← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 8354

تنشئة الطفل وسبل الوالدين في معاملته ومواجهة مشكلاته

زكريا الشربينى

Полный текст (367 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

ج- المشرفة كمنفذة للمكافأة ولتعزيز السلوك الإيجابي: المشرفة تكافئ الأطفال على أعمالهم عن طريق السماح لهم بالقيام بأعمال جديدة، ولا تستخدم معهم أساليب الحرمان. ٤ - رؤية الآباء لدور الروضة في تنشئة الأطفال: إن دور الوالدين لا ينتهي بمجرد دخول طفلهم الروضة، وإنما هو امتداد لدور المنزل. وإن من الواجب أن ينظر الوالدان تبعا لظروف ابنهما غير الراغب في تقليل فترة دوامه بالروضة. ويقول آباء كثيرون أن الروضة بالإضافة إلى أنها أراحتهم من أطفالهم، تعلمهم أشياء مفيدة، وسلوكيات هامة للغاية، إلا أن هؤلاء الآباء يطلبون المزيد من جهود الروضة في تعليم الأطفال الكتابة والحساب واللغة، ونسوا أو تناسوا أن الهدف الأول والأهم للروضة هو العمل على إسعاد الطفل، وإكسابه العادات المقبولة في سنه وبيئته. وهي أمور أهم من التنشئة الاجتماعية.

стр. 107

رابعا: المدرسة مدخل ... رابعا: المدرسة المجال المدرسي هو المجال التربوي المقصود الذي تحدث فيه الظواهر التربوية التعليمية، وهو بالتالي مجال نفسي واجتماعي في نفس الوقت، ويقصد به جميع الظواهر التي تحدث في وقت معين بالنسبة لفرد أو مجموعة ما في جو المدرسة. فالمجال المدرسي مجال نفسي واجتماعي، لا يمكن فيه فصل الظواهر النفسة في الأفراد عن الظواهر الاجتماعية الخاصة بالمجموعات التي تلتقي فيه وتتفاعل في إحداث الظواهر التربوية فالمتغيرات السيكولوجية الخاصة بالأفراد من حاجات وأهداف ومدركات ... تلتقي بالمتغيرات الاجتماعية من منظومات القيم الثقافية، وهذا ما يجعل المجال المدرسي مجالا عاطفيا لسببين: الأول: أنه مجال معرفة ولا يمكن أن توجد آلية معرفية بدون عناصر وجدانية، كما لا توجد الأخيرة بدون الأولى داخل المدرسة. الثاني: أنه من حيث هو مجال نفسي واجتماعي هو مجال علاقات إنسانية، وحينما تكون علاقات إنسانية تكون هناك عواطف.

стр. 108

إن مرحلة المدرسة تبدأ في حياة الطفل منذ السادسة فأكثر، إنها توافق مرحلة الهدوء بالنسبة لنموه النفسي والاجتماعي، لأنه يكون قد تجاوز مرحلة المعارضة والعناد أو في سبيله للخروج منها. فهو بذلك قد خطا في مراحل الاندماج الاجتماعي. كما أن حياته العاطفية قد اغتنت واكتسبت خبرات لا بأس بها، في مواقفه من ذاته أو من الآخرين ومن الموضوعات المحيطة به. وبعد دخول الطفل المدرسة، يصبح خاضعا لها في نسبة كبيرة من وقته، فالمدرسة تؤثر فيه بما تعطيه من واجبات منزلية Home Assignments واستذكار وواجبات اجتماعية من خلال روابط تربط الطفل بالزملاء، وجمعيات وجماعات مدرسية. إن البيئة الأسرية والوسط الاجتماعي بصفة عامة، يكون قد مارس تأثيرات على الطفل فيما يخص إعداده للحياة المدرسية: فالأسرة في مواقفها من الطفل ومعاملتها له طوال ما مر من عمره قبل هذه المرحلة وكذا الحضانة أو الروضة قد جعلته يحمل تصورات خاصة عن جو المدرسة، وعن شخصية المعلم وجزء من دوره، وطبيعة العمل المدرسي، وهذه كافية لجعله مكونا بعض العواطف الإيجابة أو السلبية تجاهها. لقد ترددت على مسامع الطفل مقارنات كثيرة بينه حيث لم يدخل المدرسة بعد وبين أخيه الأكبر الذي دخلها، أو غيره من أبناء الجيران المنخرطين في حياة المدرسة. كما أنه قد تأهب لكثير من المواقف التي تجعله ينظر إلى دخول المدرسة كمرحلة ضرورية لا بد منها، وكذلك لإحراز قيمة إضافية لذاته وتوسيع دائرة ممتلكاته وتصرفاته. فدخول المدرسة يعني امتلاكه لأدوات مدرسية وزي خاص، وعناية خاصة عند الخروج وفي فترات الامتحانات. إن هذا التهيؤ لحياة المدرسة الذي تمارسه البيئة عن الطفل، والتهيؤ الذي يقوم به الطفل ذاته قد ينطوي على مظاهر سلبية أو إيجابية. فقد بلغت على هذا التهيؤ عامل القمع، بحيث تكون حياة المدرسة وعيدا وتهديدا لانطلاق الطفل وحيويته، وهذا ما يجعلنا نسمع صراخ الأطفال حفاوة في الفسحة أو في حصص الألعاب أو مع آخر اليوم الدراسي أو مع آخر يوم في الدراسة وبعده تبدأ الأجازات.

стр. 109

كل هذه أمور تعلن أن الطفل يشعر بأن المدرسة أقيمت للحد من رغباته ولقمع حريته أيضا. لكن الطفل يصبح مقتنعا بضرورة المرور بهذه المؤسسة أو الوكالة ليحظى بالمكانة أو الاعتراف، فهو عن طواعية يشارك في قمع ذاته وممارسة الضغط على نفسه. ويعني ذلك أن الطفل رغم ما سمعه ويسمعه عن الدراسة ويعايشه فيها يقبل عليها، وقد اتخذ موقفا منها وتكون في أعماقه ما يشير إلى إمكانية تقبله لها أو نفوره منها. ولا شك أن باستطاعة المدرسة أن تصلح كثيرا من الموقف السالب الذي أصبح لدى الطفل ولكنه يبقى دائما موقفا مبدئيا له دوره وتأثيره في كثير من المجتمعات. وللمدرسة وظيفة اجتماعية هامة، هي استمرار المجتمع الذي هي فيه، وذلك بأن تيسر لأطفال المجتمع، تمثل قيم هذا المجتمع ومعاييره، وتدربهم على السلوك الذي يرتضيه عموما في المواقف والمناسبات وهي بذلك وكالة من وكالات التنشئة الاجتماعية ذات الأهمية. وقد تكون المدرسة أول مجتمع يواجه الطفل بمفرده بعد خروجه من المنزل إذا لم تسنح له ظروف الالتحاق بالروضة. ويختلف هذا المجتمع الجديد عن أسرته التي قضى فيها فترته السابقة. إن أسرة الطفل كجماعة أولية كانت العلاقات تتميز فيها بالمواجهة والعمق والدفء، وإن الطفل فيها تقدر قيمته لذاته، أما الآن وقد دخل المدرسة فهي جماعة ثانوية، ليس فيها دائما علاقات المواجهة لا بين المدرسين والأطفال ولا بين الأطفال بعضهم والبعض فالعلاقات ليست على نفس الدرجة من العمق والحرارة. فأعداد الأطفال داخل المدرسة كبيرة مقارنة بالأسرة، وتبدل المدرسين من عام إلى آخر، بل ومن مادة إلى أخرى يجعل تكوين مثل هذه العلاقات ونموها أمرا صعبا جدا، كما أن المدرسة كتنظيم اجتماعي له وظيفة محددة، لا ترحب بنشأة هذه العلاقات، لأن تقويم التلاميذ وتقديرهم جزء أساسي من وظيفتها، وإن نشأة علاقات حميمة عميقة بين المدرسين والتلاميذ أمر يؤثر في سلامة أداء المدرسة لدورها التقويمي.

стр. 110

إن العلاقات في المدرسة أهم ما يميزها أنها رسمية يغلب عليها الخضوع لقواعد محددة ومعايير متفق عليها يخضع لها الجميع، أو على الأقل مطالبون بالخضوع لها. ويعد تقدير قيمة الطفل في المدرسة قائما على أساس مختلف عما كان في الأسرة، ففي الأسرة كان مصدر قيمته ذاته وأنه أحد أبناء الأسرة، أما في المدرسة فقيمة التلميذ تنبع من ثلاثة جوانب. الجانب الأولى مقدار ما يستطيع أن يتعلمه، أي تحصيله المدرسي، والثاني مدى مسايرته لأنظمة المدرسة وقواعد السلوك المطلوبة، أما الجانب الثالث فهو مشاركته في الأنشطة اللاصفية ومدى ما يهتم به في ألوان النشاط. والاختلاف بين الأسرة والمدرسة في طبيعة العلاقات والتفاعلات، لا يعني فقدان أو انقطاع الصلة بين الوكالتين، فالمدرسة تدفع الإمكانيات العقلية والمهارات الاجتماعية التي بدأتها الأسرة أو الروضة وتبني عليها ما يتناسب مع طبيعة المجتمع.

стр. 111

١- بنية المدرسة الاجتماعية وأثرها في التنشئة الاجتماعية للأطفال: في هذا النطاق يتطلب الأمر الحديث عن أربعة أمور رئيسية هي حجم سكان المدرسة، وحركة المجتمع المدرسي، والتفاوت العمري والجنسي لمجتمع المدرسة والتفاوت الاجتماعي والاقتصادي لمجتمع المدرسة. أ- حجم سكان المدرسة: لا نختلف أن عدد الأفراد الموجودين في المدرسة ضخم، من تلاميذ ومدرسين وإداريين. والطفل أصبح الآن. بعد دخوله ذلك المجتمع الجديد مطالبا بأن يكتسب لنفسه مكانا، واستخلاص هذا المكان والاعتراف ليس بالأمر الهين أو الذي تسمح به المدرسة بسهولة، وإنما يحتاج إلى مثابرة من التلميذ ومنافسة وتغلب على الصعوبات والعقبات، وربما تعرض الطفل للضياع وسط هذا الخضم الهائل، وخاصة عند انتقاله من أسرة تميل إلى صغر الحجم في عصرنا الحالي إلى مدرسة تتجه إلى التضخم والاتساع، وقد يترتب على هذا فقدان ذلك الصغير للثقة بالنفس نسبيا وربما لاحترام الذات، مما يترك آثارا سلبية على نموه الاجتماعي ومن ثم تنشئته الاجتماعية.

стр. 112

ومع الأعداد الكبيرة لا يسهل عادة إقامة علاقات اجتماعية عميقة بين التلاميذ بعضهم والبعض وبين التلاميذ والمدرسين، ولا يتمكن المدرس من إنشاء هذه العلاقات بينه وبين التلاميذ بسهولة إلا إذا كان عدد التلاميذ مناسبا. ب- حركة المجتمع المدرسي: إن أعضاء المدرسة يتميزون بالحركة والتغير، فالتلاميذ يتغيرون بالنجاح من سنة إلى أخرى أو حتى الرسوب، والمدرسون يتغيرون مع سنوات الدراسة وربما ينقلون. وإذا كانت هذه الحركة لأعضاء المدرسة تتيح للتلميذ فرصا وخبرات جديدة ومواجهة مع أنماط جماعية وأفراد مثل الذين يواجههم مستقبلا في المجتمع، فهذا أمر لازم لعملية التطبيع الاجتماعي، إلا أن فيه ما يجعل الطفل غير شاعر بالاطمئنان وخاصة مع سنواته الأولى بالمدرسة. جـ- التفاوت العمري والجنسي لمجتمع المدرسة: إن أفراد المدرسة مختلفون من حيث العمر، ففي المدرسة الابتدائية مثلا نجد من هم في السادسة من العمر ومن هم في الثانية عشرة، وربما وجد تلاميذ وتلميذات، وربما وجد فيه مدرسون ومدرسات من أعمار أكبر. إن هذا الاختلاف والتفاوت له أهميته في التنشئة الاجتماعية للطفل. فهو يمنح الطفل فرصا للتعامل مع فئات عمرية مختلفة من الجنسين، مما يجعله يتعلم أو على الأقل يلاحظ بعض أنماط التعامل والسلوك. وغالبا جرب بعضها وأصبح على الطريق لاكتسابها. ومن ناحية أخرى ربما كان لذلك أثر سالب، فقد يأتي توقيت الخبرة التي يلاحظها أو يسمعها ليس في وقته أو موعده، فالتلميذ الذي لم يصل إلى سن البلوغ قد يسمع عن الاحتلام من تعامله مع تلاميذ أكبر منه. د- التفاوت الاجتماعي والاقتصادي لمجتمع المدرسة: لا يأتي التلاميذ في نفس المدرسة من مستويات اجتماعية واقتصادية متشابهة تماما إلا تحت بعض الشروط، وغالبا ما نجد أنهم أتوا من أوساط ثقافية واجتماعية مختلفة إلى حد ما، ويؤثر ذلك في العلاقات التي تنشأ بين التلاميذ بل وفي صبغتها. وينعكس ذلك على تنشئة الطفل، فالحياة المدرسية نوع من التفاعل، ولا يتوقف الأمر على مستويات التلاميذ، فلمستوى المدرسين أنفسهم أثر أيضا، فلقد أظهرت البحوث أن المدرسين منطبقة ما "متوسطة أو غير ذلك" يدعمون قيم واتجاهات ومعايير وسلوك هذه الطبقة في تلاميذهم من نفس الطبقة. وربما كان هناك نمط طبقي شائع في مدرسة ما تنعكس آثاره على سلوكيات التلاميذ مقارنة بالتلاميذ في مدارس أخرى لهم نمط طبقي آخر أكثر شيوعا. وعموما فإن التكوين الطبقي لتلاميذ المدرسة يؤثر على أنماط التفاعل والسلوك فيها، وبالتالي على دور المدرسة في التنشئة الاجتماعية لهم.

стр. 113

٢- الأساليب المقصودة وغير المقصودة للتنشئة الاجتماعية في المدرسة: يطلق البعض كما سبق أن ذكرنا مصطلح ميكانيات التطبيع الاجتماعية على هذه الأساليب ومنها: أ- عن طريق المقررات المدرسية: فقد تلجأ وزارة التعليم إلى الاعتماد على طرق مباشرة لبث قيم ومعايير غلب عليها الاتفاق في المجتمع، وتأتي هذه القيم صراحة في الكتب المستخدمة بالمدارس وأثناء شرح المدرس، أو تحدث بأساليب غير مباشرة مثلما يعرض مدرس للرياضيات مسألة عن الاستثمار أو التأمين. أو عندما يطلب المدرس من التلاميذ أن يحكوا قصصا عن الصدق وعن الأمانة والمنافسة أو عن الإخلاص. وعلى الرغم من ذلك فالمدرسة تعطي التفوق الدراسي في المقررات الدراسة أهمية كبرى فيما تمارسه من أساليب التنشئة الاجتماعية لتلاميذها الصغار. ب- الأنشطة المدرسية: هناك أنشطة مدرسية منظمة وموجهة ليكتسب منها الطفل بعض المعايير والقيم مثل حسن الاستماع للمتحدث، أو التوقعات المرتبطة بالمكانة للقائد والمرءوس، مثلما نجد في النشاط المسرحي وفي نشاط التربية الرياضية والمباريات، أو ما هو متوقع من الغالب والمغلوب في مباراة أو المتوقع من المضيف أو المستقبل لزائر في حفل. جـ- الثواب والعقاب للتلميذ: يمارس ممثلوا السلطة المدرسية الثواب والعقاب، فنجد تشجيعا لقيم معينة وتعزيزا لتصرفات التلاميذ بأنواع من الثواب مثل المدرح ومنح الجوائز وإعطاء الامتيازات، ويحدث العكس فيما يتصل بالقيم والسلوك الذي لا يتفق مع النظام المدرسي. والمدرسة في ذلك مثلها مثل الأسرة.

стр. 114

في تطبيق الثواب والعقاب، وإن كانت الرسمية في التطبيق من جانب المدرسة تبدو واضحة. فتطبيق مبدأ الثواب والعقاب من جانب المدرسة نابع من أداء التلميذ وليس من كونه ابنا في الأسرة، هذا الأداء الذي يقارن في ضوء أداءات التلاميذ الآخرين وترتيباتهم فيه، ولا يتم منح التعزيز أو توقيع العقاب في ضوء عمق عاطفي كما يجدث داخل الأسرة، ولا تبدو فيه الحدة الانفعالية، فالمنفذ غير متعاطف في جميع الأحوال لأنه يطبق نظاما يعرفه الجميع. د- تحقيق استقلالية الطفل عن الأسرة: تتمسك المدرسة بأن يخبر الطفل علاقات ومعاملات وتفاعلات مختلفة في النوع والدرجة عما عهده في أسرته من خلال فاعلية الثواب والعقاب المستخدم وتحرص المدرسة على هذا الاستقلال باعتباره شرطا لازما لنجاح ما تفعله لتنشئة الطفل اجتماعيا. هـ- تقديم نماذج للسلوك: وهو من الأساليب التي تقوم بها المدرسة لتنشئة الأطفال، إما بالحديث عن النموذج وشرحه ومناقشته بقصد الترغيب في الخصاص المقبولة أو بمجرد عرضها دونما ترغيب، أو دعوة للاقتداء بالنموذج وعلى أية حال فتأثر الطفل بالنموذج متوقع في الحالتين. ومع كل الأساليب التي تتبعها المدرسة في سبيل تنشئة الأطفال، لا يخفى على الأذهان، أن الطفل لا يبقى خاملا أو مستقبلا للأساليب المستخدمة معه، فالتلميذ يلاحظ ويعيش كل ما يجري في المدرسة من أحداث صغيرة وكبيرة، تتعلق بالزملاء أو بالمدرسين أو حتى أصحاب السلطة، وما يدور فيها من مناسبات كالامتحانات أو زيارة المسئولين. إن التلميذ ليس مسجلا جيدا فحسب بل مشاركا فعالا في كل هذه المناسبات، وله دوره النشط الذي تقصده المدرسة أو تسهل له أن يتبناه.

стр. 115

٣- معالجة آثار الإحباط على التلاميذ أثناء تنشئتهم داخل المدرسة: الأمر مختلف تماما بالمدرسة، فليس من الضروري في المدرسة كما هو الحال في الأسرة أن نقوم بمعالجة آثار الإحباط أو الألم الناتج من الحرمان من ممارسة نشاط داخل المدرسة، أو عدم الحصول على جائزة لتدني مستوى التلميذ، أو خفض درجته في السلوك مع نهاية الشهر لتجاوزه حدود الألفاظ اللائقة مع الزملاء، أو توقيع أي نوع من أنواع العقاب الأخرى المسموح بها في المدارس.

стр. 116

٤- المدرس وعملية التنشئة الاجتماعية: المدرس هو المركز الذي تلتقي عنده بالتلميذ كل النظم الموضوعة في المدرسة وكل الأساليب المتبعة للتنشئة الاجتماعية. والمدرس له عدد من المكانات والأدوار الاجتماعية التي تحددها المؤسسة التي يعمل بها، وهو يعمل ويؤثر في التنشئة الاجتماعية للتلميذ من خلال هذه المكانات والأدوار. والتلميذ يدرك المدرس بصورة قد تتفق أو تختلف عن تلك الصورة المحددة اجتماعيا بواسطة نظم التعليم أو التربية، ولا يمكن أن نغض البصر عن خصائص المدرس ونواحي شخصيته وانعكاستها على دوره. ثم ظاهرة مؤكدة يعرفها كل من مارس مهنة التعليم. كما يعرفها عن تلاميذه الأطفال أو حتى المراهقين، تلك الظاهرة هي المحاولة المبدئية من جانب المدارس والمدرس لتنصنيف الآخر. فأول ما يفكر فيه المدرس هو أن يعرف نوعية التلاميذ الذين وكل إليه أمورهم، كما أن التلاميذ يقومون بنفس المحاولة، وفي ضوء المحاولتين نجد الهدف هو العثور على مفتاح شخصية الطرف الآخر للسيطرة عليه وربما أسره. وإذا كانت للمدرسين وسائل ومظاهر أرقى لتحقيق هذا الأسر، فإن التلاميذ قد يتخذون في هذا السبيل ما يدعو أحيانا إلى الرثاء، لو أن بعض المدرسين يقعون مع ذلك فيها، مثال ذلك ما يلاحظ من تسابق فئة خاصة من تلاميذ الفصل على تقديم بعض الخدمات للمدرس، كتنظيف المكتب أو مسح السبورة ... إلخ. مع أن مثل هذه الأعمال يمكن أن تحقق في جو من التنظيم مبني لفائدة الجماعة وليس للتقرب من المعلم. إن التلاميذ رغم صغر سنهم في المدرسة الابتدائية، يبدون وكأنهم سيكولوجيون صغار بالنسبة لمعلميهم أو بالنسبة لآبائهم حينما كانوا يعتمدون المساومة لتحقيق المطالب أو وصف الطرف الآخر.

стр. 117

ومن الملاحظات أن نجد المدرس وهو يسأل تلاميذه الصغار بطرق متنوعة عن أفضل مدرس بالنسبة لهم، فهذه الواقعة التي تبدو في ظاهرها مجرد فضول، إلا أنها تدل في عمقها على أن المدرس يسأل في سبيل جلب الاعتراف بأنه الأحسن، أو ليتعرف على الأقل على الصورة المفضلة لدى التلاميذ التي يمكنه بواسطتها أن يستحوذ على دارسيه، وهو نوع يشبه نوع الموقف الذي يتخذه أحد الوالدين سائلا الطفل إن كان يجب أمه أو أباه أو أيهما أفضل ولماذا؟ إنه موقف المساومة والارتشاء العاطفي والأنانية في الاستحواذ على الطفل. ومع أهمية مثل هذه المواقف في العلاقة الناشئة بين المدرس والتلميذ، وقوة دلالتها، على أن دور المعلم في المدرسة يتحدد بواسطة هذه التصورات التي يكونها من الواقع، أو انطلاقا من تصورات التلاميذ. ومهما كان الأمر فإن للمدرس أدوارا من المفيد أن نستعرضها. أ- المدرس كمنفذ سياسة: وفقا لما تتطلبه سياسة المدرسة، يعمل المدرس على إكساب التلاميذ القيم والمعايير وأنماط السلوك التي تعكس سياسة السلطة التربوية في المجتمع، وليس من حقه التغيير، وإن كان تنفيذ هذه الممارسات للإكساب يعكس ذاتية المدرس وخصائصه الشخصية، وربما وقع في صراع بين السياسة المطلوب تنفيذها منه وما يؤمن به، إلا أنه في النهاية عليه أن يسير طبقا للسلطة التربوية الكبرى، وهو في ذلك يكون قد اتخذ أحد المسالك لعملية التنشئة الاجتماعية للتلاميذ. ب- المدرس كممثل سلطة: السلطة داخل المؤسسة التعليمية ضرورية، وللمدرس نصيب منها بقدر ما يسمح له بإحداث التأثير المناسب في مجالات ضبط سلوك التلاميذ والحكم عليها واتخاذ قرارات تتصل بهم. والتلميذ هنا من خلال تفاعله مع مدرسه الذي يعتبر ممثل السلطة، يتعلم أن هناك قوى مراقبة لضبط سلوكه، وأن هناك سلطات تقدير وتقويم تزنه وتحكم عليه حسب أدائه وسلوكه. جـ- المدرس كنموذج سلوك: المدرس يجب أن يكون مثالا أو نموذجا للتلاميذ، ومتوقع منه أن يسلك تبعا لصورة لها أهميتها. إلا أن الأمر يختلف بين التلاميذ عند اتخاذهم مدرسيهم أو أحدهم نماذج لهم. فالتلميذ الذي ينتمي لمستوى

стр. 118

اقتصادي مرتفع قد يحب مدرسا ويحترمه ولكنه ينظر إليه أنه من فئة أخرى أو من جماعة معينة، وربما ينظر إليه على أنه أقل منه في المستوى بحيث لا يتمنى أن يصبح مثله، بعكس الحال إذا نظر إلى هذا المدرس تلميذ له مستوى اقتصادي منخفض. وهذا لا يعني أن التلميذ صاحب المستوى الاقتصادي المرتفع لا يتأثر ببعض السمات البارزة في هذا المدرس. إن التأثير العاطفي لشخصية المدرس في التلميذ يأتي من مبدأ اتخاذ المدرس كنموذج، فكل الظروف القائمة في مجال المدرسة وشروطه المادية والمعنوية، ومضمون عملية التنشئة التي يقوم بها المجتمع تؤدي إلى هذه النتيجة. وإن المدرس نفسه وهو يتعامل مع التلميذ يكون في ضوء هذا المبدأ، كما أن التلميذ يعامل المدرس على أساس منه. وهذه النموذجية الشاملية على المستوى المعرفي والأخلاقي والوجداني هي ما يجعل العمل التربوي صعبا، وهو أمر واضح من تردد وتخوف المبتدئين في التدريس أو المقبلين عليه. وهذا التأثير للنموذج ربما استمر معهم وعلق بهم إلى مراحل متأخرة من حياتهم، وخاصة ما يتصل بالجانب الخلقي والمهني من شخصية المدرس. د- المدرس كممثل قيم: إن المدرس في سلوكه ومن خلال مركزه الاجتماعي يعكس العديد من القيم مهما اختلف المدرسون، مثل قيمة النظام، وقيمة المعرفة والتحصيل، وقيمة المسايرة الاجتماعية أو التمشي مع الأوضاع. ويتأثر التلاميذ عبر سلوك المدرس وتصرفه في المواقف بهذه القيم، في الفصل أو أثناء النشاط أو أثناء حفلة أو مباراة. هـ- المدرس ككفيل أو معيل Supporter: ربما كان أعمق تأثير للمدرس في نمو التلميذ اجتماعيا، هو ما يشعره التلميذ بأنه مكفول بالمدرس أو أن المدرس راع له. تلك العلاقة التي تقوم على الاهتمام والحرص من جانب الكفيل "المدرس" على المكفول "التلميذ" وتنعكس من التلميذ في صورة احترام أو إعجاب بهذا المدرس، ويسقط معها الفتور بين التلميذ والمدرس مع بقاء الموضوعية والاتزان.

стр. 119

٥- نماذج العلاقة بين المدرس والتلميذ أثناء تنشئته: إن العلاقة بين المدرس والتلميذ وشكلها لها أثر فعال على تنشئة التلميذ اجتماعيا. إن هذه العلاقة هي علاقة بين طرفين أحدهما أدنى والآخر أسمى، فالمدرس مكتمل افتراضا ونموذج يحتذى به، والتلميذ تابع في مرحلة التكوين، والمدرس كممثل للسلطة يوقظ في التلميذ ردود فعل من قبيل مشاعره نحو الأب. ولا يعني هذا أن صورة كل من الأب والمدرس تتطابقان، أو أن تأثيرهما واحد على التلميذ. ويمكن إجمال نماذج المواقف بين المدرس والتلميذ في ثلاثة: أ- الفتور: في مثل هذا الموقف يتمثل التلميذ كوسيلة يؤدي بها المدرس وظيفته التعليمية، أو يرضي بها رغباته الشخصية. وفي هذه العلاقة يصبح الهم الرئيسي للمدرس هو ضخ المعلومات في ذهن التلميذ، ويبلغ حد اللامبالاة بهذه الفئة من المدرسين إلى انعدام أي قلق يمكن أن يخامرهم حول مدى استجابة التلاميذ لعملهم، أو حتى حول ما حشر في أذهانهم من معلومات. فموقف المدرس هنا خال من كل لون عاطفي وأحيانا يهتم المدرس بالسرد والشرح لحبة لمادته ولإثبات ذاته. والأمر هنا ينطوي على أنانية من المدرس. ولا يمكن الحديث عن أي علاقة هنا، لا علاقة الخضوع أحيانا للتلميذ والنفور أحيانا أخرى من المدرس ومادته. ب- المبالغة في حب التلميذ: على النقيض من الموقف السابق، إنه ليس موقف الخلو من الدفء العاطفي، بل موقف فيض الحرارة العاطفية. يظهر هنا الاهتمام الزائد بالتلميذ والغيرة الشديدة على مستواه التحصيلي، ومستوى أدائه عموما، إنه موقف حب التلميذ، يهدف المدرس من ورائه إلى اقتناص الضحية "التلميذ" وربطه في حبائل علاقة لا يريد له منها فكاكا، إنه استحواذ، وهو مظهر للأنانية من جانب المدرس أيضا لا تتاح معه للطفل فرصة المناخ الضروري لتبلور عاطفة إعجاب، ولذلك فهذا الأسلوب وإن اختلف مع موقف الفتور واللامبالاة السابق في مظهره لا يختلف عنه في طبيعته، فكل منهما موقف تسلطي. وإن كان

стр. 120

الموقف الأول يؤدي إلى موقف سلبي في التلميذ، فإن الموقف الثاني يولد داخل التلميذ صراعا وتوترا وربما تمنى الفكاك من هذه العلاقة. وتعد درجة النضج الاجتماعي والعاطفي للمدرس من الأمور التي لها أهميتها في هذا الشأن، وتؤدي إلى تكوين مواقف عاطفية مناسبة إزاء الدراسة عموما. جـ- الاعتراف بشخصية الطفل: إنه موقف خال من الأنانية، موقف يعترف باستقلالية الطفل، ويترك مجال النمو العاطفي للطفل متفتحا، لا يأسره بحب زائد ولا يقتل فيه اعتبار الذات عن طريق لا مبالاة عاطفية أو تحكم ضمني. إن الطفل شديد الحساسية بمواقف الآخرين إزاءه، لذلك فهو أقدر من غيره على استشفاف دلائل الاعتراف بشخصيته، وهو قابل للإجابة بالمثل، وهذا ما يؤدي إلى تكوين علاقة انسجام بين المدرس والتلميذ مبنية على اقتناع التلميذ شعوريا ولا شعوريا بنموذجه "أستاذه" خارج كل قيد مادي أو معنوي. ويعمل المدرس نتيجة نضجه على تخليص التلميذ من الأسر الوجداني، والخروج به من دائرة التقليد والاحتذاء، ليمارس قدرته على الاختيار. وبفضل علاقة الانسجام العاطفي ونكران الذات هذه يتكون ثنائي مثالي Ideal Couple بين المدرس والتلميذ، وفي ظل هذه العلاقة تنمو عواطف الاحترام للذات وللغير، وللمدرس خصوصا، ولا يجب أن يكون التصور من هذا الحديث وجود علاقة ذات بعد واحد، لأن علاقة الانسجام الحقيقية بين المدرس والدارس ليست مجرد حوار بين شخصين، بل تأخذ مضمونها كعامل في إطار الفصل الذي يدرس فيه التلميذ من حيث هو مجموعة تلاميذ أو ما يعبر عنه الفصل، المجموعة Groupe Class وبذلك تكون هذه العلاقة ذات امتداد في جميع الاتجاهات.

стр. 121

٦- معالجة ما يصيب المدرس من إحباط أثناء قيامه بالتنشئة: يصاب المدرسون غالبا بخيبة أمل مع بعض تلاميذهم، ويزيد الأمر صعوبة إذا كان هؤلاء الأساتذة من أصحاب المبالغة في حب التلميذ أو حتى الذين يعترفون بشخصية التلميذ. وذلك يجعل المدرسين في حالة من التوتر والقلق إزاء ما كانوا يتوقعونه وما حدث بالفعل سواء من تفوق أو تأخر للتلميذ أو حتى سلوك صدر منه. وربما قال بعض الأساتذة إن هذه المهنة سيئة، أو وضعوا لها أمثالا تثير الضحك أحيانا، وتواسي المدرس المنفعل أحيانا أخرى. وقد أشرنا أنه لا توجد أساليب لمعالجة إحباط الأطفال في المدرسة تخفف عنائهم وكذلك لا توجد وسائل لمعالجة ما يحدث للمدرسين من إحباطات. ولكن الأحاديث الصريحة التي تتم بين المدرسين أحيانا، وتوقيع العقاب على التلاميذ المخالفين ربما يخفف القليل من آثار الإحباط. كذلك تعد النتائج الإيجابية مع نهاية الامتحانات ليست فقط إشباعا لحاجة المدرسين إلى التقدير بل وتخفف أيضا من عناء الإحباطات، بالإضافة إلى الامتنانات القليلة التي ربما يوجهها بعض الآباء المخلصين لمدرسي أبنائهم. ومن الآراء الحديثة إشراك أحد تلاميذ الفصل ليقوم بدور المدرس "قرين المدرس" Peer- Teacher وفي الغالب ما يكون أكبر التلاميذ عمرا، يعاون المدرس ويعلم الأطفال الأصغر. ويستفيد من هذا الأسلوب كل من المدرس والطفل الأكبر والطفل الأصغر. ومن الجدير بالذكر أن هذا النظام عرفته التربية الإسلامية واشتهر باسم "العريف" الذي يطلق على التلميذ الأكبر الذي يتمكن من ضبط سلوك التلاميذ في غيبة المدرس، ويقلل هذا الأسلوب نسبيا من بعض الإحباطات.

стр. 122

٧- رؤية الآباء لدور المدرسة في تنشئة الأطفال: معظم الآباء يتوقعون أن تقوم المدرسة بمعاونة الأسرة في تنشئة الأطفال اجتماعيا، أي بتدريبهم بشكل واقع على اكتساب القواعد الخلقية والاجتماعية. فإلى جانب المهارات المعرفية التي يتعلمها الطفل في المدرسة كالقراءة والحساب والكتابة فإنه يجب أن يكتسب معلومات عن المعايير والقيم والأدوار الاجتماعية. ولكن في حين يتفق جميع الآباء أن يتعلم أولادهم الكتابة أو غيرها نجدهم يختلفون فيما يتعلق بالمعايير والوسائل التي تتخذها المدرسة في عملية التنشئة الاجتماعية. ويرى البعض مثلا أن على المدرسة أن تؤكد على صفات الطاعة والأدب، ويرى آخرون ضرورة معاونة الطفل على التعبير عن ذاته وثقته بنفسه، ويرى البعض الأخير أن تكون التنشئة دينية. هناك قواعد أخلاقية واجتماعية تعمل في ضوئها المدرسة مثل التأديب والطاعة ... وقد لا يكون لمثل هذه القواعد أهمية أو غير مناسبة للبيئة خارج الفصل، حيث يكون التقييم بين الأقران قائما على مبدأ الشجاعة والجرأة والاستقلالية والحرية. ولا تسلم الوكالات التعليمية والتربوية عموما من تقريظ أولياء الأمور وملاحظاتهم رغم الموقف الضخم الذي تقوم به هذه الوكالات مع أعداد كبيرة من الأطفال.

стр. 123

خامسا: جماعة الرفاق مدخل ... خامسا: جماعة الرفاق "الأقران - الأنداد" Peer - Group يبدي الأطفال بعض مظاهر المشاركة الوجدانية مع بعضهم البعض من سن مبكرة ولا نغالي إذا قلنا أنها تبدأ من العام الأول للميلاد، فنجد أن الطفل يلاحظ غيره من الأطفال يبكون فغالبا يبكي مثلهم. ويزداد تأثير الأقران في سن المدرسة وقبلها بقليل حيث يطرأ على سلوك اللعب عند الطفل تغير ظاهر في نمط اللعب. فيتحول نمط لعب الأطفال من اللعب الانعزالي Isolate play إلى اللعب الاجتماعي Social Play ويلاحظ تفضيل الطفل اللعب في جماعة الأقران عن اللعب مع الكبار. والجماعة جملة أفراد أو أشخاص، تربط بينهم علاقات متبادلة ومتداخلة، ويضمهم وعي، ولا يمثل دخول فرد فيها زيادة عددية فحسب، بل تغييرا كيفيا فيما يخص تأثيراتها الوظيفية السلوكية فيه. والجماعة تبدو كلا مخالفا لمجموع عدد أفراده، ليست منعزلة بذاتها، بل توجد داخل تنظيم اجتماعي تظل تتأثر به مستمدة منه نماذجها، ومتفاعلة على نحو ما مع بقية ما فيه من مجموعات أخرى، هذه المجموعات التي تتفاوت في مقدار اتساعها، ومدى توافر أعضائها، بحيث يمكن التمييز بين جماعات كبرى وجماعات صغرى. كما أن الجماعة كيفما كانت حدودها ومداها، تحتوي داخلها على ترتيب وتنظيم للأعضاء حسب أدوارهم ومستوياتهم. فهناك منصب الرئيس أو القائد أو الزعيم Leader ومن ينوب عنه أو يساعده، أما الطابع العام لسلوك جميع الأفراد فهو التعاضد والتعاون. والتلاميذ في الفصل، من حيث إنهم مرتبطون بعلاقات متبادلة فيما بينهم، وبوعي وبأنماط ثقافية مشتركة، يكونون بالفعل جماعة، وهو قابل كمجموعة كبرى نسبيا إلى أن يضم مجموعات صغرى. إن وجود الطفل في المدرسة بين مجموعة من الرفاق يجعلنا نرى في هذه العلاقة صورة جديدة لعلاقة سبق أن عرفها في الأسرة، وهل علاقته بإخوته، فلكل من مجموعة الإخوة في الأسرة ومجموعة رفاق الفصل الدراسي توجد مرحلة تكوين يشرف عليه ويوجهه كبار. مما يجعل الاهتمامات والمطامح والمشاكل مشتركة بين رفاق المدرسة، كما كانت هناك اهتمامات ومشاكل مشتركة بين كل طفل في الأسرة وسائر إخوته. وهذا بالطبع لا يعني أن هذه العلاقة نسخة طبق الأصل من علاقة الطفل بإخوته، وبالتالي فليس من الضروري أن يترتب عليها نفس التأثير العاطفي الذي يترتب على علاقته بإخوته. غير أن ما نعنيه بتشابه العلاقتين هو أن الطفل مستعد للدخول في علاقة مع آخرين، بناء على خبرة تكونت لديه في ضوء علاقته بإخوته، بجوانبها السلبية والإيجابية.

стр. 124

ولا شك أن العلاقة بالإخوة إذا كانت قد سارت في طريقها الإيجابي السليم من ناحية تأثيرها العاطفي، أصبح سهلا على الطفل الاندماج والتفاعل مع جماعة الرفاق بالفصل المدرسي، إلا أن كل علاقة مع ذلك تبقى لها تأثيراتها العاطفية الخاصة. وعلى الأقل فإن عمق العلاقة بين الإخوة، رغم ما فيها من صراعات أحيانا، تساعد الطفل على تحمل الصدمات المنتظرة في علاقاته الجديدة مع جماعة أو جماعات الرفاق. وتبقى له الجماعة الثابتة المستقرة التي يلجأ إليها كلما احتاج إلى ذلك. وتقوم جماعة الرفاق أو الصحبة أو الأقران أو الشلة بدور هام في عملية التنشئة الاجتماعية، فهي تؤثر في قيم وعادات واتجاهات الأطفال، وحتى الكبار. وفي الصحبة يجد الطفل مجموعة من الأطفال يتصل معهم ويقاربونه في العمر والميول. ويحرص الفرد في أي مرحلة عمرية يصل إليها على الانتماء إلى جماعة من الأصدقاء يتقاربون معه في العمر من أجل تحقيق قدر من التفاهم المتبادل، وقدر من الإحساس المشترك. كما أن مدى تأثر الفرد بالجماعة أو الصحبة ومدى ما يتقبله من قيمها واتجاهاتها ومعاييرها يتوقف على درجة علاقة الفرد بشلته، فكلما ازداد مدى تمثل الفرد لما اصطلحت عليه الجماعة من أنماط سلوكية دل ذلك على قوة ارتباطه وتأثره بها. ويبقى باستمرار المبدأ الذي تقام عليه جماعة الرفاق أو الأقران، هو تكونها من أعضاء يتعامل كل منهم مع الآخر على أساس من المساواة سواء كانت تتكون من أفراد أو راشدين. وأساس المساواة هنا في التعامل والتفاعل بين الأطفال، له وجهان: أحدهما إيجابي ويتمثل في ضم أطفال آخرين من نفس العمر تقريبا وغالبا من نفس الجنس ويستطيع أن يتعامل كل منهم مع الآخر على أساس المكانة المتساوية. والجانب السلبي هو استبعاد الراشدين منها أي من هم ليسوا آباء أو أمهات أو مدرسين، ويعتبر هذا الراشد حتى وإن وصلت الجماعة في عمرها إلى مرحلة المراهقة بمثابة مكانة لمغترب Status of Alien.

стр. 125

١- البنية الاجتماعية لجماعة الرفاق وأثرها على التنشئة الاجتماعية للأطفال: إن البنية الاجتماعية لجماعة الأقرن ليست على نفس المستوى من التحديد والتعقيد كما هو الحال في الأسرة أو المدرسة، ورغم ذلك فإنه يمكننا التحدث بخصوص هذه البنية عن بعض الأمور الجديرة بالتناول. أ- حجم جماعة الرفاق: يصل حجم جماعة الرفاق في الغالب إلى ثلاثة أفراد فأكثر، ويظهر الأطفال الكبار أن الانتماء إلى هذه الجماعة يخلصهم من حصار الأسرة، يتصرف في رحابة كما يشاء، ويكتشف الطفل حينما يصبح على مشارف البلوغ أو قبلها بقليل أنه مكبل بأغلال أقوى مما كان يتوقعه وإن كانت من صنع جماعة الرفاق أنها جماعة ضاغطة Pressure Group، ويجد نفسه منقادا لضغوط الجماعة سواء شاء ذلك أم أبى، وذلك كسبا لرضاء أعضائها وحرصا على تقبلهم الدائم له. ب- استمرارية جماعة الرفاق: ليس من خصائص جماعة الرفاق استمراريتها إلى فترات زمنية طويلة، فهناك جماعات رفاق تستمر لأشهر معدودة كما أنها لا تتجدد ولا يحتفظ بكيانها بالأعضاء أنفسهم. وإن كانت هناك حالات معينة تحتفظ بها الشلة Clique f بوجودها واستمراريتها مثل مجموعة المكفوفين من أبناء حي معين أو أبناء لطبقات عليا في المجتمع التي يكون استمرارها وسيلة لتحقيق بعد نفسي أو اجتماعي. جـ- التجانس العمري والجنسي: غالبا ما تقوم جماعات الأقران على أفراد من نفس العمر ومن نفس الجنس، فهناك جماعات أفرادها إناث، وأخرى أفرادها ذكور، ونادرا ما تنشا جماعات تشمل الجنسين معا في مجتمعاتنا العربية. د- البساطة والتعقيد: هناك أشكال من جماعات الأقرن يمكن تصنيفها على النحو التالي: ١- جماعة اللعب: وهي أبسط أنواع جماعات الأقران، وتتكون بصورة تلقائية لإشباع الحاجة إلى اللهو أو اللعب والمرح. وتظهر أول ما تظهر بين الأطفال في الفئة العمرية ٣-٤ سنوات وليس لهذه الجماعة أي قيود أو قواعد مشتركة.

стр. 126

٢- جماعة اللعبة: وهي جماعة تشارك في لعبة جماعية مع تأكيد على قواعد وأصول وقوانين للعبة يجب الالتزام بها، وفيها يقع الثواب والعقاب بناء على الالتزام. وهنا يبدأ التشكيل الاجتماعي للأدوار والمكانة لكل عضو. ٣- الشلة "عصبة" Clique: وهي مستوى أعلى من التعقيد في المشاركة الحميمة بين الأفراد، وفيها لا يسمح بدخول أفراد معينين داخلها ويكون هناك اتفاق على استبعاد نوع معين من بينها، وتصل درجة التماسك والعلاقات الحميمة بين أفرادها إلى اتخاذ أنماط سلوكية مشتركة، تصل أحيانا إلى ارتداء نفس النوع أو الشكل من الزي. وتعد جماعة الرفاق عندما تصل إلى هذا المستوى مصدر إشباع عاطفي لأعضائها. والشلة بين أبناء الطبقة الوسطى تبدو أكثر رسمية وتقيدا بعكس الشلة من أبناء الطبقة العليا وأبناء الطبقة الدنيا. ٤- العصابة Gang: وهي أقصى درجة من درجات التعقيد والتنظيم، وإن كان أهم ما يميزها الصراع مع السلطة أو مع عصابات أخرى. ولدى أفرادها خبرات متراكمة من الصراع، ورموز مشتركة وشعارات وإشارات، وتعتبر نموذجا اجتماعيا لما يمكن أن يصل به شكل جماعات الأقران نتيجة لظروفهم من قوة ضغط على سلوك أعضائها والانقياد لأوامرها. ٥- جماعات تلقائية النشأة ورسمية التكوين: وهي التي تتكون في الأندية أو المدارس، وربما تحولت إلى جماعة أقران على شكل الشلة بعد فترة من التفاعل وغالبا ما يشرف عليها الراشدون، وهذا ما يجعل البعض يقول إنها ليست من جماعات الأقران. لأنها تنشأ من أعضاء يتلقون وجهة نظر الراشدين في الأمور العلاقية لأعضاء هذه الجماعة، وهي ليست مجالا لتفريغ التوتر والشحنات الانفعالية نتيجة مسار الأفراد أثناء عملية التطبيع، وإن كانت تسمح بجزء منها أحيانا. وإذا كانت الصحبة عموما لها وظائف جوهرية للأطفال، منها أن يجد الطفل من يسايره من الأفراد من نفس سنة، وتنمية الإحساس بالقيم والحساسية نحوها

стр. 127

وتوصل الطفل إلى مستوى مناسب من الاعتماد على النفس بالإضافة إلى المساهمة في تكوين الاتجاهات والأدوار الاجتماعية، إلا أن أثر الصحبة في عملية التنشئة أثناء مرحلة الطفولة يظهر في عدد من النقاط: - دخول الطفل في جماعة يعد نوعا من النشاط الاجتماعي وتكوين الصداقات ومن ثم النمو العاطفي. - الالتزام بالقواعد خشية الوقوع في النقد. الدخول في أدوار اجتماعية مثل الزعامة أو القيادة. - الشعور بالاستقلالية والاعتماد على النفس والقدرة على اتخاذ قرارات بسيطة. - الدخول في ممارسات لتجريب بعض أنواع السلوك الجديدة أو المحرم التحدث عنها داخل الأسرة أو المدرسة. - إتحاد الفرصة لتقليد سلوك الكبار في جو سمح أو مرح. - إتاحة الفرصة للالتزام وتحمل المسئولية. - إشباع أهم حاجات الأطفال غير الأولية وهي: الحاجة للشعور بالمكانة والانتماء. - إكمال ما ينقص الطفل من معلومات لا توفرها الأسرة أو المدرسة أو تتجنبها "المحرمات الاجتماعية". - تساعد الطفل في الحصول على استقلال شخصي عن الوالدين أو المدرسين. - ملاحقة التغيرات والألعاب الجديدة. - ممارسة أدوار اجتماعية مثل صلح الأقران، أو إثارة الخلاف. - تنمي الاعتراف بحقوق الآخرين.

стр. 128

٢- موقع الأساليب المقصودة وغير المقصودة للتنشئة في جماعة الأقران: تعمل في جماعات الأقران وسائل أو أساليب للتطبيع أو التنشئة الاجتماعية نعرضها على النحو التالي: أ- الثواب والعقاب: إن وجود أفراد داخل جماعة الأقران يلزم كلا منهم بأنماط السلوك، وكل فرد يهمه أن يحظى بانتباه وتقدير ورضى باقي أفرادها، أو يحصل على رضى المهمين فيها وألا يستمر في عضويتها وتلفظه الجماعة. وهنا يكون العقاب، وربما اقتصر على الاستهزاء أو النبذ. ويكون الاحترام لعضو الجماعة بمثابة مكافأة أو إثابة له، وربما السماح للمشاركة أو الانضمام للأنشطة. ب- النماذج: داخل جماعة الأقران، قد يصبح أحد الأعضاء ذا قيمة خاصة تجعل منه مثالا يحتذى، ويحاول أن يتوحد أو يتقمصه باقي الأعضاء ويكون باقي أعضاء الجماعة أكثر استعدادا لتقبل أفكاره وآرائه. جـ- المشاركة في اللعب: وهي خاصية أو أسلوب لا يظهر تأثيره بوضوح على التنشئة الاجتماعية مثلما نجده في جماعة الرفاق، وإن كان هذا الأسلوب يعد مشتملا على أساليب أخرى مثل أسلوب الثواب والعقاب، فعن طريق اللعب يعرف الطفل الحدود اللازمة لممارسة اللعبة والقواعد المنظمة لمشاركته أو إخراجه نهائيا. وقبول الطفل لهذه القواعد يحدث تدريجيا، وهو خبرة لها قيمتها في تطبيع الطفل، لأنها تضعه وجها لوجه مع خاصية هامة من خواص المؤسسات الاجتماعية، وهي الالتزام حتى تستمر عضوية الفرد.

стр. 129

٣- معالجة آثار الإحباط أثناء التنشئة داخل جماعة الأقران: هناك أمور محبطة على بعض أعضاء الجماعة، فعدم الاعتراف بأهميتهم أو أهمية ما يبدون، ربما يسبب نوعا من الإحباط، ولا تقوم جماعة الأقران في أغلب الأحوال لإزالة هذا الشعور، وبخاصة أن الفرد أصبح عضوا فيها، وربما وصل الأمر لعلاقات حميمة بين الأعضاء، ويكون التسامح من العضو في حد ذاته أو ارتضاء المكانة وسط هذه الجماعة وارتضاء رواد له أو رضى زعيم الجماعة، بمثابة تخفيف لما أصابه من إحباط. وإن كانت هناك جماعات رفاق تخفف من آثار الإحباط التي بدت على بعض أفرادها من منطلق العاطفة التي تربطهم ومدى الجرح الذي أصاب العضو. كما أن لمساندة الجماعة للعضو مقابل الجماعات. الأخرى، وإفادته بالرأي في مشكلاته الخاصة والصعوبات التي تقابله أحيانا، والأمور التي تتطلب منه اتخاذ قرار تجعله يتسامح فيما أصابه من عقاب أو إحباط من الجماعة نتيجة اختلاف في الرأي أو عدم التزام بقواعد متفق عليها أو متعارف عليها.

стр. 130

٤- رؤية الآباء لدور جماعة الأقران في تنشئة الطفل: ليس لدى الكثير من الآباء فهم واضح لجماعة الرفاق أو الأقران، وإن كان بعض الآباء يعتمدون عليهم في تصفية بعض مشكلات الأطفال مع الأسرة وبخاصة الأطفال الكبار والمراهقون، وربما يعتمد عليهم بعض الآباء في تصفية الخلافات بين الأطفال. إلا أن المفهوم الشائع لدى الآباء كما يشير إليه Krumboltz وزميله هو قلق الآباء بسبب خضوع أبنائهم لتأثير الرفاق وبخاصة إذا كانت صورتهم لدى الوالدين أنهم رفقاء السوء أو هم كذلك فعلا، لأنهم يشكلون مصدر خطر كبير على سلوكياتهم. وينصح الآباء بضرورة تعليم أولادهم، أثناء تنشئتهم، أساليب المناقشة والحوار لأية معايير أو قرارات أو التزامات تفرض عليهم دون خوف وبلا تردد أو امتثال تلقائي، ولا غبار على رأي الآباء فهم حريصون على أطفالهم. يقول رسول الله ﷺ : "إنما مثل الجليس الصالح وجليس السوء كحامل المسلك ونافخ الكير، فحامل المسك: إما أن يحذيك وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه رائحة طيبة. ونافخ الكير: إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد منه ريحا منتنة". وقال ﷺ : "المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل" وقال ﷺ : "لا تصحب الفاجر فتتعلم من فجوره، وإياك وقرين السوء". ولكن يجب أن نعلم أطفالنا صورة الصديق الحسن، ونمهد له بكيفية التعرف على الأصدقاء من منطلق أننا لا ننكر ضرورة تمهيد الأطفال للاستقلالية، أو الانتقال التدريجي من الاعتمادية أو الاتكالية في نطاق الأسرة إلى الاستقلالية الموجهة في رحاب جماعة من الرفاق من نفس العمر، مع مراعاة ضرورة الالتزام بمعايير الأسرة.

стр. 131

سادسا: النوادي والساحات الشعبية والجمعيات: تنبئ طريقة تنظيم النوادي وكيفية تسييرها عن الأهداف التي يرمي إليها المنظمون ومدى عنايتهم بتكوين إطار تربوي تتوافر فيه شروط معينة. لذلك فإنه كلما تطورت الأهداف تطورت طرق الإعداد والتنفيذ والغاية التربوية للنوادي والساحات والجمعيات هي تعويد الطفل الطاعة وتوزيع المسئوليات، وإسناد جزء من تربية الطفل إلى الطفل نفسه تحت رعاية شخص أكبر سمح الأخلاق. وفي الأندية والساحات تجمعات من الأطفال، لكل منها ميل مشترك فالميول والرغبات لها دور كبير في تنظيم هذه المؤسسات، لدرجة أن هناك نوادي تقوم على نشاط مميز لها نبع من ميل المشتركين. وتؤدي الملاعب عند توافرها وتجهيزها تأثيرا في وجدان الطفل نحو مجال من أهم المجالات المشروعة الأداء والممارسة وهو اللعب. فاحتفالات المجتمع أو بعض شرائحه بمظاهر اللعب المتجلية في تشجيع الرياضة المنظمة "كرة القدم، السباحة ... " بشتى أنواعها يجعل الراشدين والأطفال ينظرون إلى أبطال هذه الرياضات نظرة الإكبار والإقدام فيبدون نماذج تحتذى في هذا المجال، ليس على مستوى ممارسة اللعبة وإتقانها وممارسة سلوك اللاعب بل على مستويات أدنى مثل ارتداء نفس لون ملابس اللعب أو نفس رقم اللاعب المحبب. إن الملاعب والساحات الرياضية والنوادي ترغب الأطفال وحتى الكبار إلى ممارسة الرياضة، وفضلا عن أن هذا فيه استفادة مشروعة من أوقات الفراغ وشغل لها، فهي تنمي الأجسام وتحافظ على البنية، بل تكون واحدة من مجالات الترويح. إن نظرة بسيطة إلى المباريات الرياضية الأسبوعية، وما يحيط بملاعبها أو الأجهزة الإعلامية الناقلة لها لتدل على قوة الشحنة العاطفية التي يحملها الأطفال بين جوانحهم وما يمكن أن ينعكس على قبولهم للصفات الخلقية لممارس الرياضة من تحمل وثقة بالنفس وتعاون. وهناك أندية متعددة المناشط، لتحقق رغبات المشاركين. في جو ممتلئ بالألفة، يجد فيه كل عضو ما يشبع رغباته من اطلاع ولعب وندوات وأنشطة

стр. 132

خدمة بيئة وغيرها. كما أن هذه المؤسسات تستثمر اهتمامات الأطفال الثقافية والعملية، وتنمي تذوقهم للفنون والآداب والرياضة. والهدف من ذلك تنشئة الأطفال وتنمية حصيلتهم العامة وإكسابهم للمهارات عن طريق الممارسة، بالإضافة إلى تنمية الإحساس بالتذوق الفني والتشكيلي والغنائي من خلال مناشط يقيمها الأطفال بأنفسهم وجهودهم الذاتية. والنوادي والساحات الناجحة هي التي تزود الأطفال بما لا تزودهم به المدرسة، أو تضيف على ما يمكن أن تزودهم به المدرسة. ولذلك فدور هذه المؤسسات هو تحقيق نوع من التعليم الذاتي عبر استخدام المؤلفات والآلات التعليمية والمبتكرات الحديثة بالإضافة إلى الأنشطة الرياضية التي تنمى المهارات المختلفة في القفز والجري.. وكذا التدريب على أنشطة تنمي المهارات اليدوية مثل الحياكة والحفر. ولن تكون هذه الأداءات في الأندية والساحات والجمعيات دون تفاعل اجتماعي بين الأعضاء من أطفال أو مدربين ورواد. ويكون المبدأ الأساسي هو احترام شخصية الطفل واستقلاليته أثناء الأداء داخل هذه المؤسسات مما يشعره وينمي فيه القدرة على العطاء ودافع الإنجاز والروح الرياضية، والابتعاد عن الأنانية تقبل وجهة نظر الغير فيما يؤديه، وكلها من قبيل التنشئة الاجتماعية. إن معرفة الفرد بأن هناك متميزين في أداء مهام معينة وغير متميزين وإنه يمكن أن يأخذ موضع الريادة في مجال لا يتمكن منه زميل آخر. ويستطيع أن يبدي الرأي في أمور، كما يسمع الرأي الآخر. كل ذلك يجعله قادرا على تقدير ذاته وسط عمل جماعي مما يسهم عموما في نموه الاجتماعي. ويبقى الشيء الهام الجوهري وهو شعور الطفل بأنه عضو في مؤسسة من هذا النوع فيدعم ذلك شعوره بالانتماء.

стр. 133

١- الأساليب المقصودة وغير المقصودة للتنشئة الاجتماعية في الأندية والساحات والجمعيات: ومن هذه الأساليب: أ- ممارسة الأنشطة: هناك كثير من النوادي لها مناشط محددة، ولها برامج موجهة، وتهدف من ممارسة الأطفال لهذه المناشط تنمية الاستقلالية والتعاون وغيرها. وإعطاء فرص لتفوق الأطفال في مجالات ثقافية ورياضة واجتماعية، مما يعزز ثقتهم بأنفسهم ويجعلهم نماذج لغيرهم من الأطفال. ب- تقديم نماذج للسلوك: ربما اهتمت بعض النوادي أو الجمعيات بالحديث عن نماذج في صورة أشخاص لهم أداءات متميزة كالمتفوقين في مجالات الرياضة ومجال الثقافة العامة وغيرها، وإن كان الهدف تعريف الأطفال بهذه النماذج إلا أن مجرد التعريف فيه الكثير من الترغيب. والنموذج المقدم هنا لا يشترط أنه يكون من بين الأطفال عموما أو أطفال النادي أنفسهم، فربما كان النموذج شخصا لا نتحدث عنه في ندوة أو اجتماع ولكنه شخص يمارس عمله باحترام واقتدار على خلق حميد داخل هذه المؤسسات، وربما كان رائدا من رواد الأندية أو رئيسا للنادي، وهنا يصبح ذلك الرجل أو ذلك الشاب مثالا يحتذى يدركه الأطفال ويعايشونه. ٢- الرائد في النادي والمشرف في الجمعية ودورهما في التنشئة الاجتماعية للأطفال: للرائد بالنادي عدد من الأدوار، فهو ينظم العمل، ويدير البرنامج المعمول به في النادي أو يشارك في إدارته ويحافظ على انسجام هذا البرنامج ورغبات المترددين، كما أنه يتابع أماكن وأدوات النشاط والقائمين عليها، وفضلا عن أنه يكون علاقات مع المشاركين من الأطفال فهو يكون علاقات مع أولياء أمورهم في ضوء من المعايير والقيم، وهذا ما نلاحظه على المشرفين على الجمعيات أيضا. إن ذلك يجعل عمل الرائد والمشرف أكثر فعالية وبصماته أكثر وضوحا، وتعد النوادي الناجحة دليلا على وجود رواد ومشرفين ناجحين. والطفل يدرك ذلك بصور غير مباشرة، فلا يبدو الرائد أو المشرف أمامه كمنفذ سياسة بل كنموذج للسلوك، فيحب الطفل انتماءه لهذا المكان وتزداد فعاليته الاجتماعية مع الكبار داخل النادي ومع أقرانه، وهنا يكون الاحترام المتبادل القائم على قيم ومعايير يرتضيها الجميع الأهل المشرفون الأطفال أنفسهم إنها معايير المجتمع ككل.

стр. 134

سابعا: دور العبادة تقوم دور العبادة بدور هام وفعال في حياة الناس، بتأكيد القيم الخلقية، وعبادة الله . يقول الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ . ودور العبادة تقوم بتنقية فكر البشر، وتطهير قلوبهم وتصحيح نفوسهم، وإيقاظ ضمائرهم، وضبط سلوكياتهم وتصرفاتهم. إن دور المساجد مثلا لا يتجلى فقط في ربط المسلم بربه، وإعلان توبته، وتوجيه شكره لله، بل وربط الفرد المسلم وإدراكه لقيمته والمحافظة عليه. ودور العبادة عموما تعلم الفرد التعاليم الدينية، ومعايير السلوك، وتنمي ضمير الإنسان وتضع أسس التفاعل الاجتماعي بين الأفراد. قال الله تعالى في كتابه العزيز: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ ويفسر الإمام الباقر هذه الآية: "قولوا للناس أحسن ما تحبون أن يقال لكم" وكان جعفر ﵇ يقول: "عظموا أصحابكم ووقروهم، ولا يتجهم بعضكم على بعض". وفي الحديث الشريف قال رسول الله ﷺ : "من أكرم أخاه المسلم بكلمة يلطفه بها وفرج عنه كربته لم يزل في ظل الله الممدود عليه الرحمة ما كان في ذلك". وتوجه دور العبادة أساليبها إلى الكبار والصغار. وتحث الأديان على تنشئة الأطفال تنشئة دينية واصطحابهم مع الكبار إلى دور العبادة. ودور العبادة تعد مظهرا من مظاهر البيئة الاجتماعية. إن دور العبادة كما عرفت في كثير من المجتمعات القديمة والمعاصرة، لا يقف تأثيرها عند كونها مكانا لممارسة الشعائر الدينية، بل إنها كمؤسسات مارست تأثيرها في أعمق مظاهر الحياة

стр. 135

الاجتماعية، فما زال من القادة في بعض الدول من يتولون السلطة في بلادهم في هذه الدور وبتأييد من القائمين عليها، وتعقد عقود الزواج أيضا داخل هذه الدور أحيانا. ويرتبط بمفهوم دور العبادة ما يسمى بالأضرحة المقدسة وأولياء الله الصالحين، وهذه ذات آثار قوية في بيئتنا العربية، وخاصة ما يشيع حولها من ضروب الشعوذة والخوارق والمعجزات، والتي تتضارب مع أسس وقواعد الدين الإسلامي. وهذا يعد أمرا غاية في الأهمية من حيث تأثيره على أذهان البعض، ودخوله إلى وجدانهم. والطفل الذي يعيش في بيئة يشيع فيها تأثير الأضرحة وأولياء الله الصالحين سواء الصحيح منها أو غير الصحيح وما يقترن بها من أنواع الممارسات وأحيانا بعض الغرائب التي تقام أمام أنظار الأطفال، تدخل في أعماق الطفل وتشد ذهنه

стр. 136

وتهز وجدانه، فتحدد له بعض تصوراته عن ظواهر هذا العالم، وكيفة التعامل مع بعض المشكلات والعقبات التي يمكن أن تقابله مستقبلا. لقد رأى الكثير من الكبار يلجئون إلى ذلك الأسلوب. إن التصورات التي تملأ ذهن الطفل إزاء قبور بعض أولياء الله، وعواطف الاحترام التي تولدت داخله إزاءها، تحدد نوعية التعامل مع بعض موضوعات العالم المحيطة، وسوف نرى في نموذج تنشئة الطفل من قرية فرنسية ما يشير إلى ذلك في فصل قادم. أساليب دور العبادة في تنشئة الأطفال: تتخذ دور العبادة عددا من الأساليب لتنشئة الأطفال: أ- تحديد وتوضيح مسئولية الوالدين في تربية الطفل: إن مسئولية الآباء لا تنحصر في إدارة الحياة المعيشية المادية للأطفال بل إن عليهم أن يقوموا بتربيتهم تربية إيمانية صالحة. إن تأديب الأطفال وتربيتهم أهم في نظر الإسلام من الاهتمام باحتياجاتهم الجسدية يقول الإمام أمير المؤمنين ﵇: "ما نحل والد ولدا نحلا أفضل من أدب حسن". وتقوم دور العبادة بتوجية نظر الآباء إلى رعاة الأطفال وتنشئتهم، قال تعالى: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾ وقال تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ . ب- الترهيب والترغيب: تقدم في دور العبادة ما يصلح الناس عموما في الدنيا والآخرة، فترغب في عمله وممارسته وتنهى عن الأشياء التي تجعل الناس على قرب من العذاب والنار في الآخرة وسوء العيش في الدنيا. وسماع الأطفال لبعض من هذه القواعد ومشاهدتهم التزام الكبار بأداء الفرائض يعد ترغيبا لهم في الإقبال على ممارسة أو تقليد النماذج السلوكية الحسنة والطيبة، وترهيب لمن يقبل على أفعال لا يقبلها الله مثل: السرقة والكذب، والغش، وكلها أمور يعد تجنبها من قبيل التنشئة الحسنة للأطفال.

стр. 137

جـ- مخاطبة العقل بأمثلة ونماذج: تقدم دور العبادة أمثالا حية ونماذج للسلوك من التراث أو من الواقع، وشعور الطفل أثناء وجوده بالخضوع لله سبحانه وأداء الصلوات من قبل الكبار شعور لا يمكن إحداثه عبر أساليب أخرى كالكتب أو النصائح بعيدا عن دور العبادة، فالخشية التي يشاهدها في عيون الكبار ومنهم أبواه مثلا، والتضرع إلى الله سبحانه كما يتابعها في رفع أيدي الناس شكرا وطلبا للرحمة المغفرة والصحة والعافية وسعة الرزق، وسماعه للأدعية المختلفة. كلها أمثال حية على طريق التطبيع الاجتماعي للأطفال فينشأ الطفل على التقوى والبر "حسن الخلق"، وقول الصدق والشفقة واحترام الكبير نتيجة غرس القيم الذي تم بأسلوب مزجت فيه بفكرة التدريس حدود الدين وطريق الحياة.

стр. 138

ثامنا: وسائل الإعلام مدخل ... ثامنا: وسائل الإعلام تعددت وسائل الإعلام التي أصبحت تشد الطفل من مجلات وكتب هزلية COMICS وتلفزيون وسينما ومسرح وسائل الإعلام ... تحدث تأثيرها بما تنطوي عليه من إحاطة الأطفال بموضوعات. وإغراء الأطفال واستمالتهم ليسلكوا بما يتفق مع رغبة موجه الرسالة بالإضافة إلى إتاحة الفرصة للترفيه والترويح وهو هدف يأتي في المقدمة. والاستفادة من وسائل الإعلام في التنشئة الاجتماعية للطفل ليست حديثة، فالحواديت والقصص والملاحم الشعبية، كانت تستعمل قصدا وبغير قصد في إكساب الطفل كثيرا من عادات المجتمع وتقاليده إلى أن أصبح الآن للطفل مساحة من صفحة أو أكثر من جريدة يومية أو مجلة خاصة به أو برنامج إذاعي موجه يقصد له، ووسائل الإعلام عمومها لها خصائص تنسحب على مجال الأطفال، فغيرها لا يحدث تلاقٍ بين القائم على الوسيلة والطفل مثلما نرى في الأسرة والمدرسة والنادي، كما أنها تعكس جوانب من الثقافة العامة للمجتمعات الأخرى التي لا يعيش فيه الطفل مثل مجتمع البادية ومجتمع الريف والمجتمعات الأخرى الأوروبية والأمريكية. وتزداد أهمية وسائل الإعلام بالنسبة للأطفال والكبار في مجتمعاتنا الحديثة، كما تزداد جاذبيتها، بحيث أصبحت تحتل من الوقت اليومي لهؤلاء الكثير.

стр. 139

ورغم أن وسائل الإعلام لها أسلوب وطريقة في العرض، إلا أنه لا يجب أن ننظر إليها في معزل عن بقية وكالات التطبيع الاجتماعي مثل الأسرة والمدرسة و ... كما لا يجب أن ننظر إليها في معزل عن العوامل الشخصية لمتلقي الرسالة الإعلامية. وإن كان تأثير وسائل الإعلام عموما على تنشئة الأطفال يتأثر بعدد من العوامل منها أيضا المرحلة العمرية لمتلقى الرسالة الإعلامية، وحاجات الأطفال، والمستوى الاجتماعي والثقافي الذي ينتمي إليه الطفل، وردود فعل الآخرين عند ممارسة الطفل لما تعرض وسائل الإعلام "من أسرة وأقران وجيران ... " ومدى توفير البيئة الاجتماعية التي يجرب فيها الطفل ما عرض من شخصيات ونماذج عبر وسائل الإعلام.

стр. 140

وإذا كانت الغالبية ترى أن وسائل الإعلام تقدم للأطفال تثقيفا، على اعتبار أن الثقافة طريقة حياة فإن تثقيف الطفل من شأنه أن يجعله يعيش حياته بطريقة أكثر فعالية، ولن يقبل المفهوم الذي يتندر به القلة قائلين إن الثقافة إحدى الكماليات التي لا تتوافر إلا لذوي القدرة على الحصول عليها والاستمتاع بها من أبناء طبقة الصفوة في المجتمع. إن تثقيف الطفل ضرورة حيوية من ضروريات الحياة التي يتحتم تزويد جميع الأطفال بها، بغض النظر عما بينهم من فوارق طبقية. ويبقى السؤال: كيف يتم ذلك وبأي طريقة يمكن التقديم، وما شروط المقدم للرسائل اللازمة لهذا التثقيف؟. ويميل الكثيرون إلى إرجاع ما يلاحظونه من تباينات وانحرافات في سلوك الطفل إلى واحدة أو أكثر من وسائل الإعلام. والواقع أنه لا يجب النظر إلى الأمر بهذه البساطة فإنه إذا كان تقليد الأطفال للرسائل المقدمة واردا فإن تغيير أنماط السلوك السوية والقيم الأخلاقية الموجودة من السواء إلى الانحراف ليس بالأمر السهل. ويجب الحذر عند تحدثنا عن علاقة سببية بين التعرض لرسائل إعلامية معينة وانحراف سلوك الأطفال. إن الجريمة والعنف في وسائل الإعلام لا يحتمل أن تكون هي المحرك الأول والوحيد للنجاح، بل إنه يجب أن تتوافق هذه الرسائل الإعلامية مع ميول واستعدادات وظروف الطفل الاجتماعية والثقافية. إن الوسط الاجتماعي الثقافي الذي يعيش فيه الطفل وردود فعل المحيطين به من أفراد الأسرة، وجماعة الأنداد أو ... ليست بمعزل عن اقتراف الأطفال لانحرافات متفاعلة مع ما يقدم بالرسالة الإعلامية ومستوى توافق هؤلاء الأطفال. ولكن المشكلة الأكثر جوهرية هي نوع ما يقدم ومصدره، ومدى اتفاقه مع قيم وتقاليد المجتمع الذي يعيش فيه هؤلاء الأطفال. على اعتبار أن الثقافة هي الإمتاع العقلي والوجداني لابتكار الفن والمعرفة، ولما كانت الثقافة غذاء وجدانيا واجتماعيا فكريا محببا يسعى إليه الإنسان سعيا ولا يتلقاه فرضا أو عنفا أو تلقائيا، ولا يساق إليها طوعا أو كرها، وبما أن الثقافة بنت البيئة، ولها مذاقها الخاص في كل بيئة من البيئات، إذن هي إن تجردت من بيئتها فقدت طعمها ورائحتها.

стр. 141

إن ما يصلح لمجتمع معين من أهداف توجه عملية التثقيف، قد لا يناسب مجتمعا آخر، بل إن الأهداف التي يسعى إلى تحقيقها مجتمع في مرحلة معينة من مراحل حياته قد لا تصبح صالحة لنفس هذا المجتمع في مرحلة أخرى نتيجة لما ينتابه من تغير على مر العصور، ويستدعي التخلص من بعضها أو تعديلها في البعض الآخر أو استحداث أهداف جديدة تتناسب مع طبيعة وسمات مرحلة تاريخية معينة في حياة المجتمع، فأهداف أي مجتمع ترتبط ارتباطا وثيقا بتدرج السلم القيمي فيه، وكلما حدث تغيير في هذا السلم القيمي نتيجة للتغير الاجتماعي، كان من الضروري أن يحدث تغيير في أهدافه يتناسب مع هذا التغير القيمي، معنى هذا أن الأهداف لا تمثل شيئا ثابتا جامدا لا يتغير، بل يجب أن تكون المرونة من أهم سماتها لكي تصبح مناسبة، ليس فقط لمجتمعنا المتغير، بل ولاتجاهات تيارات التغير في المجتمع العالمي الذي يعتبر عالمنا جزءا منه يؤثر فيه ويتأثر به في عملية تفاعلية متبادلة لا يتوقف تأثيرها ما دام احتكاكنا واتصالنا مستمرا بالعالم الكبير الذي نعيش في جزء منه، ولكن لن يكون ذلك على حساب النواحي العامة والخطيرة في مجتمعنا الأصيل. والآن يتعرض الطفل لثقافات متباينة وافرة وعامرة تناقض ثقافة مجتمعه وتراث بيئته الأصلية الذي يجب أن نحافظ عليه باستمرار، ففيه من العراقة والمجد ما يفتخر به كل عربي، وقد لا ينسحب هذا القول على القليل مما يتعرض له الطفل من ثقافة، ويكمن الهدف أولا وأخيرا من وراء ما يتعرض له الطفل في إعداد أجيال صالحة لخدمة الوطن، ويلح السؤال: لمن سأعد هذه الأجيال ولماذا؟ إنها تعد لخدمة أرض عربية إسلامية تتميز بثقافة متميزة وتراث أصيل يطلب من أجياله المقبلة المحافظة عليها في مرونة وعناية، وكيف يكون ذلك إلا من شخص نبت وترعرع وتشبع وأصبح يملأ أعماقه بثقافة ذلك الوطن الذي ينتمي إليه. إن لم تنبع ثقافة الطفل من أرضه وبيئته التي ينتمي إليها فإن ذلك بعد مساهمة على الانسلاخ من هذه البيئة والتناقض معها في فترة ما. وإذا كانت هناك ثقافة ما أعدت لشعب ما قصد أطفال هذا المجتمع وذلك الشعب ثم مراهقيه ثم شبابه، وها نحن الآن نستعين بثقافات متباينة من أجل

стр. 142

أطفالنا العرب فهل سوف نتمم المسيرة ونستعين بثقافة غير عربية للمراهق ومثلها بعد ذلك حينما يصبح هؤلاء شبابا؟ إن الإجابة بنعم أو لا على مثل هذا التساؤل فيها كثير من الخطورة، فإذا قلنا: نعم. فمعنى ذلك أننا نبني أجيالا لأي بيئة وأي أمة وإذا قلنا: لا، فماذا سوف نقدم للطفل الذي يتعرض لهذه الثقافات المتباينة الآن حينما يصبح مراهقا وحين يدنو من الشباب، فإن كان لا شيء سوف نقدمه فهذا خطير، وإن كان ثقافة من نوع مختلف وإطار للسابق غير مؤتلف، فإننا سوف نكون السبب في إحداث فجوة وتكوين هوة بين ما ترعرع عليه ذلك الإنسان في طفولته وما يتطلبه الآن في مراهقته، وأخيرا سوف يكون القول أين ولد؟ وفي أي بيئة سوف يستقر ولأي مجتمع سوف يضحي ويخدم وينمي؟ إنها بيئة وطنه العربي الإسلامي العريق. وإذا كانت هناك من الثقافات التي تثبت من القيم المستوردة والأفكار القادمة من الخارج، فإنها بلا شك سوف تحتاج إلى تطبيق.. وفي أي مجتمع سوف يطبق.... ومن هنا سوف تكون العاقبة. إن نقل نماذج الغرب بجانب الصواب، فالغرب له وجهه الجميل ولكن له أيضا وجهه اللاجميل. إن من أعماق كل مجتمع يمكن أن تشتق ثقافة مرنة لأطفاله تنبع من أصالة وعراقة تراثه يشاركها في ذلك تراث وثقافة مجتمعات قريبة الشبه وتشترك معها في خلفياتها الثقافية أو جذورها التاريخية، مثل هذه المجتمعات القريبة الشبة والمشتركة الخلفية والتاريخ سوف تتقارب أهدافها في بناء أجيال المستقبل المتميزين الواعين بأصولهم، ومن ثم تكون في ذلك على الطريق المأمون. إن هذا لا يقلل من الجهود الكبيرة التي تبذل وبذلت في خدمة ثقافة الطفل العربي والتي تظهر واضحة جلية معلنة عن نفسها. وعلى أي حال فإن وسائل الإعلام للطفل تتمثل في:

стр. 143

١- التلفزيون: بدأ عمل التلفزيون في مصر عام ١٩٦٠م وقد تضمنت برامجه منذ البداية جانبا خاصا بالأطفال. ويعتبر التلفزيون جهازا جمع بين الكلمة المسموعة والصورة المرئية، مما يزيد قوة التأثير لاستغلاله حاستين من حواس الأطفال. ورغم أن الوسائل التعليمية تتنوع بين سمعية وبصرية، إلا أنه من المعروف أن الوسيلة الإيضاحية التي تعتمد على أكثر من حاسة من حواس الطفل، يكون أثرها التعليمي أكثر جدوى وأكثر عمقا ودواما من الوسيلة التي تعتمد على حاسة واحدة فقط. فالصورة تزيد من مدى وضوح الكلمة ومدى فهم معناها، كما أن الكلمة توضح ما تتضمنه الصورة من أفكار ومعان، مما يساعد في النهاية على سهولة استيعاب الرسالة الموجهة للطفل. فهو يتفوق على وسيلة الكلمة المكتوبة أو المطبوعة التي تحتاج إلى إعادة تكوينها في صورة ذهنية قد تشوه أو قد تقصر عن التعبير عن الخبرة المباشرة التي تصفها. لقد أصبح التلفزيون هو المسيطر الأول على ميدان الاتصال بالأطفال بين وسائل الإعلام، فقد توصل السيد خيري وآخرون في دراسة عن التلفزيون والصغار إلى أن الأسرة قل لديها الاستماع إلى الراديو بنسبة ٧١%، وقل لديها الذهاب إلى السينما بنسبة ٥٧%، وقل لديها الذهاب للنادي بنسبة ٦٨% تقريبا. إن المادة المعروضة عبر التلفزيون تمثل أقرب بديل للخبرة الحقيقية وبخاصة الملون منها، فالطفل الذي لم يشاهد قبيلة من قبائل الإسكيمو أو من قبائل البدو أو ... يمكنه أن يحصل على بديل لهذه الخبرة على شاشة التلفزيون بشكل لا يختلف كثيرا عن موطن الخبرة الأصلي. وتشير الإحصاءات إلى أن أطفال المدرسة الابتدائية وما قبل المدرسة يشاهدون التلفزيون أكثر من مشاهدة التلاميذ بالمرحلة الإعدادية له، ويقل عدد ساعات المشاهدة يوميا عن ساعة. إن للتلفزيون قدرة على تحويل المجردات إلى محسوسات، مما يساعد على سهولة فهم الرسالة المقدمة. ويعتبر ذلك مهما جدا لطفل المدرسة الابتدائية، لعدم اكتمال قدرته على فهم المعاني والمدركات الكلية. إن مشاهدة الطفل للتلفزيون تحدث طواعية، وإن انتباهه إلى برامجه يكون محاطا بتركيز أكثر من انتباهه إلى دروس المدرسة، مما جعل البعض يذهب إلى أن الطفل يتعلم عن طريق التلفزيون قدرا من الخصائص والمعلومات والقيم والاتجاهات أكثر من كل ما يتعلمه أو يكتسبه من المدرسة والكتب المدرسية.

стр. 144

وإذا كان لكل وسيلة جمهور خاص، وإذا كان المثقفون يفضلون بصفة عامة المطبوعات كوسيلة للحصول على المعلومات بالإضافة إلى المذياع والتلفزيون فإن الأطفال يفضلون الصورة والحركة والأحاديث.. وهذا ما يقدمه التلفزيون. إن القدرة الفائقة التي يستطيع بها أن يعرض غرائب الموضوعات تنمي خيال الطفل وإدراكه. كما أن الاعتماد على الصوت والصورة يقوي القدرة التذكرية واسترجاع الأفكار والمشاهد، وهذا ما يجعله وسيله تعليمية مساعدة في نطاق استغلالها تربويا، وهذا من شأنه أن ينمي عواطف إيجابية في الأطفال نحو البحث والاستطلاع والسعي وراء اكتشاف الغموض. وهذا لا ينفي وجود مظاهر سالبة لمشاهدة التلفزيون، نجد منها على الأطفال ما يثار فيهم من انفعالات من قبيل الخوف والكره، نتيجة مشاهدة بعض المشاهد للأفلام. إن ملاحظة ما يظهر على ملامح الأطفال من تغييرات تدل على مشاركة وجدانية قوية، كما أن التقنية البارعة للمشاهد التلفزيونية تجعل الطفل يستمر لفترة طويلة بعد المشاهدة تحت تأثير هذه الانفعالات. ومن السلبيات أيضا إحساس الطفل بالتناقض العاطفي بين الواقع وما يشاهده على شاشة التلفزيون، ففي الأفلام المستوردة وحتى في بعض الأفلام العربية يعيش الطفل العربي هذا التناقض بين بيئة المحافظة التي يعيشها والبيئة الثقافية التي يشاهدها على الشاشة ومنها الزي أو الملابس الخليعة والمناظر الخليعة، فيقع الطفل في صراع بين قولنا له "عيب" أو "حرام" وبين صورة البطل الذي يراه ويشاهده على الشاشة الصغيرة وربما نشاهده معه في نفس اللحظة. مما يعرض قيمه الأخلاقية والدينية لبعض من الذبذبة وعدم المعقولية. وفي قرب العاشرة من العمر خاصة، وهي ما تعرف برحلة التشكك عند الطفل فيما يدور حوله من أفكار الكبار وتوجيهاتهم بدافع نمو قدرته على النقد، تصبح الذبذبة في القيم الأخلاقية الدينية صعبة. وعندما يطغى حب بطل الشاشة يكون الطفل مهيأ بطبعه لتقليده، وهنا يكون التلفزيون عارضا لنماذج يمكن أن يتقمصها الطفل، وذلك تحت شروط سبق أن تعرضنا لها. وهذا ينعكس على

стр. 145

ألعاب الأطفال العدوانية، ويبلغ أقصاه عندما يصل الأمر بالطفل إلى الانتماء إلى جماعات رفاق من سبيل العصابة. ونتيجة طول المدة التي يقضيها بعض الأطفال أمام التلفزيون والتي تصل أحيانا إلى أكثر من ٣ ساعات يوميا، وانعدام رقابة الآباء، يشعر الطفل بالكسل، وهكذا يفقد جانبا كبيرا من طاقته، ويفقد كذلك بالتالي جزءا من طاقته لمراجعة دروسه بالإضافة إلى إجهاد البصر والأعصاب. ويكون مردود ذلك بالطبع سيئا على الانتباه والاهتمام ويتولد لديه شعور بالنفور أحيانا من الأعمال والواجبات المدرسية باعتبارها معارضة للمتعة والراحة. وهذا ما يجعل البعض يرى التلفزيون أداة أو وسيلة "إدمان كهربائية" تشغل الطفل عن القيام بأعمال مفيدة كالقراءة والمحادثة فضلا عن تعليمه العدوان والعنف، كما أن للتلفزيون دورا في ترويج الأفكار الشائعة أو الآراء المقبولة Stereotype أو الصور الشائعة، ورغم كل ذلك فإنه لا نكران لكون التلفزيون ينمي السلوك الإيجابي من التعاطف مع الغير، وقد أثبتت الدراسات أن تعريض الطفل لهذه البرامج يؤدي إلى تنمية روح التعاون والمشاركة عند الأطفال. على الرغم من أن البرامج التلفزيونية التي تحتوي على أدوار عدوانية وأدوار خيرة معا، غالبا ما ينجذب الأطفال إلى الدور العدواني ويفقدون الرسالة الأخرى الخيرة. كما اتضح أن الآباء الذين يعاملون أبناءهم معاملة تتسم بالدفء والمحبة Reaioning غالبا ما نجد أنباءهم ينتفعون كثيرا من البرامج التي تحث على التعاطف. والكثيرون يرون أن التلفزيون إذا كان ينقص من الوقت الذي يقضيه الأطفال في أعمال نافعة مثل القراءة ومشاركة الغير، فإنه يمكن الأطفال من تعلم مهارات متعددة أخرى، ولكن على أن يكون الآباء على وعي واهتمام بأطفالهم. وبين الإيجابيات والسلبيات لمشاهدة الأطفال للتلفزيون تجد بعض النظريات في مجال علم النفس لها مكانا. فنظرية التحليل النفسي لـ Freud ترى أن مشاهدة الأطفال لأفلام العنف وسيلة مفيدة للتنفيس عن الذات والتخلص من العدوانية. أما نظرية التعلم
следующие страницы →