← Акыда

Акыда · id 8353

لوامع الأنوار البهية

السفاريني

Полный текст (921 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «الْخِلَافَةُ ثَلَاثُونَ عَامًا ثُمَّ يَكُونُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ الْمُلْكُ» ". وَرَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَغَيْرُهُ، وَلَمْ يَكُنْ فِي الثَّلَاثِينَ بَعْدَهُ ﷺ إِلَّا الْخُلَفَاءُ الْأَرْبَعَةُ وَأَيَّامُ الْحَسَنِ ﵃. وَأَخْرَجَ الْبَزَّارُ بِسَنَدٍ حَسَنٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِنَّ أَوَّلَ دِينِكُمْ نُبُوَّةٌ وَرَحْمَةٌ ثُمَّ يَكُونُ خِلَافَةً وَرَحْمَةً ثُمَّ يَكُونُ مُلْكًا وَجَبْرِيَّةً» ". فَثَبَتَ بِالنَّصِّ أَنَّ مُدَّةَ الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ خِلَافَةٌ وَرَحْمَةٌ، وَكَذَا مُدَّةُ سَيِّدِنَا الْحَسَنِ ﵁ وَكَانَتْ سِتَّةَ أَشْهُرٍ وَأَيَّامًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (الثَّانِي) تَرْتِيبُهُمْ فِي الْأَفْضَلِيَّةِ عَلَى تَرْتِيبِهِمْ فِي الْخِلَافَةِ وَهَذَا قَوْلُ عَامَّةِ أَهْلِ السُّنَنِ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ وَالْكَلَامِ مِنَ الْأَثَرِيَّةِ وَالْأَشْعَرِيَّةِ وَالْمَاتُرِيدِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ، قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵁: عَلِيٌّ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ - رَابِعُهُمْ فِي الْخِلَافَةِ وَالتَّفْضِيلِ. وَقَالَ: مَنْ فَضَّلَ عَلِيًّا عَلَى أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ أَوْ قَدَّمَهُ عَلَيْهِمَا فِي الْأَفْضَلِيَّةِ وَالْإِمَامَةِ دُونَ النَّسَبِ فَهُوَ رَافِضِيٌّ مُبْتَدِعٌ فَاسِقٌ. ذَكَرَهُ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى. قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ فِي نِهَايَةِ الْمُبْتَدِئِينَ: فَإِنْ فَضَّلَهُ - يَعْنِي عَلِيًّا ﵁ عَلَى عُثْمَانَ ﵁ فَكَذَلِكَ، يَعْنِي أَنَّهُ يَكُونُ رَافِضِيًّا مُبْتَدِعًا فَاسِقًا، وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى لَا يَكُونُ رَافِضِيًّا مُبْتَدِعًا بِتَفْضِيلِ عَلِيٍّ عَلَى عُثْمَانَ ﵄، وَتَبَرَّأَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵁ مِمَّنْ ضَلَّلَهُمْ أَوْ أَحَدًا مِنْهُمُ اهـ. (الثَّالِثُ) اعْلَمْ أَنَّ الَّذِي أَطْبَقَ عَلَيْهِ عُظَمَاءُ الْمِلَّةِ وَعُلَمَاءُ الْأُمَّةِ وَرُؤَسَاءُ الْأَئِمَّةِ أَنَّ أَفْضَلَ هَذِهِ الْأُمَّةِ بَعْدَ نَبِيِّهَا ﷺ الصِّدِّيقُ الْأَعْظَمُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي قُحَافَةَ، ثُمَّ عُمَرُ الْفَارُوقُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵄، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فَالْأَكْثَرُونَ وَمِنْهُمُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنِ الْإِمَامِ مَالِكٍ ﵃ أَنَّ الْأَفْضَلَ بَعْدَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ، ثُمَّ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵄، وَجَزَمَ الْكُوفِيُّونَ وَمِنْهُمْ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ بِتَفْضِيلِ عَلِيٍّ عَلَى عُثْمَانَ، وَقِيلَ بِالْوَقْفِ عَنِ التَّفْضِيلِ بَيْنَهُمَا، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ مَالِكٍ فَقَدْ حَكَى أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْمَارِزِيُّ عَنِ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ مَالِكًا

стр. 807

سُئِلَ: أَيُّ النَّاسِ أَفْضَلُ بَعْدَ نَبِيِّهِمْ؟ فَقَالَ: أَبُو بَكْرٍ ثُمَّ عُمَرُ. ثُمَّ قَالَ: أَوَفِي ذَلِكَ شَكٌّ؟ فَقِيلَ لَهُ: وَعَلِيٌّ وَعُثْمَانُ؟ فَقَالَ: مَا أَدْرَكْتُ أَحَدًا مِمَّنْ أَقْتَدِي بِهِ يُفَضِّلُ أَحَدَهُمَا عَلَى الْآخَرِ. انْتَهَى. وَقَوْلُهُ: أَوَفِي ذَلِكَ شَكٌّ؟ يُرِيدُ مَا سَنُحَرِّرُهُ أَنَّ تَفْضِيلَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ عَلَى بَقِيَّةِ الْأُمَّةِ قَطْعِيٌّ، نَعَمْ حَكَى الْقَاضِي عِيَاضٌ عَنِ الْإِمَامِ مَالِكٍ أَنَّهُ رَجَعَ عَنِ التَّوَقُّفِ إِلَى تَفْضِيلِ عُثْمَانَ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ وَهُوَ الْأَصَحُّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَقَدْ نَقَلَ التَّوَقُّفَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ السَّلَفِ مِنْهُمُ الْإِمَامُ مَالِكٌ وَيَحْيَى الْقَطَّانُ وَابْنُ مَعِينٍ، قَالَ الْإِمَامُ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ وَمَنْ قَالَ: أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ، وَعَرَفَ لِعَلِيٍّ سَابِقَتَهُ وَفَضْلَهُ فَهُوَ صَاحِبُ سُنَّةٍ، وَلَا شَكَّ أَنَّ مَنِ اقْتَصَرَ عَلَى عُثْمَانَ وَلَمْ يَعْرِفْ لِعَلِيٍّ فَضْلَهُ فَهُوَ مَذْمُومٌ، وَمِنْ ثَمَّ يَعْلَمُ أَنَّ حِكَايَةَ الْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ عُثْمَانَ أَفْضَلُ مِنْ عَلِيٍّ ﵄ مَدْخُولٌ بَلِ الْخِلَافُ مَعْلُومٌ، نَعَمْ مُعْتَمَدُ مُحَقِّقِي أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّ الْخُلَفَاءَ الرَّاشِدِينَ فِي تَرْتِيبِ الْأَفْضَلِيَّةِ عَلَى نَسَقِ تَرْتِيبِ الْخِلَافَةِ، وَهَذَا مَنْصُوصُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ مِنْ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ، لَكِنَّ التَّفْضِيلَ فِي طَرَفِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄ قَطْعِيٌّ عَلَى الْمُعْتَمَدِ وَقِيلَ ظَنِّيٌّ كَمَا عِنْدَ الْبَاقِلَّانِيِّ وَغَيْرِهِ. (الرَّابِعُ) سُئِلَ الْإِمَامُ أَبُو زُرْعَةَ الْوَلِيُّ الْعِرَاقِيُّ عَمَّنِ اعْتَقَدَ فِي الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ الْأَفْضَلِيَّةَ عَلَى التَّرْتِيبِ الْمَعْلُومِ وَلَكِنْ يُحِبُّ أَحَدَهُمْ أَكْثَرَ هَلْ يَأْثَمُ أَوْ لَا؟ فَأَجَابَ بِأَنَّ الْمَحَبَّةَ قَدْ تَكُونُ لِأَمْرٍ دِينِيٍّ وَقَدْ تَكُونُ لِأَمْرٍ دُنْيَوِيٍّ، فَالْمَحَبَّةُ الدِّينِيَّةُ لَازِمَةٌ لِلْأَفْضَلِيَّةِ فَمَنْ كَانَ أَفْضَلَ كَانَتْ مَحَبَّتُنَا الدِّينِيَّةُ لَهُ أَكْثَرَ، فَمَتَى اعْتَقَدْنَا فِي وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنَّهُ أَفْضَلُ ثُمَّ أَحْبَبْنَا غَيْرَهُ مِنْ جِهَةِ الدِّينِ أَكْثَرَ كَانَ تَنَاقُضًا، نَعَمْ إِنْ أَحْبَبْنَا غَيْرَ الْأَفْضَلِ أَكْثَرَ مِنْ مَحَبَّةِ الْأَفْضَلِ لِأَمْرٍ دُنْيَوِيٍّ كَقَرَابَةٍ وَإِحْسَانٍ وَنَحْوِهِ فَلَا تَنَاقُضَ فِي ذَلِكَ وَلَا امْتِنَاعَ، فَمَنِ اعْتَرَفَ بِأَنَّ أَفْضَلَ هَذِهِ الْأُمَّةِ بَعْدَ نَبِيِّهَا أَبُو بَكْرٍ ثُمَّ عُمَرُ ثُمَّ عُثْمَانُ ثُمَّ عَلِيٌّ، لَكِنَّهُ أَحَبَّ عَلِيًّا أَكْثَرَ مِنْ أَبِي بَكْرٍ مَثَلًا فَإِنْ كَانَتِ الْمَحَبَّةُ الْمَذْكُورَةُ مَحَبَّةً دِينِيَّةً فَلَا مَعْنَى لِذَلِكَ، إِذِ الْمَحَبَّةُ الدِّينِيَّةُ لَازِمَةٌ لِلْأَفْضَلِيَّةِ كَمَا قَرَّرْنَا وَهَذَا لَمْ يَعْتَرِفْ بِأَفْضَلِيَّةِ أَبِي بَكْرٍ إِلَّا بِلِسَانِهِ، وَأَمَّا بِقَلْبِهِ فَهُوَ مُفَضِّلٌ لِعَلِيٍّ لِكَوْنِهِ أَحَبَّهُ مَحَبَّةً دِينِيَّةً زَائِدَةً عَلَى مَحَبَّةِ أَبِي بَكْرٍ وَهَذَا لَا يَجُوزُ، وَإِنْ كَانَتِ الْمَحَبَّةُ الْمَذْكُورَةُ مَحَبَّةً

стр. 808

دُنْيَوِيَّةً لِكَوْنِهِ مِنْ ذُرِّيَّةِ عَلِيٍّ أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَعَانِي فَلَا امْتِنَاعَ فِيهِ. انْتَهَى. وَعَلَى كُلِّ حَالٍ الْمَحَبَّةُ الدِّينِيَّةُ لَازِمَةٌ لِلْأَفْضَلِيَّةِ عَلَى حَسَبِ زِيَادَتِهَا وَنَقْصِهَا وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ. [باقي العشرة] [طلحة بن عبيد الله] ((وَبَعْدُ فَالْأَفْضَلُ بَاقِي الْعَشَرَهْ ... فَأَهْلُ بَدْرٍ ثُمَّ أَهْلُ الشَّجَرَهْ)) ((وَبَعْدُ)) أَيْ بَعْدَ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، ((فَالْأَفْضَلُ)) مِنْ سَائِرِ الصَّحَابَةِ الْمُكْرَمِينَ، ((بَاقِي الْعَشَرَةِ)) الْمَشْهُودِ لَهُمْ بِالْجَنَّةِ عَلَى لِسَانِ سَيِّدِ الْعَالَمِينَ وَخَاتَمِ الْمُرْسَلِينَ - صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ - وَهُمُ السِّتَّةُ الَّذِينَ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ عَنْهُمْ رَاضٍ، رِضْوَانُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ. (أَحَدُهُمْ) أَبُو مُحَمَّدٍ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ كَعْبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ تَيْمِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبٍ الْقُرَشِيُّ التَّيْمِيُّ، وَأُمُّهُ الصَّعْبَةُ بِنْتُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عِمَادٍ الْحَضْرَمِيِّ، أُخْتُ الْعَلَاءِ بْنِ الْحَضْرَمِيِّ، أَسْلَمَتْ وَأَسْلَمَ طَلْحَةُ قَدِيمًا عَلَى يَدِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وَشَهِدَ الْمَشَاهِدَ كُلَّهَا غَيْرَ بَدْرٍ، لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ أَنْفَذَهُ مَعَ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ يَتَعَرَّفَانِ خَبَرَ الْعِيرِ الَّتِي كَانَتْ لِقُرَيْشٍ مَعَ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ، فَعَادَا يَوْمَ اللِّقَاءِ بِبَدْرٍ، وَثَبَتَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ وَوَقَاهُ بِيَدِهِ فَشَلَّتْ إِصْبَعُهُ، وَجُرِحَ يَوْمَئِذٍ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ جِرَاحَةً، وَقِيلَ: كَانَتْ فِيهِ خَمْسٌ وَسَبْعُونَ بَيْنَ طَعْنَةٍ وَضَرْبَةٍ وَرَمْيَةٍ كَمَا فِي جَامِعِ الْأُصُولِ، وَسَمَّاهُ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ طَلْحَةَ الْخَيْرِ، وَسَمَّاهُ يَوْمَ غَزْوَةِ ذَاتِ الْعَشِيرَةِ طَلْحَةَ الْفَيَّاضُ، وَيَوْمَ حُنَيْنٍ طَلْحَةَ الْجُودِ. وَكَانَ آدَمَ كَثِيرَ الشَّعْرِ لَيْسَ بِالْجَعْدِ الْقَطَطِ وَلَا بِالسَّبْطِ، حَسَنَ الْوَجْهِ دَقِيقَ الْعِرْنِينِ، لَا يُغَيِّرُ شَعْرَهُ. قُتِلَ ﵁ يَوْمَ وَقْعَةِ الْجَمَلِ يَوْمَ الْخَمِيسِ لِعِشْرِينَ بَقِينَ مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ سَنَةَ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ، وَيُقَالُ إِنَّ مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ قَتَلَهُ وَقِيلَ: أَصَابَهُ سَهْمٌ فِي حَلْقِهِ، وَدُفِنَ بِالْبَصْرَةِ وَلَهُ أَرْبَعٌ وَسِتُّونَ سَنَةً، وَقِيلَ: اثْنَتَانِ وَسِتُّونَ، يَلْتَقِي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي مُرَّةَ بْنِ كَعْبٍ، وَرُوِيَ لَهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ثَمَانِيَةٌ وَثَلَاثُونَ حَدِيثًا، مِنْهَا فِي الصَّحِيحَيْنِ سَبْعَةٌ، الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ مِنْهَا حَدِيثَانِ، وَانْفَرَدَ الْبُخَارِيُّ بِحَدِيثَيْنِ وَمُسْلِمٌ بِثَلَاثَةٍ، وَرَوَى عَنْهُ السَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ،

стр. 809

وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ التَّيْمِيُّ، وَأَبُو عُثْمَانَ النَّهْدِيُّ، وَقَيْسُ بْنُ أَبِي حَازِمٍ، وَمُوسَى بْنُ طَلْحَةَ، وَغَيْرُهُمْ. [الزبير بن العوام] (الثَّانِي) أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ بْنِ خُوَيْلِدِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ قُصَيِّ بْنِ كِلَابِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبٍ الْقُرَشِيُّ الْأَسَدِيُّ، وَأُمُّهُ صَفِيَّةُ بِنْتُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ﵂ عَمَّةُ الرَّسُولِ ﷺ أَسْلَمَتْ وَأَسْلَمَ هُوَ قَدِيمًا عَلَى يَدِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵃ وَهُوَ ابْنُ سِتَّ عَشْرَةَ سَنَةً، فَعَذَّبَهُ عَمُّهُ بِالدُّخَانِ لِيَتْرُكَ الْإِسْلَامَ فَلَمْ يَفْعَلْ، وَهَاجَرَ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ الْهِجْرَتَيْنِ، وَشَهِدَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْمَشَاهِدَ كُلَّهَا، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ سَلَّ السَّيْفَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَثَبَتَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ، وَكَانَ أَبْيَضَ طَوِيلًا، وَيُقَالُ: لَمْ يَكُنْ بِالطَّوِيلِ وَلَا بِالْقَصِيرِ يَمِيلُ إِلَى الْخِفَّةِ فِي اللَّحْمِ، وَيُقَالُ: كَانَ أَسْمَرَ خَفِيفَ الْعَارِضَيْنِ، قَتَلَهُ عُمَيْرُ بْنُ جُرْمُوزٍ بِسَفَوَانَ مِنْ أَرْضِ الْبَصْرَةِ فِي وَقْعَةِ الْجَمَلِ سَنَةَ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ، وَلَهُ أَرْبَعٌ وَسِتُّونَ سَنَةً، وَدُفِنَ بِوَادِي السِّبَاعِ، ثُمَّ حُوِّلَ إِلَى الْبَصْرَةِ، وَقَبْرُهُ بِهَا مَشْهُورٌ، يَجْتَمِعُ نَسَبُهُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي قُصَيٍّ، رُوِيَ لَهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ثَمَانِيَةٌ وَثَلَاثُونَ حَدِيثًا، مِنْهَا فِي الصَّحِيحَيْنِ تِسْعَةٌ، الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ مِنْهَا حَدِيثَانِ، وَبَاقِيهَا لِلْبُخَارِيِّ، رَوَى عَنْهُ ابْنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ وَعُرْوَةُ وَغَيْرُهُمَا، وَهُوَ أَحَدُ الشُّجْعَانِ الْمَشْهُورَةِ، وَحَوَارِيُّ الرَّسُولِ ﷺ . [سعد بن أبي وقاص] (الثَّالِثُ) أَبُو إِسْحَاقَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، وَاسْمُ أَبِي وَقَّاصٍ مَالِكُ بْنُ وُهَيْبٍ، وَيُقَالُ: أُهَيْبُ بْنُ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ زُهْرَةَ بْنِ كِلَابِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبٍ الْقُرَشِيُّ الزُّهْرِيُّ، وَأُمُّهُ حَمْنَةُ بِنْتُ سُفْيَانَ، وَقِيلَ: بِنْتُ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، أَسْلَمَ قَدِيمًا عَلَى يَدِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵄ وَهُوَ ابْنُ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً وَقَالَ: كُنْتُ ثَالِثًا فِي الْإِسْلَامِ، وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ رَمَى بِسَهْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، شَهِدَ الْمَشَاهِدَ كُلَّهَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَكَانَ قَصِيرًا غَلِيظًا ذَا هَامَةٍ، شَثْنَ الْأَصَابِعِ، آدَمَ، أَفْطَسَ، أَشْعَرَ الْجَسَدِ، وَفَدَاهُ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ بِأَبَوَيْهِ أَيْ قَالَ لَهُ: " ارْمِ فَدَاكَ أَبِي وَأُمِّي ". مَاتَ ﵁ فِي قَصْرِهِ بِالْعَقِيقِ قَرِيبًا مِنَ الْمَدِينَةِ، فَحُمِلَ عَلَى رِقَابِ الرِّجَالِ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَصَلَّى عَلَيْهِ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ وَهُوَ يَوْمَئِذٍ وَالِي

стр. 810

الْمَدِينَةِ مِنْ قِبَلِ مُعَاوِيَةَ، وَدُفِنَ بِالْبَقِيعِ وَذَلِكَ سَنَةَ خَمْسٍ وَخَمْسِينَ وَقِيلَ: سَبْعٍ وَخَمْسِينَ، وَلَهُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ سَنَةً وَقِيلَ: اثْنَانِ وَثَمَانُونَ، وَهُوَ آخِرُ الْعَشَرَةِ مَوْتًا، وَكَانَ قَدِ اعْتَزَلَ الْفِتْنَةَ، وَكُفَّ بَصَرُهُ فِي آخِرِ عُمْرِهِ ﵁ وَرُوِيَ لَهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِائَتَانِ وَسَبْعُونَ حَدِيثًا، مِنْهَا فِي الصَّحِيحَيْنِ ثَمَانِيَةٌ وَثَلَاثُونَ حَدِيثًا، اتَّفَقَا مِنْهَا عَلَى خَمْسَةَ عَشَرَ، وَانْفَرَدَ الْبُخَارِيُّ بِخَمْسَةٍ وَمُسْلِمٌ بِثَمَانِيَةَ عَشَرَ، رَوَى عَنْهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، وَجَابِرُ بْنُ سَمُرَةَ، وَعَامِرٌ وَمُحَمَّدٌ وَمُصْعَبٌ بَنُوهُ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ، وَابْنُ الْمُسَيَّبِ، وَأَبُو عُثْمَانَ النَّهْدِيُّ، وَقَيْسُ بْنُ أَبِي حَازِمٍ، وَغَيْرُهُمْ. [سعيد بن زيد] (الرَّابِعُ) أَبُو الْأَعْوَرِ سَعِيدُ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى، وَبَاقِي نَسَبِهِ مَعْرُوفٌ مِنْ نَسَبِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ الْقُرَشِيِّ الْعَدَوِيِّ، وَأُمُّهُ فَاطِمَةُ بِنْتُ بَعْجَةَ - بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَبِالْجِيمِ - ابْنِ أُمَيَّةَ مِنْ خُزَاعَةَ، أَسْلَمَ قَدِيمًا مِنْ قَبْلِ أَنْ يَدْخُلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ دَارَ الْأَرْقَمِ، شَهِدَ الْمَشَاهِدَ كُلَّهَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ غَيْرَ بَدْرٍ فَإِنَّهُ كَانَ مَعَ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ يَطْلُبَانِ خَبَرَ عِيرِ قُرَيْشٍ كَمَا تَقَدَّمَ آنِفًا، وَضَرَبَ الرَّسُولُ ﷺ بِسَهْمَيْهِمَا فِي الْغَنِيمَةِ وَالْأَجْرِ، كَانَ آدَمَ طَوِيلًا أَشْعَرَ، مَاتَ بِالْعَقِيقِ قَرِيبًا مِنَ الْمَدِينَةِ، فَحُمِلَ إِلَيْهَا وَدُفِنَ بِهَا سَنَةَ إِحْدَى وَخَمْسِينَ وَقِيلَ: اثْنَتَيْنِ وَخَمْسِينَ، وَلَهُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ سَنَةً، وَقِيلَ: مَاتَ بِالْكُوفَةِ وَدُفِنَ بِهَا، يَجْتَمِعُ مَعَ نَسَبِ النَّبِيِّ ﷺ فِي لُؤَيٍّ، رُوِيَ لَهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثَمَانِيَةٌ وَأَرْبَعُونَ حَدِيثًا، مِنْهَا فِي الصَّحِيحَيْنِ ثَلَاثَةٌ، الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ مِنْهَا اثْنَانِ، وَالثَّالِثُ لِلْبُخَارِيِّ. [عبد الرحمن بن عوف] (الْخَامِسُ) أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفِ بْنِ عَبْدِ عَوْفِ بْنِ عَبْدِ الْحَارِثِ بْنِ زُهْرَةَ بْنِ كِلَابِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبٍ الْقُرَشِيُّ الزُّهْرِيُّ، كَانَ اسْمُهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ عَبْدُ عَمْرٍو فَسَمَّاهُ النَّبِيُّ ﷺ عَبْدَ الرَّحْمَنِ، وَأُمُّهُ الشِّفَاءُ بِنْتُ عَوْفِ بْنِ عَبْدِ الْحَارِثِ بْنِ زُهْرَةَ، أَسْلَمَتْ وَهَاجَرَتْ، وَفِي الزَّهْرِ الْبَسَّامِ أُمُّهُ صَفِيَّةُ بِنْتُ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ زُهْرَةَ، وَيُقَالُ: الشِّفَاءُ - بِكَسْرِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَبِالْفَاءِ - بِنْتُ عَوْفٍ، وَأَسْلَمَ هُوَ قَدِيمًا عَلَى يَدِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵄ وَهَاجَرَ إِلَى الْحَبَشَةِ الْهِجْرَتَيْنِ، وَشَهِدَ الْمَشَاهِدَ كُلَّهَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَثَبَتَ مَعَهُ يَوْمَ أُحُدٍ، وَصَلَّى

стр. 811

النَّبِيُّ ﷺ خَلْفَهُ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ وَأَتَمَّ مَا فَاتَهُ. كَانَ طَوِيلًا رَقِيقَ الْبَشَرَةِ أَبْيَضَ مُشْرَبًا بِحُمْرَةٍ ضَخْمَ الْكَفَّيْنِ أَقْنَى، وَقِيلَ: كَانَ سَاقِطَ الثَّنِيَّتَيْنِ أَعْرَجَ، أُصِيبَ يَوْمَ أُحُدٍ وَجُرِحَ عِشْرِينَ جِرَاحَةً أَوْ أَكْثَرَ، فَأَصَابَهُ بَعْضُهَا فِي رِجْلِهِ فَعَرِجَ. وُلِدَ بَعْدَ الْفِيلِ بِعَشْرِ سِنِينَ، وَمَاتَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَدُفِنَ فِي الْبَقِيعِ، وَلَهُ ثِنْتَانِ وَسَبْعُونَ سَنَةً وَقِيلَ: خَمْسٌ وَسَبْعُونَ سَنَةً، وَيَلْقَى نَسَبَ النَّبِيِّ ﷺ فِي كِلَابِ بْنِ مُرَّةَ، رُوِيَ لَهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ خَمْسَةٌ وَسِتُّونَ حَدِيثًا، مِنْهَا فِي الصَّحِيحَيْنِ سَبْعَةُ أَحَادِيثَ، الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ مِنْهَا حَدِيثَانِ، وَبَاقِيهَا لِلْبُخَارِيِّ، رَوَى عَنْهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُهُ إِبْرَاهِيمُ، وَبَجَالَةُ بْنُ عَبْدٍ، وَغَيْرُهُمْ ﵃. [أبوعبيدة بن الجراح] (السَّادِسُ) أَمِينُ الْأُمَّةِ أَبُو عُبَيْدَةَ عَامِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْجَرَّاحِ بْنِ هِلَالِ بْنِ أُهَيْبِ بْنِ ضَبَّةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ فِهْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّضِرِ بْنِ كِنَانَةَ الْقُرَشِيُّ الْفِهْرَيُّ، أَسْلَمَ مَعَ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ، وَهَاجَرَ إِلَى الْحَبَشَةِ الْهِجْرَةَ الثَّانِيَةَ، وَشَهِدَ الْمَشَاهِدَ كُلَّهَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَثَبَتَ مَعَهُ يَوْمَ أُحُدٍ، وَنَزَعَ الْحَلْقَتَيْنِ اللَّتَيْنِ دَخَلَتَا فِي وَجْهِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ مِنْ حِلَقِ الْمِغْفَرِ بِفِيهِ، فَوَقَعَتْ ثَنِيَّتَاهُ فَكَانَ أَحْسَنَ النَّاسِ هَتْمًا، كَانَ ﵁ طُوَالًا، مَعْرُوقَ الْوَجْهِ، خَفِيفَ اللِّحْيَةِ، مَاتَ فِي طَاعُونِ عَمْوَاسٍ بِالْأُرْدُنِّ سَنَةَ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ، وَدُفِنَ هُنَاكَ وَقَبْرُهُ مَشْهُورٌ يُزَارُ وَيُتَبَرَّكُ بِهِ، وَرُوِيَ لَهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ خَمْسَةَ عَشَرَ حَدِيثًا، وَلَمْ يُخْرِجْ لَهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ شَيْئًا، وَلَا أَخْرَجَ لَهُ مُسْلِمٌ إِلَّا فِي حَدِيثِ الْعَنْبَرِ فِي رِوَايَةِ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵃، وَهُوَ قَوْلُهُ - يَعْنِي قَوْلَ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ ﵁: نَحْنُ رُسُلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ مَعْنًى تَامٌّ فَسَمَّوْهُ حَدِيثًا. فَهَؤُلَاءِ الْعَشَرَةُ الْمَذْكُورُونَ فِي حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " «أَبُو بَكْرٍ فِي الْجَنَّةِ، وَعُمَرُ فِي الْجَنَّةِ، وَعُثْمَانُ فِي الْجَنَّةِ، وَعَلِيٌّ فِي الْجَنَّةِ، وَطَلْحَةُ فِي الْجَنَّةِ، وَالزُّبَيْرُ فِي الْجَنَّةِ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ فِي الْجَنَّةِ، وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ فِي الْجَنَّةِ، وَسَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ فِي الْجَنَّةِ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ فِي الْجَنَّةِ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ رَبَاحِ بْنِ الْحَارِثِ

стр. 812

قَالَ: كُنْتُ قَاعِدًا عِنْدَ فُلَانٍ فِي الْكُوفَةِ فِي الْمَسْجِدِ، وَعِنْدَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ، فَجَاءَ سَعِيدُ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ، فَرَحَّبَ بِهِ وَحَيَّاهُ وَأَقْعَدَهُ عَلَى السَّرِيرِ، فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ يُقَالُ لَهُ قَيْسُ بْنُ عَلْقَمَةَ، فَاسْتَقْبَلَهُ فَسَبَّ وَسَبَّ، فَقَالَ سَعِيدٌ: مَنْ يَسُبُّ هَذَا الرَّجُلُ؟ فَقَالَ: يَسُبُّ عَلِيًّا. فَقَالَ: لَا أَرَى أَصْحَابَ النَّبِيِّ ﷺ يُسَبُّونَ عِنْدَكَ ثُمَّ لَا تُنْكِرُ وَلَا تُغَيِّرُ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ - وَإِنِّي لَغَنِيٌّ أَنْ أَقُولَ عَلَيْهِ مَا لَمْ يَقُلْ فَيَسْأَلُنِي عَنْهُ غَدًا إِذَا لَقِيتُهُ -: " «أَبُو بَكْرٍ فِي الْجَنَّةِ، وَعُمَرُ فِي الْجَنَّةِ، وَعُثْمَانُ فِي الْجَنَّةِ، وَعَلِيٌّ فِي الْجَنَّةِ، وَطَلْحَةُ فِي الْجَنَّةِ، وَالزُّبَيْرُ فِي الْجَنَّةِ، وَسَعْدٌ فِي الْجَنَّةِ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ فِي الْجَنَّةِ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ فِي الْجَنَّةِ» ". وَسَكَتَ عَنِ الْعَاشِرِ، قَالُوا وَمَنْ هُوَ الْعَاشِرُ؟ قَالَ: سَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ - يَعْنِي نَفْسَهُ - ثُمَّ قَالَ: يَعْنِي سَعِيدَ بْنَ زَيْدٍ ﵁: وَاللَّهِ لَمَشْهَدُ رَجُلٍ مِنْهُمْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَغْبَرُّ فِيهِ وَجْهُهُ خَيْرٌ مِنْ عَمَلِ أَحَدِكُمْ وَلَوْ عَمَّرَ عُمْرَ نُوحٍ. زَادَ رَزِينٌ ثُمَّ قَالَ: لَا جَرَمَ لَمَّا انْقَطَعَتْ أَعْمَالُهُمْ أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى أَلَا يَنْقَطِعَ الْأَجْرُ عَنْهُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَالشَّقِيُّ مَنْ أَبْغَضَهُمْ وَالسَّعِيدُ مَنْ أَحَبَّهُمْ. وَلَفْظُ التِّرْمِذِيِّ: أَشْهَدُ عَلَى التِّسْعَةِ أَنَّهُمْ فِي الْجَنَّةِ، وَلَوْ شَهِدْتُ عَلَى الْعَاشِرِ لَمْ آثَمْ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ ظَالِمٍ الْمَازِنِيُّ: قُلْتُ لِسَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ ﵁: مَنِ التِّسْعَةُ؟ فَذَكَرَهُمْ، قُلْتُ وَمَنِ الْعَاشِرُ؟ فَتَلَكَّأَ هُنَيْهَةً ثُمَّ قَالَ: أَنَا. وَلِلتِّرْمِذِيِّ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «عَشَرَةٌ فِي الْجَنَّةِ» ". فَعَدَّ التِّسْعَةَ وَسَكَتَ عَنِ الْعَاشِرِ، فَقَالَ الْقَوْمُ: نَنْشُدُكَ اللَّهَ يَا أَبَا الْأَعْوَرِ مَنِ الْعَاشِرُ؟ قَالَ: نَشَدْتُمُونِي بِاللَّهِ، أَبُو الْأَعْوَرِ فِي الْجَنَّةِ، أَبُو الْأَعْوَرِ هُوَ سَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ. وَالْأَحَادِيثُ فِي هَذَا الْمَعْنَى كَثِيرَةٌ، وَيَكْفِي مَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَلْقَمَةَ الْيَشْكُرِيِّ قَالَ: «سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ﵁ يَقُولُ: - يَعْنِي بَعْدَ وَقْعَةِ الْجَمَلِ - سَمِعَتْ أُذُنِي مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يَقُولُ: طَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ جَارَايَ فِي الْجَنَّةِ» . وَبَعْدَ الْعَشَرَةِ أَيِ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ فِي الْأَفْضَلِيَّةِ. [أهل بدر] ((فَأَهْلُ)) غَزْوَةِ ((بَدْرٍ)) الْعُظْمَى، وَهِيَ الْبَطْشَةُ الْكُبْرَى، وَيُقَالُ لَهَا بَدْرُ الْقِتَالِ وَيَوْمُ الْفُرْقَانِ، كَمَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ

стр. 813

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى فَرَقَّ فِيهِ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، وَهِيَ الَّتِي أَعَزَّ اللَّهُ بِهَا الْإِسْلَامَ، وَقَمَعَ بِهَا عَبَدَةَ الْأَصْنَامِ، وَبَدْرٌ قَرْيَةٌ مَشْهُورَةٌ، وَلَمْ تَزَلْ مِنْ يَوْمِئِذٍ بِأَهْلِ الْإِسْلَامِ مَعْمُورَةٌ، عَلَى نَحْوِ أَرْبَعَةِ مَرَاحِلَ مِنَ الْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ، قِيلَ: نُسِبَتْ إِلَى بَدْرِ بْنِ مَخْلَدِ بْنِ النَّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ، وَقِيلَ: إِلَى بَدْرِ بْنِ الْحَارِثِ، وَقِيلَ: إِلَى بَدْرِ بْنِ كَلَدَةَ، وَقِيلَ: بَلْ بَدْرٌ اسْمٌ لِلْبِئْرِ الَّتِي بِهَا سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِاسْتِدَارَتِهَا وَلِصَفَائِهَا فَكَأَنَّ الْبَدْرَ يُرَى فِيهَا، وَقِيلَ: بَلْ هُوَ عَلَمٌ عَلَى الْبَلَدِ الْمَذْكُورِ كَغَيْرِهَا مِنْ أَسْمَاءِ الْبِلَادِ، قَالَ الْبَغَوِيُّ وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِ: وَكَانَتْ وَقْعَةُ بَدْرٍ نَهَارَ الْجُمُعَةِ لِسَبْعَةَ عَشَرَ خَلَتْ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ مِنَ السَّنَةِ الثَّانِيَةِ مِنَ الْهِجْرَةِ، وَكَانَ عَدَدُ الْمُسْلِمِينَ ثَلَاثَمِائَةٍ وَبِضْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا. رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵄ قَالَ: كُنَّا أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نَتَحَدَّثُ أَنَّ عِدَّةَ أَصْحَابِ بَدْرٍ عَلَى عِدَّةِ أَصْحَابِ طَالُوتَ الَّذِينَ عَبَرُوا مَعَهُ النَّهْرَ، وَلَمْ يُجَاوِزْهُ مَعَهُ إِلَّا مُؤْمِنٌ، بِضْعَةَ عَشَرَ وَثَلَاثُمِائَةٍ. وَفِي حَدِيثِ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ ﵁ عَنِ ابْنِ جَرِيرٍ، وَابْنِ أَبِي حَاتِمٍ، وَالطَّبَرَانِيِّ، وَالْبَيْهَقِيِّ قَالَ: «أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ أَنْ نَعْتَدَّ فَفَعَلْنَا، فَإِذَا نَحْنُ ثَلَاثُمِائَةٍ وَثَلَاثَةَ عَشَرَ، فَأَخْبَرْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِعِدَّتِنَا، فَسُّرَ بِذَلِكَ وَحَمِدَ اللَّهَ تَعَالَى» ، وَقَالَ: عِدَّةُ أَصْحَابِ طَالُوتَ. وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُسْلِمٌ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو عَوَانَةَ، وَابْنُ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ نَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى أَصْحَابِهِ وَهُمْ ثَلَاثُمِائَةٍ وَبِضْعَةَ عَشَرَ - وَلَفْظُ مُسْلِمٍ تِسْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا -، وَنَظَرَ إِلَى الْمُشْرِكِينَ فَإِذَا هُمْ أَلْفٌ وَزِيَادَةٌ، الْحَدِيثَ. وَرَوَى الْبَزَّارُ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ ﵁ قَالَ: كَانَتْ عِدَّةُ أَهْلِ بَدْرٍ عِدَّةَ أَصْحَابِ طَالُوتَ يَوْمَ جَالُوتَ، ثَلَاثَمِائَةٍ وَسَبْعَةَ عَشَرَ. وَفِي الْفَتْحِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ بَدَلَ سَبْعَةَ عَشَرَ. وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: جَمِيعُ مَنْ شَهِدَ بَدْرًا مِنْ قُرَيْشٍ مَنْ ضُرِبَ لَهُ سَهْمُهُ أَحَدٌ وَثَمَانُونَ، مَعَ أَنَّ الْبُخَارِيَّ وَإِسْحَاقَ بْنَ رَاهَوَيْهِ أَخْرَجَا عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵄ قَالَ: كَانَ الْمُهَاجِرُونَ يَوْمَ بَدْرٍ نَيِّفًا عَلَى السِّتِّينَ، وَالْأَنْصَارُ نَيِّفًا وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ،

стр. 814

قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ: وَالْجَمْعُ بَيْنَ هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ أَنَّ حَدِيثَ الْبَرَاءِ فِيمَنْ شَهِدَ بَدْرًا حِسًّا، وَقَوْلَ الزُّهْرِيِّ فِيمَنْ شَهِدَهَا بِالْعَدَدِ حُكْمًا مِمَّنْ ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَهُ بِسَهْمِهِ وَأَجْرِهِ، أَوِ الْمُرَادُ بِالْعَدَدِ الْأَوَّلِ الْأَحْرَارُ، وَبِالثَّانِي بِانْضِمَامِ مَوَالِيهِمْ وَأَتْبَاعِهِمْ. وَإِذَا تَحَرَّرَ هَذَا فَجَمِيعُ مَنْ شَهِدَ الْقِتَالَ مِنْ ثَلَاثِمِائَةٍ وَخَمْسَةٍ أَوْ سِتَّةٍ فَقَدْ عَدَّ ثَمَانِيَةَ أَنْفُسٍ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ وَلَمْ يَشْهَدُوهَا، وَإِنَّمَا ضَرَبَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَعَهُمْ بِسِهَامِهِمْ، لِكَوْنِهِمْ تَخَلَّفُوا لِضَرُورَاتٍ لَهُمْ، وَهُمْ: عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ، وَطَلْحَةُ، وَسَعِيدٌ، وَالْحَارِثُ بْنُ حَاطِبٍ، وَالْحَارِثُ بْنُ الصِّمَّةِ، وَخَوَّاتُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَعَاصِمُ بْنُ عَدِيٍّ، وَأَبُو لُبَابَةَ ﵃. وَاسْتُشْهِدَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِي وَقْعَةِ بَدْرٍ أَرْبَعَ عَشْرَةَ نَفْسًا، سِتَّةٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، وَثَمَانِيَةٌ مِنَ الْأَنْصَارِ ﵃ أَجْمَعِينَ. وَقُتِلَ مِنَ الْكُفَّارِ سَبْعُونَ، وَأُسِرَ سَبْعُونَ. وَقَدْ رَوَى الطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: إِنَّ الثَّمَانِيَةَ عَشَرَ الَّذِينَ قُتِلُوا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى أَرْوَاحَهُمْ فِي الْجَنَّةِ فِي طَيْرٍ خُضْرٍ تَسْرَحُ فِي الْجَنَّةِ، فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذِ اطَّلَعَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمُ اطِّلَاعَةً، فَقَالَ: يَا عِبَادِي مَاذَا تَشْتَهُونَ؟ فَقَالُوا: يَا رَبَّنَا هَلْ فَوْقَ هَذَا مِنْ شَيْءٍ؟ قَالَ: فَيَقُولُ عِبَادِي: مَاذَا تَشْتَهُونَ؟ فَيَقُولُونَ فِي الرَّابِعَةِ: تُرَدُّ أَرْوَاحُنَا فِي أَجْسَادِنَا فَنُقْتَلُ كَمَا قُتِلْنَا. وَرَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ الزُّرَقِيِّ ﵁ وَكَانَ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ قَالَ: «جَاءَ جِبْرِيلُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: مَا تَعُدُّونَ أَهْلَ بَدْرٍ فِيكُمْ؟ قَالَ: مِنْ أَفْضَلِ الْمُسْلِمِينَ - أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا -. قَالَ: كَذَلِكَ مَنْ شَهِدَ بَدْرًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ» . وَرَوَى نَحْوَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي جَامِعِ الْمَسَانِيدِ: كَذَا وَقَعَ فِي مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ غَلَطٌ مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ، وَإِنَّمَا هُوَ حَدِيثُ رَافِعِ بْنِ رِفَاعَةَ الزُّرَقِيِّ لَا ابْنِ خَدِيجٍ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ سَمِعَهُ ابْنُ خَدِيجٍ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وَأَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَنْ يَدْخُلَ النَّارَ رَجُلٌ شَهِدَ بَدْرًا وَالْحُدَيْبِيَةَ» . وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «اطَّلَعَ

стр. 815

اللَّهُ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ» ". وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ حَفْصَةَ ﵂ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «إِنِّي لَأَرْجُو اللَّهَ أَنْ لَا يَدْخُلَ النَّارَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ أَحَدٌ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا وَالْحُدَيْبِيَةَ» ". قَالَتْ: قُلْتُ: أَلَيْسَ اللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١] قَالَ: فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ [مريم: ٧٢] . وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ ﵁ أَنَّ عَبْدًا لِحَاطِبٍ جَاءَ يَشْكُو إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَاطِبًا، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَيَدْخُلَنَّ حَاطِبٌ النَّارَ. فَقَالَ: " «كَذَبْتَ، لَا يَدْخُلُهَا فَإِنَّهُ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا وَالْحُدَيْبِيَةَ» ". وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ فِي قِصَّةِ كِتَابِ حَاطِبٍ، «وَأَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ دَعْنِي أَضْرِبْ عُنُقَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " أَلَيْسَ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ؟ وَلَعَلَّ اللَّهَ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ، فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ - أَوْ قَالَ: - قَدْ وَجَبَتْ لَكُمُ الْجَنَّةُ» ". وَفِي الْمَعْنَى أَحَادِيثُ غَيْرُ مَا ذَكَرْنَا. (تَنْبِيهٌ (قَدِ اسْتَشْكَلَ جَمْعٌ قَوْلَهُ: " «اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ» "، فَإِنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّهُ لِلْإِبَاحَةِ، وَهُوَ خِلَافُ عَقْدِ الشَّرْعِ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ إِخْبَارٌ عَنِ الْمَاضِي، أَيْ كُلُّ عَمَلٍ كَانَ لَكُمْ فَهُوَ مَغْفُورٌ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ لِمَا يَسْتَقْبِلُونَهُ مِنَ الْعَمَلِ لَمْ يَقَعْ بِلَفْظِ الْمَاضِي، وَلَقَالَ: فَسَأَغْفِرُهُ لَكُمْ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ لِلْمَاضِي لَمَا حَسُنَ الِاسْتِدْلَالُ بِهِ فِي قِصَّةِ حَاطِبٍ، لِأَنَّهُ ﷺ خَاطَبَ بِذَلِكَ عُمَرَ ﵁ مُنْكِرًا عَلَيْهِ مَا قَالَهُ فِي أَمْرِ حَاطِبٍ، وَهَذِهِ الْقِصَّةُ كَانَتْ بَعْدَ بَدْرٍ بِسِتِّ سِنِينَ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ مَا سَيَأْتِي، وَأَوْرَدَهُ بِلَفْظِ الْمَاضِي مُبَالَغَةً فِي تَحْقِيقِهِ، «فَإِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ ﵁ قَالَ لِحَاطِبٍ: قَاتَلَكَ اللَّهُ، تَرَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَأْخُذُ بِالْأَنْقَابِ وَتَكْتُبُ إِلَى قُرَيْشٍ تُحَذِّرُهُمْ؟ دَعْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ أَضْرِبْ عُنُقَهُ، فَإِنَّ الرَّجُلَ قَدْ نَافَقَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " وَمَا يُدْرِيكَ يَا عُمَرُ، إِنَّ اللَّهَ اطَّلَعَ عَلَى أَصْحَابِ بَدْرٍ يَوْمَ بَدْرٍ، فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ؟ " فَاغْرَوْرَقَتْ عَيْنَا عُمَرَ وَقَالَ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ حِينَ سَمِعَهُ يَقُولُ فِي أَهْلِ بَدْرٍ مَا قَالَ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الممتحنة: ١]

стр. 816

- إِلَى قَوْلِهِ - ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الممتحنة: ٣] » . وَقِيلَ: إِنَّ صِيغَةَ الْأَمْرِ فِي قَوْلِهِ اعْمَلُوا لِلتَّشْرِيفِ وَالتَّكْرِيمِ، فَالْمُرَادُ عَدَمُ الْمُؤَاخَذَةِ بِمَا يَصْدُرُ عَنْهُمْ، وَأَنَّهُمْ خُصُّوا بِذَلِكَ، لِمَا حَصَلَ لَهُمْ مِنَ الْحَالِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي اقْتَضَتْ مَحْوَ ذُنُوبِهِمُ السَّالِفَةِ، وَتَأَهَّلُوا لِأَنْ يَغْفِرَ لَهُمُ الذُّنُوبَ اللَّاحِقَةَ، أَيْ كُلَّ مَا عَمِلْتُمُوهُ بَعْدَ هَذِهِ الْوَقْعَةِ مِنْ أَيِّ عَمَلٍ كَانَ فَهُوَ مَغْفُورٌ، وَقِيلَ: إِنَّ الْمُرَادَ أَنَّ ذُنُوبَهُمْ تَقَعُ إِذَا وَقَعَتْ مَغْفُورَةً، وَقِيلَ: هِيَ شَهَادَةٌ بِعَدَمِ وُقُوعِ الذُّنُوبِ مِنْهُمْ، وَفِيهِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ لِمَا ثَبَتَ فِي قِصَّةِ قُدَامَةَ بْنِ مَظْعُونٍ حِينَ شَرِبَ الْخَمْرَ فِي خِلَافَةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ مُتَأَوِّلًا، فَحَدَّهُ عُمَرُ ثُمَّ هَاجَرَهُ بِسَبَبِ ذَلِكَ، فَرَأَى عُمَرُ فِي الْمَنَامِ مَنْ يَأْمُرُهُ بِمُصَالَحَتِهِ، وَكَانَ قُدَامَةُ بَدْرِيًّا. وَالَّذِي يُفْهَمُ مِنْ سِيَاقِ الْقِصَّةِ الِاحْتِمَالُ الثَّانِي، وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْبِشَارَةَ الْمَذْكُورَةَ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِأَحْكَامِ الْآخِرَةِ، لَا فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِأَحْكَامِ الدُّنْيَا مِنْ إِقَامَةِ الْحُدُودِ وَنَحْوِهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. عَلَى أَنَّهُ زَعَمَ أُنَاسٌ أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ﴾ [التوبة: ٧٥] الْآيَةَ وَفِيهَا ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا﴾ [التوبة: ٧٧] الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي ثَعْلَبَةَ بْنِ حَاطِبٍ، أَوِ ابْنِ أَبِي حَاطِبِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عُبَيْدِ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَوْفٍ الْأَنْصَارِيِّ الْأَوْسِيِّ، وَقَدْ ذَكَرُوهُ مِنَ الْبَدْرِيِّينَ، وَقَدْ عَدَّهُ الْحَافِظُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي مُنْتَخَبِ الْمُنْتَخَبِ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ، ثُمَّ عَدَّهُ فِي الْكِتَابِ الْمَذْكُورِ مِنْ جُمْلَةِ الْمُنَافِقِينَ، ثُمَّ قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: كَانَ الْمُنَافِقُونَ مِنَ الرِّجَالِ ثَلَاثَمِائَةٍ، وَمِنَ النِّسَاءِ مِائَةٌ وَسَبْعِينَ. وَقَدْ كَانَ فِيهِمْ مَنْ شَهِدَ بَدْرًا فَتَغَيَّرَتْ حَالُهُ كَثَعْلَبَةَ، وَمُعَتِّبِ بْنِ قُشَيْرٍ نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الْخِذْلَانِ. انْتَهَى. وَقَالَ ابْنُ الْكَلْبِيِّ: إِنَّ ثَعْلَبَةَ الْبَدْرِيَّ قُتِلَ بِأُحُدٍ، وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي الْإِصَابَةِ فِي تَرْجَمَةِ ثَعْلَبَةَ بْنِ حَاطِبٍ، أَوِ ابْنِ أَبِي حَاطِبٍ الْأَنْصَارِيِّ - ذَكَرَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ فِيمَنْ بَنَى مَسْجِدَ الضِّرَارِ - قَالَ الْحَافِظَ ابْنُ حَجَرٍ: وَفِي كَوْنِ صَاحِبِ الْقِصَّةِ - إِنْ صَحَّ الْخَبَرُ، وَلَا أَظُنُّهُ يَصِحُّ - هُوَ الْبَدْرِيَّ الْمَذْكُورَ قَبْلَهُ نَظَرٌ، وَقَدْ تَأَكَّدَتِ الْمُغَايِرَةُ بَيْنَهُمَا بِقَوْلِ ابْنِ الْكَلْبِيِّ إِنَّ الْبَدْرِيَّ اسْتُشْهِدَ بِأُحُدٍ، وَيُقَوِّي ذَلِكَ أَيْضًا أَنَّ ابْنَ مَرْدَوَيْهِ رَوَى فِي تَفْسِيرِهِ مِنْ طَرِيقِ عَطِيَّةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ فِي الْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ يَعْنِي ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ﴾ [التوبة: ٧٥] قَالَ: نَزَلَ ذَلِكَ فِي رَجُلٍ يُقَالُ لَهُ ثَعْلَبَةُ بْنُ أَبِي حَاطِبٍ مِنَ الْأَنْصَارِ أَتَى مَجْلِسًا

стр. 817

فَأَشْهَدَهُمْ فَقَالَ: ﴿لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ﴾ [التوبة: ٧٥]- الْآيَةَ فَذَكَرَ الْقِصَّةَ مُطَوَّلَةً، فَقَالَ: إِنَّهُ ثَعْلَبَةُ بْنُ أَبِي حَاطِبٍ، وَالْبَدْرِيُّ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ ثَعْلَبَةُ بْنُ حَاطِبٍ، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ ﷺ قَالَ: «لَا يَدْخُلُ النَّارَ أَحَدٌ شَهِدَ بَدْرًا وَالْحُدَيْبِيَةَ» . وَحَكَى عَنْ رَبِّهِ ﵎ أَنَّهُ قَالَ: «اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ» ، فَمَنْ يَكُونُ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ كَيْفَ يُعْقِبُهُ اللَّهُ تَعَالَى نِفَاقًا فِي قَلْبِهِ وَيَنْزِلُ فِيهِ مَا نَزَلَ؟ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ غَيْرُهُ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. [أهل الشجرة] ((ثُمَّ)) بَعْدَ أَهْلِ بَدْرٍ فَالْأَفْضَلِيَّةُ لِـ ((أَهْلِ)) بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ تَحْتَ ((الشَّجَرَةِ)) الْمَعْهُودَةِ، وَتُسَمَّى شَجَرَةُ الْبَيْعَةِ وَشَجَرَةُ الرِّضْوَانِ، وَهِيَ شَجَرَةٌ خَضْرَاءُ سَمُرَةُ - بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَضَمِّ الْمِيمِ - مِنْ شَجَرِ الطَّلْحِ، وَهُوَ نَوْعٌ مِنَ الْعِضَاةِ أَوْ مِنَ السِّدْرِ كَمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ جَابِرٍ، وَلَمَّا كَانَتْ خِلَافَةُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ بَلَغَهُ أَنَّ نَاسًا يَذْهَبُونَ إِلَى الشَّجَرَةِ فَيُصَلُّونَ تَحْتَهَا وَيَتَبَرَّكُونَ بِهَا، فَأَمَرَ ﵁ بِهَا فَقُطِعَتْ وَأُخْفِيَ مَكَانُهَا خَشْيَةَ الِافْتِتَانِ بِهَا، وَلِمَا وَقَعَ تَحْتَهَا مِنَ الْخَيْرِ، فَلَوْ بَقِيَتْ لَمَا أُمِنَ تَعْظِيمُ أَهْلِ الْجَهْلِ لَهَا، حَتَّى رُبَّمَا أَفْضَى بِهِمْ جَهْلُهُمْ إِلَى أَنَّ بِهَا قُوَّةَ نَفْعٍ وَضَرٍّ كَمَا هُوَ مُشَاهَدٌ مِنْ شَأْنِ النَّاسِ فِي هَذِهِ الْأَزْمَانِ وَمُذْ أَزْمَانٍ مِنْ تَعْظِيمِ مَا دُونَهَا مِنَ الشَّجَرِ وَالْبِقَاعِ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁: كَانَتْ رَحْمَةً مِنَ اللَّهِ - يَعْنِي إِخْفَاءَهَا - بَعْدَ ذَلِكَ، أَوْ كَانَتْ مَوْضِعَ رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ، وَمَحَلَّ رِضْوَانِهِ لِإِنْزَالِهِ الرِّضَى عَلَى الْمُؤْمِنِينَ عِنْدَهَا. [أهل أحد] ((وَقِيلَ أَهْلُ أُحُدٍ الْمُقَدَّمَهْ ... وَالْأَوَّلُ أَوْلَى لِلنُّصُوصِ الْمُحْكَمَهْ)) وَقَوْلُهُ ((وَقِيلَ أَهْلُ)) غَزْوَةِ جَبَلِ ((أُحُدٍ الْمُقَدَّمَةِ)) أَيْ فِي الزَّمَنِ وَالْأَفْضَلِيَّةِ إِشَارَةً إِلَى أَنَّ الْأَصَحَّ الْأَفْضَلَ أَهْلُ بَدْرٍ، فَأَهْلُ أُحُدٍ، فَأَهْلُ الْبَيْعَةِ، وَقَوْلُهُ ((وَالْأَوَّلُ)) وَهُوَ تَقْدِيمُ أَهْلِ الْبَيْعَةِ فِي الْأَفْضَلِيَّةِ عَلَى أَهْلِ غَزْوَةِ أُحُدٍ ((أَوْلَى)) وَأَحَقُّ وَأَحْرَى بِذَلِكَ، وَذَلِكَ ((لِـ)) وُرُودِ ((النُّصُوصِ الْمُحْكَمَةِ)) مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مِنْ أَحَادِيثِ نَبِيِّ الرَّحْمَةِ ﷺ ، وَكَانَتْ غَزْوَةُ أُحُدٍ فِي نِصْفِ شَوَّالٍ سَنَةَ ثَلَاثٍ أَوَّلَ نَهَارِ السَّبْتِ، وَفِي الْفَتْحِ لِإِحْدَى عَشَرَ خَلَتْ مِنْهُ، وَقِيلَ لِتِسْعٍ وَقِيلَ لِثَمَانٍ وَقِيلَ لِسَبْعٍ. وَأُحُدٌ - بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَالْحَاءِ وَالدَّالِّ الْمُهْمَلَتَيْنِ - هُوَ جَبَلٌ أَحْمَرُ لَيْسَ بِذِي شَنَاخِبَ، بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَدِينَةِ

стр. 818

أَقَلُّ مِنْ فَرْسَخٍ، وَهُوَ فِي شَمَالِهَا إِلَى الشَّرْقِ، رَوَى الشَّيْخَانِ عَنْ أَنَسٍ ﵁، وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَالطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ عَنْ سُوَيْدِ بْنِ عَامِرٍ الْأَنْصَارِيِّ، وَالْبُخَارِيُّ عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ، وَالْبُخَارِيُّ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، وَالطَّبَرَانِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَغَيْرِهِمْ ﵃ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِأُحُدٍ لَمَّا بَدَا لَهُ: " هَذَا جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ» ". وَتَكَرَّرَ مِنْهُ ﷺ هَذَا الْقَوْلُ مَرَّاتٍ، وَفِي الطَّبَرَانِيِّ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ مَرْفُوعًا: " «أُحُدٌ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْجَنَّةِ» ". قَالَ يَاقُوتُ: أُحُدٌ اسْمٌ مُرْتَجَلٌ لِهَذَا الْجَبَلِ. وَقَالَ السُّهَيْلِيُّ: سُمِّيَ أُحُدًا لِتَوَحُّدِهِ وَانْقِطَاعِهِ عَنْ جِبَالٍ أُخَرَ هُنَاكَ، أَوْ لِمَا وَقَعَ مِنْ أَهْلِهِ مِنْ نُصْرَةِ التَّوْحِيدِ، وَلَا أَحْسَنَ مِنَ اسْمٍ مُشْتَقٍّ مِنَ الْأَحَدِيَّةِ، وَأَهْلُهُ هُمُ الْأَنْصَارُ نَصَرُوا التَّوْحِيدَ، وَالْمَبْعُوثُ بِدِينِ التَّوْحِيدِ عِنْدَهُ اسْتَقَرَّ حَيًّا وَمَيِّتًا. إِذَا عَلِمَتْ هَذَا فَظَاهِرُ كَلَامِ مُتَكَلِّمِي الْأَشَاعِرَةِ أَنَّ أَهْلَ غَزْوَةِ أُحُدٍ يَلُونَ أَهْلَ بَدْرٍ فِي الْأَفْضَلِيَّةِ، وَكَانَ عِدَّةُ أَهْلِ غَزْوَةِ أُحُدٍ بَعْدَ انْخِزَالِ ابْنِ أُبَيٍّ سَبْعَمِائَةٍ، وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ ثَلَاثَةَ آلَافٍ، وَعِدَّةُ مَنِ اسْتُشْهِدَ يَوْمَئِذٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ سَبْعُونَ رَجُلًا، مِنْهُمْ أَرْبَعَةٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، وَهُمْ سَيِّدُ الشُّهَدَاءِ حَمْزَةُ وَمُصْعَبٌ وَعَبْدُ اللَّهُ بْنُ جَحْشٍ وَشَمَّاسُ بْنُ عُثْمَانَ، وَسَائِرُهُمْ مِنَ الْأَنْصَارِ، وَزَادَ بَعْضُهُمْ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ مَوْلَى حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ، وَثَقِفَ بْنَ عَمْرٍو الْأَسْلَمِيَّ حَلِيفَ بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ، وَهَذَا يُوَافِقُ مَا رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ﵁ قَالَ: أُصِيبَ يَوْمَ أُحُدٍ مِنَ الْأَنْصَارِ أَرْبَعَةٌ وَسِتُّونَ، وَمِنَ الْمُهَاجِرِينَ سِتَّةٌ. وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّهُ إِنْ أُرِيدَ شُهَدَاءُ أُحُدٍ فَنَعَمْ، وَإِلَّا فَيَحْتَاجُ إِلَى تَوْقِيفٍ فَتَفَطَّنْ لَهُ. فَقَدْ وَرَدَتِ الْأَحَادِيثُ فِي فَضْلِ شُهَدَاءِ أُحُدٍ كَقَوْلِهِ ﷺ فِي حَقِّ عَبْدِ اللَّهِ وَالِدِ جَابِرٍ ﵄: " «مَا زَالَتِ الْمَلَائِكَةُ تُظِلُّهُ بِأَجْنِحَتِهَا حَتَّى رَفَعْتُمُوهُ» ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَأَخْرَجَ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: «لَمَّا قُتِلَ حَمْزَةُ وَأَصْحَابُهُ يَوْمَ أُحُدٍ قَالُوا: يَا لَيْتَ لَنَا مُخْبِرًا يُخْبِرُ إِخْوَانَنَا بِالَّذِي صِرْنَا إِلَيْهِ مِنْ كَرَامَةِ اللَّهِ تَعَالَى لَنَا، فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنَا رَسُولُكُمْ إِلَى إِخْوَانِكُمْ فَأَنْزَلَ اللَّهُ : ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا﴾ [آل عمران: ١٦٩]- إِلَى قَوْلِهِ - ﴿لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٧١] » . وَأَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَمُسْلِمٌ، وَأَبُو دَاوُدَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ:

стр. 819

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَمَّا أُصِيبَ إِخْوَانُكُمْ بِأُحُدٍ جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى أَرْوَاحَهُمْ فِي أَجْوَافِ طَيْرٍ خُضْرٍ، تَرِدُ أَنْهَارَ الْجَنَّةِ، وَتَأْكُلُ مِنْ ثِمَارِهَا، وَتَأْوِي إِلَى قَنَادِيلَ مِنْ ذَهَبٍ مُعَلَّقَةٍ فِي ظِلِّ الْعَرْشِ، فَلَمَّا وَجَدُوا طِيبَ مَشْرَبِهِمْ، وَحُسْنَ مَقِيلِهِمْ، قَالُوا: يَا لَيْتَ إِخْوَانَنَا يَعْلَمُونَ مَا صَنَعَ اللَّهُ تَعَالَى لَنَا - وَفِي لَفْظٍ قَالُوا: - مَنْ يُبَلِّغُ إِخْوَانَنَا أَنَّا أَحْيَاءٌ فِي الْجَنَّةِ نُرْزَقُ، لِئَلَّا يَزْهَدُوا فِي الْجِهَادِ، وَلَا يَنْكِلُوا عَنِ الْحَرْبِ؟ فَقَالَ اللَّهُ : أَنَا أُبَلِّغُهُمْ عَنْكُمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَؤُلَاءِ الْآيَاتِ: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا﴾ [آل عمران: ١٦٩] إِلَى آخِرِ الْآيَاتِ» ، وَرَوَى نَحْوَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي الْمُصَنَّفِ، وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَالْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي الْمُسْنَدِ، وَمُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ. «وَكَانَ ﷺ يَزُورُ شُهَدَاءَ أُحُدٍ، فَإِذَا بَلَغَ فُرْضَةَ الشِّعْبِ يَقُولُ: " السَّلَامُ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنَعِمَ عُقْبَى الدَّارِ "، ثُمَّ كَانَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ يَفْعَلُهُ وَكَذَا عُمَرُ، وَعُثْمَانُ ﵄، وَلَمَّا أَجْرَى مُعَاوِيَةُ ﵁ الْعَيْنَ فَمَرَّتْ عَلَى الشُّهَدَاءِ، فَأَخْرَجَهُمْ طَرَايَا تَنْثَنِي أَطْرَافُهُمْ، وَجَدُوا وَالِدَ جَابِرٍ وَيَدُهُ عَلَى جُرْحِهِ، فَأُمِيطَتْ يَدُهُ عَنْ جُرْحِهِ، فَانْبَعَثَ الدَّمُ، فَرُدَّتْ إِلَى مَكَانِهَا، فَسَكَنَ الدَّمُ، قَالَ جَابِرٌ: فَرَأَيْتُ أَبِي فِي حُفْرَتِهِ كَأَنَّهُ نَائِمٌ، وَالنَّمِرَةَ الَّتِي كُفِّنَ فِيهَا كَمَا هِيَ، وَكَانَ ذَلِكَ بَعْدَ أُحُدٍ بِسِتٍّ وَأَرْبَعِينَ سَنَةً، وَأَصَابَتِ الْمِسْحَاةُ رِجْلَ رَجُلٍ مِنْهُمْ وَهُوَ حَمْزَةُ، فَانْبَعَثَ الدَّمُ، فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ ﵁: لَا يُنْكِرُ بَعْدَ هَذَا مُنْكِرٌ، وَكَانُوا وَهُمْ يَحْفِرُونَ يَفِيحُ عَلَيْهِمْ مِنَ الْقُبُورِ رِيحُ الْمِسْكِ» . وَرَوَى الْحَارِثُ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَالْحَاكِمُ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ - رِضَى اللَّهِ عَنْهُمْ - «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا ذَكَرَ أَصْحَابَ أُحُدٍ يَقُولُ: " أَمَا وَاللَّهِ لَوَدِدْتُ أَنِّي غُودِرْتُ مَعَ أَصْحَابِي بِنَحْضِ الْجَبَلِ ". - يَعْنِي شُهَدَاءَ أُحُدٍ» - وَالْأَحَادِيثُ فِي ذَلِكَ كَثِيرَةٌ جِدًّا. وَأَمَّا أَهْلُ الشَّجَرَةِ - يَعْنِي أَهْلَ الْبَيْعَةِ - وَهُمْ أَصْحَابُ الْحُدَيْبِيَةَ فَقَدْ وَرَدَتِ النُّصُوصُ الْمُحْكَمَةُ فِي فَضْلِهِمْ كَمَا سَنَذْكُرُ طَرَفًا مِنْ ذَلِكَ، وَالْحُدَيْبِيَةُ - بِحَاءٍ مَضْمُومَةٍ فَدَالٍّ مُهْمَلَتَيْنِ وَالدَّالُ مَفْتُوحَةٌ، فَمُوَحَّدَةٍ مَكْسُورَةٍ فَتَحْتِيَّةٍ مَفْتُوحَةٍ بِالتَّخْفِيفِ وَالتَّشْدِيدِ - قَالَ النَّحَّاسُ: سَأَلْتُ كُلَّ مَنْ لَقِيتُ مِمَّنْ أَثِقُ بِهِ مِنْ أَهْلِ

стр. 820

الْعِلْمِ عَنِ الْحُدَيْبِيَةَ، فَلَمْ يَخْتَلِفُوا عَلَى قِرَاءَتِهَا مُخَفِّفَةً، وَنَصَّ فِي الْبَارِعِ عَلَى التَّخْفِيفِ، وَحُكِيَ التَّشْدِيدُ عَنِ ابْنِ سَيِّدِهِ فِي الْمُحْكَمِ، قَالَ فِي تَهْذِيبِ الْمَطَالِعِ: وَلَمْ أَرَهُ لِغَيْرِهِ، وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ التَّشْدِيدَ لَمْ يُسْمَعْ فِي فَصِيحٍ، وَقَالَ الْإِمَامُ النَّوَوِيُّ: هُمَا وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ، قَالَ الْبَكْرِيُّ: قَرِيبَةٌ مِنْ مَكَّةَ أَكْثَرُهَا مِنَ الْحَرَمِ، وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنِ الْبَرَاءِ ﵁ وَالْحُدَيْبِيَةُ بِئْرٌ، قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ يُشِيرُ إِلَى الْمَكَانِ الْمُسَمَّى بِالْحُدَيْبِيَةَ: سُمِّيَ بِبِئْرٍ كَانَتْ هُنَاكَ هَذَا اسْمُهَا، ثُمَّ عُرِفَ الْمَكَانُ كُلُّهُ بِذَلِكَ، وَبَيْنَهَا وَبَيْنَ مَكَّةَ نَحْوُ مَرْحَلَةٍ وَاحِدَةٍ، وَمِنَ الْمَدِينَةِ تِسْعُ مَرَاحِلَ، وَكَانَتْ فِي ذِي الْقَعْدَةِ مِنَ السَّنَةِ السَّادِسَةِ، وَكَانَ عِدَّةُ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَرَضِيَ عَنْهُمْ أَرْبَعَ عَشْرَةَ مِائَةٍ وَأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، وَلَعَلَّ الزَّائِدَ عَلَى الْأَلْفِ وَأَرْبَعِ مِائَةٍ مِنَ الْخُدَّامِ وَالْأَتْبَاعِ، وَأَمَّا نَفْسُ الْمُقَاتِلَةِ فَأَرْبَعَ عَشْرَةَ مِائَةً، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنُ إِسْحَاقَ كَانُوا سَبْعَمِائَةٍ فَغَلَطٌ لَمْ يُوَافَقْ عَلَيْهِ، وَكَانَ سَبَبُ الْبَيْعَةِ «أَنَّ قُرَيْشًا لَمَّا صَدَّتِ النَّبِيَّ ﷺ وَالْمُسْلِمِينَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، فَبَعَثَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ ﵁ وَقَالَ لَهُ: اذْهَبْ إِلَى قُرَيْشٍ وَأَخْبِرْهُمْ أَنَّا لَمْ نَأْتِ لِقِتَالٍ، إِنَّمَا جِئْنَا عُمَّارًا، وَادْعُهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، ثُمَّ بَلَغَهُ أَنَّ عُثْمَانَ ﵁ قَدْ قَتَلَتْهُ قُرَيْشٌ. فَدَعَا النَّاسَ إِلَى الْبَيْعَةِ وَقَالَ: " لَا نَبْرَحُ حَتَّى نُنَاجِزَ الْقَوْمَ» ". رَوَى ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ حَدِيثِ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ ﵁، وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ عُرْوَةَ، وَابْنُ إِسْحَاقَ عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ عَنْ شُيُوخِهِ قَالَ سَلَمَةُ ﵁ «بَيْنَا نَحْنُ قَائِلُونَ إِذْ نَادَى مُنَادِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : أَيُّهَا النَّاسُ الْبَيْعَةَ الْبَيْعَةَ، نَزَلَ رُوحُ الْقُدُسِ، فَاخْرُجُوا عَلَى اسْمِ اللَّهِ. قَالَ سَلَمَةُ: فَسِرْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ تَحْتَ شَجَرَةِ سَمُرَةَ فَبَايَعْنَاهُ. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ قَالَ: فَبَايَعْتُهُ أَوَّلَ النَّاسِ، ثُمَّ بَايَعْتُهُ وَسَطَ النَّاسِ، ثُمَّ بَايَعْتُهُ آخِرَ النَّاسِ» . وَالصَّحِيحُ أَنَّ الَّذِي بَايَعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «أَوَّلَ النَّاسِ فِي تِلْكَ الْبَيْعَةِ أَبُو سِنَانٍ الْأَسَدِيُّ، فَقَالَ: ابْسُطْ يَدَكَ أُبَايِعْكَ. فَقَالَ ﷺ : عَلَامَ تُبَايِعُنِي؟ قَالَ: عَلَى مَا فِي نَفْسِكَ. قَالَ: وَمَا فِي نَفْسِي؟ قَالَ: أَضْرِبُ بِسَيْفِي بَيْنَ يَدَيْكَ حَتَّى يُظْهِرَكَ اللَّهُ أَوْ أُقْتَلَ. فَبَايَعَهُ وَبَايَعَهُ النَّاسُ عَلَى بَيْعَةِ أَبِي سِنَانٍ، وَضَرَبَ

стр. 821

رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِإِحْدَى يَدَيْهِ عَلَى الْأُخْرَى عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ﵁، وَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّ عُثْمَانَ فِي حَاجَتِكَ وَحَاجَةِ رَسُولِكَ، فَكَانَتْ يَدُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِعُثْمَانَ خَيْرًا مِنْ أَيْدِيهِمْ لِأَنْفُسِهِمْ» ، ثُمَّ تَبَيَّنَ كَذِبُ الْخَبَرِ بِقَتْلِ عُثْمَانَ ﵁ فَقَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ هُوَ وَمَنْ مَعَهُ، وَكَانُوا عَشَرَةً وَذَلِكَ بَعْدَ الْبَيْعَةِ، ثُمَّ كَانَتِ الْهُدْنَةُ بَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ وَبَيْنَ قُرَيْشٍ. وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَغَيْرُهُمَا فِي حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: «كُنَّا فِي الْحُدَيْبِيَةِ أَلْفًا وَأَرْبَعَمِائَةٍ، فَقَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَنْتُمْ خَيْرُ أَهْلِ الْأَرْضِ» . وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَمُسْلِمٌ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَيْضًا ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «لَا يَدْخُلُ النَّارَ أَحَدٌ بَايَعَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ» ". وَأَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ أَيْضًا بِسَنَدٍ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ «أَنَّهُ ﷺ قَالَ لِأَهْلِ الْحُدَيْبِيَةِ: " لَا يُدْرِكُ قَوْمٌ بَعْدَكُمْ صَاعَكُمْ وَلَا مُدَّكُمْ» ". «وَسَأَلَ أَبُو الزُّبَيْرِ جَابِرًا: كَمْ كَانُوا يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ؟ قَالَ: كُنَّا أَرْبَعَ عَشْرَةَ مِائَةً فَبَايَعْنَاهُ، وَعُمَرُ آخِذٌ بِيَدِهِ تَحْتَ الشَّجَرَةِ وَهِيَ سَمُرَةٌ، فَبَايَعْنَاهُ غَيْرَ جَدِّ بْنِ قَيْسٍ الْأَنْصَارِيِّ اخْتَفَى تَحْتَ بَطْنِ بَعِيرٍ، وَقَالَ: بَايَعْنَاهُ عَلَى أَنْ لَا نَفِرَّ، وَعِنْدَ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ جَابِرٌ ﵁: فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ - يَعْنِي إِلَى الْجَدِّ بْنِ قَيْسٍ - لَاصِقًا بِإِبِطِ نَاقَتِهِ قَدْ ضَبَأَ إِلَيْهَا - وَهُوَ بِفَتْحِ الضَّادِ وَالْمُوَحَّدَةِ مَهْمُوزًا أَيِ اخْتَبَأَ بِهَا يَسْتَتِرُ بِهَا عَنِ النَّاسِ - فَبَايَعْنَاهُ عَلَى أَنْ لَا نَفِرَّ، وَلَمْ نُبَايِعْهُ عَلَى الْمَوْتِ» . وَهَذَا الْجَدُّ بْنُ قَيْسٍ الَّذِي لَمْ يُبَايِعْ كَانَ يُرْمَى بِالنِّفَاقِ، وَعَدَّهُ الْحَافِظُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي مُنْتَخَبِ الْمُنْتَخَبِ مِنَ الْمُنَافِقِينَ، وَقَدْ نَزَلَ فِي حَقِّهِ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ مَا يُشْعِرُ بِذَلِكَ، وَهُوَ ابْنُ عَمَّةِ الْبَرَاءِ بْنِ مَعْرُورٍ، وَكَانَ سَيِّدَ بَنِي سَلِمَةَ - بِكَسْرِ اللَّامِ - فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَسَوَّدَ النَّبِيُّ ﷺ عَمْرَو بْنَ الْجَمُوحِ، وَقِيلَ: سَوَّدَ عَلَيْهِمْ بِشْرَ بْنَ الْبَرَاءِ بْنِ مَعْرُورٍ، وَمَالَ إِلَيْهِ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " «لَيَدْخُلَنَّ الْجَنَّةَ مَنْ بَايَعَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ إِلَّا صَاحِبَ الْجَمَلِ الْأَحْمَرِ» ". وَمِنْ ثَمَّ قَالَ

стр. 822

ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لَيْسَ فِي غَزَوَاتِهِ ﷺ مَا يُعَادِلُ بَدْرًا، أَوْ يَقْرُبُ مِنْهَا إِلَّا غَزْوَةَ الْحُدَيْبِيَةِ، وَقِيلَ: صَاحِبُ الْجَمَلِ الْأَحْمَرِ غَيْرُ الْجَدِّ بْنِ قَيْسٍ، يَدُلُّ لَهُ مَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ غُفِرَ لِلرَّكْبِ أَجْمَعِينَ إِلَّا رُوَيْكِبًا وَاحِدًا عَلَى جَمَلٍ أَحْمَرَ الْتَفَّتْ عَلَيْهِ رِحَالُ الْقَوْمِ لَيْسَ مِنْهُمْ ". وَقَالَ ﷺ : " كُلُّكُمْ مَغْفُورٌ لَهُ إِلَّا صَاحِبَ الْجَمَلِ الْأَحْمَرِ ". قَالَ أَبُو سَعِيدٍ ﵁: فَطُلِبَ فِي الْعَسْكَرِ، فَإِذَا هُوَ عِنْدَ سَعِيدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ، وَالرَّجُلُ مِنْ بَنِي ضَمْرَةَ، مِنْ أَهْلِ سَيْفِ الْبَحْرِ، يُظَنُّ أَنَّهُ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَقِيلَ لِسَعِيدٍ ﵁: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ كَذَا وَكَذَا. فَقَالَ لَهُ سَعِيدٌ: وَيْحَكَ اذْهَبْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَسْتَغْفِرْ لَكَ. وَقَالَ جَابِرٌ: فَقُلْنَا لَهُ: تَعَالَ يَسْتَغْفِرْ لَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . فَقَالَ: وَاللَّهِ لَأَنْ أَجِدَ ضَالَّتِي أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لِي، وَإِذَا هُوَ قَدْ أَضَلَّ بَعِيرًا لَهُ، فَانْطَلَقَ يَطْلُبُ بَعِيرَهُ بَعْدَ أَنِ اسْتَبْرَأَ الْعَسْكَرَ وَطَلَبَهُ فِيهِمْ، فَبَيْنَمَا هُوَ فِي جَبَلِ سُرَاوِعَ إِذْ زَلِقَتْ بِهِ نَعْلُهُ، فَتَرَدَّى فَمَاتَ فَمَا عُلِمَ بِهِ حَتَّى أَكَلَتْهُ السِّبَاعُ» . وَقِصَّةُ هَذَا قَبْلَ الْبَيْعَةِ إِذْ هَذَا لَيْسَ مِنْ عَسْكَرِ الْمُسْلِمِينَ بِخِلَافِ الْجَدِّ بْنِ قَيْسٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (تَنْبِيهَاتٌ ((الْأَوَّلُ) ظَاهِرُ كَلَامِ عُلَمَائِنَا أَنَّ أَفْضَلَ الصَّحَابَةِ بَعْدَ الْعَشَرَةِ أَهْلُ بَدْرٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، ثُمَّ الْأَنْصَارُ عَلَى قَدْرِ الْهِجْرَةِ أَوَّلًا فَأَوَّلًا، ثُمَّ سَائِرُ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَهُمْ رُتَبٌ، وَهَذَا الَّذِي قَدَّمَهُ ابْنُ حَمْدَانَ فِي نِهَايَةِ الْمُبْتَدِئِينَ، ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ خَيْرُ الْأُمَمِ، وَأَفْضَلَهُمُ الْقَرْنُ الَّذِي صَحِبُوهُ وَشَاهَدُوهُ وَآمَنُوا بِهِ وَصَدَّقُوهُ وَنَصَرُوهُ، وَأَفْضَلَ الْقَرْنِ الَّذِي صَحِبُوهُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ مِائَةً الَّذِينَ بَايَعُوا بَيْعَةَ الرِّضْوَانِ، وَأَفْضَلَهُمْ أَهْلُ بَدْرٍ الَّذِينَ نَصَرُوهُ، وَأَفْضَلَهُمْ أَرْبَعُونَ فِي الدَّارِ كَنَفُوهُ - يَعْنِي السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ -، وَأَفْضَلَهُمْ عَشَرَةٌ عَزَّرُوهُ وَوَقَّرُوهُ، وَشَهِدَ لَهُمْ بِالْجَنَّةِ وَمَاتَ وَهُوَ عَنْهُمْ رَاضٍ، وَأَفْضَلَ هَؤُلَاءِ الْعَشَرَةِ الْخُلَفَاءُ الْأَرْبَعَةُ، وَأَفْضَلَهُمْ أَبُو بَكْرٍ ثُمَّ عُمَرُ ثُمَّ عُثْمَانُ ثُمَّ عَلِيٌّ رِضْوَانُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ، وَهَذَا

стр. 823

مُوَافِقٌ لِمَا حَرَّرْنَا مِنْ تَقْدِيمِ أَهْلِ الْبَيْعَةِ عَلَى أَهْلِ غَزْوَةِ أُحُدٍ، فَالتَّحْقِيقُ أَنَّ أَهْلَ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ يَلُونَ أَهْلَ بَدْرٍ فِي الْأَفْضَلِيَّةِ، لِمَا قَدَّمْنَا مِنَ النُّصُوصِ، وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ فِي أَهْلِ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: ١٨] ، وَقَالَ فِي أَهْلِ غَزْوَةِ أُحُدٍ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٥٥] ، وَفِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٢] فَوَصَفَهُمْ فِي الْمَوْضِعَيْنِ بِالْعَفْوِ، وَوَصَفَ أَهْلَ الْبَيْعَةِ بِالرِّضَى، وَهُوَ أَعْلَى وَأَسْنَى وَأَفْضَلُ مِنَ الْعَفْوِ، وَهَذَا ظَاهِرٌ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. (الثَّانِي) الْمُرَادُ بِالسَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا قَبْلَ الْفَتْحِ وَقَاتَلُوا، وَالْمُرَادُ بِالْفَتْحِ أَمْرُ الْحُدَيْبِيَةِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا﴾ [الحديد: ١٠] قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ فِي الْفَتَاوَى الْمِصْرِيَّةِ: الْمُرَادُ بِالْفَتْحِ فَتْحُ الْحُدَيْبِيَةِ لَمَّا بَايَعَ النَّبِيُّ ﷺ أَصْحَابَهُ تَحْتَ الشَّجَرَةِ، وَكَانَ الَّذِينَ بَايَعُوهُ أَكْثَرَ مِنْ أَلْفٍ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، وَهُمُ الَّذِينَ فَتَحُوا خَيْبَرَ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَا يَدْخُلُ النَّارَ أَحَدٌ بَايَعَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ» ". وَسُورَةُ الْفَتْحِ أَنْزَلَهَا اللَّهُ تَعَالَى قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ، وَكَانَتِ الْبَيْعَةُ تَحْتَ الشَّجَرَةِ سَنَةَ سِتٍّ مِنَ الْهِجْرَةِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَبِذَلِكَ الصُّلْحِ الَّذِي كَانَ بَيْنَهُ ﷺ وَبَيْنَ الْمُشْرِكِينَ فِي الْحُدَيْبِيَةِ حَصَلَ الْفَتْحُ وَالْخَيْرُ الْكَثِيرُ الَّذِي لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى، مَعَ كَوْنِهِ قَدْ كَرِهَهُ خَلْقٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَلَمْ يَعْلَمُوا مَا فِيهِ مِنْ حُسْنِ الْعَاقِبَةِ، ثُمَّ فَتَحَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى نَبِيِّهِ وَعِبَادِهِ الْمُسْلِمِينَ مَكَّةَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ مِنَ الْعَامِ الثَّامِنِ، وَكَانَ قَدْ أَنْزَلَ فِي سُورَةِ الْفَتْحِ: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ [الفتح: ٢٧] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح: ٢٧] . (الثَّالِثُ) الْمُرَادُ بِالْأَفْضَلِيَّةِ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ، وَلَا يَلْزَمُ تَفْضِيلُ كُلِّ فَرْدٍ مَثَلًا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ عَلَى كُلِّ فَرْدٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، وَإِنَّمَا نَقُولُ الصُّحْبَةُ أَفْضَلُ مِنْ غَيْرِهَا، وَلَا أَحَدَ مِنْ غَيْرِ الصَّحَابَةِ يُسَاوِي أَحَدًا مِنَ الصَّحَابَةِ، وَكَذَلِكَ

стр. 824

الْهِجْرَةُ، وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا امْتَازَتْ بِهِ جُمْلَةٌ عَلَى غَيْرِهَا مِنْ غَيْرِ هَضْمٍ لِلْمَفْضُولِ مِنَ الْفَضَائِلِ وَالْكَمَالَاتِ الَّتِي امْتَازَ بِهَا عَلَى غَيْرِهِ، مِنْ غَيْرِ تِلْكَ الْحَيْثِيَّةِ الَّتِي فَضَلَهُ فِيهَا غَيْرُهُ كَمَا يَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ وَتَحْرِيرُهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. [عائشة وخديجة] ((وَعَائِشَهْ فِي الْعِلْمِ مَعْ خَدِيجَة ... فِي السَّبْقِ فَافْهَمْ نُكْتَةَ النَّتِيجَهْ)) ((وَعَائِشَةُ)) الصِّدِّيقَةُ بِنْتُ الصِّدِّيقِ ﵄ أُمُّ عَبْدِ اللَّهِ، أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ، وَحَبِيبَةُ رَسُولِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، عَقَدَ عَلَيْهَا وَهِيَ بِنْتُ سِتِّ سِنِينَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِسَنَتَيْنِ وَقِيلَ بِثَلَاثٍ، وَبَنَى بِهَا بِالْمَدِينَةِ أَوَّلَ مَقْدَمِهِ فِي السَّنَةِ الْأُولَى وَهِيَ بِنْتُ تِسْعٍ، وَمَاتَ عَنْهَا وَهِيَ بِنْتُ ثَمَانِ عَشْرَةَ، وَتُوُفِّيَتْ بِالْمَدِينَةِ، وَدُفِنَتْ بِالْبَقِيعِ، وَأَوْصَتْ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهَا أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ سَنَةَ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ، فَهِيَ ﵂ وَعَنْ أَبِيهَا أَفْضَلُ نِسَائِهِ ﷺ . ((فِي الْعِلْمِ)) النَّافِعِ وَالْفِقْهِ النَّاصِعِ فَلَهَا (مِنَ) الْفَضْلِ فِي ذَلِكَ مَا لَيْسَ لِغَيْرِهَا مِنْ أَزْوَاجِهِ ﷺ ، حَتَّى كَانَ الْأَكَابِرُ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَرَضِيَ عَنْهُمْ - إِذَا أَشْكَلَ عَلَيْهِمْ أَمْرٌ مِنَ الدِّينِ اسْتَفْتَوْهَا، فَيَجِدُونَ عِلْمَهُ عِنْدَهَا، وَقَدْ وَقَعَ الْخِلَافُ بَيْنَ عُلَمَاءِ السَّلَفِ فِي التَّفْضِيلِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ خَدِيجَةَ، فَقَدَّمَ الْبُلْبَانِيُّ مِنْ مُتَأَخِّرَةِ عُلَمَائِنَا تَبَعًا لِابْنِ حَمْدَانَ فِي نِهَايَةِ الْمُبْتَدِئِينَ أَنَّ عَائِشَةَ أَفْضَلُ النِّسَاءِ، وَقَالَ الْإِمَامُ مُوَفَّقُ الدِّينِ: أَفْضَلُ النِّسَاءِ خَدِيجَةُ. قَالَ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي كِتَابِهِ جَلَاءِ الْأَفْهَامِ: وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي تَفْضِيلِ خَدِيجَةَ عَلَى عَائِشَةَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ: ثَالِثُهَا الْوَقْفُ. قَالَ: وَسَأَلْتُ شَيْخَنَا شَيْخَ الْإِسْلَامِ ابْنَ تَيْمِيَّةَ - قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ - عَنْهُمَا فَقَالَ: اخْتَصَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بِخَاصَّةٍ. وَإِلَى هَذَا أَشَرْتُ بِقَوْلِي: ((مَعَ خَدِيجَةَ)) بِنْتِ خُوَيْلِدِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ قُصَيِّ بْنِ كِلَابٍ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ، وَأَوَّلِ أَزْوَاجِ رَسُولِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، تَزَوَّجَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ ابْنُ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَبَقِيَتْ مَعَهُ إِلَى أَنْ أَكْرَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِرِسَالَتِهِ، فَآمَنَتْ بِهِ وَصَدَّقَتْهُ وَنَصَرَتْهُ، وَكَانَتْ لَهُ وَزِيرَ صِدْقٍ، وَمَاتَتْ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِثَلَاثِ سِنِينَ فِي الْأَصَحِّ وَقِيلَ بِأَرْبَعٍ وَقِيلَ بِخَمْسٍ، وَلَمْ يَتَزَوَّجْ ﷺ عَلَيْهَا غَيْرَهَا، وَكُلُّ أَوْلَادِهِ مِنْهَا الذُّكُورُ وَالْإِنَاثُ،

стр. 825

إِلَّا إِبْرَاهِيمَ ﵇ فَإِنَّهُ مِنْ سُرِّيَّتِهِ مَارِيَةَ الْقِبْطِيَّةِ، فَخَدِيجَةُ الْمَذْكُورَةُ أَفْضَلُ نِسَاءِ النَّبِيِّ ﷺ ((فِي السَّبْقِ)) إِلَى الْإِسْلَامِ، وَمُؤَازَرَةِ خَيْرِ الْأَنَامِ، قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي جَوَابِهِ لِلْمُحَقِّقِ ابْنِ الْقَيِّمِ: خَدِيجَةُ كَانَ تَأْثِيرُهَا فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ، وَكَانَتْ تُسَلِّي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَتُثَبِّتُهُ وَتَبْذُلُ دُونَهُ مَالَهَا، فَأَدْرَكَتْ غُرَّةَ الْإِسْلَامِ، وَاحْتَمَلَتِ الْأَذَى فِي اللَّهِ وَفِي رَسُولِهِ، وَكَانَتْ نُصْرَتُهَا لِلرَّسُولِ ﷺ فِي أَعْظَمِ الْحَاجَةِ، فَلَهَا مِنَ النُّصْرَةِ وَالْبَذْلِ مَا لَيْسَ لِغَيْرِهَا. قَالَ: وَعَائِشَةُ ﵂ تَأْثِيرُهَا فِي آخِرِ أَوْقَاتِ الْإِسْلَامِ، فَلَهَا مِنَ التَّفَقُّهِ فِي الدِّينِ وَتَبْلِيغِهِ إِلَى الْأُمَّةِ، وَانْتِفَاعِ بَنِيهَا بِمَا أَدَّتْ إِلَيْهِمْ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَيْسَ لِغَيْرِهَا، فَلِعَائِشَةَ ﵂ فِي آخِرِ الْإِسْلَامِ مِنْ حَمْلِ الدِّينِ وَتَبْلِيغِهِ إِلَى الْأُمَّةِ، وَإِدْرَاكِهَا مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ تُشْرِكْهَا فِيهِ خَدِيجَةُ وَلَا غَيْرُهَا مَا تَمَيَّزَتْ بِهِ عَنْ غَيْرِهَا. وَقَالَ الْمُحَقِّقُ فِي كِتَابِهِ بَدَائِعِ الْفَوَائِدِ: الْخِلَافُ فِي كَوْنِ عَائِشَةَ ﵂ أَفْضَلَ مِنْ فَاطِمَةَ ﵍ أَوْ فَاطِمَةَ أَفْضَلَ إِذَا حُرِّرَ مَحَلُّ التَّفْضِيلِ لَا يَسْتَقِيمُ، أَيِ الْخِلَافُ. فَإِنْ أُرِيدَ بِالْفَضْلِ كَثْرَةُ الثَّوَابِ عِنْدَ اللَّهِ فَذَلِكَ أَمْرٌ لَا يُطَّلَعُ عَلَيْهِ إِلَّا بِالنَّصِّ، لِأَنَّهُ بِحَسَبِ تَفَاضُلِ أَعْمَالِ الْقُلُوبِ، لَا بِمُجَرَّدِ أَعْمَالِ الْجَوَارِحِ، وَكَمْ مِنْ عَامِلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَكْثَرُ عَمَلًا بِجَوَارِحِهِ، وَالْآخَرُ أَرْفَعُ دَرَجَةً مِنْهُ فِي الْجَنَّةِ، وَإِنْ أُرِيدَ بِالتَّفْضِيلِ التَّفْضِيلُ بِالْعِلْمِ فَلَا رَيْبَ أَنَّ عَائِشَةَ أَعْلَمُ وَأَنْفَعُ لِلْأُمَّةِ، وَأَدَّتْ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يُؤَدِّ غَيْرُهَا، وَاحْتَاجَ إِلَى عِلْمِهَا خَوَاصُّ الْأُمَّةِ وَعَامَّتُهَا، وَإِنْ أُرِيدَ بِالتَّفْضِيلِ شَرَفُ الْأَصْلِ وَجَلَالَةُ النَّسَبِ فَلَا رَيْبَ أَنَّ فَاطِمَةَ أَفْضَلُ، فَإِنَّهَا بَضْعَةٌ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَذَلِكَ اخْتِصَاصٌ لَمْ يُشَارِكْهَا فِيهِ غَيْرُ إِخْوَتِهَا، وَإِنْ أُرِيدَ السِّيَادَةُ فَفَاطِمَةُ سَيِّدَةُ نِسَاءِ الْأُمَّةِ، وَإِذَا تَبَيَّنَتْ وُجُوهُ التَّفْضِيلِ وَمَوَارِدُ الْفَضْلِ وَأَسْبَابُهُ صَارَ الْكَلَامُ بِعِلْمٍ وَعَدْلٍ، وَأَكْثَرُ النَّاسِ إِذَا تَكَلَّمَ فِي التَّفْضِيلِ لَمْ يُفَصِّلْ جِهَاتِ الْفَضْلِ، وَلَمْ يُوَازِنْ بَيْنَهَا فَيَبْخَسُ الْحَقَّ، وَإِنِ انْضَافَ إِلَى ذَلِكَ نَوْعُ تَعَصُّبٍ وَهَوًى لِمَنْ يُفَضِّلُهُ تَكَلَّمَ بِالْجَهْلِ وَالظُّلْمِ، قَالَ: وَقَدْ سُئِلَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ عَنْ مَسَائِلَ عَدِيدَةٍ مِنْ مَسَائِلِ التَّفْضِيلِ، فَأَجَابَ فِيهَا بِالتَّفْصِيلِ الشَّافِي، وَإِلَى هَذَا التَّفْصِيلِ أَشَرْنَا بِقَوْلِنَا ((فَافْهَمْ)) فَهْمَ تَحْقِيقٍ وَإِذْعَانٍ وَتَدْقِيقٍ وَإِتْقَانٍ

стр. 826

((نُكْتَةَ النَّتِيجَةِ)) أَيْ أَثَرَ فَائِدَةِ الْخِلَافِ، فَإِنَّ النُّكْتَةَ أَثَرٌ قَلِيلٌ كَالنُّقْطَةِ شِبْهُ الْأَثَرِ الَّذِي يَكُونُ فِي الْمِرْآةِ وَالسَّيْفِ، وَمِنْهُ حَدِيثُ الْجُمُعَةِ، فَإِذَا فِيهَا نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ أَيْ أَثَرٌ قَلِيلٌ كَالنُّقْطَةِ شِبْهُ الْوَسَخِ وَأَصْلُهُ مِنَ النَّكْتِ بِالْحَصَى، وَنَكْتِ التُّرَابِ وَالْأَرْضِ بِالْقَضِيبِ، وَالنَّتِيجَةُ الْمُرَادُ بِهَا هُنَا الْحُكْمُ الْمُتَوَلِّدُ مِنَ الْقَضِيَّتَيْنِ بِالتَّفْصِيلِ فِي التَّفْضِيلِ، وَأَصْلُهُ مِنْ نُتِجَتِ النَّاقَةُ إِذَا وُلِدَتْ فَهِيَ مَنْتُوجَةٌ، وَأَنْتَجَتْ إِذَا حَمَلَتْ فَهِيَ نَتُوجٌ، وَلَا يُقَالُ مُنْتِجٌ، وَنَتَجْتُ النَّاقَةَ أَنْتِجُهَا إِذَا وَلَّدْتُهَا، وَالْحُكْمُ النَّاتِجُ مِمَّا نَحْنُ فِيهِ أَنَّ خَدِيجَةَ أَفْضَلُ بِحَسَبِ السَّبْقِ وَالْمُؤَازَرَةِ وَإِنْفَاقِهَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَتَسْلِيَتِهِ وَحَمْلِ الْمَشَاقِّ بِسَبَبِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَعَائِشَةُ أَفْضَلُ بِسَبَبِ تَحَمُّلِهَا لِلْعُلُومِ وَأَحَادِيثِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَإِنَّهَا أَحَدُ الْمُكْثِرِينَ، وَنَشْرِهَا لِسُنَّتِهِ ﷺ وَنَفْعِهَا لِلْأُمَّةِ، فَإِنَّهَا كَانَتْ عَالِمَةً فَقِيهَةً، فَصِيحَةً فَاضِلَةً، كَثِيرَةَ الْحَدِيثِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ عَارِفَةً بِعُلُومِ الْعَرَبِ وَأَشْعَارِهَا، وَفَضَائِلُهَا وَمَنَاقِبُهَا كَثِيرَةٌ لَا تُحْصَى، وَمَحَبَّةُ النَّبِيِّ ﷺ إِيَّاهَا، وَتَفْضِيلُهَا عَلَى سَائِرِ زَوْجَاتِهِ ﷺ مِمَّا لَا يَخْفَى. قَالَ الْإِمَامُ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي جَلَاءِ الْأَفْهَامِ: وَمِنْ خَصَائِصِ خَدِيجَةَ ﵂ أَنَّ اللَّهَ بَعَثَ إِلَيْهَا السَّلَامَ مَعَ جِبْرِيلَ، فَبَلَّغَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَلِكَ، فَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «أَتَى جِبْرِيلُ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذِهِ خَدِيجَةُ قَدْ أَتَتْ مَعَهَا إِنَاءٌ فِيهِ إِدَامٌ أَوْ طَعَامٌ أَوْ شَرَابٌ، فَإِذَا هِيَ أَتَتْكَ فَاقْرَأْ ﵍ مِنْ رَبِّهَا وَمِنِّي، وَبَشِّرْهَا بِبَيْتٍ فِي الْجَنَّةِ مِنْ قَصَبٍ لَا صَخَبَ فِيهِ وَلَا نَصَبَ» . وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا، وَهَذَا لَعَمْرُ اللَّهِ خَاصَّةٌ لَمْ تَكُنْ لِسِوَاهَا، وَأَمَّا عَائِشَةُ ﵂ فَإِنَّ جِبْرِيلَ سَلَّمَ عَلَيْهَا عَلَى لِسَانِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ عَنْ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا: " يَا عَائِشَ هَذَا جِبْرِيلُ يُقْرِئُكِ السَّلَامَ ". فَقُلْتُ: وَعَلَيْهِ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ. قَالَتْ: وَهُوَ يَرَى مَا لَا أَرَى» . قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: مِنْ خَوَاصِّ خَدِيجَةَ ﵂ أَنَّهَا لَمْ تَسُؤْهُ قَطُّ، وَلَمْ تُغَاضِبْهُ، وَلَمْ يَنَلْهَا مِنْهُ إِيلَاءٌ وَلَا عَتْبٌ قَطُّ وَلَا هَجْرٌ، وَكَفَى بِهَذِهِ

стр. 827

مَنْقَبَةٌ، وَمِنْ خَوَاصِّهَا أَنَّهَا أَوَّلُ امْرَأَةٍ آمَنَتْ بِاللَّهِ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ. وَمِنْ خَصَائِصِ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهُ ﷺ لَمْ يَتَزَوَّجْ بِكْرًا غَيْرَهَا، وَأَنَّهَا كَانَتْ يَنْزِلُ الْوَحْيُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ فِي لِحَافِهَا، وَلَمَّا نَزَلَتْ آيَةُ التَّخْيِيرِ بَدَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِهَا فَخَيَّرَهَا «وَقَالَ لَهَا: " فَلَا عَلَيْكِ أَنْ لَا تَعْجَلِي حَتَّى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْكِ ". فَقَالَتْ: أَفِي هَذَا أَسْتَأْمِرُ أَبَوَيَّ، فَإِنِّي أُرِيدُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ» . فَاسْتَنَّ بِهَا بَقِيَّةُ أَزْوَاجِهِ ﷺ ، وَقُلْنَ كَمَا قَالَتْ، وَمِنْ أَعْظَمِ خَصَائِصِهَا أَنَّهَا كَانَتْ أَحَبُّ أَزْوَاجِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَيْهِ، كَمَا ثَبَتَ عَنْهُ ذَلِكَ فِي الصِّحَاحِ وَالْمَسَانِيدِ وَالسُّنَنِ، وَقَدْ قَالَ ﷺ : " «فَضْلُ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ» ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَغَيْرُهُمَا. وَمِنْ أَعْظَمِ خَصَائِصِهَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَرَّأَهَا مِمَّا رَمَاهَا بِهِ أَهْلُ الْإِفْكِ، وَأَنْزَلَ فِي بَرَاءَتِهَا وَحْيًا يُتْلَى فِي مَحَارِيبِ الْمُسْلِمِينَ وَصَلَوَاتِهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَشَهِدَ لَهَا أَنَّهَا مِنَ الطَّيِّبَاتِ، فَلِلَّهِ مِنْ حَصَانٍ عَظُمَتْ فَضَائِلُهَا، وَجَلَّتْ مَنَاقِبُهَا، وَرَسَخَتْ قَدَمُهَا فِي الدِّينِ، وَعَظُمَ شَأْنُهَا عِنْدَ سَائِرِ الْمُسْلِمِينَ، وَاحْتَاجَ لِعِلْمِهَا أَئِمَّةُ الصَّحَابَةِ، وَشَهِدَ لَهَا أَهْلُ التَّحْقِيقِ بِالتَّقَدُّمِ وَالْإِصَابَةِ، فَقَدْ أَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ ﵁ قَالَ: مَا أَشْكَلَ عَلَيْنَا أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَدِيثٌ قَطُّ فَسَأَلْنَا عَائِشَةَ إِلَّا وَجَدْنَا عِنْدَهَا مِنْهُ عِلْمًا. قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَنَسٍ ﵁ وَصَحَّحَهُ أَنَّ رَجُلًا نَالَ مِنْ عَائِشَةَ ﵂ عِنْدَ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ ﵁ فَقَالَ: اغْرُبْ مَقْبُوحًا مَنْبُوحًا أَتُؤْذِي حَبِيبَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ الْأَسَدِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ ﵁ يَقُولُ: هِيَ زَوْجَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. - يَعْنِي عَائِشَةَ ﵂. وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَمَنَاقِبُهَا كَثِيرَةٌ، وَفَضَائِلُهَا غَزِيرَةٌ ﵂، وَعَنْ سَائِرِ أَزْوَاجِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . [فَصْلٌ فِي فضل الصَّحَابَةِ جملة وحقهم] [الصحابة أَحَقُّ الْأُمَّةِ بِإِصَابَةِ الْحَقِّ وَالصَّوَابِ وَأَجْدَرُ الْخَلْقِ بِمُوَافَقَةِ السُّنَّةِ وَالْكِتَابِ] ((فَصْلٌ)) فِي ذِكْرِ الصَّحَابَةِ الْكِرَامِ بِطَرِيقِ الْإِجْمَالِ، وَبَيَانِ مَزَايَاهُمْ عَلَى غَيْرِهِمْ، وَالتَّعْرِيفِ بِمَا يَجِبُ لَهُمْ مِنَ الْمَحَبَّةِ، وَالتَّبْجِيلِ وَالتَّرَضِّي، وَالتَّفْضِيلِ عَلَى سَائِرِ

стр. 828

الْأُمَّةِ، وَتَقْبِيحِ مَنْ آذَاهُمْ وَشَنَّاهُمْ، وَالْكَفِّ عَمَّا جَرَى بَيْنَهُمْ مِمَّا لَعَلَّهُ لَمْ يَصِحَّ عَنْهُمْ، وَمَا صَحَّ فَلَهُ تَأْوِيلَاتٌ سَائِغَةٌ، وَإِذَا كَانَ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ هَنَاتٌ تَقَعُ مُكَفَّرَةً مُسْتَهْلَكَةً فِي عَظِيمِ حَسَنَاتِهِمْ وَجَسِيمِ مُجَاهَدَاتِهِمْ، ثُمَّ التَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ وَلِهَذَا قَالَ: ((وَلَيْسَ فِي الْأُمَّةِ كَالصَّحَابَةِ ... فِي الْفَضْلِ وَالْمَعْرُوفِ وَالْإِصَابَةِ)) ((وَلَيْسَ فِي الْأُمَّةِ)) الْمُحَمَّدِيَّةِ الْمُفَضَّلَةِ عَلَى سَائِرِ الْأُمَمِ بِأَفْضَلِيَّةِ نَبِيِّهَا ﷺ ، وَأَفْضَلِيَّةِ مَا جَاءَ بِهِ الذِّكْرُ الْحَكِيمُ، وَالدِّينُ الْقَوِيمُ، وَالصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ، فَيَكُونُ الصَّحَابَةُ أَفْضَلَ خَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى بَعْدَ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ تَعَالَى وَرُسُلِهِ، ((كَالصَّحَابَةِ)) الْكِرَامِ الَّذِينَ فَازُوا بِصُحْبَةِ خَيْرِ الْأَنَامِ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَأَتَمُّ السَّلَامِ، وَتَقَدَّمَ فِي صَدْرِ الْكِتَابِ تَعْرِيفُ الصَّحَابَةِ، وَطَرِيقُ ثُبُوتِ الصُّحْبَةِ، وَبَيَانُ عَدَالَةِ الصَّحَابَةِ، وَبَيَانُ عِدَّتِهِمْ وَدَرَجَاتِهِمْ، فَمُعْتَمَدُ الْقَوْلِ عِنْدَ أَئِمَّةِ السُّنَّةِ أَنَّ الصَّحَابَةَ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - كُلُّهُمْ عُدُولٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ أَهْلِ الْحَقِّ الْمُعْتَبَرِينَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] قِيلَ: اتَّفَقَ الْمُفَسِّرُونَ أَنَّ ذَلِكَ فِي الصَّحَابَةِ، لَكِنَّ الْخِلَافَ فِي التَّفَاسِيرِ مَشْهُورٌ، وَرَجَّحَ كَثِيرٌ عُمُومَهَا فِي أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣] وَهَذَا خِطَابٌ لِلْمَوْجُودِينَ حِينَئِذٍ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩] الْآيَاتِ، فَلَيْسَ فِي سَائِرِ الْأُمَّةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ مِثْلُ الصَّحَابَةِ الْكِرَامِ، ((فِي الْفَضْلِ)) بِشَاهِدِ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁: " «لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا أَدْرَكَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ» ". وَهَذَا وَإِنْ وَرَدَ عَلَى سَبَبٍ، وَهُوَ مَا جَرَى بَيْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَبَيْنَ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ ﵄، فَالْعِبْرَةُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ، وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ كَوْنَ الْخِطَابِ لِأَصْحَابِهِ، فَإِنَّ الْمُرَادَ لَا يَسُبُّ غَيْرُ أَصْحَابِي أَصْحَابِي، وَلَا يَسُبُّ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، فَالْمُرَادُ النَّهْيُ عَنْ حُصُولِ السَّبِّ لَهُمْ مُطْلَقًا، وَقَوْلُهُ: إِنَّ أَحَدَكُمْ بِالْخِطَابِ يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ مَنْ جَاءَ مِنْ غَيْرِهِمْ يُنْزِلُ نَفْسَهُ مَنْزِلَتَهُمْ، وَقَدْ يَأْتِي الْخِطَابُ لِقَوْمٍ تَعْرِيضًا بِغَيْرِهِمْ كَثِيرًا اعْتِمَادًا عَلَى الْقَرَائِنِ وَهَذَا الْمَوْضِعُ مِنْهُ، وَالنَّصِيفُ أَحَدُ اللُّغَاتِ الْأَرْبَعِ

стр. 829

فِي النِّصْفِ، فَإِنَّهُ يُقَالُ: نَصِفٌ بِكَسْرِ النُّونِ وَفَتْحِهَا وَضَمِّهَا وَنَصِيفٌ بِفَتْحِ النُّونِ وَزِيَادَةِ الْيَاءِ، وَالْمَعْنَى لَوْ أَنْفَقَ أَحَدُكُمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ ثَوَابُهُ فِي ذَلِكَ نَفَقَةَ أَصْحَابِي فِي مُدٍّ وَلَا نِصْفِ مُدٍّ، لِأَنَّ إِنْفَاقَهُمْ كَانَ فِي نُصْرَتِهِ ﷺ وَحِمَايَتِهِ، وَذَلِكَ مَعْدُومٌ بَعْدَهُ، فَتَضَمَّنَ ذَلِكَ أَفْضَلِيَّتَهُمْ عَلَى غَيْرِهِمْ مُطْلَقًا، وَأَنَّ فَضِيلَةَ نَفَقَتِهِمْ عَلَى نَفَقَةِ غَيْرِهِمْ بِاعْتِبَارِ ذَوَاتِهِمْ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ - قَالَ عِمْرَانُ: فَلَا أَدْرِي أَذَكَرَ بَعْدَ قَرْنِهِ قَرْنَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً - ثُمَّ إِنَّ بَعْدَهُمْ قَوْمٌ يَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ، وَيَخُونُونَ وَلَا يُؤْتَمَنُونَ، وَيُنْذِرُونَ وَلَا يُوفُونَ، وَيَظْهَرُ فِيهِمُ السِّمَنُ - زَادَ فِي رِوَايَةٍ -، وَيَحْلِفُونَ وَلَا يُسْتَحْلَفُونَ» ". وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَلَفْظُهُ: " «خَيْرُ أُمَّتِي الَّذِي بُعِثْتُ فِيهِمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ» " وَاللَّهُ أَعْلَمُ. أَذَكَرَ الثَّالِثَ أَمْ لَا، الْحَدِيثَ، وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ بِنَحْوِهِ، وَرَوَاهُ الشَّيْخَانِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ بِنَحْوِهِ وَفِيهِ: وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَذَكَرَ الثَّالِثَ أَمْ لَا. وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂. وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «يُبْلِغُ الْحَاضِرُ الْغَائِبَ اللَّهَ اللَّهَ فِي أَصْحَابِي، لَا تَتَّخِذُوهُمْ غَرَضًا بَعْدِي، فَمَنْ أَحَبَّهُمْ فَبِحُبِّي أَحَبَّهُمْ، وَمَنْ أَبْغَضَهُمْ فَبِبُغْضِي أَبْغَضَهُمْ، وَمَنْ آذَاهُمْ فَقَدْ آذَانِي، وَمَنْ آذَانِي فَقَدْ آذَى اللَّهَ، وَمَنْ آذَى اللَّهَ فَيُوشِكُ أَنْ يَأْخُذَهُ، وَمَنْ يَأْخُذْهُ اللَّهُ فَيُوشِكُ أَنْ لَا يُفْلِتَهُ» ". وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِذَا رَأَيْتُمُ الَّذِينَ يَسُبُّونَ أَصْحَابِي فَقُولُوا: لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى شَرِّكُمْ» ". وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ «أَنَّهَا قَالَتْ لِعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ: يَا ابْنَ أُخْتِي أُمِرُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِأَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَسَبُّوهُمْ» . وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ بُرَيْدَةَ ﵁ قَالَ: «قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِي يَمُوتُ بِأَرْضٍ إِلَّا بُعِثَ لَهُمْ نُورًا وَقَائِدًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» ". وَذَكَرَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ عُمَرَ بْنَ

стр. 830

الْخَطَّابِ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «سَأَلْتُ رَبِّي عَنِ اخْتِلَافِ أَصْحَابِي مِنْ بَعْدِي، فَأَوْحَى إِلَيَّ يَا مُحَمَّدُ إِنَّ أَصْحَابَكَ عِنْدِي بِمَنْزِلَةِ النُّجُومِ فِي السَّمَاءِ، بَعْضُهَا أَقْوَى مِنْ بَعْضٍ، وَلِكُلٍّ نُورٌ، فَمَنْ أَخَذَ بِشَيْءٍ مِمَّا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ اخْتِلَافِهِمْ فَهُوَ عِنْدِي عَلَى هُدًى» ". قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ بِأَيِّهِمُ اقْتَدَيْتُمُ اهْتَدَيْتُمْ» ". ذَكَرَهُ فِي جَامِعِ الْأُصُولِ. ((وَ)) لَيْسَ فِي الْأُمَّةِ كَالصَّحَابَةِ الْكِرَامِ فِي ((الْمَعْرُوفِ)) وَهُوَ اسْمٌ جَامِعٌ لِكُلِّ مَا عُرِفَ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ، وَالتَّقَرُّبِ إِلَيْهِ، وَالْإِحْسَانِ إِلَى النَّاسِ، وَكُلِّ مَا نَدَبَ إِلَيْهِ الشَّرْعُ وَنَهَى عَنْهُ مِنَ الْمُحَسَّنَاتِ وَالْمُقَبَّحَاتِ، وَهُوَ مِنَ الصِّفَاتِ الْغَالِبَةِ أَيْ أَمْرٍ مَعْرُوفٍ بَيْنَ النَّاسِ إِذَا رَأَوْهُ لَا يُنْكِرُونَهُ، وَالْمَعْرُوفُ النَّصَفَةُ، وَحُسْنُ الصُّحْبَةِ مَعَ الْأَهْلِ وَغَيْرِهِمْ مِنَ النَّاسِ، ضِدُّ الْمُنْكَرِ فِي ذَلِكَ جَمِيعِهِ وَفِي حَدِيثٍ: " «أَهْلُ الْمَعْرُوفِ فِي الدُّنْيَا هُمْ أَهْلُ الْمَعْرُوفِ فِي الْآخِرَةِ» ". أَيْ مَنْ بَذَلَ مَعْرُوفَهُ لِلنَّاسِ فِي الدُّنْيَا آتَاهُ اللَّهُ جَزَاءَ مَعْرُوفِهِ فِي الْآخِرَةِ، وَقِيلَ: أَرَادَ مَنْ بَذَلَ جَاهَهُ لِأَصْحَابِ الْجَرَائِمِ الَّتِي لَا تَبْلُغُ الْحُدُودَ فَيُشَفَّعُ فِيهِمْ شَفَّعَهُ اللَّهُ فِي أَهْلِ التَّوْحِيدِ فِي الْآخِرَةِ، وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ فِي مَعْنَى ذَلِكَ قَالَ: يَأْتِي أَصْحَابُ الْمَعْرُوفِ فِي الدُّنْيَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُغْفَرُ لَهُمْ بِمَعْرُوفِهِمْ، وَتَبْقَى حَسَنَاتُهُمْ جَامَّةٌ، فَيُعْطُونَهَا لِمَنْ زَادَتْ سَيِّئَاتُهُ عَلَى حَسَنَاتِهِ، فَيُغْفَرُ لَهُ، وَيُدْخَلُ الْجَنَّةَ، فَيَجْتَمِعُ لَهُمُ الْإِحْسَانُ إِلَى النَّاسِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. وَلَا يَرْتَابُ أَحَدٌ مِنْ ذَوِي الْأَلْبَابِ أَنَّ الصَّحَابَةَ الْكِرَامَ هُمُ الَّذِينَ حَازُوا قَصَبَاتِ السَّبْقِ، وَاسْتَوْلَوْا عَلَى مَعَالِي الْأُمُورِ مِنَ الْفَضْلِ وَالْمَعْرُوفِ وَالصِّدْقِ، فَالسَّعِيدُ مَنِ اتَّبَعَ صِرَاطَهُمُ الْمُسْتَقِيمَ، وَاقْتَفَى مَنْهَجَهُمُ الْقَوِيمَ، وَالتَّعِيسُ مَنْ عَدَلَ عَنْ طَرِيقِهِمْ، وَلَمْ يَتَحَقَّقْ بِتَحْقِيقِهِمْ، فَأَيُّ خُطَّةِ رُشْدٍ لَمْ يَسْتَوْلَوْا عَلَيْهَا؟ وَأَيُّ خَصْلَةِ خَيْرٍ لَمْ يَسْبِقُوا إِلَيْهَا؟ تَاللَّهِ لَقَدْ وَرَدُوا يَنْبُوعَ الْحَيَاةِ عَذْبًا صَافِيًا زُلَالًا، وَوَطَّدُوا قَوَاعِدَ الدِّينِ وَالْمَعْرُوفِ فَلَمْ يَدَعُوا لِأَحَدٍ بَعْدَهُمْ مَقَالًا، فَتَحُوا الْقُلُوبَ بِالْقُرْآنِ وَالذِّكْرِ وَالْإِيمَانِ، وَالْقُرَى بِالسَّيْفِ وَالسِّنَانِ وَبَذْلِ النُّفُوسِ النَّفِيسَةِ فِي مَرْضَاةِ الرَّحِيمِ الرَّحْمَنِ، فَلَا مَعْرُوفَ إِلَّا مَا عَنْهُمْ عُرِفَ، وَلَا بُرْهَانَ إِلَّا مَا بِعُلُومِهِمْ كُشِفَ، وَلَا سَبِيلَ نَجَاةٍ إِلَّا مَا سَلَكُوهُ، وَلَا خَيْرَ سَعَادَةٍ

стр. 831

إِلَّا مَا حَقَّقُوهُ وَحَكَوْهُ، فَرِضْوَانُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ مَا تَحَلَّتِ الْمَجَالِسُ بِنَشْرِ ذِكْرِهِمْ، وَمَا تَنَمَّقَتِ الطُّرُوسُ بِعُرْفِ مَدْحِهِمْ وَشُكْرِهِمْ. ((وَ)) لَيْسَ فِي الْأُمَّةِ أَيْضًا كَالصَّحَابَةِ ﵃ فِي ((الْإِصَابَةِ)) لِلْحُكْمِ الْمَشْرُوعِ وَالْهَدْيِ الْمَتْبُوعِ، فَهُمْ أَحَقُّ الْأُمَّةِ بِإِصَابَةِ الْحَقِّ وَالصَّوَابِ، وَأَجْدَرُ الْخَلْقِ بِمُوَافَقَةِ السُّنَّةِ وَالْكِتَابِ، وَيَشْهَدُ لِهَذَا مَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: مَنْ كَانَ مُتَأَسِّيًا فَلْيَتَأَسَّ بِأَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإِنَّهُمْ أَبَرُّ هَذِهِ الْأُمَّةِ قُلُوبًا، وَأَعْمَقُهَا عِلْمًا، وَأَقَلُّهَا تَكَلُّفًا، وَأَقْوَمُهَا هَدْيًا، وَأَحْسَنُهَا حَالًا، قَوْمٌ اخْتَارَهُمُ اللَّهُ لِصُحْبَةِ نَبِيِّهِ، وَإِقَامَةِ دِينِهِ، فَاعْرَفُوا لَهُمْ فَضْلَهُمْ، وَاتَّبِعُوا آثَارَهُمْ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا عَلَى الْهَدْيِ الْمُسْتَقِيمِ. فَأَحَقُّ الْأُمَّةِ بِإِصَابَةِ الصَّوَابِ أَبَرُّهَا قُلُوبًا، وَأَعْمَقُهَا عُلُومًا، وَأَقْوَمُهَا هَدْيًا مِنْ غَيْرِ شَكٍّ وَلَا ارْتِيَابٍ. وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ نَظَرَ فِي قُلُوبِ الْعِبَادِ، فَنَظَرَ قَلْبَ مُحَمَّدٍ خَيْرَ قُلُوبِ الْعِبَادِ، فَبَعَثَهُ بِرِسَالَتِهِ، ثُمَّ نَظَرَ فِي قُلُوبِ الْعِبَادِ بَعْدَ قَلْبِ مُحَمَّدٍ ﷺ ، فَوَجَدَ قُلُوبَ أَصْحَابِهِ خَيْرَ قُلُوبِ الْعِبَادِ، فَاخْتَارَهُمْ لِصُحْبَةِ نَبِيِّهِ، وَنُصْرَةِ دِينِهِ، فَمَا رَآهُ الْمُسْلِمُونَ حَسَنًا فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ حَسَنٌ، وَمَا رَآهُ الْمُسْلِمُونَ قَبِيحًا فَهُوَ عِنْدُ اللَّهِ قَبِيحٌ. فَخَيْرُ قُلُوبِ الْعِبَادِ أَحَقُّ الْخَلْقِ بِإِصَابَةِ الصَّوَابِ، فَكُلُّ خَيْرٍ وَإِصَابَةٍ وَحِكْمَةٍ وَعِلْمٍ وَمَعَارِفَ وَمَكَارِمَ إِنَّمَا عُرِفَتْ لَدَيْنَا، وَوَصَلَتْ إِلَيْنَا مِنَ الرَّعِيلِ الْأَوَّلِ، وَالسِّرْبِ الَّذِي عَلَيْهِ الْمُعَوَّلُ، فَهُمُ الَّذِينَ نَقَلُوا الْعُلُومَ وَالْمَعَارِفَ عَنْ يَنْبُوعِ الْهُدَى وَمَنْبَعِ الِاهْتِدَا، وَفِي حَدِيثِ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهُ: " «وَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِسُنَتِّي، وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ» ". رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ. قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَقَالَ الْحَافِظَ أَبُو نُعَيْمٍ: حَدِيثٌ جَيِّدٌ صَحِيحٌ، فَدَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ سُنَّةَ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ مُتَّبَعَةٌ كَاتِّبَاعِ سُنَّتِهِ ﷺ ، بِخِلَافِ غَيْرِهِمْ مِنْ وُلَاةِ الْأُمُورِ. وَأَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ حُذَيْفَةَ ﵁ قَالَ: «كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ جُلُوسًا فَقَالَ: " إِنِّي

стр. 832

لَا أَدْرِي مَا قَدْرُ بَقَائِي فِيكُمْ، فَاقْتَدُوا بِالَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي، - وَأَشَارَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ - وَتَمَسَّكُوا بِعَهْدِ عَمَّارٍ، وَمَا حَدَّثَكُمُ ابْنُ مَسْعُودٍ فَصَدِّقُوهُ» ". وَفِي رِوَايَةٍ «وَتَمَسَّكُوا بِعَهْدِ ابْنِ أُمِّ عَبْدٍ، وَاهْتَدُوا بِهَدْيِ عَمَّارٍ» ، فَنَصَّ ﷺ فِي آخِرِ عُمْرِهِ عَلَى مَنْ يُقْتَدَى بِهِ مِنْ بَعْدِهِ، وَالْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ الَّذِينَ أَمَرَ بِالِاقْتِدَاءِ بِهِمْ هُمْ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ ﵃، فَإِنَّ فِي حَدِيثِ سَفِينَةَ ﵁: " «الْخِلَافَةُ بَعْدِي ثَلَاثِينَ سَنَةً ثُمَّ تَكُونُ مُلْكًا» ". وَصَحَّحَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ وَتَقَدَّمَ، فَكُلُّ مَا اجْتَمَعَ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ مِمَّا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ، أَوْ جَمَعَهُمْ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عَلَيْهِ فَاجْتَمِعُوا فَهُوَ الْحَقُّ لَا شَكَّ فِيهِ، وَلَوْ خَالَفَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ مَنْ خَالَفَ، وَمِنْ ثَمَّ نَحْتَجُّ بِقَوْلِ الصَّحَابِيِّ حَيْثُ لَا نَصَّ نَبَوِيَّ، إِنْ لَمْ يُخَالِفْ فِيهِ مِثْلَهُ عَلَى مُعْتَمَدِ الْمَذْهَبِ، وَأَخْرَجَ أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ عَنْ أَنَسٍ ﵁: " «مَثَلُ أَصْحَابِي مَثَلُ الْمِلْحِ فِي الطَّعَامِ لَا يَصْلُحُ الطَّعَامُ إِلَّا بِالْمِلْحِ» ". وَعَلَى كُلِّ حَالٍ لَا يَرْتَابُ ذَوُو الْأَلْبَابِ مِنْ ذَوِي الْأَفَاضِلِ أَنَّ الصَّحَابَةَ الْكِرَامَ حَازُوا قَصَبَاتِ السَّبْقِ بِصُحْبَةِ خَيْرِ الْأَنَامِ، وَاسْتَوْلَوْا عَلَى الْأَمَدِ، فَلَا مَطْمَعَ لِأَحَدٍ مِنَ الْأُمَّةِ بَعْدَهُمْ فِي اللَّحَاقِ، وَلَكِنَّ الْمُبْرِزَ مَنِ اتَّبَعَ صِرَاطَهُمُ الْمُسْتَقِيمَ، وَاقْتَفَى مِنْهَاجَهُمُ الْقَوِيمَ، وَالْمُتَخَلِّفَ مَنْ عَدَلَ عَنْ طَرِيقَتِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ، فَذَاكَ الْمُنْقَطِعُ التَّائِهُ فِي بَيْدَاءِ الْمَهَالِكِ وَالضَّلَالِ. وَقَوْلُهُ ﷺ : " «مَثَلُ أَصْحَابِي كَمَثَلِ الْمِلْحِ فِي الطَّعَامِ» ". يَعْنِي كَمَا أَنَّ الْمِلْحَ صَلَاحُ الطَّعَامِ فَأَصْحَابِي صَلَاحُ الْأَنَامِ، قَالَ فِي (إِعْلَامِ الْمُوَقِّعِينَ) : كَمَا أَنَّ الْمِلْحَ بِهِ صَلَاحُ الطَّعَامِ، فَالصَّوَابُ بِهِ صَلَاحُ الْأَنَامِ، فَلَوْ أَخْطَأَ الصَّحَابَةُ فِيمَا أَفْتَوْا بِهِ لَاحْتَاجَ ذَلِكَ إِلَى مِلْحٍ يُصْلِحُهُ، فَإِذَا أَفْتَى مَنْ بَعْدَهُمْ بِالْحَقِّ كَانَ قَدْ أَصْلَحَ خَطَأَهُمْ فَكَانَ مِلْحًا لَهُمْ. انْتَهَى. أَيْ وَالْحَالُ أَنَّهُمْ هُمُ الْمِلْحُ الْمُصْلِحُ، فَكَيْفَ يَكُونُ غَيْرُهُمْ مُصْلِحًا لَهُمْ؟ فَهَذَا خَلْفٌ. وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ وَأَبُو نُعَيْمٍ وَغَيْرُهُمَا عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ ﵄ أَنَّهُ قَالَ: يَا مَعْشَرَ الْقُرَّاءِ خُذُوا طَرِيقَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَوَاللَّهِ لَئِنِ اسْتَقَمْتُمْ لَقَدْ سَبَقْتُمْ سَبْقًا بَعِيدًا، وَلَئِنْ تَرَكْتُمُوهُ يَمِينًا وَشِمَالًا لَقَدْ ضَلَلْتُمْ بَعِيدًا. قَالَ فِي إِعْلَامِ الْمُوَقِّعِينَ: وَمِنَ الْمُحَالِ أَنْ يَكُونَ الصَّوَابُ فِي غَيْرِ طَرِيقِ مَنْ سَبَقَ إِلَى كُلِّ خَيْرٍ عَلَى الْإِطْلَاقِ. وَقَالَ

стр. 833

فِيهِ أَيْضًا: مَنْ تَأَمَّلَ الْمَسَائِلَ الْفِقْهِيَّةَ، وَالْحَوَادِثَ الْفَرْعِيَّةَ، وَتَدَرَّبَ بِمَسَالِكِهَا، وَتَصَرَّفَ فِي مَدَارِكِهَا وَسَلَكَ سُبُلَهَا ذُلُلًا، وَارْتَوَى مِنْ مَوْرِدِهَا عَلَلًا وَنَهَلًا، عَلِمَ قَطْعًا أَنَّ كَثِيرًا مِنْهَا قَدْ يَشْتَبِهُ فِيهَا وُجُوهُ الرَّأْيِ، بِحَيْثُ لَا يُوقَفُ فِيهَا بِظَاهِرٍ مُرَادٍ، أَوْ قِيَاسٍ صَحِيحٍ تَنْشَرِحُ لَهُ الصُّدُورُ، وَيَنْثَلِجُ لَهُ الْفُؤَادُ، بَلْ تَتَعَارَضُ فِيهَا الظَّوَاهِرُ وَالْأَقْيِسَةُ عَلَى وَجْهٍ يَقِفُ الْمُجْتَهِدُ فِي أَكْثَرِ الْمَوَاضِعِ حَتَّى لَا يَبْقَى لِلظَّنِّ رُجْحَانٌ بَيِّنٌ، لَا سِيَّمَا إِذَا اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ، فَإِنَّ عُقُولَهُمْ مِنْ أَكْمَلِ الْعُقُولِ وَأَوْفَرِهَا، فَإِذَا تَلَدَّدُوا وَتَوَقَّفُوا، وَلَمْ يَتَقَدَّمُوا وَلَمْ يَتَأَخَّرُوا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ وَفِي الْمَسْأَلَةِ طَرِيقَةٌ وَاضِحَةٌ، وَلَا حُجَّةٌ لَائِحَةٌ، فَإِذَا وَجَدَ فِيهَا قَوْلًا لِأَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الَّذِينَ هُمْ سَادَاتُ الْأُمَّةِ، وَقُدْوَةُ الْأَئِمَّةِ، وَأَعْلَمُ النَّاسِ بِكِتَابِ رَبِّهِمْ، وَسُنَّةِ نَبِيِّهِمْ، وَقَدْ شَاهَدُوا التَّنْزِيلَ، وَعَرَفُوا التَّأْوِيلَ، وَنِسْبَةُ مَنْ بَعْدَهُمْ فِي الْعِلْمِ إِلَيْهِمْ نِسْبَتُهُمْ إِلَيْهِمْ فِي الْفَضْلِ وَالدِّينِ، كَانَ الظَّنُّ وَالْحَالَةُ هَذِهِ بِأَنَّ الصَّوَابَ فِي وُجْهَتِهِمْ، وَالْحَقُّ فِي جَانِبِهِمْ مِنْ أَقْوَى الظُّنُونِ، وَهُوَ أَقْوَى مِنَ الظَّنِّ الْمُسْتَفَادِ مِنْ كَثِيرٍ مِنَ الْأَقْيِسَةِ، هَذَا مِمَّا لَا يَمْتَرِي فِيهِ عَاقِلٌ مُنْصِفٌ، وَكَانَ الرَّأْيُ الَّذِي يُوَافِقُ رَأْيَهُمْ هُوَ الرَّأْيُ السَّدِيدُ الَّذِي لَا رَأْيَ سِوَاهُ، وَإِذَا كَانَ الْمَطْلُوبُ فِي الْحَادِثَةِ إِنَّمَا هُوَ ظَنٌّ رَاجِحٌ، وَلَوِ اسْتَنَدَ إِلَى اسْتِصْحَابٍ، أَوْ قِيَاسِ عِلَّةٍ، أَوْ دَلَالَةٍ، أَوْ شَبَهٍ، أَوْ عُمُومٍ، أَوْ خُصُوصٍ، أَوْ مَحْفُوظٍ مُطْلَقٍ، أَوْ وَارِدٍ عَلَى سَبَبٍ، فَلَا شَكَّ أَنَّ الظَّنَّ الَّذِي يَحْصُلُ لَنَا بِقَوْلِ الصَّحَابِيِّ الَّذِي لَمْ يُخَالِفْ، أَرْجَحُ مِنْ كَثِيرٍ مِنَ الظُّنُونِ الْمُسْتَنِدَةِ إِلَى هَذِهِ الْأُمُورِ أَوْ أَكْثَرِهَا. فَظَهَرَ بِهَذَا أَنَّ الصَّحَابَةَ ﵃ أَوْلَى الْأُمَّةِ بِالْإِصَابَةِ فِيمَا ثَبَتَ عَنْهُمْ، فَإِنَّهُمْ ﵃ كَانُوا أَبَرَّ قُلُوبًا، وَأَعْمَقَ عِلْمًا، وَأَقَلَّ تَكَلُّفًا، وَأَقْرَبَ إِلَى أَنْ يُوَفَّقُوا إِلَى الصَّوَابِ مِنْ غَيْرِهِمْ، لِمَا خَصَّهُمُ اللَّهُ بِهِ مِنْ تَوَقُّدِ الْأَذْهَانِ، وَفَصَاحَةِ اللِّسَانِ، وَسِعَةِ الْعِلْمِ، وَسُهُولَةِ الْأَخْذِ، وَحُسْنِ الْإِدْرَاكِ وَسُرْعَتِهِ، وَقِلَّةِ الْمُعَارِضِ أَوْ عَدِمِهِ، وَحُسْنِ الْقَصْدِ، وَتَقْوَى الرَّبِّ، فَالْعَرَبِيَّةُ طَرِيقَتُهُمْ وَسَلِيقَتُهُمْ، وَالْمَعَانِي الصَّحِيحَةُ مَرْكُوزَةٌ فِي فِطَرِهِمْ وَعُقُولِهِمْ، وَلَا حَاجَةَ بِهِمْ إِلَى النَّظَرِ فِي الْإِسْنَادِ، وَأَحْوَالِ الرُّوَاةِ، وَعِلَلِ الْحَدِيثِ، وَالْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ، وَلَا إِلَى النَّظَرِ فِي قَوَاعِدَ الْأُصُولِ، وَأَوْضَاعِ الْأُصُولِيِّينَ، فَقَدْ أُغْنُوا عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ، فَلَيْسَ فِي حَقِّهِمْ إِلَّا أَمْرَانِ: أَحَدُهُمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى كَذَا وَقَالَ

стр. 834

رَسُولُهُ كَذَا، وَالثَّانِي مَعْنَاهُ كَذَا وَكَذَا، وَهُمْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِهَاتَيْنِ الْمُقَدِّمَتَيْنِ، وَأَحْظَى الْأُمَّةِ بِهِمَا، فَقُوَاهُمْ مُتَوَافِرَةٌ مُجْتَمِعَةٌ عَلَيْهِمَا، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ. [أسباب تفضيل الصحابة] وَلِهَذَا نَقُولُ فِي النَّظْمِ: ((فَإِنَّهُمْ قَدْ شَاهَدُوا الْمُخْتَارَا ... وَعَايَنُوا الْأَسْرَارَ وَالْأَنْوَارَا)) ((وَجَاهَدُوا فِي اللَّهِ حَتَّى بَانَا ... دِينُ الْهُدَى وَقَدْ سَمَا الْأَدْيَانَا)) ((وَقَدْ أَتَى فِي مُحْكَمِ التَّنْزِيلِ ... مِنْ فَضْلِهِمْ مَا يَشْفِي لِلْغَلِيلِ)) ((وَفِي الْأَحَادِيثِ وَفِي الْآثَارِ ... وَفِي كَلَامِ الْقَوْمِ وَالْأَشْعَارِ)) ((مَا قَدْ رَبَا مِنْ أَنْ يُحِيطَ نَظْمِي ... عَنْ بَعْضِهِ فَاقْنَعْ وَخُذْ عَنْ عِلْمِ)) ((فَإِنَّهُمْ)) أَيِ الصَّحَابَةُ الْكِرَامُ عَلَيْهِمُ الرِّضْوَانُ مِنَ الْمَلِكِ السَّلَامِ، ((قَدْ شَاهَدُوا)) ، وَصَحِبُوا ((الْمُخْتَارَا)) بِأَلِفِ الْإِطْلَاقِ فِي الْمُخْتَارِ مِنْ سَائِرِ الْأَنَامِ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةُ وَأَتَمُّ السَّلَامِ، ((وَعَايَنُوا)) فِي صُحْبَتِهِمْ لِلنَّبِيِّ الْمُخْتَارِ ((الْأَسْرَارَ)) الْقُرْآنِيَّةَ، وَعَلِمُوهَا مِنَ الْحَضْرَةِ النَّبَوِيَّةِ، وَعَلِمُوا التَّنْزِيلَ وَالتَّأْوِيلَ وَآدَابَهُ، ((وَ)) عَايَنُوا ((الْأَنْوَارَ)) الْقُرْآنِيَّةَ، وَالْأَشِعَّةَ الْمُصْطَفَوِيَّةَ، فَهُمْ أَسْعَدُ الْأُمَّةِ بِإِصَابَةِ الصَّوَابِ، وَأَجْدَرُ الْأَئِمَّةِ بِعِلْمِ فِقْهِ السُّنَّةِ وَالْكِتَابِ، لِفَوْزِهِمْ بِصُحْبَةِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَمُشَاهَدَةِ نُزُولِ الْوَحْيِ، وَمَعْرِفَةِ الْأَسْبَابِ، فَلَا يُجَارُوا فِي عِلْمِهِمْ، وَلَا يُبَارُوا فِي فَهْمِهِمْ، فَكُلُّ عِلْمٍ وَفَهْمٍ وَخَيْرٍ عَنْهُمْ وَصَلَ، وَكُلُّ سَعَادَةٍ وَسِيَادَةٍ وَفِقْهٍ مِنْ عِلْمِهِمْ وَبِسَبَبِهِمْ حَصَلَ، فَرِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ مَا زَيَّنَ ذِكْرُهُمُ الدَّفَاتِرَ، وَشَرَّفَ نَشْرُهُمُ الْمَنَابِرَ، ((وَجَاهَدُوا فِي)) سَبِيلِ ((اللَّهِ)) ، لِإِعْلَاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ، وَبَذَلُوا نُفُوسَهُمُ النَّفِيسَةَ فِي مَرْضَاةِ اللَّهِ، ((حَتَّى بَانَا)) بِأَلْفِ الْإِطْلَاقِ أَيْ ظَهَرَ وَوَضَحَ وَاسْتَعْلَنَ ((دِينُ الْهُدَى)) أَيْ دِينُ الْإِسْلَامِ الَّذِي بِهِ الْهُدَى وَالدَّلَالَةُ الْمُوَصِّلَةُ وَالْفَوْزُ وَالْفَلَاحُ، وَأَشْرَقَ نُورُ الِاهْتِدَا وَشُعَاعُ الْوُصُولِ فَلَاحَ ((وَقَدْ سَمَا)) أَيْ عَلَا دِينُ الْإِسْلَامِ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ ((الْأَدْيَانَا)) أَيْ سَائِرَ الْأَدْيَانِ الَّتِي كَانَتْ قَبْلَهُ، وَتَقَدَّمَ تَعْرِيفُ الدِّينِ لُغَةً وَاصْطِلَاحًا، فَسَائِرُ الْأَدْيَانِ غَيْرُ دِينِ الْإِسْلَامِ الَّذِي جَاءَ بِهِ سَيِّدُ وَلَدِ عَدْنَانَ مَنْسُوخَةٌ، وَكُلُّ عِبَادَةٍ لَمْ يَأْتِ بِهَا فَهِيَ بَاطِلَةٌ مَمْسُوخَةٌ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥] وَقَالَ: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩] .

стр. 835

((وَقَدْ أَتَى فِي مُحْكَمِ التَّنْزِيلِ)) مِنَ الْكِتَابِ الْعَظِيمِ، وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ، ((مِنْ فَضْلِهِمْ)) أَيِ الصَّحَابَةِ الْكِرَامِ - عَلَيْهِمُ الرِّضْوَانُ وَالسَّلَامُ - ((مَا)) أَيِ الَّذِي يَعْنِي مِنَ الْآيَاتِ الْمُحْكَمَاتِ، وَالْكَلِمَاتِ الْبَاهِرَاتِ ((يَشْفِي)) مِنْ شَفَى يَشْفِي أَيْ يُبْرِئُ ((لِلْغَلِيلِ)) - بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ - كَأَمِيرٍ الْعَطَشِ أَوْ شِدَّتِهِ، أَوْ حَرَارَةِ الْجَوْفِ، كَمَا فِي الْقَامُوسِ وَالْمُرَادُ مَا يُطْفِئُ حَرَارَةَ الْجَهْلِ بِمَقَامَاتِهِمُ الْبَاذِخَةِ، وَبِنَفْيِ الْوَهْمِ وَالْغُلِّ عَنْ أَطْوَادِ عُلُومِهِمُ الرَّاسِخَةِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩] الْآيَاتِ وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة: ٥٤] وَكَقَوْلِهِ: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ﴾ [التوبة: ١٠٠] الْآيَاتِ وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف: ١٠٨] وَقَوْلِهِ: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ [النمل: ٥٩] وَهُمْ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ ﷺ ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ [فاطر: ٣٢] وَقَوْلُهُ: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٠] وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٩] قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ: هُمْ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ ﷺ وَلَا رَيْبَ أَنَّهُمْ أَئِمَّةُ الصَّادِقِينَ، وَكُلُّ صَادِقٍ بَعْدَهُمْ فَبِهِمْ يَأْتَمُّ فِي صِدْقِهِ، بَلْ حَقِيقَةُ صِدْقِهِ اتِّبَاعُهُ لَهُمْ، وَكَوْنُهُ مَعَهُمْ، وَقَوْلُهُ: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣] أَيْ أُمَّةً خِيَارًا عُدُولًا فَإِنَّ هَذِهِ حَقِيقَةُ الْوَسَطِ، فَهُمْ خَيْرُ الْأُمَمِ وَأَعْدَلُهَا فِي أَقْوَالِهِمْ وَأَعْمَالِهِمْ وَإِرَادَاتِهِمْ وَنِيَّاتِهِمْ، وَبِهَذَا اسْتَحَقُّوا أَنْ يَكُونُوا شُهَدَاءَ لِلرُّسُلِ عَلَى أُمَمِهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَاللَّهُ تَعَالَى يَقْبَلُ شَهَادَتَهُمْ عَلَيْهِمْ، فَهُمْ شُهَدَاؤُهُ، وَلِهَذَا نَوَّهَ بِهِمْ، وَرَفَعَ ذِكْرَهُمْ، وَأَثْنَى عَلَيْهِمْ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [الحج: ٧٨] الْآيَةَ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ وَالْكَلِمَاتِ الرَّحْمَانِيَّةِ. ((وَ)) قَدْ أَتَى أَيْضًا ((فِي الْأَحَادِيثِ)) النَّبَوِيَّةِ ((وَفِي الْآثَارِ))

стр. 836

السَّلَفِيَّةِ ((وَ)) قَدْ أَتَى ((فِي كَلَامِ الْقَوْمِ)) مِنَ الْمُحَدِّثِينَ وَالْفُقَهَاءِ وَالصُّوفِيَّةِ وَأَهْلِ الْمَعَارِفِ وَالْحَقَائِقِ وَالْهِمَمِ الْوَافِيَةِ وَالْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ وَالْأَفْهَامِ الذَّكِيَّةِ، ((وَ)) فِي ((الْأَشْعَارِ)) الْمَرْضِيَّةِ مِنَ الْعَرَبِ وَالْمُوَلَّدِينَ مِنْ مَدْحِهِمْ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِمْ ((مَا)) أَيْ شَيْءٌ ((قَدْ رَبَا)) أَيْ زَادَ وَعَلَا وَنَمَا ((مِنْ أَنْ يُحِيطَ نَظْمِي)) فِي هَذِهِ الْأُرْجُوزَةِ، وَيَضِيقَ ((عَنْ بَعْضِهِ)) فَضْلًا عَنْ غَالِبِهِ وَكُلِّهِ، ((فَاقْنَعْ)) بِمَا ذَكَرْتُهُ لَكَ مِنَ الْآيَاتِ الْبَاتَّةِ وَالْأَحَادِيثِ الثَّابِتَةِ عَنْ سَيِّدِ بَنِي آدَمَ، وَصَفْوَةِ جَمِيعِ الْعَالَمِ سَيِّدِنَا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، ((وَخُذْ)) ذَلِكَ وَاعْتَمِدْ عَلَيْهِ وَصُرَّهُ إِلَيْكَ وَاعْتَصِمْ بِهِ وَاسْتَنِدْ إِلَيْهِ، فَإِنَّهُ ((عَنْ عَلْمٍ)) وَيَقِينٍ وَإِيضَاحٍ وَتَبْيِينٍ وَمَعْرِفَةٍ وَتَمْكِينٍ، وَقَوْلُهُ: وَاقْنَعْ مِنَ الْقَنُوعِ، وَهُوَ الرِّضَا بِالْيَسِيرِ مِنَ الْعَطَاءِ، وَقَدْ قَنِعَ بِالْكَسْرِ يَقْنَعُ قُنُوعًا وَقَنَاعَةً إِذَا رَضِيَ، وَقَنَعَ بِالْفَتْحِ قُنُوعًا إِذَا سَأَلَ، وَمِنْهُ حَدِيثُ: " «الْقَنَاعَةُ كَنْزٌ لَا يَفْنَى» ". لِأَنَّ الْإِنْفَاقَ مِنْهَا لَا يَنْقَطِعُ، فَكُلَّمَا تَعَذَّرَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا قَنِعَ بِمَا دُونَهُ وَرَضِيَ، وَحَدِيثُ: " «عَزَّ مَنْ قَنِعَ وَذَلَّ مَنْ طَمَعَ» ". لِأَنَّ الْقَانِعَ لَا يُذِلُّهُ الطَّلَبُ، فَلَا يَزَالُ عَزِيزًا، وَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَلَا مَقَامَ بَعْدَ مَقَامِ النُّبُوَّةِ أَعْظَمُ مِنْ مَقَامِ قَوْمٍ ارْتَضَاهُمُ اللَّهُ لِصُحْبَةِ نَبِيِّهِ ﷺ ، وَنُصْرَةِ دِينِهِ الْقَوِيمِ، وَصِرَاطِهِ الْمُسْتَقِيمِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩] الْآيَاتِ، وَقَالَ: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة: ١٠٠] فَمَنْ تَأَمَّلَ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ حَقَّ التَّأَمُّلِ، وَأَعْطَى الْمَقَامَ حَقَّهُ نَجَا مِنْ قَبِيحِ مَا انْتَحَلَتِ الرَّافِضَةُ، وَفَضِيحِ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْإِلْحَادُ فِي آيَاتِ اللَّهِ، وَأَحَادِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْإِفْكِ وَالْمُنَاقَضَةِ، فَالْحَذَرَ الْحَذَرَ مِنْ أَدْنَى شَائِبَةٍ تُزْرِي بِتِلْكَ الْمَنَاصِبِ الشَّامِخَةِ، وَالْعُلُومِ الرَّاسِخَةِ، وَلِهَذَا نَقُولُ: [التحذير من الإزراء بفضل الصحابة] ((وَاحْذَرْ مِنَ الْخَوْضِ الَّذِي قَدْ يُزْرِي ... بِفَضْلِهِمْ مِمَّا جَرَى لَوْ تَدْرِي)) ((فَإِنَّهُ عَنِ اجْتِهَادٍ قَدْ صَدَرْ ... فَاسْلَمْ أَذَلَّ اللَّهُ مَنْ لَهُمْ هَجَرْ))

стр. 837

((وَاحْذَرْ)) حَذَرَ إِذْعَانٍ وَتَسْلِيمٍ مَعَ سَلَامَةِ صَدْرٍ وَامْتِثَالِ أَمْرِ النَّبِيِّ الْكَرِيمِ ((مِنَ الْخَوْضِ)) الْمُفْضِي إِلَى التَّوَسُّعِ وَالتَّنْقِيبِ وَالتَّبَجُّحِ وَالتَّأْنِيبِ ((الَّذِي قَدْ يُزْرِي)) وَيُنْقِصُ وَيَحُطُّ ((بِفَضْلِهِمُ)) الْمَعْلُومِ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ عِنْدَ ذَوِي الْعُلُومِ مِمَّا ذَكَرْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ شَذْرَةً صَالِحَةً مِنْهُ ((مِمَّا)) أَيْ مِنْ الِاخْتِلَافِ وَالتَّخَاصُمِ وَالتَّشَاجُرِ الَّذِي ((جَرَى)) بَيْنَهُمْ ((لَوْ)) كُنْتَ ((تَدْرِي)) غِبَّ ذَلِكَ الْخَوْضِ الْمُفْضِي إِلَى تَوْلِيدِ الْإِحَنِ وَحَزَازَاتِ الْقُلُوبِ وَالْحِقْدِ عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَذَلِكَ مِنْ أَعْظَمِ الذُّنُوبِ، فَإِنَّهُمْ خَيْرُ الْقُرُونِ، وَهُمُ السَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ، وَذَلِكَ أَنَّهُ جَرَى بَيْنَ عَلِيٍّ وَمُعَاوِيَةَ وَقَبْلَهُمَا وَبَعْدَهُمَا مِنَ الْمُنَازَعَاتِ وَالْمُقَاتَلَاتِ مَا لَوْ صَدَرَتْ مِنْ سِوَاهُمْ، أَوْ كَانَتْ مِنْ غَيْرِهِمْ لَمْ تَقْصُرْ عَنِ التَّفَسُّقِ، فَضْلًا عَنْ غَيْرِهِ، وَالْجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ مَا أُشِيرَ إِلَيْهِ بِقَوْلِهِ ((فَإِنَّهُ)) أَيِ التَّخَاصُمُ وَالنِّزَاعُ وَالتَّقَاتُلُ وَالدِّفَاعُ الَّذِي جَرَى بَيْنَهُمْ، كَانَ ((عَنِ اجْتِهَادٍ قَدْ صَدَرَ)) مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ رُءُوسِ الْفَرِيقَيْنِ، وَمَقْصِدٍ سَائِغٍ لِكُلِّ فِرْقَةٍ مِنَ الطَّائِفَتَيْنِ، وَإِنْ كَانَ الْمُصِيبُ فِي ذَلِكَ لِلصَّوَابِ وَاحِدًا، وَهُوَ عَلِيٌّ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَمَنْ وَالَاهُ، وَالْمُخْطِئُ هُوَ مَنْ نَازَعَهُ وَعَادَاهُ، غَيْرَ أَنَّ لِلْمُخْطِئِ فِي الِاجْتِهَادِ أَجْرًا وَثَوَابًا، خِلَافًا لِأَهْلِ الْجَفَاءِ وَالْعِنَادِ، فَكُلُّ مَا صَحَّ مِمَّا جَرَى بَيْنَ الصَّحَابَةِ الْكِرَامِ وَجَبَ حَمْلُهُ عَلَى وَجْهٍ يَنْفِي عَنْهُمُ الذُّنُوبَ وَالْآثَامَ، فَمُقَاوَلَةُ عَلِيٍّ مَعَ الْعَبَّاسِ ﵄ لَا تَقْضِي إِلَى شَيْنٍ، وَتَقَاعُدُ عَلِيٍّ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ - عَنْ مُبَايَعَةِ الصِّدِّيقِ الْأَعْظَمِ فِي بَدْءِ الْأَمْرِ كَانَ لِأَحَدِ أَمْرَيْنِ: إِمَّا لِعَدَمِ مَشُورَتِهِ كَمَا عَتَبَ عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ، وَإِمَّا وُقُوفًا مَعَ خَاطِرِ سَيِّدَةِ نِسَاءِ الْعَالَمِ فَاطِمَةَ الْبَتُولِ ﵍ مِمَّا ظَنَّتْ أَنَّهُ لَهَا، وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا هُنَالِكَ، ثُمَّ إِنَّ عَلِيًّا بَايَعَ الصِّدِّيقَ ﵄ عَلَى رُءُوسِ الْأَشْهَادِ، فَاتَّحَدَتِ الْكَلِمَةُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَحَصَلَ الْمُرَادُ، وَتَوَقُّفِ عَلِيٍّ ﵁ عَنْ الِاقْتِصَاصِ مِنْ قَتَلَةِ عُثْمَانَ، إِمَّا لِعَدَمِ الْعِلْمِ بِالْقَاتِلِ، وَإِمَّا خَشْيَةَ تَزَايُدِ الْفَسَادِ وَالطُّغْيَانِ، وَكَانَتْ عَائِشَةُ وَطَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ وَمُعَاوِيَةُ ﵃ وَمَنِ اتَّبَعَهُمْ مَا بَيْنَ مُجْتَهِدٍ وَمُقَلِّدٍ فِي جَوَازِ مُحَارِبَةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، سَيِّدِنَا أَبِي الْحَسَنَيْنِ، الْأَنْزَعِ الْبَطِينِ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ - وَقَدِ اتَّفَقَ أَهْلُ الْحَقِّ أَنَّ الْمُصِيبَ فِي تِلْكَ الْحُرُوبِ وَالتَّنَازُعِ

стр. 838

أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٌّ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ - مِنْ غَيْرِ شَكٍّ وَلَا تَدَافُعٍ، وَالْحَقُّ الَّذِي لَيْسَ عَنْهُ نُزُولٌ أَنَّهُمْ كُلُّهُمْ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - عُدُولٌ، لِأَنَّهُمْ مُتَأَوِّلُونَ فِي تِلْكَ الْخُصُومَاتِ، مُجْتَهِدُونَ فِي هَاتِيكَ الْمُقَاتَلَاتِ، فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ الْحَقُّ عَلَى الْمُعْتَمَدِ عِنْدَ أَهْلِ الْحَقِّ وَاحِدًا، فَالْمُخْطِئُ مَعَ بَذْلِ الْوُسْعِ وَعَدَمِ التَّقْصِيرِ مَأْجُورٌ لَا مَأْزُورٌ، وَسَبَبُ تِلْكَ الْحُرُوبِ اشْتِبَاهُ الْقَضَايَا، فَلِشِدَّةِ اشْتِبَاهِهَا اخْتَلَفَ اجْتِهَادُهُمْ، وَصَارُوا ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ: قِسْمٌ ظَهَرَ لَهُمُ اجْتِهَادًا أَنَّ الْحَقَّ فِي هَذَا الطَّرَفِ، وَأَنَّ مُخَالِفَهُ بَاغٍ فَوَجَبَ عَلَيْهِمْ نُصْرَةُ الْمُحِقِّ، وَقِتَالُ الْبَاغِي عَلَيْهِ فِيمَا اعْتَقَدُوهُ، فَفَعَلُوا ذَلِكَ، وَلَمْ يَكُنْ لِمَنْ هَذِهِ صِفَتُهُ التَّأَخُّرُ عَنْ مُسَاعَدَةِ الْإِمَامِ الْعَادِلِ فِي قِتَالِ الْبُغَاةِ فِي اعْتِقَادِهِ، وَقِسْمٌ عَكْسُهُ سَوَاءً بِسَوَاءٍ، وَقِسْمٌ ثَالِثٌ اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِمُ الْقَضِيَّةُ، فَلَمْ يَظْهَرْ لَهُمْ تَرْجِيحُ أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ، فَاعْتَزَلُوا الْفَرِيقَيْنِ، وَكَانَ هَذَا الِاعْتِزَالُ هُوَ الْوَاجِبُ فِي حَقِّهِمْ، لِأَنَّهُ لَا يَحِلُّ الْإِقْدَامُ عَلَى قِتَالِ مُسْلِمٍ حَتَّى يَظْهَرَ مَا يُوجِبُ ذَلِكَ، وَبِالْجُمْلَةِ فَكُلُّهُمْ مَعْذُورُونَ وَمَأْجُورُونَ لَا مَأْزُورُونَ، وَلِهَذَا اتَّفَقَ أَهْلُ الْحَقِّ مِمَّنْ يُعْتَدُّ بِهِ فِي الْإِجْمَاعِ عَلَى قَبُولِ شَهَادَاتِهِمْ وَرِوَايَاتِهِمْ، وَثُبُوتِ عَدَالَتِهِمْ، وَلِهَذَا قَالَ عُلَمَاؤُنَا كَغَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَمِنْهُمُ ابْنُ حَمْدَانَ فِي نِهَايَةِ الْمُبْتَدِئِينَ: يَجِبُ حُبُّ كُلِّ الصَّحَابَةِ، وَالْكَفُّ عَمَّا جَرَى بَيْنَهُمْ كِتَابَةً وَقِرَاءَةً وَإِقْرَاءً وَسَمَاعًا وَتَسْمِيعًا، وَيَجِبُ ذِكْرُ مَحَاسِنِهِمْ، وَالتَّرَضِّي عَنْهُمْ، وَالْمَحَبَّةُ لَهُمْ، وَتَرْكُ التَّحَامُلِ عَلَيْهِمْ، وَاعْتِقَادُ الْعُذْرِ لَهُمْ، وَأَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا فَعَلُوا بِاجْتِهَادٍ سَائِغٍ لَا يُوجِبُ كُفْرًا وَلَا فِسْقًا، بَلْ رُبَّمَا يُثَابُونَ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ اجْتِهَادٌ سَائِغٌ، ثُمَّ قَالَ: وَقِيلَ: الْمُصِيبُ عَلِيٌّ، وَمَنْ قَاتَلَهُ فَخَطَؤُهُ مَعْفُوٌّ عَنْهُ. وَإِنَّمَا نَهَى عَنِ الْخَوْضِ فِي النَّظْمِ، لِأَنَّ الْإِمَامَ أَحْمَدَ كَانَ يُنْكِرُ عَلَى مَنْ خَاضَ، وَيُسَلِّمُ أَحَادِيثَ التَّفَاضُلِ، وَقَدْ تَبَرَّأَ ﵁ مِمَّنْ ضَلَّلَهُمْ أَوْ كَفَّرَهُمْ، وَقَالَ: السُّكُوتُ عَمَّا جَرَى بَيْنَهُمْ. وَقَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ: الْبَحْثُ عَنْ أَحْوَالِ الصَّحَابَةِ - رِضْوَانُ اللَّهِ تَعَالَى عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ - وَعَمَّا جَرَى بَيْنَهُمْ مِنَ الْمُوَافَقَةِ وَالْمُخَالَفَةِ لَيْسَ مِنَ الْعَقَائِدِ الدِّينِيَّةِ، وَلَا مِنَ الْقَوَاعِدِ الْكَلَامِيَّةِ، وَلَيْسَ هُوَ مِمَّا يُنْتَفَعُ بِهِ فِي الدِّينِ، بَلْ رُبَّمَا أَضَرَّ بِالْيَقِينِ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ الْعُلَمَاءُ نُتَفًا فِي كُتُبِهِمْ، صَوْنًا لِلْقَاصِرِينَ عَنِ التَّأْوِيلِ عَنِ اعْتِقَادِ ظَوَاهِرِ حِكَايَاتِ الرَّافِضَةِ وَرِوَايَاتِهَا، لِيَتَجَنَّبَ مَنْ لَا يَصِلُ إِلَى

стр. 839

حَقِيقَةِ عِلْمِهَا، وَلِأَنَّ الْخَوْضَ فِي ذَلِكَ إِنَّمَا يَصْلُحُ لِلتَّعْلِيمِ، وَلِلرَّدِّ عَلَى الْمُتَعَصِّبِينَ، أَوْ لِتَدْرِيسِ كُتُبٍ تَشْتَمِلُ عَلَى تِلْكَ الْآثَارِ، فَيُؤَوِّلُ ذَلِكَ، وَيُبَيِّنُهُ لِلْعَوَامِّ، لِفَرْطِ جَهْلِهِمْ بِالتَّأْوِيلِ مَعَ أَنَّ غَالِبَ أَوْ كُلَّ مَا يَحْكِيهِ الرَّافِضَةُ مَوْضُوعٌ، وَأَكْثَرُهُ بَاطِلٌ مَصْنُوعٌ، فَلَا جَرَمَ السَّلَامَةُ فِي التَّسْلِيمِ، وَكَفُّ اللِّسَانِ عَنْ هَذَا الْمَدْخَلِ الضَّيِّقِ الْعَظِيمِ، وَلِهَذَا قَالَ: ((فَاسْلَمْ)) مِنَ الْخَوْضِ فِي تِلْكَ الْبُحُورِ، وَاحْذَرْ مِنَ الْعِثَارِ فِي ذَلِكَ الْغَطْشِ الدَّيْجُورِ، فَإِنَّ مَنْ قَارَبَ الْفِتْنَةَ افْتَتَنَ، وَمَنْ تَعَرَّضَ بِدِينِهِ لِلشُّبَهَاتِ وَالشَّهَوَاتِ اخْتَبَنَ، ثُمَّ إِنَّ النَّاظِمَ دَعَا عَلَى طَائِفَةِ الْجَفَاءِ وَالْفُجُورِ وَأَهْلِ الرَّفْضِ وَالضَّلَالِ مِمَّنْ حَادَ عَنِ الْأَمْرِ الْمَأْمُورِ، فَقَالَ: ((أَذَلَّ اللَّهُ)) وَقَدْ فَعَلَ ((مَنْ)) كُلُّ مُبْتَدِعٍ مِنَ الرَّافِضَةِ وَمَنْ وَافَقَهُمْ ((لَهُمْ)) أَيْ لِلصَّحَابَةِ الْكِرَامِ أَوْ لِبَعْضِهِمْ ((هَجَرَ)) وَعَادَى وَلَمْ يُوَالِ وَيُحِبَّ. وَقَدْ رَوَى الدَّيْلَمِيُّ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: " «إِذَا أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى بِرَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي خَيْرًا أَلْقَى حُبَّ أَصْحَابِي فِي قَلْبِهِ» ". وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ ﵁ مَرْفُوعًا: " «اللَّهَ اللَّهَ فِي أَصْحَابِي، لَا تَتَّخِذُوهُمْ غَرَضًا بَعْدِي، فَمَنْ أَحَبَّهُمْ فَبِحُبِّي أَحَبَّهُمْ، وَمَنْ أَبْغَضَهُمْ فَبِبُغْضِي أَبْغَضَهُمْ، وَمَنْ آذَاهُمْ فَقَدْ آذَانِي، وَمَنْ آذَانِي فَقَدْ آذَى اللَّهَ تَعَالَى، وَمَنْ آذَى اللَّهَ يُوشِكُ أَنْ يَأْخُذَهُ» ". وَالَّذِي أَجْمَعَ عَلَيْهِ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةُ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ تَزْكِيَةُ جَمِيعِ الصَّحَابَةِ، بِإِثْبَاتِ الْعَدَالَةِ لَهُمْ، وَالْكَفِّ عَنِ الطَّعْنِ فِيهِمْ، وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِمْ، فَقَدْ أَثْنَى اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَلَيْهِمْ فِي عِدَّةِ آيَاتٍ مِنْ كِتَابِهِ الْعَزِيزِ، عَلَى أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَرِدْ عَنِ اللَّهِ وَلَا عَنْ رَسُولِهِ فِيهِمْ شَيْءٌ لَأَوْجَبَتِ الْحَالُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا مِنَ الْهِجْرَةِ، وَالْجِهَادِ، وَنُصْرَةِ الدِّينِ، وَبَذْلِ الْمُهَجِ وَالْأَمْوَالِ، وَقَتْلِ الْآبَاءِ وَالْأَوْلَادِ، وَالْمُنَاصَحَةِ فِي الدِّينِ، وَقُوَّةِ الْإِيمَانِ وَالْيَقِينِ، الْقَطْعُ بِتَعْدِيلِهِمْ، وَالِاعْتِقَادُ لِنَزَاهَتِهِمْ، وَأَنَّهُمْ أَفْضَلُ جَمِيعِ الْأُمَّةِ بَعْدَ نَبِيِّهِمْ، هَذَا مَذْهَبُ كَافَّةِ الْأُمَّةِ، وَمَنْ عَلَيْهِ الْمُعَوِّلُ مِنَ الْأَئِمَّةِ، وَأَمَّا مَنْ شَذَّ مِنْ أَهْلِ الزَّيْغِ وَالِابْتِدَاعِ، مِمَّنْ ضَلَّ وَأَضَلَّ فَلَا الْتِفَاتَ إِلَيْهِمْ وَلَا مُعَوِّلَ عَلَيْهِمْ، وَلِهَذَا قَالَ الْإِمَامُ أَبُو زُرْعَةَ الْعِرَاقِيُّ - مِنْ أَجَلِّ شُيُوخِ مُسْلِمٍ -: إِذَا رَأَيْتَ الرَّجُلَ يَنْتَقِصُ

стр. 840

أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَاعْلَمْ أَنَّهُ زِنْدِيقٌ، وَذَلِكَ أَنَّ الْقُرْآنَ حَقٌّ، وَالرَّسُولُ حَقٌّ، وَمَا جَاءَ بِهِ حَقٌّ، وَمَا أَدَّى إِلَيْنَا ذَلِكَ كُلَّهُ إِلَّا الصَّحَابَةُ، فَمَنْ جَرَحَهُمْ إِنَّمَا أَرَادَ إِبْطَالَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، فَيَكُونُ الْجَرْحُ بِهِ أَلْيَقَ، وَالْحُكْمُ عَلَيْهِ بِالزَّنْدَقَةِ وَالضَّلَالِ أَقْوَمَ وَأَحَقَّ. وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ: الصَّحَابَةُ كُلُّهُمْ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ قَطْعًا قَالَ تَعَالَى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [الحديد: ١٠] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠١] فَثَبَتَ أَنَّ جَمِيعَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ. وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَا يَهْجُرُ الصَّحَابَةَ وَيُعَادِيهِمْ إِلَّا عَدُوٌّ لِلَّهِ مَبْعُودٌ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ خَبِيثٌ زِنْدِيقٌ، وَاللَّهُ وَلِيُّ التَّوْفِيقِ. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ حَمْدَانَ فِي نِهَايَةِ الْمُبْتَدِئِينَ: مَنْ سَبَّ أَحَدًا مِنَ الصَّحَابَةِ مُسْتَحِلًّا كَفَرَ، وَإِنْ لَمْ يَسْتَحِلَّ فَسَقَ، وَعَنْهُ: يَكْفُرُ مُطْلَقًا، وَإِنَّ فَسَّقَهُمْ أَوْ طَعَنَ فِي دِينِهِمْ أَوْ كَفَّرَهُمْ كَفَرَ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. وَلَمَّا أَنْهَى الْكَلَامَ عَنِ الصَّحَابَةِ الْكِرَامِ، حَسْبَمَا يَقْتَضِيهِ الْمَقَامُ، وَإِنْ كَانَ مَا ذُكِرَ فِي جَنْبِ مَا سُكِتَ عَنْهُ كَقَطْرَةٍ مِنْ بَحْرٍ طَامٍّ، وَذُبَالَةٍ مِنْ نُورٍ عَامٍّ؛ ذَكَرَ التَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ، ثُمَّ تَابِعِيهِمْ كَمَا قَالَ خَيْرُ الْأَنَامِ، فَقَالَ: [التابعون وفضلهم] ((وَبَعْدَهُمْ فَالتَّابِعُونَ أَحْرَى ... بِالْفَضْلِ ثُمَّ تَابَعُوهُمْ طُرَّا)) ((وَبَعْدَهُمْ)) أَيْ بَعْدَ الصَّحَابَةِ الْمَخْصُوصِينَ بِالْفَضْلِ وَالْعَدَالَةِ الْعَامَّةِ وَالْإِصَابَةِ، ((فَالتَّابِعُونَ)) لَهُمْ بِإِحْسَانٍ ((أَحْرَى)) أَيْ أَحَقُّ وَأَجْدَرُ ((بِالْفَضْلِ)) وَالْإِتْقَانِ وَالتَّقْدِيمِ عَلَى غَيْرِهِمْ مِنْ سَائِرِ أَهْلِ الْإِيمَانِ، وَتَعْرِيفُ التَّابِعِيِّ هُوَ كُلُّ مَنْ صَحِبَ الصَّحَابِيَّ، وَمُطْلَقُهُ مَخْصُوصٌ بِالتَّابِعِيِّ بِإِحْسَانٍ، وَيُقَالُ لِلْوَاحِدِ تَابِعٌ وَتَابِعِيٌّ، وَلَا بُدَّ فِي التَّابِعِيِّ مِنْ زِيَادَةٍ عَلَى مَا تُعْتَبَرُ بِهِ الصُّحْبَةُ فِي الصَّحَابِيِّ كَمَا تَقَدَّمَ، لِأَنَّ الصُّحْبَةَ خُصُوصِيَّةٌ كَمَا بَيَّنَّاهُ، وَلَهُمْ طَبَقَاتٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَنِ اجْتَمَعَ بِعَشَرَةٍ أَوْ ثَلَاثَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَبِالْعِلْمِ وَالزُّهْدِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي أَفْضَلِ التَّابِعِينَ، قَالَ سَيِّدُنَا الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ: أَفْضَلُ التَّابِعِينَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، وَقَالَ قَوْمٌ: أَفْضَلُ التَّابِعِينَ أُوَيْسُ بْنُ عَامِرٍ، وَيُقَالُ: عَمْرٌو وَكُنْيَتُهُ أَبُو عَمْرٍو وَهُوَ الْقَرَنِيُّ، وَاسْتَدَلُّوا لَهُ بِحَدِيثِ: " «خَيْرُ التَّابِعِينَ أُوَيْسٌ» ". رَوَاهُ الْحَاكِمُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى

стр. 841

اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ: " «إِنَّ خَيْرَ التَّابِعِينَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: أُوَيْسٌ، وَلَهُ وَالِدَةٌ، وَكَانَ بِهِ بَيَاضٌ فَمُرُوهُ، فَلْيَسْتَغْفِرْ لَكُمْ» ". قَالَ النَّوَوِيُّ: هُوَ أُوَيْسُ بْنُ عَامِرٍ. وَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ، وَقَالَ ابْنُ مَاكُولَا: وَيُقَالُ: أُوَيْسُ بْنُ عَمْرٍو، وَهُوَ الْقَرَنِيُّ - بِفَتْحِ الْقَافِ وَالرَّاءِ - وَهُوَ بَطْنٌ مِنْ مُرَادٍ، وَهُوَ قَرَنُ بْنُ رَمْدَانَ، وَغَلَّطُوا مَنْ نَسَبَهُ إِلَى قَرْنِ الْمَنَازِلِ الْجَبَلِ الْمَعْرُوفِ مِيقَاتِ أَهْلِ نَجْدٍ فِي الْإِحْرَامِ، وَفِيهِ طَلَبُ الدُّعَاءِ وَالِاسْتِغْفَارِ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاحِ، وَإِنْ كَانَ الطَّالِبُ أَفْضَلَ مِنْهُمْ، فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ اسْتَجَازَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَمَنْ نَحَا نَحْوَهُ تَفْضِيلَ ابْنِ الْمُسَيَّبِ عَلَى سَائِرِ التَّابِعِينَ مَعَ وُجُودِ النَّصِّ الصَّرِيحِ بِالنَّقْلِ الصَّحِيحِ فِي تَفْضِيلِ أُوَيْسٍ الْقَرَنِيِّ؟ فَالْجَوَابُ أَنَّ مُرَادَ سَيِّدِنَا الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَأَضْرَابِهِ أَفْضَلِيَّةُ سَعِيدٍ فِي الْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ كَالتَّفْسِيرِ وَالْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ وَنَفْعِ الْأُمَّةِ بِذَلِكَ، وَبِمَا بَلَّغَهُ عَنِ الصَّحَابَةِ الْكِرَامِ عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ - فَإِنَّهُ الْإِمَامُ الْحَافِظُ الثِّقَةُ الْمَأْمُونُ حَتَّى قِيلَ فِيهِ: أَعْلَمُ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ بِدِينِ مُحَمَّدٍ بَعْدَ مُحَمَّدٍ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ ﵀ وَرَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَفْضَلِيَّةِ التَّابِعِينَ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ : " «خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ - قَالَ عِمْرَانٌ: فَلَا أَدْرِي أَذَكَرَ بَعْدَ قَرْنِهِ قَرْنَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً - ثُمَّ إِنَّ بَعْدَهُمْ قَوْمًا يَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ، وَيَخُونُونَ وَلَا يُؤْتَمَنُونَ، وَيُنْذِرُونَ وَلَا يُوفُونَ وَيَظْهَرُ فِيهِمُ السِّمَنُ ". زَادَ فِي رِوَايَةٍ وَيَحْلِفُونَ وَلَا يُسْتَحْلَفُونَ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵁، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَلَفْظُهُ: " «خَيْرُ أُمَّتِي الْقَرْنُ الَّذِي بُعِثْتُ فِيهِمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَذَكَرَ الثَّالِثَ أَمْ لَا» . وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَفِيهِ: وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَذَكَرَ الثَّالِثَ أَمْ لَا. وَقَدْ قَالَ ﷺ : " «لَا تَمَسُّ النَّارُ مُسْلِمًا رَآنِي أَوْ رَأَى مَنْ رَآنِي» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ، قَالَ طَلْحَةُ: فَقَدْ رَأَيْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ﵄، وَقَالَ مُوسَى: قَدْ رَأَيْتُ طَلْحَةَ، وَقَالَ يَحْيَى: وَقَالَ لِي مُوسَى: وَقَدْ رَأَيْتُنِي وَنَحْنُ نَرْجُو اللَّهَ تَعَالَى. قَالَ الْإِمَامُ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي أَوَّلِ كِتَابِهِ إِعْلَامِ الْمُوَقِّعِينَ أَلْقَى الصَّحَابَةُ الْكِرَامُ إِلَى التَّابِعِينَ مَا تَلَقَّوْهُ مِنْ مِشْكَاةِ النُّبُوَّةِ خَالِصًا صَافِيًا، وَكَانَ سَنَدُهُمْ عَنْ نَبِيِّهِمْ ﷺ عَنْ جِبْرِيلَ عَنْ رَبِّ

стр. 842

الْعَالَمِينَ سَنَدًا صَحِيحًا عَالِيًا، وَقَالُوا: هَذَا عَهْدُ نَبِيِّنَا إِلَيْنَا، وَقَدْ عَهِدْنَاهُ إِلَيْكُمْ، وَهَذِهِ وَصِيَّةُ رَبِّنَا وَفَرْضِهِ عَلَيْنَا، وَهِيَ وَصِيَّتُهُ وَفَرْضُهُ عَلَيْكُمْ، فَجَرَى التَّابِعُونَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ عَلَى مِنْهَاجِهِمْ، وَاقْتَفَوْا آثَارَ صِرَاطِهِمُ الْمُسْتَقِيمِ، وَلِهَذَا قَالَ ((ثُمَّ)) الْأَفْضَلُ بَعْدَ التَّابِعِينَ ((تَابِعُوهُمْ)) أَيْ أَتْبَاعُ التَّابِعِينَ، لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ صَحِيحِ الْأَخْبَارِ وَصَرِيحِ الْآثَارِ ((طُرًّا)) أَيْ جَمِيعًا، وَهُوَ مَنْصُوبٌ عَلَى الْمَصْدَرِ أَوِ الْحَالِ، لِأَنَّهُمْ سَلَكُوا مَسْلَكَهُمُ الرَّشِيدَ ﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ﴾ [الحج: ٢٤] وَكَانُوا بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَنْ قَبْلَهُمْ كَمَا قَالَ أَصْدَقُ الْقَائِلِينَ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ - وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾ [الواقعة: ١٣ - ١٤] ، ثُمَّ جَاءَ الْأَئِمَّةُ مِنَ الْقَرْنِ الرَّابِعِ الْمُفَضَّلِ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَعَائِشَةَ، وَعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵃ أَجْمَعِينَ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ : " «خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي» " الْحَدِيثَ، وَالْقَرْنُ أَهْلُ زَمَانٍ وَاحِدٍ مُتَقَارِبٍ اشْتَرَكُوا فِي أَمْرٍ مِنَ الْأُمُورِ الْمَقْصُودَةِ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَنْضَبِطُ بِمُدَّةٍ، فَقَرْنُهُ ﷺ هُمْ أَصْحَابُهُ، وَكَانَتْ مُدَّتُهُمْ مِنَ الْمَبْعَثِ إِلَى آخِرِ مَنْ مَاتَ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَهُوَ أَبُو الطُّفَيْلِ مِائَةً وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَقَرْنُ التَّابِعِينَ مِنْ نَحْوِ مِائَةٍ إِلَى سَبْعِينَ سَنَةً، وَقَرْنُ أَتْبَاعِ التَّابِعِينَ مِنْ ثَمَّ إِلَى حُدُودِ الْعِشْرِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَفِي هَذَا الْوَقْتِ ظَهَرَتِ الْبِدَعُ ظُهُورًا فَاشِيًا، وَأَطْلَقَتِ الْمُعْتَزِلَةُ أَلْسِنَتَهَا، وَأَظْهَرَتِ الْجَهْمِيَّةُ نِحْلَتَهَا، وَرَفَعَتِ الْفَلَاسِفَةُ رُءُوسَهَا، وَامْتُحِنَتْ أَئِمَّةُ الدِّينِ وَعُلَمَاءُ الْمُسْلِمِينَ، لِيَقُولُوا بِخَلْقِ الْقُرْآنِ، وَكَانَ الْمَقْصُودُ الْأَعْظَمُ مِنْهُمْ إِمَامَنَا الْإِمَامَ أَحْمَدَ، فَقَامَ بِأَمْرِ السُّنَّةِ أَتَمَّ قِيَامٍ، وَعَاضَدَهُ عَلَيْهَا أَئِمَّةٌ أَعْلَامٌ، وَحُفَّاظٌ لِلدِّينِ فِخَامٌ، شَكَرَ اللَّهُ سَعْيَهُمْ، وَثَبَّتَنَا عَلَى نَهْجِهِمْ، آمِينَ، وَظَهَرَ مِصْدَاقُ قَوْلِهِ ﷺ كَمَا فِي رِوَايَةِ: «ثُمَّ يَفْشُو الْكَذِبُ» ، قَالَ فِي النِّهَايَةِ: خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي - يَعْنِي الصَّحَابَةَ -، ثُمَّ التَّابِعِينَ، وَالْقَرْنُ أَهْلُ كُلِّ زَمَانٍ، وَهُوَ مِقْدَارُ التَّوَسُّطِ فِي أَعْمَارِ كُلِّ زَمَانٍ، مَأْخُوذٌ مِنْ الِاقْتِرَانِ، فَكَأَنَّهُ الْمِقْدَارُ الَّذِي يَقْتَرِنُ فِيهِ أَهْلُ ذَلِكَ الزَّمَانِ فِي أَعْمَارِهِمْ وَأَحْوَالِهِمْ، وَقِيلَ الْقَرْنُ أَرْبَعُونَ سَنَةً، وَقِيلَ مِائَةٌ، وَقِيلَ هُوَ مُطْلَقٌ مِنَ الزَّمَانِ، وَهُوَ مَصْدَرُ قَرَنَ يَقْرِنُ قَرْنًا. قَالَ الْحَافِظُ جَلَالُ الدِّينِ السُّيُوطِيُّ فِي الدُّرِّ الْمَنْثُورِ: الْقَرْنُ أَهْلُ كُلِّ زَمَانٍ، وَهُوَ الْمِقْدَارُ الَّذِي يَقْتَرِنُ فِيهِ أَهْلُ ذَلِكَ الزَّمَانِ فِي أَعْمَارِهِمْ وَأَحْوَالِهِمْ

стр. 843

[فَصْلٌ فِي ذِكْرِ كَرَامَاتِ الْأَوْلِيَاءِ وَإِثْبَاتِهَا] وَهَذَا مِنَ الْعَقَائِدِ السُّنِّيَّةِ الَّتِي يَجِبُ فِي اعْتِقَادِهَا، وَلَا يَجُوزُ نَفْيُهَا وَإِهْمَالُهَا، وَلِهَذَا قَالَ: ((وَكُلُّ خَارِقٍ أَتَى عَنْ صَالِحٍ ... مِنْ تَابِعٍ لِشَرْعِنَا وَنَاصِحٍ)) ((فَإِنَّهَا مِنَ الْكَرَامَاتِ الَّتِي ... بِهَا نَقُولُ فَاقْفُ لِلْأَدِلَّةِ)) ((وَمَنْ نَفَاهَا مِنْ ذَوِي الضَّلَالِ ... فَقَدْ أَتَى فِي ذَاكَ بِالْمُحَالِ)) ((فَإِنَّهَا شَهِيرَةٌ وَلَمْ تَزَلْ ... فِي كُلِّ عَصْرٍ يَا شَقَا أَهْلِ الزَّلَلْ)) ((وَكُلُّ خَارِقٍ)) لِلْعَادَةِ مِنَ الْخَوَارِقِ، وَهِيَ سِتَّةُ أَنْوَاعٍ: (الْأَوَّلُ) الْمُعْجِزَةُ وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهَا، (الثَّانِي) الْإِرْهَاصُ وَهُوَ كُلُّ خَارِقٍ تَقَدَّمَ النُّبُوَّةَ فَهُوَ مُقَدِّمَةٌ لَهَا، فَالْمُعْجِزَةُ أَمْرٌ خَارِقٌ لِلْعَادَةِ مَقْرُونٌ بِدَعْوَى النُّبُوَّةِ، وَالْإِرْهَاصُ مُقَدِّمَةٌ لَهَا قَبْلَهَا كَقِصَّةِ أَصْحَابِ الْفِيلِ، (الثَّالِثُ) الْكَرَامَةُ وَهِيَ أَمْرٌ خَارِقٌ لِلْعَادَةِ غَيْرُ مَقْرُونٍ بِدَعْوَى النُّبُوَّةِ وَلَا هُوَ مُقَدِّمَةٌ، يَظْهَرُ عَلَى يَدِ عَبْدٍ ظَاهِرِ الصَّلَاحِ، مُلْتَزِمٍ لِمُتَابَعَةِ نَبِيٍّ كُلِّفَ بِشَرِيعَتِهِ مَصْحُوبٍ بِصَحِيحِ الِاعْتِقَادِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ، عَلِمَ بِهَا ذَلِكَ الْعَبْدُ الصَّالِحُ أَمْ لَمْ يَعْلَمْ، (الرَّابِعُ) الِاسْتِدْرَاجُ وَالْمَكْرُ، (الْخَامِسُ) الْمَعُونَةُ كَمَا يَظْهَرُ بِسَبَبِ بَعْضِ عَوَامِّ الْمُسْلِمِينَ وَضُعَفَاءِ أَهْلِ الدِّينِ تَخْلِيصًا لَهُمْ مِنَ الْمِحَنِ وَالْمَكَارِهِ، (السَّادِسُ) الْإِهَانَةُ وَالِاحْتِقَارُ كَمَا فَعَلَ مُسَيْلِمَةُ الْكَذَّابُ مِنْ مَسْحِهِ بِيَدِهِ عَلَى رَأْسِ غُلَامٍ فَانْقَرَعَ، وَمِنْ تَفْلِهِ فِي بِئْرٍ عَذْبَةٍ لِيَزْدَادَ حَلَاوَةً فَصَارَ مِلْحًا أُجَاجًا، وَمِنَ الْخَوَارِقِ الْفَاسِدَةِ السِّحْرُ وَالشَّعْوَذَةُ وَنَحْوُهُمَا. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْكَرَامَةَ لَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ أَمْرًا خَارِقًا لِلْعَادَةِ، ((أَتَى)) ذَلِكَ الْخَارِقُ ((عَنْ)) امْرِئٍ ((صَالِحٍ)) وَهُوَ الْوَلِيُّ الْعَارِفُ بِاللَّهِ وَصِفَاتِهِ حَسْبَ مَا يُمْكِنُ، الْمُوَاظِبُ عَلَى الطَّاعَاتِ الْمُجْتَنِبُ عَنِ الْمَعَاصِي، الْمُعْرِضُ عَنْ الِانْهِمَاكِ فِي اللَّذَّاتِ وَالشَّهَوَاتِ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى، وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ صُدُورُ ذَلِكَ الْخَارِقِ فِي زَمَانِنَا وَبَعْدَهُ وَقَبْلَهُ مُنْذُ بُعِثَ نَبِيُّنَا مُحَمَّدٌ ﷺ ((مِنْ)) إِنْسَانٍ ((تَابِعٍ لِشَرْعِنَا)) مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ، لِأَنَّ سَائِرَ الشَّرَائِعِ سِوَاهُ قَدْ نُسِخَتْ، وَأَنْ يَكُونَ الْخَارِقُ مِنْ قِبَلِ مَنْ ظَهَرَ عَلَى يَدَيْهِ غَيْرِ مُقَارِنٍ لِدَعْوَى النُّبُوَّةِ، فَمَا لَا يَكُونُ مَقْرُونًا بِالْإِيمَانِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ يَكُونُ اسْتِدْرَاجًا وَمَا

стр. 844

يَكُونُ مَقْرُونًا بِدَعْوَى النُّبُوَّةِ يَكُونُ مُعْجِزَةً كَمَا تَقَدَّمَ آنِفًا، وَلِاعْتِبَارِ كَوْنِ مَنْ صَدَرَتْ عَنْهُ الْخَوَارِقُ عَارِفًا مُطِيعًا ظَاهِرَ الصَّلَاحِ، مُتَابِعًا لِشَرِيعَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ أَشَارَ بِقَوْلِهِ ((وَنَاصِحٍ)) لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِشَرِيعَةِ النَّبِيِّ الَّتِي أَتَى بِهَا عَنِ اللَّهِ، وَنَاصِحٍ لِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَخَاصَّتِهِمْ وَعَامَّتِهِمْ، فَإِنَّ «الدِّينَ النَّصِيحَةُ» ، فَمَا يَصْدُرُ مِنَ الْخَوَارِقِ الْمُؤَكِّدَةِ لِكَذِبِ الْكَذَّابِينَ وَتُرَّهَاتِ الْمُفْتَرِينَ مِنْ قَبِيلِ الْمَكْرِ وَالِاسْتِدْرَاجِ وَالْمِحَنِ وَالِاعْوِجَاجِ، وَأَمَّا إِذَا صَدَرَتْ عَمَّنْ ذَكَرَ مِنَ الصَّالِحِ النَّاصِحِ الْمُتَابِعِ لِشَرْعِنَا الْقَوِيمِ وَدِينِنَا الْمُسْتَقِيمِ ((فَإِنَّهَا)) تَكُونُ ((مِنَ الْكَرَامَاتِ الَّتِي بِهَا)) أَيْ بِجَوَازِهَا وَوُقُوعِهَا ((نَقُولُ)) مَعْشَرَ أَهْلِ السُّنَّةِ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ. قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ فِي نِهَايَةِ الْمُبْتَدِئِينَ: وَكَرَامَةُ الْأَوْلِيَاءِ حَقٌّ، وَأَنْكَرَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵁ عَلَى مَنْ أَنْكَرَهَا وَضَلَّلَهُ، وَقَالَ: وَتُوجَدُ فِي زَمَنِ النُّبُوَّةِ وَأَشْرَاطِ السَّاعَةِ وَغَيْرِهِمَا، وَلَا تَدُلُّ عَلَى صِدْقِ مَنْ ظَهَرَتْ عَلَى يَدِهِ فِيمَا يُخْبِرُ بِهِ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَا عَلَى وِلَايَتِهِ لِجَوَازِ سَلْبِهَا وَأَنْ تَكُونَ اسْتِدْرَاجًا لَهُ يَعْنِي أَنَّ مُجَرَّدَ الْخَارِقِ لَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، وَلِذَلِكَ قَالَ: وَلَا يُسَاكِنُهَا وَلَا يَقْطَعُ هُوَ بِكَرَامَتِهِ بِهَا وَلَا يَدَّعِيهَا، وَتَظْهَرُ بِلَا طَلَبِهِ تَشْرِيفًا لَهُ ظَاهِرًا، وَلَا يَعْلَمُ مَنْ ظَهَرَتْ مِنْهُ هُوَ أَوْ غَيْرُهُ أَنَّهُ وَلِيٌّ لِلَّهِ تَعَالَى غَالِبًا بِذَلِكَ، وَقِيلَ: بَلَى وَلَا يَلْزَمُ مِنْ صِحَّةِ الْكَرَامَاتِ وَوُجُودِهَا صِدْقُ مَنْ يَدَّعِيهَا بِدُونِ بَيِّنَةٍ أَوْ قَرَائِنَ حَالِيَّةٍ تُفِيدُ الْجَزْمَ بِذَلِكَ، وَإِنْ مَشَى هُوَ عَلَى الْمَاءِ وَفِي الْهَوَاءِ أَوْ سُخِّرَتْ لَهُ الْجِنُّ وَالسِّبَاعُ، حَتَّى تَنْظُرَ خَاتِمَتَهُ وَمُوَافَقَتَهُ لِلشَّرْعِ فِي الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ. وَإِنْ وُجِدَ الْخَارِقُ مِنْ نَحْوِ جَاهِلٍ فَهُوَ مَخْرَقَةٌ وَمَكْرٌ مِنْ إِبْلِيسَ وَإِغْوَاءٌ وَإِضْلَالٌ، وَلَا شَيْءَ عَلَى مَنْ ظَنَّ الْخَيْرَ بِمَنْ يَرَاهُ مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ فِي الْبَاطِنِ شَيْطَانًا وَحُسْنُ الظَّنِّ بِأَهْلِ الدِّينِ وَالصَّلَاحِ حَسَنٌ ((فَاقْفُ)) فِي اعْتِقَادِكَ الصَّالِحِ وَنَهْجِكَ أَيِ اتَّبِعْ ((لِلْأَدِلَّةِ))

стр. 845

الشَّرْعِيَّةِ وَالْمُشَاهَدَاتِ الْحِسِّيَّةِ وَالْقَوَاطِعِ الْعَقْلِيَّةِ، فَإِنَّ كَرَامَاتِ الْأَوْلِيَاءِ ثَابِتَةٌ بِالْعِيَانِ وَالْبُرْهَانِ، أَمَّا أَوَّلًا فَإِنَّ وُجُودَهَا جَائِزٌ عَقْلًا وَاقِعٌ عِيَانًا وَشَرْعًا، فَإِنَّ حَمْلَ مَرْيَمَ بِلَا ذَكَرٍ، وَوُجُودَ الرِّزْقِ عِنْدَهَا بِلَا سَبَبٍ مِنْ فَاكِهَةِ الصَّيْفِ فِي الشِّتَاءِ وَفَاكِهَةِ الشِّتَاءِ فِي الصَّيْفِ مِنَ الْخَوَارِقِ، وَلَيْسَتَا بِمُعْجِزَتَيْنِ لِعَدَمِ شَرْطِ الْمُعْجِزَةِ وَهُوَ دَعْوَى النُّبُوَّةِ وَالتَّحَدِّي فَتَعَيَّنَ كَوْنُ ذَلِكَ كَرَامَةً لَهَا، وَأَيْضًا قِصَّةُ آصِفَ بْنَ بَرْخِيَا، فَإِنَّ إِحْضَارَهُ لِعَرْشِ بِلْقِيسَ فِي لَحْظَةٍ مِنْ مَسِيرَةِ شَهْرٍ خَارِقٌ لِلْعَادَةِ حَتْمًا، وَأَيْضًا قِصَّةُ أَصْحَابِ الْكَهْفِ فَإِنَّ بَقَاءَهُمْ ثَلَاثَمِائَةِ سَنَةٍ بِلَا آفَةٍ مِنْ أَعْظَمِ الْخَوَارِقِ. وَثَانِيًا مَا تَوَاتَرَ مَعْنَاهُ وَإِنْ كَانَتْ تَفَاصِيلُهُ آحَادًا مِنْ كَرَامَاتِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ وَإِلَى وَقْتِنَا هَذَا مِمَّا ذَاعَ وَشَاعَ، وَمَلَأَ الْآفَاقَ وَالْأَسْمَاعَ، وَضَاقَتْ عَنْ إِحْصَائِهِ الدَّفَاتِرُ، وَشَهِدَتْ بِوُجُودِهِ الْأَكَابِرُ وَالْأَصَاغِرُ، وَلَا يُنْكِرُهُ إِلَّا مُعَانِدٌ وَمُكَابِرٌ، فَلَا جَرَمَ فَهُوَ الْحَقُّ الصُّرَاحُ الرَّادِعُ لِأَهْلِ الْإِنْكَارِ وَالْكِفَاحِ. وَهُوَ مَعَ كَوْنِهِ كَرَامَةً لِمَنْ ظَهَرَتْ عَلَى يَدَيْهِ غَالِبًا، فَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى صِحَّةِ نُبُوَّةِ مَتْبُوعِ مَنْ ظَهَرَتْ عَلَى يَدَيْهِ وَحَقِّيَّةِ دِينِهِ وَاسْتِقَامَةِ نَهْجِهِ، وَمِنْ ثَمَّ قُلْنَا ((وَمَنْ)) أَيْ أَيُّ إِنْسَانٍ كَائِنًا مَنْ كَانَ ((نَفَاهَا)) أَيْ كَرَامَاتِ الْأَوْلِيَاءِ، فَلَمْ يَقُلْ بِجَوَازِهَا فَضْلًا عَنْ وُقُوعِهَا ((مِنْ ذَوِي)) أَيْ أَصْحَابِ ((الضَّلَالِ)) وَالزَّيْغِ عَنْ نَهْجِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالِاعْتِزَالِ، وَكَذَا مَنْ نَحَا نَحْوَهُمْ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ كَالْأُسْتَاذِ أَبِي إِسْحَاقَ الْإِسْفَرَايِنِيِّ، وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْحَلِيمِيِّ مِنَ الْأَشَاعِرَةِ، ((فَقَدْ أَتَى فِي ذَاكَ)) النَّفْيِ وَعَدَمِ التَّجْوِيزِ لَهَا ((بِالْمُحَالِ)) الْمُنَابِذِ لِلْبُرْهَانِ وَالْعِيَانِ وَثُبُوتِهَا فِي السُّنَنِ الْمُتَوَاتِرَةِ وَمُحْكَمِ الْقُرْآنِ، فَمَعَ هَذِهِ الْأَدِلَّةِ الْمُتَوَاتِرَةِ وَالْوَقَائِعِ الْمُتَكَاثِرَةِ، فَالْإِنْكَارُ لَهَا مُكَابَرَةٌ غَيْرُ مَنْظُورٍ إِلَيْهِ وَلَا مُعَوَّلٍ عَلَيْهِ، وَزَعْمُهُمْ أَنَّ الْخَوَارِقَ لَوْ جَازَ ظُهُورُهَا مِنَ الْأَوْلِيَاءِ لَالْتَبَسَ النَّبِيُّ بِغَيْرِهِ، إِذِ الْفَرْقُ مَا بَيْنَهُمَا إِنَّمَا هُوَ بِالْمُعْجِزَةِ، وَبِأَنَّهَا لَوْ ظَهَرَتْ لَكَثُرَتْ لِكَثْرَةِ الْأَوْلِيَاءِ وَخَرَجَتْ عَنْ كَوْنِهَا خَارِقَةً لِلْعَادَةِ وَالْغَرَضُ كَوْنُهَا خَارِقًا، فَإِذَا خَرَجَتْ عَنْ كَوْنِهَا لِكَثْرَتِهَا نَافَتِ الْمَقْصُودَ وَخَالَفَتْهُ، وَلِكَوْنِهَا لَوْ ظَهَرَتْ لَا لِغَرَضِ التَّصْدِيقِ لَانْسَدَّ بَابُ إِثْبَاتِ النُّبُوَّةِ بِالْمُعْجِزَةِ، لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ مَا يَظْهَرُ مِنَ النَّبِيِّ لِغَرَضٍ آخَرَ غَيْرِ التَّصْدِيقِ، وَبِأَنَّ مُشَارَكَةَ الْأَوْلِيَاءِ لِلْأَنْبِيَاءِ فِي ظُهُورِ
следующие страницы →