا كَجُمُعَةٍ وَبَاقِي أَيَّامِهِ
стр. 557
كَأَيَّامِنَا ثُمَّ تَتَنَاقَصُ أَيَّامُ السَّنَةِ الثَّانِيَةِ حَتَّى تَكُونَ السَّنَةُ كَنِصْفِ سَنَةٍ وَهَكَذَا إِلَى أَنْ تَكُونَ السَّنَةُ كَشَهْرٍ وَالشَّهْرُ كَجُمُعَةٍ وَالْجُمُعَةُ كَيَوْمٍ حَتَّى يَكُونَ آخِرُ أَيَّامِهِ بِحَيْثُ يُصْبِحُ أَحَدُهُمْ عَلَى بَابِ الْمَدِينَةِ فَلَا يَبْلُغُ بَابَهَا الْآخَرَ حَتَّى يُمْسِيَ فَتَكُونُ السَّنَةُ الْأُولَى مُشْتَمِلَةً عَلَى مِقْدَارِ سِنِينَ مِنْ سِنِينَا وَسُنُوهُ الْأَخِيرَةُ مِقْدَارُ سَنَةٍ مِنْ سِنِينَا.
وَيُقَرِّبُ هَذَا الْجَمْعُ رِوَايَةَ الْحَاكِمِ وَنُعَيْمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ مَرْفُوعًا «أَنَّهُ يَقُولُ - يَعْنِي الدَّجَّالَ - أَنَا رَبُّ الْعَالَمِينَ وَهَذِهِ الشَّمْسُ تَجْرِي بِإِذْنِي أَفَتُرِيدُونَ أَنْ أَحْبِسَهَا فَيَحْبِسُ الشَّمْسَ حَتَّى يَجْعَلَ الْيَوْمَ كَالشَّهْرِ وَكَالْجُمُعَةِ، وَيَقُولُ أَتُرِيدُونَ أَنْ أُسَيِّرَهَا فَيَجْعَلُ الْيَوْمَ كَالسَّاعَةِ» الْحَدِيثَ.
وَأَمَّا كَيْفِيَّةُ النَّجَاةِ مِنْهُ فَمَعْلُومٌ أَنَّهُ مَخْلُوقٌ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَشْرَبُ الشَّرَابَ ثُمَّ إِنَّهُ لِخِسَّتِهِ وَعَجْزِهِ أَعْوَرُ وَهُوَ جِسْمٌ مَرْئِيٌّ وَهَذِهِ كُلُّهَا لَا تَجُوزُ عَلَى الْبَارِي، وَقَدْ صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ " «مَنْ حَفِظَ عَشْرَ آيَاتٍ مَنْ أَوَّلِ سُورَةِ الْكَهْفِ عُصِمَ مِنَ الدَّجَّالِ» " وَفِي رِوَايَةٍ مِنْ آخِرِ الْكَهْفِ رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁ مَرْفُوعًا.
وَوَرَدَ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ مَرْفُوعًا «مَنْ لَقِيَهُ مِنْكُمْ فَلْيَتْفُلْ فِي وَجْهِهِ» . رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ.
وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁ مَرْفُوعًا " «مَنْ حَفِظَ ثَلَاثَ آيَاتٍ مِنْ أَوَّلِ سُورَةِ الْكَهْفِ عُصِمَ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ» " قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَمِمَّا يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يُكْثِرَ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى مِنَ التَّهْلِيلِ وَالتَّسْبِيحِ وَالتَّكْبِيرِ فَإِنَّهُ قُوتُهُ.
[الثَّالث ينبغي بث الأحاديث المنذرة بالدجال]
(الثَّالِثُ)
مِمَّا يَنْبَغِي لِكُلِّ عَالِمٍ أَنْ يَبُثَّ أَحَادِيثَ الدَّجَّالِ بَيْنَ الْأَوْلَادِ وَالنِّسَاءِ وَالرِّجَالِ، وَقَدْ قَالَ ابْنُ مَاجَهْ سَمِعْتُ الطَّنَافِسِيَّ يَقُولُ سَمِعْتُ الْمُحَارِبِيَّ يَقُولُ يَنْبَغِي أَنْ يُرْفَعَ هَذَا الْحَدِيثُ - يَعْنِي حَدِيثَ الدَّجَّالِ - إِلَى الْمُؤَدِّبِ حَتَّى يُعَلِّمَهُ الصِّبْيَانَ فِي الْكُتَّابِ.
وَقَدْ وَرَدَ أَنَّ مِنْ عَلَامَاتِ خُرُوجِهِ نِسْيَانُ ذِكْرِهِ عَلَى الْمَنَابِرِ، وَقَدْ أَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَأَبُو يَعْلَى وَالْحَاكِمُ عَنْ جَابِرٍ ﵁ مَرْفُوعًا: «يَخْرُجُ الدَّجَّالُ فِي خِفَّةٍ مِنَ الدِّينِ وَإِدْبَارٍ مِنَ الْعِلْمِ» . فَيَنْبَغِي لِكُلِّ عَالِمٍ وَلَا سِيَّمَا فِي زَمَانِنَا هَذَا الَّذِي اشْرَأَبَّتْ فِيهِ الْفِتَنُ وَكَثُرَتْ فِيهِ الْمِحَنُ
стр. 558
وَانْدَرَسَتْ فِيهِ مَعَالِمُ السُّنَنِ وَصَارَتِ السُّنَّةُ فِيهِ كَالْبِدَعِ وَالْبِدْعَةُ شَرْعًا يُتَّبَعُ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَظِيمِ.
[الرابع في ابن صياد وهل هو الدجال]
(الرَّابِعُ)
اخْتَلَفَ النَّاسُ وَالصَّحَابَةُ وَمَنْ بَعْدَهُمْ قَدِيمًا وَحَدِيثًا فِي الدَّجَّالِ هَلْ هُوَ صَافِي بْنُ صَيَّادٍ أَوْ غَيْرُهُ؟ قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيُّ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ: مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ابْنَ صَيَّادٍ هُوَ الدَّجَّالُ مَا أَخْرَجَ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ قَالَ رَأَيْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَحْلِفُ بِاللَّهِ أَنَّ ابْنَ صَيَّادٍ هُوَ الدَّجَّالُ، فَقُلْتُ لَهُ أَتَحْلِفُ عَلَى ذَلِكَ؟ قَالَ إِنِّي سَمِعْتُ عُمَرَ يَحْلِفُ عَلَى ذَلِكَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَلَمْ يُنْكِرْهُ النَّبِيُّ ﷺ . وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ.
وَفِي تَذْكِرَةِ الْقُرْطُبِيِّ عَنْ نَافِعٍ قَالَ كَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ يَقُولُ وَاللَّهِ مَا أَشُكُّ أَنَّ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ ابْنُ صَيَّادٍ. أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ.
وَفِي ذَلِكَ عِدَّةُ أَحَادِيثَ وَآثَارٍ صَحِيحَةٍ إِلَّا أَنَّهَا لَيْسَتْ صَرِيحَةً وَلَا نَصًّا فِي أَنَّ ابْنَ صَيَّادٍ هُوَ الدَّجَّالُ، وَقَدْ أَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ مَرْفُوعًا " «يَخْرُجُ الدَّجَّالُ مِنْ يَهُودِيَّةِ أَصْبَهَانَ» - قَالَ أَبُو نُعَيْمٍ كَانْتِ الْيَهُودِيَّةُ مِنْ جُمْلَةِ قُرَى أَصْبَهَانَ وَإِنَّمَا سُمِّيَتِ الْيَهُودِيَّةَ لِأَنَّهَا كَانَتْ تَخْتَصُّ بِسُكْنَى الْيَهُودِ وَلَمْ تَزَلْ كَذَلِكَ إِلَى زَمَنِ أَيُّوبَ بْنِ زِيَادٍ أَمِيرِ مِصْرَ فِي زَمَنِ الْمَهْدِيِّ بْنِ الْمَنْصُورِ الْعَبَّاسِيِّ فَسَكَنَهَا الْمُسْلِمُونَ وَبَقِيَتْ لِلْيَهُودِ مِنْهَا قِطْعَةٌ.
وَحَاصِلُ كَلَامِ الْحَافِظِ ابْنِ حَجَرٍ أَنَّ الْأَصَحَّ أَنَّ الدَّجَّالَ غَيْرُ ابْنِ صَيَّادٍ وَوَافَقَهُ فِي الْإِشَاعَةِ، وَإِنْ وَافَقَهُ ابْنُ صَيَّادٍ فِي كَوْنِهِ أَعْوَرَ وَمِنَ الْيَهُودِ وَأَنَّهُ سَاكِنٌ فِي يَهُودِيَّةِ أَصْبَهَانَ فَفِي خَبَرِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: «لَقِيتُ ابْنَ صَيَّادٍ مَرَّتَيْنِ فَذَكَرَ الْمَرَّةَ الْأُولَى ثُمَّ قَالَ لَقِيتُهُ لَقْيَةً أُخْرَى وَقَدْ نَفَرَتْ عَيْنُهُ قَالَ فَقُلْتُ مَتَى فَعَلَتْ عَيْنُكَ مَا أَرَى؟ قَالَ لَا أَدْرِي؟ قَالَ قُلْتُ لَا تَدْرِي وَهِيَ فِي رَأْسِكَ؟ قَالَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ خَلَقَهَا فِي عَصَاكَ هَذِهِ.
قَالَ فَنَخَرَ كَأَشَدِّ نَخْرِ حِمَارٍ سَمِعْتُ، فَزَعَمَ بَعْضُ أَصْحَابِي أَنِّي ضَرْبَتُهُ بِعَصًا كَانَتْ مَعِي حَتَّى تَكَسَّرَتْ وَأَمَّا أَنَا فَوَاللَّهِ مَا شَعَرْتُ.
قَالَ وَجَاءَ ابْنُ عُمَرُ وَدَخَلَ عَلَى أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ حَفْصَةَ ﵂ فَحَدَّثَهَا فَقَالَتْ مَا تُرِيدُ إِلَيْهِ؟ أَمَا أَنَّهُ قَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " إِنَّ أَوَّلَ مَا يَبْعَثُهُ عَلَى النَّاسِ
стр. 559
غَضَبٌ يَغْضَبُهُ " وَقَدْ كَانَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ذَرْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ أَضْرِبُ عُنُقَهُ فَقَالَ ﷺ إِنْ يَكُنْ هُوَ فَلَنْ تُسَلَّطَ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُوَ فَلَا خَيْرَ لَكَ فِي قَتْلِهِ» . ذَكَرَهُ فِي التَّذْكِرَةِ وَغَيْرِهِ.
وَأَخْرَجَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي تَارِيخِ أَصْبَهَانَ عَنْ حَسَّانَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ لَمَّا فُتِحَتْ أَصْبَهَانَ كَانَ بَيْنَ عَسْكَرِنَا وَبَيْنَ عَسْكَرِ الْيَهُودِيَّةِ فَرْسَخٌ فَكُنَّا نَأْتِيهَا وَنَمْتَارُ مِنْهَا فَأَتَيْنَاهَا يَوْمًا فَإِذَا الْيَهُودُ يَضْرِبُونَ فَسَأَلْتُ صَدِيقًا لِي مِنْهُمْ فَقَالَ مَلِكُنَا الَّذِي نَسْتَفْتِحُ بِهِ عَلَى الْعَرَبِ يَدْخُلُ فَبِتُّ عِنْدَهُ عَلَى سَطْحٍ فَصَلَّيْتُ فَلَمَّا طَلَعَتِ الشَّمْسُ إِذَا الْوَهَجُ مِنْ قِبَلِ الْعَسْكَرِ فَنَظَرْتُ فَإِذَا هُوَ ابْنُ صَيَّادٍ فَدَخَلَ الْمَدِينَةَ يَعْنِي الْيَهُودِيَّةَ فَلَمْ يَعُدْ حَتَّى السَّاعَةِ.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ: وَحَسَّانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَا عَرَفْتُهُ وَبَاقِي سَنَدِهِ ثِقَاتٌ.
وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ فَقَدْنَا ابْنَ صَيَّادٍ يَوْمَ الْحَرَّةِ. وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ ﵁ مَرْفُوعًا " «يَمْكُثُ أَبُو الدَّجَّالِ وَأُمُّهُ ثَلَاثِينَ عَامًا لَا يُولَدُ لَهُمَا وَلَدٌ ثُمَّ يُولَدُ لَهُمَا غُلَامٌ أَعْوَرُ أَضَرُّ شَيْءٍ وَأَقَلُّهُ مَنْفَعَةً تَنَامُ عَيْنَاهُ وَلَا يَنَامُ قَلْبُهُ " قَالَ أَبُو بَكْرَةَ ثُمَّ نَعَتَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَبَوَيْهِ فَقَالَ " أَبُوهُ طُوَالٌ ضَرْبُ اللَّحْمِ كَأَنَّ أَنْفَهُ مِنْقَارٌ وَأُمُّهُ فِرْضَاخِيَّةٌ طَوِيلَةُ الْيَدَيْنِ ". قَالَ أَبُو بَكْرَةَ فَسَمِعْنَا بِمَوْلُودٍ فِي الْيَهُودِ بِالْمَدِينَةِ فَذَهَبْتُ أَنَا وَالزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى أَبَوَيْهِ فَإِذَا نَعْتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيهِمَا فَقُلْنَا هَلْ لَكُمَا وَلَدٌ؟ فَقَالَا: مَكَثْنَا ثَلَاثِينَ عَامًا لَا يُولَدُ لَنَا وَلَدٌ ثُمَّ وُلِدَ لَنَا غُلَامٌ أَعْوَرُ أَضَرُّ شَيْءٍ وَأَقَلُّهُ مَنْفَعَةً تَنَامُ عَيْنَاهُ وَلَا يَنَامُ قَلْبُهُ. قَالَ فَخَرَجْنَا مِنْ عِنْدِهِمَا فَإِذَا هُوَ مُنْجَدِلٌ فِي الشَّمْسِ فِي قَطِيفَةٍ وَلَهُ هَمْهَمَةٌ فَكَشَفَ عَنْ رَأْسِهِ فَقَالَ مَا قُلْتُمَا؟ قُلْنَا: وَهَلْ سَمِعْتَ مَا قُلْنَا؟ قَالَ: نَعَمْ تَنَامُ عَيْنَايَ وَلَا يَنَامُ قَلْبِي» . قَالَ التِّرْمِذِيُّ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ وَلَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ. وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ كَوْنَ الدَّجَّالِ هُوَ ابْنُ صَيَّادٍ بَعِيدٌ بَلْ ضَعِيفٌ وَحَدِيثُ أَبِي دَاوُدَ الَّذِي رَوَاهُ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ ابْنَ صَيَّادٍ فُقِدَ يَوْمَ الْحَرَّةِ صَحِيحُ السَّنَدِ وَرَوَاهُ غَيْرُهُ بِسَنَدٍ حَسَنٍ فَهُوَ يُضَعِّفُ خَبَرَ أَنَّهُ مَاتَ بِالْمَدِينَةِ وَأَنَّهُمْ صَلَّوْا عَلَيْهِ لِأَنَّهُ
стр. 560
أَسْلَمَ وَأَنَّهُمْ كَشَفُوا عَنْ وَجْهِهِ وَلَا يَلْتَئِمُ أَيْضًا مَعَ خَبَرِ حَسَّانَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَارِّ لِأَنَّ فَتْحَ أَصْبَهَانَ كَانَ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ كَمَا أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي تَارِيخِهَا، وَبَيْنَ شَهَادَةِ سَيِّدِنَا عُمَرَ ﵁ وَوَقْعَةِ الْحَرَّةِ نَحْوُ أَرْبَعِينَ سَنَةً.
وَحَاصِلُ كَلَامِ الْحَافِظِ ابْنِ حَجَرٍ فِي فَتْحِ الْبَارِي وَكَلَامِ غَيْرِهِ أَنَّ الْأَصَحَّ أَنَّ الدَّجَّالَ غَيْرُ ابْنِ صَيَّادٍ كَمَا تَقَدَّمَ وَيُؤَيِّدُهُ مَا أَخْرَجَهُ نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ مِنْ طَرِيقِ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ وَشُرَيْحِ بْنِ عُبَيْدٍ وَعَمْرِو بْنِ الْأَسْوَدِ وَكَثِيرِ بْنِ مُرَّةَ قَالُوا جَمِيعًا الدَّجَّالُ لَيْسَ بِإِنْسَانٍ وَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ مُوثَقٌ بِسَبْعِينَ حَلْقَةً فِي بَعْضِ جَزَائِرِ الْيَمَنِ كَمَا تَقَدَّمَ.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ وَهَذَا لَا يُمْكِنُ مَعَ كَوْنِ الدَّجَّالِ هُوَ ابْنُ صَيَّادٍ.
وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي خَبَرِ الْجَسَّاسَةِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ شَهِدَ جَابِرٌ أَنَّ الدَّجَّالَ هُوَ ابْنُ صَيَّادٍ قُلْتُ فَإِنَّهُ قَدْ مَاتَ. قَالَ: وَإِنْ مَاتَ، قُلْتُ فَإِنَّهُ قَدْ أَسْلَمَ، قَالَ وَإِنْ أَسْلَمَ. قُلْتُ فَإِنَّهُ قَدْ دَخَلَ الْمَدِينَةَ، قَالَ وَإِنْ دَخَلَ الْمَدِينَةَ. فَإِنْ صَحَّ ذَلِكَ فَهِيَ شَهَادَةٌ عَلَى حَسَبِ ظَنِّهِ وَمَا وَقَرَ فِي صَدْرِهِ مِنَ اعْتِقَادِهِ أَنَّهُ ابْنُ صَيَّادٍ.
وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ سَيْفُ بْنُ عُمَرَ فِي كِتَابِ الْفُتُوحِ وَالرِّدَّةِ مِنْ أَنَّهُ لَمَّا نَزَلَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى سُوسٍ وَأَحَاطُوا بِهَا وَنَاشَبُوهَا الْقِتَالَ أَشْرَفَ عَلَيْهِمْ يَوْمًا الرُّهْبَانُ وَالْقِسِّيسُونَ فَقَالُوا يَا مَعْشَرَ الْعَرَبِ إِنَّ مِمَّا عَهِدَ إِلَيْنَا عُلَمَاؤُنَا وَأَوْلِيَاؤُنَا أَنَّهُ لَا يَفْتَحُ السُّوسَ إِلَّا الدَّجَّالُ أَوْ قَوْمٌ فِيهِمُ الدَّجَّالُ فَإِنْ كَانَ الدَّجَّالُ فِيكُمْ فَتَفْتَحُونَهَا وَإِلَّا فَلَا تُعْنَوْا بِالْحِصَارِ. قَالَ وَصَافِي بْنُ صَيَّادٍ يَوْمَئِذٍ مَعَ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ﵁ فِي جُنْدِهِ فَأَتَى صَافِي بْنُ صَيَّادٍ بَابَ السُّوسِ غَضْبَانَ فَدَقَّهُ بِرِجْلِهِ وَقَالَ افْتَحْ فَتَقَطَّعَتِ السَّلَاسِلُ وَتَكَسَّرَتِ الْأَغْلَاقُ وَتَفَتَّحَتِ الْأَبْوَابُ وَدَخَلَ الْمُسْلِمُونَ. فَالْمُصَحَّحُ خِلَافُهُ.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ وَغَايَةُ مَا يَجْمَعُ بَيْنَ مَا تَضَمَّنَهُ حَدِيثُ تَمِيمٍ وَخَبَرُ الْجَسَّاسَةِ وَبَيْنَ أَحَادِيثِ كَوْنِ الدَّجَّالِ هُوَ ابْنُ صَيَّادٍ أَنَّ الدَّجَّالَ هُوَ الَّذِي رَآهُ تَمِيمٌ مُوثَقًا بِعَيْنِهِ وَأَنَّ ابْنَ صَيَّادٍ شَيْطَانٌ ظَهَرَ فِي صُورَةِ الدَّجَّالِ تِلْكَ الْمُدَّةَ الَّتِي قَدَّرَ اللَّهُ خُرُوجَهُ فِيهَا ثُمَّ ذَهَبَ وَهَذَا مُمْكِنٌ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[الخامس قصة تميم الداري حديث الجساسة]
(الْخَامِسُ)
فِي ذِكْرِ قِصَّةِ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ وَحَدِيثِهِ الَّذِي رَوَاهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ أَخْرَجَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ
стр. 561
وَابْنُ مَاجَهْ وَأَبُو يَعْلَى وَعَائِشَةُ ﵂ وَهُوَ فِي حَدِيثِ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ وَرُوِيَ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ.
وَأَمَّا حَدِيثُ فَاطِمَةَ الَّذِي هُوَ عُمْدَةُ الْبَابِ وَأَشْهَرُ مَا اشْتَهَرَ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ فَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ وَأَبُو دَاوُدَ بِمَعْنَاهُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَلَفْظُ رِوَايَةِ مُسْلِمٍ " «قَالَتْ فَاطِمَةُ ﵂ سَمِعْتُ مُنَادِيَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُنَادِي: الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ: فَخَرَجْتُ إِلَى الْمَسْجِدِ فَصَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلَاتَهُ جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ وَهُوَ يَضْحَكُ فَقَالَ " لِيَلْزَمْ كُلُّ إِنْسَانٍ مُصَلَّاهُ. ثُمَّ قَالَ: أَتَدْرُونَ لِمَا جَمَعْتُكُمْ؟ " قَالُوا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ " إِنِّي وَاللَّهِ مَا جَمَعْتُكُمْ لِرَغْبَةٍ وَلَا لِرَهْبَةٍ وَلَكِنْ جَمَعْتُكُمْ لِأَنَّ تَمِيمًا الدَّارِيَّ كَانَ رَجُلًا نَصْرَانِيًّا فَجَاءَ وَبَايَعَ وَأَسْلَمَ وَأَنَّهُ حَدَّثَنِي حَدِيثًا وَافَقَ الَّذِي كُنْتُ أُحَدِّثُكُمْ عَنِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ، حَدَّثَنِي أَنَّهُ رَكِبَ فِي سَفِينَةٍ بَحْرِيَّةٍ مَعَ ثَلَاثِينَ رَجُلًا مِنْ لَخْمٍ وَجُذَامٍ فَلَعِبَ بِهِمُ الْمَوْجُ شَهْرًا فِي الْبَحْرِ ثُمَّ أَرْفَئُوا (أَيْ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ فَهَمْزَةٌ مَضْمُومَةٌ أَيْ لَجَئُوا) إِلَى جَزِيرَةٍ فِي الْبَحْرِ حِينَ مَغْرِبِ الشَّمْسِ فَجَلَسُوا فِي أَقْرُبِ السَّفِينَةِ (وَهِيَ بِضَمِّ الرَّاءِ جَمْعُ قَارَبٍ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَكَسْرِهَا سَفِينَةٌ صَغِيرَةٌ مَعَ الْكَبِيرَةِ مُعَدَّةٌ لِقَضَاءِ الْحَوَائِجِ) قَالَ: فَدَخَلُوا الْجَزِيرَةَ فَلَقِيَتْهُمْ دَابَّةٌ أَهْلَبُ (أَيْ كَثِيرُ الشَّعْرِ غَلِيظُهُ وَعِنْدَ أَبِي دَاوُدَ: فَإِذَا أَنَا بِامْرَأَةٍ تَجُرُّ شَعْرَهَا - وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ - دَابَّةٌ أَهْلَبُ) كَثِيرُ الشَّعْرِ لَا يَدْرُونَ مَا قُبُلُهُ مِنْ دُبُرِهِ مِنْ كَثْرَةِ الشَّعْرِ فَقَالُوا وَيْلَكِ مَا أَنْتِ؟ قَالَتْ أَنَا الْجَسَّاسَةُ، قَالُوا وَمَا الْجَسَّاسَةُ (وَهِيَ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَتَشْدِيدِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ الْأُولَى سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا تَجُسُّ الْأَخْبَارَ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵄ أَنَّ هَذِهِ دَابَّةُ الْأَرْضِ الَّتِي تَخْرُجُ آخِرَ الزَّمَانِ فَتُكَلِّمُ النَّاسَ كَمَا يَأْتِي) قَالَتْ أَيُّهَا الْقَوْمُ انْطَلِقُوا إِلَى هَذَا الرَّجُلِ فِي الدَّيْرِ فَإِنَّهُ إِلَى خَبَرِكُمْ بِالْأَشْوَاقِ، قَالَ فَلَمَّا سَمَّتْ لَنَا رَجُلًا فَرِقْنَا مِنْهَا أَنْ تَكُونَ شَيْطَانَةً، قَالَ فَانْطَلَقْنَا سِرَاعًا حَتَّى دَخَلْنَا الدَّيْرَ فَإِذَا فِيهِ أَعْظَمُ إِنْسَانٍ رَأَيْنَاهُ قَطُّ خَلْقًا وَأَشَدُّهُ وِثَاقًا مَجْمُوعَةٌ يَدُهُ إِلَى عُنُقِهِ مَا بَيْنَ رُكْبَتِهِ إِلَى كَعْبِهِ بِالْحَدِيدِ، قُلْنَا: وَيْلَكَ مَا أَنْتَ قَالَ قَدَرْتُمْ عَلَى خَبَرِي فَأَخْبِرُونِي مَا أَنْتُمْ؟ قَالُوا نَحْنُ أُنَاسٌ مِنَ الْعَرَبِ
стр. 562
رَكِبْنَا فِي سَفِينَةٍ بَحْرِيَّةٍ فَصَادَفْنَا الْبَحْرَ حِينَ اغْتَلَمَ (أَيْ هَاجَ وَاضْطَرَبَتْ أَمْوَاجُهُ) فَلَعِبَ بِنَا الْمَوْجُ شَهْرًا ثُمَّ أَرْفَيْنَا إِلَى جَزِيرَتِكَ هَذِهِ فَجَلَسْنَا فِي أَقْرَبِهَا فَدَخَلْنَا الْجَزِيرَةَ فَلَقِينَا دَابَّةً أَهْلَبَ كَثِيرَةَ الشَّعْرِ لَا نَدْرِي مَا قُبُلُهُ مِنْ دُبُرِهِ مِنْ كَثْرَةِ الشَّعْرِ فَقُلْنَا وَيْلَكِ مَا أَنْتِ فَقَالَتْ أَنَا الْجَسَّاسَةُ قُلْنَا وَمَا الْجَسَّاسَةُ قَالَتِ اعْمِدُوا إِلَى هَذَا الرَّجُلِ فِي الدَّيْرِ فَإِنَّهُ إِلَى خَبَرِكُمْ بِالْأَشْوَاقِ فَأَقْبَلْنَا إِلَيْكَ سِرَاعًا وَفَزِعْنَا مِنْهَا وَلَمْ نَأْمَنْ أَنْ تَكُونَ شَيْطَانَةً. قَالَ أَخْبِرُونِي عَنْ نَخْلِ بَيْسَانَ (وَهِيَ بِفَتْحِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ قَرْيَةٌ بِالشَّامِ جَنُوبِيَّ طَبَرِيَّةَ وَأَيْضًا نَاحِيَةٌ بِالْيَمَامَةِ وَلَعَلَّهَا الْمُرَادَةُ فِي الْحَدِيثِ بِدَلِيلِ ذِكْرِ النَّخِيلِ) هَلْ يُثْمِرُ؟ قُلْنَا نَعَمْ، قَالَ أَمَا إِنَّهَا يُوشِكُ أَنْ لَا تُثْمِرَ، وَلَفْظُ مُسْلِمٍ أَخْبِرُونِي عَنْ نَخِيلِ بَيْسَانَ قُلْنَا عَنْ أَيِّ شَأْنِهَا تَسْتَخْبِرُ قَالَ أَسْأَلُكُمْ عَنْ نَخْلِهَا هَلْ يُثْمِرُ؟ قُلْنَا نَعَمْ قَالَ أَمَا إِنَّهَا يُوشِكُ أَنْ لَا تُثْمِرَ. قَالَ أَخْبِرُونِي عَنْ بُحَيْرَةِ طَبَرِيَّةَ قُلْنَا عَنْ أَيِّ شَأْنِهَا تَسْتَخْبِرُ؟ قَالَ هَلْ فِيهَا مَاءٌ؟ قَالُوا هِيَ كَثِيرَةُ الْمَاءِ قَالَ إِنَّ مَاءَهَا يُوشِكُ أَنْ يَذْهَبَ. قَالَ أَخْبِرُونِي عَنْ عَيْنِ زُغَرَ (أَيْ بِضَمِّ الزَّاءِ وَفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ عَلَى وَزْنِ صُرَدٍ بُلَيْدَةٌ مِنَ الْجَانِبِ الْقِبْلِيِّ مِنَ الشَّامِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ ثَلَاثَةُ فَرَاسِخَ عَلَى طَرِيقِ الْبُحَيْرَةِ وَزُغَرُ اسْمُ ابْنَةُ لُوطٍ ﵇ قَالَ فِي الْقَامُوسِ وَزُغَرُ قَرْيَةٌ بِالشَّامِ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّ ابْنَةَ لُوطٍ نَزَلَتْ بِهَا قَالَ وَبِهَا عَيْنٌ غَوْرُ مَائِهَا عَلَامَةُ خُرُوجِ الدَّجَّالِ) قَالُوا عَنْ أَيِّ شَأْنِهَا تَسْتَخْبِرُ؟ قَالَ هَلْ فِي الْعَيْنِ مَاءٌ وَهَلْ يَزْرَعُ أَهْلُهَا بِمَاءِ الْعَيْنِ؟ قُلْنَا نَعَمْ هِيَ كَثِيرَةُ الْمَاءِ وَأَهْلُهَا يَزْرَعُونَ مِنْ مَائِهَا. قَالَ أَخْبِرُونِي عَنْ نَبِيِّ الْأُمِّيِّينَ مَا فَعَلَ؟ قَالَ قَدْ خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ وَنَزَلَ يَثْرِبَ، قَالَ أَقَاتَلَهُ الْعَرَبُ؟ قُلْنَا لَهُ: نَعَمْ، قَالَ كَيْفَ صَنَعَ بِهِمْ؟ فَأَخْبَرْنَاهُ أَنَّهُ قَدْ ظَهَرَ عَلَى مَنْ يَلِيهِ مِنَ الْعَرَبِ وَأَطَاعُوهُ، قَالَ أَمَا إِنَّ ذَلِكَ خَيْرٌ لَهُمْ أَنْ يُطِيعُوهُ، وَإِنِّي مُخْبِرُكُمْ عَنِّي إِنِّي أَنَا الْمَسِيحُ وَإِنِّي أُوشِكُ أَنْ يُؤْذَنَ لِي فِي الْخُرُوجِ فَأَخْرُجُ فَأَسِيرُ فِي الْأَرْضِ فَلَا أَدَعُ قَرْيَةً إِلَّا هَبَطْتُهَا فِي أَرْبَعِينَ لَيْلَةً غَيْرَ مَكَّةَ وَطَيْبَةَ هُمَا مُحَرَّمَتَانِ عَلَيَّ كِلْتَاهُمَا كُلَّمَا أَرَدْتُ أَنْ أَدْخُلَ وَاحِدَةً - أَوْ وَاحِدًا - مِنْهُمَا اسْتَقْبَلَنِي مَلَكٌ بِيَدِهِ السَّيْفُ صَلْتًا يَصُدُّنِي عَنْهَا وَإِنَّ عَلَى كُلِّ نَقْبٍ مِنْهَا مَلَائِكَةً يَحْرُسُونَهَا. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَطَعَنَ بِمِخْصَرَتِهِ فِي الْمِنْبَرِ هَذِهِ هِيَ طَيْبَةُ هَذِهِ طَيْبَةُ هَذِهِ طَيْبَةُ (يَعْنِي الْمَدِينَةَ) .
стр. 563
أَلَا هَلْ كُنْتُ حَدَّثْتُكُمْ؟ فَقَالَ النَّاسُ نَعَمْ، قَالَ فَإِنَّهُ أَعْجَبَنِي حَدِيثُ تَمِيمٍ أَنَّهُ وَافَقَ الَّذِي كُنْتُ أُحَدِّثُكُمْ عَنْهُ وَعَنِ الْمَدِينَةِ وَمَكَّةَ، إِلَّا أَنَّهُ فِي بَحْرِ الشَّامِ أَوْ بَحْرِ الْيَمَنِ، لَا بَلْ مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ مَا هُوَ، مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ مَا هُوَ، مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ مَا هُوَ، مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ مَا هُوَ " وَأَوْمَى بِيَدِهِ إِلَى الْمَشْرِقِ قَالَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ قَيْسٍ ﵂ فَحَفِظْتُ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ » . أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ عِدَّةِ أَوْجُهٍ وَأَخْرَجَهُ غَيْرُهُ أَيْضًا.
قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي قَوْلِهِ ﷺ مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ مَا هُوَ لَفْظَةُ مَا زَائِدَةٌ صِلَةُ الْكَلَامِ لَيْسَتْ نَافِيَةً وَالْمُرَادُ إِثْبَاتُ أَنَّهُ مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ.
وَفِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ عِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ أَنَّهُ شَيْخٌ وَسَنَدُهُ صَحِيحٌ.
قَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِيهِ إِنَّ الدَّجَّالَ الْأَكْبَرَ الَّذِي يَخْرُجُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ غَيْرُ ابْنِ صَيَّادٍ وَإِنْ كَانَ ابْنُ صَيَّادٍ وَاحِدَ الدَّجَّالِينَ الْكَذَّابِينَ الَّذِينَ أَخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِخُرُوجِهِمْ.
[السادس الدَّجَّالِ عِنْدَ الْيَهُودِ وزعمهم فيه]
(السَّادِسُ)
اسْمُ الدَّجَّالِ عِنْدَ الْيَهُودِ الْمَسِيحُ بْنُ دَاوُدَ قَالُوا يَخْرُجُ آخِرَ الزَّمَانِ فَيَبْلُغُ سُلْطَانُهُ الْبَرَّ وَالْبَحْرَ وَتَسِيرُ مَعَهُ الْأَنْهَارُ قَالُوا وَهُوَ آيَةٌ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ قَالَ وَيَرُدُّ الْمُلْكَ إِلَيْنَا وَقَدْ كَذَبُوا فِي زَعْمِهِمْ بَلْ هُوَ مَسِيحُ الضَّلَالَةِ الدَّجَّالُ الْكَذَّابُ وَأَمَّا مَسِيحُ الْهُدَى فَعِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ﵇ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[السابع زيارة عيسى لقبر النبي وحجه البيت الحرام]
(التَّنْبِيهُ السَّابِعُ)
اعْلَمْ أَنَّ سَيِّدَنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ ﵇ بَعْدَ قَتْلِهِ لِلدَّجَّالِ يَذْهَبُ إِلَى الْمَدِينَةِ فَيَزُورُ قَبْرَ النَّبِيِّ ﷺ وَيَحُجُّ الْبَيْتَ الْحَرَامَ وَيُتَوَفَّى بِالْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ فَيُدْفَنُ هُنَاكَ فَقَدْ أَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ عَسَاكِرَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " «يَنْزِلُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ فَيَقْتُلُ الْخِنْزِيرَ وَيَمْحُو الصَّلِيبَ وَيَجْمَعُ الصَّلَاةَ وَيُعْطِي الْمَالَ حَتَّى لَا يُقْبَلُ وَيَضَعُ الْخَرَاجَ وَيَنْزِلُ الرَّوْحَاءَ فَيَحُجُّ مِنْهَا أَوْ يَعْتَمِرُ أَوْ يَجْمَعُهُمَا» ".
وَعِنْدَ مُسْلِمٍ فِي صَحِيحِهِ وَابْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَيْضًا " «لَيُهِلَّنَّ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ بِفَجِّ الرَّوْحَاءِ بِالْحَجِّ أَوِ الْعُمْرَةِ أَوْ لَيُثَنِّيَنَّهَمَا جَمِيعًا» " قَوْلُهُ بِفَجِّ أَيْ طَرِيقِ وَالرَّوْحَاءُ مَكَانٌ
стр. 564
بَيْنَ الْمَدِينَةِ وَوَادِي الصَّفْرَاءِ فِي طَرِيقِ مَكَّةَ، قَالَ ابْنُ قُرْقُولٍ فِي الْمَطَالِعِ وَالرَّوْحَاءُ مِنْ عَمَلِ الْفَرْعِ عَلَى نَحْوٍ مِنْ أَرْبَعِينَ مِيلًا مِنَ الْمَدِينَةِ وَفِي مُسْلِمٍ سِتَّةٍ وَثَلَاثِينَ، وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَلَى ثَلَاثِينَ.
وَأَخْرَجَ الْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ وَابْنُ عَسَاكِرَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَيْضًا ﵁ " «لَيَهْبِطَنَّ ابْنُ مَرْيَمَ حَكَمًا عَدْلًا وَإِمَامًا مُقْسِطًا وَلَيَسْلُكَنَّ فَجًّا حَاجًّا أَوْ مُعْتَمِرًا وَلَيَأْتِيَنَّ قَبْرِي حَتَّى يُسَلِّمَ عَلَيَّ وَلَأَرُدَّنَّ عَلَيْهِ» " قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁: أَيْ بَنِي أَخِي إِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَقُولُوا أَبُو هُرَيْرَةَ يُقْرِئُكَ السَّلَامَ.
وَأَخْرَجَ الْحَاكِمُ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " «مَنْ أَدْرَكَ عِيسَى مِنْكُمْ فَلْيُقْرِئْهُ مِنِّي السَّلَامَ» " وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ وَالطَّبَرَانِيُّ: «يُدْفَنُ ابْنُ مَرْيَمَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَيْهِمَا وَصَاحِبَيْهِ ﵄ فَيَكُونُ قَبْرُهُ رَابِعًا» .
وَفِي الْمَوَاهِبِ اللَّدُنِّيَّةِ لِلْقَسْطَلَانِيِّ ﵀ «بَقِيَ مِنَ الْبَيْتِ مَوْضِعُ قَبْرٍ يُدْفَنُ فِيهِ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَيَكُونُ قَبْرُهُ الرَّابِعَ» .
وَمَرَّ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ عِنْدَ ابْنِ الْجَوْزِيِّ فِي الْمُنْتَظَمِ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الشَّيْخُ مَرْعِيٌّ فِي بَهْجَتِهِ قَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا وَذِكْرُ رَابِعِ الْقُبُورِ لَا يُنَافِي قَوْلَهُ ﷺ فِي الْحَدِيثِ «الْمَارِّ مَعِي فِي قَبْرِي» فَإِنَّهُ ﷺ عَبَّرَ بِذَلِكَ لِشِدَّةِ الْقُرْبِ إِذْ هُوَ لِقُرْبِهِ كَأَنَّهُ مَعَهُ، أَوْ بِتَقْدِيرِ مُضَافٍ أَيْ فِي جَانِبِ قَبْرِي لِيَنْطَبِقَ الْكَلَامُ وَيَنْتَسِقَ. فَدَلَّ مَجْمُوعُ مَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ ﵇ يَمُوتُ بِالْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ.
قَالَ بَعْضُهُمْ وَلَعَلَّ مَوْتَهُ عِنْدَ حَجِّهِ وَزِيَارَتِهِ النَّبِيَّ ﷺ .
وَاعْلَمْ أَنَّ الْكَلَامَ عَلَى الْمَهْدِيِّ وَالدَّجَّالِ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ﵇ طَوِيلٌ شَهِيرٌ أُفْرِدَتْ فِي ذَلِكَ الْكُتُبُ الْمَبْسُوطَةُ وَالْمُخْتَصَرَةُ وَذَكَرْنَا فِي كِتَابِنَا الْبُحُورِ الزَّاخِرَةِ مِنْ ذَلِكَ طَرَفًا صَالِحًا يُغْنِي مَنْ أَحْصَاهُ عِلْمًا عَنْ مُرَاجَعَةِ أَكْثَرِ كُتُبِ هَذَا الْبَابِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
[العلامة الرابعة خروج يأجوج ومأجوج]
(الْعَلَامَةُ الرَّابِعَةُ)
خُرُوجُ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ وَإِلَيْهَا أَشَارَ بِقَوْلِهِ:
((وَأَمْرُ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ أَثْبِتِ ... فَإِنَّهُ حَقٌّ كَهَدْمِ الْكَعْبَةِ
((وَأَمْرُ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ)) يُهْمَزَانِ وَلَا يُهْمَزَانِ لُغَتَانِ وَقُرِئَ بِهِمَا فَمَنْ هَمَزَهُمَا جَعَلَهَا مِنْ أَجِيجِ النَّارِ وَهُوَ ضَوْؤُهَا وَحَرَارَتُهَا وَسُمُّوا بِذَلِكَ لِكَثْرَتِهِمْ.
стр. 565
وَشِدَّتِهِمْ وَقِيلَ مِنَ الْأُجَاجِ وَهُوَ الْمَاءُ الشَّدِيدُ الْمُلُوحَةِ وَقِيلَ هُمَا اسْمَانِ أَعْجَمِيَّانِ غَيْرُ مُشْتَقَّيْنِ.
قَالَ مُقَاتِلٌ: هُمْ مِنْ وَلَدِ يَافِثِ بْنِ نُوحٍ ﵇.
وَقَالَ كَعْبٌ احْتَلَمَ آدَمُ ﵇ فَاخْتَلَطَ مَاؤُهُ بِالتُّرَابِ فَأَسِفَ فَخُلِقُوا مِنْ ذَلِكَ.
وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَا يَحْتَلِمُونَ عَلَى أَنَّ إِمْنَاءَ النَّائِمِ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الْحُلْمِ الَّذِي يَقْتَضِي أَنْ يَتَرَاءَى لَهُ فِي مَنَامِهِ مَا يَكُونُ سَبَبًا لِإِنْزَالِهِ كَمَا لَا يَخْفَى.
وَقَدْ رَوَى الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ حُذَيْفَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ " «يَأْجُوجُ أُمَّةٌ لَهَا أَرْبَعُمِائَةِ أَمِيرٍ وَكَذَلِكَ مَأْجُوجُ وَلَا يَمُوتُ أَحَدُهُمْ حَتَّى يَنْظُرَ إِلَى أَلْفِ فَارِسٍ مِنْ وَلَدِهِ» ".
قَالَ أَهْلُ التَّارِيخِ أَوْلَادُ نُوحٍ ثَلَاثَةٌ سَامٌ وَحَامٌ وَيَافِثُ فَسَامٌ أَبُو الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ وَالرُّومِ، وَحَامٌ أَبُو الْحَبَشَةِ وَالزِّنْجِ وَالنُّوبَةِ، وَيَافِثُ أَبُو التُّرْكِ وَالصَّقَالِبَةِ وَيَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ.
وَقَالَ الْكِسَائِيُّ فِي الْعَرَائِسِ إِنَّ يَافِثَ سَارَ إِلَى الْمَشْرِقِ فَوُلِدَ لَهُ هُنَاكَ جَوْهَرٌ وَنَبْرَشُ وَأَشَارُ وَإِسْقَوِيلُ وَمَيَاشِحُ وَهِيَ أَسْمَاءٌ أَعْجَمِيَّةٌ، فَمِنْ جَوْهَرٍ جَمِيعُ الصَّقَالِبَةِ وَالرُّومُ وَأَجْنَاسُهُمْ، وَمِنْ مَيَاشِحَ جَمِيعُ أَصْنَافِ الْعَجَمِ، وَمِنْ أَشَارَ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَأَجْنَاسُهُمْ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ هُمْ عَشَرَةُ أَجْزَاءٍ وَوَلَدُ آدَمَ كُلُّهُمْ جُزْءٌ لِأَنَّهُمْ لَا يَمُوتُ أَحَدُهُمْ حَتَّى يَنْظُرَ إِلَى أَلْفِ ذَكَرٍ مِنْ صُلْبِهِ يَحْمِلُونَ السِّلَاحَ، فَمِنْهُمْ مَنْ طُولُهُ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ ذِرَاعًا أَوْ خَمْسُونَ، وَمِنْهُمْ مَنْ طُولُهُ وَعَرْضُهُ كَذَلِكَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْتَحِفُ بِإِحْدَى أُذُنَيْهِ وَيَفْتَرِشُ الْأُخْرَى.
وَقَالَ عَلِيٌّ ﵁ مِنْهُمْ مَنْ طُولُهُ شِبْرٌ وَمِنْهُمْ مَنْ هُوَ مُفْرِطٌ فِي الطُّولِ لَهُمْ مَخَالِبُ فِي مَوْضِعِ الْأَظْفَارِ مِنْ أَيْدِينَا وَأَنْيَابٌ وَأَضْرَاسٌ كَأَضْرَاسِ السِّبَاعِ وَلَهُمْ شَعْرٌ فِي أَجْسَادِهِمْ.
وَالْمُرَادُ بِأَمْرِهِمْ خُرُوجُهُمْ وَهُوَ ثَابِتٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ فَلِهَذَا قَالَ ((أَثْبِتْ)) أَيِ اعْتَقِدْ ثُبُوتَهُ.
أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٦] وَأَمَّا السُّنَّةُ فَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ " «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُوحِي إِلَى عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ﵇ بَعْدَ قَتْلِهِ الدَّجَّالَ أَنِّي قَدْ أَخْرَجْتُ عِبَادًا لِي لَا يَدَانِ لِأَحَدٍ بِقِتَالِهِمْ فَحَرِّزْ عِبَادِي إِلَى الطُّورِ، وَيَبْعَثُ اللَّهُ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ فَيَمُرُّ أَوَّلُهُمْ عَلَى بُحَيْرَةِ طَبَرِيَّةَ فَيَشْرَبُونَ مَا فِيهَا
следующие страницы →