Полный текст (921 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.
стр. 561
وَابْنُ مَاجَهْ وَأَبُو يَعْلَى وَعَائِشَةُ ﵂ وَهُوَ فِي حَدِيثِ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ وَرُوِيَ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ.
وَأَمَّا حَدِيثُ فَاطِمَةَ الَّذِي هُوَ عُمْدَةُ الْبَابِ وَأَشْهَرُ مَا اشْتَهَرَ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ فَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ وَأَبُو دَاوُدَ بِمَعْنَاهُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَلَفْظُ رِوَايَةِ مُسْلِمٍ " «قَالَتْ فَاطِمَةُ ﵂ سَمِعْتُ مُنَادِيَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُنَادِي: الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ: فَخَرَجْتُ إِلَى الْمَسْجِدِ فَصَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلَاتَهُ جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ وَهُوَ يَضْحَكُ فَقَالَ " لِيَلْزَمْ كُلُّ إِنْسَانٍ مُصَلَّاهُ. ثُمَّ قَالَ: أَتَدْرُونَ لِمَا جَمَعْتُكُمْ؟ " قَالُوا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ " إِنِّي وَاللَّهِ مَا جَمَعْتُكُمْ لِرَغْبَةٍ وَلَا لِرَهْبَةٍ وَلَكِنْ جَمَعْتُكُمْ لِأَنَّ تَمِيمًا الدَّارِيَّ كَانَ رَجُلًا نَصْرَانِيًّا فَجَاءَ وَبَايَعَ وَأَسْلَمَ وَأَنَّهُ حَدَّثَنِي حَدِيثًا وَافَقَ الَّذِي كُنْتُ أُحَدِّثُكُمْ عَنِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ، حَدَّثَنِي أَنَّهُ رَكِبَ فِي سَفِينَةٍ بَحْرِيَّةٍ مَعَ ثَلَاثِينَ رَجُلًا مِنْ لَخْمٍ وَجُذَامٍ فَلَعِبَ بِهِمُ الْمَوْجُ شَهْرًا فِي الْبَحْرِ ثُمَّ أَرْفَئُوا (أَيْ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ فَهَمْزَةٌ مَضْمُومَةٌ أَيْ لَجَئُوا) إِلَى جَزِيرَةٍ فِي الْبَحْرِ حِينَ مَغْرِبِ الشَّمْسِ فَجَلَسُوا فِي أَقْرُبِ السَّفِينَةِ (وَهِيَ بِضَمِّ الرَّاءِ جَمْعُ قَارَبٍ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَكَسْرِهَا سَفِينَةٌ صَغِيرَةٌ مَعَ الْكَبِيرَةِ مُعَدَّةٌ لِقَضَاءِ الْحَوَائِجِ) قَالَ: فَدَخَلُوا الْجَزِيرَةَ فَلَقِيَتْهُمْ دَابَّةٌ أَهْلَبُ (أَيْ كَثِيرُ الشَّعْرِ غَلِيظُهُ وَعِنْدَ أَبِي دَاوُدَ: فَإِذَا أَنَا بِامْرَأَةٍ تَجُرُّ شَعْرَهَا - وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ - دَابَّةٌ أَهْلَبُ) كَثِيرُ الشَّعْرِ لَا يَدْرُونَ مَا قُبُلُهُ مِنْ دُبُرِهِ مِنْ كَثْرَةِ الشَّعْرِ فَقَالُوا وَيْلَكِ مَا أَنْتِ؟ قَالَتْ أَنَا الْجَسَّاسَةُ، قَالُوا وَمَا الْجَسَّاسَةُ (وَهِيَ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَتَشْدِيدِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ الْأُولَى سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا تَجُسُّ الْأَخْبَارَ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵄ أَنَّ هَذِهِ دَابَّةُ الْأَرْضِ الَّتِي تَخْرُجُ آخِرَ الزَّمَانِ فَتُكَلِّمُ النَّاسَ كَمَا يَأْتِي) قَالَتْ أَيُّهَا الْقَوْمُ انْطَلِقُوا إِلَى هَذَا الرَّجُلِ فِي الدَّيْرِ فَإِنَّهُ إِلَى خَبَرِكُمْ بِالْأَشْوَاقِ، قَالَ فَلَمَّا سَمَّتْ لَنَا رَجُلًا فَرِقْنَا مِنْهَا أَنْ تَكُونَ شَيْطَانَةً، قَالَ فَانْطَلَقْنَا سِرَاعًا حَتَّى دَخَلْنَا الدَّيْرَ فَإِذَا فِيهِ أَعْظَمُ إِنْسَانٍ رَأَيْنَاهُ قَطُّ خَلْقًا وَأَشَدُّهُ وِثَاقًا مَجْمُوعَةٌ يَدُهُ إِلَى عُنُقِهِ مَا بَيْنَ رُكْبَتِهِ إِلَى كَعْبِهِ بِالْحَدِيدِ، قُلْنَا: وَيْلَكَ مَا أَنْتَ قَالَ قَدَرْتُمْ عَلَى خَبَرِي فَأَخْبِرُونِي مَا أَنْتُمْ؟ قَالُوا نَحْنُ أُنَاسٌ مِنَ الْعَرَبِ
стр. 562
رَكِبْنَا فِي سَفِينَةٍ بَحْرِيَّةٍ فَصَادَفْنَا الْبَحْرَ حِينَ اغْتَلَمَ (أَيْ هَاجَ وَاضْطَرَبَتْ أَمْوَاجُهُ) فَلَعِبَ بِنَا الْمَوْجُ شَهْرًا ثُمَّ أَرْفَيْنَا إِلَى جَزِيرَتِكَ هَذِهِ فَجَلَسْنَا فِي أَقْرَبِهَا فَدَخَلْنَا الْجَزِيرَةَ فَلَقِينَا دَابَّةً أَهْلَبَ كَثِيرَةَ الشَّعْرِ لَا نَدْرِي مَا قُبُلُهُ مِنْ دُبُرِهِ مِنْ كَثْرَةِ الشَّعْرِ فَقُلْنَا وَيْلَكِ مَا أَنْتِ فَقَالَتْ أَنَا الْجَسَّاسَةُ قُلْنَا وَمَا الْجَسَّاسَةُ قَالَتِ اعْمِدُوا إِلَى هَذَا الرَّجُلِ فِي الدَّيْرِ فَإِنَّهُ إِلَى خَبَرِكُمْ بِالْأَشْوَاقِ فَأَقْبَلْنَا إِلَيْكَ سِرَاعًا وَفَزِعْنَا مِنْهَا وَلَمْ نَأْمَنْ أَنْ تَكُونَ شَيْطَانَةً. قَالَ أَخْبِرُونِي عَنْ نَخْلِ بَيْسَانَ (وَهِيَ بِفَتْحِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ قَرْيَةٌ بِالشَّامِ جَنُوبِيَّ طَبَرِيَّةَ وَأَيْضًا نَاحِيَةٌ بِالْيَمَامَةِ وَلَعَلَّهَا الْمُرَادَةُ فِي الْحَدِيثِ بِدَلِيلِ ذِكْرِ النَّخِيلِ) هَلْ يُثْمِرُ؟ قُلْنَا نَعَمْ، قَالَ أَمَا إِنَّهَا يُوشِكُ أَنْ لَا تُثْمِرَ، وَلَفْظُ مُسْلِمٍ أَخْبِرُونِي عَنْ نَخِيلِ بَيْسَانَ قُلْنَا عَنْ أَيِّ شَأْنِهَا تَسْتَخْبِرُ قَالَ أَسْأَلُكُمْ عَنْ نَخْلِهَا هَلْ يُثْمِرُ؟ قُلْنَا نَعَمْ قَالَ أَمَا إِنَّهَا يُوشِكُ أَنْ لَا تُثْمِرَ. قَالَ أَخْبِرُونِي عَنْ بُحَيْرَةِ طَبَرِيَّةَ قُلْنَا عَنْ أَيِّ شَأْنِهَا تَسْتَخْبِرُ؟ قَالَ هَلْ فِيهَا مَاءٌ؟ قَالُوا هِيَ كَثِيرَةُ الْمَاءِ قَالَ إِنَّ مَاءَهَا يُوشِكُ أَنْ يَذْهَبَ. قَالَ أَخْبِرُونِي عَنْ عَيْنِ زُغَرَ (أَيْ بِضَمِّ الزَّاءِ وَفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ عَلَى وَزْنِ صُرَدٍ بُلَيْدَةٌ مِنَ الْجَانِبِ الْقِبْلِيِّ مِنَ الشَّامِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ ثَلَاثَةُ فَرَاسِخَ عَلَى طَرِيقِ الْبُحَيْرَةِ وَزُغَرُ اسْمُ ابْنَةُ لُوطٍ ﵇ قَالَ فِي الْقَامُوسِ وَزُغَرُ قَرْيَةٌ بِالشَّامِ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّ ابْنَةَ لُوطٍ نَزَلَتْ بِهَا قَالَ وَبِهَا عَيْنٌ غَوْرُ مَائِهَا عَلَامَةُ خُرُوجِ الدَّجَّالِ) قَالُوا عَنْ أَيِّ شَأْنِهَا تَسْتَخْبِرُ؟ قَالَ هَلْ فِي الْعَيْنِ مَاءٌ وَهَلْ يَزْرَعُ أَهْلُهَا بِمَاءِ الْعَيْنِ؟ قُلْنَا نَعَمْ هِيَ كَثِيرَةُ الْمَاءِ وَأَهْلُهَا يَزْرَعُونَ مِنْ مَائِهَا. قَالَ أَخْبِرُونِي عَنْ نَبِيِّ الْأُمِّيِّينَ مَا فَعَلَ؟ قَالَ قَدْ خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ وَنَزَلَ يَثْرِبَ، قَالَ أَقَاتَلَهُ الْعَرَبُ؟ قُلْنَا لَهُ: نَعَمْ، قَالَ كَيْفَ صَنَعَ بِهِمْ؟ فَأَخْبَرْنَاهُ أَنَّهُ قَدْ ظَهَرَ عَلَى مَنْ يَلِيهِ مِنَ الْعَرَبِ وَأَطَاعُوهُ، قَالَ أَمَا إِنَّ ذَلِكَ خَيْرٌ لَهُمْ أَنْ يُطِيعُوهُ، وَإِنِّي مُخْبِرُكُمْ عَنِّي إِنِّي أَنَا الْمَسِيحُ وَإِنِّي أُوشِكُ أَنْ يُؤْذَنَ لِي فِي الْخُرُوجِ فَأَخْرُجُ فَأَسِيرُ فِي الْأَرْضِ فَلَا أَدَعُ قَرْيَةً إِلَّا هَبَطْتُهَا فِي أَرْبَعِينَ لَيْلَةً غَيْرَ مَكَّةَ وَطَيْبَةَ هُمَا مُحَرَّمَتَانِ عَلَيَّ كِلْتَاهُمَا كُلَّمَا أَرَدْتُ أَنْ أَدْخُلَ وَاحِدَةً - أَوْ وَاحِدًا - مِنْهُمَا اسْتَقْبَلَنِي مَلَكٌ بِيَدِهِ السَّيْفُ صَلْتًا يَصُدُّنِي عَنْهَا وَإِنَّ عَلَى كُلِّ نَقْبٍ مِنْهَا مَلَائِكَةً يَحْرُسُونَهَا. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَطَعَنَ بِمِخْصَرَتِهِ فِي الْمِنْبَرِ هَذِهِ هِيَ طَيْبَةُ هَذِهِ طَيْبَةُ هَذِهِ طَيْبَةُ (يَعْنِي الْمَدِينَةَ) .
стр. 563
أَلَا هَلْ كُنْتُ حَدَّثْتُكُمْ؟ فَقَالَ النَّاسُ نَعَمْ، قَالَ فَإِنَّهُ أَعْجَبَنِي حَدِيثُ تَمِيمٍ أَنَّهُ وَافَقَ الَّذِي كُنْتُ أُحَدِّثُكُمْ عَنْهُ وَعَنِ الْمَدِينَةِ وَمَكَّةَ، إِلَّا أَنَّهُ فِي بَحْرِ الشَّامِ أَوْ بَحْرِ الْيَمَنِ، لَا بَلْ مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ مَا هُوَ، مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ مَا هُوَ، مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ مَا هُوَ، مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ مَا هُوَ " وَأَوْمَى بِيَدِهِ إِلَى الْمَشْرِقِ قَالَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ قَيْسٍ ﵂ فَحَفِظْتُ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ » . أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ عِدَّةِ أَوْجُهٍ وَأَخْرَجَهُ غَيْرُهُ أَيْضًا.
قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي قَوْلِهِ ﷺ مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ مَا هُوَ لَفْظَةُ مَا زَائِدَةٌ صِلَةُ الْكَلَامِ لَيْسَتْ نَافِيَةً وَالْمُرَادُ إِثْبَاتُ أَنَّهُ مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ.
وَفِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ عِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ أَنَّهُ شَيْخٌ وَسَنَدُهُ صَحِيحٌ.
قَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِيهِ إِنَّ الدَّجَّالَ الْأَكْبَرَ الَّذِي يَخْرُجُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ غَيْرُ ابْنِ صَيَّادٍ وَإِنْ كَانَ ابْنُ صَيَّادٍ وَاحِدَ الدَّجَّالِينَ الْكَذَّابِينَ الَّذِينَ أَخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِخُرُوجِهِمْ.
[السادس الدَّجَّالِ عِنْدَ الْيَهُودِ وزعمهم فيه]
(السَّادِسُ)
اسْمُ الدَّجَّالِ عِنْدَ الْيَهُودِ الْمَسِيحُ بْنُ دَاوُدَ قَالُوا يَخْرُجُ آخِرَ الزَّمَانِ فَيَبْلُغُ سُلْطَانُهُ الْبَرَّ وَالْبَحْرَ وَتَسِيرُ مَعَهُ الْأَنْهَارُ قَالُوا وَهُوَ آيَةٌ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ قَالَ وَيَرُدُّ الْمُلْكَ إِلَيْنَا وَقَدْ كَذَبُوا فِي زَعْمِهِمْ بَلْ هُوَ مَسِيحُ الضَّلَالَةِ الدَّجَّالُ الْكَذَّابُ وَأَمَّا مَسِيحُ الْهُدَى فَعِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ﵇ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[السابع زيارة عيسى لقبر النبي وحجه البيت الحرام]
(التَّنْبِيهُ السَّابِعُ)
اعْلَمْ أَنَّ سَيِّدَنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ ﵇ بَعْدَ قَتْلِهِ لِلدَّجَّالِ يَذْهَبُ إِلَى الْمَدِينَةِ فَيَزُورُ قَبْرَ النَّبِيِّ ﷺ وَيَحُجُّ الْبَيْتَ الْحَرَامَ وَيُتَوَفَّى بِالْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ فَيُدْفَنُ هُنَاكَ فَقَدْ أَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ عَسَاكِرَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " «يَنْزِلُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ فَيَقْتُلُ الْخِنْزِيرَ وَيَمْحُو الصَّلِيبَ وَيَجْمَعُ الصَّلَاةَ وَيُعْطِي الْمَالَ حَتَّى لَا يُقْبَلُ وَيَضَعُ الْخَرَاجَ وَيَنْزِلُ الرَّوْحَاءَ فَيَحُجُّ مِنْهَا أَوْ يَعْتَمِرُ أَوْ يَجْمَعُهُمَا» ".
وَعِنْدَ مُسْلِمٍ فِي صَحِيحِهِ وَابْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَيْضًا " «لَيُهِلَّنَّ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ بِفَجِّ الرَّوْحَاءِ بِالْحَجِّ أَوِ الْعُمْرَةِ أَوْ لَيُثَنِّيَنَّهَمَا جَمِيعًا» " قَوْلُهُ بِفَجِّ أَيْ طَرِيقِ وَالرَّوْحَاءُ مَكَانٌ
стр. 564
بَيْنَ الْمَدِينَةِ وَوَادِي الصَّفْرَاءِ فِي طَرِيقِ مَكَّةَ، قَالَ ابْنُ قُرْقُولٍ فِي الْمَطَالِعِ وَالرَّوْحَاءُ مِنْ عَمَلِ الْفَرْعِ عَلَى نَحْوٍ مِنْ أَرْبَعِينَ مِيلًا مِنَ الْمَدِينَةِ وَفِي مُسْلِمٍ سِتَّةٍ وَثَلَاثِينَ، وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَلَى ثَلَاثِينَ.
وَأَخْرَجَ الْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ وَابْنُ عَسَاكِرَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَيْضًا ﵁ " «لَيَهْبِطَنَّ ابْنُ مَرْيَمَ حَكَمًا عَدْلًا وَإِمَامًا مُقْسِطًا وَلَيَسْلُكَنَّ فَجًّا حَاجًّا أَوْ مُعْتَمِرًا وَلَيَأْتِيَنَّ قَبْرِي حَتَّى يُسَلِّمَ عَلَيَّ وَلَأَرُدَّنَّ عَلَيْهِ» " قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁: أَيْ بَنِي أَخِي إِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَقُولُوا أَبُو هُرَيْرَةَ يُقْرِئُكَ السَّلَامَ.
وَأَخْرَجَ الْحَاكِمُ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " «مَنْ أَدْرَكَ عِيسَى مِنْكُمْ فَلْيُقْرِئْهُ مِنِّي السَّلَامَ» " وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ وَالطَّبَرَانِيُّ: «يُدْفَنُ ابْنُ مَرْيَمَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَيْهِمَا وَصَاحِبَيْهِ ﵄ فَيَكُونُ قَبْرُهُ رَابِعًا» .
وَفِي الْمَوَاهِبِ اللَّدُنِّيَّةِ لِلْقَسْطَلَانِيِّ ﵀ «بَقِيَ مِنَ الْبَيْتِ مَوْضِعُ قَبْرٍ يُدْفَنُ فِيهِ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَيَكُونُ قَبْرُهُ الرَّابِعَ» .
وَمَرَّ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ عِنْدَ ابْنِ الْجَوْزِيِّ فِي الْمُنْتَظَمِ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الشَّيْخُ مَرْعِيٌّ فِي بَهْجَتِهِ قَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا وَذِكْرُ رَابِعِ الْقُبُورِ لَا يُنَافِي قَوْلَهُ ﷺ فِي الْحَدِيثِ «الْمَارِّ مَعِي فِي قَبْرِي» فَإِنَّهُ ﷺ عَبَّرَ بِذَلِكَ لِشِدَّةِ الْقُرْبِ إِذْ هُوَ لِقُرْبِهِ كَأَنَّهُ مَعَهُ، أَوْ بِتَقْدِيرِ مُضَافٍ أَيْ فِي جَانِبِ قَبْرِي لِيَنْطَبِقَ الْكَلَامُ وَيَنْتَسِقَ. فَدَلَّ مَجْمُوعُ مَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ ﵇ يَمُوتُ بِالْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ.
قَالَ بَعْضُهُمْ وَلَعَلَّ مَوْتَهُ عِنْدَ حَجِّهِ وَزِيَارَتِهِ النَّبِيَّ ﷺ .
وَاعْلَمْ أَنَّ الْكَلَامَ عَلَى الْمَهْدِيِّ وَالدَّجَّالِ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ﵇ طَوِيلٌ شَهِيرٌ أُفْرِدَتْ فِي ذَلِكَ الْكُتُبُ الْمَبْسُوطَةُ وَالْمُخْتَصَرَةُ وَذَكَرْنَا فِي كِتَابِنَا الْبُحُورِ الزَّاخِرَةِ مِنْ ذَلِكَ طَرَفًا صَالِحًا يُغْنِي مَنْ أَحْصَاهُ عِلْمًا عَنْ مُرَاجَعَةِ أَكْثَرِ كُتُبِ هَذَا الْبَابِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
[العلامة الرابعة خروج يأجوج ومأجوج]
(الْعَلَامَةُ الرَّابِعَةُ)
خُرُوجُ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ وَإِلَيْهَا أَشَارَ بِقَوْلِهِ:
((وَأَمْرُ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ أَثْبِتِ ... فَإِنَّهُ حَقٌّ كَهَدْمِ الْكَعْبَةِ
((وَأَمْرُ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ)) يُهْمَزَانِ وَلَا يُهْمَزَانِ لُغَتَانِ وَقُرِئَ بِهِمَا فَمَنْ هَمَزَهُمَا جَعَلَهَا مِنْ أَجِيجِ النَّارِ وَهُوَ ضَوْؤُهَا وَحَرَارَتُهَا وَسُمُّوا بِذَلِكَ لِكَثْرَتِهِمْ.
стр. 565
وَشِدَّتِهِمْ وَقِيلَ مِنَ الْأُجَاجِ وَهُوَ الْمَاءُ الشَّدِيدُ الْمُلُوحَةِ وَقِيلَ هُمَا اسْمَانِ أَعْجَمِيَّانِ غَيْرُ مُشْتَقَّيْنِ.
قَالَ مُقَاتِلٌ: هُمْ مِنْ وَلَدِ يَافِثِ بْنِ نُوحٍ ﵇.
وَقَالَ كَعْبٌ احْتَلَمَ آدَمُ ﵇ فَاخْتَلَطَ مَاؤُهُ بِالتُّرَابِ فَأَسِفَ فَخُلِقُوا مِنْ ذَلِكَ.
وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَا يَحْتَلِمُونَ عَلَى أَنَّ إِمْنَاءَ النَّائِمِ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الْحُلْمِ الَّذِي يَقْتَضِي أَنْ يَتَرَاءَى لَهُ فِي مَنَامِهِ مَا يَكُونُ سَبَبًا لِإِنْزَالِهِ كَمَا لَا يَخْفَى.
وَقَدْ رَوَى الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ حُذَيْفَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ " «يَأْجُوجُ أُمَّةٌ لَهَا أَرْبَعُمِائَةِ أَمِيرٍ وَكَذَلِكَ مَأْجُوجُ وَلَا يَمُوتُ أَحَدُهُمْ حَتَّى يَنْظُرَ إِلَى أَلْفِ فَارِسٍ مِنْ وَلَدِهِ» ".
قَالَ أَهْلُ التَّارِيخِ أَوْلَادُ نُوحٍ ثَلَاثَةٌ سَامٌ وَحَامٌ وَيَافِثُ فَسَامٌ أَبُو الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ وَالرُّومِ، وَحَامٌ أَبُو الْحَبَشَةِ وَالزِّنْجِ وَالنُّوبَةِ، وَيَافِثُ أَبُو التُّرْكِ وَالصَّقَالِبَةِ وَيَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ.
وَقَالَ الْكِسَائِيُّ فِي الْعَرَائِسِ إِنَّ يَافِثَ سَارَ إِلَى الْمَشْرِقِ فَوُلِدَ لَهُ هُنَاكَ جَوْهَرٌ وَنَبْرَشُ وَأَشَارُ وَإِسْقَوِيلُ وَمَيَاشِحُ وَهِيَ أَسْمَاءٌ أَعْجَمِيَّةٌ، فَمِنْ جَوْهَرٍ جَمِيعُ الصَّقَالِبَةِ وَالرُّومُ وَأَجْنَاسُهُمْ، وَمِنْ مَيَاشِحَ جَمِيعُ أَصْنَافِ الْعَجَمِ، وَمِنْ أَشَارَ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَأَجْنَاسُهُمْ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ هُمْ عَشَرَةُ أَجْزَاءٍ وَوَلَدُ آدَمَ كُلُّهُمْ جُزْءٌ لِأَنَّهُمْ لَا يَمُوتُ أَحَدُهُمْ حَتَّى يَنْظُرَ إِلَى أَلْفِ ذَكَرٍ مِنْ صُلْبِهِ يَحْمِلُونَ السِّلَاحَ، فَمِنْهُمْ مَنْ طُولُهُ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ ذِرَاعًا أَوْ خَمْسُونَ، وَمِنْهُمْ مَنْ طُولُهُ وَعَرْضُهُ كَذَلِكَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْتَحِفُ بِإِحْدَى أُذُنَيْهِ وَيَفْتَرِشُ الْأُخْرَى.
وَقَالَ عَلِيٌّ ﵁ مِنْهُمْ مَنْ طُولُهُ شِبْرٌ وَمِنْهُمْ مَنْ هُوَ مُفْرِطٌ فِي الطُّولِ لَهُمْ مَخَالِبُ فِي مَوْضِعِ الْأَظْفَارِ مِنْ أَيْدِينَا وَأَنْيَابٌ وَأَضْرَاسٌ كَأَضْرَاسِ السِّبَاعِ وَلَهُمْ شَعْرٌ فِي أَجْسَادِهِمْ.
وَالْمُرَادُ بِأَمْرِهِمْ خُرُوجُهُمْ وَهُوَ ثَابِتٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ فَلِهَذَا قَالَ ((أَثْبِتْ)) أَيِ اعْتَقِدْ ثُبُوتَهُ.
أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٦] وَأَمَّا السُّنَّةُ فَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ " «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُوحِي إِلَى عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ﵇ بَعْدَ قَتْلِهِ الدَّجَّالَ أَنِّي قَدْ أَخْرَجْتُ عِبَادًا لِي لَا يَدَانِ لِأَحَدٍ بِقِتَالِهِمْ فَحَرِّزْ عِبَادِي إِلَى الطُّورِ، وَيَبْعَثُ اللَّهُ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ فَيَمُرُّ أَوَّلُهُمْ عَلَى بُحَيْرَةِ طَبَرِيَّةَ فَيَشْرَبُونَ مَا فِيهَا
стр. 566
وَيَمُرُّ آخِرُهُمْ فَيَقُولُونَ لَقَدْ كَانَ بِهَذِهِ مَاءٌ، وَيَحْصُرُونَ عِيسَى وَأَصْحَابَهُ حَتَّى يَكُونَ رَأْسُ الثَّوْرِ لِأَحَدِهِمْ خَيْرًا مِنْ مِائَةِ دِينَارٍ» " الْحَدِيثَ.
وَقَالَ ﷺ " «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَكُونَ عَشْرُ آيَاتٍ طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا وَالدُّخَانُ وَالدَّابَّةُ وَيَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَنُزُولُ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَثَلَاثُ خُسُوفَاتٍ وَنَارٌ تَخْرُجُ مِنْ قَعْرِ عَدَنِ أَبْيَنَ» " الْحَدِيثَ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ حُذَيْفَةَ بْنِ أُسَيْدٍ قُلْتُ وَهُوَ فِي مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الطُّفَيْلِ عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أُسَيْدٍ الْغِفَارِيِّ وَلَفْظُهُ " قَالَ «اطَّلَعَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَيْنَا وَنَحْنُ نَتَذَاكَرُ فَقَالَ مَا تَذْكُرُونَ؟ قَالُوا نَذْكُرُ السَّاعَةَ، قَالَ " إِنَّهَا لَنْ تَقُومَ حَتَّى تُرَى قَبْلَهَا عَشْرُ آيَاتٍ " فَذَكَرَ الدُّخَانَ وَالدَّجَّالَ وَالدَّابَّةَ وَطُلُوعَ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا وَنُزُولَ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَيَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ وَثَلَاثَةَ خُسُوفٍ خَسْفٌ بِالْمَشْرِقِ وَخَسْفٌ بِالْمَغْرِبِ وَخَسْفٌ بِجَزِيرَةِ الْعَرَبِ وَآخِرُ ذَلِكَ نَارٌ تَخْرُجُ مِنَ الْيَمَنِ تَطْرُدُ النَّاسَ إِلَى مَحْشَرِهِمْ» . وَرَوَاهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ وَكَنَّى حُذَيْفَةَ بِأَبِي سَرِيحَةَ وَقَالَ فِيهِ: «وَنَارٌ تَخْرُجُ مِنْ قَعْرِ عَدَنَ تُرَحِّلُ النَّاسَ» .
وَفِي حَدِيثِ حُذَيْفَةَ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ «وَيَمْنَعُهُمُ اللَّهُ مِنْ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةَ وَبَيْتِ الْمَقْدِسِ» .
وَفِي خَبَرِ عَلِيٍّ ﵁ لَهُمْ مَخَالِيبُ وَأَنْيَابُ السِّبَاعِ وَتَدَاعِي الْحَمَامِ وَتَسَافُدِ الْبَهَائِمِ وَعُوَاءِ الذِّئْبِ وَشُعُورٌ تَقِيهِمُ الْحَرَّ وَالْبَرْدَ وَآذَانٌ عِظَامٌ إِحْدَاهُمَا وَبَرَةٌ يُشَتُّونَ فِيهَا وَالْآخِرَةُ جِلْدَةٌ يُصَيِّفُونَ فِيهَا.
سُئِلَ الْإِمَامُ النَّوَوِيُّ هَلْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ مِنْ وَلَدِ حَوَّاءَ وَكَمْ تُثْبِتُ أَنَّهُ يَعِيشُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ؟ فَأَجَابَ هُمْ مِنْ وَلَدِ آدَمَ وَحَوَّاءَ ﵉ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ وَقِيلَ إِنَّهُمْ مِنْ آدَمَ دُونَ حَوَّاءَ. قَالَ النَّوَوِيُّ كَمَا حَكَاهُ عَنْهُ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ عِنْدَ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ قَالَ النَّوَوِيُّ فَيَكُونُونَ إِخْوَتَنَا مِنَ الْأَبِ.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ لَمْ يَرِدْ هَذَا عَنْ أَحَدٍ مِنَ السَّلَفِ إِلَّا عَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ وَيَرُدُّهُ الْحَدِيثُ الْمَرْفُوعُ أَنَّهُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ نُوحٍ وَنُوحٌ مِنْ ذُرِّيَّةِ حَوَّاءَ قَطْعًا وَإِلَّا فَأَيْنَ كَانُوا حِينَ الطُّوفَانِ وَلَمْ يَثْبُتْ فِي قَدْرِ أَعْمَارِهِمْ شَيْءٌ. انْتَهَى.
وَقَدْ ذَكَرَ الْإِمَامُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّهُمْ مِنْ وَلَدِ يَافِثَ بْنِ نُوحٍ ﵇ «وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِلَ عَنْ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ هَلْ بَلَغَتْهُمْ دَعْوَتُكَ فَقَالَ " جُزْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي فَدَعَوْتُهُمْ فَلَمْ يُجِيبُوا» ".
فَلِلنَّصِّ الْقُرْآنِيِّ وَالْأَحَادِيثِ
стр. 567
الْوَارِدَةِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِمَّا ذَكَرْنَا وَمِمَّا لَمْ نَذْكُرْ قَالَ ((فَإِنَّهُ)) أَيْ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ يَعْنِي خُرُوجَهُمْ مِنْ وَرَاءِ السَّدِّ عَلَى النَّاسِ ((حَقٌّ)) ثَابِتٌ لِوُرُودِهِ فِي الذِّكْرِ وَثُبُوتِهِ عَنْ سَيِّدِ الْبَشَرِ وَلَمْ يُحِلْهُ عَقْلٌ فَوَجَبَ اعْتِقَادُهُ فَقَدْ رَوَى الْجَمَاعَةُ إِلَّا أَبَا دَاوُدٍ مِنْ حَدِيثِ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ ﵄ قَالَتْ «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَزِعًا مُحْمَرًّا وَجْهُهُ يَقُولُ " لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَيْلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ فُتِحَ الْيَوْمَ مِنْ رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مِثْلُ هَذِهِ " وَحَلَّقَ بِإِصْبَعَيْهِ الْإِبْهَامِ وَالَّتِي تَلِيهَا قَالَتْ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ؟ قَالَ " نَعَمْ إِذَا كَثُرَ الْخَبَثُ» ". إِشَارَةٌ بِذَلِكَ إِلَى أَنَّ الَّذِي فَتَحُوا مِنَ السَّدِّ قَلِيلًا وَهُمْ مَعَ ذَلِكَ لَمْ يُلْهِمْهُمُ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يَقُولُوا عِنْدَ نَقْبِهِ وَحَفْرِهِ غَدًا نَفْتَحُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ فَإِذَا قَالُوهَا خَرَجُوا.
وَقَدْ رَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ قَالَ: يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ ثِنْتَانِ وَعِشْرُونَ قَبِيلَةً بَنَى ذُو الْقَرْنَيْنِ السَّدَّ عَلَى إِحْدَى وَعِشْرِينَ وَكَانَتْ قَبِيلَةٌ مِنْهُمْ غَائِبَةً فِي الْغَزْوِ وَهُمُ التُّرْكُ فَبَقُوا دُونَ السَّدِّ.
وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ مِنْ أَثَرٍ قَوِيٍّ: التُّرْكُ سَرِيَّةٌ مِنْ سَرَايَا يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ خَرَجَتْ فَجَاءَ ذُو الْقَرْنَيْنِ فَبَنَى السَّدَّ فَبَقُوا خَارِجًا عَنْهُ.
وَسُئِلَ عَلِيٌّ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ عَنِ التُّرْكِ فَقَالَ هُمْ سَيَّارَةٌ لَيْسَ لَهُمْ أَصْلٌ، هُمْ مِنْ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ خَرَجُوا يُغِيرُونَ عَلَى النَّاسِ فَجَاءَ ذُو الْقَرْنَيْنِ فَسَدَّ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ قَوْمِهِمْ فَذَهَبُوا سَيَّارَةً فِي الْأَرْضِ. رَوَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ.
وَأَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالطَّبَرَانِيُّ عَنْ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَرْمَلَةَ عَنْ خَالَتِهِ مَرْفُوعًا " «إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ لَا عَدُوَّ وَإِنَّكُمْ لَا تَزَالُونَ تُقَاتِلُونَ عَدُوًّا حَتَّى تُقَاتِلُونَ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ عِرَاضُ الْوُجُوهِ صِغَارُ الْعُيُونِ صُهْبُ الشُّعُورِ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ كَأَنَّ وُجُوهَهُمُ الْمَجَانُّ الْمُطْرَقَةُ» ". قَوْلُهُ صُهْبُ الشُّعُورِ أَيْ شَعْرُهُمْ بَيْنَ الْحَمَارِ وَالسَّوَادِ.
وَقَالَ الزُّهْرِيُّ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ ثَلَاثُ أُمَمٍ: مَنْسَكُ وَتَاوِيلُ وَتَارِيسُ.
وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ وَالْبَيْهَقِيُّ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَرَاءَهُمْ ثَلَاثُ أُمَمٍ: تَاوِيلُ وَتَارِيسُ وَمَنْسَكُ. وَأَخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ نَحْوَهُ.
وَفِي حَدِيثِ حُذَيْفَةَ «لَا يَمُرُّونَ بِفِيلٍ وَلَا وَحْشٍ وَلَا طَيْرٍ وَلَا جَمَلٍ وَلَا خِنْزِيرٍ إِلَّا أَكَلُوهُ وَمَنْ
стр. 568
مَاتَ مِنْهُمْ أَكَلُوهُ» .
وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ فِي صِفَتِهِمْ أَنَّ فِيهِمْ مَنْ لَهُ قَرْنٌ وَذَنَبٌ وَأَنْيَابٌ بَارِزَةٌ يَأْكُلُونَ اللُّحُومَ نِيئَةً.
وَأَخْرَجَ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ رَفَعَهُ «أَنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ أَقَلُّ مَا يَتْرُكُ أَحَدُهُمْ مِنْ صُلْبِهِ أَلْفًا مِنَ الذُّرِّيَّةِ» .
وَعِنْدَ النَّسَائِيِّ مِنْ رِوَايَةِ عُمَرَ بْنِ أَوْسٍ عَنْ أَبِيهِ ﵁ رَفَعَهُ أَنَّ «يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ يُجَامِعُونَ مَا شَاءُوا وَلَا يَمُوتُ رَجُلٌ مِنْهُمْ إِلَّا تَرَكَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ أَلْفًا فَصَاعِدًا» .
وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ أَنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ لَهُمْ نِسَاءٌ يُجَامِعُونَهُنَّ مَا شَاءُوا.
وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّهُ قَالَ الْجِنُّ وَالْإِنْسُ عَشَرَةُ أَجْزَاءٍ فَتِسْعَةُ أَجْزَاءٍ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَجُزْءٌ سَائِرُ النَّاسِ.
وَقَالَ مَكْحُولٌ الْأَرْضُ مَسِيرَةُ مِائَةِ عَامٍ ثَمَانُونَ مِنْهَا يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهِيَ أُمَّتَانِ كُلُّ أُمَّةٍ أَرْبَعُمِائَةِ أَلْفِ أُمَّةٍ لَا تُشْبِهُ الْأُمَّةُ الْأُخْرَى.
وَعِنْدَ أَبِي الشَّيْخِ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ: الدُّنْيَا سَبْعَةُ أَقَالِيمَ فَيَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ سِتَّةٌ وَالْبَاقِي إِقْلِيمٌ وَاحِدٌ.
وَقَالَ خَالِدٌ الْأَثْبَجُ إِنَّ بَنِي آدَمَ وَبَنِي إِبْلِيسَ ثَلَاثَةُ أَثْلَاثٍ: فَثُلُثَانِ بَنُو إِبْلِيسَ وَثُلُثٌ بَنُو آدَمَ، وَبَنُو آدَمَ ثَلَاثَةُ أَثْلَاثٍ: ثُلُثَانِ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَثُلُثٌ سَائِرُ النَّاسِ، وَالنَّاسُ بَعْدَ ذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَثْلَاثٍ: ثُلُثٌ الْأَنْدَلُسُ وَثُلُثٌ الْحَبَشَةُ وَثُلُثٌ سَائِرُ النَّاسِ الْعَرَبُ وَالْعَجَمُ.
وَعِنْدَ الْحَاكِمِ وَعَبْدِ الرَّزَّاقِ مِنْ قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَزَّأَ الْمَلَائِكَةَ وَالْجِنَّ وَالْإِنْسَ عَشَرَةَ أَجْزَاءٍ تِسْعَةٌ مِنْهُمُ الْكُرُوبِيُّونَ وَالَّذِينَ يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ، وَجَزَّأَ الْإِنْسَ وَالْجِنَّ عَشَرَةَ أَجْزَاءٍ فَتِسْعَةٌ مِنَ الْجِنِّ لَا يُولَدُ مِنَ الْإِنْسِ وَلَدٌ إِلَّا وُلِدَ مِنَ الْجِنِّ تِسْعَةٌ، وَجَزَّأَ الْإِنْسَ عَشَرَةً فَتِسْعَةٌ مِنْهُ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ - الْحَدِيثَ.
(تَتِمَّةٌ فِي سَبَبِ خُرُوجِهِمْ وَإِفْسَادِهِمْ وَإِهْلَاكِهِمْ)
اعْلَمْ أَوَّلًا أَنَّ الْإِسْكَنْدَرَ بَنَى الرَّدْمَ الَّذِي سَدَّ بِهِ عَلَى يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ كَمَا ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ فِي مُحْكَمِ الذِّكْرِ فِي قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ [الكهف: ٩٤] بِالْقَتْلِ وَالتَّخْوِيفِ وَإِهْلَاكِ الزَّرْعِ وَفِعْلِ الْخَبِيثِ ﴿فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا﴾ [الكهف: ٩٤] أَيْ جُعْلًا نُخْرِجُهُ لَكَ مِنْ أَمْوَالِنَا، وَقَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَخَلَفٌ (خَرَاجًا) بِفَتْحِ الرَّاءِ وَأَلِفٍ بَعْدَهَا وَهُوَ الْمَالُ الْمَضْرُوبُ عَلَى الْأَرْضِ يُؤَدَّى فِي كُلِّ عَامٍ ﴿عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا﴾ [الكهف: ٩٤]
стр. 569
أَيْ حَاجِزًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْنَا (قَالَ) ذُو الْقَرْنَيْنِ ﴿مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي﴾ [الكهف: ٩٥] مِنَ الْقُوَّةِ وَالْعِلْمِ وَطَلَبِ ثَوَابِهِ وَالْمَالِ وَنُفُوذِ الْمَقَالِ (خَيْرٌ) أَيْ أَفْضَلُ مِمَّا تُعْطُونَنِي أَنْتُمْ ﴿فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ﴾ [الكهف: ٩٥] أَيْ آلَةٍ أَتَقَوَّى بِهَا وَفِعْلٍ مِنْكُمْ ﴿أَجْعَلُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا﴾ [الكهف: ٩٥] هُوَ أَكْبَرُ وَأَعْظَمُ مِنَ السَّدِّ جَاءُوهُ بِذَلِكَ فَحَفَرَ مَا بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ يَعْنِي النَّاحِيَتَيْنِ مِنَ الْجَبَلَيْنِ لِأَنَّهُمَا يَتَصَادَفَانِ أَيْ يَتَقَابَلَانِ حَتَّى بَلَغُوا الْمَاءَ ثُمَّ قَالَ ﴿آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ﴾ [الكهف: ٩٦] أَيِ الْقِطَعَ الَّتِي أَعَدَّهَا لِذَلِكَ فَجَعَلَ الْأَسَاسَ مِنَ الصَّخْرِ وَالنُّحَاسِ الْمُذَابِ وَالْبُنْيَانَ مِنْ زُبَرِ الْحَدِيدِ بَعْضِهَا فَوْقَ بَعْضٍ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا الْحَطَبَ وَالْفَحْمَ ﴿حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا﴾ [الكهف: ٩٦] فَنَفَخُوا النَّارَ ﴿حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ﴾ [الكهف: ٩٦] أَيِ الْحَدِيدَ (نَارًا) أَيْ كَالنَّارِ ﴿قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾ [الكهف: ٩٦] أَيْ أَصُبُّ عَلَيْهِ نُحَاسًا مُذَابًا فَجَعَلَتِ النَّارُ تَأْكُلُ الْحَطَبَ وَتُصَيِّرُ النُّحَاسَ مَكَانَ الْحَطَبِ حَتَّى لَزِمَ الْحَدِيدُ النُّحَاسَ وَكَانَ طُولُهُ مِائَةَ فَرْسَخٍ وَعَرْضُهُ خَمْسِينَ ذِرَاعًا وَارْتِفَاعُهُ مِائَتَيْ ذِرَاعٍ وَطُولُ الْجَبَلَيْنِ اللَّذَيْنِ بَنَى بَيْنَهُمَا مِائَةَ فَرْسَخٍ ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ﴾ [الكهف: ٩٧] أَيْ يَعْلُوهُ مِنْ فَوْقِهِ لِمَلَاسَتِهِ وَرِفْعَتِهِ ﴿وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾ [الكهف: ٩٧] أَيْ خَرْقًا لِصَلَابَتِهِ وَسُمْكِهِ ثُمَّ قَالَ ﴿هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾ [الكهف: ٩٨] .
وَقَدْ رَوَى الْبَزَّارُ مِنْ حَدِيثِ يُوسُفَ ابْنِ مَرْيَمَ الْحَنَفِيِّ قَالَ «بَيْنَمَا أَنَا قَاعِدٌ مَعَ أَبِي بَكْرَةَ ﵁ إِذْ جَاءَ رَجُلٌ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ فَقَالَ أَمَا تَعْرِفُنِي؟ فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرَةَ أَنْتَ هُوَ؟ قَالَ نَعَمْ، فَقَالَ اجْلِسْ حَدِّثْنَا فَقَالَ: انْطَلَقْتُ إِلَى أَرْضٍ لَيْسَ لِأَهْلِهَا إِلَّا الْحَدِيدُ يَعْمَلُونَهُ فَدَخَلْتُ بَيْتًا فَاسْتَلْقَيْتُ عَلَى ظَهْرِي وَجَعَلْتُ رِجْلِي عَلَى جِدَارِهِ فَلَمَّا كَانَ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ سَمِعْتُ صَوْتًا لَمْ أَسْمَعْ مِثْلَهُ فَرُعِبْتُ فَقَالَ لِي رَبُّ الْبَيْتِ لَا تُذْعَرَنَّ فَإِنَّ هَذَا لَا يَضُرُّكَ، هَذَا صَوْتُ قَوْمٍ يَنْصَرِفُونَ هَذِهِ السَّاعَةَ مِنْ عِنْدِ هَذَا السَّدِّ أَفَيَسُرُّكَ أَنْ تَرَاهُ؟ قُلْتُ نَعَمْ، قَالَ فَغَدَوْتُ فَإِذَا لَبِنُهُ مِنْ حَدِيدٍ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِثْلُ الصَّخْرَةِ وَإِذَا كَأَنَّهُ الْبُرْدُ الْمُحَبَّرُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى رَجُلٍ قَدْ أَتَى الرَّدْمَ فَلْيَنْظُرْ إِلَى هَذَا " قَالَ أَبُو بَكْرَةَ صَدَقْتَ» .
وَذَكَرَ أَهْلُ التَّارِيخِ أَنَّ الْإِسْكَنْدَرَ وَجَدَ هُنَاكَ مَعْدِنَيْنِ فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُمَا مَا كَفَاهُ مِنَ الْحَدِيدِ وَالنُّحَاسِ وَكَانَ مَكَانُ السَّدِّ جَبَلَانِ مُتَقَابِلَانِ أَمْلَسَانِ كَالْحَائِطِ يَزْلَقُ عَنْهُمَا
стр. 570
كُلُّ شَيْءٍ لَا يَرْتَقِي فِيهِمَا لِعُلُوِّهِمَا وَمَلَاسَتِهِمَا فَأَمَرَ الْإِسْكَنْدَرُ الصُّنَّاعَ فَضَرَبُوا لَبِنَ الْحَدِيدِ طُولُ كُلِّ لَبِنَةٍ ذِرَاعٌ وَنِصْفٌ وَسُمْكُهَا شِبْرٌ.
وَقَدْ ذَكَرَ سَلَامٌ التُّرْجُمَانُ قَالَ بَعَثَنِي الْوَاثِقُ الْعَبَّاسِيُّ إِلَى السَّدِّ وَضَمَّ إِلَيَّ خَمْسِينَ رَجُلًا وَأَعْطَانَا مَالًا فَمَا زِلْنَا نَنْتَقِلُ فِي الْبِلَادِ وَتَبْعَثُ الْمُلُوكُ مَعَنَا الْأَدِلَّةَ إِلَى أَنْ صِرْنَا إِلَى أَرْضٍ سَوْدَاءَ مُنْتِنَةِ الرِّيحِ فَسِرْنَا فِيهَا عَشَرَةَ أَيَّامٍ ثُمَّ صِرْنَا إِلَى مُدُنٍ خَرَابٍ فَسِرْنَا فِيهَا سَبْعًا وَعِشْرِينَ يَوْمًا وَهِيَ الَّتِي كَانَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ يَطْرُقُونَهَا ثُمَّ صِرْنَا إِلَى حُصُونٍ بِالْقُرْبِ مِنَ السَّدِّ وَفِيهَا قَوْمٌ يَتَكَلَّمُونَ بِالْعَرَبِيَّةِ وَالْفَارِسِيَّةِ مُسْلِمُونَ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ فَسَأَلُونَا مِنْ أَيْنَ أَقْبَلْتُمْ؟ قُلْنَا نَحْنُ رُسُلُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ قَالُوا: مَا سَمِعْنَا بِهَذَا قَطُّ، ثُمَّ صِرْنَا إِلَى جَبَلٍ أَمْلَسَ وَفِيهِ السَّدُّ وَهُنَاكَ بَابٌ حَدِيدٌ مِصْرَاعَانِ مُغْلَقَانِ عَرْضُ كُلِّ مِصْرَاعٍ خَمْسُونَ ذِرَاعًا فِي ارْتِفَاعِ خَمْسِينَ فِي ثِخَنِ خَمْسَةِ أَذْرُعٍ وَقَائِمَتَاهُمَا فِي دَوَّارَةٍ، عَلَى الْبَابِ قُفْلٌ طُولُهُ سَبْعَةُ أَذْرُعٍ فِي غِلَظِ ذِرَاعٍ وَارْتِفَاعُ الْقُفْلِ مِنَ الْأَرْضِ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ ذِرَاعًا وَفَوْقَ الْقُفْلِ بِقَدْرِ خَمْسَةِ أَذْرُعٍ غَلَقٌ طُولُهُ أَكْثَرُ مِنْ طُولِ الْقُفْلِ وَعَلَى الْغَلَقِ مِفْتَاحٌ مُعَلَّقٌ فِي سِلَسِلَةٍ طُولُهَا ثَمَانِيَةُ أَذْرُعٍ فِي اسْتِدَارَةِ أَرْبَعَةِ أَشْبَارٍ وَعَتَبَةُ الْبَابِ عَشَرَةُ أَذْرُعٍ وَرَئِيسُ تِلْكَ الْحُصُونِ يَرْكَبُ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ فِي عَشَرَةِ فَوَارِسَ مَعَ كُلِّ فَارِسٍ مِرْزَبَّةٌ مِنْ حَدِيدٍ فَيَضْرِبُونَ الْقُفْلَ بِتِلْكَ الْمِرْزَبَّاتِ لِيَسْمَعُوا الصَّوْتَ فَيَعْلَمُوا بِالصَّوْتِ أَنَّ هُنَاكَ حَفَظَةً.
وَقَدْ أَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ وَابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَاهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ " «إِنَّ يَأْجُوجَ مَأْجُوجَ لَيَحْفِرُونَ السَّدَّ كُلَّ يَوْمٍ حَتَّى إِذَا كَادُوا يَخْرِقُونَهُ قَالَ الَّذِي عَلَيْهِمُ ارْجِعُوا فَتَخْرِقُونَهُ غَدًا، فَيُعِيدُهُ اللَّهُ أَشَدَّ مَا كَانَ حَتَّى إِذَا بَلَغَ مُدَّتَهُمْ وَأَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَبْعَثَهُمْ عَلَى النَّاسِ قَالَ الَّذِي عَلَيْهِمُ ارْجِعُوا فَتَخْرِقُونَهُ غَدًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَاسْتَثْنَى قَالَ فَيَرْجِعُونَ فَيَجِدُونَهُ كَهَيْئَتِهِ حِينَ تَرَكُوهُ فَيَخْرِقُونَهُ فَيَخْرُجُونَ عَلَى النَّاسِ» ". قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالْحَاكِمُ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَابْنُ حِبَّانَ كُلُّهُمْ عَنْ قَتَادَةَ وَرِجَالُ بَعْضِهِمْ رِجَالُ الصَّحِيحِ.
قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ثَلَاثُ آيَاتٍ: الْأُولَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مَنَعَهُمْ أَنْ يُوَالُوا الْحَفْرَ لَيْلًا وَنَهَارًا.
الثَّانِيَةُ مَنَعَهُمْ أَنْ يَحْتَالُوا
стр. 571
لِلرُّقِيِّ عَلَى السَّدِّ بِنَحْوِ السُّلَّمِ وَالْآلَةِ فَلَمْ يُلْهِمْهُمْ ذَلِكَ وَلَا عَلَّمَهُمْ إِيَّاهُ مَعَ أَنَّهُ وَرَدَ أَنَّ لَهُمْ أَشْجَارًا وَزُرُوعًا.
الثَّالِثَةُ أَنْ صَدَّهُمْ أَنْ يَقُولُوا إِنْ شَاءَ اللَّهُ حَتَّى مَجِيءِ الْوَقْتِ الْمَحْدُودِ. قُلْتُ: وَأَخَلَّ بِالْآيَةِ الرَّابِعَةِ وَهِيَ أَعْظَمُهَا وَهِيَ عَوْدُ السَّدِّ بَعْدَ الْحَفْرِ حَتَّى إِذَا كَادُوا أَنْ يَرَوْا شُعَاعَ الشَّمْسِ إِلَى أَشَدِّ مَا كَانَ إِلَى أَنْ بَلَغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ.
وَقَدْ يُقَالُ إِنَّ فِيهِمْ مَنْ يَعْرِفُ اللَّهَ تَعَالَى وَيُقِرُّ بِقُدْرَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ كَلِمَةُ الْمَشِيئَةِ جَرَتْ عَلَى لِسَانِ ذَلِكَ الْوَالِي مِنْ غَيْرِ أَنْ يُعْرَفَ مَعْنَاهَا فَيَحْصُلُ الْمَقْصُودُ بِبَرَكَتِهَا، وَيَدُلُّ لِهَذَا مَا رَوَى عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيقِ كَعْبِ الْأَحْبَارِ نَحْوَ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَفِيهِ «فَإِذَا جَاءَ الْأَمْرُ أَلْقَى اللَّهُ عَلَى بَعْضِ أَلْسِنَتِهِمْ نَأْتِي غَدًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ فَنَفْرُغُ مِنْهُ» .
وَرَوَى ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ حَدِيثِ حُذَيْفَةَ نَحْوَ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَفِيهِ «يَغْدُونَ فَيَجِيئُونَ عَلَيْهِ فَيُفْتَحُ» - الْحَدِيثَ وَسَنَدُهُ ضَعِيفٌ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ تُلْقَى كَلِمَةُ الْمَشِيئَةِ عَلَى لِسَانِ أَحَدِهِمْ وَهُوَ أَقْوَى، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُسَلِّمَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ بِإِلْهَامٍ مِنَ اللَّهِ فَيَقُولُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ ﵁ مَرْفُوعًا بَعْدَ ذِكْرِ الدَّجَّالِ وَقَتْلِ عِيسَى ﵇ لَهُ قَالَ «ثُمَّ يَأْتِيهِ - يَعْنِي عِيسَى - قَوْمٌ وَقَدْ عَصَمَهُمُ اللَّهُ مِنَ الدَّجَّالِ فَيَمْسَحُ وُجُوهَهُمْ وَيُحَدِّثُهُمْ بِدَرَجَاتِهِمْ فِي الْجَنَّةِ بَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ أَوْحَى اللَّهُ إِلَى عِيسَى أَنْ قَدْ أَخْرَجْتُ عِبَادًا لِي لَا يَدَانِ لِأَحَدٍ بِقِتَالِهِمْ فَحَرِّزْ عِبَادِي إِلَى الطُّورِ، وَيَبْعَثُ اللَّهُ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ» - الْحَدِيثَ.
وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ «ثُمَّ يَسِيرُونَ حَتَّى يَنْتَهُوا إِلَى جَبَلِ الْخَمَرِ وَهُوَ جَبَلُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ يَقُولُونَ لَقَدْ قَتَلْنَا مَنْ فِي الْأَرْضِ هَلُمَّ فَنَقْتُلُ مَنْ فِي السَّمَاءِ فَيَرْمُونَ بِنُشَّابِهِمْ إِلَى السَّمَاءِ فَيَرُدُّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ نُشَّابَهُمْ مَخْضُوبَةً دَمًا فَيَرْغَبُ نَبِيُّ اللَّهِ عِيسَى ﵇ وَأَصْحَابُهُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فَيُرْسِلُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِمُ النَّغَفَ» - بِفَتْحِ النُّونِ وَالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ فَفَاءٌ، وَفِي رِوَايَةٍ «دُودٌ كَالنَّغَفِ فِي أَعْنَاقِهِمْ» ، وَهُوَ دُودٌ يَكُونُ فِي أُنُوفِ الْإِبِلِ وَالْغَنَمِ الْوَاحِدَةُ نَغَفَةٌ، عَنِ الْأَصْمَعِيِّ وَعَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ هُوَ الدُّودُ الْأَبْيَضُ يَكُونُ فِي النَّوَى وَمَا سِوَى ذَلِكَ مِنَ الدُّودِ فَلَيْسَ بِنَغَفٍ، وَقِيلَ هُوَ دُودٌ طِوَالٌ سُودٌ وَخُضْرٌ وَغُبْرٌ يَقْطَعُ الْحُوتَ فِي بَطْنِ الْأَرْضِ - «فَيُصْبِحُونَ مَوْتَى كَمَوْتِ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ» - مَعْنَاهُ قَتْلَى لَا يُسْمَعُ لَهُمْ حِسٌّ - «فَيَقُولُ الْمُسْلِمُونَ أَلَا رَجُلٌ يَشْرِي لَنَا نَفْسَهُ فَيَنْظُرُ مَا فَعَلَ هَذَا الْعَدُوُّ؟ فَيَتَجَرَّدُ رَجُلٌ مِنْهُمْ مُحْتَسِبًا نَفْسَهُ
стр. 572
قَدْ وَطَّنَهَا عَلَى أَنَّهُ مَقْتُولٌ فَيَنْزِلُ فَيَجِدُهُمْ مَوْتَى بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ فَيُنَادِي يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ أَلَا أَبْشِرُوا إِنَّ اللَّهَ قَدْ كَفَاكُمْ عَدُوَّكُمْ، فَيَخْرُجُونَ مِنْ مَدَائِنِهِمْ وَحُصُونِهِمْ وَيُسَرِّحُونَ مَوَاشِيَهِمْ فَمَا يَكُونُ لَهَا مَرْعًى إِلَّا لُحُومُهُمْ فَتَشْكَرُ مِنْهُ - بِفَتْحِ الْكَافِ أَيْ تَسْمُنُ - أَحْسَنَ مَا شَكِرَتْ عَنْ شَيْءٍ وَحَتَّى إِنَّ دَوَابَّ الْبَحْرِ تَسْمُنُ وَتَشْكَرُ شَكَرًا مِنْ لُحُومِهِمْ وَدِمَائِهِمْ، وَيَهْبِطُ نَبِيُّ اللَّهِ عِيسَى ﵇ وَأَصْحَابُهُ إِلَى الْأَرْضِ فَلَا يَجِدُونَ فِي الْأَرْضِ مَوْضِعَ شِبْرٍ إِلَّا مَلَأَهُ زَهَمُهُمْ وَنَتْنُهُمْ أَيْ رِيحُهُمْ مِنَ الْجِيَفِ فَيُؤْذُونَ النَّاسَ بِنَتْنِهِمْ أَشَدَّ مِنْ حَيَاتِهِمْ، فَيَسْتَغِيثُونَ بِاللَّهِ فَيَبْعَثُ اللَّهُ رِيحًا يَمَانِيَّةً غَبْرَاءَ فَتَصِيرُ عَلَى النَّاسِ غَمًّا وَدُخَانًا وَيَقَعُ عَلَيْهِمُ الزُّكْمَةُ وَيَكْشِفُ مَا بِهِمْ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَقَدْ قَذَفَتِ الْأَرْضُ جِيَفَهُمْ فِي الْبَحْرِ» .
وَلَفْظُ صَحِيحِ مُسْلِمٍ «فَيَرْغَبُ نَبِيُّ اللَّهِ عِيسَى وَأَصْحَابُهُ إِلَى اللَّهِ فَيُرْسِلُ اللَّهُ تَعَالَى طَيْرًا كَأَعْنَاقِ الْبُخْتِ فَتَحْمِلُهُمْ فَتَطْرَحُهُمْ حَيْثُ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ يُرْسِلُ اللَّهُ مَطَرًا لَا يَكُنْ مَعَهُ بَيْتُ مَدَرٍ وَلَا وَبَرٍ فَيَغْسِلُ الْأَرْضَ حَتَّى يَتْرُكَهَا كَالزَّلَقَةِ ثُمَّ يُقَالُ لِلْأَرْضِ أَنْبِتِي ثَمَرَكِ وَرُدِّي بَرَكَتَكِ فَيَوْمَئِذٍ تَأْكُلُ الْعِصَابَةُ مِنَ الرُّمَّانَةِ وَيَسْتَظِلُّونَ بِقِحْفِهَا وَيُبَارَكُ فِي الرِّسْلِ - يَعْنِي اللَّبَنَ - حَتَّى إِنَّ اللِّقْحَةَ مِنَ الْإِبِلِ لَتَكْفِي الْفِئَامَ مِنَ النَّاسِ - أَيِ الْجَمَاعَةَ مِنْهُمْ - وَاللِّقْحَةَ مِنَ الْبَقَرِ لَتَكْفِي الْقَبِيلَةَ مِنَ النَّاسِ وَاللِّقْحَةَ مِنَ الْغَنَمِ لَتَكْفِي الْفَخِذَ مِنَ النَّاسِ» - الْحَدِيثَ.
وَفِي رِوَايَةٍ «فَيُرْسِلُ طَيْرًا كَأَعْنَاقِ الْبُخْتِ فَتَحْمِلُهُمْ فَتَرْمِيهِمْ إِلَى الْبَحْرِ» .
وَفِي رِوَايَةٍ «فِي النَّارِ، وَيُوقِدُ الْمُسْلِمُونَ مِنْ قِسِيِّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ وَنُشَّابِهِمْ وَأَتْرِسَتِهِمْ سَبْعَ سِنِينَ» .
قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ كَالزَّلَفَةِ يُرْوَى بِالْفَاءِ وَبِالْقَافِ. قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي مَشَارِقِ الْأَنْوَارِ ضَبَطْنَاهُ بِالْوَجْهَيْنِ عَنْ مُتْقِنِي شُيُوخِنَا وَبِهِمَا ذَكَرَهُ أَهْلُ اللُّغَةِ وَفَسَّرَهَا ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ بِالْمِرْآةِ، وَقَالَهُ ثَعْلَبٌ وَأَبُو زَيْدٍ وَقَالَ بَعْضُهُمْ هُوَ بِالْفَاءِ الْإِجَّانَةُ الْخَضْرَاءُ، وَقِيلَ الصَّحْفَةُ وَتَفْسِيرُ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَظْهَرُ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ، قَالَ النَّوَّاسُ بْنُ سَمْعَانَ ﵁ كَمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «فَبَيْنَمَا هُمْ يَعْنِي عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ وَأَصْحَابَهُ كَذَلِكَ أَيْ فِي ذَلِكَ الْعَيْشِ الرَّغْدِ وَقَدْ هَلَكَ عَدُوُّهُمْ إِذْ بَعَثَ اللَّهُ تَعَالَى رِيحًا طَيِّبَةً فَتَأْخُذُهُمْ تَحْتَ آبَاطِهِمْ فَتَقْبِضُ رُوحَ كُلِّ مُؤْمِنٍ وَكُلِّ مُسْلِمٍ وَيَبْقَى شِرَارُ النَّاسِ يَتَهَارَجُونَ فِيهَا تَهَارُجَ الْحُمُرِ فَعَلَيْهِمْ تَقُومُ السَّاعَةُ» . وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 573
[العلامة الخامسة هَدْمُ الْكَعْبَةِ]
(الْعَلَامَةُ الْخَامِسَةُ)
مِنَ الْعَلَامَاتِ الْعُظْمَى: هَدْمُ الْكَعْبَةِ الْمُشَرَّفَةِ وَالْقِبْلَةِ الْمُعَظَّمَةِ وَإِلَيْهَا أَشَارَ بِقَوْلِهِ ((كَ)) مَا أَنَّ أَمْرَ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ حَقٌّ ثَابِتٌ يَجِبُ اعْتِقَادُهُ وَوُقُوعُهُ فَكَذَا يَجِبُ اعْتِقَادُ وُقُوعِ ((هَدْمِ الْكَعْبَةِ)) الْمُعَظَّمَةِ وَالْقِبْلَةِ الْمُكَرَّمَةِ، وَسَلْبِ حُلِيِّهَا، وَإِخْرَاجِ كَنْزِهَا لِمَا أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ " «يُخَرِّبُ الْكَعْبَةَ ذُو السُّوَيْقَتَيْنِ مِنَ الْحَبَشَةِ» " وَفِي لَفْظٍ " «ذُو السُّوَيْقَتَيْنِ مِنَ الْحَبَشَةِ يُخَرِّبُ بَيْتَ اللَّهِ» ".
وَأَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ نَحْوَهُ وَزَادَ " «وَيَسْلُبُهَا حُلِيَّهَا وَيُجَرِّدُهَا مِنْ كِسْوَتِهَا فَلَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ أُصَيْلِعَ، أُفَيْدِعَ يَضْرِبُ عَلَيْهَا بِمِسْحَاتِهِ، أَوْ مِعْوَلِهِ» ".
وَأَخْرَجَ الْأَزْرَقِيُّ عَنْهُ " «يَجِيشُ الْبَحْرُ عَنْ فِئَةٍ مِنَ السُّودَانِ ثُمَّ يَسِيلُونَ سَيْلَ النَّمْلِ حَتَّى يَنْتَهِيَ إِلَى الْكَعْبَةِ فَيُخَرِّبُونَهَا، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنِّي لَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى صِفَتِهِ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى أُفَيْحِجَ، أُصَيْلِعَ، أُفَيْدِعَ قَائِمًا بِهَدْمِهَا بِمِسْحَاتِهِ، أَوْ مِعْوَلِهِ» ".
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ: " «كَأَنِّي بِهِ أَسْوَدَ، أَفْحَجَ يَهْدِمُهَا حَجَرًا حَجَرًا» " أَيْ: وَيَتَدَاوَلُهَا أَصْحَابُهُ بَيْنَهُمْ حَتَّى يَطْرَحُوهَا فِي الْبَحْرِ، كَمَا وَرَدَ فِي حَدِيثِ حُذَيْفَةَ مَرْفُوعًا " «كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى حَبَشِيٍّ أَحْمَرِ السَّاقَيْنِ، أَزْرَقِ الْعَيْنَيْنِ، أَفْطَسِ الْأَنْفِ، كَبِيرِ الْبَطْنِ، وَقَدْ صَفَّ قَدَمَيْهِ عَلَى الْكَعْبَةِ هُوَ وَأَصْحَابٌ لَهُ يَنْقُضُونَهَا حَجَرًا حَجَرًا وَيَتَدَاوَلُونَهَا حَتَّى يَطْرَحُوهَا فِي الْبَحْرِ» " الْحَدِيثَ.
قَوْلُهُ (ذُو السُّوَيْقَتَيْنِ) أَيْ صَاحِبُهُمَا وَهُمَا تَصْغِيرُ سَاقَيْنِ، أَيْ: دَقِيقُ السَّاقَيْنِ، وَقَوْلُهُ (أُصَيْلِعَ) تَصْغِيرُ الْأَصْلَعِ وَهُوَ: مَنْ ذَهَبَ شَعْرُ مُقَدَّمِ رَأْسِهِ، وَ (الْأُفَيْدِعُ) تَصْغِيرُ أَفْدَعَ وَهُوَ: مَنْ فِي يَدِهِ اعْوِجَاجٌ، وَفِي الْقَامُوسِ: الْفَدَعُ مُحَرَّكَةً اعْوِجَاجُ الرُّسْغِ مِنَ الْيَدِ أَوِ الرِّجْلِ حَتَّى يَنْقَلِبَ الْكَفُّ أَوِ الْقَدَمُ، أَوْ هُوَ الْمَشْيُ عَلَى ظَهْرِ الْقَدَمِ أَوِ ارْتِفَاعُ أَخْمَصِ الْقَدَمِ حَتَّى لَوْ وَطِئَ الْأَفْدَعُ عُصْفُورًا مَا آذَاهُ، أَوْ هُوَ عِوَجٌ فِي الْمَفَاصِلِ لِأَنَّهَا قَدْ زَالَتْ عَنْ مَوْضِعِهَا.
وَأَكْثَرُ مَا يَكُونُ فِي الْأَرْسَاغِ خِلْقَةً، وَجَاءَ فِي بَعْضِ رِوَايَاتِ الْحَدِيثِ " أَصْعَلُ " أَيْ صَغِيرُ الرَّأْسِ، وَفِي بَعْضِهَا " أَصْمَعُ " أَيْ صَغِيرُ الْأُذُنَيْنِ، وَقِيلَ كَبِيرُ الْأُذُنِ، وَ (الْأُفَيْحِجُ) تَصْغِيرُ أَفْحَجَ الْمُتَبَاعِدُ الْفَخِذَيْنِ.
وَأَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ مَرْفُوعًا " «يُبَايَعُ لِرَجُلٍ بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْمَقَامِ وَلَنْ يَسْتَحِلَّ هَذَا الْبَيْتَ إِلَّا أَهْلُهُ فَإِذَا اسْتَحَلُّوهُ فَلَا تَسْأَلْ عَنْ هَلَكَةِ الْعَرَبِ ثُمَّ تَجِيءُ الْحَبَشَةُ
стр. 574
فَيُخَرِّبُونَهُ خَرَابًا لَا يَعْمُرُ بَعْدَهُ أَبَدًا وَهُمُ الَّذِينَ يَسْتَخْرِجُونَ كَنْزَهُ» . رَوَاهُ بِهَذَا اللَّفْظِ أَيْضًا الْأَزْرَقِيُّ فِي تَارِيخِ مَكَّةَ، وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ.
فَإِنْ قُلْتَ: وَرَدَ وَتَقَدَّمَ أَنَّ الْمَهْدِيَّ هُوَ الَّذِي يُخْرِجُ كَنْزَ الْكَعْبَةِ، وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ ذَا السُّوَيْقَتَيْنِ هُوَ الَّذِي يُخْرِجُ كَنْزَهَا وَلَعَمْرِي إِنَّهُ لَسُؤَالٌ وَارِدٌ وَاسْتِشْكَالٌ مُضَادٌّ وَلَمْ أَرَى مَنْ تَقَدَّمَنِي مِمَّنْ نَقَّبَ عَنْ هَذَا السُّؤَالِ وَفِي يَمِّهِ خَاضَ، وَلَا مَنْ أَجَابَ هَذَا السُّؤَالَ وَلَا مَنْ تَعَرَّضَ لِهَذَا الِاعْتِرَاضِ، وَلَعَلَّ الْجَوَابَ أَنَّ الْمَهْدِيَّ يَسْتَخْرِجُ الْكَنْزَ الْمَذْكُورَ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يَجْتَمِعُ فِي خِزَانَةِ الْكَعْبَةِ - فِي مُدَّةِ الْمَهْدِيِّ وَمُدَّةِ سَيِّدِنَا عِيسَى إِلَى أَنْ يُخَرِّبَهَا ذُو السُّوَيْقَتَيْنِ - مَالٌ كَثِيرٌ سِيَّمَا مَعَ كَثْرَةِ الْمَالِ وَانْكِبَابِ أَهْلِ ذَلِكَ الْوَقْتِ عَلَى أَنْوَاعِ الْقُرُبَاتِ مَعَ كَثْرَةِ الْحُجَّاجِ وَهَذَا مُمْكِنٌ، أَوْ يَكُونُ الْمَهْدِيُّ كَشَفَهُ وَظَهَرَ عَلَيْهِ وَأَخَذَ مِنْهُ عَوَزَهُ وَتَرَكَ بَاقِيَهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَإِنْ قُلْتَ: تَسَلُّطُ هَذَا الْعَدُوِّ الْخَبِيثِ عَلَى هَدْمِ بَيْتِ اللَّهِ الْمُعَظَّمِ يُنَافِي قَوْلَهُ تَعَالَى ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا﴾ [العنكبوت: ٦٧] الْآيَةَ ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ﴾ [الحج: ٢٥] الْآيَةَ، وَقَدْ حَمَاهُ سُبْحَانَهُ مِنْ أَصْحَابِ الْفِيلِ وَجِيرَانُهُ حِينَئِذٍ كُفَّارٌ مُشْرِكُونَ فَكَيْفَ يُسَلَّطُ عَلَيْهِ الْحَبَشَةُ وَهُوَ قِبْلَةُ الْمُسْلِمِينَ وَهُمْ جِيرَانُهُ؟ .
(فَالْجَوَابُ) مَا ذَكَرَهُ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي فَتْحِ الْبَارِي وَهُوَ أَنْ يُقَالَ: قَدْ أَشَارَ النَّبِيُّ ﷺ لِلْجَوَابِ فِي الْحَدِيثِ بِقَوْلِهِ ( «وَلَنْ يَسْتَحِلَّ هَذَا الْبَيْتَ إِلَّا أَهْلُهُ» ) فَفِي زَمَنِ الْفِيلِ مَا كَانُوا قَدِ اسْتَحَلُّوهُ فَمَنَعَهُ مِنْهُمْ، وَأَمَّا الْحَبَشَةُ فَلَا يَهْدِمُونَهُ إِلَّا بَعْدَ اسْتِحْلَالِ أَهْلِهِ مِرَارًا، وَقَدِ اسْتَحَلَّهُ جَيْشُ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ بِأَمْرِهِ، ثُمَّ الْحَجَّاجُ زَمَنَ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ بِأَمْرِهِ فَسَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْقَرَامِطَةَ فَقَتَلُوا مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِي الْمَطَافِ مَا لَا يُحْصَى، وَقَلَعُوا الْحَجَرَ وَنَقَلُوهُ لِبِلَادِهِمْ فَلَمَّا وَقَعَ اسْتِحْلَالُهُ مِنْ أَهْلِهِ مِرَارًا مَكَّنَ غَيْرَهُمْ مِنْ ذَلِكَ عُقُوبَةً لَهُمْ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْآيَةِ اسْتِمْرَارُ الْأَمْنِ الْمَذْكُورِ فِيهِ. انْتَهَى مُلَخَّصًا
(قُلْتُ) وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ هَذَا الْعَالَمَ مُشْعِرٌ بِالِاضْمِحْلَالِ، وَكَمَا وَرَدَ الشَّرْعُ بِالْأَمْنِ وَرَدَ بِاضْمِحْلَالِ هَذَا الْعَالَمِ وَدَمَارِهِ فَأَشْعَرَ أَنَّ الْأَمْنَ مُغَيًّا إِلَى غَايَةٍ أَشَارَ الشَّارِعُ إِلَيْهَا فَوَجَبَ تَصْدِيقُ الْأَمْرَيْنِ كُلِّ وَاحِدٍ زَمَنَهُ حَسْبَمَا هُوَ مُقْتَضَى الشَّرْعِ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
стр. 575
فَإِنْ قُلْتَ: هَلْ هَدْمُ الْكَعْبَةِ مِنْ ذِي السُّوَيْقَتَيْنِ الْمَذْكُورِ زَمَنَ سَيِّدِنَا الْمَسِيحِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ﵇ أَوْ بَعْدَهُ عِنْدَ قِيَامِ السَّاعَةِ حَيْثُ لَا يَبْقَى فِي الْأَرْضِ أَحَدٌ يَقُولُ اللَّهَ؟ (فَالْجَوَابُ) أَنَّ هَذَا مِمَّا اخْتَلَفَ فِيهِ الْعُلَمَاءُ، فَعَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ أَنَّهُ زَمَنَ عِيسَى ﵇، وَقِيلَ زَمَنَهُ وَبَعْدَ هَلَاكِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ فَيَحُجُّ النَّاسُ وَيَعْتَمِرُونَ كَمَا ثَبَتَ ذَلِكَ، وَأَنَّ عِيسَى ﵇ يَحُجُّ أَوْ يَعْتَمِرُ، أَوْ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا كَمَا تَقَدَّمَ، فَالظَّاهِرُ أَنَّ هَدْمَ الْبَيْتِ بَعْدَ مَوْتِ سَيِّدِنَا الْمَسِيحِ، وَهُبُوبِ الرِّيحِ الَّتِي يَمُوتُ بِهَا مَنْ فِي قَلْبِهِ ذَرَّةٌ مِنْ إِيمَانٍ، وَذَكَرَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ أَنَّهُ وَجَدَ فِي كِتَابِ " التِّيجَانِ " لِابْنِ هِشَامٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَامِرٍ كَانَ مَلِكًا مُتَوَّجًا وَكَانَ كَاهِنًا مُعَمَّرًا وَأَنَّهُ قَالَ لِأَخِيهِ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ الْمَعْرُوفِ بِمَزِيقِيَا لَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ، إِنَّ بِلَادَكُمْ سَتَخْرُبُ وَإِنَّ لِلَّهِ فِي أَهْلِ الْيَمَنِ سُخْطَيْنِ وَرَحْمَتَيْنِ، فَالسُّخْطَةُ الْأُولَى: هَدْمُ سَدِّ مَأْرَبَ وَخَرَابُ الْبِلَادِ بِسَبَبِهِ، وَالثَّانِيَةُ: غَلَبَةُ الْحَبَشَةِ عَلَى الْيَمَنِ.
وَالرَّحْمَةُ الْأُولَى: بَعْثَةُ نَبِيٍّ مِنْ تِهَامَةَ اسْمُهُ مُحَمَّدٌ يُرْسَلُ بِالرَّحْمَةِ وَيَغْلِبُ أَهْلَ الشِّرْكِ، وَالثَّانِيَةُ: إِذَا خَرُبَ بَيْتُ اللَّهِ يَبْعَثُ اللَّهُ رَجُلًا يُقَالُ لَهُ شُعَيْبُ بْنُ صَالِحٍ فَيُهْلِكُ مَنْ خَرَّبَهُ وَيُخْرِجُهُمْ حَتَّى لَا يَكُونَ بِالدُّنْيَا إِيمَانٌ إِلَّا بِأَرْضِ الْيَمَنِ.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ إِنْ ثَبَتَ هَذَا عُلِمَ مِنْهُ اسْمُ الْقَحْطَانِيِّ وَسِيرَتُهُ وَزَمَانُهُ.
وَاعْتَرَضَهُ الْبَرْزَنْجِيُّ فِي الْإِشَاعَةِ بِأَنْ لَيْسَ فِيمَا ذَكَرَ مَا يَقْتَضِي أَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْقَحْطَانِيُّ وَلِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ شُعَيْبَ بْنَ صَالِحٍ هُوَ التَّمِيمِيُّ الْقَادِمُ بِالرَّايَاتِ السُّودِ إِلَى الْمَهْدِيِّ وَأَنَّهُ يُرْسِلُ عِيسَى ﵇ إِلَيْهِ حِينَ يَأْتِيهِ الصَّرِيخُ وَيُؤَيِّدُهُ كَوْنُهُ لَقَبُهُ الْمَنْصُورُ وَبِتَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ هُوَ إِيَّاهُ فَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ قَبْلَ خِلَافَتِهِ وَيَكُونُ فِي مَنْ أَرْسَلَهُ عِيسَى ﵇ أَمِيرًا عَلَيْهِمْ فَإِنَّهُ وَرَدَ أَنَّ الصَّرِيخَ يَأْتِي عِيسَى بِذَلِكَ فَيَبْعَثُ إِلَيْهِ بِطَائِفَةٍ مَا بَيْنَ الثَّمَانِيَةِ إِلَى التِّسْعَةِ فَيَكُونُ هُوَ أَمِيرَهُمْ، وَلَيْسَ فِي كَوْنِهِ رَحْمَةً لِأَهْلِ الْيَمَنِ مَا يَقْتَضِي أَنَّهُ مِنْهُمْ، وَيَكْفِي مِنْ كَوْنِهِ رَحْمَةً لَهُمْ أَنَّهُ يَدْفَعُ الْحَبَشَةَ عَنْهُمْ بِحَيْثُ لَا يَبْقَى إِيمَانٌ إِلَّا فِي أَرْضِ الْيَمَنِ.
ثُمَّ إِنَّ الْحِجَازَ مِنَ الْيَمَنِ وَلِذَا يُقَالُ: الْكَعْبَةُ يَمَانِيَةٌ، وَلَعَلَّ زَمَنَ اخْتِصَاصِ الْيَمَنِ بِبَقَاءِ الْإِيمَانِ بَعْدَ قَبْضِ الْمَسِيحِ وَهُبُوبِ الرِّيحِ، وَلَا يُنَافِي مَا ذُكِرَ حَدِيثَ: " آخِرُ مَا يُوجَدُ الْإِيمَانُ فِي الْمَدِينَةِ " لِأَنَّهَا مِنَ الْيَمَنِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 576
وَقِيلَ إِنَّ هَدْمَ الْكَعْبَةِ بَعْدَ خُرُوجِ الدَّابَّةِ، وَقِيلَ بَعْدَ الْآيَاتِ كُلِّهَا قُرْبَ قِيَامِ السَّاعَةِ حِينَ يَنْقَطِعُ الْحَاجُّ وَلَا يَبْقَى فِي الْأَرْضِ مَنْ يَقُولُ اللَّهَ، وَيُؤَيِّدُ هَذَا أَنَّ زَمَنَ عِيسَى ﵇ كُلَّهُ زَمَنُ سِلْمٍ، وَبَرَكَةٍ، وَأَمَانٍ، وَخَيْرٍ وَهَذَا أَلْيَقُ بِكَرَمِ اللَّهِ، وَالَّذِي تَقْتَضِيهِ الْحِكْمَةُ فَإِنَّ الْبَيْتَ قِبْلَةُ الْإِسْلَامِ، وَالْحَجُّ إِلَيْهِ أَحَدُ أَرْكَانِ الدِّينِ وَمَبَانِيهِ، فَالْحِكْمَةُ تَقْتَضِي بَقَاءَهُ بِبَقَاءِ الدِّينِ فَإِذَا جَاءَتِ الرِّيحُ الْبَارِدَةُ الطَّيِّبَةُ وَقَبَضَتِ الْمُؤْمِنِينَ فَبَعْدَ ذَلِكَ يُهْدَمُ الْبَيْتُ وَيَرْتَفِعُ الْقُرْآنُ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الشَّيْخُ مَرْعِيٌّ فِي بَهْجَتِهِ جَاءَ عَنِ الثِّقَاتِ الْحُفَّاظِ: يَمْكُثُ النَّاسُ مَا شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْخِصْبِ وَالدَّعَةِ بَعْدَ هَلَاكِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ وَطُلُوعِ الشَّمْسِ وَخُرُوجِ الدَّابَّةِ، قَالَ ثُمَّ يَخْرُجُ الْحَبَشَةُ وَعَلَيْهِمْ ذُو السُّوَيْقَتَيْنِ فَيُخَرِّبُونَ مَكَّةَ وَيَهْدِمُونَ الْكَعْبَةَ ثُمَّ لَا تُعَمَّرُ بَعْدَهَا أَبَدًا، وَهُمُ الَّذِينَ يَسْتَخْرِجُونَ كُنُوزَ مِصْرَ.
قَالَ ثُمَّ يَجْتَمِعُ بَقَايَا الْمُسْلِمِينَ فَيُقَاتِلُونَهُمْ فَيَقْتُلُونَهُمْ وَيَسْبُونَهُمْ حَتَّى يُبَاعَ الْحَبَشِيُّ بِعَبَاءَةٍ.
فَبَيَّنَ أَنَّ هَدْمَ الْكَعْبَةِ بَعْدَ الْآيَاتِ وَإِنْ كَانَ لَا يَخْلُو مِنْ تَأَمُّلٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَوَائِدُ)
(إِحْدَاهَا) تَقَدَّمَ أَنَّ عُمْرَانَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ خَرَابُ يَثْرِبَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ مُعَاذٍ مَرْفُوعًا.
وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ أَنَّهُ ﷺ ، قَالَ " «سَيَبْلُغُ الْبِنَاءُ سَلْعًا ثُمَّ يَأْتِي عَلَى الْمَدِينَةِ زَمَانٌ يَمُرُّ السَّفْرُ عَلَى بَعْضِ أَقْطَارِهَا فَيَقُولُ قَدْ كَانَتْ هَذِهِ مَرَّةً عَامِرَةً مِنْ طُولِ الزَّمَانِ وَعَفْوِ الْأَثَرِ» ".
وَأَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ نَحْوَهُ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ " «لَتَتْرُكُنَّ الْمَدِينَةَ عَلَى خَيْرِ مَا كَانَتْ مُذَلَّلَةً ثِمَارُهَا لَا يَغْشَاهَا إِلَّا الْعَوَافِي الطَّيْرُ وَالسِّبَاعُ» " الْحَدِيثَ، وَسَبَبُ خَرَابِهَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ خِيَارَ أَهْلِهَا يَخْرُجُونَ مَعَ الْمَهْدِيِّ إِلَى الْجِهَادِ ثُمَّ تَرْجُفُ بَعْدَ ذَلِكَ بِمُنَافِقِيهَا وَتَرْمِيهِمْ إِلَى الدَّجَّالِ وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا الْمُؤْمِنُونَ الْمُخْلِصُونَ فَيُهَاجِرُونَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ عِنْدَ إِمَامِهِمْ وَقَدْ وَرَدَ " «سَتَكُونُ هِجْرَةٌ وَخِيَارُ النَّاسِ يَوْمَئِذٍ أَلْزَمُهُمْ مُهَاجَرَ إِبْرَاهِيمَ» ".
وَمَنْ بَقِيَ مِنْهُمْ تَقْبِضُ رُوحَهُ الرِّيحُ الطَّيِّبَةُ. وَقَدْ رَوَى الْمَرْجَانِيُّ فِي أَخْبَارِ الْمَدِينَةِ عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا " «لَيَعُودَنَّ هَذَا الْأَمْرُ إِلَى الْمَدِينَةِ كَمَا بَدَأَ مِنْهَا حَتَّى لَا يَكُونَ إِيمَانٌ إِلَّا بِهَا» ".
وَأَخْرَجَ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا " «آخِرُ قَرْيَةٍ مِنْ قُرَى الْإِسْلَامِ خَرَابًا الْمَدِينَةُ» ". وَرَوَاهُ
стр. 577
التِّرْمِذِيُّ بِنَحْوِهِ وَقَالَ حَسَنٌ غَرِيبٌ. وَرَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ بِلَفْظِ " «آخِرُ قَرْيَةٍ فِي الْإِسْلَامِ خَرَابًا الْمَدِينَةُ» " وَصَحَّ " «إِنَّ الدِّينَ لَيَأْرِزُ إِلَى الْمَدِينَةِ كَمَا تَأْرِزُ الْحَيَّةُ إِلَى جُحْرِهَا» " فَظَاهِرُ هَذِهِ الْأَخْبَارِ التَّعَارُضُ وَوَجْهُ الْجَمْعِ أَنَّ الْفِتَنَ تَعُمُّ الدُّنْيَا كُلَّهَا كَمَا مَرَّ فِي خُرُوجِ الْمَهْدِيِّ وَيَبْقَى أَهْلُ الْمَدِينَةِ مَعَ الْمَهْدِيِّ فَيَأْرِزُ الدِّينُ أَيْ يَنْحَسِرُ وَيَدْخُلُ إِلَى الْمَدِينَةِ حِينَئِذٍ لِأَنَّهُمُ الْمُؤْمِنُونَ الْكَامِلُونَ التَّابِعُونَ لِلْخَلِيفَةِ الْحَقِّ ثُمَّ إِنَّهَا تَنْفِي خَبَثَهَا زَمَنَ الدَّجَّالِ وَيَبْقَى فِيهَا الْإِيمَانُ الْخَالِصُ بِخِلَافِ غَيْرِهَا مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْبُلْدَانِ فَيَبْقَى فِيهِمْ أَهْلُ ذِمَّةٍ وَمُنَافِقُونَ لِأَنَّهُمْ إِنَّمَا يُؤْمِنُونَ بَعْدَ نُزُولِ عِيسَى ﵇، وَكَذَلِكَ مَكَّةُ تَقْذِفُ بِمُنَافِقِيهَا إِلَى الدَّجَّالِ أَيْضًا.
وَقَدْ قِيلَ إِنَّ الرِّيحَ الطَّيِّبَةَ تَأْتِي مِنَ الشَّامِ فَيَكُونُ أَهْلُ الشَّامِ يُقْبَضُونَ قَبْلَ أَنْ تَصِلَ الْمَدِينَةَ أَوْ مِنَ الْيَمَنِ فَكَذَلِكَ أَوْ مِنْ كِلَيْهِمَا كَمَا جُمِعَ بِهِ وَالْأَمْرُ ظَاهِرٌ فَيَصْدُقُ أَنَّهُ آخِرُ مَنْ يُقْبَضُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَهَذَا مَحَطُّ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فَبِمُجَرَّدِ مَوْتِهِمْ تَخْرُبُ الْمَدِينَةُ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا سِوَى الْمُؤْمِنِينَ بِخِلَافِ غَيْرِهَا فَإِنَّهَا تَبْقَى عَامِرَةً بِشِرَارِ النَّاسِ كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ فِي الْإِشَاعَةِ وَهُوَ حَسَنٌ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
(الثَّانِيَةُ)
(فِي ذِكْرِ خُرُوجِ الْقَحْطَانِيِّ وَالْجَهْجَاهِ وَالْهَيْثَمِ وَالْمُقْعَدِ وَهَؤُلَاءِ بَعْدَ مَوْتِ الْمَهْدِيِّ) أَخْرَجَ أَبُو الشَّيْخِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، ﵁، مَرْفُوعًا " «يَنْزِلُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ فَيَقْتُلُ الدَّجَّالَ وَيَمُوتُ، فَيَسْتَخْلِفُونَ - يَعْنِي بَعْدَ وَفَاةِ سَيِّدِنَا عِيسَى ﵇ بِأَمْرِهِ - رَجُلًا مِنْ بَنِي تَمِيمٍ يُقَالُ لَهُ الْمُقْعَدُ، فَإِذَا مَاتَ الْمُقْعَدُ لَمْ يَأْتِ عَلَى النَّاسِ ثَلَاثُ سِنِينَ حَتَّى يُرْفَعَ الْقُرْآنُ مِنْ صُدُورِ الرِّجَالِ» " وَيَبْدَأُ النَّقْصُ لِيُوَافِقَ مَا يَأْتِي مِنْ بَقَاءِ الدِّينِ مُدَّةً مَدِيدَةً بَعْدَ سَيِّدِنَا عِيسَى ﵇.
وَالظَّاهِرُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ هَذَا التَّمِيمِيَّ الْمُلَقَّبَ بِالْمُقْعَدِ هُوَ شُعَيْبُ بْنُ صَالِحٍ أَحَدُ الْأُمَرَاءِ وَالْوُزَرَاءِ لِلْمَهْدِيِّ بَلْ هُوَ أَحَدُ الْمُمَهِّدِينَ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَبْقَى أَمِيرًا فِي نَوَاحِي الشَّرْقِ ثُمَّ يَسْتَدْعِيهِ عِيسَى ﵇ بَعْدَ وَفَاةِ الْمَهْدِيِّ عِنْدَ خُرُوجِ ذِي السُّوَيْقَتَيْنِ عَلَى مَكَّةَ وَنَوَاحِيهَا فَيَقْتُلُهُمْ وَيَسْبِيهِمْ حَتَّى يُبَاعَ الْحَبَشِيُّ بِالْعَبَاءَةِ، ثُمَّ عِنْدَ وَفَاةِ سَيِّدِنَا الْمَسِيحِ يُوصِي لَهُ بِالْأَمْرِ لِمَا يَرَى فِيهِ مِنَ الْكَفَاءَةِ لِذَلِكَ وَالْقِيَامِ بِأَعْبَاءِ الدِّينِ.
وَلَمْ أَرَ هَذَا
стр. 578
التَّحْرِيرَ لِغَيْرِي فَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُوَ شُعَيْبُ بْنُ صَالِحٍ وَإِلَّا فَهُوَ أَحَدُ الْأُمَرَاءِ الَّذِينَ كَانَ يُلْقَى عَلَيْهِمْ أَعْبَاءُ الْأَمْرِ، أَوِ الَّذِي يَلِي إِمَارَةَ الشَّرْقِ مِنْ بَعْدِ شُعَيْبٍ إِنْ كَانَ هُوَ قَدْ مَاتَ وَيَكُونُ هَذَا يُلَقَّبُ بِالْمُقْعَدِ.
وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ مَرْفُوعًا " لَا «تَذْهَبُ الْأَيَّامُ وَاللَّيَالِي حَتَّى يَمْلِكَ النَّاسَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ الْجَهْجَاهُ» ".
وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ، وَغَيْرُهُمَا عَنْهُ مَرْفُوعًا " «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَخْرُجَ رَجُلٌ مِنْ قَحْطَانَ يَسُوقُ النَّاسَ بِعَصَاهُ» ".
وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي " مُعْجَمِهِ الْكَبِيرِ " وَابْنُ مَنْدَهْ، وَأَبُو نُعَيْمٍ، وَابْنُ عَسَاكِرَ، عَنْ قَيْسِ بْنِ جَابِرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، قَالَ " «سَتَكُونُ مِنْ بَعْدِي خُلَفَاءُ وَمِنْ بَعْدِ الْخُلَفَاءِ أُمَرَاءُ وَمِنْ بَعْدِ الْأُمَرَاءِ مُلُوكٌ جَبَابِرَةٌ ثُمَّ يَخْرُجُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي الْمَهْدِيُّ يَمْلَأُ الْأَرْضَ عَدْلًا كَمَا مُلِئَتْ جَوْرًا ثُمَّ يُؤَمَّرُ الْقَحْطَانِيُّ فَوَالَّذِي بَعَثَنِي بِالْحَقِّ مَا هُوَ دُونَهُ» ".
وَأَخْرَجَ نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ عِيسَى، قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ الْمَهْدِيَّ يَمْلِكُ أَرْبَعَةَ عَشَرَ سَنَةً بَيْتَ الْمَقْدِسِ ثُمَّ يَمُوتُ ثُمَّ يَكُونُ مِنْ بَعْدِهِ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِ تُبَّعٍ يُقَالُ لَهُ الْمَنْصُورُ يَعْنِي الْقَحْطَانِيَّ يَمْكُثُ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ إِحْدَى وَعِشْرِينَ سَنَةً. قُلْتُ هَذَا لَا يَلْتَئِمُ أَنْ يَكُونَ هُوَ شُعَيْبَ بْنَ صَالِحٍ التَّمِيمِيَّ لِأَنَّ بَنِي تَمِيمٍ لَيْسُوا مِنَ الْيَمَنِ وَلَا مِنْ قَحْطَانَ وَإِنْ وَافَقَهُ فِي تَلْقِيبِهِ بِالْمَنْصُورِ.
ثُمَّ يُقْتَلُ هَذَا الْقَحْطَانِيُّ ثُمَّ يَمْلِكُ الْمَوْلَى يَعْنِي الْجَهْجَاهَ وَيَمْكُثُ ثَلَاثَ سِنِينَ ثُمَّ يُقْتَلُ ثُمَّ يَمْلِكُ بَعْدَهُ الْهَيْثَمُ الْمَهْدِيُّ ثَلَاثَ سِنِينَ وَأَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشَرَةَ أَيَّامٍ.
وَهَذَا الْمَهْدِيُّ غَيْرُ الْأَوَّلِ وَكَأَنَّهُ لُقِّبَ بِذَلِكَ لِحُسْنِ سِيرَتِهِ وَصَفَاءِ سَرِيرَتِهِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْوَاجِبَ اعْتِقَادُهُ مِنْ ذَلِكَ مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْأَخْبَارُ وَالْآثَارُ الصَّرِيحَةُ مِنْ وُجُودِ الْمَهْدِيِّ الْمُنْتَظَرِ الَّذِي يُخْرِجُ الدَّجَّالَ، وَسَيِّدُنَا عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ فِي زَمَنِهِ وَيُصَلِّي عِيسَى ﵇ خَلْفَهُ صَلَاةَ الْفَجْرِ وَهُوَ الْمُرَادُ حَيْثُ أُطْلِقَ الْمَهْدِيُّ.
وَأَمَّا الْمَذْكُورُونَ قَبْلَهُ فَلَمْ يَصِحَّ فِيهِمْ شَيْءٌ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِ فَأُمَرَاءُ صَالِحُونَ لَكِنْ لَيْسُوا مِثْلَهُ فَهُوَ آخِرُهُمْ فِي الْوُجُودِ وَإِمَامُهُمْ وَخَيْرُهُمْ وَأَفْضَلُهُمْ فِي الْحَقِيقَةِ وَالْمُرَادُ غَيْرُ سَيِّدِنَا عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ﵇ فَإِنَّهُ رَسُولٌ كَرِيمٌ مِنْ أُولِي الْعَزْمِ وَهُوَ آيَةٌ وَعَلَامَةٌ وَحْدَهُ. فَيَجِبُ الْإِيمَانُ بِنُزُولِهِ، وَيَجِبُ الْإِيمَانُ أَيْضًا بِخُرُوجِ الدَّجَّالِ اللَّعِينِ، وَأَنَّ سَيِّدَنَا عِيسَى يَقْتُلُهُ بِبَابِ لُدٍّ عِنْدَ بِئْرِ الزِّئْبَقِ، وَيَجِبُ الْإِيمَانُ بِخُرُوجِ
стр. 579
يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ وَبِأَنَّ الْكَعْبَةَ يَهْدِمُهَا ذُو السُّوَيْقَتَيْنِ فِي آخِرِ الزَّمَانِ وَاللَّهُ تَعَالَى الْمُسْتَعَانُ.
(الثَّالِثَةُ)
جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الشَّرِيفِ أَنَّهُ ﷺ قَالَ: ( «حُجُّوا قَبْلَ أَنْ لَا تَحُجُّوا فَوَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ وَبَرَأَ النَّسَمَةَ لَيُرْفَعَنَّ هَذَا الْبَيْتُ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِكُمْ حَتَّى لَا يَدْرِيَ أَحَدُكُمْ أَيْنَ مَكَانُهُ بِالْأَمْسِ» ". وَقَدْ رَوَى الْحَاكِمُ، وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ ﵁ مَرْفُوعًا " «حُجُّوا قَبْلَ أَنْ لَا تَحُجُّوا فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى حَبَشِيٍّ أَصْمَعَ، أَفْدَعَ بِيَدِهِ مِعْوَلٌ يَهْدِمُهَا حَجَرًا حَجَرًا» " قَوْلُهُ " أَفَدَعَ " هُوَ بِفَاءٍ وَدَالٍ مُهْمَلَةٍ بِوَزْنِ أَفْعَلَ يَمْشِي عَلَى ظُهُورِ قَدَمَيْهِ، وَتَقَدَّمَ أَنَّ الْأَصْمَعَ بِالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ صَغِيرُ الْأُذُنِ.
وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ مَرْفُوعًا " «حُجُّوا قَبْلَ أَنْ لَا تَحُجُّوا، تَقْعُدُ أَعْرَابُهَا عَلَى أَذْنَابِ أَوْدِيَتِهَا فَلَا يَصِلُ إِلَى الْحَجِّ أَحَدٌ» " وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " «اسْتَمْتِعُوا بِهَذَا الْبَيْتِ فَقَدْ هُدِمَ مَرَّتَيْنِ وَيُرْفَعُ فِي الثَّالِثَةِ» " رَوَاهُ الْبَزَّارُ وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ، وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِمَا، وَالْحَاكِمُ وَقَالَ: صَحِيحُ الْإِسْنَادِ.
قَالَ ابْنُ خُزَيْمَةَ، قَوْلُهُ " «يُرْفَعُ فِي الثَّالِثَةِ» " يُرِيدُ بَعْدَ الثَّالِثَةِ وَرَوَى أَبُو الْقَاسِمِ الْأَصْبَهَانِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ مَرْفُوعًا " «تَعَجَّلُوا إِلَى الْحَجِّ - يَعْنِي الْفَرِيضَةَ - فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَا يَدْرِي مَا يَعْرِضُ لَهُ» " وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
[الْعَلَامَةُ السادسَةُ الدُّخَانِ]
(الْعَلَامَةُ السَّادِسَةُ)
مِنْ عَلَامَاتِ السَّاعَةِ وَأَشْرَاطِهَا الْعُظْمَى مَا أَشَارَ إِلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ((وَإِنَّ مِنْهَا آيَةَ الدُّخَانِ))
((وَإِنَّ مِنْهَا)) أَيْ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ الَّتِي وَرَدَ النَّصُّ بِهَا وَإِنَّهَا حَقٌّ يَجِبُ الْإِيمَانُ بِهِ ((آيَةَ)) أَيْ عَلَامَةَ وَأَصْلُهَا أَوَيَةُ بِفَتْحِ الْوَاوِ وَمَوْضِعُ الْعَيْنِ وَاوٌ وَالنِّسْبَةُ إِلَيْهِ أَوَوِيٌّ، وَقِيلَ أَصْلُهَا فَاعِلَةٌ فَذَهَبَتْ مِنْهَا اللَّامُ أَوِ الْعَيْنُ تَخْفِيفًا وَلَوْ جَاءَتْ تَامَّةً لَكَانَتْ آيَيَةً.
وَمَعْنَى الْآيِ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى جَمَاعَةُ حُرُوفٍ وَكَلِمَاتٍ مِنْ قَوْلِهِمْ خَرَجَ الْقَوْمُ بِآيَتِهِمْ أَيْ بِجَمَاعَتِهِمْ لَمْ يَدَعُوا وَرَاءَهُمْ شَيْئًا، وَأَمَّا فِي غَيْرِهِ فَهِيَ الْعَلَامَةُ أَيْ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ عَلَامَةُ ((الدُّخَانِ)) كَرُمَّانٍ
стр. 580
وَغُرَابٍ لُغَتَانِ وَالْجَمَعُ أَدْخِنَةٌ وَدَوَاخِنُ وَدَوَاخِينُ، قَالَ الْعُلَمَاءُ آيَةُ الدُّخَانِ ثَابِتَةٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ : ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان: ١٠] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَابْنُ عُمَرَ ﵃، وَالْحَسَنُ، وَزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى هُوَ دُخَانٌ قَبْلَ قِيَامِ السَّاعَةِ يَدْخُلُ فِي أَسْمَاعِ الْكُفَّارِ وَالْمُنَافِقِينَ وَيَعْتَرِي الْمُؤْمِنَ كَهَيْئَةِ الزُّكَامِ وَتَكُونُ الْأَرْضُ كُلُّهَا كَبَيْتٍ أُوقِدَ فِيهِ وَلَمْ يَأْتِ بَعْدُ وَهُوَ آتٍ.
وَأَمَّا السُّنَّةُ فَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ حُذَيْفَةَ بْنِ أُسَيْدٍ ﵁، قَالَ «طَلَعَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَنَحْنُ نَتَذَاكَرُ، فَقَالَ " مَا تَذَاكَرُونَ " قَالُوا السَّاعَةَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ " إِنَّهَا لَنْ تَقُومَ حَتَّى تَرَوْا قَبْلَهَا عَشْرَ آيَاتٍ " فَذَكَرَ مِنْهَا الدُّخَانَ» .
وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، «وَأَنَّهُ يَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا» .
وَفِي حَدِيثِ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ ﵁ «أَنَّ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ دُخَانًا يَمْلَأُ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ يَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ فَيُصِيبُهُ مِنْهُ شِبْهُ الزُّكَامِ، وَأَمَّا الْكَافِرُ فَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ السَّكْرَانِ يَخْرُجُ الدُّخَانُ مِنْ فِيهِ، وَمِنْخَرَيْهِ، وَعَيْنَيْهِ وَأُذُنَيْهِ، وَدُبُرِهِ» . رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَرَوَاهُ الْبَغَوِيُّ وَلَفْظُهُ: قَالَ حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ ﵁ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، يَقُولُ: ( «أَوَّلُ الْآيَاتِ الدُّخَانُ، وَنُزُولُ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، وَنَارٌ تَخْرُجُ مِنْ قَعْرِ عَدَنِ أَبْيَنَ تَسُوقُ النَّاسَ إِلَى الْمَحْشَرِ تُقِيلُ مَعَهُمْ إِذَا قَالُوا " قَالَ حُذَيْفَةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الدُّخَانُ فَتَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان: ١٠] يَمْلَأُ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ» - الْحَدِيثَ.
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ " «بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ سِتَّةً: طُلُوعَ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَالدُّخَانَ، وَالدَّجَّالَ، وَالدَّابَّةَ، أَوْ خَاصَّةَ أَحَدِكُمْ، أَوْ أَمْرَ الْعَامَّةِ» ". وَفِي رِوَايَةٍ «وَأَمْرَ الْعَامَّةِ، وَخُوَيِّصَةَ أَحَدِكُمْ» .
وَقِيلَ إِنَّ الدُّخَانَ مَرَّ وَإِنَّهُ الْجُوعُ الَّذِي كَانَ حَالَ بَيْنَ أَبْصَارِ قُرَيْشٍ وَبَيْنَ السَّمَاءِ، فَفِي الصَّحِيحَيْنِ، وَالتِّرْمِذِيِّ، عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَهُوَ مُضْطَجِعٌ بَيْنَنَا فَأَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِنَّ قَاصًّا عِنْدَ أَبْوَابِ كِنْدَةَ يَقُصُّ وَيَزْعُمُ أَنَّ آيَةَ الدُّخَانِ تَجِيءُ فَتَأْخُذُ بِأَنْفَاسِ الْكُفَّارِ
стр. 581
وَيَأْخُذُ الْمُؤْمِنَ مِنْهَا كَهَيْئَةِ الزُّكَامِ. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ وَجَلَسَ وَهُوَ غَضْبَانُ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا اللَّهَ مَنْ عَلِمَ مِنْكُمْ شَيْئًا فَلْيَقُلْ بِمَا يَعْلَمُ وَمَنْ لَمْ يَعْلَمْ فَلْيَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ فَإِنَّهُ أَعْلَمُ لِأَحَدِكُمْ أَنْ يَقُولَ لِمَا لَا يَعْلَمُ اللَّهُ أَعْلَمُ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ لِنَبِيِّهِ ﷺ ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص: ٨٦] إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا رَأَى مِنَ النَّاسِ إِدْبَارًا قَالَ " «اللَّهُمَّ سَبْعٌ كَسَبْعِ يُوسُفَ» " وَفِي رِوَايَةٍ لَمَّا دَعَا قُرَيْشًا كَذَّبُوهُ وَاسْتَعْصَوْا عَلَيْهِ فَقَالَ «اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَيْهِمْ بِسَبْعٍ كَسَبْعِ يُوسُفَ» ، فَأَخَذَتْهُمْ سَنَةٌ حَصَتْ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى أَكَلُوا الْجُلُودَ وَالْمَيْتَةَ مِنَ الْجُوعِ وَيَنْظُرُ أَحَدُهُمْ إِلَى السَّمَاءِ فَيَرَى كَهَيْئَةِ الدُّخَانِ فَأَتَاهُ أَبُو سُفْيَانَ فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ إِنَّكَ جِئْتَ تَأْمُرُ بِطَاعَةِ اللَّهِ وَبِصِلَةِ الرَّحِمِ وَإِنَّ قَوْمَكَ قَدْ هَلَكُوا فَادْعُ اللَّهَ لَهُمْ قَالَ اللَّهُ ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان: ١٠] إِلَى قَوْلِهِ ﴿إِنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾ [الدخان: ١٥] قَالَ عَبْدُ اللَّهِ أَفَيُكْشَفُ عَذَابُ الْآخِرَةِ؟ ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ﴾ [الدخان: ١٦] فَالْبَطْشَةُ يَوْمُ بَدْرٍ وَفِي رِوَايَةٍ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ إِنَّمَا كَانَ هَذَا لِأَنَّ قُرَيْشًا لَمَّا اسْتَعْصَوْا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ دَعَا عَلَيْهِمْ بِسِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ فَأَصَابَهُمْ قَحْطٌ وَجُهْدٌ حَتَّى أَكَلُوا الْعِظَامَ فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَنْظُرُ إِلَى السَّمَاءِ فَيَرَى مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا كَهَيْئَةِ الدُّخَانِ مِنَ الْجُهْدِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ : ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ - يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الدخان: ١٠ - ١١] قَالَ فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ اسْتَسْقِ لِمُضَرَ فَإِنَّهَا قَدْ هَلَكَتْ. قَالَ لِمُضَرَ؟ إِنَّكَ لَجَرِيءٌ وَاسْتَسْقَى لَهُمْ فَسَقَوْا فَنَزَلَتْ ﴿إِنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾ [الدخان: ١٥] فَلَمَّا أَصَابَهُمُ الرَّفَاهِيَةُ عَادُوا إِلَى حَالِهِمْ حِينَ أَصَابَتْهُمُ الرَّفَاهِيَةُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ﴾ [الدخان: ١٦] يَعْنِي يَوْمَ بَدْرٍ.
وَفِي رِوَايَةٍ فَقِيلَ لَهُ إِنَّا إِنْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَادُوا، فَدَعَا رَبَّهُ فَكَشَفَ عَنْهُمْ فَعَادُوا فَانْتَقَمَ اللَّهُ مِنْهُمْ يَوْمَ بَدْرٍ فَذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان: ١٠] إِلَى قَوْلِهِ ﴿إِنَّا مُنْتَقِمُونَ﴾ [الدخان: ١٦] .
وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ كَقَوْلِهِ رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ فَهَلْ يُكْشَفُ عَذَابُ الْآخِرَةِ؟ قَدْ مَضَى الْبَطْشَةُ وَاللِّزَامُ وَالدُّخَانُ، وَاللِّزَامُ يَوْمُ بَدْرٍ.
وَفِي الْبُخَارِيِّ، وَمُسْلِمٍ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ يَعْنِي ابْنَ مَسْعُودٍ ﵁: خَمْسٌ قَدْ مَضَيْنَ الدُّخَانُ، وَاللِّزَامُ، وَالرُّومُ، وَالْبَطْشَةُ، وَالْقَمَرُ.
قَالَ فِي النِّهَايَةِ فِي حَدِيثِ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ ذُكِرَ اللِّزَامُ وَفُسِّرَ بِأَنَّهُ يَوْمُ بَدْرٍ. انْتَهَى.
وَكَذَا الْبَطْشَةُ يَوْمُ بَدْرٍ، وَالرُّومُ
стр. 582
إِشَارَةً إِلَى قَوْلِهِ ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ [الروم: ٢] ، وَالْقَمَرُ إِشَارَةً إِلَى قَوْلِهِ ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر: ١] .
قَالَ الْعَلَّامَةُ الشَّيْخُ مَرْعِيٌّ فِي بَهْجَتِهِ كَغَيْرِهِ: كَلَامُ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ مُوَافِقٌ لِظَاهِرِ الْآيَةِ فَلَا دَلِيلَ فِيهَا لِمَا ذَهَبَ الْجُمْهُورُ وَإِنَّمَا دَلِيلُهُمُ السُّنَّةُ وَكَأَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَبْلُغِ ابْنَ مَسْعُودٍ ﵁ حِينَ أَنْكَرَ ذَلِكَ مَعَ أَنَّهُ وَرَدَ عَنْهُ أَيْضًا أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: هُمَا دُخَانَانِ مَضَى وَاحِدٌ وَالَّذِي بَقِيَ يَمْلَأُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَا يَجِدُ الْمُؤْمِنُ مِنْهُ إِلَّا كَالزَّكْمَةِ، وَأَمَّا الْكَافِرُ فَيَشُقُّ مَسَامِعَهُ فَيَبْعَثُ اللَّهُ عِنْدَ ذَلِكَ الرِّيحَ الْجَنُوبَ مِنَ الْيَمَنِ فَتَقْبِضُ رُوحَ كُلِّ مُؤْمِنٍ وَيَبْقَى شِرَارُ النَّاسِ.
وَالَّذِي أَنْكَرَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ قَدْ جَاءَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ فَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ الْحَارِثِ، عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَالَ: قَالَ: آيَةُ الدُّخَانِ لَمْ تَمْضِ بَعْدُ يَأْخُذُ الْمُؤْمِنَ مِنْهَا كَهَيْئَةِ الزُّكَامِ وَيُنْفَخُ الْكَافِرُ حَتَّى يَنْقَدَّ.
وَقَدْ أَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ ﵁: «إِنَّ رَبَّكُمْ أَنْذَرَكُمْ ثَلَاثًا: الدُّخَانَ يَأْخُذُ الْمُؤْمِنَ كَالزَّكْمَةِ» - الْحَدِيثَ. وَوَرَدَ ذَلِكَ مِنْ عِدَّةِ طُرُقٍ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ مَرْفُوعًا وَمَوْقُوفًا.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي فَتْحِ الْبَارِي: وَتَضَافُرُ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ لِذَلِكَ أَصْلًا. وَقَدْ قِيلَ إِنَّ الْقَاصَّ الَّذِي أَنْكَرَ عَلَيْهِ ابْنُ مَسْعُودٍ هُوَ حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ ﵁ وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ فَلَا يُنْظَرُ إِلَيْهِ وَلَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
[الْعَلَامَةُ السابعة رَفْعُ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ مِنَ الصُّدُورِ وَمِنَ السُّطُورِ]
(الْعَلَامَةُ السَّابِعَةُ)
مِنْ عَلَامَاتِ السَّاعَةِ وَأَشْرَاطِهَا رَفْعُ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ مِنَ الصُّدُورِ وَمِنَ السُّطُورِ وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ: ((وَإِنَّهُ يُذْهَبُ بِالْقُرْآنِ)) ((وَإِنَّهُ)) أَيِ الشَّأْنُ وَالْأَمْرُ ((يُذْهَبُ)) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ مَبْنِيًّا لِمَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ أَيْ يَذْهَبُ اللَّهُ تَعَالَى ((بِالْقُرْآنِ)) الْعَظِيمِ وَكَلَامِ اللَّهِ الْمُنَزَّلِ عَلَى النَّبِيِّ الْكَرِيمِ مِنَ الْمَصَاحِفِ وَالصُّدُورِ وَهِيَ مِنْ أَشَدِّ مُعْضِلَاتِ الْأُمُورِ، فَأَخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَحُذَيْفَةَ ﵄ مَرْفُوعًا " «يُسْرَى عَلَى كِتَابِ اللَّهِ لَيْلًا فَيُصْبِحُ النَّاسُ وَلَيْسَ مِنْهُ آيَةٌ وَلَا حَرْفٌ فِي جَوْفٍ إِلَّا نُسِخَتْ» ".
قَالَ فِي الْبَهْجَةِ: قَرَّرَ الْأَئِمَّةُ أَنَّهُ يُرْفَعُ أَوَّلًا مِنَ الْمَصَاحِفِ وَذَلِكَ أَنَّهُمْ
стр. 583
يَبِيتُونَ فَيُصْبِحُونَ وَلَيْسَ فِيهَا حَرْفٌ مَكْتُوبٌ ثُمَّ يُرْفَعُ مِنَ الصُّدُورِ عَقِبَ ذَلِكَ لِأَعْجَلِ زَمَنٍ حَتَّى لَا يَكُونَ شَيْءٌ مِنْهُ مَحْفُوظًا حَتَّى يَقُولَ الْحَافِظُ لِلْآخَرِ وَقَدْ سَأَلَهُ الْآخَرُ كُنْتُ أَحْفَظُ شَيْئًا فَنَسِيتُهُ لَا أَدْرِي مَا هُوَ.
وَفِي الْحَدِيثِ " «أَكْثِرُوا مِنَ الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ قَبْلَ أَنْ يُرْفَعَ وَيَنْسَى النَّاسُ مَكَانَهُ وَأَكْثِرُوا تِلَاوَةَ الْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُرْفَعَ " قِيلَ وَكَيْفَ يُرْفَعُ مَا فِي صُدُورِ الرِّجَالِ؟ قَالَ " يُسْرَى عَلَيْهِمْ لَيْلًا فَيُصْبِحُونَ مِنْهُ فُقَرَاءَ وَيَنْسَوْنَ قَوْلَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» ".
وَعِنْدَ الدَّيْلَمِيِّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ " «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَرْجِعَ الْقُرْآنُ مِنْ حَيْثُ جَاءَ لَهُ دَوِيٌّ حَوْلَ الْعَرْشِ كَدَوِيِّ النَّحْلِ فَيَقُولُ اللَّهُ مَا لَكَ؟ فَيَقُولُ مِنْكَ خَرَجْتُ وَإِلَيْكَ أَعُودُ أُتْلَى فَلَا يُعْمَلُ بِي» ".
وَتَقَدَّمَ فِي مَسْأَلَةِ الْكَلَامِ عَلَى الْكَلَامِ مَا حَكَاهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَةَ قَدَّسَ اللَّهُ رَوْحَهُ عَنِ السَّلَفِ مِنْ أَنَّ الْقُرْآنَ الْعَظِيمَ كَلَامُ اللَّهِ مُنَزَّلٌ غَيْرُ مَخْلُوقٍ مِنْهُ بَدَأَ وَإِلَيْهِ يَعُودُ، وَأَنَّ مَعْنَى وَإِلَيْهِ يَعُودُ مَا جَاءَ فِي الْآثَارِ أَنَّ الْقُرْآنَ يُسْرَى بِهِ حَتَّى لَا يَبْقَى فِي الْمَصَاحِفِ مِنْهُ حَرْفٌ وَلَا فِي الْقُلُوبِ مِنْهُ آيَةٌ.
وَأَخْرَجَ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ حُذَيْفَةَ ﵁ مَرْفُوعًا " «يَدْرُسُ الْإِسْلَامُ حَتَّى لَا يُدْرَى مَا صِيَامٌ، وَلَا صَلَاةٌ، وَلَا نُسُكٌ، وَلَا صَدَقَةٌ، وَيُسْرَى عَلَى كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى فِي لَيْلَةٍ فَلَا يَبْقَى فِي الْأَرْضِ مِنْهُ آيَةٌ» " الْحَدِيثَ.
وَأَخْرَجَ السِّجْزِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ مَرْفُوعًا " «لَا تَقُومُ الْقِيَامَةُ حَتَّى يُرْفَعَ الرُّكْنُ وَالْقُرْآنُ» ".
وَأَخْرَجَ ابْنُ مَاجَهْ بِسَنَدٍ قَوِيٍّ، وَالْحَاكِمُ، وَالْبَيْهَقِيُّ، وَالضِّيَاءُ عَنْ حُذَيْفَةَ ﵁ قَالَ: يَدْرُسُ الْإِسْلَامُ كَمَا يَدْرُسُ وَشْيُ الثَّوْبِ حَتَّى لَا يُدْرَى مَا صِيَامٌ، وَلَا صَلَاةٌ، وَلَا نُسُكٌ، وَلَا صَدَقَةٌ، وَيُسْرَى عَلَى كِتَابِ اللَّهِ فِي لَيْلَةٍ فَلَا يَبْقَى فِي الْأَرْضِ مِنْهُ آيَةٌ، وَيَبْقَى طَوَائِفُ مِنَ النَّاسِ الشَّيْخُ، وَالْعَجُوزُ وَيَقُولُونَ أَدْرَكْنَا آبَاءَنَا عَلَى هَذِهِ الْكَلِمَةِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَنَحْنُ نَقُولُهَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْعَلَامَةُ الثامنة طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا]
(الْعَلَامَةُ الثَّامِنَةُ)
مِنْ عَلَامَاتِ السَّاعَةِ وَأَشْرَاطِهَا طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا وَأَشَارَ إِلَيْهَا بِقَوْلِهِ: ((طُلُوعُ شَمْسِ الْأُفُقِ مِنْ دَبُورٍ))
وَمِنْهَا ((طُلُوعُ شَمْسِ الْأُفُقِ)) قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ﴾ [إبراهيم: ٣٣]
стр. 584
وَقَالَ ﴿وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا﴾ [نوح: ١٦] وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ، وَأَبُو الشَّيْخِ، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أَنَسٍ ﵁، قَالَ حَدَّثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «أَنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ خُلِقْنَ مِنْ نُورِ الْعَرْشِ» .
وَأَخْرَجَ أَبُو الشَّيْخِ، عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ ﵁ قَالَ خَلَقَ اللَّهُ الشَّمْسَ مِنْ نُورِ عَرْشِهِ وَكَتَبَ فِي وَجْهِهَا إِنِّي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا رِضَايَ كَلَامٌ وَغَضَبِي كَلَامٌ وَرَحْمَتِي كَلَامٌ وَعَذَابِي كَلَامٌ. وَخَلَقَ الْقَمَرَ مِنْ نُورِ حِجَابِهِ الَّذِي يَلِيهِ وَكَتَبَ فِي وَجْهِهِ إِنِّي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا صَنَعْتُ الْقَمَرَ وَخَلَقْتُ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ فَالظُّلْمَةُ ضَلَالَةٌ وَالنُّورُ هُدًى. أَيْ أُضِلُّ مَنْ شِئْتُ وَأَهْدِي مَنْ شِئْتُ. وَكَتَبَ فِي بَطْنِهِ إِنِّي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا خَلَقْتُ الْخَيْرَ وَالشَّرَّ بِقُدْرَتِي وَعِزَّتِي أَبْتَلِي بِهِمَا مَنْ شِئْتُ مِنْ خَلْقِي. وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَأَبُو الشَّيْخِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، قَالَ: الشَّمْسُ قَدْرُ الدُّنْيَا وَزِيَادَةُ ثُلُثٍ، وَالْقَمَرُ عَلَى قَدْرِ الدُّنْيَا.
وَأَخْرَجَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ بِلَفْظِ سَعَةِ الْأَرْضِ بَدَلَ قَدْرِ الدُّنْيَا فِي الْمَوْضِعَيْنِ. وَزَعَمَ أَهْلُ الْهَنْدَسَةِ أَنَّ الشَّمْسَ أَضْعَافُ الْأَرْضِ مِائَةً وَسِتِّينَ مَرَّةً أَوْ مِائَتَيْنِ.
وَالْأُفُقُ بِالضَّمِّ وَبِضَمَّتَيْنِ النَّاحِيَةُ وَالْجَمْعُ آفَاقٌ وَالْأُفُقُ أَيْضًا مَا ظَهَرَ مِنْ نَوَاحِي الْفَلَكِ وَهُوَ الْمُرَادُ هُنَا.
وَقَوْلُهُ ((مِنْ دَبُورٍ)) بِفَتْحِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ مُخَفَّفَةً فَرَاءٌ بَعْدَ الْوَاوِ جِهَةُ الْمَغْرِبِ لِأَنَّهَا تُدَابِرُ بَابَ الْكَعْبَةِ، وَتُسَمَّى الرِّيحُ الَّتِي مَهَبُّهَا مِنْ جِهَةِ الْمَغْرِبِ دَبُورٌ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ " «نُصِرْتُ بِالصَّبَا وَهَلَكَتْ عَادٌ بِالدَّبُورِ» " رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَالشَّيْخَانِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄.
وَفِي الْقَامُوسِ: دَبَرَتِ الرِّيحُ تَحَوَّلَتْ دَبُورًا وَهِيَ رِيحٌ تُقَابِلُ الصَّبَا. قَالَ الْإِمَامُ النَّوَوِيُّ الصَّبَا بِفَتْحِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ مَقْصُورًا هِيَ الرِّيحُ الشَّرْقِيَّةُ.
قَالَ الْعُلَمَاءُ رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا ثَابِتٌ بِالسُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ، وَالْأَخْبَارِ الصَّرِيحَةِ بَلْ وَبِالْكِتَابِ الْمُنَزَّلِ عَلَى النَّبِيِّ الْمُرْسَلِ قَالَ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨] الْآيَةَ. أَجْمَعَ الْمُفَسِّرُونَ أَوْ جُمْهُورُهُمْ عَلَى أَنَّهَا طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا.
وَقَدْ خَبَطَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ وَلَبَطَ وَلَمْ يَهْتَدِ لِمَقْصُودِهَا الَّذِي عَلَيْهِ الْمَحَطُّ، وَحَاصِلُ ذَلِكَ الْمَقْصُودِ مِنَ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ إِنْ لَمْ يَكُنْ إِيمَانُهُ مُتَحَقِّقًا إِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا لَمْ يَنْفَعْهُ تَجْدِيدُ الْإِيمَانِ وَلَمْ يَنْفَعْهُ
стр. 585
فِعْلُ بِرٍّ مِنْ جَمِيعِ الْأَعْمَالِ لِأَنَّهُ فَقَدَ الْإِيمَانَ الَّذِي هُوَ الْأَسَاسُ لِمَا عَدَاهُ مِنْ تِلْكَ الْأَعْمَالِ فَلَا يَنْفَعُهُ إِيمَانُهُ الْحَادِثُ حِينَئِذٍ وَلَا مَا صَدَرَ مِنْهُ قَبْلَ ذَلِكَ مِنَ الْإِحْسَانِ وَعَمَلِ الْبِرِّ مِنْ صِلَةِ الْأَرْحَامِ، وَإِعْتَاقِ الرِّقَابِ، وَقِرَى الْأَضْيَافِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ مِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ لِأَنَّهَا عَلَى غَيْرِ أَسَاسٍ قَالَ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِم أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ﴾ [إبراهيم: ١٨] الْآيَةَ.
وَالْإِيمَانُ الْحَادِثُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ لَيْسَ مَقْبُولًا حَتَّى يَكُونَ مِنْ بَابِ " أَسْلِمْ عَلَى مَا سَلَفَ مِنَ الْخَيْرِ) فَهَؤُلَاءِ لَا يَنْفَعُهُمْ لَا بِانْضِمَامِ الْأَفْعَالِ اللَّاحِقَةِ وَلَا بِانْضِمَامِ أَعْمَالِهِمُ السَّابِقَةِ لِفَقْدِ الْأَسَاسِ الَّذِي هُوَ الْإِيمَانُ، وَأَمَّا مَنْ تَحَقَّقَ اتِّصَافُهُ بِالْإِيمَانِ الشَّرْعِيِّ مِنْ قَبْلِ ذَلِكَ الْوَقْتِ وَاسْتَمَرَّ إِيمَانُهُ إِلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا فَهُوَ لَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُؤْمِنًا مُقِيمًا عَلَى الْمَعَاصِي لَمْ يَكْسِبْ فِي إِيمَانِهِ خَيْرًا أَوْ مُؤْمِنًا مُخَلَّطًا أَوْ مُؤْمِنًا تَائِبًا عَنِ الْمَعَاصِي كَاسِبًا فِي إِيمَانِهِ خَيْرًا مَا اسْتَطَاعَ، (فَالْأَوَّلُ) يَنْفَعُهُ الْإِيمَانُ السَّابِقُ الْمُجَرَّدُ مِنَ الْأَعْمَالِ لِأَصِلِ النَّجَاةِ فَلَا يَخْلُدُ فِي النَّارِ وَإِنْ دَخَلَهَا بِذُنُوبِهِ، فَالْإِيمَانُ السَّابِقُ يَنْفَعُهُ وَيَنْفَعُهُ الْإِيمَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْضًا لِأَنَّهُ نُورٌ عَلَى نُورٍ وَلَكِنْ لَا تَنْفَعُهُ التَّوْبَةُ عَنِ الْمَعَاصِي وَلَا يَقْبَلُ مِنْهُ حَسَنَةً يَعْمَلُهَا بَعْدَ ذَلِكَ.
(وَالثَّانِي) يَنْفَعُهُ إِيمَانُهُ السَّابِقُ لِأَصِلِ نَجَاتِهِ، وَيَنْفَعُهُ مَا قَدَّمَهُ مِنَ الْحَسَنَاتِ لِدَرَجَاتِهِ، وَيَنْفَعُهُ إِيمَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْضًا لِمَا مَرَّ وَلَكِنْ لَا تَنْفَعُهُ تَوْبَةٌ حِينَئِذٍ مِنَ التَّخْلِيطِ وَلَا حَسَنَةٌ يَعْمَلُهَا بَعْدَ ذَلِكَ مَا لَمْ يَكُنْ عَمِلَهَا مِنْ قَبْلُ وَاسْتَمَرَّ عَلَى عَمَلِهَا مِنْ نَحْوِ صَلَاةٍ وَقِرَاءَةٍ وَذِكْرٍ كَانَ يَعْمَلُهُ.
(وَالثَّالِثُ) يَنْفَعُهُ إِيمَانُهُ السَّابِقُ لِأَجْلِ نَجَاتِهِ، وَتَنْفَعُهُ أَعْمَالُهُ السَّابِقَةُ الصَّالِحَةُ لِدَرَجَاتِهِ، وَيَنْفَعُهُ إِيمَانُهُ ذَلِكَ الْيَوْمَ أَيْضًا، وَيَنْفَعُهُ مَا يَعْمَلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ الْحَسَنَاتِ الَّتِي سَبَقَ مِنْهُ أَمْثَالُهَا.
وَهَذَا التَّفْصِيلُ مِمَّا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ وَبَيَّنَتْهُ الْأَحَادِيثُ الْوَارِدَةُ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨] مِنْ ذَلِكَ مَا أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا فَإِذَا طَلَعَتْ وَرَآهَا النَّاسُ آمَنُوا أَجْمَعُونَ فَذَلِكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا» " الْآيَةَ.
وَأَخْرَجَ
стр. 586
ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَشِيَّةً مِنَ الْعَشِيَّاتِ فَقَالَ " «يَا عِبَادَ اللَّهِ تُوبُوا إِلَى اللَّهِ - مَرَّاتٍ - فَإِنَّكُمْ تُوشِكُونَ أَنْ تَرَوُا الشَّمْسَ مِنَ الْمَغْرِبِ فَإِذَا فَعَلَتْ ذَلِكَ حُبِسَتِ التَّوْبَةُ وَطُوِيَ الْعَمَلُ وَخُتِمَ الْإِيمَانُ» " الْحَدِيثَ.
وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨] يَقُولُ كَسَبَتْ فِي تَصْدِيقِهَا عَمَلًا، هَؤُلَاءِ أَهْلُ الْقِبْلَةِ، وَإِنْ كَانَتْ مُصَدِّقَةً لَمْ تَعْمَلْ قَبْلَ ذَلِكَ خَيْرًا فَعَمِلَتْ بَعْدَ أَنْ رَأَتِ الْآيَةَ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهَا، وَإِنْ عَمِلَتْ قَبْلَ الْآيَةِ خَيْرًا قُبِلَ مِنْهَا.
وَمِنْ ذَلِكَ مَا أَخْرَجَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ مِنْ طَرِيقِ مَالِكِ بْنِ يُخَامِرَ السَّكْسَكِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَمُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵃، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ " «الْهِجْرَةُ خَصْلَتَانِ إِحْدَاهُمَا أَنْ تَهْجُرَ السَّيِّئَاتِ، وَالْأُخْرَى أَنْ تُهَاجِرَ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَلَا تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ مَا تُقْبَلُ التَّوْبَةُ وَلَا تَزَالُ التَّوْبَةُ مَقْبُولَةً حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا فَإِذَا طَلَعَتْ طُبِعَ عَلَى كُلِّ قَلْبٍ بِمَا فِيهِ وَكُفِيَ النَّاسُ الْعَمَلَ» ".
وَأَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَمُسْلِمٌ، وَالْحَاكِمُ، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، قَالَ " «بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ سِتًّا: طُلُوعَ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَالدَّجَّالَ، وَالدُّخَانَ، وَدَابَّةَ الْأَرْضِ، وَخُوَيِّصَةَ أَحَدِكُمْ، وَأَمْرَ الْعَامَّةِ» ". قَالَ قَتَادَةُ ( «خُوَيِّصَةُ أَحَدِكُمُ» ) الْمَوْتُ، ( «وَأَمْرُ الْعَامَّةِ» ) السَّاعَةُ.
وَأَخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ مَرْفُوعًا " «خَلَقَ اللَّهُ بَابًا لِلتَّوْبَةِ - وَفِيهِ - فَذَلِكَ الْبَابُ مَفْتُوحٌ مُنْذُ خَلَقَهُ اللَّهُ إِلَى صَبِيحَةِ تِلْكَ اللَّيْلَةِ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ مِنْ مَغْرِبِهَا - إِلَى أَنْ قَالَ - فَإِذَا أُغْلِقَ بَابُ التَّوْبَةِ لَمْ يُقْبَلْ لِعَبْدٍ بَعْدَ ذَلِكَ تَوْبَةٌ وَلَمْ تَنْفَعْهُ حَسَنَةٌ يَعْمَلُهَا بَعْدَ ذَلِكَ إِلَّا مَا كَانَتْ قَبْلَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَجْرِي لَهُمْ وَعَلَيْهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ مَا كَانَ يَجْرِي لَهُمْ قَبْلَ ذَلِكَ فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ [الأنعام: ١٥٨] » - إِلَى قَوْلِهِ خَيْرًا -) الْحَدِيثَ بِطُولِهِ.
وَهَذَا الْحَدِيثُ وَإِنْ كَانَ سَنَدُهُ وَاهِيًا كَمَا قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظِ لَكِنَّ لَهُ شَوَاهِدَ مِنَ الْأَحَادِيثِ الصِّحَاحِ، وَيُوَضِّحُهُ مَا نَقَلَهُ الْعَلَّامَةُ الْمُدَقِّقُ ابْنُ هِشَامٍ فِي مُغْنِي اللَّبِيبِ عَنِ ابْنِ عَطِيَّةَ، وَابْنِ الْحَاجِبِ أَنَّ الْآيَةَ مِنْ حَذْفِ الْمَعْطُوفِ أَيْ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا
стр. 587
وَكَسْبُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا، وَالْآيَةُ مِنَ اللَّفِّ وَالنَّشْرِ وَمَفْهُومُهُ أَنَّهَا إِذَا كَانَتْ كَسَبَتْ يَنْفَعُهَا كَسْبُهَا الْمُمَاثِلُ لِلسَّابِقِ وَهُوَ الْمَطْلُوبُ.
فَيَتَلَخَّصُ مِنْ مَجْمُوعِ الْأَحَادِيثِ الْمَذْكُورَةِ وَمَا فِي مَعْنَاهَا مِمَّا هُوَ مُسَطَّرٌ فِي الدُّرِّ الْمَنْثُورِ لِلْحَافِظِ جَلَالِ الدِّينِ السُّيُوطِيِّ أَنَّ الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ مِنْ مَغْرِبِهَا لَا يَنْفَعُ الْإِيمَانُ الْمُحْدَثُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ لِمَنْ كَانَ كَافِرًا أَوْ مُشْرِكًا، وَلَا التَّوْبَةُ الْمُحْدَثَةُ فِيهِ لِمَنْ كَانَ مُخَلِّطًا وَلَا أَعْمَالُ الْبِرِّ الْمُحْدَثَةِ فِيهِ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ يَعْمَلُهَا قَبْلَ ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَأَمَّا مَنْ كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ الْيَوْمِ مُؤْمِنًا فَإِنَّ الْإِيمَانَ الْمُجَرَّدَ عَنِ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ السَّابِقَةِ عَلَى ذَلِكَ الْيَوْمِ يَنْفَعُ صَاحِبَهُ لِأَجْلِ نَجَاتِهِ، وَإِيمَانِهِ الْمُتَجَدِّدِ يَوْمَئِذٍ، يَنْفَعُهُ أَيْضًا لِأَنَّهُ نُورٌ عَلَى نُورٍ وَإِنْ لَمْ تُقْبَلْ تَوْبَتُهُ عَنْ سَيِّئَاتِهِ، وَإِنَّ الْإِيمَانَ السَّابِقَ مَعَ التَّخْلِيطِ يَنْفَعُهُ مَعَ مَا تَقَدَّمَ لَهُ مِنَ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ الَّتِي كَانَ يَعْمَلُهَا، وَإِنَّمَا الْمَمْنُوعُ قَبُولُ تَوْبَتِهِ عَنْ تَخْلِيطِهِ وَقَبُولُ مَا لَمْ يَكُنْ مُتَّصِفًا بِهِ مِنَ الْإِيمَانِ وَأَعْمَالِ الْبِرِّ قَبْلَ ذَلِكَ الْيَوْمِ.
وَالضَّابِطُ أَنَّ كُلَّ بِرٍّ مُحْدَثٍ يَكُونُ السَّبَبُ فِي إِحْدَاثِهِ رُؤْيَةَ الْآيَةِ وَلَمْ يَسْبِقْ مِنْ صَاحِبِهِ مِثْلُهُ لَا يَنْفَعُ، سَوَاءٌ كَانَ مِنَ الْأُصُولِ أَوِ الْفُرُوعِ، وَكُلُّ بِرٍّ لَيْسَ كَذَلِكَ لِكَوْنِ صَاحِبِهِ كَانَ عَامِلًا بِهِ قَبْلَ رُؤْيَةِ الْآيَةِ يَنْفَعُ.
وَهَذَا التَّحْقِيقُ نَبَّهَ عَلَى مِثْلِهِ الْإِمَامُ الْمُحَقِّقُ الْعَلَّامَةُ ابْنُ مُفْلِحٍ فِي الْآدَابِ الْكُبْرَى قَالَ فِي قَوْلِهِ ﷺ " «إِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا طَبَعَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبٍ بِمَا فِيهِ وَكُفِيَ النَّاسُ الْعَمَلَ» " لَيْسَ الْمُرَادُ بِهَذَا الْخَبَرِ تَرْكَ مَا كَانَ يَعْمَلُهُ مِنَ الْفَرَائِضِ أَيْ وَكَذَا مِنَ النَّوَافِلِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ مِنَ الْمَغْرِبِ فَيَجِبُ الْإِتْيَانُ بِمَا كَانَ يَعْمَلُهُ مِنَ الْفَرَائِضِ قَبْلَ ذَلِكَ وَيَنْفَعُهُ مَا يَأْتِي بِهِ مِنَ الْإِيمَانِ الَّذِي كَانَ يَأْتِي بِهِ قَبْلَ ذَلِكَ وَكُفِيَ النَّاسُ الْعَمَلَ أَيْ عَمَلًا لَمْ يَكُونُوا يَفْعَلُونَهُ.
قَالَ وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ حَامِدٍ أَنَّ الْمَذْهَبَ لَا يَنْقَطِعُ التَّكْلِيفُ، خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ. وَحَكَى ابْنُ الْجَوْزِيِّ عَنِ الضَّحَّاكِ أَنَّ مَنْ أَدْرَكَهُ بَعْضُ الْآيَاتِ وَهُوَ عَلَى عَمَلٍ صَالِحٍ مَعَ إِيمَانِهِ قُبِلَ مِنْهُ كَمَا يُقْبَلُ مِنْهُ قَبْلَ الْآيَةِ.
قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ فَالْعَمَلُ الصَّالِحُ الَّذِي سَبَبُهُ ظُهُورُ الْآيَةِ لَا يَنْفَعُ لِأَنَّ الْآيَةَ اضْطَرَّتْهُ إِلَيْهِ، وَأَمَّا مَا كَانَ يَعْمَلُهُ فَظُهُورُ الْآيَةِ لَا تَأْثِيرَ لَهَا فِيهِ فَبَقِيَ الْحُكْمُ كَمَا قَبْلَ الْآيَةِ.
وَنَبَّهَ عَلَى مِثْلِهِ السَّيِّدُ
стр. 588
مُحَمَّدٌ الْبَرْزَنْجِيُّ فِي كِتَابِهِ (الْإِشَاعَةُ فِي أَشْرَاطِ السَّاعَةِ) وَشَيْخُ مَشَايِخِنَا الْعَلَّامَةُ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ الْكُورَانِيُّ فِي شَرْحِ مَنْظُومَةِ الشَّيْخِ مُحَمَّدٍ الْمَقْدِسِيِّ الْقُشَاشِيِّ.
وَأَشَارَ إِلَيْهِ سَابِقًا الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي فَتْحِ الْبَارِي، وَالْحَافِظُ السُّيُوطِيُّ فِي الدُّرِّ الْمَنْثُورِ، وَغَيْرُهُمْ مِنَ الْمُحَقِّقِينَ فَهُوَ الْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ دُونَ مَا زَعَمَهُ بَعْضُ الْمُتَحَذْلِقِينَ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
فَإِذَا فَهِمْتَ ذَلِكَ فَاعْلَمْ أَنَّهُ قَدْ وَرَدَ فِي طُلُوعِ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا عِدَّةُ أَحَادِيثَ، مِنْهَا مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ، «عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵄، قَالَ: حَفِظْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّ أَوَّلَ الْآيَاتِ خُرُوجًا طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَخُرُوجُ الدَّابَّةِ عَلَى النَّاسِ ضُحًى وَأَيَّتُهُمَا كَانَتْ قَبْلَ صَاحِبَتِهَا فَالْأُخْرَى عَلَى أَثَرِهَا قَرِيبًا مِنْهَا» .
وَفِيهِ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ " «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا فَإِذَا طَلَعَتْ مِنْ مَغْرِبِهَا آمَنَ النَّاسُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ فَيَوْمَئِذٍ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا» ". وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا وَفِيهِ: " «حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا فَإِذَا رَآهَا النَّاسُ آمَنُ مَنْ عَلَيْهَا» " - الْحَدِيثَ.
وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ ﵁ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ يَوْمًا " أَتَدْرُونَ أَيْنَ تَذْهَبُ هَذِهِ الشَّمْسُ؟ " قَالُوا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ " ((قَالَ إِنَّ هَذِهِ تَجْرِي حَتَّى تَنْتَهِيَ إِلَى مُسْتَقَرِّهَا تَحْتَ الْعَرْشِ فَتَخِرُّ سَاجِدَةً فَلَا تَزَالُ كَذَلِكَ حَتَّى يُقَالَ لَهَا ارْجِعِي مِنْ حَيْثُ جِئْتِ فَتَرْجِعُ طَالِعَةً مِنْ مَطْلَعِهَا تَجْرِي لَا يَسْتَنْكِرُ النَّاسُ مِنْهَا شَيْئًا حَتَّى تَنْتَهِيَ إِلَى مُسْتَقَرِّهَا ذَلِكَ تَحْتَ الْعَرْشِ فَيُقَالُ لَهَا ارْجِعِي ارْتَفِعِي أَصْبِحِي طَالِعَةً مِنْ مَغْرِبِكِ. فَتُصْبِحُ طَالِعَةً مِنْ مَغْرِبِهَا - فَقَالَ ﵇ أَتَدْرُونَ مَتَى ذَلِكُمْ؟ حِينَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ)) » الْآيَةَ.
وَأَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ، وَالسِّتَّةُ غَيْرَ التِّرْمِذِيِّ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَأَبُو الشَّيْخِ، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا فَإِذَا طَلَعَتْ وَرَآهَا النَّاسُ آمَنُوا أَجْمَعُونَ وَذَلِكَ حِينَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا» " ثُمَّ قَرَأَ الْآيَةَ. وَتَقَدَّمَ قَرِيبًا.
وَأَخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ حُذَيْفَةَ رَضِيَ اللَّهُ
стр. 589
عَنْهُ قَالَ سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَا آيَةُ طُلُوعِ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا؟ فَقَالَ " «طُولُ تِلْكَ اللَّيْلَةِ حَتَّى تَكُونَ قَدْرَ لَيْلَتَيْنِ» " وَهُوَ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ " «قَدْرَ ثَلَاثِ لَيَالٍ» " وَعِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵄ مَرْفُوعًا " «قَدْرَ لَيْلَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثٍ فَيَسْتَيْقِظُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ فَيُصَلُّونَ وَيَعْمَلُونَ كَمَا كَانُوا وَلَا يَرَوْنَ إِلَّا قَدْ قَامَتِ النُّجُومُ مَكَانَهَا ثُمَّ يَرْقُدُونَ ثُمَّ يَقُومُونَ ثُمَّ يَقْضُونَ صَلَاتَهُمْ وَاللَّيْلُ كَأَنَّهُ لَمْ يَنْقُصْ فَيَضْطَجِعُونَ حَتَّى إِذَا اسْتَيْقَظُوا وَاللَّيْلُ مَكَانَهُ حَتَّى يَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ اللَّيْلُ فَإِذَا رَأَوْا ذَلِكَ خَافُوا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بَيْنَ يَدَيْ أَمْرٍ عَظِيمٍ فَيَفْزَعُ النَّاسُ وَهَاجَ بَعْضُهُمْ فِي بَعْضٍ فَقَالُوا مَا هَذَا؟ فَيَفْزَعُونَ إِلَى الْمَسَاجِدِ فَإِذَا أَصْبَحُوا طَالَ عَلَيْهِمْ طُلُوعُ الشَّمْسِ فَبَيْنَمَا هُمْ يَنْظُرُونَ طُلُوعَهَا مِنَ الْمَشْرِقِ إِذْ هِيَ طَالِعَةٌ عَلَيْهِمْ مِنْ مَغْرِبِهَا فَيَضِجُّ النَّاسُ ضَجَّةً وَاحِدَةً حَتَّى إِذَا صَارَتْ فِي وَسَطِ السَّمَاءِ رَجَعَتْ وَطَلَعَتْ مِنْ مَطْلَعِهَا» ".
وَأَخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ ﵁ مَرْفُوعًا " «صَبِيحَةَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا يَصِيرُ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ قِرَدَةٌ وَخَنَازِيرُ تُطْوَى الدَّوَاوِينُ وَتَجِفُّ الْأَقْلَامُ لَا يُزَادُ فِي حَسَنَةٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ سَيِّئَةٍ وَلَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا» ".
وَعِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ " «فَيَذْهَبُ النَّاسُ فَيَتَصَدَّقُونَ بِالذَّهَبِ الْأَحْمَرِ فَلَا يُقْبَلُ مِنْهُمْ وَيُقَالُ لَوْ كَانَ بِالْأَمْسِ» ) وَأَخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ مَرْفُوعًا ( «لَا تَزَالُ الشَّمْسُ تَجْرِي مِنْ مَشْرِقِهَا إِلَى مَغْرِبِهَا حَتَّى يَأْتِيَ الْوَقْتُ الَّذِي جَعَلَ اللَّهُ لِتَوْبَةِ عِبَادِهِ فَتَسْتَأْذِنُ الشَّمْسُ مِنْ أَيْنَ تَطْلُعُ وَيَسْتَأْذِنُ الْقَمَرُ مِنْ أَيْنَ يَطْلُعُ فَلَا يُؤْذَنُ لَهُمَا فَيُحْبَسَانِ مِقْدَارَ ثَلَاثِ لَيَالٍ لِلشَّمْسِ وَلَيْلَتَيْنِ لِلْقَمَرِ فَلَا يَعْرِفُ مِقْدَارَ حَبْسِهِمَا إِلَّا قَلِيلٌ مِنَ النَّاسِ وَهُمْ بَقِيَّةُ أَهْلِ الْأَرْضِ وَحَمَلَةُ الْقُرْآنِ، يَقْرَأُ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ وِرْدَهُ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ حَتَّى إِذَا فَرَغَ مِنْهُ نَظَرَ فَإِذَا لِيَلْتُهُ عَلَى حَالِهَا فَيَعُودُ وَيَقْرَأُ وِرْدَهُ فَإِذَا فَرَغَ نَظَرَ فَإِذَا لِيَلْتُهُ عَلَى حَالِهَا فَلَا يَعْرِفُ ذَلِكَ إِلَّا حَمَلَةُ الْقُرْآنِ فَيُنَادِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا فَيَجْتَمِعُونَ فِي مَسَاجِدِهِمْ بِالتَّضَرُّعِ وَالْبُكَاءِ وَالصُّرَاخِ بَقِيَّةَ تِلْكَ اللَّيْلَةِ، وَمِقْدَارُ تِلْكَ اللَّيْلَةِ ثَلَاثُ لَيَالٍ ثُمَّ يُرْسِلُ اللَّهُ جِبْرِيلَ إِلَى الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ فَيَقُولُ إِنِ الرَّبَّ تَعَالَى يَأْمُرُكُمَا أَنْ تَرْجِعَا إِلَى مَغْرِبِكُمَا
стр. 590
فَتَطْلُعَا مِنْهُ فَإِنَّهُ لَا ضَوْءَ لَكُمَا عِنْدَنَا وَلَا نُورَ، فَتَبْكِي الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ خَوْفَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَخَوْفَ الْمَوْتِ فَتَرْجِعُ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ فَيَطْلُعَانِ مِنْ مَغْرِبِهِمَا فَبَيْنَمَا النَّاسُ كَذَلِكَ يَتَضَرَّعُونَ إِلَى اللَّهِ وَالْغَافِلُونَ فِي غَفَلَاتِهِمْ إِذْ نَادَى مُنَادٍ أَلَا إِنَّ بَابَ التَّوْبَةِ قَدْ أُغْلِقَ، وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ طَلَعَا مِنْ مَغَارِبِهِمَا فَنَظَرَ النَّاسُ فَإِذَا بِهِمَا أَسْوَدَانِ كَالْعِكْمَيْنِ لَا ضَوْءَ لَهُمَا وَلَا نُورَ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ [القيامة: ٩] . " قَوْلُهُ كَالْعِكْمَيْنِ تَثْنِيَةُ عِكْمٍ بِالْكَسْرِ وَهُوَ الْغِرَارَةُ أَيْ كَالْغِرَارَتَيْنِ الْعَظِيمَتَيْنِ وَمِنْهُ يُقَالُ لِمَنْ شَدَّ الْغَرَائِرَ عَلَى الْجَمَلِ: الْعِكَامُ، وَفِي حَدِيثِ أُمِّ زَرْعٍ " عُكُومُهَا رَدَاحٌ " يَعْنِي غَرَائِرَهَا الَّتِي تَكُونُ فِيهَا الْأَمْتِعَةُ وَغَيْرُهَا - فَيَرْتَفِعَانِ أَيِ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ مِثْلَ الْبَعِيرَيْنِ الْمَقْرُونَيْنِ يُنَازِعُ كُلٌّ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ اسْتِبَاقًا وَيَتَصَايَحُ أَهْلُ الدُّنْيَا، وَتَذْهَلُ الْأُمَّهَاتُ عَنْ أَوْلَادِهَا، وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا فَأَمَّا الصَّالِحُونَ وَالْأَبْرَارُ فَيَنْفَعُهُمْ بُكَاؤُهُمْ يَوْمَئِذٍ وَيُكْتَبُ لَهُمْ عِبَادَةً، وَأَمَّا الْفَاسِقُونَ وَالْفُجَّارُ فَلَا يَنْفَعُهُمْ بُكَاؤُهُمْ يَوْمَئِذٍ وَيُكْتَبُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً، فَإِذَا بَلَغَتِ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ سُرَّةَ السَّمَاءِ وَهُوَ مُنْتَصَفُهَا جَاءَهُمَا جِبْرِيلُ فَأَخَذَ بِقُرُونِهِمَا فَرَدَّهُمَا إِلَى الْمَغْرِبِ فَلَا يُغْرِبُهُمَا فِي مَغَارِبِهِمَا أَيْ مَغَارِبِ طُلُوعِهِمَا ذَلِكَ الْيَوْمَ وَهِيَ جِهَةُ الْمَشْرِقِ وَلَكِنْ يُغْرِبُهُمَا فِي مَغَارِبِهِمَا اللَّذَيْنِ فِي بَابِ التَّوْبَةِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ بَابَ التَّوْبَةِ فَهُوَ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ لَهُ مِصْرَاعَانِ مِنْ ذَهَبٍ مُكَلَّلَانِ بِالدُّرِّ وَالْجَوْهَرِ مَا بَيْنَ الْمِصْرَاعِ إِلَى الْمِصْرَاعِ مَسِيرَةُ أَرْبَعِينَ عَامًا لِلرَّاكِبِ الْمُسْرِعِ، فَذَلِكَ الْبَابُ مَفْتُوحٌ مُنْذُ خَلَقَ اللَّهُ خَلْقَهُ إِلَى صَبِيحَةِ تِلْكَ اللَّيْلَةِ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ مِنْ مَغَارِبِهِمَا، وَلَمْ يَتُبْ عَبْدٌ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا مِنْ لَدُنْ آدَمَ إِلَى ذَلِكَ الْيَوْمِ إِلَّا وَلَجَتْ تِلْكَ التَّوْبَةُ فِي ذَلِكَ الْبَابِ ثُمَّ تُرْفَعُ إِلَى اللَّهِ - فَيُغْرِبُهُمَا جِبْرِيلُ فِي ذَلِكَ ثُمَّ يَرُدُّ الْمِصْرَاعَيْنِ فَيَلْتَئِمُ مَا بَيْنَهُمَا وَيَصِيرَانِ كَأَنَّهُمَا لَمْ يَكُنْ فِيهِمَا صَدْعٌ قَطُّ وَلَا خَلَلٌ فَإِذَا أُغْلِقَ بَابُ التَّوْبَةِ لَمْ يُقْبَلْ لِعَبْدٍ بَعْدَ ذَلِكَ تَوْبَةٌ وَلَمْ يَنْفَعْهُ حَسَنَةٌ يَعْمَلُهَا بَعْدَ ذَلِكَ إِلَّا مَا كَانَ يَجْرِي لَهُمَا قَبْلَ ذَلِكَ فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ [الأنعام: ١٥٨] الْآيَةَ. فَقَالَ: أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَكَيْفَ بِالشَّمْسِ وَالْقَمَرِ بَعْدَ ذَلِكَ؟ وَكَيْفَ بِالنَّاسِ وَالدُّنْيَا؟ قَالَ: إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ يُكْسَيَانِ بَعْدَ ذَلِكَ ضَوْءَ النُّورِ ثُمَّ يَطْلُعَانِ عَلَى النَّاسِ وَيَغْرُبَانِ كَمَا كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ، وَأَمَّا النَّاسُ فَإِنَّهُمْ حَيْثُ رَأَوْا
стр. 591
مَا رَأَوْا مِنْ تِلْكَ الْآيَةِ وَعِظَمِهَا يُلِحُّونَ عَلَى الدُّنْيَا فَيُعَمِّرُونَهَا وَيُجْرُونَ فِيهَا الْأَنْهَارَ وَيَغْرِسُونَ فِيهَا الْأَشْجَارَ وَيَبْنُونَ فِيهَا الْبُنْيَانَ، وَأَمَّا الدُّنْيَا فَلَوْ أَنْتَجَ رَجُلٌ مُهْرًا لَمْ يَرْكَبْهُ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ مِنْ لَدُنْ طُلُوعِ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا إِلَى يَوْمِ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ» . وَقَدْ ذَكَرَ نَحْوَ ذَلِكَ الْقُرْطُبِيُّ فِي تَذْكِرَتِهِ عَنِ الثَّعْلَبِيِّ وَغَيْرِهِ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
(تَنْبِيهَاتٌ)
(الْأَوَّلُ) قَدْ وَرَدَ عَنِ ابْنِ عَمْرٍو ﵄: يَمْكُثُ النَّاسُ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا عِشْرِينَ وَمِائَةَ سَنَةٍ.
وَرَوَى عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْهُ: يَبْقَى شِرَارُ النَّاسِ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا عِشْرِينَ وَمِائَةَ سَنَةٍ. وَأَخْرَجَ نُعَيْمٌ، عَنِ ابْنِ عَمْرٍو: لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَعْبُدَ الْعَرَبُ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُهَا عِشْرِينَ وَمِائَةَ سَنَةٍ بَعْدَ نُزُولِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَبَعْدَ الدَّجَّالِ.
وَرَوَى عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَلْتَقِيَ الشَّيْخَانِ الْكَبِيرَانِ فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا لِلْآخَرِ مَتَى وُلِدْتَ؟ فَيَقُولُ زَمَنَ طَلَعَتِ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا» .
وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: الْآيَاتُ كُلُّهَا فِي ثَمَانِيَةِ أَشْهُرٍ. وَعَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ: فِي سِتَّةِ أَشْهُرٍ. وَمَرَّ: لَوْ أَنَّ رَجُلًا نَتَجَ مُهْرًا لَمْ يَرْكَبْهُ حَتَّى يُنْفَخَ فِي الصُّورِ.
وَجَمَعَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي فَتْحِ الْبَارِي وَتَبِعَهُ السَّخَاوِيُّ فِي الْقَنَاعَةِ، وَالْبَرْزَنْجِيُّ فِي الْإِشَاعَةِ بِمَا حَاصِلُهُ أَنَّ الْمُدَّةَ كَمَا فِي الرِّوَايَاتِ الْأُولَى عِشْرُونَ وَمِائَةُ سَنَةٍ لَكِنَّهَا تَمُرُّ مَرًّا سَرِيعًا كَمِقْدَارِ عِشْرِينَ وَمِائَةِ شَهْرٍ كَمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا " «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَكُونَ السَّنَةُ كَالشَّهْرِ» " الْحَدِيثَ وَفِيهِ الْيَوْمُ كَالسَّاعَةِ.
وَعَلَى هَذَا يَكُونُ تَقَارُبُ الزَّمَانِ وَتَقَاصُرُ الْأَيَّامِ مَرَّتَيْنِ مَرَّةً زَمَنَ الدَّجَّالِ ثُمَّ تَرْجِعُ بَرَكَةُ الْأَرْضِ وَطُولُ الْأَيَّامِ إِلَى حَالِهَا، ثُمَّ تَتَنَاقَصُ بَعْدَ مَوْتِ سَيِّدِنَا عِيسَى ﵇ إِلَى أَنْ تَصِيرَ فِي آخِرِ الزَّمَانِ إِلَى مَا ذُكِرَ قُلْتُ: وَأَحْسَنُ مِنْ هَذَا مَا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ أَنَّ الْآيَاتِ عَلَى قِسْمَيْنِ قِسْمٌ يَدُلُّ عَلَى قُرْبِ السَّاعَةِ وَقِسْمٌ يَدُلُّ عَلَى حُصُولِهَا، وَأَنَّ مِنَ الْأَوَّلِ الدَّجَّالَ، وَنُزُولَ عِيسَى ﵇، وَخُرُوجَ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ، وَالْخُسُوفَ، وَمِنَ الثَّانِي
стр. 592
الدُّخَانَ، وَطُلُوعَ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَخُرُوجَ الدَّابَّةِ، وَالنَّارَ الَّتِي تَخْرُجُ مِنْ قَعْرِ عَدَنَ تَحْشُرُ النَّاسَ، فَيَكُونُ الْمُرَادُ بِالْمُدَّةِ الطَّوِيلَةِ بِاعْتِبَارِ الْأَوَّلِ وَالْقَصِيرَةِ بِاعْتِبَارِ الثَّانِي لَكِنْ يُعَكِّرُ عَلَيْهِ بِأَنَّ الْخَبَرَ نَاطِقٌ بِأَنَّ الْعِشْرِينَ وَمِائَةَ سَنَةً بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا وَلِهَذَا مَالَ الْكُورَانِيُّ إِلَى الْأَوَّلِ أَوْ أَنَّ خَبَرَ عِشْرِينَ وَمِائَةَ سَنَةٍ غَيْرُ صَحِيحٍ، وَاسْتَدَلَّ لِعَدَمِ صِحَّةِ ذَلِكَ مَعَ مَا مَرَّ بِقَوْلِ السَّخَاوِيِّ ثَبَتَ أَنَّ الْآيَاتِ الْعِظَامَ مِثْلَ السِّلْكِ إِذَا انْقَطَعَ تَنَاثَرَ الْخَرَزُ سُرْعَةً.
وَفِي مُرْسَلٍ لِأَبِي الْعَالِيَةِ أَنَّ «بَيْنَ أَوَّلِ الْآيَاتِ وَآخِرِهَا سِتَّةَ أَشْهُرٍ يَتَتَابَعْنَ كَتَتَابُعِ الْخَرَزَاتِ فِي النِّظَامِ» . وَتَقَدَّمَ قَرِيبًا. وَيَشْهَدُ لِتَوَالِيهَا، خَرَزَاتٌ مَنْظُومَاتٌ فِي سِلْكٍ إِذَا انْقَطَعَ السِّلْكُ تَبِعَ بَعْضُهَا بَعْضًا.
وَفِي رِوَايَةٍ «بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ عَشْرُ آيَاتٍ كَالنَّظْمِ فِي الْخَيْطِ إِذَا سَقَطَ مِنْهَا وَاحِدَةٌ تَوَالَتْ» .
(الثَّانِي)
فِي حَدِيثِ مُسْلِمٍ أَنَّ «أَوَّلَ الْآيَاتِ طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا» . وَقَدِ اسْتَشْكَلَ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَنْفَعِ الْكُفَّارَ إِيمَانُهُمْ بَعْدَ نُزُولِ عِيسَى ﵇ وَلَا الْفُسَّاقَ تَوْبَتُهُمْ لِانْغِلَاقِ بَابِ التَّوْبَةِ، وَقَدْ جَاءَ النَّصُّ بِأَنَّهُ يَنْفَعُهُمْ ذَلِكَ جَزْمًا وَإِلَّا لَمَا صَارَ الدِّينُ وَاحِدًا وَلَا كَانَ فِي نُزُولِهِ كَبِيرُ فَائِدَةٍ، وَقَدِ اضْطَرَبَ كَلَامُ الْعُلَمَاءِ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ وَالْمُفَسِّرِينَ فِي الْجَوَابِ عَنْ ذَلِكَ وَالْجَمْعِ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ، وَحَاصِلُ ذَلِكَ أَنَّهُ أُجِيبَ بِجَوَابَيْنِ أَحَدُهُمَا لِلْحَافِظِ الْبَيْهَقِيِّ قَالَ إِنْ كَانَ فِي عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى أَنَّ طُلُوعَ الشَّمْسِ سَابِقٌ احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ نَفْيَ قَبُولِ تَوْبَةِ الَّذِينَ شَاهَدُوا طُلُوعَ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا فَإِذَا انْقَرَضُوا وَتَطَاوَلَ الزَّمَنُ وَعَادَ بَعْضُهُمْ إِلَى الْكُفْرِ عَادَ تَكْلِيفُ الْإِيمَانِ بِالْغَيْبِ.
قَالَ وَإِنْ كَانَ فِي عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى أَنَّ طُلُوعَ الشَّمْسِ بَعْدَ نُزُولِ عِيسَى احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْآيَاتِ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَمْرٍو آيَاتٍ أُخَرَ غَيْرَ الدَّجَّالِ وَنُزُولِ عِيسَى - يَعْنِي وَخُرُوجِ الْمَهْدِيِّ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الشَّيْخُ مَرْعِيٌّ عَنِ الْأَخِيرِ هُوَ الْمُعْتَمَدُ لِمَا مَرَّ مِنْ أَنَّ بَابَ التَّوْبَةِ يُغْلَقُ مِنْ حِينِ طُلُوعِ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
الْجَوَابُ الثَّانِي: أَنَّ خُرُوجَ الدَّجَّالِ أَوَّلُ الْآيَاتِ الْعِظَامِ الْمُؤْذِنَةِ بِتَغَيُّرِ انْتِظَامِ الْأَحْوَالِ الْعَامَّةِ فِي مُعْظَمِ الْأَرْضِ وَيَنْتَهِي ذَلِكَ بِمَوْتِ سَيِّدِنَا عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ
стр. 593
عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَطُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا هُوَ أَوَّلُ الْآيَاتِ الْعِظَامِ الْمُؤْذِنَةِ بِتَغَيُّرِ انْتِظَامِ الْعَالَمِ الْعُلْوِيِّ وَيَنْتَهِي ذَلِكَ بِقِيَامِ السَّاعَةِ، وَأَمَّا خُرُوجُ الدَّابَّةِ فَإِنَّهُ يَقَعُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ الَّذِي تَطْلُعُ فِيهِ الشَّمْسُ مِنَ الْمَغْرِبِ.
قَالَ الْحَاكِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ طُلُوعَ الشَّمْسِ يَسْبِقُ خُرُوجَ الدَّابَّةِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ أَوِ الَّذِي يَقْرُبُ مِنْهُ وَالْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ أَنَّ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ مِنَ الْمَغْرِبِ يُغْلَقُ بَابُ التَّوْبَةِ فَتَخْرُجُ الدَّابَّةُ تُمَيِّزُ الْمُؤْمِنَ مِنَ الْكَافِرِ تَكْمِيلًا لِلْمَقْصُودِ مِنْ إِغْلَاقِ بَابِ التَّوْبَةِ. قَالَ الْعَلَّامَةُ الشَّيْخُ مَرْعِيٌّ وَهَذَا كَلَامٌ فِي غَايَةِ التَّحْقِيقِ.
قَالَ بَعْضُهُمْ وَالْحِكْمَةُ فِي طُلُوعِ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا أَنَّ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلَ ﵊ لَمَّا قَالَ لِلنُّمْرُودِ ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ [البقرة: ٢٥٨] وَأَنَّ السَّحَرَةَ وَالْمُنَجِّمِينَ عَنْ آخِرِهِمْ يُنْكِرُونَ ذَلِكَ وَيَقُولُونَ هُوَ غَيْرُ كَائِنٍ - أَطْلَعَهَا اللَّهُ تَعَالَى يَوْمًا مِنَ الْمَغْرِبِ لِيُرِيَ الْمُنْكِرِينَ عَظِيمَ قُدْرَتِهِ وَبَاهِرَ حِكْمَتِهِ وَأَنَّ الشَّمْسَ فِي مُلْكِهِ إِنْ شَاءَ أَطْلَعَهَا مِنَ الْمَشْرِقِ أَوِ الْمَغْرِبِ أَوْ لَا وَلَا.
وَقَالَ الْحَلِيمِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ: أَوَّلُ الْآيَاتِ الدَّجَّالُ ثُمَّ نُزُولُ عِيسَى ﵇ ثُمَّ طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا.
(قُلْتُ) وَالَّذِي يَظْهَرُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ أَوَّلَ الْآيَاتِ خُرُوجُ الْمَهْدِيِّ، ثُمَّ الدَّجَّالُ، ثُمَّ نُزُولُ عِيسَى، ثُمَّ خُرُوجُ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ، ثُمَّ هَدْمُ الْكَعْبَةِ، ثُمَّ الدُّخَانُ، ثُمَّ ارْتِفَاعُ الْقُرْآنِ، ثُمَّ طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا. وَيُحْتَمَلُ أَنَّ طُلُوعَ الشَّمْسِ مُتَقَدِّمٌ عَلَى رَفْعِ الْقُرْآنِ وَخُرُوجَ الدَّابَّةِ عَقِبَ طُلُوعِ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا فِي يَوْمِهَا أَوْ قَرِيبًا مِنْهَا. وَهَذَا هُوَ النَّسَقُ الَّذِي مَشَيْنَا عَلَيْهِ وَاخْتَرْنَاهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا خُرُوجُ السُّفْيَانِيِّ فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ قَبْلَ خُرُوجِ الْمَهْدِيِّ إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يُعَدَّ خُرُوجُهُ آيَةً وَإِنَّمَا هُوَ عَلَامَةٌ لِخُرُوجِ الْمَهْدِيِّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(التَّنْبِيهُ الثَّالِثُ)
قَدْ وَرَدَ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ ﵁ عِنْدَ ابْنِ مَرْدَوَيْهِ وَغَيْرِهِ أَنَّ الدَّوَاوِينَ تُطْوَى وَالْأَقْلَامَ تَجِفُّ وَلَا يُزَادُ فِي حَسَنَةٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ سَيِّئَةٍ.
وَفِي كَلَامِ بَعْضِهِمْ وَلَا يُكْتَبُ عَمَلٌ بَعْدَ ذَلِكَ وَأَنَّهُمْ إِذَا عَمِلُوا عَمَلًا فَأَجْسَامُهُمْ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ كَمَا وَرَدَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂: إِذَا خَرَجَتْ أَوَّلُ الْآيَاتِ تَعْنِي طُلُوعَ الشَّمْسِ مِنَ الْمَغْرِبِ طُرِحَتِ الْأَقْلَامُ وَطُوِيَتِ الصُّحُفُ وَخَلُصَتِ
стр. 594
الْحَفَظَةُ وَشَهِدَتِ الْأَجْسَادُ عَلَى الْأَعْمَالِ. رَوَاهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَالطَّبَرِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ.
وَعِنْدَ نُعَيْمِ بْنِ حَمَّادٍ عَنِ ابْنِ حَمَّادٍ عَنِ ابْنِ عَمْرٍو فَيُنَادِيهِمْ مُنَادٍ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ قُبِلَ مِنْكُمْ، وَيَا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا قَدْ أُغْلِقَ عَنْكُمْ بَابُ التَّوْبَةِ وَجَفَّتِ الْأَقْلَامُ وَطُوِيَتِ الصُّحُفُ.
وَرُوِيَ مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ شُرَيْحٍ وَكَثِيرِ بْنِ مُرَّةَ: إِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ مِنَ الْمَغْرِبِ يُطْبَعُ عَلَى الْقُلُوبِ بِمَا فِيهَا وَتُرْفَعُ الْحَفَظَةُ وَتُؤْمَرُ الْمَلَائِكَةُ أَنْ لَا يَكْتُبُوا عَمَلًا.
وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ الْآيَةُ الَّتِي تُخْتَمُ الْأَعْمَالُ بِهَا طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا.
فَهَذِهِ آثَارٌ يَشُدُّ بَعْضُهَا بَعْضًا مُتَّفِقَةٌ عَلَى أَنَّهُ إِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ مِنَ الْمَغْرِبِ أُغْلِقَ بَابُ التَّوْبَةِ وَلَمْ يُفْتَحْ بَعْدَ ذَلِكَ وَلَا يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِيَوْمِ طُلُوعِهَا بَلْ يَمْتَدُّ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ خِلَافًا لِمَنْ زَعَمَ مِنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ يَمْتَنِعُ قَبُولُ الْإِيمَانِ وَالتَّوْبَةِ وَقْتَ طُلُوعِ الشَّمْسِ مِنَ الْمَغْرِبِ أَيْ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ، قَالُوا وَأَمَّا مَنْ تَابَ بَعْدَ ذَلِكَ أَوْ أَسْلَمَ قُبِلَ ذَلِكَ مِنْهُ.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي فَتْحِ الْبَارِي مَا مُلَخَّصُهُ: الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ الْأَحَادِيثُ الثَّابِتَةُ الصِّحَاحُ وَالْحِسَانُ أَنَّ قَبُولَ التَّوْبَةِ مُغَيًّا بِطُلُوعِ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَمَفْهُومُهَا أَنَّهَا بَعْدَ ذَلِكَ لَا تُقْبَلُ بَلْ قَدْ جَاءَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ التَّصْرِيحُ بِعَدَمِ الْقَبُولِ كَمَا عِنْدَ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، وَالطَّبَرَيِّ، وَالطَّبَرَانِيِّ، عَنْ مَالِكِ بْنِ يُخَامِرَ، وَمُعَاوِيَةَ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو. رَفَعُوهُ: «لَا تَزَالُ التَّوْبَةُ مَقْبُولَةً حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا فَإِذَا طَلَعَتْ طُبِعَ عَلَى كُلِّ قَلْبٍ بِمَا فِيهِ وَكُفِيَ النَّاسُ الْعَمَلَ» .
وَقَدْ مَرَّ مِنَ الْأَخْبَارِ وَالْآثَارِ مَا يُفِيدُ ذَلِكَ إِفَادَةً صَرِيحَةً لَا تَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ مَا يَأْتِي مِنْ أَنَّ إِبْلِيسَ يَخِرُّ سَاجِدًا وَأَنَّ الدَّابَّةَ تَقْتُلُهُ فَإِنَّهُ لَا يَمُوتُ إِلَّا عِنْدَ الْفَرَاغِ مِنَ الْعَمَلِ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
[الْعَلَامَةُ التاسعة دَابَّةِ الْأَرْضِ]
((الْعَلَامَةُ التَّاسِعَةُ))
خُرُوجُ دَابَّةِ الْأَرْضِ وَإِلَيْهَا أَشَارَ بِقَوْلِهِ:
((كَذَاتِ أَجْيَادٍ عَلَى الْمَشْهُورِ))
((كَذَاتِ)) أَيْ صَاحِبَةِ ((أَجْيَادٍ)) وَأَجْيَادٌ كَمَا فِي الْقَامُوسِ اسْمُ أَرْضٍ بِمَكَّةَ أَوْ جَبَلٍ بِهَا، قَالَ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِكَوْنِهِ مَوْضِعَ خَيْلِ تُبَّعٍ. انْتَهَى.
قُلْتُ وَفِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّ تَسْمِيَتَهُ بِأَجْيَادٍ مُتَقَدِّمَةٌ عَلَى تُبَّعٍ وَخَيْلِهِ فَفِي تَفْسِيرِ الْقُرْطُبِيِّ
стр. 595
وَرَوَاهُ الْحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ لَمَّا أَذِنَ اللَّهُ لِإِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ بِرَفْعِ الْقَوَاعِدِ مِنَ الْبَيْتِ قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ اسْمُهُ، إِنِّي مُعْطِيكُمَا كَنْزًا ادَّخَرْتُهُ لَكُمَا ثُمَّ أَوْحَى إِلَى إِسْمَاعِيلَ أَنِ اخْرُجْ إِلَى أَجْيَادٍ فَادْعُ يَأْتِكَ الْكَنْزُ فَخَرَجَ إِلَى أَجْيَادٍ وَلَا يَدْرِي مَا الدُّعَاءُ وَلَا الْكَنْزُ فَأَلْهَمَهُ اللَّهُ الدُّعَاءَ فَلَمْ يَبْقَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ فَرَسٌ إِلَّا جَاءَتْهُ وَأَمْكَنَتْهُ مِنْ نَاصِيَتِهَا وَذَلَّلَهَا لَهُ.
وَفِي حَيَاةِ الْحَيَوَانِ لِلدَّمِيرِيِّ أَوَّلُ مَنْ رَكِبَ الْخَيْلَ إِسْمَاعِيلُ ﵇ وَلِذَلِكَ سُمَّيَتِ الْعِرَابَ وَكَانَتْ قَبْلَ ذَلِكَ وَحْشًا كَسَائِرِ الْوُحُوشِ فَلَمَّا أَذِنَ اللَّهُ تَعَالَى إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ ﵉ بِرَفْعِ الْقَوَاعِدِ مِنَ الْبَيْتِ قَالَ اللَّهُ : إِنِّي مُعْطِيكُمَا كَنْزًا ادَّخَرْتُهُ لَكُمَا، ثُمَّ أَوْحَى اللَّهُ إِلَى إِسْمَاعِيلَ - الْحَدِيثَ - وَفِيهِ: وَلِذَلِكَ قَالَ نَبِيُّنَا ﷺ " «ارْكَبُوا الْخَيْلَ فَإِنَّهَا مِيرَاثُ أَبِيكُمْ إِسْمَاعِيلَ» ".
قُلْتُ وَلَعَلَّ تَسْمِيَةَ الْمَحَلِّ الْمَذْكُورِ لِمَجِيءِ الْخَيْلِ الْجِيَادِ إِلَيْهِ مُجِيبَةً سَيِّدَنَا إِسْمَاعِيلَ ﵇ وَيُقَالُ لَهُ جِيَادٌ أَيْضًا بِغَيْرِ أَلْفٍ قَبْلَ الْجِيمِ وَقَوْلُهُ ((عَلَى)) الْقَوْلِ ((الْمَشْهُورِ)) مِنْ إِضَافَتِهَا إِلَى أَجْيَادٍ لِكَوْنِهَا تَخَرُجَ مِنْهُ فَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ مَرْفُوعًا " «تَخْرُجُ دَابَّةُ الْأَرْضِ مِنْ أَجْيَادٍ فَيَبْلُغُ صَدْرُهَا الرُّكْنَ الْيَمَانِيَّ وَلَمْ يَخْرُجْ ذَنَبُهَا بَعْدُ وَهِيَ دَابَّةٌ ذَاتُ قَوَائِمَ» ".
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَيْضًا أَنَّهُ أَرَاهُ النَّبِيُّ ﷺ الْمَكَانَ الَّذِي تَخْرُجُ مِنْهُ الدَّابَّةُ.
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَيْضًا ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ " «بِئْسَ الشِّعْبُ شِعْبُ أَجْيَادٍ» " قَالَهَا مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا قَالُوا وَمَا ذَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ " «تَخْرُجُ مِنْهُ الدَّابَّةُ فَتَصْرُخُ ثَلَاثَ صَرَخَاتٍ فَيَسْمَعُهَا مَنْ فِي الْخَافِقَيْنِ» " رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ.
وَفِي حَدِيثِ بُرَيْدَةَ ﵁ قَالَ ذَهَبَ بِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى مَوْضِعٍ بِالْبَادِيَةِ قَرِيبٍ مِنْ مَكَّةَ فَإِذَا بِأَرْضٍ يَابِسَةٍ حَوْلَهَا رَمْلٌ فَقَالَ ﷺ : " «تَخْرُجُ الدَّابَّةُ مِنْ هَذَا الْمَوْضِعِ» ".
وَالْحَاصِلُ أَنَّ فِي الْمَحَلِّ الَّذِي تَخْرُجُ مِنْهُ الدَّابَّةُ أَقْوَالًا مِنْ أَشْهَرِهَا أَجْيَادٌ كَمَا أَشَرْنَا إِلَيْهِ. قَالَ الْحَافِظُ السَّخَاوِيُّ فِي الْقَنَاعَةِ: وَخُرُوجُهَا فِي آخِرِ الزَّمَانِ مِنْ مَكَّةَ إِمَّا مِنْ صَدْعِ الصَّفَا وَبِهِ جَزَمَ غَيْرُ وَاحِدٍ أَوْ مِنَ الْمَرْوَةِ أَوْ مِنْ شِعْبِ أَجْيَادٍ أَوْ مِنْ بَعْضِ أَوْدِيَةِ تِهَامَةَ أَوْ مِنْ وَرَاءِ مَكَّةَ أَوْ مِنْ مَدِينَةِ قَوْمِ لُوطٍ. انْتَهَى.
стр. 596
وَقِيلَ بَلْ أَوَّلُ خُرُوجِهَا مِنْ أَقْصَى الْيَمَنِ، وَهَذَا أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ أَبِي سَرِيحَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: " «يَكُونُ لِلدَّابَّةِ ثَلَاثُ خَرَجَاتٍ فِي الدَّهْرِ تَخْرُجُ فِي أَوَّلِ خَرْجَةٍ فِي أَقْصَى الْيَمَنِ مُنْتَشِرًا ذِكْرُهَا بِالْبَادِيَةِ وَلَا يَدْخُلُ ذِكْرُهَا الْقَرْيَةَ - يَعْنِي مَكَّةَ - ثُمَّ تَمْكُثُ زَمَانًا طَوِيلًا تَخْرُجُ خَرْجَةً أُخْرَى دُونَ تِلْكَ فَيَعْلُو ذِكْرُهَا فِي أَهْلِ الْبَادِيَةِ وَيَدْخُلُ ذِكْرُهَا الْقَرْيَةَ، ثُمَّ بَيْنَمَا النَّاسُ فِي أَعْظَمِ الْمَسَاجِدِ حُرْمَةً وَأَحَبِّهَا إِلَى اللَّهِ وَأَكْرَمِهَا عَلَى اللَّهِ - يَعْنِي الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ - لَمْ يَرُعْهُمْ إِلَّا وَهِيَ فِي نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ مِنَ الرُّكْنِ الْأَسْوَدِ وَبَابِ بَنِي مَخْزُومٍ فَيَرْفُضُ النَّاسُ عَنْهَا وَتَثْبُتُ عِصَابَةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ عَرَفُوا أَنَّهُمْ لَنْ يُعْجِزُوا اللَّهَ فَتَنْفُضُ عَنْ رَأْسِهَا التُّرَابَ فَتَجْلُوا عَنْ وُجُوهِهِمْ حَتَّى كَأَنَّهُمُ الْكَوَاكِبُ الدُّرِّيَّةُ» - الْحَدِيثَ.
وَقَدْ جَمَعَ بَعْضُهُمْ بَيْنَ الرِّوَايَاتِ بِأَنَّ لِلدَّابَّةِ ثَلَاثُ خُرُجَاتٍ فَفِي بَعْضِ خُرُجَاتِهَا تَخْرُجُ فِي مَدِينَةِ قَوْمِ لُوطٍ وَيَصْدُقُ عَلَيْهَا أَنَّهَا مِنْ أَقْصَى الْبَادِيَةِ، وَفِي بَعْضِهَا تَخْرُجُ مِنْ بَعْضِ أَوْدِيَةِ تِهَامَةَ وَيَصْدُقُ عَلَيْهَا أَنَّهَا مِنْ وَرَاءِ مَكَّةَ وَأَنَّهَا مِنَ الْيَمَنِ لِأَنَّ الْحِجَازَ يَمَانِيَةٌ وَمِنْ ثَمَّ قِيلَ الْكَعْبَةُ يَمَانِيَةٌ، وَالْمَرَّةُ الثَّالِثَةُ تَخْرُجُ مِنْ مَكَّةَ وَهِيَ مِنْ كِبَرِهَا وَعِظَمِ جُثَّتِهَا وَطُولِهَا يُمْكِنُ أَنْ تَخْرُجَ مِنْ بَيْنِ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَأَجْيَادٍ فَإِنَّهَا تَمْتَدُّ مِقْدَارَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَأَكْثَرَ وَحِينَئِذٍ يَصْدُقُ عَلَيْهَا أَنَّهَا خَرَجَتْ مِنَ الْمَرْوَةِ وَمِنَ الصَّفَا وَمِنْ أَجْيَادٍ وَمِنَ الْمَسْجِدِ وَمِنَ الْبَادِيَةِ الَّتِي بِقُرْبِ مَكَّةَ كَمَا فِي حَدِيثِ بُرَيْدَةَ.
وَجَمَعَ بَعْضُهُمْ أَيْضًا بِوَجْهٍ آخَرَ وَهُوَ أَنَّهَا تَخْرُجُ مِنْ جَمِيعِ تِلْكَ الْأَمَاكِنِ فِي آنٍ وَاحِدٍ خَرْقًا لِلْعَادَةِ فِي صُوَرٍ مُتَبَايِنَةٍ عَلَى أَنَّهُ وَرَدَ فِي رِوَايَةٍ كَمَا فِي حَيَاةِ الْحَيَوَانِ أَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ كُلِّ بَلَدٍ دَابَّةٌ مِمَّا هُوَ مَبْثُوثٌ نَوْعُهَا فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَتْ بِوَاحِدَةٍ فَيَكُونُ قَوْلُهُ دَابَّةٌ اسْمُ جِنْسٍ.
وَذَكَرَ الْكُورَانِيُّ أَنَّهُ حَيْثُ وَرَدَ فِي الْمَرْفُوعِ، لَهَا ثَلَاثُ خُرُجَاتٍ مِنْ ثَلَاثِ مَحَلَّاتٍ، وَمِنَ الْمَذْكُورِ فِي الْأُصُولِ أَنَّ الْعَدَدَ لَا مَفْهُومَ لَهُ وَمِنْ ثَمَّ قَالَ أَهْلُ الْأُصُولِ: وَالتَّخْصِيصُ بِالْعَدَدِ لَا يَدُلُّ عَلَى الزَّائِدِ وَالنَّاقِصِ، فَجَازَ أَنْ يَكُونَ لَهَا أَكْثَرُ مِنْ ثَلَاثِ خُرُجَاتٍ كُلُّ خَرْجَةٍ مِنْ مَحَلٍّ فَيَصِحُّ خُرُوجُهَا مِنْ كُلِّ مَحَلٍّ ذَكَرُوهُ، وَكَذَلِكَ الِاخْتِلَافُ فِي طُولِهَا وَغَيْرِهِ فَإِنَّ الْأَقَلَّ لَا يُنَافِي الْأَكْثَرَ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْعَدَدَ لَا مَفْهُومَ لَهُ. انْتَهَى.
وَوَرَدَ أَنَّ خُرُوجَهَا لَيْلَةَ جَمْعٍ
стр. 597
وَالنَّاسُ سَائِرُونَ إِلَى مِنًى فَيَتَصَدَّعُ الصَّفَا فَتَخْرُجُ مِنْهُ، وَقِيلَ تَخْرُجُ مِنَ الْحِجْرِ، وَقِيلَ مِنْ أَرْضِ الطَّائِفِ، وَمَعَهَا عَصَا مُوسَى وَخَاتَمُ سُلَيْمَانَ ﵉ لَا يُدْرِكُهَا طَالِبٌ وَلَا يُعْجِزُهَا هَارِبٌ.
إِذَا عَلِمْتَ ذَلِكَ فَخُرُوجُ الدَّابَّةِ الْمَذْكُورَةِ ثَابِتٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ﴾ [النمل: ٨٢] وَأَمَّا السُّنَّةُ فَكَثِيرَةٌ مِنْهَا مَا فِي حَدِيثِ حُذَيْفَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ " «دَابَّةُ الْأَرْضِ طُولُهَا سِتُّونَ ذِرَاعًا لَا يُدْرِكُهَا طَالِبٌ وَلَا يَفُوتُهَا هَارِبٌ» " وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ مَرْفُوعًا " «تَخْرُجُ دَابَّةُ الْأَرْضِ مِنْ أَجْيَادٍ فَيَبْلُغُ صَدْرُهَا الرُّكْنَ الْيَمَانِيَّ وَلَمْ يَخْرُجْ ذَنَبُهَا بَعْدُ وَهِيَ دَابَّةٌ ذَاتُ قَوَائِمَ» ".
وَفِي حَدِيثِ حُذَيْفَةَ يَرْفَعُهُ " «أَوَّلُ مَا يَبْدُو مِنْهَا رَأْسُهَا مُعَلَّمَةً ذَاتِ وَبَرٍ وَرِيشٍ» ". وَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٌّ ﵁ تَخْرُجُ ثَلَاثَةَ أَيَّامِ وَالنَّاسُ يَنْظُرُونَ فَلَا يَخْرُجُ إِلَّا ثُلُثُهَا.
وَرُوِيَ فَلَا يَخْرُجُ إِلَّا رَأْسُهَا فَيَبْلُغُ عَنَانَ السَّمَاءِ وَتَبْلُغُ السَّحَابَ. وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ فِيهَا مِنْ كُلِّ لَوْنٍ وَمَا بَيْنَ قَرْنَيْهَا فَرَسَخٌ لِلرَّاكِبِ.
وَقَالَ وَهْبٌ: وَجْهُهَا وَجْهُ رَجُلٍ وَسَائِرُ خَلْقِهَا كَخَلْقِ الطَّيْرِ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: رَأْسُهَا رَأْسُ الثَّوْرِ، وَعَيْنُهَا عَيْنُ خِنْزِيرٍ، وَأُذُنُهَا أُذُنُ فِيلٍ، وَقَرْنُهَا قَرْنُ إِبِلٍ، وَعُنُقُهَا عُنُقُ نَعَامَةِ، وَصَدْرُهَا صَدْرُ أَسَدٍ، وَلَوْنُهَا لَوْنُ نَمِرٍ، وَخَاصِرَتُهَا خَاصِرَةُ هِرٍّ، وَذَنَبُهَا ذَنَبُ تَيْسٍ، وَقَوَائِمُهَا قَوَائِمُ بَعِيرٍ، بَيْنَ كُلِّ مَفْصِلَيْنِ اثْنَيْ عَشَرَ ذِرَاعًا بِذِرَاعِ آدَمَ ﵇.
وَقَالَ كَعْبٌ: صَوْتُهَا صَوْتُ حِمَارٍ. وَأَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «تَخْرُجُ الدَّابَّةُ وَمَعَهَا خَاتَمُ سُلَيْمَانَ، وَعَصَا مُوسَى فَتَجْلُو وَجْهَ الْمُؤْمِنِ بِالْعَصَا، وَتَخْطِمُ أَنْفَ الْكَافِرِ بِالْخَاتَمِ حَتَّى إِنَّ أَهْلَ الْخِوَانِ لَيَجْتَمِعُونَ فَيَقُولُ هَذَا: يَا مُؤْمِنُ وَيَقُولُ هَذَا: يَا كَافِرُ» ".
وَأَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ ﵁ مَرْفُوعًا " «تَخْرُجُ الدَّابَّةُ فَتَسِمُ النَّاسَ عَلَى خَرَاطِيمِهِمْ ثُمَّ يُعَمِّرُونَ فِيكُمْ ثُمَّ يَشْتَرِي الرَّجُلُ الدَّابَّةَ فَيَقُولُ مِمَّنِ اشْتَرَيْتَ فَيَقُولُ مِنَ الرَّجُلِ الْمُخَطَّمِ» ".
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ إِنَّ لَهَا عُنُقًا مُشْرِفًا أَيْ طَوِيلًا
стр. 598
يَرَاهَا مَنْ بِالْمَشْرِقِ كَمَا يَرَاهَا مَنْ بِالْمَغْرِبِ، وَلَهَا وَجْهٌ كَوَجْهِ الْإِنْسَانِ، وَمِنْقَارٌ كَمِنْقَارِ الطَّيْرِ، ذَاتُ وَبَرٍ وَزَغَبٍ.
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّهَا ذَاتُ زَغَبٍ وَرِيشٍ فِيهَا مِنْ أَلْوَانِ الدَّوَابِّ كُلِّهَا وَلَهَا مِنْ كُلِّ أُمَّةِ سِيمَةٌ وَسِيمَاهَا مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ أَنَّهَا تُكَلِّمُ النَّاسَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ وَتُكَلِّمُهُمْ بِكَلَامِهِمْ.
(قَوْلُهُ) ذَاتُ زَغَبٍ أَيْ عَلَيْهَا زَغَبٌ وَهُوَ صِغَارُ الرِّيشِ أَوَّلُ مَا يَطْلُعُ كَمَا فِي النِّهَايَةِ، وَالْأَيِّلُ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ التَّحْتِيَّةِ مُشَدَّدَةً وَبِضَمِّ وَبِفَتْحِ (الْوَاوِ وَكَسْرِ) الْعَيْنِ وَهُوَ تَيْسُ الْجَبَلِ وَالسِّيمَةُ الْعَلَامَةُ.
وَعَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ إِنَّ نَاسًا يَزْعُمُونَ أَنَّكَ دَابَّةُ الْأَرْضِ فَقَالَ: وَاللَّهِ إِنَّ لِدَابَّةِ الْأَرْضِ رِيشًا وَزَغَبًا وَمَا لِي رِيشٌ وَلَا زَغَبٌ، وَإِنَّ لَهَا حَافِرًا وَإِنَّهَا لَتَخْرُجُ حَضَرَ الْفَرَسِ الْجَوَادِ ثَلَاثًا وَمَا خَرَجَ ثُلُثَاهَا.
وَفِي الْمِيزَانِ لِلْحَافِظِ الذَّهَبِيِّ عَنْ جَابِرٍ الْجُعْفِيِّ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: دَابَّةُ الْأَرْضِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ.
قَالَ الذَّهَبِيُّ وَكَانَ جَابِرٌ الْجُعْفِيُّ شِيعِيًّا يَرَى الرُّجْعَةَ - أَيْ أَنَّ عَلِيًّا يَرْجِعُ إِلَى الدُّنْيَا.
قَالَ الْإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ مَا لَقِيتُ أَحَدًا أَكْذَبَ مِنْ جَابِرٍ الْجُعْفِيِّ وَلَا أَفْضَلَ مِنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: أَخْبَرَنِي سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، قَالَ كُنَّا فِي مَنْزِلِ جَابِرٍ الْجُعْفِيِّ فَتَكَلَّمَ بِشَيْءٍ فَنَزَلْنَا خَوْفًا أَنْ يَقَعَ عَلَيْنَا السَّقْفُ.
وَمَعَ ذَلِكَ رَوَى لَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ وَمَاتَ سَنَةَ سِتٍّ وَسِتِّينَ وَمِائَةٍ عَفَا اللَّهُ عَنْهُ.
وَقَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي جَامِعِ الْأُصُولِ: جَابِرُ بْنُ يَزِيدَ الْجُعْفِيُّ وَيُقَالُ أَبُو مُحَمَّدٍ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ مَشْهُورٌ، وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَبَأٍ، وَكَانَ يَقُولُ إِنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ يَرْجِعُ إِلَى الدُّنْيَا - وَذَكَرَ مَا قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ ﵁ فِيهِ - قَالَ: وَمَاتَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ.
وَقَالَ الْحَافِظُ الْمُنْذِرِيُّ فِي آخِرِ كِتَابِهِ (التَّرْغِيبُ وَالتَّرْهِيبُ) : جَابِرُ بْنُ يَزِيدَ الْجُعْفِيُّ الْكُوفِيُّ عَالِمُ الشِّيعَةِ تَرَكَ يَحْيَى الْقَطَّانُ حَدِيثَهُ، وَقَالَ النَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُ: مَتْرُوكٌ، وَوَثَّقَهُ شُعْبَةُ، وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَقَالَ وَكِيعٌ: مَا شَكَكْتُمْ فِي شَيْءٍ فَلَا تَشُكُّوا أَنَّ جَابِرَ الْجُعْفِيَّ ثِقَةٌ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ الْعُلَمَاءُ رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى كَمَا فِي الْأَحَادِيثِ أَنَّ مَعَ الدَّابَّةِ عَصَا مُوسَى
стр. 599
وَخَاتَمُ سُلَيْمَانَ ﵉ وَتُنَادِي بِأَعْلَى صَوْتِهَا ﴿أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ﴾ [النمل: ٨٢] وَتَسِمُ النَّاسَ الْمُؤْمِنَ وَالْكَافِرَ فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ فَيُرَى وَجْهُهُ كَأَنَّهُ كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ وَيُكْتَبُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ مُؤْمِنٌ، وَأَمَّا الْكَافِرُ فَتُنْكَتُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ وَيُكْتَبُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ كَافِرٌ، فَلَا يَبْقَى مُؤْمِنٌ إِلَّا نُكِتَ فِي مَسْجِدِهِ بِعَصَا مُوسَى نُكْتَةً بَيْضَاءَ فَتَفْشُو تِلْكَ النُّكْتَةُ حَتَّى يَبْيَضَّ لَهَا وَجْهُهُ، وَلَا يَبْقَى كَافِرٌ إِلَّا نُكِتَ فِي وَجْهِهِ نُكْتَةً سَوْدَاءَ بِخَاتَمِ سُلَيْمَانَ فَتَفْشُو تِلْكَ النُّكْتَةُ حَتَّى يَسْوَدَّ لَهَا وَجْهُهُ.
وَفِي رِوَايَةٍ «فَتَلْقَى الْمُؤْمِنَ فَتَسِمُهُ فِي وَجْهِهِ نُكْتَةً فَيَبْيَضُّ لَهَا وَجْهُهُ، وَتَسِمُ الْكَافِرَ نُكْتَةً يَسْوَدُّ لَهَا وَجْهُهُ» .
وَفِي أُخْرَى فَتَجْلُو وَجْهَ الْمُؤْمِنِ بِالْعَصَا وَتَخْطِمُ أَنْفَ الْكَافِرِ بِالْخَاتَمِ حَتَّى أَهْلُ الْخِوَانِ لَيَجْتَمِعُونَ فَيَقُولُونَ لِهَذَا: يَا مُؤْمِنُ، وَلِهَذَا: يَا كَافِرُ، وَيَتَعَوَّذُ بَعْضُ النَّاسِ مِنْهَا بِالصَّلَاةِ فَتَأْتِيهِ مِنْ خَلْفِهِ فَتَقُولُ: يَا فُلَانُ، الْآنَ تُصَلِّي فَيُقْبِلُ عَلَيْهَا فَتَسِمُهُ فِي وَجْهِهِ ثُمَّ تَنْطَلِقُ، وَيَشْتَرِكُ النَّاسُ فِي الْأَمْوَالِ وَيَصْطَحِبُونَ فِي الْأَمْصَارِ يَعْرِفُ الْمُؤْمِنُ الْكَافِرَ وَبِالْعَكْسِ حَتَّى إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَيَقُولُ لِلْكَافِرِ يَا كَافِرُ اقْضِ حَقِّي، وَتَسْتَقْبِلُ الْمَشْرِقَ فَتَصْرُخُ صَرْخَةً تَنْفُذُهَا، ثُمَّ تَسْتَقْبِلُ الشَّامَ فَتَصْرُخُ صَرْخَةً تَنْفُذُهَا، ثُمَّ الْمَغْرِبَ وَالْيَمَنَ كَذَلِكَ.
وَأَخْرَجَ نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ فِي الْفِتَنِ، وَالْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁، قَالَ: لَا يَلْبَثُونَ - يَعْنِي النَّاسَ - بَعْدَ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَجَفَّتِ الْأَقْلَامُ وَطُوِيَتِ الصُّحُفُ وَلَا يُقْبَلُ لِأَحَدٍ تَوْبَةٌ، وَيَخِرُّ إِبْلِيسُ سَاجِدًا يُنَادِي إِلَهِي مُرْنِي أَسْجُدُ لِمَنْ شِئْتَ، وَتَجْتَمِعُ إِلَيْهِ الشَّيَاطِينُ تَقُولُ يَا سَيِّدَنَا إِلَى مَنْ نَفْزَعُ فَيَقُولُ إِنَّمَا سَأَلْتُ رَبِّي أَنْ يُنْظِرَنِي إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَأَنْظَرَنِي إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ وَقَدْ طَلَعَتِ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا فَهَذَا يَوْمُ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ. وَتَصِيرُ الشَّيَاطِينُ ظَاهِرَةً فِي الْأَرْضِ حَتَّى يَقُولَ الرَّجُلُ هَذَا قَرِينِي الَّذِي كَانَ يُغْوِينِي فَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَخْزَاهُ. وَلَا يَزَالُ إِبْلِيسُ سَاجِدًا بَاكِيًا حَتَّى تَخْرُجَ الدَّابَّةُ فَتَقْتُلُهُ وَهُوَ سَاجِدٌ.
قَالَ الْعُلَمَاءُ فِي سُؤَالِ إِبْلِيسَ أَنْ يُنْظَرَ لِيَوْمِ الْبَعْثِ مَكْرٌ مِنْهُ وَخِدَاعٌ وَجَهْلٌ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ فَإِنَّهُ إِنَّمَا حَاوَلَ أَنْ لَا يَذُوقَ الْمَوْتَ لِأَنَّ يَوْمَ الْبَعْثِ لَيْسَ بِيَوْمِ مَوْتٍ وَإِنَّمَا هُوَ يَوْمُ بَعْثٍ وَنُشُورٍ وَإِحْيَاءٍ وَبَعْثَرَةٍ لِمَنْ فِي الْقُبُورِ فَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَكَيْفَ يُقْبَضُ إِذْ ذَاكَ إِبْلِيسُ أَوْ غَيْرُهُ وَإِنَّمَا ذَلِكَ يَوْمُ الْجَزَاءِ فَأَجَابَهُ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ بِأَنَّهُ مُنْظَرٌ إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ.
وَهَذَا أَصَحُّ مِنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ بِأَنَّ
стр. 600
إِبْلِيسَ إِنَّمَا يَذُوقُ الْمَوْتَ يَوْمَ الْحَشْرِ كَمَا ذَكَرَهُ الْكِسَائِيُّ فِي الْعَرَائِسِ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
(فَائِدَةٌ)
رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵄ أَنَّ الدَّابَّةَ هِيَ الْجَسَّاسَةُ الْمَذْكُورَةُ فِي قِصَّةِ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ ﵁.
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ إِنَّهَا الثُّعْبَانُ الَّذِي كَانَ فِي بِئْرِ الْكَعْبَةِ فَاخْتَطَفَتْهُ الْعُقَابُ حِينَ أَرَادَتْ قُرَيْشٌ بِنَاءَ الْبَيْتِ الْحَرَامِ وَأَنَّ الطَّائِرَ حِينَ اخْتَطَفَهَا أَلْقَاهَا بِالْحَجُونِ.
وَفِي التَّمْهِيدِ لِابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ أَنَّهُ رَمَى بِهَا فِي أَجْيَادٍ فَالْتَقَمَتْهَا الْأَرْضُ فَهِيَ الدَّابَّةُ الَّتِي تَخْرُجُ تُكَلِّمُ النَّاسَ وَتَخْرُجُ عِنْدَ الصَّفَا.
وَفِي حَيَاةِ الْحَيَوَانِ جَاءَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵄ إِنَّهَا أَيِ الْجَسَّاسَةَ دَابَّةُ الْأَرْضِ الْمَذْكُورَةُ فِي الْقُرْآنِ قَالَ وَهِيَ بِجَزِيرَةِ بَحْرِ الْقَلْزَمِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْعَلَامَةُ العاشرة خُرُوجُ النَّارِ]
(الْعَلَامَةُ الْعَاشِرَةُ)
خُرُوجُ النَّارِ الَّتِي تَخْرُجُ مِنْ قَعْرِ عَدَنَ تَحْشُرُ النَّاسَ إِلَى مَحْشَرِهِمْ وَإِلَيْهَا أَشَارَ بِقَوْلِهِ:
((وَآخِرُ الْآيَاتِ حَشْرُ النَّارِ ... كَمَا أَتَى فِي مُحْكَمِ الْأَخْبَارِ))
((وَآخِرُ الْآيَاتِ)) الْعِظَامِ وَالْعَلَامَاتِ الْجِسَامِ ((حَشْرُ النَّارِ)) لِلنَّاسِ مِنَ الْمَشْرِقِ إِلَى الْمَغْرِبِ وَمِنَ الْيَمَنِ إِلَى مُهَاجَرِ إِبْرَاهِيمَ ﵇ وَهُوَ أَرْضُ الشَّامِ ((كَمَا أَتَى)) ذَلِكَ مُصَرَّحًا بِهِ ((فِي مُحْكَمِ الْأَخْبَارِ)) وَفِي صَحِيحِ الْآثَارِ كَمَا سَتَقِفُ عَلَى جُمْلَةٍ مِنْ ذَلِكَ.
فَإِنْ قُلْتَ فِي قَوْلِكَ (وَآخِرُ الْآيَاتِ) مُصَادَمَةٌ لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ وَالْخَبَرِ الثَّابِتِ الصَّرِيحِ عَنْ سَيِّدِ الْبَشَرِ وَخُلَاصَةِ الْعَالَمِ وَأَصْدَقِ مَنْ أَخْبَرَ وَصَفْوَةِ بَنِي آدَمَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ فَقَدْ أَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، وَالْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ، وَالنَّسَائِيُّ فِي سُنَنِهِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (( «أَمَّا أَوَّلُ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ فَنَارٌ تَخْرُجُ مِنَ الْمَشْرِقِ فَتَحْشُرُ النَّاسَ إِلَى الْمَغْرِبِ» )) الْحَدِيثَ.
قُلْتُ تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ حُذَيْفَةَ بْنِ أُسَيْدٍ الْغِفَارِيِّ أَنَّهُ ﷺ ، قَالَ: " «لَنْ تَقُومَ السَّاعَةُ حَتَّى تُرَى قَبْلَهَا عَشْرُ آيَاتٍ» ، فَذَكَرَ الدُّخَانَ وَالدَّجَّالَ
следующие страницы →