Полный текст (921 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.
стр. 841
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ: " «إِنَّ خَيْرَ التَّابِعِينَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: أُوَيْسٌ، وَلَهُ وَالِدَةٌ، وَكَانَ بِهِ بَيَاضٌ فَمُرُوهُ، فَلْيَسْتَغْفِرْ لَكُمْ» ". قَالَ النَّوَوِيُّ: هُوَ أُوَيْسُ بْنُ عَامِرٍ. وَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ، وَقَالَ ابْنُ مَاكُولَا: وَيُقَالُ: أُوَيْسُ بْنُ عَمْرٍو، وَهُوَ الْقَرَنِيُّ - بِفَتْحِ الْقَافِ وَالرَّاءِ - وَهُوَ بَطْنٌ مِنْ مُرَادٍ، وَهُوَ قَرَنُ بْنُ رَمْدَانَ، وَغَلَّطُوا مَنْ نَسَبَهُ إِلَى قَرْنِ الْمَنَازِلِ الْجَبَلِ الْمَعْرُوفِ مِيقَاتِ أَهْلِ نَجْدٍ فِي الْإِحْرَامِ، وَفِيهِ طَلَبُ الدُّعَاءِ وَالِاسْتِغْفَارِ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاحِ، وَإِنْ كَانَ الطَّالِبُ أَفْضَلَ مِنْهُمْ، فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ اسْتَجَازَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَمَنْ نَحَا نَحْوَهُ تَفْضِيلَ ابْنِ الْمُسَيَّبِ عَلَى سَائِرِ التَّابِعِينَ مَعَ وُجُودِ النَّصِّ الصَّرِيحِ بِالنَّقْلِ الصَّحِيحِ فِي تَفْضِيلِ أُوَيْسٍ الْقَرَنِيِّ؟ فَالْجَوَابُ أَنَّ مُرَادَ سَيِّدِنَا الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَأَضْرَابِهِ أَفْضَلِيَّةُ سَعِيدٍ فِي الْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ كَالتَّفْسِيرِ وَالْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ وَنَفْعِ الْأُمَّةِ بِذَلِكَ، وَبِمَا بَلَّغَهُ عَنِ الصَّحَابَةِ الْكِرَامِ عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ - فَإِنَّهُ الْإِمَامُ الْحَافِظُ الثِّقَةُ الْمَأْمُونُ حَتَّى قِيلَ فِيهِ: أَعْلَمُ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ بِدِينِ مُحَمَّدٍ بَعْدَ مُحَمَّدٍ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ ﵀ وَرَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَفْضَلِيَّةِ التَّابِعِينَ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ : " «خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ - قَالَ عِمْرَانٌ: فَلَا أَدْرِي أَذَكَرَ بَعْدَ قَرْنِهِ قَرْنَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً - ثُمَّ إِنَّ بَعْدَهُمْ قَوْمًا يَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ، وَيَخُونُونَ وَلَا يُؤْتَمَنُونَ، وَيُنْذِرُونَ وَلَا يُوفُونَ وَيَظْهَرُ فِيهِمُ السِّمَنُ ". زَادَ فِي رِوَايَةٍ وَيَحْلِفُونَ وَلَا يُسْتَحْلَفُونَ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵁، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَلَفْظُهُ: " «خَيْرُ أُمَّتِي الْقَرْنُ الَّذِي بُعِثْتُ فِيهِمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَذَكَرَ الثَّالِثَ أَمْ لَا» . وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَفِيهِ: وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَذَكَرَ الثَّالِثَ أَمْ لَا. وَقَدْ قَالَ ﷺ : " «لَا تَمَسُّ النَّارُ مُسْلِمًا رَآنِي أَوْ رَأَى مَنْ رَآنِي» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ، قَالَ طَلْحَةُ: فَقَدْ رَأَيْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ﵄، وَقَالَ مُوسَى: قَدْ رَأَيْتُ طَلْحَةَ، وَقَالَ يَحْيَى: وَقَالَ لِي مُوسَى: وَقَدْ رَأَيْتُنِي وَنَحْنُ نَرْجُو اللَّهَ تَعَالَى. قَالَ الْإِمَامُ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي أَوَّلِ كِتَابِهِ إِعْلَامِ الْمُوَقِّعِينَ أَلْقَى الصَّحَابَةُ الْكِرَامُ إِلَى التَّابِعِينَ مَا تَلَقَّوْهُ مِنْ مِشْكَاةِ النُّبُوَّةِ خَالِصًا صَافِيًا، وَكَانَ سَنَدُهُمْ عَنْ نَبِيِّهِمْ ﷺ عَنْ جِبْرِيلَ عَنْ رَبِّ
стр. 842
الْعَالَمِينَ سَنَدًا صَحِيحًا عَالِيًا، وَقَالُوا: هَذَا عَهْدُ نَبِيِّنَا إِلَيْنَا، وَقَدْ عَهِدْنَاهُ إِلَيْكُمْ، وَهَذِهِ وَصِيَّةُ رَبِّنَا وَفَرْضِهِ عَلَيْنَا، وَهِيَ وَصِيَّتُهُ وَفَرْضُهُ عَلَيْكُمْ، فَجَرَى التَّابِعُونَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ عَلَى مِنْهَاجِهِمْ، وَاقْتَفَوْا آثَارَ صِرَاطِهِمُ الْمُسْتَقِيمِ، وَلِهَذَا قَالَ ((ثُمَّ)) الْأَفْضَلُ بَعْدَ التَّابِعِينَ ((تَابِعُوهُمْ)) أَيْ أَتْبَاعُ التَّابِعِينَ، لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ صَحِيحِ الْأَخْبَارِ وَصَرِيحِ الْآثَارِ ((طُرًّا)) أَيْ جَمِيعًا، وَهُوَ مَنْصُوبٌ عَلَى الْمَصْدَرِ أَوِ الْحَالِ، لِأَنَّهُمْ سَلَكُوا مَسْلَكَهُمُ الرَّشِيدَ ﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ﴾ [الحج: ٢٤] وَكَانُوا بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَنْ قَبْلَهُمْ كَمَا قَالَ أَصْدَقُ الْقَائِلِينَ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ - وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾ [الواقعة: ١٣ - ١٤] ، ثُمَّ جَاءَ الْأَئِمَّةُ مِنَ الْقَرْنِ الرَّابِعِ الْمُفَضَّلِ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَعَائِشَةَ، وَعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵃ أَجْمَعِينَ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ : " «خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي» " الْحَدِيثَ، وَالْقَرْنُ أَهْلُ زَمَانٍ وَاحِدٍ مُتَقَارِبٍ اشْتَرَكُوا فِي أَمْرٍ مِنَ الْأُمُورِ الْمَقْصُودَةِ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَنْضَبِطُ بِمُدَّةٍ، فَقَرْنُهُ ﷺ هُمْ أَصْحَابُهُ، وَكَانَتْ مُدَّتُهُمْ مِنَ الْمَبْعَثِ إِلَى آخِرِ مَنْ مَاتَ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَهُوَ أَبُو الطُّفَيْلِ مِائَةً وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَقَرْنُ التَّابِعِينَ مِنْ نَحْوِ مِائَةٍ إِلَى سَبْعِينَ سَنَةً، وَقَرْنُ أَتْبَاعِ التَّابِعِينَ مِنْ ثَمَّ إِلَى حُدُودِ الْعِشْرِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَفِي هَذَا الْوَقْتِ ظَهَرَتِ الْبِدَعُ ظُهُورًا فَاشِيًا، وَأَطْلَقَتِ الْمُعْتَزِلَةُ أَلْسِنَتَهَا، وَأَظْهَرَتِ الْجَهْمِيَّةُ نِحْلَتَهَا، وَرَفَعَتِ الْفَلَاسِفَةُ رُءُوسَهَا، وَامْتُحِنَتْ أَئِمَّةُ الدِّينِ وَعُلَمَاءُ الْمُسْلِمِينَ، لِيَقُولُوا بِخَلْقِ الْقُرْآنِ، وَكَانَ الْمَقْصُودُ الْأَعْظَمُ مِنْهُمْ إِمَامَنَا الْإِمَامَ أَحْمَدَ، فَقَامَ بِأَمْرِ السُّنَّةِ أَتَمَّ قِيَامٍ، وَعَاضَدَهُ عَلَيْهَا أَئِمَّةٌ أَعْلَامٌ، وَحُفَّاظٌ لِلدِّينِ فِخَامٌ، شَكَرَ اللَّهُ سَعْيَهُمْ، وَثَبَّتَنَا عَلَى نَهْجِهِمْ، آمِينَ، وَظَهَرَ مِصْدَاقُ قَوْلِهِ ﷺ كَمَا فِي رِوَايَةِ: «ثُمَّ يَفْشُو الْكَذِبُ» ، قَالَ فِي النِّهَايَةِ: خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي - يَعْنِي الصَّحَابَةَ -، ثُمَّ التَّابِعِينَ، وَالْقَرْنُ أَهْلُ كُلِّ زَمَانٍ، وَهُوَ مِقْدَارُ التَّوَسُّطِ فِي أَعْمَارِ كُلِّ زَمَانٍ، مَأْخُوذٌ مِنْ الِاقْتِرَانِ، فَكَأَنَّهُ الْمِقْدَارُ الَّذِي يَقْتَرِنُ فِيهِ أَهْلُ ذَلِكَ الزَّمَانِ فِي أَعْمَارِهِمْ وَأَحْوَالِهِمْ، وَقِيلَ الْقَرْنُ أَرْبَعُونَ سَنَةً، وَقِيلَ مِائَةٌ، وَقِيلَ هُوَ مُطْلَقٌ مِنَ الزَّمَانِ، وَهُوَ مَصْدَرُ قَرَنَ يَقْرِنُ قَرْنًا. قَالَ الْحَافِظُ جَلَالُ الدِّينِ السُّيُوطِيُّ فِي الدُّرِّ الْمَنْثُورِ: الْقَرْنُ أَهْلُ كُلِّ زَمَانٍ، وَهُوَ الْمِقْدَارُ الَّذِي يَقْتَرِنُ فِيهِ أَهْلُ ذَلِكَ الزَّمَانِ فِي أَعْمَارِهِمْ وَأَحْوَالِهِمْ
стр. 843
[فَصْلٌ فِي ذِكْرِ كَرَامَاتِ الْأَوْلِيَاءِ وَإِثْبَاتِهَا]
وَهَذَا مِنَ الْعَقَائِدِ السُّنِّيَّةِ الَّتِي يَجِبُ فِي اعْتِقَادِهَا، وَلَا يَجُوزُ نَفْيُهَا وَإِهْمَالُهَا، وَلِهَذَا قَالَ:
((وَكُلُّ خَارِقٍ أَتَى عَنْ صَالِحٍ ... مِنْ تَابِعٍ لِشَرْعِنَا وَنَاصِحٍ))
((فَإِنَّهَا مِنَ الْكَرَامَاتِ الَّتِي ... بِهَا نَقُولُ فَاقْفُ لِلْأَدِلَّةِ))
((وَمَنْ نَفَاهَا مِنْ ذَوِي الضَّلَالِ ... فَقَدْ أَتَى فِي ذَاكَ بِالْمُحَالِ))
((فَإِنَّهَا شَهِيرَةٌ وَلَمْ تَزَلْ ... فِي كُلِّ عَصْرٍ يَا شَقَا أَهْلِ الزَّلَلْ))
((وَكُلُّ خَارِقٍ)) لِلْعَادَةِ مِنَ الْخَوَارِقِ، وَهِيَ سِتَّةُ أَنْوَاعٍ: (الْأَوَّلُ) الْمُعْجِزَةُ وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهَا، (الثَّانِي) الْإِرْهَاصُ وَهُوَ كُلُّ خَارِقٍ تَقَدَّمَ النُّبُوَّةَ فَهُوَ مُقَدِّمَةٌ لَهَا، فَالْمُعْجِزَةُ أَمْرٌ خَارِقٌ لِلْعَادَةِ مَقْرُونٌ بِدَعْوَى النُّبُوَّةِ، وَالْإِرْهَاصُ مُقَدِّمَةٌ لَهَا قَبْلَهَا كَقِصَّةِ أَصْحَابِ الْفِيلِ، (الثَّالِثُ) الْكَرَامَةُ وَهِيَ أَمْرٌ خَارِقٌ لِلْعَادَةِ غَيْرُ مَقْرُونٍ بِدَعْوَى النُّبُوَّةِ وَلَا هُوَ مُقَدِّمَةٌ، يَظْهَرُ عَلَى يَدِ عَبْدٍ ظَاهِرِ الصَّلَاحِ، مُلْتَزِمٍ لِمُتَابَعَةِ نَبِيٍّ كُلِّفَ بِشَرِيعَتِهِ مَصْحُوبٍ بِصَحِيحِ الِاعْتِقَادِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ، عَلِمَ بِهَا ذَلِكَ الْعَبْدُ الصَّالِحُ أَمْ لَمْ يَعْلَمْ، (الرَّابِعُ) الِاسْتِدْرَاجُ وَالْمَكْرُ، (الْخَامِسُ) الْمَعُونَةُ كَمَا يَظْهَرُ بِسَبَبِ بَعْضِ عَوَامِّ الْمُسْلِمِينَ وَضُعَفَاءِ أَهْلِ الدِّينِ تَخْلِيصًا لَهُمْ مِنَ الْمِحَنِ وَالْمَكَارِهِ، (السَّادِسُ) الْإِهَانَةُ وَالِاحْتِقَارُ كَمَا فَعَلَ مُسَيْلِمَةُ الْكَذَّابُ مِنْ مَسْحِهِ بِيَدِهِ عَلَى رَأْسِ غُلَامٍ فَانْقَرَعَ، وَمِنْ تَفْلِهِ فِي بِئْرٍ عَذْبَةٍ لِيَزْدَادَ حَلَاوَةً فَصَارَ مِلْحًا أُجَاجًا، وَمِنَ الْخَوَارِقِ الْفَاسِدَةِ السِّحْرُ وَالشَّعْوَذَةُ وَنَحْوُهُمَا.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْكَرَامَةَ لَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ أَمْرًا خَارِقًا لِلْعَادَةِ، ((أَتَى)) ذَلِكَ الْخَارِقُ ((عَنْ)) امْرِئٍ ((صَالِحٍ)) وَهُوَ الْوَلِيُّ الْعَارِفُ بِاللَّهِ وَصِفَاتِهِ حَسْبَ مَا يُمْكِنُ، الْمُوَاظِبُ عَلَى الطَّاعَاتِ الْمُجْتَنِبُ عَنِ الْمَعَاصِي، الْمُعْرِضُ عَنْ الِانْهِمَاكِ فِي اللَّذَّاتِ وَالشَّهَوَاتِ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى، وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ صُدُورُ ذَلِكَ الْخَارِقِ فِي زَمَانِنَا وَبَعْدَهُ وَقَبْلَهُ مُنْذُ بُعِثَ نَبِيُّنَا مُحَمَّدٌ ﷺ ((مِنْ)) إِنْسَانٍ ((تَابِعٍ لِشَرْعِنَا)) مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ، لِأَنَّ سَائِرَ الشَّرَائِعِ سِوَاهُ قَدْ نُسِخَتْ، وَأَنْ يَكُونَ الْخَارِقُ مِنْ قِبَلِ مَنْ ظَهَرَ عَلَى يَدَيْهِ غَيْرِ مُقَارِنٍ لِدَعْوَى النُّبُوَّةِ، فَمَا لَا يَكُونُ مَقْرُونًا بِالْإِيمَانِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ يَكُونُ اسْتِدْرَاجًا وَمَا
стр. 844
يَكُونُ مَقْرُونًا بِدَعْوَى النُّبُوَّةِ يَكُونُ مُعْجِزَةً كَمَا تَقَدَّمَ آنِفًا، وَلِاعْتِبَارِ كَوْنِ مَنْ صَدَرَتْ عَنْهُ الْخَوَارِقُ عَارِفًا مُطِيعًا ظَاهِرَ الصَّلَاحِ، مُتَابِعًا لِشَرِيعَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ أَشَارَ بِقَوْلِهِ ((وَنَاصِحٍ)) لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِشَرِيعَةِ النَّبِيِّ الَّتِي أَتَى بِهَا عَنِ اللَّهِ، وَنَاصِحٍ لِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَخَاصَّتِهِمْ وَعَامَّتِهِمْ، فَإِنَّ «الدِّينَ النَّصِيحَةُ» ، فَمَا يَصْدُرُ مِنَ الْخَوَارِقِ الْمُؤَكِّدَةِ لِكَذِبِ الْكَذَّابِينَ وَتُرَّهَاتِ الْمُفْتَرِينَ مِنْ قَبِيلِ الْمَكْرِ وَالِاسْتِدْرَاجِ وَالْمِحَنِ وَالِاعْوِجَاجِ، وَأَمَّا إِذَا صَدَرَتْ عَمَّنْ ذَكَرَ مِنَ الصَّالِحِ النَّاصِحِ الْمُتَابِعِ لِشَرْعِنَا الْقَوِيمِ وَدِينِنَا الْمُسْتَقِيمِ ((فَإِنَّهَا)) تَكُونُ ((مِنَ الْكَرَامَاتِ الَّتِي بِهَا)) أَيْ بِجَوَازِهَا وَوُقُوعِهَا ((نَقُولُ)) مَعْشَرَ أَهْلِ السُّنَّةِ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ.
قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ فِي نِهَايَةِ الْمُبْتَدِئِينَ: وَكَرَامَةُ الْأَوْلِيَاءِ حَقٌّ، وَأَنْكَرَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵁ عَلَى مَنْ أَنْكَرَهَا وَضَلَّلَهُ، وَقَالَ: وَتُوجَدُ فِي زَمَنِ النُّبُوَّةِ وَأَشْرَاطِ السَّاعَةِ وَغَيْرِهِمَا، وَلَا تَدُلُّ عَلَى صِدْقِ مَنْ ظَهَرَتْ عَلَى يَدِهِ فِيمَا يُخْبِرُ بِهِ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَا عَلَى وِلَايَتِهِ لِجَوَازِ سَلْبِهَا وَأَنْ تَكُونَ اسْتِدْرَاجًا لَهُ يَعْنِي أَنَّ مُجَرَّدَ الْخَارِقِ لَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، وَلِذَلِكَ قَالَ: وَلَا يُسَاكِنُهَا وَلَا يَقْطَعُ هُوَ بِكَرَامَتِهِ بِهَا وَلَا يَدَّعِيهَا، وَتَظْهَرُ بِلَا طَلَبِهِ تَشْرِيفًا لَهُ ظَاهِرًا، وَلَا يَعْلَمُ مَنْ ظَهَرَتْ مِنْهُ هُوَ أَوْ غَيْرُهُ أَنَّهُ وَلِيٌّ لِلَّهِ تَعَالَى غَالِبًا بِذَلِكَ، وَقِيلَ: بَلَى وَلَا يَلْزَمُ مِنْ صِحَّةِ الْكَرَامَاتِ وَوُجُودِهَا صِدْقُ مَنْ يَدَّعِيهَا بِدُونِ بَيِّنَةٍ أَوْ قَرَائِنَ حَالِيَّةٍ تُفِيدُ الْجَزْمَ بِذَلِكَ، وَإِنْ مَشَى هُوَ عَلَى الْمَاءِ وَفِي الْهَوَاءِ أَوْ سُخِّرَتْ لَهُ الْجِنُّ وَالسِّبَاعُ، حَتَّى تَنْظُرَ خَاتِمَتَهُ وَمُوَافَقَتَهُ لِلشَّرْعِ فِي الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ.
وَإِنْ وُجِدَ الْخَارِقُ مِنْ نَحْوِ جَاهِلٍ فَهُوَ مَخْرَقَةٌ وَمَكْرٌ مِنْ إِبْلِيسَ وَإِغْوَاءٌ وَإِضْلَالٌ، وَلَا شَيْءَ عَلَى مَنْ ظَنَّ الْخَيْرَ بِمَنْ يَرَاهُ مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ فِي الْبَاطِنِ شَيْطَانًا وَحُسْنُ الظَّنِّ بِأَهْلِ الدِّينِ وَالصَّلَاحِ حَسَنٌ ((فَاقْفُ)) فِي اعْتِقَادِكَ الصَّالِحِ وَنَهْجِكَ أَيِ اتَّبِعْ ((لِلْأَدِلَّةِ))
стр. 845
الشَّرْعِيَّةِ وَالْمُشَاهَدَاتِ الْحِسِّيَّةِ وَالْقَوَاطِعِ الْعَقْلِيَّةِ، فَإِنَّ كَرَامَاتِ الْأَوْلِيَاءِ ثَابِتَةٌ بِالْعِيَانِ وَالْبُرْهَانِ، أَمَّا أَوَّلًا فَإِنَّ وُجُودَهَا جَائِزٌ عَقْلًا وَاقِعٌ عِيَانًا وَشَرْعًا، فَإِنَّ حَمْلَ مَرْيَمَ بِلَا ذَكَرٍ، وَوُجُودَ الرِّزْقِ عِنْدَهَا بِلَا سَبَبٍ مِنْ فَاكِهَةِ الصَّيْفِ فِي الشِّتَاءِ وَفَاكِهَةِ الشِّتَاءِ فِي الصَّيْفِ مِنَ الْخَوَارِقِ، وَلَيْسَتَا بِمُعْجِزَتَيْنِ لِعَدَمِ شَرْطِ الْمُعْجِزَةِ وَهُوَ دَعْوَى النُّبُوَّةِ وَالتَّحَدِّي فَتَعَيَّنَ كَوْنُ ذَلِكَ كَرَامَةً لَهَا، وَأَيْضًا قِصَّةُ آصِفَ بْنَ بَرْخِيَا، فَإِنَّ إِحْضَارَهُ لِعَرْشِ بِلْقِيسَ فِي لَحْظَةٍ مِنْ مَسِيرَةِ شَهْرٍ خَارِقٌ لِلْعَادَةِ حَتْمًا، وَأَيْضًا قِصَّةُ أَصْحَابِ الْكَهْفِ فَإِنَّ بَقَاءَهُمْ ثَلَاثَمِائَةِ سَنَةٍ بِلَا آفَةٍ مِنْ أَعْظَمِ الْخَوَارِقِ.
وَثَانِيًا مَا تَوَاتَرَ مَعْنَاهُ وَإِنْ كَانَتْ تَفَاصِيلُهُ آحَادًا مِنْ كَرَامَاتِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ وَإِلَى وَقْتِنَا هَذَا مِمَّا ذَاعَ وَشَاعَ، وَمَلَأَ الْآفَاقَ وَالْأَسْمَاعَ، وَضَاقَتْ عَنْ إِحْصَائِهِ الدَّفَاتِرُ، وَشَهِدَتْ بِوُجُودِهِ الْأَكَابِرُ وَالْأَصَاغِرُ، وَلَا يُنْكِرُهُ إِلَّا مُعَانِدٌ وَمُكَابِرٌ، فَلَا جَرَمَ فَهُوَ الْحَقُّ الصُّرَاحُ الرَّادِعُ لِأَهْلِ الْإِنْكَارِ وَالْكِفَاحِ.
وَهُوَ مَعَ كَوْنِهِ كَرَامَةً لِمَنْ ظَهَرَتْ عَلَى يَدَيْهِ غَالِبًا، فَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى صِحَّةِ نُبُوَّةِ مَتْبُوعِ مَنْ ظَهَرَتْ عَلَى يَدَيْهِ وَحَقِّيَّةِ دِينِهِ وَاسْتِقَامَةِ نَهْجِهِ، وَمِنْ ثَمَّ قُلْنَا ((وَمَنْ)) أَيْ أَيُّ إِنْسَانٍ كَائِنًا مَنْ كَانَ ((نَفَاهَا)) أَيْ كَرَامَاتِ الْأَوْلِيَاءِ، فَلَمْ يَقُلْ بِجَوَازِهَا فَضْلًا عَنْ وُقُوعِهَا ((مِنْ ذَوِي)) أَيْ أَصْحَابِ ((الضَّلَالِ)) وَالزَّيْغِ عَنْ نَهْجِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالِاعْتِزَالِ، وَكَذَا مَنْ نَحَا نَحْوَهُمْ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ كَالْأُسْتَاذِ أَبِي إِسْحَاقَ الْإِسْفَرَايِنِيِّ، وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْحَلِيمِيِّ مِنَ الْأَشَاعِرَةِ، ((فَقَدْ أَتَى فِي ذَاكَ)) النَّفْيِ وَعَدَمِ التَّجْوِيزِ لَهَا ((بِالْمُحَالِ)) الْمُنَابِذِ لِلْبُرْهَانِ وَالْعِيَانِ وَثُبُوتِهَا فِي السُّنَنِ الْمُتَوَاتِرَةِ وَمُحْكَمِ الْقُرْآنِ، فَمَعَ هَذِهِ الْأَدِلَّةِ الْمُتَوَاتِرَةِ وَالْوَقَائِعِ الْمُتَكَاثِرَةِ، فَالْإِنْكَارُ لَهَا مُكَابَرَةٌ غَيْرُ مَنْظُورٍ إِلَيْهِ وَلَا مُعَوَّلٍ عَلَيْهِ، وَزَعْمُهُمْ أَنَّ الْخَوَارِقَ لَوْ جَازَ ظُهُورُهَا مِنَ الْأَوْلِيَاءِ لَالْتَبَسَ النَّبِيُّ بِغَيْرِهِ، إِذِ الْفَرْقُ مَا بَيْنَهُمَا إِنَّمَا هُوَ بِالْمُعْجِزَةِ، وَبِأَنَّهَا لَوْ ظَهَرَتْ لَكَثُرَتْ لِكَثْرَةِ الْأَوْلِيَاءِ وَخَرَجَتْ عَنْ كَوْنِهَا خَارِقَةً لِلْعَادَةِ وَالْغَرَضُ كَوْنُهَا خَارِقًا، فَإِذَا خَرَجَتْ عَنْ كَوْنِهَا لِكَثْرَتِهَا نَافَتِ الْمَقْصُودَ وَخَالَفَتْهُ، وَلِكَوْنِهَا لَوْ ظَهَرَتْ لَا لِغَرَضِ التَّصْدِيقِ لَانْسَدَّ بَابُ إِثْبَاتِ النُّبُوَّةِ بِالْمُعْجِزَةِ، لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ مَا يَظْهَرُ مِنَ النَّبِيِّ لِغَرَضٍ آخَرَ غَيْرِ التَّصْدِيقِ، وَبِأَنَّ مُشَارَكَةَ الْأَوْلِيَاءِ لِلْأَنْبِيَاءِ فِي ظُهُورِ
стр. 846
الْخَوَارِقِ يُخِلُّ بِعَظِيمِ قَدْرِ الْأَنْبِيَاءِ وَوَقْعِهِمْ فِي النُّفُوسِ، بَاطِلُ الْمَأْخَذِ غَيْرُ صَالِحٍ لِلتَّمَسُّكِ بِهِ وَالتَّعْوِيلِ عَلَيْهِ، وَالِالْتِفَاتِ لَهُ وَالْمَصِيرِ إِلَيْهِ، حَتَّى وَلَوْ لَمْ تَكُنِ الْأَدِلَّةُ بِكَرَامَةِ الْأَوْلِيَاءِ طَافِحَةً وَالْعِيَانُ وَالْبَيَانُ وَالْبَرَاهِينُ بِهَا وَاضِحَةً، فَكَيْفَ وَالْأَدِلَّةُ الْقُرْآنِيَّةُ وَالسُّنَنُ النَّبَوِيَّةُ وَالْآثَارُ السَّلَفِيَّةُ وَالْمُشَاهَدَاتُ الْعِيَانِيَّةُ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُحْصَى وَأَجَلُّ وَأَعْظَمُ مِنْ أَنْ تُسْتَقْصَى؟
وَلِهَذَا قَالَ مُعَلِّلًا لِمَا ارْتَكَبُوهُ فِي نَفْيِهَا مِنَ الْمُحَالِ: ((لِأَنَّهَا)) أَيْ كَرَامَاتِ الْأَوْلِيَاءِ كَثِيرَةٌ ((شَهِيرَةٌ)) لِلْعِيَانِ ثَابِتَةٌ بِالْبُرْهَانِ، ((وَلَمْ تَزَلْ)) تَظْهَرُ عَلَى يَدِ الْأَوْلِيَاءِ الصَّالِحِينَ وَأَهْلِ التَّحْقِيقِ الْعَارِفِينَ ((فِي كُلِّ عَصْرٍ)) مَنِ الْأَعْصَارِ الْمَاضِيَةِ وَإِلَى الْآنِ، وَالْعَصْرُ مُثَلَّثَةٌ وَبِضَمَّتَيْنِ الدَّهْرُ وَيُجْمَعُ عَلَى أَعْصَارٍ وَعُصُورٍ وَأَعْصُرٍ وَعُصُرٍ وَيُطْلَقُ عَلَى الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ وَالْعَشِيِّ إِلَى احْمِرَارِ الشَّمْسِ، وَذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ حِكَايَةِ قِصَّةِ مَرْيَمَ وَعَرْشِ بِلْقِيسَ وَقِصَّةِ أَصْحَابِ الْكَهْفِ وَالْمَشْيِ عَلَى الْمَاءِ كَمَا نُقِلَ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الْأَوْلِيَاءِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ، كَمَا فِي قِصَّةِ الْعَلَاءِ بْنِ الْحَضْرَمِيِّ مِنَ الصَّحَابَةِ ﵃ أَجْمَعِينَ -، فَإِنَّهُ لَمَّا ذَهَبَ إِلَى الْبَحْرَيْنِ سَلَكُوا مَفَازَةً وَعَطِشُوا عَطَشًا شَدِيدًا حَتَّى خَافُوا الْهَلَاكَ، فَنَزَلَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: يَا حَلِيمُ يَا عَلِيمُ يَا عَلِيُّ يَا عَظِيمُ اسْقِنَا، فَجَاءَتْ سَحَابَةٌ فَأَمْطَرَتْ حَتَّى مَلَئُوا الْآنِيَةَ وَسَقَوُا الرِّكَابَ، ثُمَّ انْطَلَقُوا إِلَى خَلِيجٍ مِنَ الْبَحْرِ مَا خِيضَ قَبْلَ ذَلِكَ الْيَوْمِ فَلَمْ يَجِدُوا سُفُنًا، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ قَالَ: يَا حَلِيمُ يَا عَلِيمُ يَا عَلِيُّ يَا عَظِيمُ أَجِزْنَا، ثُمَّ أَخَذَ بِعِنَانِ فَرَسِهِ، ثُمَّ قَالَ: جُوزُوا بِاسْمِ اللَّهِ، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَمَشَيْنَا عَلَى الْمَاءِ فَوَاللَّهِ مَا ابْتَلَّ لَنَا قَدَمٌ وَلَا خُفٌّ وَلَا حَافِرٌ وَكَانَ الْجَيْشُ أَرْبَعَةَ آلَافٍ.
وَالطَّيَرَانُ فِي الْهَوَاءِ كَمَا فِي قِصَّةِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ذِي الْجَنَاحَيْنِ ﵁، وَقِصَّةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ وَرُؤْيَتِهِ لِجَيْشِ سَارِيَةَ وَهُوَ عَلَى مِنْبَرٍ بِالْمَدِينَةِ بِنَهَاوَنْدَ فَنَادَى وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ لِأَمِيرِ الْجَيْشِ سَارِيَةَ، فَقَالَ: يَا سَارِيَةُ الْجَبَلَ. تَحْذِيرًا لَهُ مِنَ الْعَدُوِّ وَمَكْرِهِمْ لَهُ مِنْ وَرَاءِ الْجَبَلِ، وَسَمَاعِ سَارِيَةَ مَعَ بُعْدِ الْمَسَافَةِ، وَكَشُرْبِ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ ﵁ السُّمَّ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَحْصُلَ لَهُ تَضَرُّرٌ، وَكَجَرَيَانِ النِّيلِ بِكِتَابِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁، وَأَمْثَالِ ذَلِكَ مِنْ كَرَامَاتِ الصَّحَابَةِ ﵃ مِمَّا لَا يُحْصَى إِلَّا بِكُلْفَةِ، وَكَذَلِكَ
стр. 847
كَرَامَاتُ التَّابِعِينَ لَهُمْ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مَا هُوَ طَافِحٌ وَمَشْهُورٌ، لَا يُمْكِنُ رَدُّهُ وَإِنْكَارُهُ فِي غَلَبَةِ الْبَيَانِ وَالظُّهُورِ.
وَلِذَا قَالَ لِمَنِ انْتَحَلَ الْمُحَالَ ((يَا شَقَا أَهْلِ الزَّلَلِ)) بِمَا ارْتَكَبُوهُ، وَيَا خَسَارَتَهُمْ لِمَا انْتَحَلُوا مِنْ رَدِّ الْمَحْسُوسِ وَتَكْذِيبِهِمْ لِلْبُرْهَانِ بِوَسَاوِسِ النُّفُوسِ، وَمُكَابَرَتِهِمْ لِإِنْكَارِ الْعِيَانِ بِمُجَرَّدِ الْوَهْمِ وَالْهَوَسِ، وَقَدْ قَالَ عُلَمَاؤُنَا: إِنَّ كَرَامَةَ الْوَلِيِّ وَظُهُورَ الْخَارِقِ عَلَى يَدِهِ مِنْ (حَيْثُ) كَوْنُهُ مِنْ آحَادِ الْأُمَّةِ مُعْجِزَةً لِلرَّسُولِ الَّذِي ظَهَرَتْ هَذِهِ الْكَرَامَةُ لِوَاحِدٍ مِنْ أُمَّتِهِ، لِأَنَّهُ يَظْهَرُ بِتِلْكَ الْكَرَامَةِ أَنَّهُ وَلِيٌّ وَلَنْ يَكُونَ وَلِيًّا إِلَّا بِكَوْنِهِ مُحِقًّا فِي دِيَانَتِهِ، وَدِيَانَتُهُ هِيَ الْإِقْرَارُ بِالْقَلْبِ وَاللِّسَانِ وَالِانْقِيَادُ بِالْجَوَارِحِ وَالْأَرْكَانِ لِمَا جَاءَ بِهِ نَبِيُّهُ الْمَتْبُوعُ وَرَسُولُهُ الَّذِي عَلَيْهِ الْمُعَوَّلُ وَإِلَى مَا جَاءَ بِهِ الرُّجُوعُ، وَالطَّاعَةُ لِأَوَامِرِهِ وَالِانْتِهَاءُ عَنْ زَوَاجِرِهِ فِي السِّرِّ وَالْإِعْلَانِ، حَتَّى لَوِ ادَّعَى هَذَا الَّذِي ظَهَرَتْ عَلَى يَدِهِ الْكَرَامَةُ الِاسْتِقْلَالَ بِنَفْسِهِ وَعَدَمَ الْمُتَابَعَةِ لَمْ يَكُنْ وَلِيًّا وَلَمْ يَظْهَرِ الْخَارِقُ عَلَى يَدِهِ، وَلَوْ فُرِضَ ظُهُورُهُ فَهُوَ حِينَئِذٍ مِنْ قَبِيلِ الِاسْتِدْرَاجِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْأَمْرَ الْخَارِقَ لِلْعَادَةِ فَهُوَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى النَّبِيِّ مُعْجِزَةٌ سَوَاءٌ ظَهَرَ مِنْ قِبَلِهِ أَوْ مِنْ قِبَلِ آحَادِ أُمَّتِهِ، وَهُوَ بِالنِّسْبَةِ لِلْوَلِيِّ كَرَامَةٌ لِخُلُوِّهِ عَنْ دَعْوَى نُبُوَّةِ مَنْ ظَهَرَ ذَلِكَ مِنْ قِبَلِهِ، فَالنَّبِيُّ لَا بُدَّ مِنْ عِلْمِهِ بِكَوْنِهِ نَبِيًّا، وَمِنْ قَصْدِ إِظْهَارِ خَوَارِقِ الْعَادَاتِ وَظُهُورِ الْمُعْجِزَاتِ، وَأَمَّا الْوَلِيُّ فَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَعْلَمَ بِوِلَايَتِهِ وَيَسْتُرَ كَرَامَتَهُ وَيُسِرَّهَا، وَيَجْتَهِدَ عَلَى إِخْفَاءِ أَمْرِهِ كَمَا تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَى ذَلِكَ كُلِّهِ.
(تَنْبِيهَاتٌ)
(الْأَوَّلُ) وَافَقَ أَبُو الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيُّ الْمُعْتَزِلِيُّ وَمَنْ نَحَا مَنْحَاهُ أَهْلَ السُّنَّةِ فِي جَوَازِ كَرَامَاتِ الْأَوْلِيَاءِ وَوُقُوعِهَا.
(الثَّانِي) يَجُوزُ فِي الْكَرَامَاتِ أَنْ تَقَعَ بِسَائِرِ وُجُوهِ خَوَارِقِ الْعَادَاتِ عَلَى اخْتِلَافِ أَنْوَاعِهَا، وَلَوْ كَقَلْبِ الْعَصَا حَيَّةً وَكَوُجُودِ وَلَدٍ مِنْ غَيْرِ أَبٍ، لَا بِمِثْلِ مَا اخْتُصَّ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ مِثْلَ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ الَّذِي هُوَ أَعْظَمُ الْمُعْجِزَاتِ وَأَخَصُّ الْآيَاتِ. وَقَالَ قَوْمٌ: الْكَرَامَاتُ تُخْتَصُّ بِمِثْلِ إِجَابَةِ الدُّعَاءِ وَنَحْوِهِ. قَالَ الْإِمَامُ النَّوَوِيُّ: وَهَذَا غَلَطٌ مِنْ قَائِلِهِ، وَإِنْكَارٌ لِلْحِسِّ بَلِ الصَّوَابُ جَرَيَانُهَا حَتَّى فِي قَلْبِ الْأَعْيَانِ.
(الثَّالِثُ) الْوِلَايَةُ مَوْهِبَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى غَيْرُ مُكْتَسَبَةٍ وَلَا يَصِلُ الْوَلِيُّ مَا دَامَ
стр. 848
عَاقِلًا بَالِغًا إِلَى مَرْتَبَةِ سُقُوطِ التَّكْلِيفِ عَنْهُ بِالْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي، وَمَنْ زَعَمَ ذَلِكَ فَهُوَ إِلْحَادٌ وَزَنْدَقَةٌ، وَمِنَ الزَّنْدَقَةِ مَا زَعَمَهُ مَنْ زَعَمَهُ مِنْ بَعْضِ الْكَرَّامِيَّةِ وَمَنْ نَحَا نَحْوَهُمْ مِنْ أَنَّ الْوَلِيَّ قَدْ يَبْلُغُ دَرَجَةَ النَّبِيِّ بَلْ أَعْلَى، وَقَدَّمْنَا الْكَلَامَ فِي تَزْيِيفِ هَذَا الْمَقَامِ بِمَا يَحْصُلُ بِهِ الْمَرَامُ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْإِنْعَامِ.
(الرَّابِعُ) قَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ لِلْوَلِيِّ أَرْبَعَةُ شُرُوطٍ: (أَحَدُهَا) أَنْ يَكُونَ عَارِفًا بِأُصُولِ الدِّينِ حَتَّى يُفَرِّقَ بَيْنَ الْخَلْقِ وَالْخَالِقِ، وَبَيْنَ النَّبِيِّ وَالْمُتَنَبِّي. (الثَّانِي) أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِأَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ نَقْلًا وَفَهْمًا، لِيَكْتَفِيَ بِنَظَرِهِ عَنِ التَّقْلِيدِ فِي الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ كَمَا اكْتَفَى عَنْ ذَلِكَ فِي أُصُولِ التَّوْحِيدِ، فَلَوْ أَذْهَبَ اللَّهُ تَعَالَى عُلَمَاءَ أَهْلِ الْأَرْضِ لَوُجِدَ عِنْدَهُ مَا كَانَ عِنْدَهُمْ وَلَأَقَامَ قَوَاعِدَ الْإِسْلَامِ مِنْ أَوَّلِهَا إِلَى آخِرِهَا، (قُلْتُ) وَهَذَا غَيْرُ مُعْتَبَرٍ وَلَا مُشْتَرَطٍ فِي مُطْلَقِ الْوَلِيِّ مِنْ غَيْرِ تَرَدُّدٍ، نَعَمْ يُعْتَبَرُ هَذَا فِي الْمُجْتَهِدِ دُونَ مُطْلَقِ الْوَلِيِّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (الثَّالِثُ) أَنْ يَتَخَلَّقَ بِالْأَخْلَاقِ الْمَحْمُودَةِ الَّتِي دَلَّ عَلَيْهَا الشَّرْعُ وَالْعَقْلُ مِنَ الْوَرَعِ عَنِ الْمُحَرَّمَاتِ، بَلْ وَالْمَكْرُوهَاتِ وَامْتِثَالِ الْمَأْمُورَاتِ وَإِخْلَاصِ الْعَمَلِ وَحُسْنِ الْمُتَابَعَةِ وَالِاقْتِدَاءِ. (الرَّابِعُ) أَنْ يُلَازِمَهُ الْخَوْفُ أَبَدًا، وَاحْتِقَارُ النَّفْسِ سَرْمَدًا، وَأَنْ يَنْظُرَ إِلَى الْخَلْقِ بِعَيْنِ الرَّحْمَةِ وَالنَّصِيحَةِ، وَأَنْ يُبْذَلَ جُهْدَهُ فِي مُرَاقَبَةِ مَحَاسِنِ الشَّرِيعَةِ، وَمُطَالَعَةِ عُيُوبِ النَّفْسِ وَآفَاتِهَا، وَالْخَوْفِ بِمُلَاحَظَةِ السَّابِقَةِ وَالْخَاتِمَةِ، وَيَجْمَعُ ذَلِكَ كُلَّهُ وَيَزِيدُ عَلَيْهِ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ - الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ - لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [يونس: ٦٢ - ٦٤] وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
стр. 849
[فَصْلٌ فِي الْمُفَاضَلَةِ بَيْنَ الْبَشَرِ وَالْمَلَائِكَةِ]
(فَصْلٌ)
فِي الْمُفَاضَلَةِ بَيْنَ الْبَشَرِ وَالْمَلَائِكَةِ، وَهِيَ مَسْأَلَةٌ عَظِيمَةٌ قَدْ كَثُرَ فِيهَا الِاخْتِلَافُ، وَتَشَعَّبَتْ فِيهَا الْأَقْوَالُ، وَعَظُمَتْ فِيهَا الْمِحَنُ وَالْجِدَالُ، وَلِكَثْرَةِ الْخِلَافِ فِيهَا وَتَبَايُنِ أَقْوَالِ الْأَئِمَّةِ مِنَ الْمُتَكَلِّمِينَ وَغَيْرِهِمْ فِي تَفَاصِيلِهَا قُلْنَا فِي النَّظْمِ
((وَعِنْدَنَا تَفْضِيلُ أَعْيَانِ الْبَشَرْ ... عَلَى مَلَاكِ رَبِّنَا كَمَا اشْتُهِرْ))
((قَالَ وَمَنْ قَالَ سِوَى هَذَا افْتَرَى ... وَقَدْ تَعَدَّى فِي الْمَقَالِ وَاجْتَرَى))
((وَعِنْدَنَا)) مَعْشَرَ أَهْلِ السُّنَّةِ خُصُوصًا أَهْلُ الْأَثَرِ وَسَلَفُ الْأُمَّةِ وَكِبَارُ الْأَئِمَّةِ فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ وَيَعْتَقِدُونَ ((تَفْضِيلَ أَعْيَانِ الْبَشَرِ)) مُحَرَّكَةً الْإِنْسَانُ ذَكَرٌ أَوْ أُنْثَى، وَيُطْلَقُ الْبَشَرُ عَلَى الْوَاحِدِ وَالْجَمْعِ، وَقَدْ يُثَنَّى وَيُجْمَعُ أَبْشَارًا وَالْمُرَادُ بِأَعْيَانِهِمُ الْأَنْبِيَاءُ - عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَالْأَوْلِيَاءُ، فَالْأَنْبِيَاءُ أَفْضَلُ مِنَ الْأَوْلِيَاءِ، وَهُمَا أَفْضَلُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، وَقِيلَ: كُلُّ صَالِحٍ أَفْضَلُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ.
قَالَ الْإِمَامُ أَبُو الْوَفَا بْنُ عَقِيلٍ: الصَّحِيحُ تَفْضِيلُ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ عَلَى الْمَلَائِكَةِ، وَالْمَلَائِكَةُ أَفْضَلُ مِنَ الْفَسَقَةِ. وَقَالَ تَارَةً: الْأَنْبِيَاءُ أَفْضَلُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، وَجِبْرِيلُ وَإِسْرَافِيلُ وَمِيكَائِيلُ أَفْضَلُ مِنَ الْأَوْلِيَاءِ. وَقَالَ سَيِّدُنَا الْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵁: بَنُو آدَمَ أَفْضَلُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ. وَلِذَا قُلْنَا ((عَلَى مَلَاكِ رَبِّنَا)) تَبَارَكَ وَتَعَالَى
стр. 850
((كَمَا اشْتُهِرَ)) ذَلِكَ مِنْ نُصُوصِ إِمَامِنَا الْإِمَامِ أَحْمَدَ ﵁، وَالْمَلَاكُ هُوَ الْمَلَكُ وَجَمْعُهُ مَلَائِكَةٌ، وَحُذِفَتْ هَمْزَةُ مَلَاكٍ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ وَأَصْلُ وَزْنِهِ مَفْعَلٌ فَقِيلَ مَلَكٌ، وَقَدْ تُحْذَفُ الْهَاءُ مِنَ الْجَمِيعِ فَيُقَالُ مَلَائِكٌ، وَأَصْلُهُ مَأْلُكٌ بِتَقْدِيمِ الْهَمْزَةِ مِنَ الْأُلُوكَةِ وَهِيَ الرِّسَالَةُ ثُمَّ تَقَدَّمَتِ اللَّامُ عَلَى الْهَمْزَةِ فِي الْجَمْعِ كَمَا فِي النِّهَايَةِ وَغَيْرِهَا، ((قَالَ)) إِمَامُنَا الْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵁ ((وَمَنْ)) أَيُّ إِنْسَانٍ ((قَالَ)) بِلِسَانِهِ أَوِ اعْتَقَدَ بِجَنَانِهِ ((سِوَى هَذَا)) أَيْ غَيْرَ الْقَوْلِ بِتَفْضِيلِ بَنِي آدَمَ عَلَى الْمَلَائِكَةِ ((افْتَرَى)) أَيْ أَتَى بِكَلَامٍ خَطَأٍ يُشْعِرُ بِالِافْتِرَاءِ، ((وَقَدْ تَعَدَّى)) أَيْ تَجَاوَزَ الْحَدَّ الْمَنْقُولَ وَالثَّابِتَ عَنِ الرَّسُولِ وَالسَّلَفِ الْفُحُولِ ((فِي الْمَقَالِ)) الَّذِي اعْتَمَدَهُ، ((وَاجْتَرَى)) أَيِ افْتَاتَ عَلَى الشَّارِعِ بِالِاعْتِقَادِ الَّذِي اعْتَقَدَهُ، وَلَفْظُ النَّصِّ: يُخْطِئُ مَنْ فَضَّلَ الْمَلَائِكَةَ.
وَقِيلَ: كُلُّ مُؤْمِنٍ أَفْضَلُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ. قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ فِي نِهَايَةِ الْمُبْتَدِئِينَ وَقَالَ الْإِمَامُ الْعَلَّامَةُ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ جَعْفَرٍ الْمَشْهُورُ بِغُلَامِ الْخَلَّالِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: مَنْ كَانَ خَيْرُهُ أَكْثَرُ مِنْ شَرِّهِ فَهُوَ خَيْرٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، وَمَنْ كَانَ شَرُّهُ أَكْثَرُ مِنْ خَيْرِهِ فَالْبَهَائِمُ خَيْرٌ مِنْهُ. وَقِيلَ: مَنْ غَلَبَ عَقْلُهُ عَلَى شَهْوَتِهِ فَهُوَ خَيْرٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، وَمَنْ غَلَبَتْ شَهْوَتُهُ عَلَى عَقْلِهِ فَالْبَهَائِمُ خَيْرٌ مِنْهُ. هَذَا مُحَصَّلُ قَوْلِ جُلِّ أَصْحَابِنَا. وَقَالَ الْإِمَامُ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي كِتَابِهِ بَدَائِعِ الْفَوَائِدِ: سُئِلَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ - رَوَّحَ اللَّهُ رُوحَهُ - عَنْ صَالِحِي بَنِي آدَمَ وَالْمَلَائِكَةِ أَيُّهُمَا أَفْضَلُ؟ فَأَجَابَ بِأَنَّ صَالِحِي الْبَشَرِ أَفْضَلُ بِاعْتِبَارِ كَمَالِ النِّهَايَةِ، وَالْمَلَائِكَةُ أَفْضَلُ بِاعْتِبَارِ الْبِدَايَةِ، فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ الْآنَ فِي الرَّفِيقِ الْأَعْلَى مُنَزَّهُونَ عَمَّا يُلَابِسُهُ بَنُو آدَمَ مُسْتَغْرِقُونَ فِي عِبَادَةِ الرَّبِّ، وَلَا رَيْبَ أَنَّ هَذِهِ الْأَحْوَالَ الْآنَ أَكْمَلُ مِنْ أَحْوَالِ الْبَشَرِ، وَأَمَّا يَوْمُ الْقِيَامَةِ بَعْدَ دُخُولِ الْجَنَّةِ فَتَصِيرُ حَالُ صَالِحِي الْبَشَرِ أَكْمَلُ مِنْ حَالِ الْمَلَائِكَةِ، قَالَ: وَبِهَذَا التَّفْصِيلِ يَتَبَيَّنُ سِرُّ التَّفْضِيلِ وَتَتَّفِقُ أَدِلَّةُ الْفَرِيقَيْنِ وَيُصَالِحُ كُلٌّ مِنْهُمْ عَلَى حَقِّهِ.
قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: فَعَلَى الْمُتَكَلِّمِ فِي هَذَا الْبَابِ - يَعْنِي بَابَ التَّفَاضُلِ بَيْنَ الْأَشْيَاءِ - أَنْ يَعْرِفَ أَسْبَابَ الْفَضْلِ أَوَّلًا، ثُمَّ دَرَجَاتِهَا وَنِسْبَةَ بَعْضِهَا إِلَى بَعْضٍ وَالْمُوَازَنَةَ بَيْنَهَا ثَانِيًا، ثُمَّ نِسْبَتَهَا إِلَى مَنْ قَامَتْ بِهِ كَثْرَةٌ وَقُوَّةٌ ثَالِثًا، ثُمَّ اعْتِبَارُ تَفَاوُتِهَا بِتَفَاوُتِ مَحَلِّهَا رَابِعًا، فَرُبَّ صِفَةٍ هِيَ كَمَالٌ لِشَخْصٍ وَلَيْسَتْ كَمَالًا لِغَيْرِهِ بَلْ كَمَالُ غَيْرِهِ بِسِوَاهَا، فَكَمَالُ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ لِشَجَاعَتِهِ وَحُرُوبِهِ، وَكَمَالُ ابْنِ
стр. 851
عَبَّاسٍ بِفِقْهِهِ وَعِلْمِهِ، وَكَمَالُ أَبِي ذَرٍّ بِزُهْدِهِ وَتَجَرُّدِهِ عَنِ الدُّنْيَا، قَالَ: فَهَذِهِ أَرْبَعُ مَقَامَاتٍ يَضْطَرُّ إِلَيْهَا الْمُتَكَلِّمُ فِي دَرَجَاتِ التَّفْضِيلِ، وَتَفْضِيلُ الْأَنْوَاعِ أَسْهَلُ مِنْ تَفْضِيلِ الْأَشْخَاصِ عَلَى الْأَشْخَاصِ وَأَبْعَدُ مِنَ الْهَوَى وَالْغَرَضِ. انْتَهَى مُلَخَّصًا.
تَنْبِيهَاتٌ
(الْأَوَّلُ) قَدْ عَلِمْتَ أَنَّ هُنَا ثَلَاثَ صُوَرٍ: (الْأُولَى) التَّفْضِيلُ بَيْنَ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمَلَائِكَةِ، وَفِي هَذِهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: (أَحَدُهَا) الْأَنْبِيَاءُ أَفْضَلُ وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ أَهْلِ الْحَقِّ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَهُوَ الصَّوَابُ. (الثَّانِي) الْمَلَائِكَةُ أَفْضَلُ وَهُوَ قَوْلُ الْمُعْتَزِلَةِ، وَاخْتَارَهُ مِنَ الْأَشَاعِرَةِ أَبُو إِسْحَاقَ الْإِسْفَرَايِنِيُّ، وَأَبُو بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيُّ، وَالْحَاكِمُ، وَالْحَلِيمِيُّ، وَفَخْرُ الدِّينِ فِي الْمَعَالِمِ وَأَبُو شَامَةَ، وَاخْتَارَ فَخْرُ الدِّينِ الْأَوَّلَ فِي الْأَرْبَعِينَ وَفِي الْمُحَصِّلِ. (الثَّالِثُ) الْوَقْفُ عَنِ الْقَوْلِ بِالتَّفْضِيلِ لِأَحَدِ النَّوْعَيْنِ عَنِ الْآخَرِ، وَمَحَلُّ الْخِلَافِ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ فِي غَيْرِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ ، أَمَّا هُوَ فَأَفْضَلُ الْخَلْقِ بِلَا خِلَافٍ لَا يُفَضَّلُ عَلَيْهِ مَلَكٌ مُقَرَّبٌ وَلَا غَيْرُهُ كَمَا ذَكَرَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِمَّنْ حَكَى الْخِلَافَ كَالسُّيُوطِيِّ فِي الْحَبَائِكِ، وَالتَّاجِ السُّبْكِيِّ فِي مَنْعِ الْمَوَانِعِ، وَالسِّرَاجِ الْبَلْقِينِيِّ فِي مَنْهَجِ الْأَصْلَيْنِ، وَبَدْرِ الدِّينِ الزَّرْكَشِيِّ، وَنَقَلَ فَخْرُ الدِّينِ الرَّازِيُّ الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ وَكَأَنَّهُ أَرَادَ إِجْمَاعَ أَهْلِ السُّنَّةِ.
(الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ) التَّفَاضُلُ بَيْنَ خَوَاصِّ الْمَلَائِكَةِ وَأَوْلِيَاءِ الْبَشَرِ، وَهُمْ مَنْ عَدَا الْأَنْبِيَاءِ، وَهَذِهِ الصُّورَةُ زَعَمَ بَعْضُهُمْ نَفِيَ الْخِلَافِ بِأَنَّ خَوَاصَّ الْمَلَائِكَةِ أَفْضَلُ، وَنَقَلَ السَّعْدُ التَّفْتَازَانِيُّ فِي شَرْحِ عَقَائِدِ النَّسَفِيِّ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ خَوَاصَّ الْمَلَائِكَةِ أَفْضَلُ مِنْ أَوْلِيَاءِ الْبَشَرِ بَعْدَ الرُّسُلِ وَالْأَنْبِيَاءِ، وَهَذَا مَرْدُودٌ وَمَدْخُولٌ، فَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ مُعْتَمَدَ الْقَوْلِ عِنْدَ عُلَمَائِنَا وَمَنْ وَافَقَهُمْ أَنَّ الْأَوْلِيَاءَ أَفْضَلُ مِنْ خَوَاصِّ الْمَلَائِكَةِ، نَعَمِ ابْنُ عَقِيلٍ خَالَفَهُمْ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: خَوَاصُّ الْمَلَائِكَةِ مِنْ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ وَعِزْرَائِيلَ مَلَكِ الْمَوْتِ أَفْضَلُ مِنَ الْأَوْلِيَاءِ، وَقَالَ: فِي الْقَوْلِ بِخِلَافِ هَذَا شَنَاعَةٌ عَظِيمَةٌ عَلَى قَائِلِهِ. كَذَا قَالَ مَعَ أَنَّهُ هُوَ نَفْسُهُ صَرَّحَ بِأَنَّ الْأَنْبِيَاءَ وَالْأَوْلِيَاءَ أَفْضَلُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَصَحَّحَ ذَلِكَ.
(الصُّورَةُ الثَّالِثَةُ) التَّفْضِيلُ بَيْنَ أَوْلِيَاءَ الْبَشَرِ وَغَيْرِ الْخَوَاصِّ مِنَ الْمَلَائِكَةِ
стр. 852
وَفِي هَذَا قَوْلَانِ: (أَحَدُهُمَا) تَفْضِيلُ جَمِيعِ الْمَلَائِكَةِ عَلَى أَوْلِيَاءِ الْبَشَرِ، وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ السُّبْكِيِّ فِي جَمْعِ الْجَوَامِعِ، وَذَكَرَ الْبَلْقِينِيُّ فِي مَنْهَجِهِ أَنَّهُ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، وَالثَّانِي تَفْضِيلُ أَوْلِيَاءِ الْبَشَرِ عَلَى الْمَلَائِكَةِ، وَجَزَمَ بِهِ الصَّفَّارُ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَهُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدَهُمْ، وَمَالَ الْبَلْقِينِيُّ إِلَى بَعْضِهِ، وَهُوَ أَنَّهُ قَدْ يُوجَدُ مِنْ أَوْلِيَاءَ الْبَشَرِ مَنْ هُوَ أَفْضَلُ مِنْ غَيْرِ الْخَوَاصِّ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، وَقَالَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ: إِنَّ الرُّسُلَ مِنَ الْبَشَرِ أَفْضَلُ مِنَ الرُّسُلِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، وَالْأَوْلِيَاءُ مِنَ الْبَشَرِ أَفْضَلُ مِنَ الْأَوْلِيَاءِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى أَنَّ الْمَلَأَ الْأَعْلَى مُفَضَّلُونَ عَلَى سُكَّانِ الْأَرْضِ، وَفَصَّلَ جَمَاعَةٌ مِنْ مُحَقِّقِي الْمَاتُرِيدِيَّةِ وَمَنْ وَافَقَهُمْ فَقَالُوا: رُسُلُ الْبَشَرِ كَمُوسَى ﵊ أَفْضَلُ مِنْ رُسُلِ الْمَلَائِكَةِ كَجِبْرِيلَ ﵇، وَرُسُلُ الْمَلَائِكَةِ كَإِسْرَافِيلَ ﵇ أَفْضَلُ مِنْ عَامَّةِ الْبَشَرِ وَهُمْ أَوْلِيَاؤُهُمْ غَيْرُ الْأَنْبِيَاءِ كَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄، وَعَامَّةُ الْبَشَرِ كَأَوْلِيَائِهِمْ غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ أَفْضَلُ مِنْ عَامَّةِ الْمَلَائِكَةِ وَهُمْ غَيْرُ الرُّسُلِ مِنْهُمْ كَحَمَلَةِ الْعَرْشِ وَالْكُرُوبِيِّينَ.
وَهَذَا نَحْوُ مَا حَكَيْنَا عَنِ ابْنِ عَقِيلٍ، وَاحْتَجَّ أَهْلُ التَّفْضِيلِ بِالْإِجْمَاعِ، وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّهُ مَدْخُولٌ بَلِ ادَّعَوْا فِيهِ الضَّرُورَةَ، وَاحْتَجُّوا عَلَى تَفْضِيلِ رُسُلِ الْبَشَرِ عَلَى رُسُلِ الْمَلَائِكَةِ وَعَامَّةِ الْبَشَرِ عَلَى عَامَّةِ الْمَلَائِكَةِ بِوُجُوهٍ سَنَذْكُرُهَا، وَنَقَلَ الْبَلْقِينِيُّ فِي مَنْهَجِ الْأَصْلَيْنِ أَنَّ الْمُخْتَارَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ خَوَاصَّ الْبَشَرِ وَهُمُ الرُّسُلُ أَفْضَلُ مِنْ جُمْلَةِ الْمَلَائِكَةِ، وَالْمَلَائِكَةُ الْخَوَاصُّ أَفْضَلُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ غَيْرِ الْمُرْسَلِينَ، وَالْأَنْبِيَاءُ أَفْضَلُ مِنْ غَيْرِ الْخَوَاصِّ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، قَالَ: وَمِنْهُمْ مَنْ وَقَفَ فِي التَّفْضِيلِ بَيْنَ صَالِحِي الْبَشَرِ وَالْمَلَائِكَةِ.
كَذَا قَالَ وَالْحَقُّ الْمُعْتَمَدُ عِنْدَهُمْ أَنَّ خَوَاصَّ الْبَشَرِ كَالْأَنْبِيَاءِ أَفْضَلُ مِنْ خَوَاصِّ الْمَلَائِكَةِ كَرُسُلِهِمْ، وَخَوَاصُّ الْمَلَائِكَةِ كَرُسُلِهِمْ أَفْضَلُ مِنْ عَوَامِّ الْبَشَرِ كَالْأَوْلِيَاءِ، وَعَوَامُّ الْبَشَرِ أَفْضَلُ مِنْ عَوَامِّ الْمَلَائِكَةِ وَهُمْ غَيْرُ الرُّسُلِ مِنْهُمْ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(التَّنْبِيهُ الثَّانِي) فِي بَعْضِ أَدِلَّةِ مَذْهَبِ أَهْلِ الْحَقِّ مِنْ تَفْضِيلِ صَالِحِي الْبَشَرِ عَلَى الْمَلَائِكَةِ خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ وَالْفَلَاسِفَةِ وَمَنْ نَحَا نَحْوَهُمْ، مِنْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ [البقرة: ٣٤] فَالْمَسْجُودُ لَهُ أَفْضَلُ مِنَ السَّاجِدِ، فَإِنْ قِيلَ: لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ السُّجُودُ لِلَّهِ تَعَالَى وَآدَمُ كَالْقِبْلَةِ؟
стр. 853
فَالْجَوَابُ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنِ السُّجُودُ دَالًّا عَلَى (عُلُوِّ) مَنْصِبِ الْمَسْجُودِ لَهُ عَلَى السَّاجِدِ لَمَا قَالَ إِبْلِيسُ: ﴿أَرَأَيْتَكُ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾ [الإسراء: ٦٢] إِذْ لَمْ يُوجَدْ مَا يَصْرِفُ هَذَا الْكَلَامَ إِلَيْهِ سِوَى هَذَا السُّجُودِ، فَدَلَّ ذَلِكَ السُّجُودُ عَلَى تَرْجِيحِ مَنْصِبِ الْمَسْجُودِ لَهُ عَلَى السَّاجِدِ، (وَمِنْهَا) أَنَّ آدَمَ ﵇ كَانَ أَعْلَمَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، وَالْأَعْلَمُ أَفْضَلُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩] ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [البقرة: ٣١]- إِلَى قَوْلِهِ - ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة: ٣٢] ، (وَمِنْهَا) أَنَّ طَاعَةَ الْبَشَرِ أَشَقُّ، وَالْأَشَقُّ أَفْضَلُ فَإِنَّ الْبَشَرَ مَجْبُولُونَ عَلَى الشَّهْوَةِ وَالْحِرْصِ وَالْغَضَبِ وَالْهَوَى وَنَحْوِهَا وَهَذِهِ مِنْ أَكْبَرِ الْمَوَانِعِ، وَهِيَ مَفْقُودَةٌ فِي الْمَلَكِ.
(وَمِنْهَا) قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٣٣] وَالْعَالَمُ عِبَارَةٌ عَمَّا سِوَى اللَّهِ تَعَالَى، وَالْآلُ يُرَادُ بِهِ الرَّجُلُ نَفْسُهُ وَيُرَادُ بِهِ أُقَارِبُهُ الْأَدْنَوْنَ وَيُرَادُ بِهِ أَتْبَاعُهُ، فَإِنْ قِيلَ: يُشْكِلُ هَذَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ: ﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: ٤٧] إِذْ يَلْزَمُ عَلَى ظَاهِرِ هَذَا تَفْضِيلُ أَنْبِيَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ ، فَالْجَوَابُ الْآيَةُ أَوَّلًا تَحْتَمِلُ التَّخْصِيصَ، وَثَانِيًا مِنْ شَرْطِ الْمُفَضَّلِ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ مَوْجُودًا حَالَ وُجُودِ أَنْبِيَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، أَمَّا الْمَلَائِكَةُ فَهُمْ مَوْجُودُونَ حَالَ وُجُودِ مُحَمَّدٍ ﷺ ، (وَمِنْهَا) أَنَّ الْمَلَائِكَةَ لَهُمْ عُقُولٌ بِلَا شَهْوَةٍ وَالْبَهَائِمُ لَهَا شَهْوَةٌ بِلَا عَقْلٍ، وَالْآدَمِيُّ لَهُ عَقْلٌ وَشَهْوَةٌ، ثُمَّ إِنَّ الْآدَمِيَّ إِنَّ رَجَحَتْ شَهْوَتُهُ عَلَى عَقْلِهِ كَانَ أَخَسَّ مِنَ الْبَهَائِمِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ﴾ [الأعراف: ١٧٩] ، وَقَالَ: ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٤٤] وَإِذَا رَجَحَ عَقْلُهُ عَلَى شَهْوَتِهِ كَانَ أَفْضَلَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، فَمَنْ يُطِيعُ اللَّهَ وَأَوَامِرَهُ وَطِينَتُهُ مَعْجُونَةٌ بِالشَّهْوَةِ وَالْهَوَى، وَيَقْمَعُ شَهْوَتَهُ وَيُخَالِفُ هَوَاهُ تَكُونُ عِبَادَتُهُ أَفْضَلَ، أَلَا تَرَى مَنِ ابْتُلِيَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ بِالشَّهْوَةِ كَيْفَ وَقَعَ فِي الْمَعْصِيَةِ عَلَى مَا قِيلَ؟
وَذَكَرَ نَحْوَ هَذَا الْبَيْهَقِيُّ وَقَالَ: كَمَا وَقَعَ لِهَارُوتَ وَمَارُوتَ وَسَاقَهَا مِنْ ثَلَاثِ طُرُقٍ، ثُمَّ أَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ أَكْرَمَ خَلِيقَةِ اللَّهِ عَلَى اللَّهِ أَبُو الْقَاسِمِ صَلَّى اللَّهُ
стр. 854
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قِيلَ: رَحِمَكَ اللَّهُ وَأَيْنَ الْمَلَائِكَةُ؟ قَالَ: الْمَلَائِكَةُ خَلْقٌ كَخَلْقِ الْأَرْضِ وَخَلْقِ السَّحَابِ وَخَلْقِ الْجِبَالِ وَخَلْقِ الرِّيَاحِ وَسَائِرِ الْخَلَائِقِ، وَإِنَّ أَكْرَمَ الْخَلَائِقِ عَلَى اللَّهِ أَبُو الْقَاسِمِ ﷺ . وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ أَيْضًا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى فَضَّلَ مُحَمَّدًا عَلَى أَهْلِ السَّمَاءِ وَعَلَى الْأَنْبِيَاءِ. قِيلَ: وَمَا فَضْلُهُ عَلَى أَهْلِ السَّمَاءِ؟ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ لِأَهْلِ السَّمَاءِ: ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٢٩] ، وَقَالَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ : ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا - لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ١ - ٢] . وَأَخْرَجَ أَيْضًا عَنِ ابْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا شَيْءٌ أَكْرَمُ عَلَى اللَّهِ مِنْ بَنِي آدَمَ. قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ؟ قَالَ: الْمَلَائِكَةُ مَجْبُورُونَ بِمَنْزِلَةِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ» . قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: تَفَرَّدَ بِهِ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ غَانِمٍ السُّلَمِيُّ عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ قَالَ الْبُخَارِيُّ: عِنْدَهُ عَجَائِبُ. قَالَ: وَرَوَاهُ غَيْرُهُ عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ مَوْقُوفًا عَلَى ابْنِ عَمْرٍو وَهُوَ الصَّحِيحُ. قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: وَمَنْ قَالَ بِالْقَوْلِ الْآخَرِ وَهُوَ تَفْضِيلُ الْمَلَأِ الْأَعْلَى عَلَى سُكَّانِ الْأَرْضِ أَشْبَهَ أَنْ يَقُولَ إِذَا كَانَ التَّوْفِيقُ لِلطَّاعَةِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى وَجَبَ أَنْ يَكُونَ أَفْضَلَ مَنْ يَكُونُ تَوْفِيقُهُ لَهُ وَعِصْمَتُهُ إِيَّاهُ أَكْثَرُ، وَوَجَدْنَا الطَّاعَةَ الَّتِي وُجُودُهَا بِتَوْفِيقِهِ وَعِصْمَتِهِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ أَكْثَرُ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ بِذَلِكَ أَفْضَلَ. وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ أَيْضًا حَدِيثَ: «لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى آدَمَ وَذُرِّيَّتَهُ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ: رَبِّ خَلَقْتَهُمْ يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ وَيَنْكِحُونَ وَيَرْكَبُونَ فَاجْعَلْ لَهُمُ الدُّنْيَا وَلَنَا الْآخِرَةَ، فَقَالَ اللَّهُ ﵎: لَا أَجْعَلُ مَنْ خَلَقْتُهُ بِيَدِي وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي كَمَنْ قُلْتُ لَهُ: كُنْ فَكَانَ» . قَالَ: وَفِي ثُبُوتِهِ نَظَرٌ. انْتَهَى.
وَقَالَ الْعِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي أَثْنَاءِ كَلَامٍ لَهُ فِي أَنْوَاعِ التَّفَاضُلِ بَيْنَ الْحَوَادِثِ مِنَ الْجَوَاهِرِ وَالْأَجْسَامِ: لَا يُفَضِّلُ الْمَلَائِكَةَ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ إِلَّا هَجَّامٌ، بَنَى التَّفْضِيلَ عَلَى خَيَالَاتٍ تَوَهَّمَهَا وَأَوْهَامٍ فَاسِدَةٍ تَعَمَّدَهَا، وَلَمْ يَنْفُوا الْخَيَالَاتِ وَالتَّوَهُّمَاتِ فِي أُمُورٍ يَعْلَمُ أَنَّهُ خِلَافُهَا. انْتَهَى. وَقَالَ الْإِمَامُ ابْنُ عَقِيلٍ - مِنْ عُلَمَائِنَا - فِي كِتَابِهِ الْإِرْشَادِ: مُؤْمِنُو أَوْلَادِ آدَمَ مِنَ الْأَوْلِيَاءِ وَالزُّهَّادِ وَالْأَنْبِيَاءِ مِنْ طَرِيقِ الْأَوْلَى أَشْرَفُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ عَلَى قَوْلِ أَصْحَابِنَا، قَالَ: وَعِنْدِي أَنَّ فِيهِ تَفْصِيلًا، وَذَلِكَ أَنَّ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مَنْ لَا يَجُوزُ أَنْ يُفَضَّلَ عَلَيْهِ الْأَوْلِيَاءُ مِثْلَ جِبْرِيلَ
стр. 855
وَمِيكَائِيلَ وَمَلَكِ الْمَوْتِ وَالْمُقَرَّبِينَ، وَلَكِنِّي أُفَضِّلُ عَلَيْهِمُ الْأَنْبِيَاءَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُفَضِّلُ عَلَيْهِ أَوْلِيَاءَ بَنِي آدَمَ، وَهُمْ مَنْ عَدَا الْمُقَرَّبِينَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ السَّيَّاحَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. قَالَ: وَالدَّلَالَةُ عَلَى أَنَّ خَوَاصَّ الْمَلَائِكَةِ الْمُرْسَلِينَ وَالْمُقَرَّبِينَ خَيْرٌ مِنَ الْأَوْلِيَاءِ خِلَافًا لِأَصْحَابِنَا أَنَّ هَؤُلَاءِ سَاوَوْهُمْ فِي الْعِبَادَةِ، وَفُضِّلُوا بِالْقُرْبِ وَالرِّسَالَةِ وَسَمَاعِ الْكَلَامِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى الَّذِي شَرَّفَ بِسَمَاعِهِ مُوسَى ﵇ عَلَى غَيْرِهِ، وَهَذِهِ الرُّتْبَةُ عَظِيمَةٌ لِمَنْ عَقَلَهَا، وَفَارَقَ الْأَنْبِيَاءَ لِأَنَّهُمْ فَضَلُوهُمْ بِالرِّسَالَةِ وَالنُّبُوَّةِ وَمُعَانَاةِ الْأُمَمِ وَالتَّعْلِيمِ وَجَعْلِ الْمَلَائِكَةِ خَدَمًا لَهُمْ، وَلِأَنَّ فِي قَوْلِنَا بِأَنَّ صَالِحًا مِنْ بَنِي آدَمَ خَيْرٌ مِنْ جِبْرِيلَ شَنَاعَةٌ عَظِيمَةٌ عَلَيْنَا مِنْ حَيْثُ سَوَّيْنَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ رُتْبَةِ الْأَنْبِيَاءِ مَعَ جَلَالَةِ جِبْرِيلَ وَعَظَمَتِهِ وَشَرَفِهِ عِنْدَ اللَّهِ، فَإِنَّ جِبْرِيلَ سَفِيرُ الرَّحْمَنِ وَحَامِلُ وَحْيِهِ إِلَى الْأَنْبِيَاءِ.
ثُمَّ قَالَ: وَاسْتَدَلَّ مَنْ قَالَ بِالْعُمُومِ بِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى أَنْ قَالَ: " أَوْسِعُوا لِمَنْ خَلْفَكُمْ ". فَقُلْنَا: وَلِمَنْ نُوَسِّعُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: " لِلْمَلَائِكَةِ إِنَّهُمْ إِذَا كَانُوا مَعَكُمْ لَمْ يَكُونُوا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَلَا مِنْ خَلْفِكُمْ وَإِنَّمَا يَكُونُونَ عَنْ أَيْمَانِكُمْ وَشَمَائِلِكُمْ ". قَالُوا: مِنْ فَضْلِنَا عَلَيْهِمْ أَوْ مِنْ فَضْلِهِمْ عَلَيْنَا؟ قَالَ: " أَنْتُمْ أَفْضَلُ مِنْهُمْ» . وَأَيْضًا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : «الْمُؤْمِنُ أَكْرَمُ عَلَى اللَّهِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ الَّذِينَ عِنْدَهُ» . وَأَيْضًا اللَّفْظُ الْمَشْهُورُ: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُبَاهِي مَلَائِكَتَهُ بِأَهْلِ عَرَفَاتٍ» . وَلَا يُبَاهِي إِلَّا بِالْأَفْضَلِ، وَأَيْضًا فَإِنَّ جِبْرِيلَ افْتَخَرَ بِأَنْ يُسَمَّى مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ، وَسَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ أَنْ يُدْخِلَهُ تَحْتَ الْكِسَاءِ، وَكَانَ تَحْتَهُ فَاطِمَةُ وَالْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ. انْتَهَى.
وَالْجَوَابُ عَنْ هَذَا: أَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ الْأَوَّلُ فَمَوْضُوعٌ لَا تَحِلُّ رِوَايَتُهُ فَضْلًا عَنْ الِاحْتِجَاجِ بِهِ، وَمِمَّنْ حَكَمَ بِوَضْعِهِ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي الْمَطَالِبِ الْعَالِيَةِ وَأَوْرَدَهُ الْحَافِظُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي الْمَوْضُوعَاتِ بِاخْتِصَارٍ، فَلَمْ يَذْكُرْ قَوْلَهُ قَالُوا: مِنْ فَضْلِنَا عَلَيْهِمْ إِلَخْ وَحَكَمَ بِوَضْعِهِ، وَأَمَّا حَدِيثُ: «الْمُؤْمِنُ أَكْرَمُ عَلَى اللَّهِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ الَّذِينَ عِنْدَهُ» . فَالْمَعْرُوفُ مِنْ لَفْظِ الْحَدِيثِ: «الْمُؤْمِنُ أَكْرَمُ عَلَى اللَّهِ مِنْ بَعْضِ مَلَائِكَتِهِ» . كَذَا رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَهَذَا اللَّفْظُ لَا يَدُلُّ عَلَى تَفْضِيلِ الْأَوْلِيَاءِ عَلَى جَمِيعِ الْمَلَائِكَةِ بَلْ عَلَى بَعْضِهِمْ، وَحَدِيثُ الْمُنَاهَاةِ لَا يَدُلُّ
стр. 856
عَلَى الْأَفْضَلِيَّةِ.
وَأَمَّا حَدِيثُ أَنَّ جِبْرِيلَ ﵇ افْتَخَرَ بِأَنْ يُسَمَّى مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ وَسُؤَالُهُ النَّبِيَّ ﷺ أَنْ يُدْخِلَهُ تَحْتَ الْكِسَاءِ، فَلَا أَصْلَ لَهُ، قَالَ الْحَافِظُ السُّيُوطِيُّ: لَمْ أَقِفْ لَهُ عَلَى أَصْلٍ فِي شَيْءٍ مِنْ كُتُبِ الْحَدِيثِ، وَكَيْفَ يَجْسُرُ أَحَدٌ عَلَى تَفْضِيلِ غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ مِنَ الْبَشَرِ عَلَى جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ وَعِزْرَائِيلَ مَعَ مَا فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ؟ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ: أَدْرَكْتُ ثَلَاثِينَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ، كُلُّهُمْ يَخَافُ النِّفَاقَ عَلَى نَفْسِهِ مَا مِنْهُمْ أَحَدٌ يَقُولُ إِنَّهُ عَلَى إِيمَانِ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ. وَقَالَ سِرَاجُ الدِّينِ الْبَلْقِينِيُّ: الْأَكْثَرُ مِنَ الْأَشَاعِرَةِ عَلَى تَفْضِيلِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَى الْمَلَائِكَةِ، وَذَهَبَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيُّ وَالْحَلِيمِيُّ إِلَى أَنَّ الْمَلَائِكَةَ الْعُلْوِيَّةَ أَفْضَلُ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَحَلُّ الْخِلَافِ فِي غَيْرِ النَّبِيِّ ﷺ فَهُوَ أَفْضَلُ خَلْقِ اللَّهِ أَجْمَعِينَ، قَالَ: وَأَمَّا الصَّالِحُونَ مِنَ الْبَشَرِ غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ فَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ عَلَى تَفْضِيلِ الْمَلَائِكَةِ عَلَيْهِمْ، وَعِنْدَنَا أَنَّ مَنْ كَانَ مِنْهُمْ تَقِيًّا نَقِيًّا مُوَافِيًا الْمَوْتَ عَلَى ذَلِكَ فَقَدْ يُفَضَّلُ عَلَى الْمَلَكِ بِاعْتِبَارِ الْمَشَقَّاتِ فِي عِبَادَتِهِ، مَعَ مَا فِيهِ مِنَ الدَّوَاعِي إِلَى الشَّهْوَةِ وَغَيْرِهَا وَلَا سِيَّمَا مَنْ كَانَ خَلِيفَةَ سَيِّدِ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ - عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ -. وَقَالَ الشَّيْخُ بَدْرُ الدِّينِ الزَّرْكَشِيُّ فِي شَرْحِ جَمْعِ الْجَوَامِعِ: أَمَّا تَفْضِيلُ الْأَنْبِيَاءِ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَهُوَ عَقِيدَةُ الْأَشْعَرِيِّ وَجُمْهُورُ أَصْحَابِهِ، وَهُوَ آخِرُ أَقْوَالِ أَبِي حَنِيفَةَ فِيمَا ذَكَرَهُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ، لِاجْتِمَاعِ الْعِصْمَةِ مَعَ التَّرْكِيبِ الْمُعَرَّضِ لِلنَّوَائِبِ الَّتِي يَجِبُ الصَّبْرُ عَلَيْهَا وَالشَّهَوَاتِ الَّتِي يَجِبُ الصَّبْرُ عَنْهَا، وَمِنْ أَحْسَنِ الْأَدِلَّةِ قَوْلُهُ تَعَالَى بَعْدَ ذِكْرِهِ جَمَاعَةً مِنَ الْأَنْبِيَاءِ: ﴿وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ٨٦] وَالْمَلَائِكَةُ مِنَ الْعَالَمِينَ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُمْ أَفْضَلُ مِنْهُمْ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ - جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ [البينة: ٧ - ٨] وَأَرَادَ بَنِي آدَمَ لِأَنَّ الْمَلَائِكَةَ لَا يُجَازَوْنَ بَلْ هُمْ خَدَمُ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَلِأَنَّ بِالْأَنْبِيَاءِ قَامَتْ حُجَّةُ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ بِخِلَافِ الْمَلَائِكَةِ حَتَّى قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا﴾ [الأنعام: ٩] وَلِأَنَّ آدَمَ سَجَدَ لَهُ الْمَلَائِكَةُ، وَالْمَسْجُودُ لَهُ أَفْضَلُ مِنَ السَّاجِدِ كَمَا تَقَدَّمَ ثُمَّ فِي الْأَنْبِيَاءِ مَنْ هُوَ أَفْضَلُ مِنْ آدَمَ، وَلِأَنَّ النَّاسَ فِي الْمَوْقِفِ إِنَّمَا يَتَشَفَّعُونَ بِالْأَنْبِيَاءِ لَا بِالْمَلَائِكَةِ. وَقَالَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: لَا شَكَّ أَنَّ
стр. 857
لِلْبَشَرِ طَاعَاتٌ لَمْ يَثْبُتْ مِثْلُهَا (لِلْمَلَائِكَةِ) كَالْجِهَادِ وَالْغَزْوِ وَمُخَالَفَةِ الْهَوَى، وَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَالصَّبْرِ عَلَى الْبَلَايَا وَالْمِحَنِ وَالرَّزَايَا، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُمْ يَرَوْنَ رَبَّهُمْ وَيُبَشِّرُهُمْ بِإِحْلَالِ رِضْوَانِهِ عَلَيْهِمْ، وَلَمْ يَثْبُتْ مِثْلُ هَذَا لِلْمَلَائِكَةِ. وَقَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ: اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْعُصَاةَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ دُونَ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمَلَائِكَةِ، فَأَمَّا الْمُطِيعُونَ فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي الْمُفَاضَلَةِ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمَلَائِكَةِ عَلَى قَوْلَيْنِ: وَقَالَ ابْنُ يُونُسَ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ فِي مُخْتَصَرِهِ فِي الْأُصُولِ بَعْدَ ذِكْرِ الْقَوْلَيْنِ، وَقَالَ الْأَكْثَرُونَ مِنَّا: الْمُؤْمِنُ الطَّائِعُ أَفْضَلُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ.
وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّ الرَّسُولَ أَفْضَلُ مِنَ الْمَلَكِ بِاعْتِبَارِ الرِّسَالَةِ لَا بِاعْتِبَارِ عُمُومِ الْأَوْصَافِ الْبَشَرِيَّةِ، وَلَوْ كَانَتِ الْبَشَرِيَّةُ بِمُجَرَّدِهَا أَفْضَلَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ (لَكَانَ كُلُّ الْبَشَرِ أَفْضَلَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ) وَمَعَاذَ اللَّهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(التَّنْبِيهُ الثَّالِثُ) قَدْ أَشَرْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ أَنَّ الْمُعْتَزِلَةَ ذَهَبَتْ إِلَى تَفْضِيلِ الْمَلَائِكَةِ عَلَى الْبَشَرِ حَتَّى عَلَى الرُّسُلِ وَالْأَنْبِيَاءِ، وَاخْتَارَهُ مِنَ الْأَشَاعِرَةِ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيُّ وَأَبُو إِسْحَاقَ الْإِسْفَرَائِنِيُّ وَالْحَافِظُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَاكِمُ وَالْحَلِيمِيُّ وَالْفَخْرُ الرَّازِيُّ فِي الْمَعَالِمِ دُونَ الْأَرْبَعِينَ وَأَبُو شَامَةَ، وَمَنْ نَحَا نَحْوَهُمْ وَاحْتَجُّوا بِحُجَجٍ مِنْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [النساء: ١٧٢] فَهَذَا يَقْتَضِي كَوْنَ الْمَلَائِكَةِ أَفْضَلَ مِنَ الْمَسِيحِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ يُقَالُ: إِنَّ فُلَانًا لَا يَسْتَنْكِفُ الْوَزِيرُ مِنْ خِدْمَتِهِ وَلَا السُّلْطَانُ، وَلَا يُقَالُ: إِنَّهُ لَا يَسْتَنْكِفُ السُّلْطَانُ مِنْ خِدْمَتِهِ وَلَا الْوَزِيرُ؟ فَلَمَّا ذُكِرَ الْمَسِيحُ أَوَّلًا وَالْمَلَائِكَةُ ثَانِيًا عَلِمْنَا أَنَّ الْمَلَائِكَةَ أَفْضَلُ مِنَ الْمَسِيحِ. وَالْجَوَابُ عَنْهُ مِنْ وُجُوهٍ: (الْأَوَّلُ) أَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ وَكَذَا إِبْرَاهِيمُ الْخَلِيلُ أَفْضَلُ مِنَ الْمَسِيحِ ﵇، فَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ الْمَلَائِكَةِ أَفْضَلَ مِنَ الْمَسِيحِ كَوْنُهُمْ أَفْضَلَ مِنْ مُحَمَّدٍ وَلَا مِنْ إِبْرَاهِيمَ - عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -. (الثَّانِي) أَنَّ قَوْلَهُ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ صِيغَةُ جَمْعٍ فَتَنَاوَلَ الْكُلَّ، فَهَذَا يَقْتَضِي كَوْنَ مَجْمُوعِ الْمَلَائِكَةِ أَفْضَلُ مِنَ الْمَسِيحِ، فَلِمَ قُلْتُمْ إِنَّهُ يَقْتَضِي كَوْنَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ أَفْضَلَ مِنَ الْمَسِيحِ؟ (الثَّالِثُ) أَنَّ الْوَاوَ فِي قَوْلِهِ: وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ حَرْفُ عَطْفٍ، وَهُوَ إِنَّمَا يُفِيدُ الْجَمْعَ الْمُطْلَقَ لَا التَّرْتِيبَ، وَالْمِثَالُ الَّذِي ذَكَرْتُمُوهُ لَيْسَ
стр. 858
بِحُجَّةٍ لِأَنَّ الْحُكْمَ الْكُلِّيَّ لَا يَثْبُتُ بِالْمِثَالِ الْجُزْئِيِّ، ثُمَّ إِنَّهُ مُعَارَضٌ بِنَحْوِ قَوْلِكَ: مَا أَعَانَنِي عَلَى هَذَا الْأَمْرِ لَا عَمْرٌو وَلَا زَيْدٌ، فَهَذَا لَا يُفِيدُ كَوْنَ الْمُتَأَخِّرِ فِي الذِّكْرِ أَفْضَلَ مِنَ الْمُقَدَّمِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ﴾ [المائدة: ٢] وَلَمَّا اخْتَلَفَتِ الْأُمَّةُ امْتَنَعَ التَّعْوِيلُ عَلَيْهَا، ثُمَّ التَّحْقِيقُ فِي الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ قِيلَ: إِذَا قِيلَ هَذَا الْعَالِمُ لَا يَسْتَنْكِفُ مِنْ خِدْمَتِهِ الْوَزِيرُ وَلَا السُّلْطَانُ، فَنَحْنُ نَعْلَمُ بِعُقُولِنَا أَنَّ السُّلْطَانَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الْوَزِيرِ، فَعَرَفْنَا أَنَّ الْغَرَضَ مِنْ ذِكْرِ الثَّانِي هُوَ الْمُبَالَغَةُ، فَهَذِهِ الْمُبَالَغَةُ إِنَّمَا عَرَفْنَاهَا بِهَذَا الطَّرِيقِ لَا بِمُجَرَّدِ التَّرْتِيبِ فِي الذِّكْرِ، فَلَا يُمْكِنُ أَنْ نَعْرِفَ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ قَوْلِهِ: وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ بَيَانُ الْمُبَالِغَةِ إِلَّا إِذَا عَرَفْنَا قَبْلَ ذَلِكَ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ الْمُقَرَّبِينَ أَفْضَلُ مِنَ الْمَسِيحِ، وَحِينَئِذٍ يَتَوَقَّفُ صِحَّةُ الدَّلِيلِ عَلَى صِحَّةِ الْمَطْلُوبِ. وَذَلِكَ دَوْرٌ (الرَّابِعُ) هَبْ أَنَّ الْآيَةَ الْكَرِيمَةَ دَالَّةٌ عَلَى أَنَّ مَنْصِبَ الْمَلَكِ أَعْلَى وَأَزْيَدُ مِنْ مَنْصِبِ الْمَسِيحِ، وَلَكِنْ لَا تَدُلُّ عَلَى الزِّيَادَةِ مِنْ جَمِيعِ الْوُجُوهِ، فَالْمَلَكُ أَزْيَدُ مِنْ جِهَةِ الْقُوَّةِ وَالْقُدْرَةِ وَالْبَطْشِ، فَإِنَّ جِبْرِيلَ ﵇ قَلَعَ مَدَائِنَ قَوْمِ لُوطٍ، وَالْبَشَرُ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى مَثَلِ ذَلِكَ، فَلِمَ قُلْتُمْ: إِنَّ الْمَلَكَ أَفْضَلُ مِنَ الْبَشَرِ فِي كَثْرَةِ الثَّوَابِ الْحَاصِلِ بِسَبَبِ مَزِيدِ الْخُشُوعِ وَالْعُبُودِيَّةِ؟ وَتَمَامُ التَّحْقِيقِ أَنَّ الْفَضْلَ الْمُخْتَلَفَ فِيهِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ هُوَ كَثْرَةُ الثَّوَابِ، ثُمَّ إِنَّ كَثْرَةَ الثَّوَابِ لَا تَحْصُلُ إِلَّا بِنِهَايَةِ التَّوَاضُعِ وَالْخُضُوعِ، وَكَوْنُ الْعَبْدِ مَوْصُوفًا بِنِهَايَةِ التَّوَاضُعِ لِلَّهِ تَعَالَى لَا يُلَائِمُ صَيْرُورَتَهُ مُسْتَنْكِفًا مِنْ عُبُودِيَّةِ اللَّهِ تَعَالَى، بَلْ يُنَاقِضُهَا وَيُنَافِيهَا فَامْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ هَذَا الْمَعْنَى، وَأَمَّا اتِّصَافُ الشَّخْصِ بِالْقُدْرَةِ الشَّدِيدَةِ وَالْقُوَّةِ الْكَامِلَةِ فَإِنَّهُ مُنَاسِبٌ لِلتَّمَرُّدِ وَتَرْكِ الْعُبُودِيَّةِ، فَالنَّصَارَى لَمَّا شَاهَدُوا مِنَ الْمَسِيحِ إِحْيَاءَ الْمَوْتَى وَإِبْرَاءَ الْأَكْمَهِ وَالْأَبْرَصِ أَخْرَجُوهُ بِسَبَبِ هَذَا الْقَدْرِ مِنَ الْقُدْرَةِ عَنْ عُبُودِيَّةِ اللَّهِ تَعَالَى، فَقَالَ تَعَالَى: إِنَّ عِيسَى لَا يَسْتَنْكِفُ بِسَبَبِ هَذَا الْقَدْرِ مِنَ الْقُدْرَةِ عَنْ عُبُودِيَّتِي، وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ الَّذِينَ هُمْ فَوْقَهُ فِي الْقُدْرَةِ وَالْبَطْشِ وَالِاسْتِيلَاءِ عَلَى عَالَمِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرَضِينَ، وَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ تَنْتَظِمُ دَلَالَةُ الْآيَةِ عَلَى أَنَّ الْمَلَكَ أَفْضَلُ مِنَ الْبَشَرِ فِي الشِّدَّةِ وَالْقُوَّةِ وَالْبَطْشِ، لَكِنَّهَا لَا تَدُلُّ الْبَتَّةَ عَلَى أَنَّ الْمَلَكَ أَفْضَلُ مِنَ الْبَشَرِ فِي كَثْرَةِ الثَّوَابِ، وَيُقَالُ أَيْضًا: إِنَّمَا ادَّعَتِ النَّصَارَى إِلَهِيَّةَ عِيسَى لِأَنَّهُ
стр. 859
وُجِدَ لَا مِنْ أَبٍ، فَقِيلَ لَهُمْ: الْمَلَكُ حَصَلَ وَوُجِدَ لَا مِنْ أَبٍ وَلَا مِنْ أُمٍّ، فَكَيْفَ يَسْتَنْكِفُ الْمَسِيحُ عَنِ الْعُبُودِيَّةِ لِكَوْنِهِ وُجِدَ مِنْ أُمٍّ لَا أَبٍ وَالْمَلَكُ الَّذِي وُجِدَ لَا مِنْ أَبٍ وَلَا مِنْ أُمٍّ لَا يَسْتَنْكِفُ عَنْهَا؟ فَالْمَلَائِكَةُ أَعْجَبُ فِي هَذَا مِنَ الْمَسِيحِ فِي هَذَا الْبَابِ مَعَ أَنَّهُمْ لَا يَسْتَنْكِفُونَ عَنْ عُبُودِيَّةِ اللَّهِ تَعَالَى.
وَمِنْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ﴾ [الأنبياء: ١٩] وَالِاسْتِدْلَالُ بِهَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ مِنْ وَجْهَيْنِ: (الْأَوَّلُ) أَنَّهُ تَعَالَى احْتَجَّ بِعَدَمِ اسْتِكْبَارِ الْمَلَائِكَةِ عَنْ عِبَادَتِهِ عَلَى أَنَّ الْبَشَرَ يَجِبُ أَنْ لَا يَسْتَكْبِرُوا عَنْهَا، وَلَوْ كَانَ الْبَشَرُ أَفْضَلَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ لَمَا تَمَّ هَذَا الِاسْتِدْلَالُ، فَإِنَّ السُّلْطَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُقَرِّرَ عَلَى رَعِيَّتِهِ وُجُوبَ طَاعَتِهِمْ لَهُ فَإِنَّهُ يَقُولُ: الْمُلُوكُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ طَاعَتِي فَمَنْ هَؤُلَاءِ الْمَسَاكِينُ؟ وَبِالْجُمْلَةِ فَظَاهِرٌ أَنَّ هَذَا الِاسْتِدْلَالَ لَا يَتِمُّ إِلَّا بِالْأَقْوَى عَلَى الْأَضْعَفِ. (الثَّانِي) أَنَّهُ قَالَ: وَمَنْ عِنْدَهُ وَهَذِهِ عِنْدِيَّةُ الْفَضِيلَةِ وَالْقُرْبَةِ. وَالْجَوَابُ عَنْ هَذَا فُهِمَ مِمَّا قَبْلَهُ، وَهُوَ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ مَعَ تَمَامِ قُوَّتِهِمْ وَشَدَّةِ بَطْشِهِمْ لَا يَتَمَرَّدُونَ عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا يَسْتَكْبِرُونَ، فَمَا بَالُ الْبَشَرِ يَتَمَرَّدُونَ عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ مَعَ غَايَةِ ضَعْفِهِمْ؟ وَهَذَا يُوجِبُ كَوْنَ الْمَلَكِ أَقْوَى مِنَ الْبَشَرِ، لَا كَوْنَهُ أَفْضَلَ مِنْهُ بِمَعْنَى كَثْرَةِ الثَّوَابِ، وَيُجَابُ عَنِ الثَّانِي أَنَّهُ مُعَارَضٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي صِفَةِ الْبَشَرِ: ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر: ٥٥] ، وَقَالَ ﵇ حِكَايَةً عَنِ اللَّهِ تَعَالَى: " «أَنَا عِنْدَ الْمُنْكَسِرَةِ قُلُوبُهُمْ» ". وَهَذَا أَفْضَلُ لِأَنَّهُ قَالَ فِي الْمَلَائِكَةِ إِنَّهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ، وَقَالَ فِي وَصْفِ الْمُنْكَسِرَةِ قُلُوبُهُمْ إِنَّ رَبَّهُمْ عِنْدَهُمْ. وَمِنْهَا أَنَّ عِبَادَاتِ الْمَلَائِكَةِ أَدْوَمُ وَأَشَقُّ فَوَجَبَ أَنْ تَكُونَ أَفْضَلَ بِشَاهِدِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٠] وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ لَوْ كَانَتْ أَعْمَارُهُمْ مُسَاوِيَةً لِأَعْمَالِ الْبَشَرِ لَكَانَ طَاعَتُهُمْ أَدْوَمَ وَأَكْثَرَ، فَكَيْفَ وَلَا نِسْبَةَ لَعُمْرِ كُلِّ الْبَشَرِ إِلَى عُمْرِ الْمَلَائِكَةِ؟ وَإِنَّمَا فَضْلُ الْأَدْوَمِ لِأَنَّهُ أَشَقُّ فَكَانَ أَفْضَلَ، وَفِي الْحَدِيثِ: «خَيْرُكُمْ مَنْ طَالَ عُمْرُهُ وَحَسُنَ عَمَلُهُ» . وَالْجَوَابُ عَنْ هَذِهِ بِأَنْ لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، أَمَّا كَوْنُ عِبَادَتِهِمْ أَشَقَّ (فَنَقُولُ) بَلْ عِبَادَةُ الْبَشَرِ أَشَقُّ، لِمَا فِيهِمْ مِنْ دَوَاعِي التَّخَلُّفِ وَالتَّقَاعُدِ وَالْفُتُورِ، وَإِنَّمَا يَدُلُّ جَمِيعُ ذَلِكَ عَلَى قُوَّةِ الْمَلَائِكَةِ وَهَذَا مُسَلَّمٌ، وَلَا حُجَّةَ لَهُمْ أَيْضًا فِي الْحَدِيثِ لِأَنَّهُ خِطَابٌ لِبَشَرٍ خَاصَّةٍ، وَلَا يَلْزَمُ فِي تَفَاضُلِ أَحَدِ الْأَنْوَاعِ بِشَيْءٍ التَّفَاضُلُ بِهِ فِي غَيْرِهِ كَمَا
стр. 860
لَا يَخْفَى، وَأَنْتَ إِذَا تَأَمَّلْتَ مَا تَعَلَّقُوا بِهِ حَقَّ التَّأَمُّلِ وَجَدْتَهُ غَيْرَ دَالٍّ عَلَى مَطْلُوبِهِمْ، وَقَدْ قَامَتِ الْأَدِلَّةُ مِنَ الطَّرَفِ الْآخَرِ عَلَى تَفْضِيلِ الْأَنْبِيَاءِ، وَكَذَلِكَ مَنْ أَلْحَقْنَاهُمْ بِهِمْ فِي التَّفْضِيلِ فِي الْجُمْلَةِ، وَلَا يَذْهَبُ عَلَيْكَ أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي فَضِيلَةِ الْمَلَائِكَةِ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي أَفْضَلِيَّتِهِمْ عَلَى خَوَاصِّ بَنِي آدَمَ. هَذَا وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: مَسْأَلَةُ تَفْضِيلِ الْبَشَرِ عَلَى الْمَلَكِ أَوِ الْمَلَكِ عَلَى الْبَشَرِ لَيْسَتْ مِمَّا يَضُرُّ اعْتِقَادُهُ وَيَضُرُّ الْجَهْلُ بِهِ، وَلَوْ لَقِيَ الْعَبْدُ رَبَّهُ سَاذَجًا مِنَ الْمَسْأَلَةِ بِالْكُلِّيَّةِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ إِثْمٌ فَمَا هِيَ مِمَّا كُلِّفَ النَّاسُ بِمَعْرِفَتِهِ.
وَقَالَ الْقَاضِي تَاجُ الدِّينِ السُّبْكِيُّ: النَّاسُ ثَلَاثَةٌ: رَجُلٌ عَرَفَ أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ أَفْضَلُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَاعْتَقَدَهُ بِالدَّلِيلِ، وَآخِرُ جَهِلَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ وَلَمْ يَشْتَغِلْ بِهَا بِالْكُلِّيَّةِ، وَهَذَانِ لَا ضَرَرَ عَلَيْهِمَا، قَالَ: وَثَالِثٌ قَضَى بِأَنَّ الْمَلَكَ أَفْضَلُ وَهَذَا عَلَى خَطَرٍ، وَهَلْ يُقَالُ مَنْ قَضَى بِتَفْضِيلِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَى خَطَرٍ فَيَكُونُ السَّاذَجُ أَسْلَمَ مِنْهُ أَوْ أَنَّهُ نَاجٍ لِإِصَابَةِ الْحَقِّ مِنَ الْخَطَرِ؟ هَذَا مَوْضِعُ نَظَرٍ، قَالَ: وَالَّذِي أَفْهَمُهُ عَنِ الْوَالِدِ السَّلَامَةُ فِي السُّكُوتِ عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَأَنَّ الدُّخُولَ فِي التَّفْضِيلِ بَيْنَ هَذَيْنِ الصِّنْفَيْنِ الْكَرِيمَيْنِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنْ غَيْرِ وُرُودِ دَلِيلٍ قَاطِعٍ دُخُولٌ فِي خَطَرٍ عَظِيمٍ، وَحُكْمٌ فِي مَكَانٍ لَسْنَا أَهْلًا لِلْحُكْمِ فِيهِ، وَقَدْ جَاءَتْ أَحَادِيثُ تَحْسِمُ بِإِشَارَتِهَا مَادَّةَ الدُّخُولِ فِي ذَلِكَ، فَإِنَّ قَوْلَهُ ﷺ : «لَا تُفَضِّلُونِي عَلَى يُونُسَ بْنِ مَتَّى» . وَنَحْوَهُ وَنَحْنُ عَلَى قَطْعٍ بِأَنَّهُ ﷺ أَفْضَلُ مِنْ يُونُسَ ﵇ وَلَمْ يَخْتَلِفْ فِي ذَلِكَ أَحَدٌ، لَعَلَّهُ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّكُمْ لَا تَدْخُلُوا فِي أَمْرٍ لَا يَعْنِيكُمْ، وَمَا لِلسُّوقَةِ وَالدُّخُولُ بَيْنَ الْمُلُوكِ؟ وَأَعْنِي بِالسُّوقَةِ فِي هَذَا أَمْثَالَنَا، وَبِالْمُلُوكِ الْأَنْبِيَاءَ وَالْمَلَائِكَةَ ﵈. وَقَدْ عَلِمْتَ مَذَاهِبَ النَّاسِ مِمَّا أَسْلَفْنَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(التَّنْبِيهُ الرَّابِعُ) اخْتُلِفَ فِي تَكْلِيفِ الْمَلَائِكَةِ ﵈ وَعَدَمِهِ، قَالَ الْعَلَّامَةُ شَمْسُ الدِّينِ ابْنُ مُفْلِحٍ فِي كِتَابِهِ الْفُرُوعِ مَا نَصُّهُ: قَالَ ابْنُ حَامِدٍ فِي كِتَابِهِ: الْإِنْسُ كَالْجِنِّ فِي التَّكْلِيفِ وَالْعِبَادَاتِ، قَالَ: وَمَذَاهِبُ الْعُلَمَاءِ إِخْرَاجُ الْمَلَائِكَةِ مِنَ التَّكْلِيفِ وَالْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ. انْتَهَى. وَتَقَدَّمَ بَعْضُ الْكَلَامِ عَلَى الْجِنِّ. وَكَذَا قَالَ فِي الْفُرُوعِ قُبَيْلَ بَابِ الْإِمَامَةِ فِي كَلَامِ أَبِي الْمَعَالِي: إِنَّ كَشْفَ الْعَوْرَةِ
стр. 861
خَالِيًا هِيَ مَسْأَلَةُ سَتْرِهَا عَنِ الْمَلَائِكَةِ وَالْجِنِّ، قَالَ: وَكَلَامُ صَاحِبِ الْمُحَرَّرِ وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ يَجِبُ عَنِ الْجِنِّ، لِأَنَّهُمْ مُكَلَّفُونَ أَجَانِبُ، وَكَذَا عَنِ الْمَلَائِكَةِ مَعَ عَدَمِ تَكْلِيفِهِمْ، لِأَنَّ الْآدَمِيَّ مُكَلَّفٌ، وَقَدْ أَمَرَ الشَّارِعُ فِي خَبَرِ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ بِحِفْظِهَا عَنْ كُلِّ أَحَدٍ إِلَّا مِنْ زَوْجَتِهِ وَأَمَتِهِ وَهَذَا مَعَ الْعِلْمِ بِحُضُورِهِمْ. انْتَهَى مُلَخَّصًا. وَلَعَلَّ مُرَادَهُ إِخْرَاجَهُمْ عَنِ التَّكْلِيفِ بِمَا كُلِّفْنَا. لَا مُطْلَقًا وَإِلَّا فَهِمَ مُكَلَّفُونَ قَطْعًا، قَالَ ابْنُ جَمَاعَةَ فِي شَرْحِ بَدْءِ الْأَمَالِي: الْمُكَلَّفُونَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: قِسْمٌ كُلِّفَ مِنْ أَوَّلِ الْفِطْرَةِ قَطْعًا وَهُمُ الْمَلَائِكَةُ وَآدَمُ وَحَوَّاءُ ﵈، وَقِسْمٌ لَمْ يُكَلَّفْ مِنْ أَوَّلِ الْفِطْرَةِ وَهُمْ أَوْلَادُ آدَمَ، وَقِسْمٌ فِيهِمْ نِزَاعٌ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُمْ مُكَلَّفُونَ مِنْ أَوَّلِ الْفِطْرَةِ وَهُمُ الْجَانُّ. انْتَهَى. قُلْتُ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ ظَاهِرُهُمَا تَكْلِيفُ الْمَلَائِكَةِ إِذْ فِيهِ: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦] ، ﴿وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ [سبأ: ١٢]- ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٠] ، ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٥٠] ، وَقَالَ: ﴿وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٨]- ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الأنفال: ١٢] وَهَذَا كُلُّهُ تَكْلِيفٌ وَنَاشِئٌ عَنِ التَّكْلِيفِ، وَالْأَحَادِيثُ طَافِحَةٌ بِمَعْنَى ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(الْخَامِسُ) فِي ذِكْرِ بَعْضِ التَّفْضِيلِ بَيْنَ الْمَعْلُومَاتِ قَالَ الْعِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: الْجَوَاهِرُ وَالْأَجْسَامُ كُلُّهَا مُتَسَاوِيَةٌ مِنْ جِهَةِ ذَوَاتِهَا، وَإِنَّمَا يُفَضَّلُ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ بِصِفَاتِهَا وَأَعْرَاضِهَا وَانْتِسَابِهَا إِلَى الْأَوْصَافِ الشَّرِيفَةِ فِي التَّفَاضُلِ النَّفِيسَةِ، وَأَوْصَلَهَا تِلْمِيذُهُ الْقَرَافِيُّ فِي كِتَابِهِ أَنْوَارِ الْفُرُوقِ إِلَى عِشْرِينَ قَاعِدَةً، أَوَّلُهَا تَفْضِيلُ الْمَعْلُومِ عَلَى غَيْرِهِ بِذَاتِهِ دُونَ سَبَبٍ يَعْرِضُ لَهُ يُوجِبُ التَّفْضِيلَ لَهُ عَلَى غَيْرِهِ وَلَهُ مِثْلٌ، أَحَدُهَا الْوَاجِبُ لِذَاتِهِ الْمُسْتَغْنِي فِي وُجُودِهِ عَنْ غَيْرِهِ كَذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى وَصِفَاتِهِ، الثَّانِي الْعِلْمُ حَسُنٌ لِذَاتِهِ وَهُوَ أَفْضَلُ مِنَ الظَّنِّ لِلْقَطْعِ بِعَدَمِ الْجَهْلِ مَعَهُ وَتَجْوِيزِ الْجَهْلِ مَعَ الظَّنِّ، وَذَلِكَ لِذَاتِ الْعِلْمِ لَا لِصِفَةٍ قَامَتْ بِهِ، كَمَا أَنَّ الْجَهْلَ نَقِيصَةٌ لِذَاتِهِ لَا لِصِفَةٍ قَامَتْ بِهِ أَوْجَبَتْ نَقْصَهُ، بِخِلَافِ الْجَاهِلِ وَالْعَالِمِ، نَقْصُ الْجَاهِلِ لِصِفَةٍ قَامَتْ بِهِ وَهِيَ الْجَهْلُ، وَفَضْلُ الْعَالِمِ بِصِفَةٍ قَامَتْ بِهِ وَهِيَ الْعِلْمُ، الثَّالِثُ الْحَيَاةُ أَفْضَلُ مِنْ
стр. 862
الْمَوْتِ لِذَاتِهَا لَا لِمَعْنَى أَوْجَبَ لَهَا ذَلِكَ، وَسَبَبُ تَفْضِيلِهَا كَوْنُهَا تَتَأَتَّى مَعَهَا الْعُلُومُ وَالْقُدْرَةُ وَالْإِرَادَاتُ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ التَّصَرُّفَاتِ وَصِفَاتِ الْكَمَالِ كَالنُّبُوَّةِ وَالرِّسَالَةِ وَالْوِلَايَةِ وَغَيْرِهَا، وَتَعَذَّرَ جَمِيعُ ذَلِكَ مَعَ الْمَوْتِ - يَعْنِي ابْتِدَاءَ ذَلِكَ وَإِنْ لَمْ تَنْقَطِعْ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ بِالْمَوْتِ وَلَا تَفْنَى وَلَا تَضْمَحِلُّ بَلْ تَدُومُ وَتَسْتَمِرُّ - وَتِلْكَ لِلْحَيَاةِ لِذَاتِهَا لَا لِمَعْنًى أَوْجَبَ لَهَا ذَلِكَ.
(الْقَاعِدَةُ) الثَّانِيَةُ التَّفْضِيلُ بِالصِّفَاتِ الْحَقِيقِيَّةِ الْقَائِمَةِ بِالْمُفَضَّلِ كَتَفْضِيلِ الْعَالِمِ عَلَى الْجَاهِلِ وَالْفَاعِلِ الْمُخْتَارِ عَلَى الْمُوجَبِ بِالذَّاتِ بِسَبَبِ الْإِرَادَةِ وَالِاخْتِيَارِ الْقَائِمِ بِهِ، وَتَفْضِيلِ الْقَادِرِ عَلَى الْعَاجِزِ بِسَبَبِ الْقُدْرَةِ الْوُجُودِيَّةِ الْقَائِمَةِ بِهِ، فَهَذَا كُلُّهُ تَفْضِيلٌ بِالصِّفَاتِ الْقَائِمَةِ بِالْمُفَضَّلِ لِذَاتِهِ وَبِهِ خَالَفَ الْقَاعِدَةَ الْأُولَى.
(الْقَاعِدَةُ) الثَّالِثَةُ التَّفْضِيلُ بِطَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى كَتَفْضِيلِ الْمُؤْمِنِ عَلَى الْكَافِرِ، وَتَفْضِيلِ أَهْلِ الْكِتَابِ عَلَى عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ فَأَحَلَّ تَعَالَى ذَبَائِحَهُمْ وَأَبَاحَ تَزْوِيجَنَا مِنْ نِسَائِهِمْ دُونَ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ، فَإِنَّهُ جَعَلَ مَا ذَبَحُوهُ كَالْمَيْتَةِ وَتَصَرُّفَهُمْ فِيهِ بِالذَّكَاةِ كَتَصَرُّفِ الْحَيَوَانِ الْبَهِيمِ مِنَ السِّبَاعِ وَالْكَوَاسِرِ فِي الْأَنْعَامِ لَا أَثَرَ لِذَلِكَ، وَجَعَلَ نِسَاءَهُمْ كَإِنَاثِ الْخَيْلِ وَالْحَمِيرِ مُحَرَّمَاتِ الْوَطْءِ، كُلُّ ذَلِكَ اهْتِضَامٌ لَهُمْ لِجَحْدِهِمُ الرِّسَالَةَ وَالرُّسُلَ، وَكَتَفْضِيلِ الْوَلِيِّ عَلَى آحَادِ الْمُؤْمِنِينَ الْمُقَصِّرِينَ فِي الطَّاعَةِ، وَقِيلَ لِاقْتِصَارِهِمْ عَلَى أَصْلِ الدِّينِ الْوَاجِبِ وَكَثْرَةِ طَاعَةِ الْوَلِيِّ، وَبِذَلِكَ سُمِّيَ وَلِيًّا أَيْ تَوَلَّى اللَّهَ بِطَاعَتِهِ، وَقِيلَ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى تَوَلَّاهُ بِلُطْفِهِ، وَلِذَلِكَ أَيْضًا تَفَاضَلَ الْأَوْلِيَاءُ بَيْنَهُمْ بِكَثْرَةِ الطَّاعَةِ فَمَنْ كَانَ أَكْثَرَ تَقَرُّبًا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى كَانَتْ رُتْبَتُهُ فِي الْوِلَايَةِ أَعْظَمَ، وَبِتَفْضِيلِ الشَّهِيدِ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ، لِأَنَّهُ أَطَاعَ اللَّهَ تَعَالَى بِبَذْلِ نَفْسِهِ وَمَالِهِ فِي نُصْرَةِ دِينِهِ وَأَعْظِمْ بِذَلِكَ طَاعَةً، وَكَتَفْضِيلِ الْعُلَمَاءِ عَلَى الشُّهَدَاءِ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: «مَا جَمِيعُ الْأَعْمَالِ فِي الْجِهَادِ إِلَّا كَنُقْطَةٍ فِي بَحْرٍ، وَمَا الْجِهَادُ وَجَمِيعُ الْأَعْمَالِ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ إِلَّا كَنُقْطَةٍ فِي بَحْرٍ» . وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ: «لَوْ وُزِنَ مِدَادُ الْعُلَمَاءِ وَدَمُ الشُّهَدَاءِ لَرَجَحَ» . بِسَبَبِ طَاعَةِ الْعُلَمَاءِ لِلَّهِ تَعَالَى بِضَبْطِ شَرَائِعِهِ وَتَعْظِيمِ شَعَائِرِهِ الَّتِي
стр. 863
مِنْ جُمْلَتِهَا الْجِهَادُ وَهِدَايَةُ الْعِبَادِ إِلَى الْمَلِكِ الْجَوَادِ، وَتَوْصِيلُ مَعَالِمِ الْأَدْيَانِ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَلَوْلَا سَعْيُهُمْ فِي ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ تَعَالَى لَانْقَطَعَ الْجِهَادُ، وَغَيْرُهُ وَلَمْ يَبْقَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ مَنْ يَقُولُ " اللَّهَ "، وَكُلُّ ذَلِكَ مِنْ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ. قُلْتُ: هَذَا انْتِصَارٌ لِلْقَوْلِ بِأَفْضَلِيَّةِ الْعِلْمِ عَلَى الْجِهَادِ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ ﵄ فَعِنْدَهُمَا الْعِلْمُ عَلَى تَعَلُّمِهِ وَتَعْلِيمِهِ أَفْضَلُ مِنَ الْجِهَادِ، وَهِيَ رِوَايَةٌ عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ أَيْضًا، لِأَنَّ الْعِلْمَ هُوَ الدَّلِيلُ الْمُرْشِدُ، وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَبُو الْوَفَاءِ بْنُ عَقِيلٍ: وَمِمَّا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ أَنْ حَبَّبَ إِلَيَّ الْعِلْمَ، فَهُوَ أَسْنَى الْأَعْمَالِ وَأَشْرَفُهَا. قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ فِي فُرُوعِهِ - وَاخْتَارَهُ أَيِ الْقَوْلَ بِأَنَّ الْعِلْمَ أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ غَيْرُهُ مِنْ عُلَمَائِنَا - وَلَفْظُ الرِّوَايَةِ: الْعِلْمُ أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ لِمَنْ صَحَّتْ نِيَّتُهُ، قِيلَ: فَأَيُّ شَيْءٍ تَصْحِيحُ النِّيَّةِ؟ قَالَ: يَنْوِي أَنْ يَتَوَاضَعَ فِيهِ وَيَنْفِيَ عَنْهُ الْجَهْلَ. نَقَلَهُ مُهَنَّا.
الرَّابِعَةُ التَّفْضِيلُ بِكَثْرَةِ الثَّوَابِ الْوَاقِعِ فِي الْعَمَلِ، وَلَهُ مِثَالَاتٌ مِنْهَا: الْإِيمَانُ أَفْضَلُ مِنْ جَمِيعِ الْأَعْمَالِ بِكَثْرَةِ ثَوَابِهِ، فَإِنَّ ثَوَابَهُ الْخُلُودُ فِي الْجِنَانِ وَالْخُلُوصُ مِنَ النِّيرَانِ وَمِنْ غَضَبِ الدَّيَّانِ، وَمِنْهَا صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ، فَإِنَّهَا أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ الْفَذِّ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ صَلَاةً، وَمِنْهَا الصَّلَاةُ فِي أَحَدِ الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ، وَمِنْهَا صَلَاةُ الْقَصْرِ أَفْضَلُ لِلْمُسَافِرِ مِنَ الْإِتْمَامِ وَإِنْ كَانَ الْإِتْمَامُ أَكْثَرَ عَمَلًا.
الْخَامِسَةُ التَّفْضِيلُ لِشَرَفِ الْمَوْصُوفِ، مِنْهَا صِفَاتُ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ عِلْمِهِ وَكَلَامِهِ وَقُدُرَاتِهِ وَإِرَادَتِهِ وَسَائِرِ الصِّفَاتِ الْمَنْسُوبَةِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى أَفْضَلُ مَنْ غَيْرِهَا لِوُجُوهٍ مِنْهَا شَرَفُ الْمَوْصُوفِ، وَمِنْهَا صِفَاتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَعِلْمِهِ وَكَرَمِهِ وَشَجَاعَتِهِ وَحِلْمِهِ وَجَمِيعِ مَا هُوَ صِفَةٌ لِنَفْسِهِ الْكَرِيمَةِ لَهُ الشَّرَفُ وَالْفَضْلُ عَلَى صِفَاتِنَا مِنْ وُجُوهٍ، أَحَدُهَا شَرَفُ الْمَوْصُوفِ.
السَّادِسَةُ التَّفْضِيلُ بِشَرَفِ الْمَدْلُولِ، وَلَهُ أَمْثِلَةٌ، مِنْهَا تَفْضِيلُ الْأَذْكَارِ الدَّالَّةِ عَلَى ذَاتِ الْبَارِي وَصِفَاتِهِ الْعُلَى وَأَسْمَائِهِ الْحُسْنَى، وَمِنْهَا تَفْضِيلُ الْآيَاتِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِاللَّهِ كَـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] عَلَى الْآيَاتِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِأَبِي لَهَبٍ كَـ ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ [المسد: ١]
стр. 864
وَمِنْهَا الْآيَاتُ الدَّالَّةُ عَلَى الْوُجُوبِ وَالتَّحْرِيمِ أَفْضَلُ مِنَ الْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى الْإِبَاحَةِ وَالْكَرَاهَةِ وَالنَّدْبِ، لِاشْتِمَالِهَا عَلَى الْحَثِّ عَلَى أَعْلَى رُتَبِ الْمَصَالِحِ وَالزَّجْرِ عَنْ أَعْظَمِ الْمَفَاسِدِ.
السَّابِعَةُ التَّفْضِيلُ بِشَرَفِ الدَّلَالَةِ لَا بِشَرَفِ الْمَدْلُولِ كَشَرَفِ الْحُرُوفِ الدَّالَّةِ عَلَى الْأَوْصَافِ الدَّالَّةِ عَلَى كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى، فَإِنَّ ذَلِكَ أَوْجَبَ شَرَفَهَا عَلَى جَمِيعِ الْحُرُوفِ لِهَذِهِ الدَّلَالَةِ، وَأَمَرَ الشَّرْعُ بِتَعْظِيمِهَا فَلَا تُمْسَكُ إِلَّا عَلَى طَهَارَةٍ، وَيَكْفُرُ مَنْ أَهَانَهَا بِالْقَاذُورَاتِ وَلَهُ وَقْعٌ عَظِيمٌ فِي الدِّينِ، فَلَا يَجُوزُ إِخْرَاجُهَا عَنْ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ إِلَى بِلَادِ الْكَافِرِينَ خَشْيَةَ أَنْ تَنَالَهَا أَيْدِيهِمْ. قُلْتُ: وَهَذَا عَلَى حَسَبِ اعْتِقَادِهِ مِنْ أَنَّهَا مَخْلُوقَةٌ، وَلَيْسَتْ هِيَ مِنْ كَلَامِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَالْحَقُّ أَنَّ مَا بَيْنَ دَفَّتَيِ الْمُصْحَفِ كَلَامُ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَحَبْلُهُ الْمَتِينُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الثَّامِنَةُ التَّفْضِيلُ بِشَرَفِ التَّعَلُّقِ كَتَفْضِيلِ الْعِلْمِ عَلَى الْحَيَاةِ، فَإِنَّ الْحَيَاةَ لَا تَتَعَلَّقُ بِشَيْءٍ بَلْ لَهَا مَوْصُوفٌ فَقَطْ، وَالْعِلْمُ لَهُ مَوْصُوفٌ وَمُتَعَلِّقٌ فَلَهُ مَزِيَّةُ شَرَفٍ بِذَلِكَ، وَكَذَلِكَ الْقُدْرَةُ وَالْإِرَادَةُ وَالسَّمْعُ بِالْأَصْوَاتِ وَالْبَصَرُ بِجَمِيعِ الْمَوْجُودَاتِ الْمُبْصَرَاتِ.
التَّاسِعَةُ التَّفْضِيلُ بِشَرَفِ الْمُتَعَلِّقِ كَتَفْضِيلِ (الْعِلْمِ) الْمُتَعَلِّقِ بِذَاتِ اللَّهِ وَصِفَاتِهِ عَلَى غَيْرِهِ مِنَ الْعُلُومِ، وَكَتَفْضِيلِ الْفِقْهِ عَلَى الطِّبِّ لِتَعَلُّقِهِ بِأَحْكَامِ اللَّهِ تَعَالَى، وَهَذَا الْقِسْمُ عَيْنُ الْمَدْلُولِ فَكُلُّ مَدْلُولٍ مُتَعَلِّقٌ وَلَيْسَ كُلُّ مُتَعَلِّقٍ مَدْلُولًا، لِأَنَّ الدَّلَالَةَ وَالْمَدْلُولَ مِنْ بَابِ الْأَلْفَاظِ وَالْحَقَائِقِ الدَّالَّةِ كَالصَّنْعَةِ عَلَى الصَّانِعِ فَإِنَّهَا تَدُلُّ عَلَيْهِ، وَأَمَّا الْعِلْمُ وَنَحْوُهُ فَلَا يُقَالُ لَهُ دَالٌّ بَلْ هُوَ مَدْلُولٌ فِي نَفْسِهِ، وَلَيْسَ بِدَلِيلٍ عَلَى غَيْرِهِ بَلْ لَهُ مُتَعَلِّقٌ خَاصَّةً وَهُوَ مَعْلُومُهُ، وَكَذَلِكَ الْإِرَادَةُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْخَيْرِ أَفْضَلُ مِنَ الْإِرَادَةِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالشُّرُورِ، وَالنِّيَّةُ فِي الصَّلَاةِ أَفْضَلُ مِنَ النِّيَّةِ فِي الطَّهَارَةِ، لِأَنَّهَا مُتَعَلِّقَةٌ بِالْمَقَاصِدِ وَالثَّانِيَةُ بِالْوَسَائِلِ، وَالْمَقَاصِدُ أَفْضَلُ مِنَ الْوَسَائِلِ، وَالْمُتَعَلِّقُ بِالْأَفْضَلِ أَفْضَلُ.
الْعَاشِرَةُ التَّفْضِيلُ بِكَثْرَةِ التَّعَلُّقِ كَتَفْضِيلِ عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى قُدْرَتِهِ وَإِرَادَتِهِ وَسَمْعِهِ وَبَصَرِهِ، لِتَعَلُّقِهِ بِجَمِيعِ الْوَاجِبَاتِ وَالْمُمْكِنَاتِ وَالْمُسْتَحِيلَاتِ
стр. 865
وَاخْتِصَاصُ الْإِرَادَةِ بِالْمُمَكَّنَاتِ وَجُودًا وَعَدَمًا وَالْقُدْرَةُ بِوُجُودِ الْمُمْكِنَاتِ خَاصَّةً وَاخْتِصَاصُ السَّمْعِ بِالْمَسْمُوعَاتِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ.
الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ التَّفْضِيلُ بِالْمُجَاوَرَةِ كَتَفْضِيلِ جِلْدِ الْمُصْحَفِ عَلَى سَائِرِ الْجُلُودِ.
الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ التَّفْضِيلُ بِالْحُلُولِ كَتَفْضِيلِ قَبْرِهِ ﷺ عَلَى جَمِيعِ بِقَاعِ الْأَرْضِ، وَحَكَاهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ إِجْمَاعًا وَالْمُرَادُ وَالْأَعْضَاءُ الشَّرِيفَةُ فِيهِ، وَفِي بَدَائِعِ الْفَوَائِدِ لِلْمُحَقِّقِ ابْنِ الْقَيِّمِ قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: سَأَلَنِي سَائِلٌ أَيُّمَا أَفْضَلُ حُجْرَةُ النَّبِيِّ ﷺ أَوِ الْكَعْبَةُ؟ فَقُلْتُ: إِنْ أَرَدْتَ مُجَرَّدَ الْحُجْرَةِ فَالْكَعْبَةُ أَفْضَلُ، وَإِنْ أَرَدْتَ وَهُوَ ﷺ فِيهَا فَلَا وَاللَّهِ وَلَا الْعَرْشُ وَحَمَلَتُهُ وَلَا جَنَّةُ عَدْنٍ وَلَا الْأَفْلَاكُ الدَّائِرَةُ، لِأَنَّ بِالْحُجْرَةِ جَسَدًا لَوْ وُزِنَ بِالْكَوْنَيْنِ لَرَجَحَ. انْتَهَى.
الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ التَّفْضِيلُ بِسَبَبِ الْإِضَافَةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ﴾ [المجادلة: ٢٢] أَضَافَهُمْ إِلَيْهِ تَعَالَى لِيُشَرِّفَهُمْ بِالْإِضَافَةِ إِلَيْهِ، وَإِضَافَةُ الْبَيْتِ إِلَيْهِ تَعَالَى وَكَذَا النَّاقَةُ وَنَحْوُهَا.
الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ التَّفْضِيلُ بِالْأَنْسَابِ وَالْأَسْبَابِ كَتَفْضِيلِ ذُرِّيَّتِهِ عَلَى جَمِيعِ الذَّرَارِيِّ، بِسَبَبِ نَسَبِهِمُ الْمُتَّصِلِ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَكَتَفْضِيلِ نِسَائِهِ عَلَى جَمِيعِ النِّسَاءِ وَإِنْ تَفَاوَتْنَ فِي ذَلِكَ.
الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ التَّفْضِيلُ بِالثَّمَرَةِ وَالْجَدْوَى كَتَفْضِيلِ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ، لِأَنَّ الْعِلْمَ يُثْمِرُ صَلَاحَ الْخَلْقِ وَهِدَايَتَهُمْ إِلَى الْحَقِّ بِالتَّعْلِيمِ وَالْإِرْشَادِ، وَأَمَّا الْعِبَادَةُ فَقَاصِرَةٌ عَلَى مَحَلِّهَا، وَمِنْ هَذَا الْوَجْهِ تَفْضِيلُ الرِّسَالَةِ عَلَى النُّبُوَّةِ.
السَّادِسَةَ عَشْرَةَ التَّفْضِيلُ بِأَكْثَرِيَّةِ الثَّمَرَةِ بِأَنْ تَكُونَ الْحَقِيقَتَانِ لِكُلِّ
стр. 866
وَاحِدٍ مِنْهُمَا ثَمَرَةُ إِحْدَاهُمَا أَعْظَمُ وَجَدْوَاهَا أَكْثَرُ كَثَمَرَةِ عِلْمِ الْفِقْهِ وَعِلْمِ الْهَنْدَسَةِ، فَإِنَّ كِلَاهُمَا مُثْمِرٌ أَحْكَامًا شَرْعِيَّةً لِأَنَّ الْهَنْدَسَةَ يُسْتَعَانُ بِهَا فِي الْحِسَابِ وَالْمِسَاحَاتِ، وَالْحِسَابَاتُ تَدْخُلُ فِي الْمَوَارِيثِ وَغَيْرِهَا وَالْمِسَاحَاتُ تَدْخُلُ فِي الْإِجَارَاتِ وَنَحْوِهَا مِنْ نَوَادِرِ الْمَسَائِلِ الْفِقْهِيَّةِ، إِلَّا أَنَّهَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَسَائِلِ الْفِقْهِ قَلِيلَةٌ، فَثَمَرَةُ الْفِقْهِ أَعْظَمُ وَعِلْمُ النَّحْوِ أَفْضَلُ مِنْ عِلْمِ الْمَنْطِقِ، وَعِلْمُ الْأُصُولِ أَنْفَعُ مِنْ عِلْمِ النَّحْوِ وَكُلُّ عِلْمٍ بِحَسَبِ ثَمَرَتِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
السَّابِعَةَ عَشْرَةَ التَّفْضِيلُ بِالتَّأْثِيرِ كَقُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى الْعِلْمِ وَالْكَلَامِ بِالنِّسْبَةِ لِلتَّأْثِيرِ، فَإِنَّهَا مُؤَثِّرَةٌ فِي تَحْصِيلِ وُجُودِ الْمُمْكِنَاتِ وَالْعِلْمُ تَابِعٌ فَمِنْ حَيْثُ سِعَةُ الْمُتَعَلِّقِ وَالْعُمُومُ فَالْعِلْمُ أَفْضَلُ وَمِنْ حَيْثُ التَّأْثِيرُ فَالْقُدْرَةُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَكَذَلِكَ الْإِرَادَةُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْحَيَاةِ فَإِنَّ الْإِرَادَةَ مُؤَثِّرَةٌ لِلتَّخْصِيصِ فِي الْمُمْكِنَاتِ بِزَمَانِهَا وَصِفَاتِهَا الْجَائِزَةِ عَلَيْهَا وَالْحَيَاةُ لَا تُؤَثِّرُ إِيجَادًا وَلَا تَخْصِيصًا، وَلَيْسَ فِي صِفَاتِ اللَّهِ السَّبْعَةِ الَّتِي تُثْبِتُهَا الصِّفَاتِيَّةُ إِلَّا الْقُدْرَةُ وَالْإِرَادَةُ فَقَطْ.
الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ التَّفْضِيلُ بِجَوْدَةِ الْبِنْيَةِ وَالتَّرْكِيبِ كَتَفْضِيلِ الْمَلَائِكَةِ الْكِرَامِ ﵈ عَلَى الْجَانِّ بِسَبَبِ جَوْدَةِ أَبْنِيَتِهِمْ وَحُسْنِ تَرْكِيبِهِمْ، فَإِنَّهُمْ خُلِقُوا مِنْ نُورٍ، فَجِبْرِيلُ يَسِيرُ مِنَ الْعَرْشِ إِلَى الْفَرْشِ مَسِيرَةَ سَبْعَةِ آلَافِ سَنَةٍ لَحْظَةً وَاحِدَةً، وَيَحْمِلُ مَدَائِنَ قَوْمِ لُوطٍ الْخَمْسَةَ مِنْ تَحْتِ الْأَرْضِ عَلَى جَنَاحَيْهِ وَلَا يُضْرَبُ مِنْهَا شَيْءٌ، بَلْ يَقْتَلِعُهَا مِنْ تَحْتِهَا وَيَصْعَدُ بِهَا إِلَى الْجَوِّ ثُمَّ يَقْلِبُهَا وَهَذَا عَظِيمٌ، وَالْمَلَكُ الْوَاحِدُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ يَقْهَرُ الْجَمْعَ الْعَظِيمَ مِنَ الْجَانِّ، وَلِهَذَا سَأَلَ سُلَيْمَانُ ﵇ رَبَّهُ أَنْ يُوَلِّيَ عَلَى الْجَانِّ الْمَلَائِكَةَ فَفَعَلَ لَهُ ذَلِكَ، فَهُمُ الزَّاجِرُونَ عِنْدَ الْعَزَائِمِ وَغَيْرِهَا الَّتِي يَتَعَاطَاهَا أَهْلُ هَذَا الْعِلْمِ، فَيُقْسِمُونَ عَلَى الْمَلَائِكَةِ بِتِلْكَ الْأَقْسَامِ الَّتِي تُعَظِّمُهَا الْمَلَائِكَةُ فَتَفْعَلُ فِي الْجَانِّ مَا يُرِيدُهُ الْمُقْسِمُ عَلَيْهِمْ بِتِلْكَ الْأَسْمَاءِ الْعَظِيمَةِ. كَذَا زَعَمَ الْقَرَافِيُّ قَالَ: وَكَانُوا قَبْلَ زَمَنِ سُلَيْمَانَ ﵇ يُخَالِطُونَ النَّاسَ فِي الْأَسْوَاقِ وَيَعْبَثُونَ بِهِمْ عَبَثًا شَدِيدًا، فَلَمَّا رَتَّبَ سُلَيْمَانُ ﵇ هَذَا التَّرْتِيبَ وَسَأَلَهُ مِنْ رَبِّهِ انْحَازُوا
стр. 867
إِلَى الْفَلَوَاتِ وَالْخَرَابِ مِنَ الْأَرْضِ فَقَلَّتْ: أَذِيَّتُهُمْ، وَالْمَلَائِكَةُ ﵈ تُرَاقِبُهُمْ فِي ذَلِكَ فَمَنْ عَبَثَ مِنْهُمْ وَعَثَا رَدُّوهُ أَوْ قَتَلُوهُ كَمَا يَفْعَلُ وُلَاةُ بَنِي آدَمَ مَعَ سُفَهَائِهِمْ، قَالَ: وَمَا سَبَبَ اقْتِدَارِ الْمَلَائِكَةِ عَلَى الْجَانِّ إِلَّا فَضْلُ أَبْنِيَتِهِمْ وَوُفُورُ قُوَّتِهِمْ، فَهُمُ الْمُفَضَّلُونَ عَلَى الْجَانِّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مُضَافًا لِبَقِيَّةِ الْوُجُوهِ، وَمِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ فُضِّلَتِ الْمَلَائِكَةُ عَلَى الْبَشَرِ.
فَقَالَ الْقَرَافِيُّ: فَإِنَّ الصَّحِيحَ أَنَّ الْبَشَرَ أَفْضَلُ عَلَى تَفْصِيلٍ فِيهِ، فَإِذَا وَرَدَ نَصٌّ فِي تَفْضِيلِ الْمَلَكِ حُمِلَ ذَلِكَ التَّفْضِيلُ وَالثَّنَاءُ عَلَى الْأَبْنِيَةِ وَجَوْدَةِ التَّرْكِيبِ إِذَا كَانَ النَّصُّ يَحْتَمِلُ ذَلِكَ، فَتَنْدَفِعُ أَكْثَرُ الْأَسْئِلَةِ وَالنُّقُوضِ عَنِ الْمُسْتَدِلِّ عَلَى أَفْضَلِيَّةِ الْأَنْبِيَاءِ - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وَسَلَامُهُ - وَلَا نِزَاعَ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ (أَفْضَلُ) فِي أَبْنِيَتِهِمْ، وَأَبْنِيَةُ بَنِي آدَمَ ضَعِيفَةٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى أَبْنِيَةِ الْمَلَائِكَةِ فَتُحْمَلُ نُصُوصُ التَّفْضِيلِ عَلَى ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ تَفْضِيلُ الْجَانِّ فِي الْأَبْنِيَةِ وَجَوْدَةِ التَّرْكِيبِ عَلَى بَنِي آدَمَ، وَمِنْ ثَمَّ الْجَانُّ يَعِيشُونَ الْآلَافَ مِنَ السِّنِينَ وَلَا تَعْرِضُ لَهُمُ الْأَمْرَاضُ وَالْأَسْقَامُ الَّتِي تَعْرِضُ لِبَنِي آدَمَ، بِسَبَبِ أَنَّ أَجْسَادَهُمْ لَيْسَتْ مُشْتَمِلَةً عَلَى الرُّطُوبَاتِ وَأَجْرَامِ الْأَغْذِيَةِ فَلَا يَحْصُلُ لَهُمُ التَّعَفُّنُ وَالْآفَاتُ النَّاشِئَةُ عَنِ الرُّطُوبَاتِ، وَمِنْ حَيْثُ جَوْدَةُ الْعُنْصُرِ وَحُسْنُ التَّرْكِيبِ فُضِّلَ الذَّهَبُ عَلَى الْفِضَّةِ.
التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ التَّفْضِيلُ بِاخْتِيَارِ اللَّهِ تَعَالَى لِمَنْ يَشَاءُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَلِمَا يَشَاءُ عَلَى مَا يَشَاءُ، فَيُفَضِّلُ أَحَدَ الْمُتَسَاوِيَيْنِ عَلَى الْآخَرِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ كَتَفْضِيلِ شَاةِ الزَّكَاةِ عَلَى شَاةِ التَّطَوُّعِ، وَكَتَفْضِيلِ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ دَاخِلَ صَلَاةِ الْفَرْضِ عَلَى الْفَاتِحَةِ خَارِجَ الصَّلَاةِ. وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: الْفَضَائِلُ ضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا فَضْلُ الْجَمَادَاتِ كَفَضْلِ الْجَوْهَرِ عَلَى الذَّهَبِ، وَفَضْلِ الذَّهَبِ عَلَى الْفِضَّةِ، وَفَضْلِ الْفِضَّةِ عَلَى الْحَدِيدِ، وَفَضْلِ الْأَنْوَارِ عَلَى الظُّلُمَاتِ، وَفَضْلِ الشَّفَّافِ عَلَى غَيْرِ الشَّفَّافِ، وَفَضْلِ اللَّطِيفِ عَلَى الْكَثِيفِ، وَالنَّيِّرِ عَلَى الْمُظْلِمِ، وَالْحَسَنِ عَلَى الْقَبِيحِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي فَضَائِلُ الْحَيَوَانِ وَهِيَ أَقْسَامٌ: أَحَدُهَا حُسْنُ الصُّوَرِ، (الثَّانِي) قُوَّةُ الْأَجْسَامِ كَالْقُوَى الْجَاذِبَةِ وَالْمُمْسِكَةِ وَالدَّافِعَةِ وَالْغَاذِيَةِ وَالْقُوَى عَلَى الْجِهَادِ وَالْقِتَالِ وَحَمْلِ الْأَعْبَاءِ وَالْأَثْقَالِ، (وَالثَّالِثُ) الصِّفَاتُ الدَّاعِيَةُ إِلَى الْخَيْرِ وَالْوَازِعَةُ عَنِ الشَّرِّ كَالْغَيْرَةِ وَالنَّخْوَةِ وَالْحَيَاءِ وَالشَّجَاعَةِ وَالسَّخَاءِ وَالْحِلْمِ، (الرَّابِعُ) الْعُقُولُ، (الْخَامِسُ) الْحَوَاسُّ، (السَّادِسُ) الْعُلُومُ الْمُكْتَسَبَةُ وَهِيَ أَقْسَامٌ كَمَعْرِفَةِ
стр. 868
وُجُودِ الْإِلَهِ وَصِفَاتِهِ الذَّاتِيَّةِ وَالسَّلْبِيَّةِ وَالْفِعْلِيَّةِ، وَمَعْرِفَةِ إِرْسَالِ الرُّسُلِ وَإِنْزَالِ الْكُتُبِ وَتَنْبِئَةِ الْأَنْبِيَاءِ، وَمَعْرِفَةِ مَا شَرَعَ اللَّهُ مِنَ الْأَحْكَامِ الْخَمْسَةِ وَأَسْبَابِهَا وَشُرُوطِهَا وَمَوَانِعِهَا، وَمَعْرِفَةِ الْأَحْوَالِ النَّاشِئَةِ مِمَّا ذُكِرَ مِنَ الْمَعَارِفِ كَالْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ وَالْمَحَبَّةِ وَالتَّوَكُّلِ وَالتَّعْظِيمِ وَالْإِجْلَالِ وَالْقِيَامِ بِطَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى فِي كُلِّ مَا أَمَرَ بِهِ وَنَهَى عَنْهُ، وَمَا رَتَّبَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى هَذِهِ الْمَعَارِفِ وَالْأَحْوَالِ وَالطَّاعَاتِ مِنْ لَذَّاتِ الْآخِرَةِ وَأَفْرَاحِهَا بِالنَّعِيمِ الْجُثْمَانِيِّ وَالرُّوحَانِيِّ كَلَذَّةِ الْأَمْنِ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ وَالْأُنْسِ بِقُرْبِهِ وَجِوَارِهِ وَسَمَاعِ كَلَامِهِ وَسَلَامِهِ، مَصْحُوبَةً بِالرِّضَا الدَّائِمِ وَالنَّعِيمِ الْمُقِيمِ وَالنَّظَرِ إِلَى وَجْهِ اللَّهِ الْكَرِيمِ مَعَ الْخَلَاصِ مِنَ الْعَذَابِ الْأَلِيمِ.
فَهَذِهِ فَضَائِلُ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ فَمَنِ اتَّصَفَ بِأَفْضَلِهَا كَانَ أَفْضَلَ الْبَرِيَّةِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ مَعْرِفَةَ اللَّهِ تَعَالَى وَمَعْرِفَةَ صِفَاتِهِ وَلَذَّاتِ رِضَاهُ وَالنَّظَرِ إِلَى وَجْهِهِ الْكَرِيمِ أَفْضَلُ مِمَّا عَدَاهُنَّ، وَأَفْضَلُ الْمَلَائِكَةِ مَنْ قَامَ بِهِ أَفْضَلُ هَذِهِ الصِّفَاتِ فَإِنْ تَسَاوَى اثْنَانِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ فِي ذَلِكَ لَمْ يُفَضَّلْ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ، وَكَذَا إِذَا تَسَاوَى الْمَلَكُ وَالْبَشَرُ فِي ذَلِكَ لَمْ يُفَضَّلْ أَحَدُهُمَا عَنِ الْآخَرِ، فَإِنَّ فُضِّلَ الْمَلَكُ عَلَى الْبَشَرِ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ كَانَ أَفْضَلَ مِنْهُ، وَإِنَّ فُضِّلَ الْبَشَرُ عَلَى الْمَلَكِ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ كَانَ أَفْضَلَ مِنْهُ، وَالْفَضْلُ مُنْحَصِرٌ فِي أَوْصَافِ الْكَمَالِ، وَالْكَمَالُ إِمَّا بِالْمَعَارِفِ وَالطَّاعَاتِ وَالْأَحْوَالِ، وَإِمَّا بِالْأَفْرَاحِ وَاللَّذَّاتِ، فَإِذَا أَحْسَنَ اللَّهُ تَعَالَى إِلَى أَجْسَادِ الْأَنْبِيَاءِ بِمَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ، وَأَحْسَنَ إِلَى أَرْوَاحِهِمْ بِالْمَعَارِفِ الْكَامِلَةِ وَالْأَحْوَالِ الْمُتَوَالِيَةِ، وَأَذَاقَهُمْ لَذَّةَ النَّظَرِ إِلَيْهِ وَسُرُورَ رِضَاهُ عَنْهُمْ وَكَرَامَةَ تَسْلِيمِهِ عَلَيْهِمْ، فَأَيْنَ لِلْمَلَكِ مِثْلُ هَذَا؟
وَاعْلَمْ أَنَّ الْأَجْسَادَ مَسَاكِنُ الْأَرْوَاحِ وَلِلسَّاكِنِ وَالْمَسْكَنِ أَحْوَالٌ، أَحَدُهَا أَنْ يَكُونَ السَّاكِنُ أَشْرَفَ مِنَ الْمَسْكَنِ، وَالثَّانِيَةُ أَنْ يَكُونَ الْمَسْكَنُ أَشْرَفَ مِنَ السَّاكِنِ، الثَّالِثَةُ أَنْ يَسْتَوِيَا فِي الشَّرَفِ فَلَا يُفَضَّلُ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ، فَإِذَا كَانَ الشَّرَفُ لِلسَّاكِنِ فَلَا مُبَالَاةَ بِخَسَاسَةِ الْمَسْكَنِ، وَإِذَا كَانَ الشَّرَفُ لِلْمَسْكَنِ فَلَا يَشْرُفُ بِهِ السَّاكِنُ - وَالْأَجْسَادُ مَسَاكِنُ الْأَرْوَاحِ -، ثُمَّ ذَكَرَ اخْتِلَافَ النَّاسِ فِي التَّفْضِيلِ الْوَاقِعِ بَيْنَ الْبَشَرِ وَالْمَلَكِ، فَقَالَ: إِنْ فَاضَلَ بَيْنَهُمَا مِنْ جِهَةِ تَفَاوُتِ الْأَجْسَادِ الَّتِي هِيَ مَسَاكِنُ الْأَرْوَاحِ، فَأَجْسَادُ الْمَلَائِكَةِ أَشْرَفُ وَأَفْضَلُ مِنْ أَجْسَادِ الْبَشَرِ الْمُرَكَّبَةِ مِنَ الْأَخْلَاطِ، وَإِنْ فَاضَلَ بَيْنَ أَرْوَاحِ الْبَشَرِ وَأَرْوَاحِ الْمَلَائِكَةِ
стр. 869
مَعَ قَصْرِ النَّظَرِ عَنِ الْأَجْسَادِ الَّتِي هِيَ مَسَاكِنُ الْأَرْوَاحِ، فَأَرْوَاحُ الْأَنْبِيَاءِ أَفْضَلُ مِنْ أَرْوَاحِ الْمَلَائِكَةِ، لِأَنَّهُمْ فُضِّلُوا عَلَيْهِمْ بِالْإِرْسَالِ وَرُسُلُ الْمَلَائِكَةِ قَلِيلٌ، لِأَنَّ رَسُولَ الْمَلَائِكَةِ يَأْتِي إِلَى نَبِيٍّ وَاحِدٍ وَرَسُولُ الْبَشَرِ يَأْتِي إِلَى الْأُمَمِ وَإِلَى أُمَّةٍ وَاحِدَةٍ، فَيَهْدِيهِمُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى يَدَيْهِ فَيَكُونُ لَهُ أَجْرُ تَبْلِيغِهِ وَمِثْلُ أَجْرِ مَنِ اهْتَدَى عَلَى يَدَيْهِ وَلَيْسَ مِثْلُ هَذَا لِلْمَلَائِكَةِ، وَبِالْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَبِالصَّبْرِ عَلَى مَصَائِبِ الدُّنْيَا وَمِحَنِهَا، وَاللَّهُ تَعَالَى يُحِبُّ الصَّابِرِينَ، وَلَا عِبْرَةَ بِفَضْلِ أَجْسَادِ الْمَلَائِكَةِ عَلَى أَجْسَادِ الْأَنْبِيَاءِ، لِأَنَّ الْأَجْسَادَ مَسَاكِنُ وَلَا شَرَفَ بِالْمَسَاكِنِ، وَإِنَّمَا الشَّرَفُ بِالْأَوْصَافِ الْقَائِمَةِ بِالسَّاكِنِ فَالِاعْتِبَارُ بِالسَّاكِنِينَ دُونَ الْمَسَاكِنِ، فَإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ قَدْ سَكَنُوا فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِهِمْ مَعَ الْقَطْعِ بِأَنَّهُمْ أَفْضَلُ مِنْ أُمَّهَاتِهِمْ، فَرُوحُ الْمَسِيحِ أَفْضَلُ مَنْ جَسَدِ مَرْيَمَ، وَكَذَلِكَ رُوحُ إِبْرَاهِيمَ أَفْضَلُ مَنْ جَسَدِ أُمِّهِ، وَرُوحُ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ أَفْضَلُ مَنْ جَسَدِ أُمِّهِ.
فَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا فِي أَسْبَابِ التَّفْضِيلِ فَاعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الْأَسْبَابَ الْمُوجِبَةَ لِلتَّفْضِيلِ قَدْ تَتَعَارَضُ، فَيَكُونُ الْأَفْضَلُ مَنْ حَازَ أَكْثَرَهَا وَأَفْضَلَهَا، وَقَدْ يَخْتَصُّ الْمَفْضُولُ بِبَعْضِ الصِّفَاتِ الْفَاضِلَةِ وَلَا يَقْدَحُ ذَلِكَ فِي التَّفْضِيلِ عَلَيْهِ كَقَوْلِهِ ﷺ «أَقْضَاكُمْ عَلِيٌّ، وَأَفْرَضُكُمْ زَيْدٌ، وَأَقْرَؤُكُمْ أُبَيٌّ، وَأَعْلَمُكُمْ بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَأَزْهَدُكُمْ أَبُو ذَرٍّ ﵃» -. مَعَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ ﵁ أَفْضَلُ مِنَ الْجَمِيعِ، وَكَذَلِكَ الْأَنْبِيَاءُ فُخَصَّ سُلَيْمَانُ بِالْمُلْكِ الْعَظِيمِ، وَنُوحٌ بِالْإِنْذَارِ الْمِئِينَ مِنَ السِّنِينَ، وَآدَمُ أَبَا الْبَشَرِ مَعَ تَفْضِيلِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ - فَلَوْلَا جَوَازُ تَخْصِيصِ الْمَفْضُولِ بِمَا لَيْسَ لِلْفَاضِلِ لَلَزِمَ التَّنَاقُضَ، فَلَا جَرَمَ عَلِمْنَا أَنَّ التَّفَاضُلَ مَا بَيْنَ الْمَلَائِكَةِ وَالْأَنْبِيَاءِ ﵈ إِنَّمَا هُوَ بِالطَّاعَاتِ وَكَثْرَةِ الْمَثُوبَاتِ وَالْأَحْوَالِ السَّنِيَّاتِ وَشَرَفِ النُّبُوَّاتِ وَالرِّسَالَاتِ وَالدَّرَجَاتِ الْعَلِيَّاتِ، فَكُلُّ مَنْ كَانَ فِيهَا أَتَمُّ فَهُوَ أَفْضَلُ، وَفِيمَا ذُكِرَ مِنْ تَعْدَادِ أَسْبَابِ التَّفْضِيلِ الرَّدُّ عَلَى الْمَأْمُونِ بْنِ هَارُونَ الرَّشِيدِ الْخَلِيفَةِ فِي زَعْمِهِ أَنَّ أَسْبَابَ التَّفْضِيلِ أَرْبَعَةٌ وَكُلُّهَا فِي عَلِيٍّ ﵁ أَكْمَلُ مِنْهَا فِي غَيْرِهِ فَزَعَمَ أَنَّهُ أَفْضَلُ الصَّحَابَةِ وَهِيَ الْعِلْمُ وَالشَّجَاعَةُ وَالْكَرَمُ وَشَرَفُ النَّسَبِ. وَأَخَذَ يَرُدُّ عَلَى الصَّحَابَةِ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ - وَيَرُدُّ عَلَى أَهْلِ السُّنَّةِ فَبَطَلَ بِمَا ذُكِرَ دَعْوَى هَذَا الْحَصْرِ، وَكَانَ الْمَأْمُونُ هَذَا
стр. 870
رَافِضِيًّا مُعْتَزِلِيًّا قَدَرِيًّا، وَمَسَائِلُ التَّفْضِيلِ كَثِيرَةٌ بَيْنَ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّحَابَةِ وَالْمَلَائِكَةِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. وَقَدْ بَسَطْنَا الْعِبَارَةَ وَذَكَرْنَا مَا لَعَلَّهُ يُفِيدُ الْمَطْلُوبَ غَيْرَ أَنَّ الْإِعْرَاضَ عَنْ كَثِيرٍ مِمَّا ذُكِرَ كَانَ أَلْيَقَ بِشَرْحِ هَذِهِ الْأُرْجُوزَةِ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
[الْبَابُ السَّادِسُ فِي ذِكْرِ الْإِمَامَةِ وَمُتَعَلِّقَاتِهَا]
[الْإِمَامَةِ وَمُتَعَلِّقَاتِهَا]
((الْبَابُ السَّادِسُ فِي ذِكْرِ الْإِمَامَةِ وَمُتَعَلِّقَاتِهَا))
((وَلَا غِنَى لِأُمَّةِ الْإِسْلَامِ ... فِي كُلِّ عَصْرٍ كَانَ عَنْ إِمَامِ))
((يَذُبُّ عَنْهَا كُلَّ ذِي جُحُودِ ... وَيَعْتَنِي بِالْغَزْوِ وَالْحُدُودِ))
((وَفِعْلِ مَعْرُوفٍ وَتَرْكِ نُكْرِ ... وَنَصْرِ مَظْلُومٍ وَقَمْعِ كُفْرِ))
((وَأَخْذِ مَالِ الْفَيْءِ وَالْخَرَاجِ ... وَنَحْوِهِ وَالصَّرْفِ فِي مِنْهَاجِ))
قَالَ عُلَمَاؤُنَا كَغَيْرِهِمْ: نَصْبُ الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ فَرْضُ كِفَايَةٍ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ ﵃ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ نَصْبَهُ وَاجِبٌ بَعْدَ انْقِرَاضِ زَمَنِ النُّبُوَّةِ، بَلْ جَعَلُوهُ أَهَمَّ الْوَاجِبَاتِ حَيْثُ اشْتَغَلُوا بِهِ عَنْ دَفْنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَاخْتِلَافُهُمْ فِي تَعْيِينِهِ لَا يَقْدَحُ فِي الْإِجْمَاعِ الْمَذْكُورِ، وَلِتِلْكَ الْأَهَمِّيَّةِ لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَامَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ خَطِيبًا، فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا فَإِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ مَاتَ، وَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ فَلَا بُدَّ لِهَذَا الْأَمْرِ مِمَّنْ يَقُومُ بِهِ فَانْظُرُوا وَهَاتُوا آرَاءَكُمْ.
قَالُوا: صَدَقْتَ، نَنْظُرُ فِيهِ، فَلِهَذَا قُلْنَا ((وَلَا غِنَى)) وَلَا مَنْدُوحَةَ، وَلَا بُدَّ ((لِأُمَّةِ)) دِينِ ((الْإِسْلَامِ)) وَهِيَ بِالضَّمِّ الْجَمَاعَةُ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ رَسُولٌ وَالْجِيلُ مِنْ كُلِّ حَيٍّ وَمَنْ هُوَ عَلَى الْحَقِّ مُخَالِفٌ لِسَائِرِ الْأَدْيَانِ، وَالرَّجُلُ الْجَامِعُ لِلْخَيْرِ. وَفِي نُسْخَةٍ لِمِلَّةٍ بَدَلَ أُمَّةٍ وَهِيَ بِكَسْرِ الْمِيمِ الشَّرِيعَةُ أَوِ الدِّينُ ((فِي كُلِّ عَصْرٍ)) مِنَ الْأَعْصَارِ وَزَمَنٍ مِنَ الْأَزْمَانِ ((كَانَ)) أَيْ وُجِدَ وَحَصَلَ وَاسْتَمَرَّ ((عَنْ إِمَامٍ)) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ لَا غِنَى، بَلْ هُوَ فَرْضٌ لَازِمٌ وَوَاجِبٌ جَازِمٌ وَوُجُوبُهُ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَأَكْثَرِ الْمُعْتَزِلَةِ بِالسَّمْعِ يَعْنِي التَّوَاتُرَ وَالْإِجْمَاعَ. وَزَعَمَ جُمْهُورُ الْمُعْتَزِلَةِ أَنَّ وَجُوبَهُ بِالْعَقْلِ، وَوَجْهُ وَجُوبِهِ شَرْعًا لِمَسِيسِ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ فَإِنَّهُ ﷺ أَمَرَ بِإِقَامَةِ الْحُدُودِ وَسَدِّ الثُّغُورِ وَتَجْهِيزِ الْجُيُوشِ لِلْجِهَادِ وَحِمَايَةِ الْبَيْضَةِ
стр. 871
وَالذَّبِّ عَنِ الْحَوْزَةِ وَلِهَذَا قَالَ ((يَذُبُّ)) - بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّةِ وَضَمِّ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ - أَيْ يَدْفَعُ وَيَمْنَعُ ((عَنْهَا)) أَيْ عَنْ مِلَّةِ الْإِسْلَامِ وَبَيْضَةِ الدِّينِ ((كُلَّ)) مَلَكٍ جَبَّارٍ وَمُلْحِدٍ مِغْوَارٍ وَمُعْتَدٍ مِهْزَارٍ وَظَلُومٍ كَفَّارٍ ((ذِي)) أَيْ صَاحِبِ ((جُحُودٍ)) أَيْ إِنْكَارٍ يُقَالُ جَحَدَهُ حَقَّهُ وَبِحَقِّهِ كَمَنَعَهُ جَحْدًا وَجُحُودًا أَنْكَرَهُ مَعَ عِلْمِهِ، وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا الْجَاحِدُ لِلدِّينِ الْقَوِيمِ وَالضَّالُّ عَنِ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ وَأَضْرَابِهِ ((وَيَعْتَنِي)) ذَلِكَ الْإِمَامُ الْمَنْصُوبُ - يُقَالُ عَنَاهُ الْأَمْرُ يَعْنِيَهُ وَيَعْنُوهُ عِنَايَةً وَعَنَايَةً وَعُنِيًّا أَهَمَّهُ وَاعْتَنَى بِهِ اهْتَمَّ - ((بِالْغَزْوِ)) أَيْ غَزْوِ الْكُفَّارِ وَقَهْرِ أَهْلِ الْبَغْيِ وَالْفُجَّارِ، يُقَالُ غَزَاهُ غَزْوًا أَرَادَهُ وَطَلَبَهُ وَقَصَدَهُ كَاغْتَزَاهُ وَغَزَا الْعَدُوَّ سَارَ إِلَى قِتَالِهِمْ وَانْتِهَابِهِمْ غَزْوًا وَغَزَوْنَاهُ فَهُوَ غَازٍ، فَيُقَاتِلُ مَنْ عَانَدَ الْإِسْلَامَ بَعْدَ الدَّعْوَةِ حَتَّى يُسْلِمَ أَوْ يَدْخُلَ فِي الذِّمَّةِ ((وَ)) يَعْتَنِي الْإِمَامُ الْمَنْصُوبُ أَيْضًا بِإِقَامَةِ ((الْحُدُودِ)) جَمْعِ حَدٍّ وَهُوَ لُغَةً الْمَنْعُ وَالْفَصْلُ بَيْنَ شَيْئَيْنِ، وَحُدُودُ اللَّهِ تَعَالَى مَحَارِمُهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ [البقرة: ١٨٧] وَحُدُودُ اللَّهِ أَيْضًا مَا حَدَّهُ وَقَدَّرَهُ، وَالْحُدُودُ الْعُقُوبَاتُ الْمُقَدَّرَةُ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا تَمْنَعُ مِنَ الْوُقُوعِ فِي مِثْلِ الذَّنْبِ الَّذِي رُتِّبَتْ تِلْكَ الْعُقُوبَةُ عَلَيْهِ، أَوْ لِكَوْنِهَا زَوَاجِرَ عَنْهَا أَيِ الْمَحَارِمُ الَّتِي حَرَّمَهَا اللَّهُ تَعَالَى، فَيُقِيمُ الْحُدُودَ لِتُصَانَ مَحَارِمُ اللَّهِ تَعَالَى عَنْ الِانْتِهَاكِ وَتُحْفَظَ حُقُوقُ الْعِبَادِ مِنَ الْإِتْلَافِ وَالِاسْتِهْلَاكِ، ((وَ)) يَعْتَنِي أَيْضًا بِالْأَمْرِ بِـ ((فِعْلِ مَعْرُوفٍ)) ، وَقَدْ تَكَرَّرَ ذِكْرُهُ فِي الْأَحَادِيثِ النَّبَوِيَّةِ وَالنُّصُوصِ السَّمَاوِيَّةِ، وَهُوَ اسْمٌ جَامِعٌ لِكُلِّ مَا عُرِفَ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ وَالتَّقَرُّبِ إِلَيْهِ وَالْإِحْسَانِ إِلَى النَّاسِ، وَكُلُّ مَا نَدَبَ إِلَيْهِ الشَّرْعُ وَنَهَى عَنْهُ مِنَ الْمُحَسَّنَاتِ وَالْمُقَبَّحَاتِ، وَهُوَ مِنَ الصِّفَاتِ الْغَالِبَةِ أَيْ أَمْرٍ بِالْمَعْرُوفِ بَيْنَ النَّاسِ إِذَا رَأَوْهُ لَا يُنْكِرُونَهُ، ((وَتَرْكِ نُكْرٍ)) مَعْطُوفٌ عَلَى مَا قَبْلَهُ أَيْ وَيَعْتَنِي أَيْضًا بِالنَّهْيِ عَنْ كُلِّ مُنْكَرٍ وَهُوَ ضِدُّ الْمَعْرُوفِ فَكُلُّ مَا قَبَّحَهُ الشَّرْعُ وَحَرَّمَهُ وَكَرِهَهُ فَهُوَ مُنْكَرٌ ((وَ)) يَعْتَنِي الْمَنْصُوبُ بِـ ((نَصْرِ مَظْلُومٍ)) مِنْ ظَالِمِهِ بِتَخْلِيصِهِ مِنْ نَحْوِ سِجْنِهِ وَرَدِّ ظُلَامَتِهِ عَلَيْهِ مِنْ ظَالِمِهِ، وَأَخْذِ حَقِّهِ مِمَّنْ هُوَ عَلَيْهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ ((وَقَمْعِ)) أَهْلِ ((كُفْرٍ)) أَيْ قَهْرِهِمْ وَذُلِّهِمْ، يُقَالُ: قَمَعَهُ كَمَنَعَهُ وَأَقْمَعُهُ وَالْمَقْمُوعُ الْمَقْهُورُ، لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ أَجَلِّ الْمَقَاصِدِ الشَّرْعِيَّةِ وَالْمَصَالِحِ الْإِسْلَامِيَّةِ ((وَ)) يَعْتَنِي أَيْضًا
стр. 872
بِـ ((أَخْذِ مَالِ الْفَيْءِ)) أَصْلُ الْفَيْءِ مَصْدَرُ فَاءَ يَفِيءُ فَيْئًا إِذَا رَجَعَ، ثُمَّ أُطْلِقَ عَلَى الْمَالِ الْحَاصِلِ مِنْ جِهَاتِهِ الْمَذْكُورَةِ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ سُمِّيَ فَيْئًا لِأَنَّهُ رَاجِعٌ مِنْهَا إِلَى أَهْلِ الْإِسْلَامِ، كَأَنَّهُ فِي الْأَصْلِ لَهُمْ ثُمَّ رَجَعَ إِلَيْهِمْ، قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ - رَوَّحَ اللَّهُ رُوحَهُ - فِي السِّيَاسَةِ الشَّرْعِيَّةِ: سُمِّيَ فَيْئًا لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَفَاءَهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَيْ رَدَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ الْكُفَّارِ، فَإِنَّ الْأَصْلَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِنَّمَا خَلَقَ الْأَمْوَالَ إِعَانَةً عَلَى عِبَادَتِهِ، لِأَنَّهُ تَعَالَى إِنَّمَا خَلَقَ لِعِبَادَتِهِ فَالْكَافِرُونَ بِهِ أَبَاحَ أَنْفُسَهُمُ الَّتِي لَمْ يَعْبُدُوهُ بِهَا وَأَمْوَالَهُمُ الَّتِي لَمْ يَسْتَعِينُوا بِهَا عَلَى عِبَادَتِهِ لِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْبُدُونَهُ، فَأَفَاءَ إِلَيْهِمْ مَا يَسْتَحِقُّونَهُ كَمَا يُعَادُ عَلَى الرَّجُلِ مَا غَصَبَ مِنْ مِيرَاثِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَبَضَهُ قَبْلَ ذَلِكَ. وَهُوَ مَا أُخِذَ مِنْ مَالٍ كَافِرٍ بِحَقِّ الْكُفْرِ بِلَا قِتَالٍ كَالْجِزْيَةِ ((وَالْخَرَاجِ)) وَزَكَاةِ تَغْلِبِيٍّ وَعُشْرِ مَالِ تِجَارَةِ حَرْبِيٍّ وَنِصْفِهِ مِنْ ذِمِّيٍّ، ((وَنَحْوِهِ)) أَيْ نَحْوِ مَا ذُكِرَ كَالْمَالِ الَّذِي تَرَكَهُ الْكُفَّارُ فَزَعًا وَهَرَبُوا وَبَذَلُوهُ فَزَعًا مِنَّا فِي الْهُدْنَةِ وَغَيْرِهَا، وَلِخُمْسِ الْخُمْسِ مِنَ الْغَنِيمَةِ، وَمَالِ مَنْ مَاتَ مِنَ الْكُفَّارِ وَلَا وَارِثَ لَهُ، وَمَالِ الْمُرْتَدِّ إِذَا مَاتَ عَلَى رِدَّتِهِ بِقَتْلٍ أَوْ غَيْرِهِ أَوْ لَحِقَ بِدَارِ حَرْبٍ، ((وَ)) يَعْتَنِي أَيْضًا بِـ ((الصَّرْفِ)) لِذَلِكَ الْمَالِ الْمَذْكُورِ ((فِي مِنْهَاجِ)) أَيْ طَرِيقِ وَجِهَةِ مَصْرَفِهِ الْمُعَيَّنَةِ لَهُ شَرْعًا، فَيُصْرَفُ فِي مَصَالِحِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ، وَيُبْدَأُ مِنْ ذَلِكَ بِالْأَهَمِّ فَالْأَهَمِّ مِنَ الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ لِأَهْلِ الدَّارِ الَّتِي بِهَا حَفِظُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ وَظَائِفِ جُنْدِ الْإِسْلَامِ وَعِمَارَةِ الثُّغُورِ وَكِفَايَةِ أَهْلِهَا، وَمَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مَنْ يَدْفَعُ عَنِ الْمُسْلِمِينَ مِنَ السِّلَاحِ وَالْكُرَاعِ وَسَدِّ الْبُثُوقِ وَكَرْيِ الْأَنْهَارِ وَعَمَلِ الْقَنَاطِرِ عَلَى الطُّرُقِ وَالْمَسَاجِدِ، وَأَرْزَاقِ الْقُضَاةِ وَالْأَئِمَّةِ وَالْمُؤَذِّنِينَ وَالْفُقَهَاءِ وَمَنْ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ، وَكُلُّ مَا يَعُودُ نَفْعُهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ فَضَلَ مِنْهُ شَيْءٌ قُسِّمَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ غَنِيِّهِمْ وَفَقِيرِهِمْ، نَعَمْ لَا يُفْرَدُ الْعَبْدُ بِالْعَطَاءِ بَلْ يُزَادُ سَيِّدُهُ، وَاخْتَارَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ - قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ - أَنَّهُ لَا حَظَّ لِلرَّافِضَةِ فِيهِ، ذَكَرَهُ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي كِتَابِهِ زَادِ الْمَعَادِ فِي هَدْيِ خَيْرِ الْعِبَادِ عَنِ الْإِمَامَيْنِ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ ﵄.
وَكُلُّ مَا ذُكِرَ مِنْ إِقَامَةِ الْحُدُودِ وَسَدِّ الثُّغُورِ وَحِفْظِ بَيْضَةِ الْإِسْلَامِ وَاجِبٌ، وَمَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ الْمُطْلَقُ إِلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ، فَلِهَذَا قُلْنَا وَلَا غِنَى لِمِلَّةِ الْإِسْلَامِ
стр. 873
عَنْ إِقَامَةِ إِمَامٍ فَنَصْبُهُ فَرْضُ كِفَايَةٍ، إِذْ فِي نَصْبِهِ جَلْبُ مَنَافِعَ لَا تُحْصَى وَدَفْعُ مَضَارٍّ لَا تُسْتَقْصَى، وَكُلُّ مَا كَانَ كَذَلِكَ فَهُوَ وَاجِبٌ، فَإِنَّ جَلْبَ الْمَنَافِعِ وَدَفْعَ الْمَضَارِّ الْمُتَرَتِّبَةِ عَلَى نَصْبِ الْإِمَامِ تَكَادُ تَلْحَقُ بِالضَّرُورَاتِ بَلْ بِالْمُشَاهَدَاتِ بِشَهَادَةِ مَا تَرَاهُ مِنَ الْفِتَنِ وَالْفَسَادِ وَانْفِصَامِ أُمُورِ الْعِبَادِ بِمُجَرَّدِ مَوْتِ الْإِمَامِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى مَا يَنْبَغِي مِنَ الصَّلَاحِ وَالسَّدَادِ، فَإِقَامَةُ الْإِمَامِ فَرْضُ كِفَايَةٍ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَمَنْ وَافَقَهُمْ بِالْإِجْمَاعِ، وَعِنْدَ مَنْ قَالَ بِالْوُجُوبِ عَقْلًا مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ كَأَبِي الْحُسَيْنِ وَالْجَاحِظِ وَالْخَيَّاطِ وَالْكَعْبِيِّ فَبِالضَّرُورَةِ، وَأَمَّا مُخَالَفَةُ الْخَوَارِجِ وَنَحْوِهِمْ فِي الْوُجُوبِ فَلَا اعْتِدَادَ بِهَا، لِأَنَّ مُخَالَفَتَهُمْ كَسَائِرِ الْمُبْتَدِعَةِ لَيْسَ قَادِحٌ فِي الْإِجْمَاعِ وَلَا يُخِلُّ بِمَا يُفِيدُهُ مِنَ الْقَطْعِ بِالْحُكْمِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ.
وَدَعْوَى أَنَّ فِي نَصْبِهِ ضَرَرًا مِنْ حَيْثُ إِلْزَامُ مَنْ هُوَ مِثْلُهُ بِامْتِثَالِ أَوَامِرِهِ فِيهِ إِضْرَارٌ بِهِ فَيُؤَدِّي إِلَى الْفِتْنَةِ، وَمِنْ حَيْثُ إِنَّهُ غَيْرُ مَعْصُومٍ مِنْ نَحْوِ الْكُفْرِ وَالْفُسُوقِ، فَإِنْ لَمْ يُعْزَلْ أَضَرَّ بِالنَّاسِ وَإِنْ عُزِلَ أَدَّى إِلَى مُحَارَبَةٍ وَفِيهَا ضَرَرٌ بَاطِلَةٌ لَا يَنْظَرُ إِلَيْهَا لِأَنَّ الْإِضْرَارَ اللَّازِمَ مِنْ تَرْكِ نَصْبِهِ أَعْظَمُ وَأَقْبَحُ، بَلْ لَا نِسْبَةَ بَيْنَهُمَا، وَإِذَا اجْتَمَعَ ضَرَرَانِ دُفِعَ أَعْظَمُهُمَا بِأَخَفِّهِمَا وُجُوبًا، وَفَرْضُ انْتِظَامِ النَّاسِ بِدُونِ إِمَامٍ مُحَالٌ كَمَا هُوَ مُشَاهَدٌ.
[أوجه تولي الإمامة وشروطه]
((وَنَصْبُهُ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ ... وَقَهْرِهِ فَحُلْ عَنِ الْخِدَاعِ))
((وَشَرْطُهُ الْإِسْلَامُ وَالْحُرِّيَّهْ ... عَدَالَةٌ سَمِعٌ مَعَ الدَّرِيَّهْ))
((وَأَنْ يَكُونَ مِنْ قُرَيْشٍ عَالِمَا ... مُكَلَّفًا ذَا خِبْرَةٍ وَحَاكِمَا))
((وَ)) يَثْبُتُ ((نَصْبُهُ)) أَيِ الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ ((بِالنَّصِّ)) مِنَ الْإِمَامِ عَلَى اسْتِخْلَافِ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِهَا، بِأَنْ يَعْهَدَ الْإِمَامُ إِلَى إِنْسَانٍ يَنُصُّ عَلَيْهِ بَعْدَهُ، وَلَا يَحْتَاجُ فِي ذَلِكَ إِلَى مُوَافَقَةِ أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ كَمَا عَهِدَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ بِالْخِلَافَةِ إِلَى عُمَرَ الْفَارُوقِ ﵄، ((وَ)) يَثْبُتُ نَصْبُهُ أَيْضًا بِـ ((الْإِجْمَاعِ)) مِنْ أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ كَإِمَامَةِ الصِّدِّيقِ الْأَعْظَمِ أَبِي بَكْرٍ ﵁ خَلِيفَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإِذَا بَايَعَهُ أَهْلُ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ مِنَ الْعُلَمَاءِ وَوُجُوهِ النَّاسِ الَّذِينَ هُمْ بِصِفَةِ الشُّهُودِ مِنَ الْعَدَالَةِ وَغَيْرِهَا ثَبَتَتْ إِمَامَتُهُ، وَكَذَا فِي جَعْلِ الْأَمْرِ شُورَى فِي عَدَدٍ مَحْصُورٍ لِيَتَّفِقَ أَهْلُ الْبَيْعَةِ عَلَى أَحَدِهِمْ، فَإِذَا اتَّفَقُوا عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمْ صَارَ إِمَامًا
стр. 874
كَمَا فَعَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ حَيْثُ جَعَلَ أَمْرَ الْإِمَامَةِ بَيْنَ سِتَّةِ أَنْفَارٍ حَتَّى وَقَعَ اتِّفَاقُهُمْ عَلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ﵁ وَعَنْهُمْ أَجْمَعِينَ -، ((وَ)) يَثْبُتُ نَصْبُهُ أَيْضًا بِـ ((قَهْرِهِ)) النَّاسَ بِسَيْفِهِ حَتَّى يُذْعِنُوا لَهُ وَيَدْعُوهُ إِمَامًا فَتَثْبُتُ لَهُ الْإِمَامَةُ.
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵁ فِي رِوَايَةِ عَبْدُوسِ بْنِ مَالِكٍ الْعَطَّارِ: وَمَنْ غَلَبَ عَلَيْهِمْ بِالسَّيْفِ حَتَّى صَارَ خَلِيفَةً وَسُمِّي أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ فَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ يَبِيتُ وَلَا يَرَاهُ إِمَامًا بَرًّا كَانَ أَوْ فَاجِرًا انْتَهَى. لِأَنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ خَرَجَ عَلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ ﵄، فَقَتَلَهُ وَاسْتَوْلَى عَلَى الْبِلَادِ وَأَهْلِهَا حَتَّى بَايَعُوهُ طَوْعًا وَكَرْهًا وَدَعَوْهُ إِمَامًا، وَلِمَا فِي الْخُرُوجِ عَلَيْهِ مِنْ شَقِّ عَصَا الْمُسْلِمِينَ وَإِرَاقَةِ دِمَائِهِمْ وَذَهَابِ أَمْوَالِهِمْ، وَلِهَذَا قَالَ: ((فَحُلْ)) أَمْرُ إِرْشَادٍ أَيِ ابْعُدْ وَزُلْ وَمِنْهُ: ﴿لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا﴾ [الكهف: ١٠٨] ، ((عَنِ الْخِدَاعِ)) مُتَعَلِّقٌ بِحُلْ مِنْ خَدَعَهُ كَمَنَعَهُ خُدَعًا وَيُكْسَرُ خَتَلَهُ، وَأَرَادَ بِهِ الْمَكْرُوهَ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُ كَاخْتَدَعَهُ فَانْخَدَعَ وَالِاسْمُ الْخَدِيعَةُ، يَعْنِي اتْرُكْ مَخَادِعَ أَهْلِ الْبِدَعِ وَتَزْوِيقَ مَا يُظْهِرُونَ مِنْ جَوَازِ الْخُرُوجِ عَلَى الْإِمَامِ وَعَنْ طَاعَتِهِ، وَزَعْمِهِمْ عَدَمَ وُجُوبِ نَصْبِهِ، فَإِنَّهُمْ ضَالُّونَ وَمَنْ وَافَقَهُمْ صَارَ مِنْهُمْ.
ثُمَّ أَخَذَ فِي ذِكْرِ شُرُوطِ الْإِمَامِ الْمَنْصُوبِ وَمَا يُعْتَبَرُ أَنْ يَكُونَ فِيهِ وَمُتَّصِفًا بِهِ عَلَى سَبِيلِ الْوُجُوبِ، ((وَشَرْطُهُ)) أَيْ يُشْتَرَطُ فِيهِ ((الْإِسْلَامُ)) لِأَنَّ غَيْرَ الْمُسْلِمِ لَا يَكُونُ لَهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ سَبِيلٌ، ((وَالْحُرِّيَّةُ)) لِأَنَّ الرَّقِيقَ بِجَمِيعِ أَنْوَاعِهِ عَلَيْهِ الْوِلَايَةُ فَلَا يَكُونُ وَالِيًا عَلَى غَيْرِهِ فَضْلًا عَنْ عَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَخَاصَّتِهِمْ، وَأَمَّا حَدِيثُ: " «اسْمَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوا وَلَوْ وَلِيَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ أَسْوَدُ كَأَنَّ رَأْسَهُ زَبِيبَةٌ» " مَحْمُولٌ عَلَى نَحْوِ أَمِيرِ سَرِيَّةٍ. وَشَرْطُهُ أَيْ يُشْتَرَطُ فِيهِ أَيْضًا ((عَدَالَةٌ)) لِاشْتِرَاطِ ذَلِكَ فِي وِلَايَةِ الْقَضَاءِ وَهِيَ دُونَ الْإِمَامَةِ الْعُظْمَى، نَعَمْ إِنْ قَهَرَ النَّاسَ غَيْرُ عَدْلٍ فَهُوَ إِمَامٌ كَمَا تَقَدَّمَ نَصُّ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ﵁ فِي مِثْلِ ذَلِكَ. وَيُعْتَبَرُ فِيهِ أَيْضًا ((سَمِعٌ)) أَيْ أَنْ يَكُونَ سَمِيعًا بَصِيرًا نَاطِقًا، لِأَنَّ غَيْرَ الْمُتَّصِفِ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ لَا يَصْلُحُ لِسِيَاسَةِ الْخَلْقِ، ((مَعَ الدَّرِيَّةِ)) - بِفَتْحِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ وَتَشْدِيدِ التَّحْتِيَّةِ فَهَاءُ تَأْنِيثٍ - مِنَ الدِّرَايَةِ وَهِيَ الْعِلْمُ وَالْخِبْرَةُ، يُقَالُ دَرَيْتُ الشَّيْءَ وَدَرَيْتُ بِهِ دَرْيًا وَدِرَيَانًا بِالْكَسْرِ وَدُرْيَا كَحُبْلَى عَلِمْتُهُ أَوْ بِضَرْبٍ مِنَ الْحِيلَةِ كَمَا فِي الْقَامُوسِ
стр. 875
وَأُرِيدَ بِهِ اعْتِبَارُ كَوْنِهِ عَالِمًا بِالْأَحْكَامِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالسِّيَاسَةِ وَالْحُرُوبِ، ذَا بَصِيرَةٍ قَدْ عَلِمَ بِأَحْوَالِ النَّاسِ وَمَكْرِهِمْ وَخَتْلِهِمْ وَخَبِرَ أَحْوَالَهُمْ، لِاحْتِيَاجِ الْإِمَامِ إِلَى جَمِيعِ ذَلِكَ بِخِلَافِ الْمُغَفَّلِ فَلَا يَصْلُحُ لِلْإِمَامَةِ الْعُظْمَى، ((وَ)) يُعْتَبَرُ أَيْضًا ((أَنْ يَكُونَ)) الْإِمَامُ ((مِنْ قُرَيْشٍ)) وَهُوَ مَنْ كَانَ مِنْ نَسْلِ فِهْرٍ - بِكَسْرِ الْفَاءِ وَسُكُونِ الْهَاءِ - ابْنِ مَالِكِ بْنِ النَّضْرِ - وَاسْمُهُ قَيْسُ بْنُ كِنَانَةَ بْنِ خُزَيْمَةَ بْنِ مُدْرِكَةَ - وَاسْمُهُ عَمْرُو بْنُ إِلْيَاسَ - وَاسْمُهُ حَبِيبُ بْنُ مُضَرَ بْنِ نِزَارِ بْنِ مَعَدِّ بْنِ عَدْنَانَ، فَفِهْرٌ جُمَّاعُ قُرَيْشٍ فِي قَوْلِ الْكَلْبِيِّ وَغَيْرِهِ مِنَ الْعُلَمَاءِ فِي أَنْسَابِ الْعَرَبِ، وَسُمُّوا قُرَيْشًا لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَقْرِشُونَ عَنْ خَلَّةِ النَّاسِ - بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ - أَيْ حَاجَتِهِمْ وَفَقْرِهِمْ، وَمَعْنَاهُ يُنَقِّبُونَ عَنْهَا وَيَسْتَعْمِلُونَهَا لِيُغْنُوهُمْ وَيَسُدُّوا خَلَّتَهُمْ، وَكَانَ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمْ تَقَارَشَتِ الرِّمَاحُ إِذَا تَدَاخَلَتْ فِي الْحَرْبِ، لِأَنَّ الْمُسْتَعْلِمَ الْمُسْتَخْبِرَ يُدَاخِلُ أَحْوَالَ الَّذِي يَطْلُبُ عِلْمَ حَالِهِ لِيَحْصُلَ لَهُ مَقْصُودُهُ، وَقِيلَ إِنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنَ التَّقْرِيشِ وَهُوَ التَّعْيِيشُ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَعَيِّشُونَ الْحَاجَّ فَيُطْعِمُونَ الْجَائِعَ وَيَكْسُونَ الْعَارِيَ وَيَحْمِلُونَ الْمُنْقَطِعَ، قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: الْقَرْشُ الْكَسْبُ وَالْجَمْعُ وَقَدْ قَرَشَ يَقْرِشُ - بِالْكَسْرِ - قَالَ الْفَرَّاءُ: وَبِهِ سُمِّيَتْ قُرَيْشٌ. وَقِيلَ: سُمُّوا بِذَلِكَ لِدَابَّةٍ عَظِيمَةٍ تَأْكُلُ الدَّوَابَّ فِي الْبَحْرِ وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.
وَإِنَّمَا اشْتَرَطَ كَوْنَهُ مِنْ قُرَيْشٍ لِقَوْلِهِ ﷺ : " «الْأَئِمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ» ". رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَأَبُو يَعْلَى فِي مُسْنَدَيْهِمَا وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَرْزَةَ ﵁، وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ نَحْوَهُ مِنْ حَدِيثِ أَبَى هُرَيْرَةَ ﵁ مَرْفُوعًا وَلَفْظُهُ: " «الْمُلْكُ فِي قُرَيْشٍ» ". وَسَنَدُهُ صَحِيحٌ. وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ أَنَّهُ ﷺ قَالَ: " «الْخِلَافَةُ فِي قُرَيْشٍ» ". وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ أَيْضًا، وَرَوَى الْبَزَّارُ مِنْ حَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «الْأُمَرَاءُ مِنْ قُرَيْشٍ أَبْرَارُهَا أُمَرَاءُ أَبْرَارِهَا، وَفُجَّارُهَا أُمَرَاءُ فُجَّارِهَا» ". وَفِي الْحَدِيثِ: " «قَدِّمُوا قُرَيْشًا وَلَا تَقَدَّمُوهَا» ". وَقَوْلُ الصِّدِّيقِ وَالْمُهَاجِرِينَ لِلْأَنْصَارِ: إِنَّ الْعَرَبَ لَا تَدِينُ إِلَّا لِهَذَا الْحَيِّ مِنْ قُرَيْشٍ وَرَوَوْا لَهُمْ فِي ذَلِكَ الْأَخْبَارَ.
وَيُعْتَبَرُ أَنْ يَكُونَ ((عَالِمًا)) بِالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ لِاحْتِيَاجِهِ إِلَى مُرَاعَاتِهَا فِي أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ، وَأَنْ يَكُونَ ((مُكَلَّفًا)) أَيْ بَالِغًا عَاقِلًا، لِأَنَّ غَيْرَ الْبَالِغِ الْعَاقِلِ يَحْتَاجُ لِمَنْ يَلِي أَمْرَهُ، فَلَا يَكُونُ وَالِيًا عَلَى أَمْرِ الْمُسْلِمِينَ
стр. 876
وَأَنْ يَكُونَ ((ذَا خِبْرَةٍ)) بِتَدْبِيرِ الْأُمُورِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْبِلَادِ وَالْعِبَادِ، ((وَ)) أَنْ يَكُونَ ((حَاكِمًا)) أَيْ يَكُونُ قَادِرًا عَلَى إِيصَالِ الْحَقِّ إِلَى مُسْتَحِقِّهِ، وَكَفِّ ظُلْمِ الْمُعْتَدِي وَقَمْعِ أَهْلِ الِافْتِرَاءِ وَالِاعْتِدَاءِ، وَقَادِرًا عَلَى إِقَامَةِ الْحُدُودِ وَقَمْعِ أَهْلِ الضَّلَالِ وَالْجُحُودِ، لَا تَأْخُذُهُ رَأْفَةٌ فِي إِقَامَةِ الْحُدُودِ وَالذَّبِّ عَنِ الْأُمَّةِ.
فَإِنْ عُقِدَتْ لِأَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ فَهِيَ لِلْأَوَّلِ، فَإِنْ فَسَقَ الْإِمَامُ بَعْدَ الْعَدَالَةِ الْمُقَارَنَةِ لِلْعَدْلِ لَمْ يَنْعَزِلْ عَلَى الْأَصَحِّ الْأَشْهَرِ، وَلَا تُشْتَرَطُ عِصْمَتُهُ فِي حَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ، وَلَا كَوْنُهُ أَفْضَلَ الْأُمَّةِ، وَلَا كَوْنُهُ هَاشِمِيًّا، أَوْ إِظْهَارُ مُعْجِزَةٍ عَلَى يَدِهِ يُعْلَمُ بِهِ صِدْقُهُ خِلَافًا لِلرَّافِضَةِ، وَهَذَا مِنْ خُرَافَاتِهِمْ وَجَهَالَاتِهِمْ. وَمِنْ جَهَالَاتِهِمْ أَيْضًا زَعْمُهُمْ أَنَّ غَيْرَ الْمَعْصُومِ يُسَمَّى ظَالِمًا فَيَتَنَاوَلُهُ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٢٤] إِذِ الظَّالِمُ لُغَةً مَنْ يَضَعُ الشَّيْءَ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ وَشَرْعًا الْعَاصِي، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ غَيْرَ مَعْصُومٍ أَنْ يَكُونَ عَاصِيًا وَلَا ظَالِمًا لِجَوَازِ كَوْنِهِ مَحْفُوظًا فَلَا يَصْدُرُ عَنْهُ ذَنْبٌ أَوْ إِذَا صَدَرَ عَنْهُ ذَنْبٌ تَابَ مِنْهُ تَوْبَةً نَصُوحًا.
[وجوب طاعته بشرطه]
((وَكُنْ مُطِيعًا أَمْرَهُ فِيمَا أَمَرْ ... مَا لَمْ يَكُنْ بِمُنْكَرٍ فَيُحْتَذَرْ))
((وَ)) إِذَا عُقِدَتْ لَهُ الْإِمَامَةُ فَصَارَ إِمَامًا لِلْمُسْلِمِينَ فَـ ((كُنْ مُطِيعًا)) أَنْتَ وَسَائِرُ رَعِيَّتِهِ ((أَمْرَهَ فِيمَا)) أَيْ فِي الشَّيْءِ الَّذِي ((أَمَرَ)) بِهِ إِنْ كَانَ طَاعَةً، وَالْحَاصِلُ أَنَّ طَاعَتَهُ تَجِبُ فِي الطَّاعَةِ وَتُسَنُّ فِي الْمَسْنُونِ وَتُكْرَهُ فِي الْمَكْرُوهِ، فَإِذَا أَمَرَ بِمَعْرُوفٍ وَجَبَ امْتِثَالُ أَمْرِهِ ((مَا لَمْ يَكُنْ)) أَمْرُهُ ((بِـ)) شَيْءٍ ((مُنْكَرٍ)) ضِدِّ الْمَعْرُوفِ، ((فَـ)) لَا يُطَاعُ فِي ذَلِكَ بَلْ ((يُحْتَذَرُ)) وَيُجْتَنَبُ فَلَا تَجِبُ طَاعَتُهُ فِي الْمَعْصِيَةِ، بَلْ تَحْرُمُ إِذْ لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ فِي صَدْرِ كِتَابِهِ السِّيَاسَةِ الشَّرْعِيَّةِ: ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ أَنَّهُ قَالَ: " «إِنَّ اللَّهَ يَرْضَى ثَلَاثًا: أَنْ تَعْبُدُوهُ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَأَنْ تَعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا، وَأَنْ تُنَاصِحُوا مَنْ وَلَّاهُ أَمْرَكُمْ» ". قَالَ: وَآيَةُ الْأُمَرَاءِ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى هِيَ قَوْلُهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا - يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٨ - ٥٩]
стр. 877
قَالَ: نَزَلَتِ الْآيَةُ الْأُولَى فِي وُلَاةِ الْأُمُورِ وَعَلَيْهِمْ أَنْ يُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا، وَإِذَا حَكَمُوا بَيْنَ النَّاسِ أَنْ يَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ، وَنَزَلَتِ الْآيَةُ الثَّانِيَةُ فِي الرَّعِيَّةِ مِنَ الْجُيُوشِ وَغَيْرِهِمْ أَنْ يُطِيعُوا أُولِي الْأَمْرِ الْفَاعِلِينَ لِذَلِكَ فِي قَسَمِهِمْ وَحُكْمِهِمْ وَمَغَازِيهِمْ وَغَيْرِ ذَلِكَ، إِلَّا أَنْ يَأْمُرُوا بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعَالَى فَلَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ، فَإِنْ تَنَازَعُوا فِي شَيْءٍ رَدُّوهُ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ ﷺ ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ وُلَاةُ الْأُمُورِ ذَلِكَ أُطِيعُوا فِيمَا يَأْمُرُونَ بِهِ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ، لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأُدِّيَتْ حُقُوقُهُمْ إِلَيْهِمْ كَمَا أَمَرَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَأُعِينُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا يُعَاوَنُونَ عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ، فَعَلَى وَلِيِّ الْأَمْرِ أَنْ يُوَلِّيَ عَلَى كُلِّ عَمَلٍ مِنْ أَعْمَالِ الْمُسْلِمِينَ أَصْلَحَ مَنْ يَجِدُهُ لِذَلِكَ الْعَمَلِ.
فَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " «مَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ الْمُسْلِمِينَ شَيْئًا فَوَلَّى رَجُلًا وَهُوَ يَجِدُ أَصْلَحَ لِلْمُسْلِمِينَ مِنْهُ فَقَدْ خَانَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ» ". رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي صَحِيحِهِ، وَفِي رِوَايَةٍ: " «مَنْ قَلَّدَ رَجُلًا عَمَلًا مِنْ عِصَابَةٍ وَهُوَ يَجِدُ فِي تِلْكَ الْعِصَابَةِ مَنْ هُوَ أَرْضَى لِلَّهِ مِنْهُ فَقَدْ خَانَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ» "، وَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁: مَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ الْمُسْلِمِينَ شَيْئًا فَوَلَّى رَجُلًا لِمَوَدَّةٍ أَوْ قَرَابَةٍ بَيْنَهُمَا فَقَدْ خَانَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالْمُسْلِمِينَ. وَاللَّهُ تَعَالَى الْمُوَفِّقُ.
[فَصْلٌ فِي الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ]
[صلاح العباد لا يتم إلا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر]
((فَصْلٌ فِي الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ))
وَلَمَّا كَانَ صَلَاحُ الْعِبَادِ فِي الْمَعَاشِ وَالْمَعَادِ لَا يَتِمُّ وَلَا يَصْلُحُ وَلَا يَسْتَقِيمُ لَهُمْ حَالٌ إِلَّا بِذَلِكَ قَالَ:
((وَاعْلَمْ بِأَنَّ الْأَمْرَ وَالنَّهْيَ مَعَا ... فَرْضَا كِفَايَةٍ عَلَى مَنْ قَدْ وَعَا))
((وَإِنْ يَكُنْ ذَا وَاحِدًا تَعَيَّنَا ... عَلَيْهِ لَكِنْ شَرْطُهُ أَنْ يَأْمَنَا))
((فَاصْبِرْ وَزُلْ بِالْيَدِ وَاللِّسَانِ ... لِمُنْكَرٍ وَاحْذَرْ مِنَ النُّقْصَانِ))
((وَاعْلَمْ)) أَيُّهَا الْمُتَبَحِّرُ فِي عِلْمِ أُصُولِ الدِّينِ الْمُحَرِّرِ لِدَعَائِمِ الدِّينِ وَقَوَاعِدِ الْحَقِّ الْمُبِينِ ((بِأَنَّ الْأَمْرَ)) أَيْ بِالْمَعْرُوفِ، وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ اسْمٌ جَامِعٌ لِكُلِّ مَا عُرِفَ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ وَالتَّقَرُّبِ إِلَيْهِ وَالْإِحْسَانِ إِلَى النَّاسِ كَمَا تَقَدَّمَ قَرِيبًا، ((وَالنَّهْيَ)) عَنِ الْمُنْكَرِ وَهُوَ ضِدُّ الْمَعْرُوفِ ((مَعًا)) أَيْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا
стр. 878
مُنْفَرِدًا وَكِلَاهُمَا ((فَرْضَا كِفَايَةٍ)) عَلَى جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ يُخَاطِبُ بِهِ الْجَمِيعَ وَيَسْقُطُ بِمَنْ يَقُومُ بِهِ، بِخِلَافِ فَرْضِ الْعَيْنِ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ وَلَا يَسْقُطُ عَنْهُ بِفِعْلِ غَيْرِهِ، ((عَلَى مَنْ)) أَيْ إِنْسَانٍ أَوِ الَّذِي ((قَدْ وَعَا)) أَيْ حَفِظَ حُكْمَهُ وَعَلِمَهُ وَذَلِكَ لِأَنَّ إِصْلَاحَ الْمَعَاشِ وَالْمَعَادِ إِنَّمَا هُوَ بِطَاعَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَامْتِثَالِ أَوَامِرِهِ وَالِانْتِهَاءِ عَنْ زَوَاجِرِهِ، وَلَا يَتِمُّ ذَلِكَ إِلَّا بِالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَبِهِ صَارَتْ هَذِهِ الْأُمَّةُ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ قَالَ تَعَالَى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١١٠] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٤] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [التوبة: ٧١] ، وَقَالَ عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ: ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة: ٧٩] ، وَفِي الْحَدِيثِ الثَّابِتِ «عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ أَنَّهُ خَطَبَ النَّاسَ عَلَى مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّكُمْ تَقْرَءُونَ هَذِهِ الْآيَةَ وَتَضَعُونَهَا عَلَى غَيْرِ مَوْضِعِهَا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥] ، وَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوُا الْمُنْكَرَ فَلَمْ يُغَيِّرُوهُ أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللَّهُ بِعِقَابٍ مِنْهُ» ". وَفِي لَفْظٍ مِنْ عِنْدِهِ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَابْنُ مَاجَهْ وَالنَّسَائِيُّ وَلَفْظُهُ: «إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " إِنَّ الْقَوْمَ إِذَا رَأَوُا الْمُنْكَرَ فَلَمْ يُغَيِّرُوهُ عَمَّهُمُ اللَّهُ بِعِقَابٍ» ".، وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُدَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «مَا مِنْ قَوْمٍ يُعْمَلُ فِيهِمْ بِالْمَعَاصِي، ثُمَّ يَقْدِرُونَ عَلَى أَنْ يُغَيِّرُوا ثُمَّ لَا يُغَيِّرُوا إِلَّا يُوشَكُ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللَّهُ مِنْهُ بِعِقَابٍ» ". وَفِي رِوَايَةٍ: " «إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوُا الظَّالِمَ فَلَمْ يَأْخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللَّهُ بِعِقَابٍ مِنْ عِنْدِهِ» ".
((وَإِنْ يَكُنْ ذَا)) أَيِ الَّذِي عَلِمَ بِالْمُنْكَرِ وَتَحَقَّقَهُ وَشَاهَدَهُ وَهُوَ عَارِفٌ بِمَا يُنْكِرُ ((وَاحِدًا)) أَوْ كَانُوا عَدَدًا وَلَكِنْ لَا يَحْصُلُ الْمَقْصُودُ إِلَّا بِهِمْ جَمِيعًا ((تَعَيَّنَا)) أَيِ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ وَصَارَا فَرْضَ عَيْنٍ ((عَلَيْهِ)) أَوْ عَلَيْهِمْ لِلُزُومِهِ عَلَيْهِمْ ((وَلَكِنْ شَرْطُهُ)) أَيْ شَرْطُ افْتِرَاضِهِ عَلَى الْجَمَاعَةِ
стр. 879
أَوِ الْوَاحِدِ سَوَاءٌ كَانَا فَرْضَ كِفَايَةٍ أَوْ عَيْنٍ ((أَنْ يَأْمَنَا)) بِأَلِفِ الْإِطْلَاقِ عَلَى نَفْسِهِ وَمَالِهِ وَلَمْ يَخَفْ سَوْطًا وَلَا عَصًا وَلَا أَذًى وَلَا فِتْنَةً تَزِيدُ عَلَى الْمُنْكَرِ، وَقِيلَ إِذَا زَادَتْ وَجَبَ الْكَفُّ، وَإِنْ تَسَاوَيَا سَقَطَ الْإِنْكَارُ. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵁: يَأْمُرُ بِالرِّفْقِ وَالْخُضُوعِ، فَإِنْ أَسْمَعُوهُ مَا يَكْرَهُ لَا يَغْضَبُ فَيَكُونُ يُرِيدُ أَنْ يَنْتَصِرَ. وَلِهَذَا قَالَ: " فَاصْبِرْ " عَلَى الْأَذَى مِمَّنْ تَأْمُرُهُ وَتَنْهَاهُ وَلَا تَغْضَبْ لِنَفْسِكَ، بَلْ لِلَّهِ، (وَزُلِ) الْمُنْكَرَ وَغَيْرَهُ مِنْ زَالَهُ عَنْ مَكَانِهِ يُزِيلُهُ زَيْلًا وَإِزَالَةً وَإِزَالًا ((بِالْيَدِ)) وَهُوَ أَعْلَى دَرَجَاتِ الْإِنْكَارِ، وَإِزَالَةُ الْمُنْكَرِ كَإِرَاقَةِ الْخَمْرِ، وَكَسْرِ أَوَانِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَالْحَيْلُولَةِ بَيْنَ الضَّارِبِ وَالْمَضْرُوبِ وَنَحْوِهِ، وَرَدِّ الْمَغْصُوبِ إِلَى مَالِكِهِ، ((وَ)) غَيْرُ الْمُنْكَرِ بِـ ((اللِّسَانِ)) حَيْثُ لَمْ تَسْتَطِعْ تَغْيِيرَهُ بِالْيَدِ بِأَنْ تَعِظَهُ وَتُذَكِّرَهُ بِاللَّهِ وَأَلِيمِ عِقَابِهِ وَتُوَبِّخَهُ وَتُعَنِّفَهُ مَعَ لِينٍ وَإِغْلَاظٍ بِحَسَبِ مَا يَقْتَضِيهِ الْحَالُ، وَقَدْ يَحْصُلُ الْمَقْصُودُ فِي بَعْضِ الْمَحَالِّ بِالرِّفْقِ وَالسِّيَاسَةِ بِأَزْيَدَ وَأَتَمَّ مِمَّا يَحْصُلُ بِالْعُنْفِ وَالرِّيَاسَةِ، كَأَنْ يَقُولَ لِمَنْ رَآهُ مُتَكَشِّفًا فِي نَحْوِ حَمَّامٍ: اسْتُرْ سَتَرَكَ اللَّهُ، وَنَحْوُ ذَلِكَ ((لِمُنْكَرٍ)) مُتَعَلِّقٌ بِزُلْ وَفِي نُسْخَةٍ بَدَلَ زُلْ " ذُدْ " أَيِ اطْرُدْ وَامْنَعْ لِلْمُنْكَرِ بِالْيَدِ وَاللِّسَانِ، ((وَاحْذَرْ)) مِنَ النُّزُولِ عَنْ أَعْلَى الْمَرَاتِبِ حَيْثُ قَدَرْتَ عَلَى أَنْ تُغَيِّرَ الْمُنْكَرَ بِيَدِكَ إِلَى أَوْسَطِهَا وَهُوَ الْإِنْكَارُ بِاللِّسَانِ إِلَّا مَعَ الْعَجْزِ عَنْ ذَلِكَ، ثُمَّ إِنَّهُ لَا يَسُوغُ لَكَ الْعُدُولُ عَنِ التَّغْيِيرِ لِلْمُنْكَرِ بِاللِّسَانِ وَأَنْتَ تَقْدِرُ عَلَيْهِ إِلَى الْإِنْكَارِ بِالْقَلْبِ، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ تَغْيِيرَ الْمُنْكَرِ لَا بِيَدِكَ وَلَا بِلِسَانِكَ فَاعْدِلْ إِلَى الْإِنْكَارِ بِقَلْبِكَ وَهُوَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ، فَلِذَا حَذَّرَ ((مِنَ النُّقْصَانِ)) .
وَأَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالنَّسَائِيُّ، وَلَفْظُهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَغَيَّرَهُ بِيَدِهِ فَقَدْ بَرِئَ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُغَيِّرَهُ بِيَدِهِ فَغَيَّرَهُ بِلِسَانِهِ فَقَدْ بَرِئَ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُغَيِّرَهُ بِلِسَانِهِ فَغَيَّرَهُ بِقَلْبِهِ فَقَدْ بَرِئَ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ» ". وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
стр. 880
وَسَلَّمَ - قَالَ: " «مَا مِنْ نَبِيٍّ بَعَثَهُ اللَّهُ فِي أُمَّةٍ قَبْلِي إِلَّا كَانَ لَهُ مَنْ أُمَّتِهِ حَوَارِيُّونَ وَأَصْحَابٌ، يَأْخُذُونَ بِسُنَّتِهِ وَيَقْتَدُونَ بِأَمْرِهِ، ثُمَّ إِنَّهَا تَخْلُفُ مِنْ بَعْدِهِمْ خُلُوفٌ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ وَيَفْعَلُونَ مَا لَا يُؤْمَرُونَ، فَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِيَدِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِلِسَانِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِقَلْبِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، لَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنَ الْإِيمَانِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ» ". وَفِي هَذَا الْبَابِ عِدَّةُ أَحَادِيثَ وَقَدْ دَلَّتْ كُلُّهَا عَلَى إِنْكَارِ الْمُنْكَرِ بِحَسَبِ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ، وَأَنَّ إِنْكَارَهُ بِالْقَلْبِ لَا بُدَّ مِنْهُ، فَمَنْ لَمْ يُنْكِرْ قَلْبُهُ الْمُنْكَرَ دَلَّ عَلَى ذَهَابِ الْإِيمَانِ مِنْ قَلْبِهِ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ ﵁ قَالَ قَالَ عَلِيٌّ ﵁: إِنَّ أَوَّلَ مَا تُغْلَبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْجِهَادِ الْجِهَادُ بِأَيْدِيكُمْ، ثُمَّ الْجِهَادُ بِأَلْسِنَتِكُمْ، ثُمَّ الْجِهَادُ بِقُلُوبِكُمْ، فَمَنْ لَمْ يَعْرِفْ قَلْبُهُ الْمَعْرُوفَ، وَيُنْكِرْ قَلْبُهُ الْمُنْكَرَ نُكِّسَ، فَجُعِلَ أَعْلَاهُ أَسْفَلَهُ. وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ ﵁: هَلَكَ مَنْ لَمْ يَعْرِفِ الْمَعْرُوفَ وَيُنْكِرِ الْمُنْكَرَ بِقَلْبِهِ. يُشِيرُ إِلَى أَنَّ مَعْرِفَةَ الْمَعْرُوفِ وَالْمُنْكَرِ بِالْقَلْبِ فَرْضٌ لَا يَسْقُطُ عَنْ أَحَدٍ، فَمَنْ لَمْ يَعْرِفْهُ هَلَكَ، وَأَمَّا الْإِنْكَارُ بِالْيَدِ وَاللِّسَانِ فَإِنَّمَا يَجِبُ بِحَسَبِ الطَّاقَةِ. وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ عَنِ الْعُرْسِ بْنِ عَمِيرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " «إِذَا عُمِلَتِ الْخَطِيئَةُ فِي الْأَرْضِ كَانَ مَنْ شَهِدَهَا فَكَرِهَهَا كَمَنْ غَابَ عَنْهَا، وَمَنْ غَابَ عَنْهَا وَرَضِيَهَا كَانَ كَمَنْ شَهِدَهَا» ". وَخَرَّجَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا نَحْوَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ مَعَ كَوْنِ ذَلِكَ وَاجِبًا تَارَةً يُحْمَلُ عَلَيْهِ رَجَاءُ الثَّوَابِ، وَتَارَةً خَوْفُ الْعِقَابِ فِي تَرْكِهِ، وَتَارَةً الْغَضَبُ لِلَّهِ عَلَى انْتِهَاكِ مَحَارِمِهِ، وَتَارَةً النَّصِيحَةُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالرَّحْمَةُ لَهُمْ، وَرَجَاءُ إِنْقَاذِهِمْ مِمَّا أَوْقَعُوا أَنْفُسَهُمْ فِيهِ مِنَ التَّعَرُّضِ لِغَضَبِ اللَّهِ وَعُقُوبَتِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَتَارَةً يُحْمَلُ عَلَيْهِ إِجْلَالُ اللَّهِ وَإِعْظَامُهُ وَمَحَبَّتُهُ وَأَنَّهُ أَهْلٌ أَنْ يُطَاعَ فَلَا يُعْصَى، وَيُذْكَرَ فَلَا يُنْسَى، وَيُشْكَرَ فَلَا يُكْفَرُ، وَأَنْ يُفْتَدَى مِنَ انْتِهَاكِ مَحَارِمِهِ بِالنُّفُوسِ وَالْأَمْوَالِ كَمَا قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: وَدِدْتُ أَنَّ الْخَلْقَ كُلَّهُمْ أَطَاعُوا اللَّهَ وَأَنَّ لَحْمِي قُرِضَ بِالْمَقَارِيضِ.
فَمَنْ لَحَظَ مَا ذَكَرْنَاهُ هَانَ عَلَيْهِ مَا يَلْقَاهُ مِنَ الْأَذَى فِي اللَّهِ ، قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ - قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ -: لَا يَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ إِلَّا مَنْ كَانَتْ فِيهِ خِصَالٌ ثَلَاثٌ: رَفِيقٌ بِمَا يَأْمُرُ رَفِيقٌ بِمَا يَنْهَى، عَدْلٌ بِمَا يَأْمُرُ عَدْلٌ
следующие страницы →