Полный текст (921 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.
стр. 596
وَقِيلَ بَلْ أَوَّلُ خُرُوجِهَا مِنْ أَقْصَى الْيَمَنِ، وَهَذَا أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ أَبِي سَرِيحَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: " «يَكُونُ لِلدَّابَّةِ ثَلَاثُ خَرَجَاتٍ فِي الدَّهْرِ تَخْرُجُ فِي أَوَّلِ خَرْجَةٍ فِي أَقْصَى الْيَمَنِ مُنْتَشِرًا ذِكْرُهَا بِالْبَادِيَةِ وَلَا يَدْخُلُ ذِكْرُهَا الْقَرْيَةَ - يَعْنِي مَكَّةَ - ثُمَّ تَمْكُثُ زَمَانًا طَوِيلًا تَخْرُجُ خَرْجَةً أُخْرَى دُونَ تِلْكَ فَيَعْلُو ذِكْرُهَا فِي أَهْلِ الْبَادِيَةِ وَيَدْخُلُ ذِكْرُهَا الْقَرْيَةَ، ثُمَّ بَيْنَمَا النَّاسُ فِي أَعْظَمِ الْمَسَاجِدِ حُرْمَةً وَأَحَبِّهَا إِلَى اللَّهِ وَأَكْرَمِهَا عَلَى اللَّهِ - يَعْنِي الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ - لَمْ يَرُعْهُمْ إِلَّا وَهِيَ فِي نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ مِنَ الرُّكْنِ الْأَسْوَدِ وَبَابِ بَنِي مَخْزُومٍ فَيَرْفُضُ النَّاسُ عَنْهَا وَتَثْبُتُ عِصَابَةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ عَرَفُوا أَنَّهُمْ لَنْ يُعْجِزُوا اللَّهَ فَتَنْفُضُ عَنْ رَأْسِهَا التُّرَابَ فَتَجْلُوا عَنْ وُجُوهِهِمْ حَتَّى كَأَنَّهُمُ الْكَوَاكِبُ الدُّرِّيَّةُ» - الْحَدِيثَ.
وَقَدْ جَمَعَ بَعْضُهُمْ بَيْنَ الرِّوَايَاتِ بِأَنَّ لِلدَّابَّةِ ثَلَاثُ خُرُجَاتٍ فَفِي بَعْضِ خُرُجَاتِهَا تَخْرُجُ فِي مَدِينَةِ قَوْمِ لُوطٍ وَيَصْدُقُ عَلَيْهَا أَنَّهَا مِنْ أَقْصَى الْبَادِيَةِ، وَفِي بَعْضِهَا تَخْرُجُ مِنْ بَعْضِ أَوْدِيَةِ تِهَامَةَ وَيَصْدُقُ عَلَيْهَا أَنَّهَا مِنْ وَرَاءِ مَكَّةَ وَأَنَّهَا مِنَ الْيَمَنِ لِأَنَّ الْحِجَازَ يَمَانِيَةٌ وَمِنْ ثَمَّ قِيلَ الْكَعْبَةُ يَمَانِيَةٌ، وَالْمَرَّةُ الثَّالِثَةُ تَخْرُجُ مِنْ مَكَّةَ وَهِيَ مِنْ كِبَرِهَا وَعِظَمِ جُثَّتِهَا وَطُولِهَا يُمْكِنُ أَنْ تَخْرُجَ مِنْ بَيْنِ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَأَجْيَادٍ فَإِنَّهَا تَمْتَدُّ مِقْدَارَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَأَكْثَرَ وَحِينَئِذٍ يَصْدُقُ عَلَيْهَا أَنَّهَا خَرَجَتْ مِنَ الْمَرْوَةِ وَمِنَ الصَّفَا وَمِنْ أَجْيَادٍ وَمِنَ الْمَسْجِدِ وَمِنَ الْبَادِيَةِ الَّتِي بِقُرْبِ مَكَّةَ كَمَا فِي حَدِيثِ بُرَيْدَةَ.
وَجَمَعَ بَعْضُهُمْ أَيْضًا بِوَجْهٍ آخَرَ وَهُوَ أَنَّهَا تَخْرُجُ مِنْ جَمِيعِ تِلْكَ الْأَمَاكِنِ فِي آنٍ وَاحِدٍ خَرْقًا لِلْعَادَةِ فِي صُوَرٍ مُتَبَايِنَةٍ عَلَى أَنَّهُ وَرَدَ فِي رِوَايَةٍ كَمَا فِي حَيَاةِ الْحَيَوَانِ أَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ كُلِّ بَلَدٍ دَابَّةٌ مِمَّا هُوَ مَبْثُوثٌ نَوْعُهَا فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَتْ بِوَاحِدَةٍ فَيَكُونُ قَوْلُهُ دَابَّةٌ اسْمُ جِنْسٍ.
وَذَكَرَ الْكُورَانِيُّ أَنَّهُ حَيْثُ وَرَدَ فِي الْمَرْفُوعِ، لَهَا ثَلَاثُ خُرُجَاتٍ مِنْ ثَلَاثِ مَحَلَّاتٍ، وَمِنَ الْمَذْكُورِ فِي الْأُصُولِ أَنَّ الْعَدَدَ لَا مَفْهُومَ لَهُ وَمِنْ ثَمَّ قَالَ أَهْلُ الْأُصُولِ: وَالتَّخْصِيصُ بِالْعَدَدِ لَا يَدُلُّ عَلَى الزَّائِدِ وَالنَّاقِصِ، فَجَازَ أَنْ يَكُونَ لَهَا أَكْثَرُ مِنْ ثَلَاثِ خُرُجَاتٍ كُلُّ خَرْجَةٍ مِنْ مَحَلٍّ فَيَصِحُّ خُرُوجُهَا مِنْ كُلِّ مَحَلٍّ ذَكَرُوهُ، وَكَذَلِكَ الِاخْتِلَافُ فِي طُولِهَا وَغَيْرِهِ فَإِنَّ الْأَقَلَّ لَا يُنَافِي الْأَكْثَرَ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْعَدَدَ لَا مَفْهُومَ لَهُ. انْتَهَى.
وَوَرَدَ أَنَّ خُرُوجَهَا لَيْلَةَ جَمْعٍ
стр. 597
وَالنَّاسُ سَائِرُونَ إِلَى مِنًى فَيَتَصَدَّعُ الصَّفَا فَتَخْرُجُ مِنْهُ، وَقِيلَ تَخْرُجُ مِنَ الْحِجْرِ، وَقِيلَ مِنْ أَرْضِ الطَّائِفِ، وَمَعَهَا عَصَا مُوسَى وَخَاتَمُ سُلَيْمَانَ ﵉ لَا يُدْرِكُهَا طَالِبٌ وَلَا يُعْجِزُهَا هَارِبٌ.
إِذَا عَلِمْتَ ذَلِكَ فَخُرُوجُ الدَّابَّةِ الْمَذْكُورَةِ ثَابِتٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ﴾ [النمل: ٨٢] وَأَمَّا السُّنَّةُ فَكَثِيرَةٌ مِنْهَا مَا فِي حَدِيثِ حُذَيْفَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ " «دَابَّةُ الْأَرْضِ طُولُهَا سِتُّونَ ذِرَاعًا لَا يُدْرِكُهَا طَالِبٌ وَلَا يَفُوتُهَا هَارِبٌ» " وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ مَرْفُوعًا " «تَخْرُجُ دَابَّةُ الْأَرْضِ مِنْ أَجْيَادٍ فَيَبْلُغُ صَدْرُهَا الرُّكْنَ الْيَمَانِيَّ وَلَمْ يَخْرُجْ ذَنَبُهَا بَعْدُ وَهِيَ دَابَّةٌ ذَاتُ قَوَائِمَ» ".
وَفِي حَدِيثِ حُذَيْفَةَ يَرْفَعُهُ " «أَوَّلُ مَا يَبْدُو مِنْهَا رَأْسُهَا مُعَلَّمَةً ذَاتِ وَبَرٍ وَرِيشٍ» ". وَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٌّ ﵁ تَخْرُجُ ثَلَاثَةَ أَيَّامِ وَالنَّاسُ يَنْظُرُونَ فَلَا يَخْرُجُ إِلَّا ثُلُثُهَا.
وَرُوِيَ فَلَا يَخْرُجُ إِلَّا رَأْسُهَا فَيَبْلُغُ عَنَانَ السَّمَاءِ وَتَبْلُغُ السَّحَابَ. وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ فِيهَا مِنْ كُلِّ لَوْنٍ وَمَا بَيْنَ قَرْنَيْهَا فَرَسَخٌ لِلرَّاكِبِ.
وَقَالَ وَهْبٌ: وَجْهُهَا وَجْهُ رَجُلٍ وَسَائِرُ خَلْقِهَا كَخَلْقِ الطَّيْرِ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: رَأْسُهَا رَأْسُ الثَّوْرِ، وَعَيْنُهَا عَيْنُ خِنْزِيرٍ، وَأُذُنُهَا أُذُنُ فِيلٍ، وَقَرْنُهَا قَرْنُ إِبِلٍ، وَعُنُقُهَا عُنُقُ نَعَامَةِ، وَصَدْرُهَا صَدْرُ أَسَدٍ، وَلَوْنُهَا لَوْنُ نَمِرٍ، وَخَاصِرَتُهَا خَاصِرَةُ هِرٍّ، وَذَنَبُهَا ذَنَبُ تَيْسٍ، وَقَوَائِمُهَا قَوَائِمُ بَعِيرٍ، بَيْنَ كُلِّ مَفْصِلَيْنِ اثْنَيْ عَشَرَ ذِرَاعًا بِذِرَاعِ آدَمَ ﵇.
وَقَالَ كَعْبٌ: صَوْتُهَا صَوْتُ حِمَارٍ. وَأَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «تَخْرُجُ الدَّابَّةُ وَمَعَهَا خَاتَمُ سُلَيْمَانَ، وَعَصَا مُوسَى فَتَجْلُو وَجْهَ الْمُؤْمِنِ بِالْعَصَا، وَتَخْطِمُ أَنْفَ الْكَافِرِ بِالْخَاتَمِ حَتَّى إِنَّ أَهْلَ الْخِوَانِ لَيَجْتَمِعُونَ فَيَقُولُ هَذَا: يَا مُؤْمِنُ وَيَقُولُ هَذَا: يَا كَافِرُ» ".
وَأَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ ﵁ مَرْفُوعًا " «تَخْرُجُ الدَّابَّةُ فَتَسِمُ النَّاسَ عَلَى خَرَاطِيمِهِمْ ثُمَّ يُعَمِّرُونَ فِيكُمْ ثُمَّ يَشْتَرِي الرَّجُلُ الدَّابَّةَ فَيَقُولُ مِمَّنِ اشْتَرَيْتَ فَيَقُولُ مِنَ الرَّجُلِ الْمُخَطَّمِ» ".
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ إِنَّ لَهَا عُنُقًا مُشْرِفًا أَيْ طَوِيلًا
стр. 598
يَرَاهَا مَنْ بِالْمَشْرِقِ كَمَا يَرَاهَا مَنْ بِالْمَغْرِبِ، وَلَهَا وَجْهٌ كَوَجْهِ الْإِنْسَانِ، وَمِنْقَارٌ كَمِنْقَارِ الطَّيْرِ، ذَاتُ وَبَرٍ وَزَغَبٍ.
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّهَا ذَاتُ زَغَبٍ وَرِيشٍ فِيهَا مِنْ أَلْوَانِ الدَّوَابِّ كُلِّهَا وَلَهَا مِنْ كُلِّ أُمَّةِ سِيمَةٌ وَسِيمَاهَا مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ أَنَّهَا تُكَلِّمُ النَّاسَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ وَتُكَلِّمُهُمْ بِكَلَامِهِمْ.
(قَوْلُهُ) ذَاتُ زَغَبٍ أَيْ عَلَيْهَا زَغَبٌ وَهُوَ صِغَارُ الرِّيشِ أَوَّلُ مَا يَطْلُعُ كَمَا فِي النِّهَايَةِ، وَالْأَيِّلُ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ التَّحْتِيَّةِ مُشَدَّدَةً وَبِضَمِّ وَبِفَتْحِ (الْوَاوِ وَكَسْرِ) الْعَيْنِ وَهُوَ تَيْسُ الْجَبَلِ وَالسِّيمَةُ الْعَلَامَةُ.
وَعَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ إِنَّ نَاسًا يَزْعُمُونَ أَنَّكَ دَابَّةُ الْأَرْضِ فَقَالَ: وَاللَّهِ إِنَّ لِدَابَّةِ الْأَرْضِ رِيشًا وَزَغَبًا وَمَا لِي رِيشٌ وَلَا زَغَبٌ، وَإِنَّ لَهَا حَافِرًا وَإِنَّهَا لَتَخْرُجُ حَضَرَ الْفَرَسِ الْجَوَادِ ثَلَاثًا وَمَا خَرَجَ ثُلُثَاهَا.
وَفِي الْمِيزَانِ لِلْحَافِظِ الذَّهَبِيِّ عَنْ جَابِرٍ الْجُعْفِيِّ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: دَابَّةُ الْأَرْضِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ.
قَالَ الذَّهَبِيُّ وَكَانَ جَابِرٌ الْجُعْفِيُّ شِيعِيًّا يَرَى الرُّجْعَةَ - أَيْ أَنَّ عَلِيًّا يَرْجِعُ إِلَى الدُّنْيَا.
قَالَ الْإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ مَا لَقِيتُ أَحَدًا أَكْذَبَ مِنْ جَابِرٍ الْجُعْفِيِّ وَلَا أَفْضَلَ مِنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: أَخْبَرَنِي سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، قَالَ كُنَّا فِي مَنْزِلِ جَابِرٍ الْجُعْفِيِّ فَتَكَلَّمَ بِشَيْءٍ فَنَزَلْنَا خَوْفًا أَنْ يَقَعَ عَلَيْنَا السَّقْفُ.
وَمَعَ ذَلِكَ رَوَى لَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ وَمَاتَ سَنَةَ سِتٍّ وَسِتِّينَ وَمِائَةٍ عَفَا اللَّهُ عَنْهُ.
وَقَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي جَامِعِ الْأُصُولِ: جَابِرُ بْنُ يَزِيدَ الْجُعْفِيُّ وَيُقَالُ أَبُو مُحَمَّدٍ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ مَشْهُورٌ، وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَبَأٍ، وَكَانَ يَقُولُ إِنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ يَرْجِعُ إِلَى الدُّنْيَا - وَذَكَرَ مَا قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ ﵁ فِيهِ - قَالَ: وَمَاتَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ.
وَقَالَ الْحَافِظُ الْمُنْذِرِيُّ فِي آخِرِ كِتَابِهِ (التَّرْغِيبُ وَالتَّرْهِيبُ) : جَابِرُ بْنُ يَزِيدَ الْجُعْفِيُّ الْكُوفِيُّ عَالِمُ الشِّيعَةِ تَرَكَ يَحْيَى الْقَطَّانُ حَدِيثَهُ، وَقَالَ النَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُ: مَتْرُوكٌ، وَوَثَّقَهُ شُعْبَةُ، وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَقَالَ وَكِيعٌ: مَا شَكَكْتُمْ فِي شَيْءٍ فَلَا تَشُكُّوا أَنَّ جَابِرَ الْجُعْفِيَّ ثِقَةٌ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ الْعُلَمَاءُ رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى كَمَا فِي الْأَحَادِيثِ أَنَّ مَعَ الدَّابَّةِ عَصَا مُوسَى
стр. 599
وَخَاتَمُ سُلَيْمَانَ ﵉ وَتُنَادِي بِأَعْلَى صَوْتِهَا ﴿أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ﴾ [النمل: ٨٢] وَتَسِمُ النَّاسَ الْمُؤْمِنَ وَالْكَافِرَ فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ فَيُرَى وَجْهُهُ كَأَنَّهُ كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ وَيُكْتَبُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ مُؤْمِنٌ، وَأَمَّا الْكَافِرُ فَتُنْكَتُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ وَيُكْتَبُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ كَافِرٌ، فَلَا يَبْقَى مُؤْمِنٌ إِلَّا نُكِتَ فِي مَسْجِدِهِ بِعَصَا مُوسَى نُكْتَةً بَيْضَاءَ فَتَفْشُو تِلْكَ النُّكْتَةُ حَتَّى يَبْيَضَّ لَهَا وَجْهُهُ، وَلَا يَبْقَى كَافِرٌ إِلَّا نُكِتَ فِي وَجْهِهِ نُكْتَةً سَوْدَاءَ بِخَاتَمِ سُلَيْمَانَ فَتَفْشُو تِلْكَ النُّكْتَةُ حَتَّى يَسْوَدَّ لَهَا وَجْهُهُ.
وَفِي رِوَايَةٍ «فَتَلْقَى الْمُؤْمِنَ فَتَسِمُهُ فِي وَجْهِهِ نُكْتَةً فَيَبْيَضُّ لَهَا وَجْهُهُ، وَتَسِمُ الْكَافِرَ نُكْتَةً يَسْوَدُّ لَهَا وَجْهُهُ» .
وَفِي أُخْرَى فَتَجْلُو وَجْهَ الْمُؤْمِنِ بِالْعَصَا وَتَخْطِمُ أَنْفَ الْكَافِرِ بِالْخَاتَمِ حَتَّى أَهْلُ الْخِوَانِ لَيَجْتَمِعُونَ فَيَقُولُونَ لِهَذَا: يَا مُؤْمِنُ، وَلِهَذَا: يَا كَافِرُ، وَيَتَعَوَّذُ بَعْضُ النَّاسِ مِنْهَا بِالصَّلَاةِ فَتَأْتِيهِ مِنْ خَلْفِهِ فَتَقُولُ: يَا فُلَانُ، الْآنَ تُصَلِّي فَيُقْبِلُ عَلَيْهَا فَتَسِمُهُ فِي وَجْهِهِ ثُمَّ تَنْطَلِقُ، وَيَشْتَرِكُ النَّاسُ فِي الْأَمْوَالِ وَيَصْطَحِبُونَ فِي الْأَمْصَارِ يَعْرِفُ الْمُؤْمِنُ الْكَافِرَ وَبِالْعَكْسِ حَتَّى إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَيَقُولُ لِلْكَافِرِ يَا كَافِرُ اقْضِ حَقِّي، وَتَسْتَقْبِلُ الْمَشْرِقَ فَتَصْرُخُ صَرْخَةً تَنْفُذُهَا، ثُمَّ تَسْتَقْبِلُ الشَّامَ فَتَصْرُخُ صَرْخَةً تَنْفُذُهَا، ثُمَّ الْمَغْرِبَ وَالْيَمَنَ كَذَلِكَ.
وَأَخْرَجَ نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ فِي الْفِتَنِ، وَالْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁، قَالَ: لَا يَلْبَثُونَ - يَعْنِي النَّاسَ - بَعْدَ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَجَفَّتِ الْأَقْلَامُ وَطُوِيَتِ الصُّحُفُ وَلَا يُقْبَلُ لِأَحَدٍ تَوْبَةٌ، وَيَخِرُّ إِبْلِيسُ سَاجِدًا يُنَادِي إِلَهِي مُرْنِي أَسْجُدُ لِمَنْ شِئْتَ، وَتَجْتَمِعُ إِلَيْهِ الشَّيَاطِينُ تَقُولُ يَا سَيِّدَنَا إِلَى مَنْ نَفْزَعُ فَيَقُولُ إِنَّمَا سَأَلْتُ رَبِّي أَنْ يُنْظِرَنِي إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَأَنْظَرَنِي إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ وَقَدْ طَلَعَتِ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا فَهَذَا يَوْمُ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ. وَتَصِيرُ الشَّيَاطِينُ ظَاهِرَةً فِي الْأَرْضِ حَتَّى يَقُولَ الرَّجُلُ هَذَا قَرِينِي الَّذِي كَانَ يُغْوِينِي فَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَخْزَاهُ. وَلَا يَزَالُ إِبْلِيسُ سَاجِدًا بَاكِيًا حَتَّى تَخْرُجَ الدَّابَّةُ فَتَقْتُلُهُ وَهُوَ سَاجِدٌ.
قَالَ الْعُلَمَاءُ فِي سُؤَالِ إِبْلِيسَ أَنْ يُنْظَرَ لِيَوْمِ الْبَعْثِ مَكْرٌ مِنْهُ وَخِدَاعٌ وَجَهْلٌ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ فَإِنَّهُ إِنَّمَا حَاوَلَ أَنْ لَا يَذُوقَ الْمَوْتَ لِأَنَّ يَوْمَ الْبَعْثِ لَيْسَ بِيَوْمِ مَوْتٍ وَإِنَّمَا هُوَ يَوْمُ بَعْثٍ وَنُشُورٍ وَإِحْيَاءٍ وَبَعْثَرَةٍ لِمَنْ فِي الْقُبُورِ فَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَكَيْفَ يُقْبَضُ إِذْ ذَاكَ إِبْلِيسُ أَوْ غَيْرُهُ وَإِنَّمَا ذَلِكَ يَوْمُ الْجَزَاءِ فَأَجَابَهُ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ بِأَنَّهُ مُنْظَرٌ إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ.
وَهَذَا أَصَحُّ مِنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ بِأَنَّ
стр. 600
إِبْلِيسَ إِنَّمَا يَذُوقُ الْمَوْتَ يَوْمَ الْحَشْرِ كَمَا ذَكَرَهُ الْكِسَائِيُّ فِي الْعَرَائِسِ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
(فَائِدَةٌ)
رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵄ أَنَّ الدَّابَّةَ هِيَ الْجَسَّاسَةُ الْمَذْكُورَةُ فِي قِصَّةِ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ ﵁.
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ إِنَّهَا الثُّعْبَانُ الَّذِي كَانَ فِي بِئْرِ الْكَعْبَةِ فَاخْتَطَفَتْهُ الْعُقَابُ حِينَ أَرَادَتْ قُرَيْشٌ بِنَاءَ الْبَيْتِ الْحَرَامِ وَأَنَّ الطَّائِرَ حِينَ اخْتَطَفَهَا أَلْقَاهَا بِالْحَجُونِ.
وَفِي التَّمْهِيدِ لِابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ أَنَّهُ رَمَى بِهَا فِي أَجْيَادٍ فَالْتَقَمَتْهَا الْأَرْضُ فَهِيَ الدَّابَّةُ الَّتِي تَخْرُجُ تُكَلِّمُ النَّاسَ وَتَخْرُجُ عِنْدَ الصَّفَا.
وَفِي حَيَاةِ الْحَيَوَانِ جَاءَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵄ إِنَّهَا أَيِ الْجَسَّاسَةَ دَابَّةُ الْأَرْضِ الْمَذْكُورَةُ فِي الْقُرْآنِ قَالَ وَهِيَ بِجَزِيرَةِ بَحْرِ الْقَلْزَمِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْعَلَامَةُ العاشرة خُرُوجُ النَّارِ]
(الْعَلَامَةُ الْعَاشِرَةُ)
خُرُوجُ النَّارِ الَّتِي تَخْرُجُ مِنْ قَعْرِ عَدَنَ تَحْشُرُ النَّاسَ إِلَى مَحْشَرِهِمْ وَإِلَيْهَا أَشَارَ بِقَوْلِهِ:
((وَآخِرُ الْآيَاتِ حَشْرُ النَّارِ ... كَمَا أَتَى فِي مُحْكَمِ الْأَخْبَارِ))
((وَآخِرُ الْآيَاتِ)) الْعِظَامِ وَالْعَلَامَاتِ الْجِسَامِ ((حَشْرُ النَّارِ)) لِلنَّاسِ مِنَ الْمَشْرِقِ إِلَى الْمَغْرِبِ وَمِنَ الْيَمَنِ إِلَى مُهَاجَرِ إِبْرَاهِيمَ ﵇ وَهُوَ أَرْضُ الشَّامِ ((كَمَا أَتَى)) ذَلِكَ مُصَرَّحًا بِهِ ((فِي مُحْكَمِ الْأَخْبَارِ)) وَفِي صَحِيحِ الْآثَارِ كَمَا سَتَقِفُ عَلَى جُمْلَةٍ مِنْ ذَلِكَ.
فَإِنْ قُلْتَ فِي قَوْلِكَ (وَآخِرُ الْآيَاتِ) مُصَادَمَةٌ لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ وَالْخَبَرِ الثَّابِتِ الصَّرِيحِ عَنْ سَيِّدِ الْبَشَرِ وَخُلَاصَةِ الْعَالَمِ وَأَصْدَقِ مَنْ أَخْبَرَ وَصَفْوَةِ بَنِي آدَمَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ فَقَدْ أَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، وَالْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ، وَالنَّسَائِيُّ فِي سُنَنِهِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (( «أَمَّا أَوَّلُ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ فَنَارٌ تَخْرُجُ مِنَ الْمَشْرِقِ فَتَحْشُرُ النَّاسَ إِلَى الْمَغْرِبِ» )) الْحَدِيثَ.
قُلْتُ تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ حُذَيْفَةَ بْنِ أُسَيْدٍ الْغِفَارِيِّ أَنَّهُ ﷺ ، قَالَ: " «لَنْ تَقُومَ السَّاعَةُ حَتَّى تُرَى قَبْلَهَا عَشْرُ آيَاتٍ» ، فَذَكَرَ الدُّخَانَ وَالدَّجَّالَ
стр. 601
وَالدَّابَّةَ وَطُلُوعَ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا وَنُزُولَ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ﵇ وَخُرُوجَ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ وَثَلَاثَ خُسُوفٍ: خَسْفٌ بِالْمَشْرِقِ، وَخَسْفٌ بِالْمَغْرِبِ، وَخَسْفٌ بِجَزِيرَةِ الْعَرَبِ، قَالَ وَآخِرُ ذَلِكَ نَارٌ تَخْرُجُ مِنَ الْيَمَنِ تَطْرُدُ النَّاسَ إِلَى مَحْشَرِهِمْ.
وَفِي لَفْظٍ: " «إِنَّ السَّاعَةَ لَا تَكُونُ حَتَّى تَكُونَ عَشْرُ آيَاتٍ فَعَدَّهَا، وَفِي آخِرِهَا نَارٌ تَخْرُجُ مِنْ قَعْرِ عَدَنَ تَرْحَلُ بِالنَّاسِ» .
قَالَ شُعْبَةُ وَأَحْسَبُهُ قَالَ تَنْزِلُ مَعَهُمْ إِذَا نَزَلُوا وَتُقِيلُ مَعَهُمْ حَيْثُ قَالُوا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ بِعِدَّةِ طُرُقٍ، وَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَأَصْحَابُ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ. وَقَدْ جَمَعَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ آخِرِيَّةَ خُرُوجِ النَّارِ بِاعْتِبَارِ مَا ذُكِرَ مَعَهَا مِنَ الْآيَاتِ وَأَوْلِيَّتَهَا بِأَنَّهَا مِنْ أَوَّلِ الْآيَاتِ الَّتِي لَا شَيْءَ بَعْدَهَا مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا أَصْلًا بَلْ يَقَعُ بِانْتِهَائِهَا النَّفْخُ فِي الصُّورِ بِخِلَافِ مَا ذُكِرَ مَعَهَا فَإِنَّهُ يَبْقَى بَعْدَ كُلِّ آيَةٍ مِنْهَا أَشْيَاءُ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا.
ذَكَرَهُ الْحَافِظُ السَّخَاوِيُّ. وَذَكَرَ غَيْرُهُ مِنَ الْعُلَمَاءِ بِأَنَّ النَّارَ نَارَانِ إِحْدَاهُمَا تَحْشُرُ النَّاسَ مِنَ الْمَشْرِقِ إِلَى الْمَغْرِبِ، وَالثَّانِيَةُ تَخْرُجُ مِنَ الْيَمَنِ فَتَطْرُدُ النَّاسَ إِلَى الْمَحْشَرِ الَّذِي هُوَ أَرْضُ الشَّامِ، فَلَعَلَّ إِحْدَى النَّارَيْنِ فِي أَوَّلِ الْآيَاتِ وَالْأُخْرَى فِي آخِرِهَا، وَحِينَئِذٍ فَلَا حَاجَةَ إِلَى الْجَمْعِ الَّذِي ذَكَرَهُ الْحَافِظُ السَّخَاوِيُّ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي عِلْمِ اللَّهِ إِلَّا نَارٌ وَاحِدَةٌ فَجَمْعُ السَّخَاوِيِّ مُوَجَّهٌ وَعَلَيْهِ فَالْجَمْعُ بَيْنَ حَدِيثِ: «نَارٌ تَخْرُجُ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مِنْ حَضْرَمَوْتَ فَتَسُوقُ النَّاسَ» ، وَفِي لَفْظٍ «تَخْرُجُ نَارٌ مِنْ قَعْرِ عَدَنَ تَرْحَلُ النَّاسَ إِلَى الْمَحْشَرِ» ، وَحَدِيثُ: «نَارٌ تَحْشُرُ النَّاسَ مِنَ الْمَشْرِقِ إِلَى الْمَغْرِبِ» ، فَبِأَنْ يُقَالَ إِنَّ الشَّامَ الَّذِي هُوَ الْمَحْشَرُ مَغْرِبٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَشْرِقِ فَيَكُونُ ابْتِدَاءُ خُرُوجِهَا قَعْرَ عَدَنَ مِنَ الْيَمَنِ فَإِذَا خَرَجَتِ انْتَشَرَتْ إِلَى الْمَشْرِقِ فَتَحْشُرُ أَهْلَهُ إِلَى الْمَغْرِبِ الَّذِي هُوَ الشَّامُ وَهُوَ الْمَحْشَرُ، وَلَفْظَةُ أَبْيَنَ بِوَزْنِ أَحْمَرَ اسْمُ الْمَلِكِ الَّذِي بَنَاهَا، وَفِي نِهَايَةِ ابْنِ الْأَثِيرِ عَدَنُ أَبْيَنَ مَدِينَةٌ مَعْرُوفَةٌ بِالْيَمَنِ أُضِيفَتْ إِلَى أَبْيَنَ بِوَزْنِ أَبْيَضَ وَهُوَ رَجُلٌ مِنْ حِمْيَرَ عَدَنَ بِهَا أَيْ أَقَامَ. انْتَهَى.
وَفِي الْقَامُوسِ: عَدَنُ أَبْيَنَ مُحَرَّكَةً جَزِيرَةٌ بِالْيَمَنِ أَقَامَ بِهَا، وَعَدَنُ لَاعَةَ قَرْيَةٌ بِقُرْبِهِ.
وَأَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، عَنِ ابْنِ عَمْرٍو ﵄: سَتَكُونُ هِجْرَةٌ بَعْدَ هِجْرَةٍ فَخِيَارُ أَهْلِ الْأَرْضِ أَلْزَمُهُمْ مُهَاجَرَ إِبْرَاهِيمَ ﵇ وَيَبْقَى فِي الْأَرْضِ شِرَارُ أَهْلِهَا تَلْفِظُهُمْ أَرْضُوهُمْ وَتُقَذِّرُهُمْ نَفْسُ اللَّهِ وَتَحْشُرُهُمُ النَّارُ مَعَ الْقِرَدَةِ وَالْخَنَازِيرِ تَبِيتُ مَعَهُمْ إِذَا بَاتُوا وَتُقِيلُ مَعَهُمْ إِذَا قَالُوا وَتَأْكُلُ مَنْ تَخَلَّفَ.
стр. 602
وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالْحَاكِمُ، وَأَبُو نُعَيْمٍ.
(قَوْلُهُ) تُقَذِّرُهُمْ نَفْسُ اللَّهِ هُوَ مِنَ الْمُتَشَابِهِ وَالْإِيمَانُ بِهِ وَاجِبٌ كَمَا أَخْبَرَ لَا كَمَا يَتَوَهَّمُهُ الْبَشَرُ. وَأَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ أَيْضًا، وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ عَنِ ابْنِ عَمْرٍو أَيْضًا ﵄ مَرْفُوعًا: «سَتَخْرُجُ نَارٌ مِنْ حَضْرَمَوْتَ أَوْ بِحَضْرَمَوْتَ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَحْشُرُ النَّاسَ. قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ فَمَا تَأْمُرُنَا؟ قَالَ: عَلَيْكُمْ بِالشَّامِ» . يَعْنِي وَهُوَ الْمُرَادُ بِمُهَاجَرِ إِبْرَاهِيمَ.
وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ، وَابْنُ عَسَاكِرَ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ ﵁ مَرْفُوعًا: «لَتَقْصِدَنَّكُمْ نَارٌ هِيَ الْيَوْمَ خَامِدَةٌ فِي وَادٍ يُقَالُ لَهُ: بَرْهُوتَ يَغْشَى النَّاسَ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ تَأْكُلُ الْأَنْفُسَ وَالْأَمْوَالَ، تَدُورُ الدُّنْيَا كُلَّهَا فِي ثَمَانِيَةِ أَيَّامٍ، تَطِيرُ طَيْرَ الرِّيحِ وَالسَّحَابِ، حَرُّهَا بِاللَّيْلِ أَشَدُّ مِنْ حَرِّهَا بِالنَّهَارِ، وَلَهَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ دَوِيٌّ كَدَوِيِّ الرَّعْدِ الْقَاصِفِ. هِيَ مِنْ رُءُوسِ الْخَلَائِقِ أَدْنَى مِنَ الْعَرْشِ. قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَسَلِيمَةٌ يَوْمَئِذٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ؟ قَالَ وَأَيْنَ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ يَوْمَئِذٍ؟ شَرٌّ مِنَ الْحُمُرِ يَتَسَافَدُونَ كَمَا تَتَسَافَدُ الْبَهَائِمُ وَلَيْسَ فِيهِمْ رَجُلٌ يَقُولُ مَهْ مَهْ» .
وَأَخْرَجَ الْبَغَوِيُّ، وَالْبَارُودِيُّ، وَابْنُ قَانِعٍ، وَابْنُ حِبَّانَ: «يُوشِكُ أَنَّ تَخْرُجَ نَارٌ مِنْ حَبْسِ سَيْلٍ تَسِيرُ سَيْرَ بَطِيئَةِ الْإِبِلِ، تَسِيرُ بِالنَّهَارِ وَتُقِيمُ بِاللَّيْلِ، تَغْدُو وَتَرُوحُ، يُقَالُ غَدَتِ النَّارُ أَيُّهَا النَّاسُ فَاغْدُوا، قَالَتْ أَيُّهَا النَّاسُ فَقِيلُوا، رَاحَتِ النَّارُ أَيُّهَا النَّاسُ فَرُوحُوا، مَنْ أَدْرَكَتْهُ أَكَلَتْهُ» ".
فَإِذَا قِيلَ مَا وَجْهُ الْجَمْعِ بَيْنَ كَوْنِهَا تَخْرُجُ مِنْ قَعْرِ عَدَنَ وَمِنْ بَرْهُوتَ وَمِنْ حَبْسِ سَيْلٍ؟ فَالْجَوَابُ أَنَّهَا تَخْرُجُ أَوَّلًا مِنْ بَرْهُوتَ وَيُقَالُ لَهُ وَادِي النَّارِ وَهُوَ فِي قَعْرِ عَدَنَ وَعَدَنُ عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ فَالْعِبَارَاتُ مَآلُهَا وَاحِدٌ، وَتَمُرُّ بِحَبْسِ سَيْلٍ أَيْضًا وَالْخِطَابُ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَحَبْسُ سَيْلٍ قَرِيبٌ مِنَ الْمَدِينَةِ فَوُصُولُ النَّارِ إِلَيْهِ يَكُونُ قَبْلَ وُصُولِهَا إِلَى الْمَدِينَةِ فَصَحَّ أَنْ يُقَالَ لَهُمْ تَخْرُجُ نَارٌ مِنْ حَبْسِ سَيْلٍ.
فَإِنْ قِيلَ مَا وَجْهُ الْجَمْعِ بَيْنَ كَوْنِهَا تَطِيرُ طَيْرَ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ وَتَدُورُ الدُّنْيَا كُلَّهَا فِي ثَمَانِيَةِ أَيَّامٍ، وَبَيْنَ كَوْنِهَا تَسِيرُ سِيَرَ بَطِيئَةِ الْإِبِلِ؟ فَالْجَوَابُ أَنَّ لَهَا حَالَاتٍ فَتَارَةً هَكَذَا وَتَارَةً هَكَذَا، وَإِنْ ثَبَتَ تَعَدُّدُ النَّارِ زَالَ أَصْلُ الِاسْتِشْكَالِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَتِمَّةٌ) ثَبَتَ بِالسُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ أَنَّ أَهْلَ الْأَرْضِ يَكْفُرُونَ وَيَعْبُدُونَ الْأَوْثَانَ.
стр. 603
وَأَنَّهُ لَا تَقُومُ السَّاعَةُ إِلَّا عَلَى شِرَارِ النَّاسِ، فَقَدْ أَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَمْرٍو ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «تَجِيءُ بَعْدَ مَوْتِ عِيسَى ﵇ رِيحٌ بَارِدَةٌ مِنْ قِبَلِ الشَّامِ فَلَا تُبْقِي عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ أَحَدًا فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ إِيمَانٍ إِلَّا قَبَضَتْهُ حَتَّى لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ دَخَلَ فِي كَبَدِ جَبَلٍ لَدَخَلَتْ عَلَيْهِ حَتَّى تَقْبِضَهُ فَيَبْقَى شِرَارُ النَّاسِ فِي خِفَّةِ الطَّيْرِ وَأَحْلَامِ السِّبَاعِ لَا يَعْرِفُونَ مَعْرُوفًا وَلَا يُنْكِرُونَ مُنْكَرًا فَيَتَمَثَّلُ لَهُمُ الشَّيْطَانُ فَيَقُولُونَ مَا تَأْمُرُنَا؟ فَيَأْمُرُهُمْ بِعِبَادَةِ الْأَوْثَانِ، فَيَعْبُدُونَهَا وَهُمْ فِي ذَلِكَ دَارٌّ رِزْقُهُمْ حَسَنٌ عَيْشُهُمْ ثُمَّ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ» ".
فَإِنْ قُلْتَ أَلَيْسَ قَدْ ذَكَرْتَ أَنَّ الدَّابَّةَ تَقْتُلُ إِبْلِيسَ؟ فَالْجَوَابُ إِنَّهُ لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ الَّذِي يَظْهَرُ لَهُمْ إِبْلِيسُ بَلْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ شَيْطَانًا آخَرَ غَيْرَ إِبْلِيسَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ.
وَأَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَمُسْلِمٌ أَيْضًا، وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ " «فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ بَعَثَ اللَّهُ رِيحًا طَيِّبَةً فَتَأْخُذُهُمْ تَحْتَ آبَاطِهِمْ فَتَقْبِضُ رُوحَ كُلِّ مُؤْمِنٍ وَكُلِّ مُسْلِمٍ وَيَبْقَى شِرَارُ النَّاسِ يَتَهَارَجُونَ تَهَارُجَ الْحُمُرِ - أَيْ يَتَسَافَدُونَ تَسَافُدَ الْحُمُرِ، جَمْعُ حِمَارٍ - فَعَلَيْهِمْ تَقُومُ السَّاعَةُ» ".
وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا عِنْدَ الْحَاكِمِ " «أَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ رِيحًا مِنَ الْيَمَنِ أَلْيَنَ مِنَ الْحَرِيرِ فَلَا تَدَعُ أَحَدًا فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ إِيمَانٍ إِلَّا قَبْضَتْهُ» ".
وَقَدْ جَاءَتْ رِوَايَةٌ بِأَنَّ الرِّيحَ تَأْتِي مِنْ قِبَلِ الشَّامِ وَهُنَا أَنَّهَا مِنْ قِبَلِ الْيَمَنِ؟ وَالْجَوَابُ أَنَّهُمَا رِيحَانِ شَامِيَّةٌ وَيَمَانِيَةٌ.
وَأَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بِسَنَدٍ قَوِيٍّ عَنْ أَنَسٍ ﵁ مَرْفُوعًا " «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى لَا يُقَالَ فِي الْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» " وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ بِلَفْظِ " «حَتَّى لَا يُقَالَ فِي الْأَرْضِ اللَّهُ اللَّهُ» " فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ هَذَا مَعَ مَا صَحَّ عَنْهُ ﷺ مِنْ قَوْلِهِ " «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ» "؟ (فَالْجَوَابُ) هَذَا غَيْرُ مُصَادِمٍ لِلْحَدِيثِ لِأَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّهُمْ لَا يَزَالُونَ عَلَى الْحَقِّ حَتَّى تَأْتِيَهُمْ هَذِهِ الرِّيحُ اللَّيِّنَةُ قُرْبَ الْقِيَامَةِ وَعِنْدَ تَظَاهُرِ أَشْرَاطِهَا، فَأَطْلَقَ فِيهِ بَقَاءَهُمْ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ مُرِيدًا أَشْرَاطَهَا وَدُنُوَّهَا الْمُتَنَاهِي فِي الْقُرْبِ، وَمِثْلُهُ قَوْلُ بَعْضِهِمْ أَمْرُ اللَّهِ هُوَ هُبُوبُ تِلْكَ الرِّيحِ الْآتِي بَعْدَ وُقُوعِ الْآيَاتِ الْعِظَامِ الَّتِي بَعْضُهَا (١) قِيَامُ السَّاعَةِ وَلَا يَتَخَلَّفُ عَنْهَا إِلَّا شَيْئًا يَسِيرًا
стр. 604
وَلَيْسَ فِيهِمْ يَعْنِي مَنْ يَبْقَى بَعْدَ هُبُوبِ الرِّيحِ مُؤْمِنٌ وَعَلَيْهِمْ تَقُومُ السَّاعَةُ.
وَعَلَى هَذَا فَآخِرُ الْآيَاتِ الْمُؤْذِنَةِ بِقِيَامِ السَّاعَةِ هُبُوبُ تِلْكَ الرِّيحِ كَمَا فِي الْقَنَاعَةِ لِلْحَافِظِ السَّخَاوِيِّ.
وَفِي الْمُسْتَدْرَكِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ مَرْفُوعًا " «لَا يَذْهَبُ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ حَتَّى تُعْبَدَ اللَّاتُ وَالْعُزَّى وَيَبْعَثَ اللَّهُ رِيحًا طَيِّبَةً فَتَتَوَفَّى مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْ خَيْرٍ فَيَبْقَى مَنْ لَا خَيْرَ فِيهِ فَيَرْجِعُونَ عَلَى دِينِ آبَائِهِمْ» ".
وَفِي مَرْفُوعِ ابْنِ عَمْرٍو ﵄ " لَا «تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَبْعَثَ اللَّهُ رِيحًا لَا تَدَعُ أَحَدًا فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ إِلَّا قَبَضَتْهُ وَيَلْحَقُ كُلُّ قَوْمٍ بِمَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَيَبْقَى عَجَاجٌ مِنَ النَّاسِ لَا يَأْمُرُونَ بِمَعْرُوفٍ وَلَا يَنْهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ يَتَنَاكَحُونَ فِي الطُّرُقِ فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى أَهْلِ الْأَرْضِ فَأَقَامَ السَّاعَةَ» ".
وَفِي مُسْتَدْرَكِ الْحَاكِمِ مِنْ مَرْفُوعِ أَبِي هُرَيْرَةَ " «وَحَتَّى تُؤْخَذَ الْمَرْأَةُ جَهَارًا نَهَارًا تُنْكَحُ وَسَطَ الطَّرِيقِ لَا يُنْكِرُ ذَلِكَ أَحَدٌ» ". وَفِي لَفْظٍ " «حَتَّى يَنْكِحَ أَحَدُكُمْ أُمَّهُ فَيَكُونُ أَمْثَلُهُمْ يَوْمَئِذٍ الَّذِي يَقُولُ لَوْ نَحَّيْتَهَا عَنِ الطَّرِيقِ قَلِيلًا، فَذَلِكَ فِيهِمْ مِثْلُ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ فِيكُمْ» ".
قَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي تَذْكِرَتِهِ عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ: إِذَا أَرَادَ اللَّهُ انْقِرَاضَ الدُّنْيَا وَتَمَامَ لَيَالِيهَا وَقَرُبَتِ النَّفْخَةُ خَرَجَتْ نَارٌ مِنْ قَعْرِ عَدَنَ تَسُوقُ النَّاسَ إِلَى الْمَحْشَرِ تَبِيتُ مَعَهُمْ وَتُقِيلُ حَتَّى يَجْتَمِعَ الْخَلْقُ بِالْمَحْشَرِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ وَالدَّوَابُّ وَالْوَحْشُ وَالسِّبَاعُ وَالطَّيْرُ وَالْهَوَامُّ وَخَشَاشُ الْأَرْضِ وَكُلُّ ذِي رُوحٍ. ثُمَّ ذَكَرَ النَّفْخَةَ.
((فَكُلُّهَا صَحَّتْ بِهَا الْأَخْبَارُ ... وَسَطَّرَتْ آثَارَهَا الْأَخْيَارُ))
((فَكُلُّهَا)) أَيْ أَشْرَاطُ السَّاعَةِ الْمَذْكُورَةُ وَعَلَامَاتُهَا الْمَسْطُورَةُ ((صَحَّتْ بِهَا الْأَخْبَارُ)) عَنِ النَّبِيِّ الْمُخْتَارِ وَأَصْحَابِهِ الْأَبْرَارِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ مَا تَعَاقَبَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ، ((وَ)) كُلُّهَا قَدْ ((سَطَّرَتْ)) أَيْ كَتَبَتْ وَأَصْلُ السَّطْرِ الصَّفُّ مِنَ الشَّيْءِ وَالْكِتَابُ وَالشَّجَرُ وَغَيْرُهُ وَالْجَمْعُ أَسْطُرٌ وَسُطُورٌ وَأَسْطَارٌ وَجَمْعُ الْجَمْعِ أَسَاطِيرُ، وَيُطْلَقُ السَّطْرُ أَيْضًا عَلَى الْخَطِّ وَالْكِتَابَةِ وَيَتَحَرَّكُ فِي الْكُلِّ كَمَا فِي الْقَامُوسِ ((آثَارَهَا)) مَفْعُولُ سَطَّرَتْ أَيِ الْآثَارَ الدَّالَّةَ عَلَيْهَا وَالْمُتَضَمِّنَةَ لِإِثْبَاتِهَا وَمَجِيئِهَا فِي أَوْقَاتِهَا وَعَلَامَاتِهَا الْمُشِيرَةِ إِلَى اقْتِرَابِهَا ((الْأَخْيَارُ)) فَاعِلُ سَطَّرَتْ وَإِنَّمَا أُنِّثَ الْفِعْلُ لِأَنَّ الْجَمْعَ مُؤَنَّثٌ فِي
стр. 605
الْمَعْنَى إِذْ مَعْنَاهُ الْجَمَاعَةُ وَهُوَ جَمْعُ خَيْرٍ وَخَيْرٌ كَكَيْسٍ وَالْمُؤَنَّثَةُ خِيَرَةٌ، وَيُجْمَعُ خَيْرٌ أَيْضًا عَلَى خِيَارٍ مِنْ غَيْرِ أَلْفٍ قَبْلَ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ، وَقِيلَ إِنَّ الْمُخَفَّفَةَ مُخْتَصَّةٌ بِمَا فِي الْجَمَالِ وَالْمِيسَمِ وَالْمُشَدَّدَةَ فِي الدِّينِ وَالصَّلَاحِ.
وَالْخَيْرُ ضِدُّ الشَّرِّ وَالْأَخْيَارُ ضِدُّ الْأَشْرَارِ. وَالْمُرَادُ بِهِمْ هُنَا عُلَمَاءُ الْأُمَّةِ مِنَ التَّابِعِينَ وَتَابِعِيهِمْ وَأَئِمَّةِ السَّلَفِ وَمُقَلِّدِيهِمْ.
وَقَدْ رَوَى أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ، وَالْخَطِيبُ فِي التَّارِيخِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، وَالْقُضَاعِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّهُ ﷺ قَالَ " «خِيَارُ أُمَّتِي عُلَمَاؤُهَا وَخِيَارُ عُلَمَائِهَا رُحَمَاؤُهَا، أَلَا وَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَيَغْفِرُ لِلْعَالِمِ أَرْبَعِينَ ذَنْبًا قَبْلَ أَنْ يَغْفِرَ لِلْجَاهِلِ ذَنْبًا وَاحِدًا، أَلَا وَإِنَّ الْعَالِمَ الرَّحِيمَ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَإِنَّ نُورَهُ قَدْ أَضَاءَ يَمْشِي فِيهِ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ كَمَا يُضِيءُ الْكَوْكَبُ الدُّرِّيُّ» ) وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ.
وَقَدْ عَزَوْنَا كُلَّ قَوْلٍ لِقَائِلِهِ وَكُلَّ حَدِيثٍ لِنَاقِلِهِ غَالِبًا لِنَخْرُجَ مِنْ تَبِعَتِهِ. وَلِيَعْلَمَ مَنْ أَنْعَمَ النَّظَرَ وَأَمْعَنَ الْفِكْرَ فِي مَا حَرَّرْتُهُ أَنَّهُ زُبْدَةُ مَا مَخَضَهُ الْمُتَقَدِّمُونَ وَثَمَرَةُ مَا غَرَسَهُ الْمُحَرِّرُونَ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
(تَنْبِيهَانِ)
(الْأَوَّلُ) ذَكَرَ الْقُرْطُبِيُّ فِي تَذْكِرَتِهِ أَنَّ الْحَشْرَ أَرْبَعٌ: حَشْرَانِ فِي الدُّنْيَا وَحَشْرَانِ فِي الْآخِرَةِ، فَاللَّذَانِ فِي الدُّنْيَا الْمَذْكُورُ فِي سُورَةِ الْحَشْرِ وَهُوَ حَشْرُ الْيَهُودِ إِلَى الشَّامِ قَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ : «اخْرُجُوا قَالُوا إِلَى أَيْنَ قَالَ إِلَى أَرْضِ الْمَحْشَرِ» . ثُمَّ أَجْلَى آخِرَهُمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ.
وَالْحَشْرُ الثَّانِي الْمَذْكُورُ فِي أَشْرَاطِ السَّاعَةِ، نَارٌ تَحْشُرُ النَّاسَ مِنَ الْمَشْرِقِ إِلَى الْمَغْرِبِ كَمَا فِي حَدِيثِ أَنَسٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَمْرٍو ﵃ فِي الْحَاكِمِ مَرْفُوعًا " «تُبْعَثُ عَلَى أَهْلِ الْمَشْرِقِ نَارٌ فَتَحْشُرُهُمْ إِلَى الْمَغْرِبِ تَبِيتُ مَعَهُمْ حَيْثُ بَاتُوا وَتُقِيلُ مَعَهُمْ حَيْثُ قَالُوا وَيَكُونُ لَهَا مَا سَقَطَ مِنْهُمْ وَتَخَلَّفَ وَتَسُوقُهُمْ سَوْقَ الْجَمَلِ» " قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ وَكَوْنُهَا تَخْرُجُ مِنْ قَعْرِ عَدَنَ لَا يُنَافِي حَشْرَهَا النَّاسَ مِنَ الْمَشْرِقِ إِلَى الْمَغْرِبِ لِأَنَّ ابْتِدَاءَ خُرُوجِهَا مِنْ عَدَنَ فَإِذَا خَرَجَتِ انْتَشَرَتْ فِي الْأَرْضِ كُلِّهَا، وَالْمُرَادُ تَعْمِيمُ الْحَشْرِ لَا خُصُوصُ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، أَوْ أَنَّهَا بَعْدَ الِانْتِشَارِ أَوَّلُ مَا تَحْشَرُ أَهْلُ الْمَشْرِقِ.
قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَأَمَّا اللَّذَانِ فِي الْآخِرَةِ فَحَشْرُ الْأَمْوَاتِ
стр. 606
مِنْ قُبُورِهِمْ بَعْدَ الْبَعْثِ جَمِيعًا قَالَ تَعَالَى ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٧] وَحَشْرُهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ وَالنَّارِ.
وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ عَنِ الْأَوَّلِ الْمَذْكُورِ فِي أَوَّلِ سُورَةِ الْحَشْرِ لَيْسَ حَشْرًا مُسْتَقِلًّا لِأَنَّهُ إِنَّمَا وَقَعَ لِفِرْقَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ مَخْصُوصَةٍ وَهَذَا وَقَعَ كَثِيرًا كَمَا وَقَعَ لِبَنِي أُمَيَّةَ حِينَ أَخْرَجَهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ ﵄ مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى جِهَةِ الشَّامِ. وَالْجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ الْمُرَادَ مَا سُمِّيَ حَشْرًا عَلَى لِسَانِ الشَّارِعِ وَقَدْ سَمَّى اللَّهُ ذَلِكَ حَشْرًا.
(الثَّانِي)
اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي حَشْرِ النَّاسِ مِنَ الْمَشْرِقِ إِلَى الْمَغْرِبِ هَلْ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَوْ قَبْلَهُ؟ فَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ وَالْخَطَّابِيُّ وَصَوَّبَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ إِنَّ هَذَا الْحَشْرَ يَكُونُ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَأَمَّا الْحَشْرُ مِنَ الْقُبُورِ فَهُوَ عَلَى مَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ مَرْفُوعًا كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا " «إِنَّكُمْ تُحْشَرُونَ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا» ".
وَقَالَ الْحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو حَامِدٍ الْغَزَالِيُّ هُوَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ وَيَدُلُّ لَهُ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا مَرْفُوعًا " «يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَى ثَلَاثِ طَرَائِقَ رَاغِبِينَ رَاهِبِينَ، اثْنَانِ عَلَى بَعِيرٍ وَثَلَاثَة وَعَشْرَةٌ عَلَى بَعِيرٍ وَتَحْشُرُ بَقِيَّتَهُمُ النَّارُ تُقِيلُ مَعَهُمْ حَيْثُ قَالُوا وَتَبِيتُ مَعَهُمْ حَيْثُ بَاتُوا وَتُصْبِحُ مَعَهُمْ حَيْثُ أَصْبَحُوا وَتُمْسِي مَعَهُمْ حَيْثُ أَمْسَوْا» " قَالَ أَهْلُ هَذَا الْقَوْلِ إِنَّ هَذَا الْحَدِيثَ كَالتَّفْسِيرِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً﴾ [الواقعة: ٧] قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ عِنْدَ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، وَالنَّسَائِيِّ، وَالْبَيْهَقِيِّ حَدَّثَنِي الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ «أَنَّ النَّاسَ يُحْشَرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَفْوَاجٍ: فَوْجٌ يُحْشَرُونَ طَاعِمِينَ كَاسِينَ رَاكِبِينَ، وَفَوْجٌ تَسْحَبُهُمُ الْمَلَائِكَةُ» - الْحَدِيثَ.
وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ مَا يُبَايِنُ حَدِيثَ أَبِي ذَرٍّ (وَالْجَمْعُ) أَنَّ الْحَشْرَ يُعَبَّرُ بِهِ عَنِ النَّشْرِ أَيْضًا لِاتِّصَالِهِ بِهِ، وَهُوَ أَيِ النَّشْرُ إِخْرَاجُ النَّاسِ مِنْ قُبُورِهِمْ كَمَا يَأْتِي فَيَخْرُجُونَ حُفَاةً عُرَاةً يُسَاقُونَ وَيَجْتَمِعُونَ إِلَى الْمَوْقِفِ لِلْحِسَابِ، ثُمَّ يُحْشَرُ الْمُتَّقُونَ رُكْبَانًا عَلَى الْإِبِلِ وَالْمُجْرِمُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْقُبُورِ عَلَى مَا فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَنَّ الْحَشْرَ إِذَا أُطْلِقَ يُرَادُ بِهِ شَرْعًا الْحَشْرُ مِنَ الْقُبُورِ مَا لَمْ يَخُصَّهُ دَلِيلٌ.
(وَأَيْضًا) التَّقْسِيمُ الْمَذْكُورُ فِي الْخَبَرِ لَا يَسْتَقِيمُ فِي الْحَشْرِ إِلَى أَرْضِ الشَّامِ لِأَنَّ الْمُهَاجِرَ
стр. 607
لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ رَاغِبًا أَوْ رَاهِبًا أَوْ جَامِعًا بَيْنَ الصِّفَتَيْنِ (وَأَيْضًا) حَشْرُ بَقِيَّةِ النَّاسِ وَإِلْجَاءُ النَّارِ لَهُمْ إِلَى تِلْكَ الْجِهَةِ وَمُلَازَمَتُهَا حَتَّى لَا تُفَارِقَهُمْ قَوْلٌ لَمْ يَرِدْ بِهِ التَّوْقِيفُ وَلَيْسَ لَنَا أَنْ نَحْكُمَ بِتَسْلِيطِ النَّارِ عَلَى أَهْلِ الشِّقْوَةِ مِنْ غَيْرِ تَوْقِيفٍ.
(وَأَيْضًا) الْحَدِيثُ يُفَسِّرُ بَعْضُهُ بَعْضًا وَقَدْ وَقَعَ فِي طَرِيقٍ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ ثُلُثًا عَلَى الدَّوَابِّ وَثُلُثًا يَنْسِلُونَ عَلَى أَقْدَامِهِمْ وَثُلُثًا عَلَى وُجُوهِهِمْ قَالَ وَنَرَى هَذَا التَّقْسِيمَ نَظِيرَ التَّقْسِيمِ الَّذِي فِي سُورَةِ الْوَاقِعَةِ ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً﴾ [الواقعة: ٧] فَقَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ رَاغِبِينَ رَاهِبِينَ يُرِيدُ عُمُومَ الْمُؤْمِنِينَ الْمُخَلِّطِينَ عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا وَهُمْ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ. وَقَوْلُهُ اثْنَانِ عَلَى بَعِيرٍ. . إِلَخْ يُرِيدُ السَّابِقِينَ وَهُمْ أَفَاضِلُ الْمُؤْمِنِينَ رُكْبَانًا. وَقَوْلُهُ وَتَحْشُرُ بَقِيَّتَهُمُ النَّارُ، يُرِيدُ أَصْحَابَ الْمَشْأَمَةِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْبَعِيرَ يَحْمِلُ الْعَشَرَةَ دُفْعَةً وَاحِدَةً لِأَنَّ ذَلِكَ يَكُونُ مِنْ بَدِيعِ قُدْرَةِ اللَّهِ فَيَقْوَى عَلَى مَا يَقْوَى عَلَيْهِ عَشَرَةُ أَبْعِرَةٍ مِنْ بِعْرَانِ الدُّنْيَا. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَتَعَاقَبُوهُ. انْتَهَى مُلَخَّصًا.
وَانْتَصَرَ الْقَاضِي عِيَاضٌ لِقَوْلِ الْخَطَّابِيِّ وَالْقُرْطُبِيِّ بِأَنَّ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ تُقِيلُ مَعَهُمْ وَتَبِيتُ وَتُصْبِحُ وَتُمْسِي يُؤَيِّدَانِ الْحَشْرَ فِي الدُّنْيَا إِلَى الشَّامِ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَوْصَافَ مُخْتَصَّةٌ بِالدُّنْيَا، وَقَوْلُهُ اثْنَانِ عَلَى بَعِيرٍ إِلَى عَشْرَةٍ - يُرِيدُ أَنَّهُمْ يَعْتَقِبُونَ الْبَعِيرَ الْوَاحِدَ يَرْكَبُ بَعْضٌ وَيَمْشِي بَعْضٌ وَذَلِكَ لِقِلَّةِ الظَّهْرِ كَمَا فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ، انْتَهَى مُلَخَّصًا.
وَرَجَّحَ هَذَا الطِّيبِيُّ وَتَعَقَّبَ ذَلِكَ الْبَعْضُ وَأَجَابَ عَمَّا اسْتَدَلَّ بِهِ بِمَا يَطُولُ، (ثُمَّ قَالَ الطِّيبِيُّ) بَعْدَ مَا انْتَصَرَ لِلْخَطَّابِيِّ وَالْقُرْطُبِيِّ وَزَيَّفَ كَلَامَ ذَلِكَ الْبَعْضُ بِمَا حَاصِلُهُ: ثُمَّ رَأَيْتُ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ فِي بَابِ الْحَشْرِ: يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى ثَلَاثِ طَرَائِقَ. فَعَلِمْتُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ التُّورُ بَشْتَى مِنْ أَنَّ ذَلِكَ فِي الْآخِرَةِ هُوَ الْحَقُّ الَّذِي لَا مَحِيدَ عَنْهُ. انْتَهَى.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي فَتْحِ الْبَارِي بَعْدَ نَقْلِهِ مَا تَقَدَّمَ عَنِ الطِّيبِيِّ قُلْتُ لَمْ أَقِفْ فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِ الْحَدِيثِ الَّذِي خَرَّجَهُ الْبُخَارِيُّ عَلَى لَفْظِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ فِي صَحِيحِهِ وَلَا فِي غَيْرِهِ وَكَذَا هُوَ عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَالْإِسْمَاعِيلِيِّ وَغَيْرِهِمَا لَيْسَ فِيهِ يَوْمُ الْقِيَامَةِ.
ثُمَّ اخْتَارَ هُوَ أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ كَوْنُ ذَلِكَ فِي الدُّنْيَا لِمَا وَقَعَ فِيهِ أَنَّ الظَّهْرَ يَقِلُّ لِمَا يُلْقَى عَلَيْهِ مِنَ الْآفَةِ وَأَنَّ الرَّجُلَ يَشْتَرِي الشَّارِفَ الْوَاحِدَ بِالْحَدِيقَةِ الْمُعْجَبَةِ فَإِنَّ ذَلِكَ ظَاهِرٌ جِدًّا فِي أَنَّهُ مِنْ أَحْوَالِ الدُّنْيَا.
قَالَ فِي
стр. 608
الْإِشَاعَةِ فَثَبَتَ أَنَّ الْحَقَّ أَنَّ النَّارَ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ. قُلْتُ وَهُوَ كَمَا قَالَ. وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
[فَصَلٌ فِي أَمْرِ الْمَعَادِ]
[الْمَعَادَ الْجُسْمَانِيَّ حَقٌّ وَاقِعٌ وَصِدْقٌ صَادِقٌ دَلَّ عَلَيْهِ النَّقْلُ الصَّحِيحُ]
((فَصَلٌ فِي أَمْرِ الْمَعَادِ))
اعْلَمْ أَنَّ الْمَعَادَ الْجُسْمَانِيَّ حَقٌّ وَاقِعٌ وَصِدْقٌ صَادِقٌ دَلَّ عَلَيْهِ النَّقْلُ الصَّحِيحُ وَلَمْ يَمْنَعْهُ الْعَقْلُ فَوَجَبَ الْإِيمَانُ بِهِ، وَالتَّصْدِيقُ بِمُوجِبِهِ لِأَنَّهُ جَاءَ فِي السَّمَاعِ الصَّحِيحِ الْمَنْقُولِ وَدَلَّ عَلَيْهِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ صَرِيحُ الْمَعْقُولِ، وَهُوَ أَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ تَعَالَى الْمَوْتَى مِنَ الْقُبُورِ بِأَنْ يَجْمَعَ أَجَزَاءَهُمُ الْأَصْلِيَّةَ وَيُعِيدَ الْأَرْوَاحَ إِلَيْهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس: ٧٩] إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ النُّصُوصِ الْقُرْآنِيَّةِ الْقَطْعِيَّةِ وَالْأَحَادِيثِ السَّاطِعَةِ النَّبَوِيَّةِ، وَقَدْ أَنْكَرَهُ الطَّبَائِعِيُّونَ وَالدَّهْرِيَّةُ وَالْمُلْحِدَةُ وَفِيهِ تَكْذِيبٌ لِلنَّقْلِ الصَّرِيحِ وَالْعَقْلِ الصَّحِيحِ عَلَى مَا قَرَّرَهُ الْمُحَقِّقُونَ مِنْ أَهْلِ الْمِلَّةِ.
وَأَنْكَرَتِ الْفَلَاسِفَةُ الْمَعَادَ الْجُسْمَانِيَّ بِنَاءً عَلَى امْتِنَاعِ إِعَادَةِ الْمَعْدُومِ بِعَيْنِهِ، وَوَافَقَ الْمُعْتَزِلَةُ أَهْلَ الْحَقِّ عَلَى الْمَعَادِ الْجُسْمَانِيِّ بِنَاءً مِنْهُمْ عَلَى أَنَّ الْمَعْدُومَ عِنْدَهُمْ شَيْءٌ فَلَوْ لَمْ يَقُولُوا بِهِ لَأَحَالُوهُ ; لِأَنَّ الْمَعْدُومَ قَبْلَ الْوُجُودِ عِنْدَهُمْ قَابِلٌ لِلْوُجُودِ فَكَذَلِكَ إِذَا انْعَدَمَ بَعْدَ الْوُجُودِ، وَعِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ الْمَعْدُومُ نَفْيٌ مَحْضٌ وَهُمْ مَعَ ذَلِكَ قَائِلُونَ بِجَوَازِ إِعَادَتِهِ.
وَلِلْمُتَكَلِّمِينَ فِي جَوَازِ إِعَادَةِ الْأَعْرَاضِ قَوْلَانِ: جَوَازُ إِعَادَتِهَا وَهُوَ الْحَقُّ لِأَنَّهُ تَعَالَى عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. وَالثَّانِي قَوْلُ الْفَلَاسِفَةِ وَمَنْ وَافَقَهُمْ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ كَأَبِي الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيِّ، وَالْخَوَارِزْمِيِّ، وَالْكَرَامِيَّةِ قَالَ:
((وَاجْزِمْ بِأَمْرِ الْبَعْثِ وَالنُّشُورِ ... وَالْحَشْرِ جَزْمًا بَعْدَ نَفْخِ الصُّورِ))
((وَاجْزِمْ)) جَزْمَ إِيقَانٍ وَإِذْعَانٍ وَاعْتِقَادٍ وَعِرْفَانٍ ((بِأَمْرِ الْبَعْثِ)) بَعْدَ الْمَوْتِ ((وَالنُّشُورِ)) مِنَ الْقُبُورِ ((وَالْحَشْرِ)) لِأَجْلِ الْجَزَاءِ وَفَصْلِ الْقَضَاءِ ((جَزْمًا)) مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِقَوْلِهِ وَاجْزِمْ وَذَلِكَ كُلُّهُ وَاقِعٌ ((بَعْدَ نَفْخِ الصُّورِ)) الْمُرَادُ نَفْخَةُ الْبَعْثِ وَحَاصِلُ مَا ذُكِرَ فِي هَذَا الْبَيْتِ أَرْبَعَةُ أَشْيَاءَ، الْبَعْثُ وَالنُّشُورُ وَالْحَشْرُ وَالنَّفْخُ فِي الصُّورِ، أَمَّا الْبَعْثُ فَالْمُرَادُ بِهِ الْمَعَادُ الْجُسْمَانِيُّ فَإِنَّهُ الْمُتَبَادِرُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ إِذْ هُوَ الَّذِي يَجِبُ اعْتِقَادُهُ وَيُكَفَّرُ مُنْكِرُهُ، قَالَ الْإِمَامُ الْمُحَقِّقَ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي كِتَابِهِ الرُّوحُ كَشَيْخِهِ وَغَيْرِهِمَا: مَعَادُ الْأَبْدَانِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ
стр. 609
الْمُسْلِمِينَ، وَالْيَهُودِ، وَالنَّصَارَى.
وَقَالَ الْجَلَالُ الدَّوَّانِيُّ هُوَ بِإِجْمَاعِ أَهْلِ الْمِلَلِ وَبِشَهَادَةِ نُصُوصِ الْقُرْآنِ بِحَيْثُ لَا يَقْبَلُ التَّأْوِيلَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ - وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ - قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس: ٧٧ - ٧٩] .
وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَأَبُو حَاتِمٍ، وَالْإِسْمَاعِيلِيُّ فِي مُعْجَمِهِ، وَالْحَافِظُ الضِّيَاءُ فِي الْمُخْتَارَةِ، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الْبَعْثِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: «جَاءَ الْعَاصِ بْنُ وَائِلٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِعَظْمٍ حَائِلٍ فَفَتَّهُ بِيَدِهِ فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ، يُحْيِي اللَّهُ هَذَا بَعْدَ مَا أَرَمَّ؟ قَالَ " نَعَمْ يَبْعَثُ اللَّهُ هَذَا ثُمَّ يُمِيتُكَ ثُمَّ يُحَيِيكَ ثُمَّ يُدْخِلُكَ نَارَ جَهَنَّمَ " فَنَزَلَتِ الْآيَاتُ مِنْ آخِرِ يس ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ﴾ [يس: ٧٧] إِلَى آخِرِ السُّورَةِ» .
وَهَذَا نَصٌّ صَرِيحٌ فِي الْحَشْرِ الْجُسْمَانِيِّ يَقْلَعُ عِرْقَ التَّأْوِيلِ بِالْكُلِّيَّةِ. وَلِهَذَا قَالَ الْإِمَامُ الرَّازِيُّ: الْإِنْصَافُ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْإِيمَانِ بِمَا جَاءَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ وَبَيْنَ نَفْيِ الْحَشْرِ الْجُسْمَانِيِّ، فَإِنَّهُ قَدْ وَرَدَ فِي عِدَّةِ مَوَاضِعَ مِنَ الْقُرْآنِ الْمَجِيدِ التَّصْرِيحُ بِهِ بِحَيْثُ لَا يَقْبَلُ التَّأْوِيلَ أَصْلًا. انْتَهَى.
وَكَذَلِكَ لَا يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْقَوْلِ بِقِدَمِ الْعَالَمِ عَلَى مَا يَقُولُ الْفَلَاسِفَةُ وَبَيْنَ الْحَشْرِ الْجُسْمَانِيِّ لِأَنَّ النُّفُوسَ النَّاطِقَةَ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ غَيْرُ مُتَنَاهِيَةٍ فَتَسْتَدْعِي جَمِيعًا أَبْدَانًا غَيْرَ مُتَنَاهِيَةٍ وَأَمْكِنَةً غَيْرَ مُتَنَاهِيَةٍ، وَقَدْ ثَبَتَ تَنَاهِي الْأَبْعَادِ بِالْبُرْهَانِ وَبِاعْتِرَافِهِمْ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
وَ " ثُمَّ " فِي الْحَدِيثِ فِي قَوْلِهِ ﷺ " «نَعَمْ يَبْعَثُ اللَّهُ هَذَا ثُمَّ يُمِيتُكَ» " لِلتَّرْتِيبِ الْإِخْبَارِيِّ لَا لِلتَّرْتِيبِ الْحُكْمِيِّ كَقَوْلِهِمْ بَلَغَنِي مَا صَنَعْتَ الْيَوْمَ ثُمَّ مَا صَنَعْتَ أَمْسِ أَعْجَبُ أَيْ أَخْبَرَكَ أَنَّ مَا صَنَعْتَهُ أَمْسِ أَعْجَبُ.
وَأَمَّا النُّشُورُ فَهُوَ يُرَادِفُ الْبَعْثَ فِي الْمَعْنَى، يُقَالُ نُشِرَ الْمَيِّتُ يُنْشَرُ نُشُورًا إِذَا عَاشَ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَأَنْشَرَهُ اللَّهُ أَيْ أَحْيَاهُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ يَوْمُ الْبَعْثِ وَالنُّشُورِ.
وَأَمَّا الْحَشْرُ فَهُوَ فِي اللُّغَةِ الْجَمْعُ، تَقُولُ حَشَرْتُ النَّاسَ إِذَا جَمَعْتُهُمْ، وَالْمُرَادُ بِهِ جَمْعُ أَجْزَاءِ الْإِنْسَانِ بَعْدَ التَّفْرِقَةِ ثُمَّ إِحْيَاءُ الْأَبْدَانِ بَعْدَ مَوْتِهَا.
وَاعْلَمْ أَنَّهُ يَجِبُ الْجَزْمُ شَرْعًا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَبْعَثُ جَمِيعَ الْعِبَادِ وَيُعِيدُهُمْ بَعْدَ إِيجَادِهِمْ بِجَمِيعِ أَجْزَائِهِمُ الْأَصْلِيَّةِ وَهِيَ الَّتِي مِنْ شَأْنِهَا الْبَقَاءُ مِنْ أَوَّلِ الْعُمُرِ إِلَى آخِرِهِ وَيَسُوقُهُمْ إِلَى مَحْشَرِهِمْ لِفَصْلِ الْقَضَاءِ، فَإِنَّ هَذَا حَقٌّ ثَابِتٌ بِالْكِتَابِ
стр. 610
وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ سَلَفِ الْأُمَّةِ مَعَ كَوْنِهِ مِنَ الْمُمْكِنَاتِ الَّتِي أَخْبَرَ بِهَا الشَّارِعُ.
وَكُلُّ مَا هُوَ كَذَلِكَ فَهُوَ ثَابِتٌ وَالْإِخْبَارُ عَنْهُ مُطَابِقٌ.
وَالْأَصْلُ فِيمَا لَا دَلِيلَ عَلَى وُجُوبِهِ وَلَا عَلَى امْتِنَاعِهِ الْإِمْكَانُ كَمَا يَقُولُ الْحُكَمَاءُ وَالْمُتَكَلِّمُونَ مِنْ أَنَّ كُلَّ مَا قَرَعَ سَمْعَكَ مِنَ الْغَرَائِبِ قَدِّرْهُ فِي حَيِّزِ الْإِمْكَانِ مَا لَمْ يَرُدَّكَ عَنْهُ قَائِمُ الْبُرْهَانِ.
فَمَنْ زَعَمَ عَدَمَ إِعَادَةِ الْمَعْدُومِ أُلْزِمَ بِالْمَبْدَأِ، فَإِنَّ الْمَعَادَ مِثْلَ الْمَبْدَأِ بَلْ هُوَ عَيْنُهُ أَوْ أَيْسَرُ كَمَا لَا يَخْفَى.
وَتَقَدَّمَ أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ تَأْتِي بِمَا تُدْرِكُهُ الْعُقُولُ أَوْ تَتَحَيَّرُ فِيهِ وَلَا تَأْتِي بِمَا تُحِيلُهُ الْعُقُولُ أَبَدًا، فَتَأْتِي بِمُحَارَاتِ الْعُقُولِ لَا بِمُحَالَاتِ الْعُقُولِ، وَإِمْكَانُ الْمَعَادِ لِأَنَّهُ إِمَّا إِيجَادُ مَا انْعَدَمَ أَوْ جَمْعُ مَا تَفَرَّقَ أَوْ حَيِيَ بَعْدَ مَا أُمِيتَ، وَهَذِهِ كُلُّهَا مُمْكِنَةٌ لَا إِحَالَةَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ أَصْلًا مَعَ مَا تَوَاتَرَ مِنْ أَخْبَارِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْكُتُبِ السَّمَاوِيَّةِ وَلَا سِيَّمَا فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ مَا لَا مَزِيدَ عَلَيْهِ مِثْلَ: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ﴾ [النحل: ٣٨]- ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ [التغابن: ٧]- ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: ١٦]- ﴿فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ [يس: ٥١]- ﴿فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الإسراء: ٥١]- ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ - بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾ [القيامة: ٣ - ٤]- ﴿يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ﴾ [ق: ٤٤]- ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ [الأعراف: ٢٩]- ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا﴾ [الأنبياء: ١٠٤]- ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ [يس: ٨١]- ﴿وَيُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ [الروم: ١٩] وَالْآيَاتُ فِي ذَلِكَ كَثِيرَةٌ جِدًّا.
وَأَمَّا الْأَحَادِيثُ فَكَثِيرَةٌ جِدًّا فَفِي الْبُخَارِيِّ، وَمُسْلِمٍ وَغَيْرِهِمَا، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَخْطُبُ عَلَى الْمِنْبَرِ يَقُولُ: " إِنَّكُمْ مُلَاقُو اللَّهِ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا» زَادَ فِي رِوَايَةٍ - مُشَاةً - وَفِي رِوَايَةِ فِيهِمَا قَالَ قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَوْعِظَةٍ فَقَالَ: " «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّكُمْ تُحْشَرُونَ إِلَى اللَّهِ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٤] ) » الْحَدِيثَ.
الْغُرْلُ بِضَمِّ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَإِسْكَانِ الرَّاءِ جَمْعُ أَغْرَلَ وَهُوَ الْأَقْلَفُ. وَمِثْلُهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ «حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ فَقُلْتُ: الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ جَمِيعًا يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ؟ قَالَ: " الْأَمْرُ أَشَدُّ مِنْ أَنْ يُهِمَّهُمْ ذَلِكَ» وَرُوِيَ نَحْوُهُ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ وَفِيهِ فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ ﵂: «فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَاسَوْأَتَاهُ، يَنْظُرُ بَعْضُنَا
стр. 611
إِلَى بَعْضٍ؟ فَقَالَ: شُغِلَ النَّاسُ، قُلْتُ مَا شَغَلَهُمْ؟ قَالَ " نَشْرُ الصَّحَائِفِ فِيهَا مَثَاقِيلُ الذَّرِّ وَمَثَاقِيلُ الْخَرْدَلِ» ".
وَرُوِيَ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ سَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ ﵂ أَيْضًا وَلَفْظُهُ " «يُبْعَثُ النَّاسُ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا قَدْ أَلْجَمَهُمُ الْعَرَقُ وَبَلَغَ شُحُومَ الْآذَانِ " قَالَتْ فَقُلْتُ: يُبْصِرُ بَعْضُنَا بَعْضًا؟ فَقَالَ: شُغِلَ النَّاسُ ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: ٣٧] » رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ.
(تَنْبِيهَانِ)
(الْأَوَّلُ) اخْتَلَفَ النَّاسُ هَلِ الْبَعْثُ إِعَادَةٌ بَعْدَ تَفْرِيقٍ أَوْ إِيجَادُ مَعْدُومٍ؟ قَالَ عِكْرِمَةُ ﵀: إِنَّ الَّذِينَ يَغْرَقُونَ فِي الْبَحْرِ وَتَقْتَسِمُ لُحُومَهُمُ الْحِيتَانُ وَلَا يَبْقَى مِنْهُمْ شَيْءٌ إِلَّا الْعِظَامُ فَتُلْقِيهَا الْأَمْوَاجُ إِلَى السَّاحِلِ فَتَمْكُثُ حِينًا ثُمَّ تَصِيرُ نَخِرَةً ثُمَّ تَمُرُّ بِهَا الْإِبِلُ فَتَأْكُلُهَا ثُمَّ تَسِيرُ الْإِبِلُ فَتَبْعَرُ ثُمَّ يَجِيءُ قَوْمٌ فَيَنْزِلُونَ فَيَأْخُذُونَ ذَلِكَ الْبَعْرَ فَيُوقِدُونَهُ ثُمَّ تَخْمُدُ تِلْكَ النَّارُ فَتَجِيءُ الرِّيحُ فَتُلْقِي ذَلِكَ الرَّمَادَ عَلَى الْأَرْضِ فَإِذَا جَاءَتِ النَّفْخَةُ فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ يَخْرُجُ أُولَئِكَ وَأَهْلُ الْقُبُورِ سَوَاءٌ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الشَّيْخُ مَرْعِيٌّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى قَالَ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَجْمَعُ مَا تَفَرَّقَ مِنْ أَجْسَادِ النَّاسِ مِنْ بُطُونِ السِّبَاعِ وَحَيَوَانَاتِ الْمَاءِ وَبَطْنِ الْأَرْضِ وَمَا أَصَابَ النِّيرَانُ مِنْهَا بِالْحَرْقِ وَالْمِيَاهُ بِالْغَرَقِ وَمَا أَبْلَتْهُ الشَّمْسُ وَذَرَّتْهُ الرِّيَاحُ فَإِذَا جَمَعَهَا وَأَكْمَلَ كُلَّ بَدَنٍ مِنْهَا وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا الْأَرْوَاحُ نَفَخَ إِسْرَافِيلُ ﵇ فِي الصُّورِ فَأَرْسَلَهَا بِنَفْخَةٍ مِنْ ثُقْبِ الصُّورِ فَتَرْجِعُ كُلُّ رُوحٍ إِلَى جَسَدِهَا فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ إِعَادَةَ الْأَجْسَامِ حَقٌّ يَجِبُ الْإِيمَانُ بِهِ، ثُمَّ هَذِهِ الْإِعَادَةُ هَلْ هِيَ لِلْعَدَمِ الْمَحْضِ أَوِ التَّفْرِيقِ الْمَحْضِ وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ جَمْعُ مُتَفَرِّقٍ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ إِيجَادٌ بَعْدَ عَدَمٍ، وَنَصَّ عَلَيْهِ عُلَمَاءُ السُّنَّةِ، وَكَذَا الْمُعْتَزِلَةُ وَهُوَ مَذْهَبُ الْمُحَقِّقِينَ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
(الثَّانِي)
اخْتُلِفَ فِي إِعَادَةِ الْأَعْرَاضِ الَّتِي كَانَتْ قَائِمَةً بِالْأَجْسَامِ فِي الدُّنْيَا فَمَذْهَبُ الْأَكْثَرِينَ أَنَّهَا تُعَادُ بِأَشْخَاصِهَا الَّتِي كَانَتْ قَائِمَةً بِالْجِسْمِ حَالَ الْحَيَاةِ وَإِلَيْهِ مَيْلُ أَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ فِيهَا بَيْنَ الْأَعْرَاضِ الَّتِي يَطُولُ بَقَاءُ نَوْعِهَا كَالْبَيَاضِ وَبَيْنَ غَيْرِهَا كَالْأَصْوَاتِ وَسَوَاءٌ كَانَ مَقْدُورًا لِلْعَبْدِ كَالضَّرْبِ أَوْ لَا كَالْعِلْمِ وَالْجَهْلِ لِأَنَّ نِسْبَتَهَا إِلَى قُدْرَتِهِ تَعَالَى كَنِسْبَةِ الْأَعْيَانِ وَقَدْ قَامَ
стр. 612
الدَّلِيلُ عَلَى إِعَادَتِهَا فَكَذَا أَعْرَاضُهَا، وَمَا قِيلَ يَلْزَمُ عَلَيْهِ قِيَامُ الْعَرَضِ، يَعْنِي الْإِعَادَةَ بِالْعَرَضِ الْمُعَادِ، وَهُوَ مُحَالٌ، فَبَاطِلٌ لِإِمْكَانِ تَعَلُّقِ الْإِعَادَةِ بِالْأَعْيَانِ أَوَّلًا، وَبِالذَّاتِ وَبِالْأَعْرَاضِ ثَانِيًا وَبِالْعَرَضِ، هَذَا كُلُّهُ أَنْ لَوْ قُلْنَا بِاسْتِحَالَةِ قِيَامِ الْعَرَضِ بِالْعَرَضِ، فَكَيْفَ وَنَحْنُ بِمَعْزِلٍ عَنْ ذَلِكَ، وَقَدْ شَاهَدْنَا قِيَامَ الْعَرَضِ بِالْعَرَضِ بِالْمَحْسُوسِ وَغَيْرِهِ كَلَيْلٍ حَالِكٍ، وَحَرَكَةٍ بَطِيئَةٍ، وَأَحْمَرَ قَانٍ، وَغَيْرِ ذَلِكَ.
وَقِيلَ بِمَنْعِ إِعَادَةِ الْأَعْرَاضِ مُطْلَقًا كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ بَعْضُ الْأَشَاعِرَةِ.
وَذَهَبَ أَكْثَرُ الْمُعْتَزِلَةِ إِلَى امْتِنَاعِ إِعَادَةِ الْأَعْرَاضِ الَّتِي لَا تَبْقَى كَالْأَصْوَاتِ وَالْإِرَادَاتِ؛ لِاخْتِصَاصِهَا عِنْدَهُمْ بِالْأَوْقَاتِ، وَقَسَّمُوا الْبَاقِيَةَ إِلَى مَا يَكُونُ مَقْدُورًا لِلْعَبْدِ فَمَنَعُوا إِعَادَتَهَا، وَإِلَى مَا لَا يَكُونُ مَقْدُورًا لِلْعَبْدِ فَجُوَّزُوا إِعَادَتَهَا. وَقَدْ قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي سِرَاجِ الْمُرِيدِينَ، وَالْقُرْطُبِيُّ فِي تَذْكِرَتِهِ:
الَّذِي عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّ تِلْكَ الْأَجْسَادَ الدُّنْيَوِيَّةَ تُعَادُ بِأَعْيَانِهَا، وَبِأَعْرَاضِهَا بِلَا خِلَافٍ بَيْنَهُمْ - مَعَ أَنَّ الْخِلَافَ مَنْقُولٌ عِنْدَ مُتَكَلِّمِي الْأَشْعَرِيَّةِ كَالسَّعْدِ، وَالْبَيْضَاوِيِّ، وَغَيْرِهِمَا.
قُلْتُ:
وَقَدْ نَقَلَ الْإِجْمَاعَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ مِنْ آخِرِهِمُ الشَّيْخُ مَرْعِيٌّ وَغَيْرُهُ عَنْ أَهْلِ السُّنَّةِ: أَنَّ الْأَجْسَادَ الدُّنْيَوِيَّةَ تُعَادُ بِأَعْيَانِهَا وَأَعْرَاضِهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[النفخ في الصور]
وَأَمَّا النَّفْخُ فِي الصُّورِ فَالْمُرَادُ بِهِ نَفْخَةُ الْبَعْثِ وَالنُّشُورِ، وَاعْلَمْ أَنَّ النَّفْخَ فِي الصُّورِ ثَلَاثُ نَفْخَاتٍ:
نَفْخَةُ الْفَزَعِ، وَهِيَ الَّتِي يَتَغَيَّرُ بِهَا هَذَا الْعَالَمُ، وَيَفْسُدُ نِظَامُهُ، وَهِيَ الْمُشَارُ إِلَيْهَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ﴾ [ص: ١٥] أَيْ: مِنْ رُجُوعٍ وَمَرَدٍّ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [الزمر: ٦٨] فَسَّرَ الزَّمَخْشَرِيُّ فِي كَشَّافِهِ الْمُسْتَثْنَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ بِمَنْ ثَبَّتَ اللَّهُ قَلْبَهُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، وَهُمْ جِبْرِيلُ، وَمِيكَائِيلُ، وَإِسْرَافِيلُ، وَمَلَكُ الْمَوْتِ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.
وَإِنَّمَا يَحْصُلُ الْفَزَعُ لِشِدَّةِ مَا يَقَعُ مِنْ هَوْلِ تِلْكَ النَّفْخَةِ، فَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ، وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْمُطَوَّلَاتِ، وَأَبُو يَعْلَى فِي مُسْنَدِهِ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الْبَعْثِ، وَأَبُو مُوسَى الْمَدَنِيُّ فِي الْمُطَوَّلَاتِ، وَعَلِيُّ بْنُ مَعْبَدٍ فِي كِتَابِ الطَّاعَةِ وَالْعِصْيَانِ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَأَبُو الشَّيْخِ فِي كِتَابِ الْعَظَمَةِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ:
حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «أَنَّ اللَّهَ لَمَّا فَرَغَ مِنْ خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ خَلَقَ الصُّورَ فَأَعْطَاهُ إِسْرَافِيلَ فَهُوَ وَاضِعُهُ عَلَى فِيهِ شَاخِصًا بِبَصَرِهِ إِلَى الْعَرْشِ يَنْتَظِرُ مَتَى يُؤْمَرُ ". قُلْتُ:
يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الصُّورُ؟ قَالَ:
الْقَرْنُ، قُلْتُ أَيُّ شَيْءٍ
стр. 613
هُوَ؟ قَالَ:
عَظِيمٌ، إِنَّ عِظَمَ دَارَةٍ فِيهِ كَعَرْضِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، فَيَنْفُخُ فِيهِ ثَلَاثَ نَفَخَاتٍ:
الْأُولَى نَفْخَةُ الْفَزَعِ، وَالثَّانِيَةُ نَفْخَةُ الصَّعْقِ، وَالثَّالِثَةُ نَفْخَةُ الْقِيَامِ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ، فَيَأْمُرُ اللَّهُ إِسْرَافِيلَ بِالنَّفْخَةِ الْأُولَى فَيَقُولُ انْفُخْ نَفْخَةَ الْفَزَعِ، فَيَنْفُخُ فَيَفْزَعُ أَهْلُ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ، فَيَأْمُرُهُ فَيَمُدُّهَا، وَيُطِيلُهَا، وَلَا يَفْتُرُ، وَهِيَ الَّتِي يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ﴾ [ص: ١٥] فَيُسَيِّرُ اللَّهُ الْجِبَالَ فَتَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ فَتَكُونُ سَرَابًا، وَتَرْتَجُّ الْأَرْضُ بِأَهْلِهَا رَجًّا فَتَكُونُ كَالسَّفِينَةِ الْمُوَقَّرَةِ فِي الْبَحْرِ تَضْرِبُهَا الْأَمْوَاجُ، وَكَالْقِنْدِيلِ الْمُعَلَّقِ بِالْعَرْشِ تُرَجِّحُهُ الْأَرْوَاحُ، وَهِيَ الَّتِي يَقُولُ اللَّهُ: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ - تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ﴾ [النازعات: ٦ - ٧] فَتَمِيلُ الْأَرْضُ بِالنَّاسِ عَلَى ظَهْرِهَا فَتَذْهَلُ الْمَرَاضِعُ، وَتَضَعُ الْحَوَامِلُ، وَتَشِيبُ الْوِلْدَانُ، وَتَطِيرُ الشَّيَاطِينُ هَارِبَةً مِنَ الْفَزَعِ حَتَّى تَأْتِيَ الْأَقْطَارَ فَتَتَلَقَّاهَا الْمَلَائِكَةُ فَتَضْرِبُ وُجُوهَهَا فَتَرْجِعُ، وَيُوَلِّي النَّاسُ مُدْبِرِينَ يُنَادِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَهُوَ الَّذِي يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ التَّنَادِ - يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ﴾ [غافر: ٣٢ - ٣٣] فَبَيْنَمَا هُمْ عَلَى ذَلِكَ إِذْ تَصَدَّعَتِ الْأَرْضُ، فَانْصَدَعَتْ مِنْ قُطْرٍ إِلَى قُطْرٍ، فَرَأَوْا أَمْرًا عَظِيمًا ثُمَّ نَظَرُوا إِلَى السَّمَاءِ، فَإِذَا هِيَ كَالْمُهْلِ ثُمَّ انْشَقَّتْ، فَانْتَثَرَتْ نُجُومُهَا، وَانْخَسَفَتْ شَمْسُهَا وَقَمَرُهَا، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالْأَمْوَاتُ يَوْمَئِذٍ لَا يَعْلَمُونَ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ. قُلْتُ:
يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنِ اسْتَثْنَى اللَّهُ تَعَالَى فِي قَوْلِهِ ﴿إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [الزمر: ٦٨] ؟ قَالَ:
أُولَئِكَ الشُّهَدَاءُ، وَإِنَّمَا يَتَّصِلُ الْفَزَعُ إِلَى الْأَحْيَاءِ، وَهُمْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ وَقَاهُمُ اللَّهُ فَزَعَ ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَآمَنَهُمْ مِنْهُ، وَهُوَ عَذَابٌ يَبْعَثُهُ اللَّهُ عَلَى شِرَارِ خَلْقِهِ، يَقُولُ اللَّهُ:
﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ - يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج: ١ - ٢] فَيَمْكُثُونَ فِي ذَلِكَ مَا شَاءَ اللَّهُ» " الْحَدِيثَ.
وَفِي الْبَغَوِيِّ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ﵁ قَالَ:
سِتُّ آيَاتٍ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ: بَيْنَمَا النَّاسُ فِي أَسْوَاقِهِمْ إِذْ ذَهَبَ ضَوْءُ الشَّمْسِ، فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ تَنَاثَرَتِ النُّجُومُ، فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ وَقَعَتِ الْجِبَالُ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ فَتَحَرَّكَتْ وَاضْطَرَبَتْ، وَفَزِعَتِ الْجِنُّ إِلَى الْإِنْسِ، وَالْإِنْسُ إِلَى الْجِنِّ، وَاخْتَلَطَتِ الدَّوَابُّ وَالطَّيْرُ وَالْوَحْشُ، وَمَاجَ بَعْضُهُمْ فِي بَعْضٍ فَذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾ [التكوير: ٥] اخْتَلَطَتْ ﴿وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ﴾ [التكوير: ٤]
стр. 614
أُهْمِلَتْ ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾ [التكوير: ٦] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ:
﵄ أُوقِدَتْ فَصَارَتْ نَارًا تَضَرَّمُ. قَالَ
أُبَيٌّ: قَالَتِ الْجِنُّ لِلْإِنْسِ:
نَحْنُ نَأْتِيكُمْ بِالْخَبَرِ، فَانْطَلَقُوا إِلَى الْبَحْرِ فَإِذَا هُوَ نَارٌ تَأَجَّجُ، فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ تَصَدَّعَتِ الْأَرْضُ صَدْعَةً وَاحِدَةً إِلَى الْأَرْضِ السَّابِعَةِ السُّفْلَى، وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ انْشِقَاقَةً وَاحِدَةً إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ الْعُلْيَا، فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ جَاءَتْهُمُ الرِّيحُ فَأَمَاتَتْهُمْ. انْتَهَى
(النَّفْخَةُ الثَّانِيَةُ) :
نَفْخَةُ الصَّعْقِ، وَفِيهَا هَلَاكُ كُلِّ شَيْءٍ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [الزمر: ٦٨] وَقَدْ فُسِّرَ الصَّعْقُ بِالْمَوْتِ، وَفِي الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ الَّذِي رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وَمَا عُطِفَ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ أَبَى هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «ثُمَّ يَأْمُرُ اللَّهُ إِسْرَافِيلَ فَيَنْفُخُ نَفْخَةَ الصَّعْقِ فَيَصْعَقُ أَهْلُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ فَيَقُولُ اللَّهُ وَهُوَ أَعْلَمُ: فَمَنْ بَقِيَ؟ فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ بَقِيتَ أَنْتَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ الَّذِي لَا يَمُوتُ، وَبَقِيَتْ حَمَلَةُ الْعَرْشِ، وَبَقِيَ جِبْرِيلُ، وَمِيكَائِيلُ، وَبَقِيتُ أَنَا، فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: فَلْيَمُتْ جِبْرِيلُ وَمِيكَائِيلُ فَيَمُوتَانِ، ثُمَّ يَأْتِي مَلَكُ الْمَوْتِ إِلَى الْجَبَّارِ فَيَقُولُ قَدْ مَاتَ جِبْرِيلُ وَمِيكَائِيلُ، فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى فَلْيَمُتْ حَمَلَةُ الْعَرْشِ، فَيَمُوتُونَ، وَيَأْمُرُ اللَّهُ الْعَرْشَ أَنْ يَقْبِضَ الصُّورَ مِنْ إِسْرَافِيلَ، فَيَمُوتُ ثُمَّ يَأْتِي مَلَكُ الْمَوْتِ إِلَى الْجَبَّارِ فَيَقُولُ: رَبِّي قَدْ مَاتَ حَمَلَةُ الْعَرْشِ، فَيَقُولُ وَهُوَ أَعْلَمُ: فَمَنْ بَقِيَ؟ فَيَقُولُ: أَنْتَ الْحَيُّ الَّذِي لَا يَمُوتُ، وَبَقِيتُ أَنَا، فَيَقُولُ:
أَنْتَ خَلْقٌ مِنْ خَلْقِي خَلَقْتُكَ لِمَا رَأَيْتُ فَمُتْ، فَيَمُوتُ، فَإِذَا لَمْ يَبْقَ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ طَوَى السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ، وَقَالَ:
" أَنَا الْجَبَّارُ، ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ [غافر: ١٦] " ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَلَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ، ثُمَّ يَقُولُ لِنَفْسِهِ " ﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر: ١٦] "
وَتُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ، فَيَبْسُطُهَا وَيُسَطِّحُهَا وَيَمُدُّهَا مَدَّ الْأَدِيمِ لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا، وَلَا أَمْتًا» " الْحَدِيثَ.
وَأَخْرَجَ أَبُو الشَّيْخِ عَنْ وَهْبٍ قَالَ:
هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَةُ أَمْلَاكٍ - جَبْرَائِيلُ وَمِيكَائِيلُ وَإِسْرَافِيلُ وَمَلَكُ الْمَوْتِ - أَوَّلُ مَنْ خَلَقَهُمُ اللَّهُ، وَآخِرُ مَنْ يُمِيتُهُمْ، وَأَوَّلُ مَنْ يُحْيِيهِمْ، هُمُ الْمُدَبِّرَاتُ أَمْرًا، وَالْمُقَسِّمَاتُ أَمْرًا.
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْقُرْطُبِيُّ:
وَالصُّورُ قَرْنٌ مِنْ نُورٍ يُجْعَلُ فِيهِ أَرْوَاحُ الْخَلَائِقِ. وَقَالَ مَاجِدٌ: كَالْبُوقِ. ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ، وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵄:
«جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى
стр. 615
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: مَا الصُّورُ؟ قَالَ: " قَرْنٌ يُنْفَخُ فِيهِ» ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ.
وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ أَيْضًا وَحَسَّنَهُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:
" كَيْفَ أَنْعَمُ، وَصَاحِبُ الصُّورِ قَدِ الْتَقَمَ الْقَرْنَ، وَاسْتَمَعَ الْإِذْنَ مَتَى يُؤْمَرُ بِالنَّفْخِ» فَكَأَنَّ ذَلِكَ ثَقُلَ عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ لَهُمْ:
" «قُولُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ» ". وَأَخْرَجَ الْإِمَامُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، وَمُؤَمَّلُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، وَعَلِيُّ بْنُ مَعْبَدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ حَدِيثًا مَرْفُوعًا فِيهِ " «ثُمَّ يَقُومُ مَلَكُ الصُّورِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ فَيَنْفُخُ فِيهِ - وَالصُّورُ قَرْنٌ - فَلَا يَبْقَى خَلْقٌ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا مَاتَ، إِلَّا مَنْ شَاءَ رَبُّكَ» ". الْحَدِيثَ.
وَأَخْرَجَ الشَّيْخَانِ، وَغَيْرُهُمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ مَرْفُوعًا " «يَقْبِضُ اللَّهُ الْأَرْضَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَيَطْوِي السَّمَاءَ بِيَمِينِهِ ثُمَّ يَقُولُ أَنَا الْمَلِكُ، أَيْنَ الْمُلُوكُ» ؟ .
وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «يَطْوِي اللَّهُ السَّمَاوَاتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ يَأْخُذُهُنَّ بِيَدِهِ الْيُمْنَى ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ، أَيْنَ الْجَبَّارُونَ؟ أَيْنَ الْمُتَكَبِّرُونَ» ؟ " وَسَيَأْتِي أَنَّ مَنْ لَمْ يُخْلَقْ لِلْفَنَاءِ لَمْ يَفْنَ، كَالْجَنَّةِ وَمَا فِيهَا مِنَ الْحُورِ الْعِينِ وَالْوِلْدَانِ، وَكَذَا النَّارُ وَمَا فِيهَا مِنَ الْحَيَّاتِ وَالْعَقَارِبِ وَالْخُزَّانِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(النَّفْخَةُ الثَّالِثَةُ) :
نَفْخَةُ الْبَعْثِ وَالنُّشُورِ، وَقَدْ جَاءَ فِي الْكِتَابِ الْعَزِيزِ آيَاتٌ تَدُلُّ عَلَيْهَا، وَأَخْبَارٌ تُشِيرُ إِلَيْهَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى:
﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ [يس: ٥١] ، وَقَوْلِهِ:
﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر: ٦٨]- ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ - فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ - عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ [المدثر: ٨ - ١٠] قَالَ الْكَلْبِيُّ وَغَيْرُهُ: هِيَ نَفْخَةُ الْبَعْثِ، وَالنَّاقُورُ فَاعُولٌ مِنَ النَّقْرِ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى:
﴿وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ - يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ﴾ [ق: ٤١ - ٤٢] الْآيَةَ، قَالَ الْمُفَسِّرُونَ:
الْمُنَادِي هُوَ إِسْرَافِيلُ ﵇، يَنْفُخُ فِي الصُّورِ وَيُنَادِي أَيَّتُهَا الْعِظَامُ الْبَالِيَةُ، وَالْأَوْصَالُ الْمُتَقَطِّعَةُ، وَاللُّحُومُ الْمُتَمَزِّقَةُ، وَالشُّعُورُ الْمُتَفَرِّقَةُ، إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُنَّ أَنْ تَجْتَمِعْنَ لِفَصْلِ الْقَضَاءِ.
وَقِيلَ: يَنْفُخُ إِسْرَافِيلُ، وَيُنَادِي جِبْرِيلُ، وَالْمَكَانُ الْقَرِيبُ صَخْرَةُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ. قَالَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ.
وَبَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ أَرْبَعُونَ عَامًا - قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: اتَّفَقَتِ الرِّوَايَاتُ عَلَى ذَلِكَ.
وَفِي
стр. 616
مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ مَرْفُوعًا: «مَا بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ أَرْبَعُونَ» . قَالُوا:
يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أَرْبَعُونَ يَوْمًا؟ قَالَ:
أَبَيْتُ، قَالُوا:
أَرْبَعُونَ شَهْرًا؟ قَالَ:
أَبَيْتُ، قَالُوا:
أَرْبَعُونَ عَامًا؟ قَالَ:
أَبَيْتُ - الْحَدِيثَ، وَقَوْلُ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ " أَبَيْتُ " فِيهِ ثَلَاثُ تَأْوِيلَاتٍ:
أَوَّلُهَا: امْتَنَعْتُ مِنْ بَيَانِ ذَلِكَ لَكُمْ، وَقِيلَ: أَبَيْتُ أَسْأَلُ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، وَقِيلَ: نَسِيتُ، وَقِيلَ: إِنَّ سِرَّ ذَلِكَ لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَسْرَارِ الرُّبُوبِيَّةِ.
وَفِي حَدِيثٍ أَنَّ بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ أَرْبَعُونَ عَامًا، وَفِي تَفْسِيرِ الثَّعْلَبِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الزُّمَرِ مَرْفُوعًا " «إِنَّ اللَّهَ يُرْسِلُ مَطَرًا عَلَى الْأَرْضِ فَيَنْزِلُ عَلَيْهِمْ أَرْبَعُونَ يَوْمًا حَتَّى يَكُونَ فَوْقَهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ ذِرَاعًا، فَيَأْمُرُ اللَّهُ تَعَالَى الْأَجْسَادَ أَنْ تَنْبُتَ كَنَبَاتِ الْبَقْلِ، حَتَّى إِذَا تَكَامَلَتْ أَجْسَادُهُمْ كَمَا كَانَتْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: لِيَحْيَا حَمَلَةُ الْعَرْشِ، لِيَحْيَا جِبْرِيلُ وَمِيكَائِيلُ وَإِسْرَافِيلُ وَعِزْرَائِيلُ، ثُمَّ يَأْمُرُ اللَّهُ تَعَالَى إِسْرَافِيلَ فَيَأْخُذُ الصُّورَ فَيَضَعُهُ عَلَى فِيهِ، ثُمَّ يَدْعُوا الْأَرْوَاحَ فَيُؤْتَى بِهَا، تَتَوَهَّجُ أَرْوَاحُ الْمُؤْمِنِينَ نُورًا وَالْأُخْرَى ظُلْمَةً فَيَقْبِضُهَا جَمِيعًا، ثُمَّ يُلْقِيهَا فِي الصُّورِ، ثُمَّ يَأْمُرُهُ أَنْ يَنْفُخَ نَفْخَةَ الْبَعْثِ فَتَخْرُجَ الْأَرْوَاحُ كُلُّهَا كَأَنَّهَا النَّحْلُ قَدْ مَلَئَتْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، ثُمَّ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى:
وَعِزَّتِي وَجَلَالِي لَتَرْجِعَنَّ كُلُّ رُوحٍ إِلَى جَسَدِهَا، فَتَدْخُلُ الْأَرْوَاحُ مِنَ الْخَيَاشِيمِ ثُمَّ تَمْشِي مَشْيَ السُّمِّ فِي اللَّدِيغِ، ثُمَّ تُشَقُّ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا، فَأَنَا أَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الْأَرْضُ، فَتَخْرُجُونَ مِنْهَا إِلَى رَبِّكُمْ تَنْسِلُونَ» "، وَأَخْرَجَ الشَّيْخَانِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ:
«قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " مَا بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ أَرْبَعُونَ " قِيلَ: أَرْبَعُونَ يَوْمًا؟ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَبَيْتُ، قَالَ: أَرْبَعُونَ شَهْرًا؟ قَالَ: أَبَيْتُ، قَالَ: أَرْبَعُونَ سَنَةً؟ قَالَ: أَبَيْتُ، " يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءٌ فَيَنْبُتُونَ كَمَا يَنْبُتُ الْبَقْلُ، وَلَيْسَ مِنَ الْإِنْسَانِ شَيْءٌ إِلَّا يَبْلَى إِلَّا عَظْمٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ عَجْبُ الذَّنَبِ مِنْهُ يُرَكَّبُ الْخَلْقُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» ". وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ " «أَنَّ فِي الْإِنْسَانِ عَظْمَةً لَا تَأْكُلُهَا الْأَرْضُ أَبَدًا فِيهِ يُرَكَّبُ الْخَلْقُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. قَالُوا: أَيُّ عَظْمٍ هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: عَجْبُ الذَّنَبِ» ". وَرَوَاهُ الْإِمَامُ مَالِكٌ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ بِاخْتِصَارٍ، قَالَ:
" «كُلُّ ابْنِ آدَمَ تَأْكُلُهُ الْأَرْضُ إِلَّا عَجْبَ الذَّنَبِ، مِنْهُ خُلِقَ، وَفِيهِ يُرَكَّبُ» ". قَالَ الْحَافِظُ الْمُنْذِرِيُّ كَغَيْرِهِ: عَجْبُ الذَّنَبِ بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ
стр. 617
وَإِسْكَانِ الْجِيمِ بَعْدَهُمَا بَاءٌ مُوَحَّدَةٌ أَوْ مِيمٌ، وَهُوَ الْعَظْمُ الْحَدِيدُ الَّذِي يَكُونُ فِي أَسْفَلِ الصُّلْبِ، وَأَصْلُ الذَّنَبِ مِنْ ذَوَاتِ الْأَرْبَعِ.
وَقَدْ رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ سَعِيدٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «يَأْكُلُ التُّرَابُ كُلَّ شَيْءٍ مِنَ الْإِنْسَانِ إِلَّا عَجْبَ ذَنَبِهِ» " قِيلَ:
وَمَا هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: " «مِثْلُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْهُ تَنْبُتُونَ» "، وَفِي الثَّعْلَبِيِّ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْأَعْرَافِ، وَتَفْسِيرِ ابْنِ عَطِيَّةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵃: «إِذَا مَاتَ النَّاسُ كُلُّهُمْ فِي النَّفْخَةِ الْأُولَى يَعْنِي - نَفْخَةَ الصَّعْقِ - أَمْطَرَ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ عَامًا كَمَنِيِّ الرِّجَالِ مِنْ مَاءٍ تَحْتَ الْعَرْشِ - يَعْنِي مَاءَ الْحَيَوَانِ - فَيَنْبُتُونَ مِنْ قُبُورِهِمْ بِذَلِكَ الْمَطَرِ كَمَا يَنْبُتُ الزَّرْعُ مِنَ الْمَاءِ، حَتَّى إِذَا اسْتَكْمَلَتْ أَجْسَادُهُمْ نَفَخَ فِيهِمُ الرُّوحَ، ثُمَّ يُلْقِي عَلَيْهِمْ نَوْمَةً فَيَنَامُونَ فِي قُبُورِهِمْ، فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ النَّفْخَةُ الثَّانِيَةُ قَامُوا وَهُمْ يَجِدُونَ طَعْمَ النَّوْمِ فِي أَعْيُنِهِمْ كَمَا يَجِدُهُ النَّائِمُ إِذَا اسْتَيْقَظَ مِنْ نَوْمِهِ، عِنْدَ ذَلِكَ يَقُولُونَ: ﴿يَاوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ [يس: ٥٢] » .
وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ:
" «أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ، وَأَوَّلُ مَنْ يَنْشَقُّ عَنْهُ الْقَبْرُ، وَأَوَّلُ شَافِعٍ، وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ» ". وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ " «أَنَا أَوَّلُ مَنْ يَرْفَعُ رَأْسَهُ بَعْدَ النَّفْخَةِ الْآخِرَةِ، فَإِذَا بِمُوسَى ﵇ مُتَعَلِّقٌ بِالْعَرْشِ، فَلَا أَدْرِي أَكَذَلِكَ كَانَ أَمْ بَعْدَ النَّفْخَةِ» ؟ " - وَفِي بَعْضِ أَلْفَاظِ الْبُخَارِيِّ - «فَإِذَا أَنَا بِمُوسَى آخِذٌ بِقَائِمَةٍ مِنْ قَوَائِمِ الْعَرْشِ، فَلَا أَدْرِي أَفَاقَ قَبْلِي أَمْ جُوزِيَ بِصَعْقَةِ الطُّورِ؟» "، وَأَخْرَجَ الْحَكِيمُ، وَالتِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ «خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ ، وَيَمِينُهُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ، وَشِمَالُهُ عَلَى عُمَرَ فَقَالَ: هَكَذَا نُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» .
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ ﵁ «أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ﴾ [الفرقان: ٣٤] أَيُحْشَرُ الْكَافِرُ عَلَى وَجْهِهِ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَلَيْسَ الَّذِي أَمْشَاهُ عَلَى الرِّجْلَيْنِ فِي الدُّنْيَا قَادِرًا عَلَى أَنْ يُمْشِيَهُ عَلَى وَجْهِهِ؟» .
وَقَالَ قَتَادَةُ حِينَ بَلَغَهُ: بَلَى وَعِزَّةِ رَبِّنَا، وَرَوَى النَّسَائِيُّ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ:
" «يُحْشَرُ الْمُتَكَبِّرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْثَالَ الذَّرِّ فِي صُوَرِ الرِّجَالِ يَغْشَاهُمُ الذُّلُّ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ يُسَاقُونَ إِلَى سِجْنٍ فِي جَهَنَّمَ يُقَالُ لَهُ بُولَسَ تَعْلُوهُمْ نَارُ الْأَنْيَارِ يُسْقَوْنَ
стр. 618
مِنْ عُصَارَةِ أَهْلِ النَّارِ طِينَةَ الْخَبَالِ» ". وَرَوَى الْبَزَّارُ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ ﵁ مَرْفُوعًا " «يَبْعَثُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ نَاسًا فِي صُوَرِ الذَّرِّ يَطَؤُهُمُ النَّاسُ بِأَقْدَامِهِمْ فَيُقَالُ مَا هَؤُلَاءِ فِي صُوَرِ الذَّرِّ؟ فَيُقَالُ:
هَؤُلَاءِ الْمُتَكَبِّرُونَ فِي الدُّنْيَا» ، وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي الزُّهْدِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ مَرْفُوعًا " «يُجَاءُ بِالْجَبَّارِينَ، وَالْمُتَكَبِّرِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ رِجَالٌ فِي صُورَةِ الذَّرِّ تَطَؤُهُمُ النَّاسُ مِنْ هَوَانِهِمْ عَلَى اللَّهِ حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ، قَالَ: ثُمَّ يُذْهَبُ بِهِمْ إِلَى نَارِ الْأَنْيَارِ " قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا نَارُ الْأَنْيَارِ؟ " قَالَ عُصَارَةُ أَهْلِ النَّارِ» . وَرُوِيَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ أَنَّهُ لَمَّا حَضَرَهُ الْمَوْتُ دَعَا بِثِيَابٍ جُدُدٍ فَلَبِسَهَا ثُمَّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ:
" «الْمَيِّتُ يُبْعَثُ فِي ثِيَابِهِ الَّتِي يَمُوتُ فِيهَا» " رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ، وَفِي إِسْنَادِهِ يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَهُوَ الْغَافِقِيُّ الْمِصْرِيُّ احْتَجَّ بِهِ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَغَيْرُهُمَا وَلَهُ مَنَاكِيرُ، قَالَ أَبُو حَاتِمٍ: لَا يُحْتَجُّ بِهِ، وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: سَيِّئُ الْحِفْظِ، وَقَالَ النَّسَائِيُّ: لَيْسَ بِالْقَوِيِّ، وَقَدْ قَالَ كُلُّ مَنْ وَقَفْتُ عَلَى كَلَامِهِ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ: إِنَّ الْمُرَادَ فِي ثِيَابِهِ الَّتِي قُبِضَ فِيهَا: أَيْ فِي أَعْمَالِهِ، قَالَ الْهَرَوِيُّ، وَهَذَا كَحَدِيثِهِ الْآخَرِ:
يُبْعَثُ الْعَبْدُ عَلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ.
قَالَ:
وَلَيْسَ قَوْلُ مَنْ ذَهَبَ إِلَى الْأَكْفَانِ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّ الْمَيِّتَ إِنَّمَا يُكَفَّنُ بَعْدَ الْمَوْتِ. انْتَهَى.
قَالَ الْحَافِظُ الْمُنْذِرِيُّ، وَفِعْلُ أَبِي سَعِيدٍ رَاوِي الْحَدِيثِ يَدُلُّ عَلَى إِجْرَائِهِ عَلَى ظَاهِرِهِ، «وَأَنَّ الْمَيِّتَ يُبْعَثُ فِي ثِيَابِهِ الَّتِي قُبِضَ فِيهَا» ، وَفِي الصِّحَاحِ، وَغَيْرِهَا: «إِنَّ النَّاسَ يُبْعَثُونَ عُرَاةً» . فَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَحَمَلَ كَثِيرٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ الْحَدِيثَ عَلَى الشُّهَدَاءِ الَّذِينَ أَمَرَ أَنْ يُدْفَنُوا فِي ثِيَابِهِمُ الَّتِي قُتِلُوا فِيهَا، وَأَنَّ أَبَا سَعِيدٍ سَمِعَ الْحَدِيثَ فِي الشُّهَدَاءِ فَحَمَلَهُ عَلَى الْعُمُومِ.
قَالَ الْبَيْهَقِيُّ:
يُجْمَعُ بِأَنَّ بَعْضَهُمْ يُحْشَرُ عَارِيًا وَبَعْضَهُمْ بِثِيَابِهِ، أَوْ يَخْرُجُونَ مِنْ قُبُورِهِمْ بِثِيَابِهِمُ الَّتِي مَاتُوا فِيهَا تَتَنَاثَرُ عَنْهُمْ عِنْدَ ابْتِدَاءِ الْحَشْرِ.
وَقَدْ رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ الْمَرْوَزِيُّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ:
«يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى قَدْرِ صَنِيعِهِمْ فِي الصَّلَاةِ» .
وَفَسَّرَهُ بَعْضُهُمْ بِقَبْضِ شِمَالِهِ بِيَمِينِهِ، وَالِانْحِنَاءِ هَكَذَا.
وَبِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ: يُبْعَثُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ هَكَذَا، وَوَضَعَ إِحْدَى يَدَيْهِ عَلَى الْأُخْرَى.
نَقَلَهُ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ فِي كِتَابِهِ الذِّكْرِ وَالِانْكِسَارِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ:
[الوقوف للحساب]
(كَذَا وُقُوفُ الْخَلْقِ لِلْحِسَابِ ... وَالصُّحْفُ وَالْمِيزَانُ لِلثَّوَابِ) .
стр. 619
(كَذَا) أَيْ: كَمَا يَجِبُ الْجَزْمُ بِالْبَعْثِ وَالنُّشُورِ وَالْحَشْرِ بَعْدَ النَّفْخِ فِي الصُّورِ يَجِبُ أَنْ نَجْزِمَ جَزْمًا بَاتًّا بِأَمْرِ (وُقُوفِ الْخَلْقِ) مِنَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ وَالدَّوَابِّ وَالطَّيْرِ وَغَيْرِهِمْ، قَالَ تَعَالَى ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٧] وَقَالَ ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [النساء: ٨٧] وَقَالَ ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا﴾ [النبأ: ١٨] أَيْ زُمَرًا زُمَرًا.
قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَحْشُرُ الْخَلْقَ كُلَّهُمْ مِنْ دَابَّةٍ وَطَائِرٍ وَإِنْسَانٍ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾ [التكوير: ٥] يُحْشَرُ كُلُّ شَيْءٍ حَتَّى الذُّبَابُ لَيُحْشَرُ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَجْمَعُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ حَتَّى لَا يَدْرِيَ الشَّخْصُ أَيْنَ يَضَعُ قَدَمَهُ لِشِدَّةِ الزِّحَامِ.
وَفِي تَفْسِيرِ مَكِّيٍّ: يُحْشَرُ الْخَلْقُ مِنْ دَابَّةٍ وَطَائِرٍ وَإِنْسَانٍ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ فَهُمْ فِي ضِيقِ مَقَامِهِمْ فِيهَا كَضِيقِ سِهَامٍ اجْتَمَعَتْ فِي كِنَانَتِهَا، فَالسَّعِيدُ يَوْمَئِذٍ مَنْ يَجِدُ لِقَدَمِهِ مَقَامًا.
قَالَ: وَأَكْثَرُ الْأَقْدَامِ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ، وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو نُعَيْمٍ الْحَافِظُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ:
إِذَا قَامَتِ السَّاعَةُ صَرَخَتِ الْحِجَارَةُ صُرَاخَ النِّسَاءِ، وَقَطَرَتِ الْعِضَاةُ دَمًا. وَاعْلَمْ أَنَّ لِيَوْمِ الْوُقُوفِ أَهْوَالًا عَظِيمَةً، وَشَدَائِدَ جَسِيمَةً تُذِيبُ الْأَكْبَادَ وَتُذْهِلُ الْمَرَاضِعَ، وَتُشَيِّبُ الْأَوْلَادَ، وَهُوَ حَقٌّ ثَابِتٌ وَرَدَ بِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ، وَانْعَقَدَ عَلَيْهِ الْإِجْمَاعُ، وَهُوَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ.
وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي تَسْمِيَةِ ذَلِكَ الْيَوْمِ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ، قِيلَ لِكَوْنِ النَّاسِ يَقُومُونَ مِنْ قُبُورِهِمْ، قَالَ تَعَالَى ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا﴾ [المعارج: ٤٣] . وَقِيلَ: لِوُجُودِ أُمُورِ الْمَحْشَرِ وَالْوُقُوفِ وَنَحْوِهِمَا فِيهِ.
وَقِيلَ: لِقِيَامِ النَّاسِ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ كَمَا رَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ «عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ مَرْفُوعًا ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين: ٦] قَالَ يَقُومُ النَّاسُ أَحَدُهُمْ فِي رَشْحِهِ إِلَى نِصْفِ أُذُنَيْهِ» . قَالَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ يَقُومُونَ مِائَةَ سَنَةٍ.
وَيُرْوَى عَنْ كَعْبٍ: يَقُومُونَ ثَلَاثَمِائَةِ سَنَةٍ. وَرَوَى أَبُو يَعْلَى بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " « ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين: ٦] مِقْدَارُ نِصْفِ يَوْمٍ مِنْ خَمْسِينَ أَلْفًا فَيُهَوَّنُ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِ كَتَدَلِّي الشَّمْسِ لِلْغُرُوبِ
стр. 620
إِلَى أَنْ تَغْرُبَ» ". وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَأَبُو يَعْلَى، وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ ﴿يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: ٤] فَقِيلَ مَا أَطْوَلَ هَذَا الْيَوْمَ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ " «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّهُ لِيُخَفَّفُ عَلَى الْمُؤْمِنِ حَتَّى يَكُونَ عَلَيْهِ أَخَفَّ مِنْ صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ» ".
وَرَوَى ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا، وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ طُرُقٍ أَحَدُهَا صَحِيحٌ، وَالْحَاكِمُ وَقَالَ: صَحِيحُ الْإِسْنَادِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:
" «يَجْمَعُ اللَّهُ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ قِيَامًا أَرْبَعِينَ سَنَةً شَاخِصَةً أَبْصَارُهُمْ يَنْتَظِرُونَ فَصْلَ الْقَضَاءِ» ". الْحَدِيثَ.
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: يَقُومُونَ سَبْعِينَ سَنَةً، وَقِيلَ: مِقْدَارُهُ أَلْفُ سَنَةٍ، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ مَرْفُوعًا، وَلَفْظُهُ: " «أَمَّا مَقَامُ النَّاسِ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّ الْعَالَمِينَ فَأَلْفُ سَنَةٍ لَا يُؤْذَنُ لَهُمْ» ".
وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ عَنْهُ: «يَمْكُثُونَ أَلْفَ عَامٍ فِي الظُّلْمَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يَتَكَلَّمُونَ» .
وَقِيلَ: إِنَّمَا سُمِّيَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِقِيَامِ الْمَلَائِكَةِ وَالرُّوحِ فِيهِ صَفًّا قَالَ تَعَالَى ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا﴾ [النبأ: ٣٨] قَالَ الْقُرْطُبِيُّ:
الْقِيَامَةُ قِيَامَتَانِ، صُغْرَى وَكُبْرَى، الصُّغْرَى مَا تَقُومُ عَلَى كُلِّ إِنْسَانٍ فِي خَاصَّتِهِ مِنْ خُرُوجِ رُوحِهِ وَانْقِطَاعِ سَعْيِهِ وَحُصُولِهِ عَلَى عَمَلِهِ، وَالْكُبْرَى هِيَ الَّتِي تَعُمُّ النَّاسَ وَتَأْخُذُهُمْ أَخْذَةً وَاحِدَةً، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ كُلَّ مَنْ مَاتَ قَامَتْ قِيَامَتُهُ «قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ لِقَوْمٍ مِنَ الْأَعْرَابِ سَأَلُوهُ عَنِ السَّاعَةِ، فَنَظَرَ إِلَى أَحْدَثِ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ فَقَالَ " إِنْ يَعِشْ هَذَا حَتَّى يُدْرِكَهُ الْهَرَمُ قَامَتْ عَلَيْكُمْ سَاعَتُكُمْ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ، وَقَالَ الشَّاعِرُ:
خَرَجْتُ مِنَ الدُّنْيَا وَقَامَتْ قِيَامَتِي ... غَدَاةَ أَقَلَّ الْحَامِلُونَ جِنَازَتِي
وَعَجَّلَ أَهْلِي حَفْرَ قَبْرِي وَصَيَّرُوا ... خُرُوجِي وَتَعْجِيلِي إِلَيْهِ كَرَامَتِي
(لَطِيفَةٌ) سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ عَنْ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَهْوَ مِنَ الدُّنْيَا أَمْ مِنَ الْآخِرَةِ؟ قَالَ: صَدْرُ ذَلِكَ الْيَوْمِ مِنَ الدُّنْيَا، وَآخِرُهُ مِنَ الْآخِرَةِ.
وَقَدْ أَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عُمَيْرَةَ، وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ وَالطَّبَرَانِيُّ عَنْ عُتْبَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ مَرْفُوعًا " «لَوْ أَنَّ رَجُلًا يَخِرُّ عَلَى وَجْهِهِ مِنْ يَوْمَ وُلِدَ إِلَى يَوْمَ يَمُوتُ هَرَمًا فِي
стр. 621
مَرْضَاةِ اللَّهِ لَحَقَّرَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» " وَأَخْرَجَ ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ كَعْبٍ قَالَ:
لَوْ أَنَّ رَجُلًا كَانَ لَهُ مِثْلُ عَمَلِ سَبْعِينَ نَبِيًّا لَخَشِيَ أَنْ لَا يَنْجُوَ مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَأَخْرَجَ الشَّيْخَانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ مَرْفُوعًا " «يَعْرَقُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يَذْهَبَ عَرَقُهُمْ فِي الْأَرْضِ سَبْعِينَ ذِرَاعًا، وَيُلْجِمُهُمْ حَتَّى يَبْلُغَ آذَانَهُمْ» "، وَفِي بَعْضِ أَلْفَاظِ الصَّحِيحِ " سَبْعِينَ بَاعًا " وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ عَنِ الْمِقْدَادِ ﵁ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ " «إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ أُدْنِيَتِ الشَّمْسُ مِنَ الْعِبَادِ حَتَّى تَكُونَ قَدْرَ مِيلٍ أَوْ مِيلَيْنِ قَالَ: فَتَصْهَرُهُمُ الشَّمْسُ فَيَكُونُونَ فِي الْعَرَقِ كَقَدْرِ أَعْمَالِهِمْ، مِنْهُمْ مَنْ يَأْخُذُهُ إِلَى عَقِبَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَأْخُذُهُ إِلَى حَقْوَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُلْجِمُهُ إِلْجَامًا» " وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ " «تُدْنَى الشَّمْسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْخَلْقِ حَتَّى تَكُونَ كَمِقْدَارِ مِيلٍ» " قَالَ سُلَيْمُ بْنُ عَامِرٍ:
مَا أَدْرِي مَا يَعْنِي بِالْمِيلِ مَسَافَةَ الْأَرْضِ أَوِ الْمِيلُ الَّذِي تُكَحَّلُ بِهِ الْعَيْنُ قَالَ:
" «فَيَكُونُ النَّاسُ عَلَى قَدْرِ أَعْمَالِهِمْ فِي الْعَرَقِ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ إِلَى عَقِبَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ إِلَى رُكْبَتَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ إِلَى حَقْوَيْهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يُلْجِمُهُ الْعَرَقُ إِلْجَامًا، وَأَشَارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى فِيهِ» .
وَأَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالطَّبَرَانِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ، وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ مِنْ حَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ، وَزَادَ بَعْدَ قَوْلِهِ: " «وَمِنْهُمْ مَنْ يَبْلُغُ وَسَطَ فِيهِ» " وَأَشَارَ بِيَدِهِ أَلْجَمَهَا فَاهُ، فَقَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُشِيرُ هَكَذَا " «وَمِنْهُمْ مَنْ يُغَطِّيهِ عَرَقُهُ» " وَضَرَبَ بِيَدِهِ وَأَشَارَ، وَمَرَّ بِيَدِهِ فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُصِيبَ الرَّأْسَ دَوَّرَ رَاحَتَهُ يَمِينًا وَشِمَالًا.
وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ ﵁: الْأَرْضُ كُلُّهَا نَارٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَالْجَنَّةُ مِنْ وَرَاءِهَا كَوَاعِبُهَا وَأَكْوَابُهَا، وَالَّذِي نَفْسُ عَبْدِ اللَّهِ بِيَدِهِ إِنَّ الرَّجُلَ لَيَفِيضُ عَرَقًا حَتَّى يَسِيخَ فِي الْأَرْضِ قَامَتَهُ، ثُمَّ يَرْتَفِعُ حَتَّى يَبْلُغَ أَنْفَهُ، وَمَا مَسَّهُ الْحِسَابُ.
قَالُوا: مِمَّ ذَاكَ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ؟ قَالَ مِمَّا يَرَى النَّاسُ. رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ قَوِيٍّ. وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ مَرْفُوعًا " «إِنَّ الرَّجُلَ لَيُلْجِمُهُ الْعَرَقُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ أَرِحْنِي وَلَوْ إِلَى النَّارِ» " وَرَوَاهُ أَبُو يَعْلَى، وَابْنُ حِبَّانَ بِلَفْظِ " «إِنَّ الْكَافِرَ لَيُلْجِمُهُ الْعَرَقُ» " الْحَدِيثَ.
وَأَخْرَجَ الْحَاكِمُ، وَصَحَّحَهُ عَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ
стр. 622
عَنْهُ مَرْفُوعًا " «إِنَّ الْعَرَقَ لَيَلْزَمُ الْمَرْءَ فِي الْمَوْقِفِ حَتَّى يَقُولَ: يَا رَبِّ إِرْسَالُكَ بِي إِلَى النَّارِ أَهْوَنُ عَلَيَّ مِمَّا أَجِدُ» " وَهُوَ يَعْلَمُ مَا فِيهَا مِنْ شِدَّةِ الْعَذَابِ.
(فَائِدَةٌ) قَالَ الْحَافِظُ: قَدْ صَحَّ أَنَّ الْفُقَرَاءَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ قَبْلَ الْأَغْنِيَاءِ بِخَمْسِمِائَةِ عَامٍ فَيَكُونُونَ قَدْ سَلِمُوا مِنْ تِلْكَ الْأَهْوَالِ، وَنَجَوْا مِنْ ذَلِكَ النَّكَالِ وَالْوَبَالِ، فَفِي مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:
" «قُمْتُ عَلَى بَابِ الْجَنَّةِ فَإِذَا عَامَّةُ مَنْ يَدْخُلُهَا الْفُقَرَاءُ، إِلَّا أَنَّ أَصْحَابَ الْجِدِّ - أَيِ الْحَظِّ وَالثَّرْوَةِ وَالْمَالِ مَحْبُوسُونَ - إِلَّا أَنَّ أَهْلَ النَّارِ فَقَدْ أُمِرَ بِهِمْ إِلَى النَّارِ» " الْحَدِيثُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " «إِنَّ فُقَرَاءَ الْمُهَاجِرِينَ يَسْبِقُونَ الْأَغْنِيَاءَ إِلَى الْجَنَّةِ بِأَرْبَعِينَ خَرِيفًا» " وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ " «يَدْخُلُ فُقَرَاءُ الْمُؤْمِنِينَ الْجَنَّةَ قَبْلَ أَغْنِيَائِهِمْ بِخَمْسِمِائَةِ عَامٍ» " وَحَاصِلُ ذَلِكَ أَنَّ الْخَلْقَ يَقِفُونَ الْمِقْدَارَ الَّذِي مَرَّ، وَتَدْنُو الشَّمْسُ مِنْ رُءُوسِ الْخَلَائِقِ مِقْدَارَ مِيلٍ، وَيُصِيبُهُمْ مِنَ الْعَرَقِ بِشِدَّةِ الْهَوْلِ وَعِظَمِ حَرِّ الشَّمْسِ يَوْمَئِذٍ أَمْرٌ عَظِيمٌ، قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: لَوْ طَلَعَتِ الشَّمْسُ عَلَى هَيْئَتِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَأَحْرَقَتِ الْأَرْضَ، وَأَذَابَتِ الْجَوَامِدَ، وَنَشَّفَتِ الْأَنْهَارَ.
وَهَذَا الْوُقُوفُ مَعَ مَا مَرَّ ((لِلْحِسَابِ)) الثَّابِتُ بِالسُّنَّةِ وَالْكِتَابِ وَإِجْمَاعِ أَهْلِ الْحَقِّ بِلَا ارْتِيَابٍ، قَالَ تَعَالَى:
﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ - عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر: ٩٢ - ٩٣] وَقَالَ فِي حَقِّ أَعْدَائِهِ: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ﴾ [الرعد: ١٨]- ﴿وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩]- ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ - وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧ - ٨] قَالَ الثَّعْلَبِيُّ:
الْحِسَابُ تَعْرِيفُ اللَّهِ الْخَلَائِقَ مَقَادِيرَ الْجَزَاءِ عَلَى أَعْمَالِهِمْ، وَتَذْكِيرُهُ إِيَّاهُمْ مَا قَدْ نَسُوهُ مِنْ ذَلِكَ، يَدُلُّ عَلَى هَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ﴾ [المجادلة: ٦] وَقَالَ بَعْضُهُمْ:
مَعْنَى كَوْنِهِ مُحَاسِبًا لِخَلْقِهِ أَنَّهُ تَعَالَى يُعْلِمُهُمْ مَا لَهُمْ، وَمَا عَلَيْهِمْ.
وَالْحِسَابُ مَصْدَرُ حَاسَبَ. وَحَسِبَ الشَّيْءَ يَحْسُبُهُ بِالضَّمِّ إِذَا عَدَّهُ سَمَاعًا، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ مَنْ قَالَ: الْحِسَابُ لِغَدٍ الْعَدُّ، وَاصْطِلَاحًا تَوْقِيفُ اللَّهِ عِبَادَهُ
стр. 623
قَبْلَ الِانْصِرَافِ مِنَ الْمَحْشَرِ عَلَى أَعْمَالِهِمْ خَيْرًا كَانَتْ أَوْ شَرًّا تَفْصِيلًا لَا بِالْوَزْنِ إِلَّا مَنِ اسْتَثْنَى مِنْهُمْ.
وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي مَعْنَى مُحَاسَبَتِهِ تَعَالَى عِبَادَهُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ (أَحَدُهَا) : أَنَّهُ يُعْلِمُهُمْ مَا لَهُمْ وَعَلَيْهِمْ كَمَا تَقَدَّمَ، قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ بِأَنْ يَخْلُقَ اللَّهُ فِي قُلُوبِهِمْ عُلُومًا ضَرُورِيَّةً بِمَقَادِيرِ أَعْمَالِهِمْ مِنَ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ (الثَّانِي) : وَنُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنْ يُوقِفَ اللَّهُ تَعَالَى عِبَادَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ وَيُؤْتِيَهِمْ كُتُبَ أَعْمَالِهِمْ فِيهَا سَيِّئَاتُهُمْ وَحَسَنَاتُهُمْ فَيَقُولُ: هَذِهِ سَيِّئَاتُكُمْ وَقَدْ تَجَاوَزْتُ عَنْهَا، وَهَذِهِ حَسَنَاتُكُمْ وَقَدْ ضَاعَفْتُهَا لَكُمْ (الثَّالِثُ) : أَنْ يُكَلِّمَ اللَّهُ عِبَادَهُ فِي شَأْنِ أَعْمَالِهِمْ، وَكَيْفِيَّةِ مَا لَهَا مِنَ الثَّوَابِ، وَمَا عَلَيْهَا مِنَ الْعِقَابِ، وَفِي هَذَا مِنْ صَحِيحِ الْأَخْبَارِ وَصَرِيحِ الْآثَارِ مَا يَقْلَعُ شُرُورَ مَنْ فِي قَلْبِهِ نَوْعُ اخْتِلَاجِ أَصْلِ كُلِّ شُبْهَةٍ وَبِدْعَةٍ، فَقَدْ أَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَرْزَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ:
" «لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ أَرْبَعٍ، عَنْ عُمْرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ، وَعَنْ عِلْمِهِ مَا عَمِلَ بِهِ، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ، وَفِيمَا أَنْفَقَهُ، وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَا أَبْلَاهُ» ) قَالَ التِّرْمِذِيُّ:
حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَرَوَاهُ الْبَزَّارُ وَالطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ مِنْ حَدِيثِ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵁، وَلَفْظُهُ " لَنْ «تَزُولَ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ أَرْبَعِ خِصَالٍ، عَنْ عُمْرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ، وَعَنْ شَبَابِهِ فِيمَا أَبْلَاهُ، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَا أَنْفَقَهُ، وَعَنْ عِلْمِهِ مَاذَا عَمِلَ فِيهِ» ". وَفِي الصَّحِيحَيْنِ «مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ:
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ عُذِّبَ " فَقُلْتُ:
أَلَيْسَ يَقُولُ اللَّهُ ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ - فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا - وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ [الانشقاق: ٧ - ٩] فَقَالَ:
" إِنَّمَا ذَلِكَ الْعَرْضُ، وَلَيْسَ أَحَدٌ يُحَاسَبُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَّا هَلَكَ» .
وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَغَيْرُهُمَا.
وَرَوَاهُ الْبَزَّارُ وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ الزُّبَيْرِ ﵄ وَلَفْظُهُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ هَلَكَ» . وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، وَسُنَنِ التِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ:
" «لَتُؤَدُّنَّ الْحُقُوقَ إِلَى أَهْلِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُقَادَ لِلشَّاةِ الْجَلْحَاءِ مِنَ الشَّاةِ الْقَرْنَاءِ» ".
وَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَلَفْظُهُ " «يُقْتَصُّ لِلْخَلْقِ بَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ حَتَّى لِلْجَمَّاءِ مِنَ الْقَرْنَاءِ، وَحَتَّى لِلذَّرَّةِ مِنَ الذَّرَّةِ» "، وَرُوَاتُهُ رُوَاةُ
стр. 624
الصَّحِيحِ، الْجَلْحَاءُ وَالْجَمَّاءُ الَّتِي لَا قَرْنَ لَهَا.
وَأَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ أَيْضًا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَيْضًا ﵁ قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " «لَيَخْتَصِمَنَّ كُلُّ شَيْءٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى الشَّاتَانِ فِيمَ انْتَطَحَا» " وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ.
وَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ أَيْضًا، وَأَبُو يَعْلَى مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ. وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ ﵁ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ " «يَحْشُرُ اللَّهُ الْعِبَادَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ - أَوْ قَالَ: النَّاسَ - عُرَاةً غُرْلًا بُهْمًا - قَالَ قُلْنَا: وَمَا بُهْمًا؟ قَالَ: لَيْسَ مَعَهُمْ شَيْءٌ، ثُمَّ يُنَادِيهِمْ بِصَوْتٍ يَسْمَعُهُ مَنْ بَعُدَ كَمَا يَسْمَعُهُ مَنْ قَرُبَ:
أَنَا الدَّيَّانُ، أَنَا الْمَلِكُ، لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ النَّارِ أَنْ يَدْخُلَ النَّارَ وَلَهُ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَقٌّ حَتَّى أَقْضِيَهُ مِنْهُ، وَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ أَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ وَلِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ النَّارِ عِنْدَهُ حَقٌّ حَتَّى أَقْضِيَهُ مِنْهُ، حَتَّى اللَّطْمَةُ " قَالَ: قُلْنَا: كَيْفَ وَإِنَّمَا نَأْتِي عُرَاةً غُرْلًا بُهْمًا؟ قَالَ: " الْحَسَنَاتُ، وَالسَّيِّئَاتُ» " رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ، وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ " «الْمُفْلِسُ مِنْ أُمَّتِي مَنْ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ، وَصِيَامٍ، وَزَكَاةٍ، وَيَأْتِي وَقَدْ شَتَمَ هَذَا، وَقَذَفَ هَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا، فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يَقْضِيَ مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ» ". وَفِي هَذَا أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
(تَنْبِيهَاتٌ)
(الْأَوَّلُ) إِنَّمَا قَدَّمَ الْحِسَابَ بَعْدَ الْحَشْرِ وَالْوُقُوفِ عَلَى أَخْذِ الصُّحُفِ مَعَ أَنَّهُ مُؤَخَّرٌ عَنْ أَخْذِ الصُّحُفِ فِي الْوُقُوعِ؛ لِأَنَّ الْحِسَابَ مِنَ الْمَقَاصِدِ وَأَخْذَ الصُّحُفِ مِنَ الْوَسَائِلِ، فَقُدِّمَتِ الْمَقَاصِدُ عَلَى الْوَسَائِلِ مَعَ مَرَاعَاتِ قَافِيَةِ النَّظْمِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّانِي)
كَيْفِيَّاتُ الْحِسَابِ مُخْتَلِفَةٌ، وَأَحْوَالُهَا مُتَبَايِنَةٌ، فَمِنْهُ الْعَسِيرُ وَمِنْهُ الْيَسِيرُ، وَمِنْهُ الْعَدْلُ وَالْجَهْدُ، وَمِنْهُ التَّكْرِيمُ وَمِنْهُ التَّوْبِيخُ وَالتَّبْكِيتُ، وَمِنْهُ الْفَضْلُ وَالصَّفْحُ، وَمُتَوَلِّي ذَلِكَ أَكْرَمُ الْأَكْرَمِينَ، وَأَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ.
стр. 625
(الثَّالِثُ)
أَوَّلُ مَنْ يُحَاسَبُ الْعُلَمَاءُ وَالْمُغَازُونَ وَأَرْبَابُ الْأَمْوَالِ وَالسَّعَةِ، وَأَوَّلُ مَا يُحَاسَبُ عَلَيْهِ الْعَبْدُ الصَّلَاةُ كَمَا أَخْرَجَ الْإِمَامُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ، وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ:
" «أَوَّلُ مَا يُحَاسَبُ بِهِ الْعَبْدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الصَّلَاةُ، يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى لِمَلَائِكَتِهِ: انْظُرُوا لِصَلَاةِ عَبْدِي أَتَمَّمَهَا أَمْ نَقَصَهَا؟ فَإِنْ كَانَتْ تَامَّةً كُتِبَتْ لَهُ تَامَّةً، وَإِنْ كَانَ نَقَصَ مِنْهَا شَيْئًا قَالَ اللَّهُ: انْظُرُوا هَلْ لِعَبْدِي مِنْ تَطَوُّعٍ؟ فَإِنْ كَانَ لَهُ تَطَوُّعٌ قَالَ:
أَتِمُّوا لِعَبْدِي فَرِيضَتَهُ مِنْ تَطَوُّعِهِ؟ ثُمَّ تُؤْخَذُ الْأَعْمَالُ عَلَى ذَلِكَ» ". وَأَخْرَجَ النَّسَائِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " «أَوَّلُ مَا يُحَاسَبُ عَلَيْهِ الْعَبْدُ صَلَاتُهُ، وَأَوَّلُ مَا يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ فِي الدِّمَاءِ» ". فَإِنْ قِيلَ: قَدْ وَرَدَ فِي التَّنْزِيلِ أَنَّ النَّاسَ لَا يُسْأَلُونَ قَالَ تَعَالَى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ﴾ [الرحمن: ٣٩] ، وَالْجَوَابُ: أَنَّهُ مُعَارَضٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ - عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر: ٩٢ - ٩٣] ، وَيُجَابُ عَنِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ بِأَنَّهُمْ لَا يُسْأَلُونَ سُؤَالَ اسْتِفْهَامٍ؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى عَالِمٌ بِكُلِّ أَعْمَالِهِمْ، وَإِنَّمَا يُسْأَلُونَ سُؤَالَ تَقْرِيرٍ فَيُقَالُ لَهُمْ: فَعَلْتُمْ كَذَا.
قَالَ فِي الْبَهْجَةِ كَغَيْرِهِ: قَالَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ: لَا يُسْأَلُونَ عَنْ ذُنُوبِهِمْ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَفِظَهَا عَلَيْهِمْ، وَكَتَبَتْهَا الْمَلَائِكَةُ.
وَقِيلَ: يُسْئَلُونَ فِي مَوْطِنٍ دُونَ مَوْطِنٍ، رَوَاهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄. وَنَظِيرُ هَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى:
﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ - وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات: ٣٥ - ٣٦] ، وَفِي الْآيَةِ الْأُخْرَى ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ [الزمر: ٣١] فَلِلنَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَالَاتٌ، وَالْآيَاتُ مُخْرَجَةٌ بِاعْتِبَارِ تِلْكَ الْحَالَاتِ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي أَجْوِبَتِهِ الْقُرْآنِيَّةِ:
أَوَّلُ مَا تُبْعَثُ الْخَلَائِقُ عَلَى مِقْدَارِ سِتِّينَ سَنَةً لَا يَنْطِقُونَ، وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فِي الِاعْتِذَارِ فَيَعْتَذِرُونَ، ثُمَّ يُؤْذَنُ لَهُمْ فِي الْكَلَامِ فَيَتَكَلَّمُونَ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى:
﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا﴾ [السجدة: ١٢] الْآيَةَ فَإِذَا أَذِنَ لَهُمْ فِي الْكَلَامِ تَكَلَّمُوا وَاخْتَصَمُوا فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى:
﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ [الزمر: ٣١] عِنْدَ الْحِسَابِ وَإِعْطَاءِ الْمَظَالِمِ، ثُمَّ يُقَالُ لَهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ ﴿لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ﴾ [ق: ٢٨] يَعْنِي فِي الدُّنْيَا، فَإِنَّ الْعَذَابَ مَعَ هَذَا الْقَوْلِ كَائِنٌ. انْتَهَى.
стр. 626
(الرَّابِعُ) اخْتُلِفَ عَنِ الْمَسْئُولِ عَنْهُ وَالْمَسْئُولِ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄:
عَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ:
عَنْ خَطَايَاهُمْ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ:
عَنْ جَمِيعِ أَقْوَالِهِمْ وَأَفْعَالِهِمْ ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦]- ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ - عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر: ٩٢ - ٩٣] قَالَ الْفَخْرُ الرَّازِيُّ:
وَلَا مَعْنَى لِقَوْلِ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ السُّؤَالَ إِنَّمَا يَكُونُ عَنِ الْكُفْرِ وَالْإِيمَانِ، بَلِ السُّؤَالُ وَاقِعٌ عَنْهُمَا وَعَنْ جَمِيعِ الْأَعْمَالِ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ عَامٌّ فَيَتَنَاوَلُ الْكُلَّ، وَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ: لَنَسْأَلَنَّهُمْ عَائِدٌ عَلَى جَمِيعِ الْمُكَلَّفِينَ الْأَنْبِيَاءِ وَغَيْرِهِمْ، وَيَدُلُّ عَلَى سُؤَالِهِمْ صَرِيحًا قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف: ٦] فَهَذِهِ الْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يُحَاسِبُ كُلَّ عِبَادِهِ، لِأَنَّهُمْ لَا يَخْرُجُونَ عَنْ أَنْ يَكُونُوا مُرْسَلِينَ أَوْ مُرْسَلًا إِلَيْهِمْ، وَيَبْطُلُ قَوْلُ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ لَا حِسَابَ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَلَا الْكُفَّارُ. انْتَهَى.
وَالْجَوَابُ أَنَّهُ لَا حِسَابَ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ ﵈ عَلَى سَبِيلِ الْمُنَاقَشَةِ وَالتَّقْرِيعِ، قَالَ النَّسَفِيُّ فِي بَحْرِ الْكَلَامِ:
الْأَنْبِيَاءُ لَا حِسَابَ عَلَيْهِمْ، وَكَذَلِكَ أَطْفَالُ الْمُؤْمِنِينَ، وَكَذَلِكَ الْعَشَرَةُ الْمُبَشَّرِينَ بِالْجَنَّةِ.
هَذَا حِسَابُ الْمُنَاقَشَةِ، وَعُمُومُ الْآيَاتِ الْكَرِيمَةِ مَخْصُوصٌ بِأَحَادِيثِ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ، وَلِهَذَا قَالَ عُلَمَاؤُنَا فِي عَقَائِدِهِمْ:
وَيُحَاسَبُ الْمُسْلِمُونَ الْمُكَلَّفُونَ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ أَنْ يُدْخِلَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ، وَكُلُّ مُكَلَّفٍ مَسْئُولٌ، يَسْأَلُ مَنْ شَاءَ مِنَ الرُّسُلِ عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، وَمَنْ شَاءَ مِنَ الْكُفَّارِ عَنْ تَكْذِيبِ الرُّسُلِ.
قَالَ شَيْخُ مَشَايِخِنَا الْبَدْرُ الْبَلْبَانِيُّ فِي عَقِيدَتِهِ:
الْكُفَّارُ لَا يُحَاسَبُونَ بِمَعْنَى أَنَّ صَحَائِفَ أَعْمَالِهِمْ لَا تُوزَنُ، وَإِنْ فَعَلَ كَافِرٌ قُرْبَةً مِنْ نَحْوِ عِتْقٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ ظَلَمَهُ مُسْلِمٌ رَجَوْنَا لَهُ أَنْ يُخَفَّفَ عَنْهُ الْعَذَابُ. انْتَهَى.
وَلَعَلَّ مُرَادَهُ غَيْرُ عَذَابِ الْكُفْرِ. وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ فِي عَقِيدَتِهِ الْوَاسِطِيَّةِ:
يُحَاسِبُ اللَّهُ تَعَالَى الْخَلْقَ، وَيَخْلُو بِعَبْدِهِ الْمُؤْمِنِ، وَيُقَرِّرُهُ بِذُنُوبِهِ كَمَا وُصِفَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. قَالَ:
وَأَمَّا الْكُفَّارُ فَلَا يُحَاسَبُونَ مُحَاسَبَةَ مَنْ تُوزَنُ حَسَنَاتُهُ، وَسَيِّئَاتُهُ فَإِنَّهُمْ لَا حَسَنَاتٍ لَهُمْ، وَلَكِنْ تُعَدُّ أَعْمَالُهُمْ وَتُحْصَى فَيُوقَفُونَ عَلَيْهَا وَيُقَرَّرُونَ بِهَا. انْتَهَى.
وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁: مَا مِنْ عَبْدٍ يَخْطُو خُطْوَةً إِلَّا وَيُسْأَلُ عَنْهَا مَا أَرَادَ بِهَا، وَعَنْ أَبِي
стр. 627
هُرَيْرَةَ ﵁ مَرْفُوعًا: «إِنَّ أَوَّلَ مَا يُسْأَلُ عَنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنْ يُقَالَ لَهُ: أَلَمْ أُصَحِّحْ جِسْمَكَ وَأَرْوِيكَ الْمَاءَ الْبَارِدَ؟ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مِنَ النَّعِيمِ الَّذِي تُسْئَلُونَ عَنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ظِلٌّ بَارِدٌ وَرَطْبٌ وَمَاءٌ بَارِدٌ» "، أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ وَالْبَغَوِيُّ.
وَأَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالْبَيْهَقِيُّ وَأَبُو نُعَيْمٍ عَنِ الْحَسَنِ مَرْفُوعًا: " «ثَلَاثٌ لَا يُحَاسَبُ بِهِنَّ الْعَبْدُ: ظِلُّ خُصٍّ يَسْتَظِلُّ بِهِ، وَكِسْرَةٌ يَشُدُّ بِهَا صُلْبَهُ، وَثَوْبٌ يُوَارِي بِهِ عَوْرَتَهُ» " وَأَخْرَجَ الْبَزَّارُ وَالطَّبَرَانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " «ثَلَاثَةٌ لَيْسَ عَلَيْهِمْ حِسَابٌ فِيمَا طَعِمُوا إِنْ شَاءَ اللَّهُ إِذَا كَانَ حَلَالًا: الصَّائِمُ وَالْمُتَسَحِّرُ وَالْمُرَابِطُ فَى سَبِيلِ اللَّهِ» " وَأَخْرَجَ الْبَزَّارُ أَيْضًا، وَأَبُو نُعَيْمٍ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا ﵄ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ " مَا «فَوْقَ الْإِزَارِ وَجِلْفُ الْخُبْزِ وَظِلُّ الْحَائِطِ وَجَرُّ الْمَاءِ فَضْلٌ يُحَاسَبُ بِهِ الْعَبْدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَوْ يُسْأَلُ عَنْهُ» ". وَأَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ عَنْ أَبَى عَسِيبٍ ﵁ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ حَائِطًا لِبَعْضِ الْأَنْصَارِ وَمَعَهُ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، فَجَاءَ صَاحِبُ الْحَائِطِ بِعَذْقٍ فَوَضَعَهُ، فَأَكَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ، ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ بَارِدٍ فَشَرِبَ فَقَالَ: " لَتُسْأَلُنَّ عَنْ هَذَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ " فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا لَمَسْئُولُونَ عَنْ هَذَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ: " نَعَمْ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ: خِرْقَةٍ يَكُفُّ بِهَا عَوْرَتَهُ، وَكِسْرَةٍ يَسُدُّ بِهَا جُوعَتَهُ، وَجُحْرٍ يَدْخُلُ فِيهِ مِنَ الْحَرِّ وَالْقَرِّ» وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ وَالْبَزَّارُ وَالْحَاكِمُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " «ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ حَاسَبَهُ اللَّهُ حِسَابًا يَسِيرًا وَأَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ بِرَحْمَتِهِ - قَالُوا: وَمَا هِيَ؟ قَالَ تُعْطِي مَنْ حَرَمَكَ، وَتَصِلُ مَنْ قَطَعَكَ، وَتَعْفُو عَمَّنْ ظَلَمَكَ» ، وَفَى تَرْغِيبِ الْأَصْبَهَانِيِّ عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا: " «إِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تُمْسِيَ وَتُصْبِحَ وَلَيْسَ فَى قَلْبِكَ غِشٌّ لِأَحَدٍ فَافْعَلْ، فَإِنَّهُ أَهْوَنُ عَلَيْكَ فِي الْحِسَابِ» "، وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ «عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّهُ قَالَ أَعْرَابِيٌّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ يُحَاسِبُ الْخَلْقَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ: اللَّهُ، قَالَ: نَجَوْنَا وَرَبِّ الْكَعْبَةِ، قَالَ: وَكَيْفَ يَا أَعْرَابِيُّ؟ قَالَ: لِأَنَّ الْكَرِيمَ إِذَا قَدَرَ عَفَا. وَمَا أَحْسَنَ مَا قِيلَ مِنَ الْحِكَمِ الْمُدَوَّنَةِ: الْكَرِيمُ إِذَا قَدَرَ غَفَرَ، وَإِذَا زَلَلْتَ مَعَهُ سَتَرَ. وَمِنْهَا: لَيْسَ مِنْ عَادَةِ الْكِرَامِ سُرْعَةُ الْغَضَبِ وَالِانْتِقَامُ» .
стр. 628
(فَائِدَةٌ) ذَكَرَ الْقُرْطُبِيُّ كَغَيْرِهِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُكَلِّمُ الْمُسْلِمِينَ عِنْدَ الْحِسَابِ مِنْ غَيْرِ تُرْجُمَانٍ إِكْرَامًا لَهُمْ، وَلَا يُكَلِّمُ الْكَافِرِينَ، بَلْ تُحَاسِبُهُمُ الْمَلَائِكَةُ إِهَانَةً لَهُمْ، وَتَمْيِيزًا لِأَهْلِ الْكَرَامَةِ.
وَأَخْرَجَ الشَّيْخَانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ:
" «ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ تَعَالَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ، رَجُلٌ عَلَى فَضْلِ مَاءٍ بِالطَّرِيقِ يَمْنَعُ مِنْهُ ابْنَ السَّبِيلِ، وَرَجُلٌ بَايَعَ إِمَامًا مَا يُبَايِعُهُ إِلَّا لِدُنْيَا؛ فَإِنْ أَعْطَاهُ مَا يُرِيدُ وَفَى لَهُ، وَإِلَّا لَمْ يَفِ لَهُ، وَرَجُلٌ يُبَايِعُ رَجُلًا بَعْدَ الْعَصْرِ فَحَلَفَ بِاللَّهِ لَقَدْ أَعْطَى كَذَا وَكَذَا - فَصَدَّقَهُ، وَلَمْ يُعْطِ بِهَا» ".
(الْخَامِسُ)
ثَبَتَ فِي عِدَّةِ أَخْبَارٍ عَنِ النَّبِيِّ الْمُخْتَارِ ﷺ مَا كَرَّ اللَّيْلُ عَلَى النَّهَارِ أَنَّ طَائِفَةً مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ بِلَا ارْتِيَابٍ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ فَيَدْخُلُونَ جَنَّاتِ النَّعِيمِ قَبْلَ وَضْعِ الْمَوَازِينِ، وَأَخْذِ الصُّحُفِ بِالشِّمَالِ وَالْيَمِينِ، فَقَدْ أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ، وَغَيْرُهُمَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «خَرَجَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ فَقَالَ:
" عُرِضَتْ عَلَيَّ الْأُمَمُ يَمُرُّ النَّبِيُّ مَعَهُ الرَّجُلُ، وَالنَّبِيُّ مَعَهُ الرَّجُلَانِ، وَالنَّبِيُّ لَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ، وَالنَّبِيُّ مَعَهُ الرَّهْطُ، فَرَأَيْتُ سَوَادًا كَثِيرًا فَرَجَوْتُ أَنْ تَكُونَ أُمَّتِي، فَقِيلَ لِي: هَذَا مُوسَى وَقَوْمُهُ، ثُمَّ قِيلَ لِيَ انْظُرْ؛ فَرَأَيْتُ سَوَادًا كَثِيرًا قَدْ سَدَّ الْأُفُقَ، فَقِيلَ هَكَذَا وَهَكَذَا فَرَأَيْتُ سَوَادًا كَثِيرًا، فَقِيلَ لِي: هَؤُلَاءِ أُمَّتُكَ، وَمَعَ هَؤُلَاءِ سَبْعُونَ أَلْفًا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ، فَتَفَرَّقَ النَّاسُ، وَلَمْ يُبَيِّنْ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَتَذَاكَرَ ذَلِكَ أَصْحَابُهُ فَقَالُوا مَا قَالُوا، أَمَّا نَحْنُ فِي الشِّرْكِ، وَلَكِنْ قَدْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، هَؤُلَاءِ أَبْنَاؤُنَا.
وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :
" هُمُ الَّذِينَ لَا يَسْتَرْقُونَ وَلَا يَكْتَوُونَ وَلَا يَتَطَيَّرُونَ، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ " فَقَامَ عُكَاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ:
فَقَالَ: أَنَا مِنْهُمْ؟ وَفِي لَفْظٍ: ادْعُ اللَّهَ أَنْ أَكُونَ مِنْهُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ:
نَعَمْ، ثُمَّ قَامَ آخَرُ فَقَالَ: أَنَا مِنْهُمْ؟ فَقَالَ: " سَبَقَكَ بِهَا عُكَاشَةُ» . قَالَ الْإِمَامُ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي كِتَابِهِ (الدَّاءُ وَالدَّوَاءُ) قَوْلُهُ ﷺ : سَبَقَكَ بِهَا عُكَاشَةُ، لَمْ يُرِدْ أَنَّ عُكَاشَةَ وَحْدَهُ
стр. 629
أَحَقُّ بِذَلِكَ مِمَّنْ عَدَاهُ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَلَكِنْ لَوْ دَعَا لَهُ لَقَامَ آخَرُ وَآخَرُ، وَانْفَتَحَ الْبَابُ، وَرُبَّمَا قَامَ مَنْ لَمْ يَسْتَحِقَّ أَنْ يَكُونَ مِنْهُمْ فَكَانَ الْإِمْسَاكُ أَوْلَى.
وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، وَحَسَّنَهُ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ﵁ قَالَ:
سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ " «وَعَدَنِي رَبِّي أَنْ يُدْخِلَ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعِينَ أَلْفًا لَا حِسَابَ عَلَيْهِمْ وَلَا عَذَابَ، مَعَ كُلِّ أَلْفٍ سَبْعُونَ أَلْفًا، وَثَلَاثَةُ حَثَيَاتٍ مِنْ حَثَيَاتِ رَبِّي» ". وَيُرْوَى " حَفَنَاتٍ " بِالْفَتْحِ، وَهُوَ الْغَرْفُ مِلْءُ الْيَدَيْنِ، وَقِيلَ الْحَثْيَةُ بِالْيَدِ، وَالْحَفْنَةُ بِالْيَدَيْنِ.
وَأَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَالطَّبَرَانِيُّ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ ﵁ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ ذَاتَ يَوْمٍ إِلَيْهِمْ فَقَالَ:
" إِنَّ رَبِّي خَيَّرَنِي بَيْنَ سَبْعِينَ أَلْفًا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ عَفْوًا بِغَيْرِ حِسَابٍ، وَبَيْنَ الْخَبِيئَةِ عِنْدَهُ لِأُمَّتِي " فَقَالَ لَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ: أَيُخَبِّأُ ذَلِكَ رَبُّكَ؟ فَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ خَرَجَ وَهُوَ يُكَبِّرُ فَقَالَ: " إِنَّ رَبِّي زَادَنِي مَعَ كُلِّ أَلْفٍ سَبْعِينَ أَلْفًا، وَالْخَبِيئَةُ عِنْدَهُ ". فَقِيلَ:
يَا أَبَا أَيُّوبَ، وَمَا نَظُنُّ خَبِيئَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ فَأَكَلَهُ النَّاسُ بِأَفْوَاهِهِمْ فَقَالُوا:
مَا أَنْتَ وَخَبِيئَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ فَقَالَ أَبُو أَيُّوبَ دَعُوهُ أُخْبِرْكُمْ عَنْ خَبِيئَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، إِنَّ خَبِيئَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَقُولَ رَبِّ مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ مُصَدِّقًا لِسَانَهُ قَلْبُهُ فَأُدْخِلُهُ الْجَنَّةَ» ، الْخَبِيئَةُ بِخَاءٍ مُعْجَمَةٍ فَمُوَحَّدَةٍ وَهَمْزَةٍ بِوَزْنِ خَطِيئَةٍ.
وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: " «سَأَلْتُ رَبِّي فَوَعَدَنِي أَنْ يُدْخِلَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعِينَ أَلْفًا عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، فَاسْتَزَدْتُهُ فَزَادَنِي مَعَ كُلِّ أَلْفٍ سَبْعِينَ أَلْفًا فَقُلْتُ: أَيْ رَبِّ، أَرَأَيْتَ إِنْ لَمْ يَكُنْ هَؤُلَاءِ مُهَاجِرِي أُمَّتِي؟ قَالَ:
إِذَنْ أُكْمِلَهُمْ لَكَ مِنَ الْأَعْرَابِ» ". وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ، وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ الْأَنْصَارِيِّ ﵁ قَالَ: تَغَيَّبَ عَنَّا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثَلَاثَةً لَا يَخْرُجُ إِلَّا لِصَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ ثُمَّ يَرْجِعُ فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الرَّابِعِ، خَرَجَ إِلَيْنَا فَقُلْنَا:
يَا رَسُولَ اللَّهِ احْتَبَسْتَ عَنَّا حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ قَدْ حَدَثَ حَدَثٌ، قَالَ:
" «لَمْ يَحْدُثْ إِلَّا خَيْرٌ، إِنَّ رَبِّي وَعَدَنِي وَعَدَّنِي أَنْ يُدْخِلَ مِنْ أُمَّتِي الْجَنَّةَ سَبْعِينَ أَلْفًا لَا حِسَابَ عَلَيْهِمْ، وَإِنِّي سَأَلْتُ رَبِّي فِي هَذِهِ الثَّلَاثَةِ أَيَّامٍ الْمَزِيدَ فَوَجَدْتُ رَبِّي مَاجِدًا كَرِيمًا فَأَعْطَانِي
стр. 630
مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ السَّبْعِينَ أَلْفًا سَبْعِينَ أَلْفًا، قُلْتُ يَا رَبِّ، وَتَبْلُغُ أُمَّتِي هَذَا؟ قَالَ أُكْمِلُ لَكَ الْعَدَدَ مِنَ الْأَعْرَابِ» .
وَأَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَأَبُو يَعْلَى عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " أُعْطِيتُ سَبْعِينَ أَلْفًا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ، وُجُوهُهُمْ كَالْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، وَقُلُوبُهُمْ عَلَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ، وَاسْتَزَدْتُ رَبِّي فَزَادَنِي مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ سَبْعِينَ أَلْفًا ". قَالَ أَبُو بَكْرٍ:
فَرَأَيْتُ أَنَّ ذَلِكَ يَأْتِي عَلَى أَهْلِ الْقُرَى، وَيُصِيبُ مِنْ حَافَّاتِ الْبَوَادِي» .
وَأَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَالطَّبَرَانِيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ:
«إِنَّ رَبِّي أَعْطَانِي سَبْعِينَ أَلْفًا مِنْ أُمَّتِي يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ "، وَقَالَ عَمْرٌو:
يَا رَسُولَ اللَّهِ فَهَلَّا اسْتَزَدْتَهُ قَالَ:
" قَدِ اسْتَزَدْتُهُ فَأَعْطَانِي مَعَ كُلِّ رَجُلٍ سَبْعِينَ أَلْفًا ". قَالَ عَمْرٌو فَهَلَّا اسْتَزَدْتَهُ؟ قَالَ: " قَدِ اسْتَزَدْتُهُ فَأَعْطَانِي هَكَذَا، وَفَرَّجَ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَبَسَطَ بَاعَيْهِ، وَحَثَا " قَالَ هِشَامٌ: هَذَا مِنَ اللَّهِ مَا يُدْرَى مَا عَدَدُهُ» .
وَأَخْرَجَ الْبَزَّارُ عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعُونَ أَلْفًا بِغَيْرِ حِسَابٍ " فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ:
يَا رَسُولَ اللَّهِ زِدْنَا، قَالَ: " وَهَكَذَا " فَقَالَ عُمَرُ: يَا أَبَا بَكْرٍ إِنْ شَاءَ اللَّهُ أَدْخَلَهُمُ الْجَنَّةَ بِحَفْنَةٍ وَاحِدَةٍ» ، وَأَخْرُجُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ حُذَيْفَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ:
" «إِنَّ رَبِّي اسْتَشَارَنِي فِي أُمَّتِي مَاذَا أَفْعَلُ بِهِمْ؟ فَقُلْتُ مَا شِئْتَ يَا رَبِّ هُمْ خَلْقُكَ، فَقَالَ:
لَا نُخْزِيكَ فِي أُمَّتِكَ، وَأَخْبَرَنِي أَنَّ أَوَّلَ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعُونَ أَلْفًا مَعَ كُلِّ أَلْفٍ سَبْعُونَ أَلْفًا لَيْسَ عَلَيْهِمْ حِسَابٌ» "، وَأَخْرَجَ هَنَّادٌ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «يَجْمَعُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ النَّاسَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ يُسْمِعُهُمُ الدَّاعِي، وَيَنْفُذُهُمُ الْبَصَرُ فَيَقُومُ مُنَادٍ يُنَادِي:
أَيْنَ الَّذِينَ كَانُوا يَحْمَدُونَ اللَّهَ عَلَى السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ؟ فَيَقُومُونَ وَهُمْ قَلِيلٌ فَيَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ، ثُمَّ يَعُودُ فَيُنَادِي أَيْنَ الَّذِينَ تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ فَيَقُومُونَ وَهُمْ قَلِيلٌ فَيَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ، ثُمَّ يَعُودُ فَيُنَادِي لِيَقُمِ الَّذِينَ كَانُوا لَا تُلْهِهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ فَيَقُومُونَ وَهُمْ قَلِيلٌ فَيَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ، ثُمَّ يَقُومُ سَائِرُ النَّاسِ
стр. 631
فَيُحَاسَبُونَ» " وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا، وَغَيْرُهُ.
وَذَكَرَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ فِي كِتَابِهِ لَطَائِفِ الْمَعَارِفِ فَقَالَ: قَدْ رُوِيَ أَنَّ الْمُتَهَجِّدِينَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ.
وَذُكِرَ عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : " إِذَا جَمَعَ اللَّهُ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، جَاءَ مُنَادٍ يُنَادِي بِصَوْتٍ يُسْمِعُ الْخَلَائِقَ:
«سَيَعْلَمُ الْخَلَائِقُ الْيَوْمَ مَنْ أَوْلَى بِالْكَرَمِ» " فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ:
وَيُرْوَى أَيْضًا عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ مِنْ قَوْلِهِ، وَيُرْوَى نَحْوُهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ إِسْحَاقَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَطَاءٍ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ مَرْفُوعًا وَمَوْقُوفًا، وَيُرْوَى نَحْوُهُ أَيْضًا عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ وَرَبِيعَةَ الْجُرَشِيِّ وَالْحَسَنِ وَكَعْبٍ مِنْ قَوْلِهِمْ. قَالَ الْحَافِظُ:
قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: قِيَامُ اللَّيْلِ يُهَوِّنُ طُولَ قِيَامِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
قَالَ: وَإِذَا كَانَ أَهْلُهُ يَسْبِقُونَ إِلَى الْجَنَّةِ بِغَيْرِ حِسَابٍ فَقَدِ اسْتَرَاحَ أَهْلُهُ مِنْ طُولِ الْوُقُوفِ لِلْحِسَابِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[الصحف]
وَلَمَّا أَنْهَيْنَا الْكَلَامَ عَلَى الْحِسَابِ بِحَسْبِ مَا يَلِيقُ بِهَذَا الْكِتَابِ ثَنَّيْنَا الْعَطْفَ عَلَى شَرْحِ الصُّحُفِ وَالْمِيزَانِ الْمُشَارِ إِلَى ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ ((وَ)) كَذَا وُقُوفُ الْخَلْقِ لِأَخْذِ ((الصُّحُفُ)) جَمْعُ صَحِيفَةٍ، وَهِيَ الْكُتُبُ كَتَبَتْهَا الْمَلَائِكَةُ، وَأَحْصَوْا مَا فَعَلَهُ كُلُّ إِنْسَانٍ مِنْ سَائِرِ أَعْمَالِهِ فِي الدُّنْيَا الْقَوْلِيَّةِ وَالْفِعْلِيَّةِ، وَقِيلَ هِيَ صُحُفٌ تَكْتُبُهَا الْعِبَادُ فِي قُبُورِهَا قَالَ تَعَالَى:
﴿وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ﴾ [التكوير: ١٠] قَالَ الثَّعْلَبِيُّ:
أَيِ الَّتِي فِيهَا أَعْمَالُ بَنِي آدَمَ نُشِرَتْ لِلْحِسَابِ، وَإِنَّمَا يُؤْتَى بِالصُّحُفِ إِلْزَامًا لِلْعِبَادِ، وَرَفْعًا لِلْجَدَلِ وَالْعِنَادِ.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا﴾ [الإسراء: ١٣] قَالَ الْعُلَمَاءُ:
مَعْنَى (طَائِرَهُ) عَمَلُهُ، وَقَالَ مُقَاتِلٌ وَالْكَلْبِيُّ: خَيْرُهُ وَشَرُّهُ مَعَهُ لَا يُفَارِقُهُ، وَهُوَ مَعْنَى الْأَوَّلِ. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ - فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [الانشقاق: ١٠ - ٨] وَفِي الْآيَةِ الْأُخْرَى ﴿فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ [الإسراء: ٧١] وَالْفَتِيلُ هُوَ الْقِشْرُ الَّذِي فِي شَقِّ النَّوَاةَ، وَهَذَا يُضْرَبُ مَثَلًا لِلشَّيْءِ الْحَقِيرِ.
وَذَكَرَ مُجَاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْفَتِيلِ الْوَسَخُ الَّذِي يَظْهَرُ بِفَتْلِ الْإِنْسَانِ إِبْهَامَهُ بِسَبَّابَتِهِ.
قَالَ الْعَلَّامَةَ الشَّيْخُ مَرْعِيٌّ:
وَإِنَّمَا خَصَّ الْقِرَاءَةَ بِمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ دُونَ مَنْ أُوتِيَهُ بِشِمَالِهِ لِأَنَّ أَهْلَ الشِّمَالِ إِذَا طَالَعُوا
стр. 632
كِتَابَهُمْ وَجَدُوهُ مُشْتَمِلًا عَلَى الْمُهْلِكَاتِ الْعَظِيمَةِ، وَالْقَبَائِحِ الْكَامِلَةِ فَيَتَوَلَّى الْخَوْفُ وَالدَّهَشُ عَلَى قُلُوبِهِمْ، وَيَثْقُلُ لِسَانُهُمْ، وَيَعْجِزُونَ عَنِ الْقِرَاءَةِ الْكَامِلَةِ بِخِلَافِ أَصْحَابِ الْيَمِينِ فَإِنَّهُمْ إِذَا طَالَعُوا صُحُفَ حَسَنَاتِهِمْ، وَجَدُوهَا عَلَى الْكَمَالِ فَيَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ عَلَى أَحْسَنِ الْأَحْوَالِ وَأَتَمِّهَا، ثُمَّ لَمْ يَقْنَعْ أَحَدٌ بِقِرَاءَتِهِ حَتَّى يَقُولَ لِأَهْلِ الْمَحْشَرِ:
﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ [الحاقة: ١٩]- كَمَا قَالَ الْفَخْرُ، وَغَيْرُهُ. وَقَالَ تَعَالَى:
﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ - فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا - وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا - وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ - فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا - وَيَصْلَى سَعِيرًا﴾ [الانشقاق: ١٠ - ١٢] .
وَالْحَاصِلُ أَنَّ نَشْرَ الصُّحُفِ وَأَخْذَهَا بِالْيَمِينِ وَالشِّمَالِ مِمَّا يَجِبُ الْإِيمَانُ بِهِ، وَعَقَدَ الْقَلْبُ بِأَنَّهُ حَقٌّ لِثُبُوتِهِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ، فَقَدْ أَخْرَجَ الْعُقَيْلِيُّ عَنْ أَنَسٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:
" «الْكُتُبُ كُلُّهَا تَحْتَ الْعَرْشِ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ يَبْعَثُ اللَّهُ رِيحًا فَتُطَيِّرُهَا بِالْأَيْمَانِ وَالشَّمَائِلِ» "، أَوَّلُ خَطٍّ فِيهَا ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء: ١٤] " قَالَ قَتَادَةُ:
سَيَقْرَأُ يَوْمَئِذٍ مَنْ لَمْ يَكُنْ قَارِئًا فِي الدُّنْيَا، وَأَخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ مَرْفُوعًا: " «عُنْوَانُ كِتَابِ الْمُؤْمِنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حُسْنُ ثَنَاءِ النَّاسِ عَلَيْهِ» ".
وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ ﵁ وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «يُعْرَضُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثَلَاثَ عَرَضَاتٍ، فَأَمَّا عَرْضَتَانِ فَجِدَالٌ وَمَعَاذِيرُ، وَعِنْدَ ذَلِكَ تَطِيرُ الصُّحُفُ فِي الْأَيْدِي فَآخِذٌ بِيَمِينِهِ وَآخِذٌ بِشِمَالِهِ» .
" وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁، وَلَفْظُهُ: " «وَأَمَّا الْعَرْضَةُ الثَّالِثَةُ فَتَطَايُرُ الْكُتُبِ فِي الْأَيْمَانِ وَالشَّمَائِلِ» ".
قَالَ الْحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ: الْجِدَالُ لِلْأَعْدَاءِ يُجَادِلُونَ لِأَنَّهُمْ لَا يَعْرِفُونَ رَبَّهُمْ فَيَظُنُّونَ أَنَّهُمْ إِذَا جَادَلُوا نَجَوْا أَوْ قَامَتْ حُجَّتُهُمْ، وَالْمَعَاذِيرُ لِلَّهِ يَعْتَذِرُ إِلَى آدَمَ وَإِلَى أَنْبِيَائِهِ، وَيُقِيمُ حُجَّتَهُ عِنْدَهُمْ عَلَى الْأَعْدَاءِ ثُمَّ يَبْعَثُ بِهِمْ إِلَى النَّارِ، وَالْعَرْضَةُ الثَّالِثَةُ لِلْمُؤْمِنِينَ، وَهُوَ الْعَرْضُ الْأَكْبَرُ يَخْلُو بِهِمْ فَيُعَاتِبُ مَنْ يُرِيدُ عِتَابَهُ فِي تِلْكَ الْخَلَوَاتِ حَتَّى يَذُوقَ وَبَالَ
стр. 633
الْحَيَاءِ وَالْخَجَلِ ثُمَّ يَغْفِرَ لَهُمْ وَيَرْضَى عَنْهُمْ.
وَأَخْرَجَ ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ قَالَ: إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَيُعْطَى كِتَابَهُ فِي سَتْرٍ مِنَ اللَّهِ فَيَقْرَأُ سَيِّئَاتِهِ فَيَتَغَيَّرُ لَوْنُهُ، ثُمَّ يَقْرَأُ حَسَنَاتِهِ فَيَرْجِعُ إِلَيْهِ لَوْنُهُ ثُمَّ يَنْظُرُ فَإِذَا سَيِّئَاتُهُ قَدْ بُدِّلَتْ حَسَنَاتٍ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ.
وَأَخْرَجَ مَكِّيٌّ فِي تَفْسِيرِهِ عَنْ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ الصِّدِّيقَةِ ﵂ قَالَتْ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا؟ قَالَ: " يُؤْتَى الْعَبْدُ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقْرَأُ سَيِّئَاتِهِ، وَيُقْرِئُ النَّاسَ حَسَنَاتِهِ ثُمَّ يَحُلُّ الصَّحِيفَةَ فَيُحَوِّلُ اللَّهُ حَسَنَاتِهِ فَيَقْرَؤُهَا النَّاسُ فَيَقُولُونَ: مَا كَانَ لِهَذَا الْعَبْدِ مِنْ سَيِّئَةٍ " فَهَذَا تَفْسِيرُ قَوْلِهِ تَعَالَى:
﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ - فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا - وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ [الانشقاق: ١٠ - ٩] أَهْلُهُ هُمْ أَهْلُ الْجَنَّةِ كَمَا فِي الْبَهْجَةِ» .
وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ، وَابْنُ حِبَّانَ وَالْبَيْهَقِيُّ وَالْبَزَّارُ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ مَرْفُوعًا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى:
« ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾ [الإسراء: ٧١] قَالَ يُدْعَى الرَّجُلُ فَيُعْطَى كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ، وَيُمَدُّ لَهُ فِي جِسْمِهِ سِتِّينَ ذِرَاعًا، وَيُبَيَّضُ وَجْهُهُ، وَيُجْعَلُ عَلَى رَأْسِهِ تَاجٌ مِنْ لُؤْلُؤٍ يَتَلَأْلَأُ فَيَنْطَلِقُ إِلَى أَصْحَابِهِ، فَيَرَوْنَهُ مِنْ بَعِيدٍ فَيَقُولُونَ: اللَّهُمَّ ائْتِنَا بِهَذَا، وَبَارِكْ لَنَا فِي هَذَا حَتَّى يَأْتِيَهُمْ فَيَقُولُ: أَبْشِرُوا فَإِنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مِثْلَ هَذَا، وَأَمَّا الْكَافِرُ فَيُسَوَّدُ وَجْهُهُ، وَيُمَدُّ فِي جِسْمِهِ سِتُّونَ ذِرَاعًا، وَيُجْعَلُ عَلَى رَأْسِهِ تَاجٌ مِنْ نَارٍ، وَيَرَاهُ أَصْحَابُهُ فَيَقُولُونَ: اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ مِنْ هَذَا، اللَّهُمَّ لَا تَأْتِنَا بِهَذَا، فَيَأْتِيهِمْ فَيَقُولُونَ: اللَّهُمَّ اخْزِهِ، فَيَقُولُ أَبْعَدَكُمُ اللَّهُ، فَإِنَّ لِكُلِّ رَجُلٍ مِنْكُمْ مِثْلَ هَذَا» .
وَأَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ «عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ يَذْكُرُ الْحَبِيبُ حَبِيبَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ: " أَمَّا عِنْدَ ثَلَاثٍ فَلَا، عِنْدَ الْمِيزَانِ حَتَّى يَعْلَمَ أَيَثْقُلُ أَمْ يَخِفُّ، وَعِنْدَ تَطَايُرِ الْكُتُبِ فَإِمَّا أَنْ يُعْطَى بِيَمِينِهِ أَوْ شِمَالِهِ، وَحِينَ يَخْرُجُ عُنُقٌ مِنَ النَّارِ» الْحَدِيثَ.
((فَوَائِدُ)) (الْأُولَى) قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ: الَّذِي يَأْخُذُ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ تُلْوَى يَدُهُ خَلْفَ ظَهْرِهِ ثُمَّ يُعْطَى كِتَابَهُ.
وَقِيلَ: تُنْزَعُ مِنْ صَدْرِهِ إِلَى خَلْفِ ظَهْرِهِ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ﴾ [الانشقاق: ١٠] قَالَ: تُجْعَلُ شِمَالُهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ فَيَأْخُذُ بِهَا كِتَابَهُ.
стр. 634
(الثَّانِيَةُ) يُعْطَى الْكَافِرُ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِهِ بِأَنْ تُخْلَعَ أَوْ يُدْخِلَهَا مِنْ صَدْرِهِ أَوْ تُلْوَى، وَيُعْطَى الْمُؤْمِنُ الْعَاصِي كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ مِنْ أَمَامِهِ، وَيُعْطَى الْمُؤْمِنُ الطَّائِعُ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ مِنْ أَمَامِهِ.
وَقَدْ جَزَمَ الْمَاوَرْدِيُّ بِأَنَّ الْمَشْهُورَ أَنَّ الْفَاسِقَ الَّذِي مَاتَ عَلَى فِسْقِهِ دُونَ تَوْبَةٍ يَأْخُذُ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ ثُمَّ حَكَى قَوْلًا بِالْوُقُوفِ قَالَ: وَلَا قَائِلَ بِأَنَّهُ يَأْخُذُهُ بِشِمَالِهِ.
وَقَالَ يُوسُفُ بْنُ عَمْرٍو مِنَ الْمَالِكِيَّةِ: اخْتُلِفَ فِي عُصَاةِ الْمُوَحِّدِينَ، فَقِيلَ: يَأْخُذُونَ كُتُبَهُمْ بِأَيْمَانِهِمْ، وَقِيلَ بِشَمَائِلِهِمْ، وَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُمْ يَأْخُذُونَهَا بِأَيْمَانِهِمْ قِيلَ: يَأْخُذُونَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ فِي النَّارِ فَيَكُونُ ذَلِكَ عَلَامَةً عَلَى عَدَمِ خُلُودِهِمْ فِيهَا، وَقِيلَ يَأْخُذُونَهَا بَعْدَ الْخُرُوجِ مِنْهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّالِثَةُ)
وَرَدَ أَنَّ أَوَّلَ مَنْ يَأْخُذُ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الْأَسَدِ، وَاسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ بَعْدَ نَبِيِّهَا ﷺ وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ هَاجَرَ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ.
وَقَالَ بَعْضُ عُلَمَاءِ الْمَالِكِيَّةِ: أَوَّلُ مَنْ يُعْطَى كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ وَلَهُ شُعَاعٌ كَشُعَاعِ الشَّمْسِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ وَبَعْدَهُ أَبُو سَلَمَةَ. انْتَهَى.
وَرُوِيَ أَنَّ أَوَّلَ مَنْ يَأْخُذُ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ أَخُو أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الْأَسَدِ، رُوِيَ أَنَّهُ يَمُدُّ يَدَهُ لِيَأْخُذَهُ بِيَمِينِهِ، فَيَجْذِبُهُ مَلَكٌ فَيَخْلَعُ يَدَهُ، فَيَأْخُذَهُ بِشِمَالِهِ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِهِ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ خَلَعَ يَدَ سَلَمَةَ لَمَّا أَرَادَ أَنْ يُهَاجِرَ، فَمَنَعَ بَنُو الْمُغِيرَةِ أُمَّ سَلَمَةَ أَنْ تَسِيرَ مَعَ أَبِي سَلَمَةَ، وَنَزَعُوا خِطَامَ الْبَعِيرِ مِنْ يَدِهِ فَأَخَذُوهَا مِنْهُ، فَغَضِبَ رَهْطُ أَبِي سَلَمَةَ وَهُمْ بَنُو عَبْدِ الْأَسَدِ، فَاجْتَذَبُوا ابْنَهُ سَلَمَةَ الْمَذْكُورَ مِنْ أُمِّهِ حَيْثُ أَخَذَهَا رَهْطُهَا، وَلَمْ يَدَعُوهَا تَسِيرُ مَعَ أَبِي سَلَمَةَ فَخَلَعُوا يَدَ الْغُلَامِ - الْقِصَّةَ.
فَجُوزِيَ الْأَسْوَدُ بِخَلْعِ يَدِهِ، فَالْجَزَاءُ مِنْ جِنْسِ الْعَمَلِ.
قَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي تَذْكِرَتِهِ:
إِذَا وَقَفَ النَّاسُ عَلَى أَعْمَالِهِمْ مِنَ الصُّحُفِ الَّتِي يُؤْمَرُ بَعْدَ الْبَعْثِ حُوسِبُوا بِهَا.
وَأَخْرَجَ ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي أَسَدٍ قَالَ:
قَالَ عُمَرُ ﵁ لِكَعْبٍ حَدِّثْنَا مِنْ حَدِيثِ الْآخِرَةِ، قَالَ: نَعَمْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ رُفِعَ اللَّوْحُ الْمَحْفُوظُ، فَلَمْ يَبْقَ أَحَدٌ مِنَ الْخَلَائِقِ إِلَّا، وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَى عَمَلِهِ ثُمَّ يُؤْتَى بِالصُّحُفِ الَّتِي فِيهَا أَعْمَالُ الْعِبَادِ، فَتُنْشَرُ حَوْلَ الْعَرْشِ ثُمَّ يُدْعَى الْمُؤْمِنُ، فَيُعْطَى كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ، فَيَنْظُرُ فِيهِ.
стр. 635
[الميزان]
((وَ)) كَذَا وُقُوفُ الْخَلْقِ لِأَجَلِ ((الْمِيزَانِ)) اعْلَمْ أَنَّ مَرَاتِبَ الْمَعَادِ الْبَعْثُ وَالنُّشُورُ ثُمَّ الْمَحْشَرُ، ثُمَّ الْقِيَامُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ، ثُمَّ الْعَرْضُ، ثُمَّ تَطَايُرُ الصُّحُفِ وَأَخْذُهَا بِالْيَمِينِ وَأَخْذُهَا بِالشِّمَالِ، ثُمَّ السُّؤَالُ وَالْحِسَابُ، ثُمَّ الْمِيزَانُ ((بِالثَّوَابِ)) أَيْ ثَوَابِ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، وَعَنِ السَّيِّئَاتِ الْفَاضِحَةِ قَالَ عُلَمَاؤُنَا كَغَيْرِهِمْ:
نُؤْمِنُ بِأَنَّ الْمِيزَانَ الَّذِي تُوزَنُ بِهِ الْحَسَنَاتُ وَالسَّيِّئَاتُ حَقٌّ، قَالُوا: وَلَهُ لِسَانٌ وَكِفَّتَانِ تُوزَنُ بِهِ صَحَائِفُ الْأَعْمَالُ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: تُوزَنُ الْحَسَنَاتُ فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ، وَالسَّيِّئَاتُ فِي أَقْبَحِ صُورَةٍ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الشَّيْخُ مَرْعِيٌّ فِي بَهْجَتِهِ:
الصَّحِيحُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمِيزَانِ الْمِيزَانُ الْحَقِيقِيُّ لَا مُجَرَّدَ الْعَدْلِ خِلَافًا لِبَعْضِهِمْ.
وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي تَذْكِرَتِهِ:
قَالَ الْعُلَمَاءُ: إِذَا انْقَضَى الْحِسَابُ كَانَ بَعْدَهُ وَزْنُ الْأَعْمَالِ؛ لِأَنَّ الْوَزْنَ لِلْجَزَاءِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ بَعْدَ الْمُحَاسَبَةِ لِتَقْرِيرِ الْأَعْمَالِ وَالْوَزْنُ لِإِظْهَارِ مَقَادِيرِهَا لِيَكُونَ الْجَزَاءُ بِحَسَبِهَا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ - فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ - وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ - فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ - وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ - نَارٌ حَامِيَةٌ﴾ [القارعة: ٦ - ١١] ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْإِيمَانَ بِالْمِيزَانِ كَأَخْذِ الصُّحُفِ ثَابِتٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ، فَالْكِتَابُ مَا ذَكَرْنَاهُ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ - فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ [الأعراف: ٨ - ٩] إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ، وَرُوِيَ أَنَّ دَاوُدَ ﵇ سَأَلَ رَبَّهُ أَنْ يُرِيَهُ الْمِيزَانَ، فَلَمَّا رَآهُ غُشِيَ عَلَيْهِ، فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ: إِلَهِي مَنْ ذَا الَّذِي يَقْدِرُ بِمَلْأِ كِفَّةِ حَسَنَاتِهِ؟ فَقَالَ:
إِذَا رَضِيتُ عَنْ عَبْدِي مَلَأْتُهَا بِتَمْرَةٍ. ذَكَرَهُ الرَّازِيُّ وَالثَّعْلَبِيُّ.
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ ﵁: إِنَّ مِيزَانَ رَبِّ الْعَالَمِينَ يُنْصَبُ لِلْجِنِّ وَالْإِنْسِ، يُسْتَقْبَلُ بِهِ الْعَرْشُ، إِحْدَى كِفَّتَيْهِ عَلَى الْجَنَّةِ، وَالْأُخْرَى عَلَى جَهَنَّمَ، لَوْ وُضِعَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ فِي إِحْدَاهُمَا لَوَسِعَتْهُنَّ، وَجِبْرِيلُ آخِذٌ بِعَمُودِهِ يَنْظُرُ إِلَى لِسَانِهِ.
قَالَ فِي الْبَهْجَةِ فِي هَذَا: إِنَّ أَعْمَالَ الْجِنِّ تُوزَنُ كَمَا تُوزَنُ أَعْمَالُ الْإِنْسِ، وَهُوَ كَذَلِكَ ارْتَضَاهُ الْأَئِمَّةُ.
قَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي تَذْكِرَتِهِ:
الْمُتَّقُونَ تُوضَعُ حَسَنَاتُهُمْ فِي الْكِفَّةِ النَّيِّرَةِ حَتَّى
следующие страницы →