← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 8354

تنشئة الطفل وسبل الوالدين في معاملته ومواجهة مشكلاته

زكريا الشربينى

Полный текст (367 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

إن ما يصلح لمجتمع معين من أهداف توجه عملية التثقيف، قد لا يناسب مجتمعا آخر، بل إن الأهداف التي يسعى إلى تحقيقها مجتمع في مرحلة معينة من مراحل حياته قد لا تصبح صالحة لنفس هذا المجتمع في مرحلة أخرى نتيجة لما ينتابه من تغير على مر العصور، ويستدعي التخلص من بعضها أو تعديلها في البعض الآخر أو استحداث أهداف جديدة تتناسب مع طبيعة وسمات مرحلة تاريخية معينة في حياة المجتمع، فأهداف أي مجتمع ترتبط ارتباطا وثيقا بتدرج السلم القيمي فيه، وكلما حدث تغيير في هذا السلم القيمي نتيجة للتغير الاجتماعي، كان من الضروري أن يحدث تغيير في أهدافه يتناسب مع هذا التغير القيمي، معنى هذا أن الأهداف لا تمثل شيئا ثابتا جامدا لا يتغير، بل يجب أن تكون المرونة من أهم سماتها لكي تصبح مناسبة، ليس فقط لمجتمعنا المتغير، بل ولاتجاهات تيارات التغير في المجتمع العالمي الذي يعتبر عالمنا جزءا منه يؤثر فيه ويتأثر به في عملية تفاعلية متبادلة لا يتوقف تأثيرها ما دام احتكاكنا واتصالنا مستمرا بالعالم الكبير الذي نعيش في جزء منه، ولكن لن يكون ذلك على حساب النواحي العامة والخطيرة في مجتمعنا الأصيل. والآن يتعرض الطفل لثقافات متباينة وافرة وعامرة تناقض ثقافة مجتمعه وتراث بيئته الأصلية الذي يجب أن نحافظ عليه باستمرار، ففيه من العراقة والمجد ما يفتخر به كل عربي، وقد لا ينسحب هذا القول على القليل مما يتعرض له الطفل من ثقافة، ويكمن الهدف أولا وأخيرا من وراء ما يتعرض له الطفل في إعداد أجيال صالحة لخدمة الوطن، ويلح السؤال: لمن سأعد هذه الأجيال ولماذا؟ إنها تعد لخدمة أرض عربية إسلامية تتميز بثقافة متميزة وتراث أصيل يطلب من أجياله المقبلة المحافظة عليها في مرونة وعناية، وكيف يكون ذلك إلا من شخص نبت وترعرع وتشبع وأصبح يملأ أعماقه بثقافة ذلك الوطن الذي ينتمي إليه. إن لم تنبع ثقافة الطفل من أرضه وبيئته التي ينتمي إليها فإن ذلك بعد مساهمة على الانسلاخ من هذه البيئة والتناقض معها في فترة ما. وإذا كانت هناك ثقافة ما أعدت لشعب ما قصد أطفال هذا المجتمع وذلك الشعب ثم مراهقيه ثم شبابه، وها نحن الآن نستعين بثقافات متباينة من أجل

стр. 142

أطفالنا العرب فهل سوف نتمم المسيرة ونستعين بثقافة غير عربية للمراهق ومثلها بعد ذلك حينما يصبح هؤلاء شبابا؟ إن الإجابة بنعم أو لا على مثل هذا التساؤل فيها كثير من الخطورة، فإذا قلنا: نعم. فمعنى ذلك أننا نبني أجيالا لأي بيئة وأي أمة وإذا قلنا: لا، فماذا سوف نقدم للطفل الذي يتعرض لهذه الثقافات المتباينة الآن حينما يصبح مراهقا وحين يدنو من الشباب، فإن كان لا شيء سوف نقدمه فهذا خطير، وإن كان ثقافة من نوع مختلف وإطار للسابق غير مؤتلف، فإننا سوف نكون السبب في إحداث فجوة وتكوين هوة بين ما ترعرع عليه ذلك الإنسان في طفولته وما يتطلبه الآن في مراهقته، وأخيرا سوف يكون القول أين ولد؟ وفي أي بيئة سوف يستقر ولأي مجتمع سوف يضحي ويخدم وينمي؟ إنها بيئة وطنه العربي الإسلامي العريق. وإذا كانت هناك من الثقافات التي تثبت من القيم المستوردة والأفكار القادمة من الخارج، فإنها بلا شك سوف تحتاج إلى تطبيق.. وفي أي مجتمع سوف يطبق.... ومن هنا سوف تكون العاقبة. إن نقل نماذج الغرب بجانب الصواب، فالغرب له وجهه الجميل ولكن له أيضا وجهه اللاجميل. إن من أعماق كل مجتمع يمكن أن تشتق ثقافة مرنة لأطفاله تنبع من أصالة وعراقة تراثه يشاركها في ذلك تراث وثقافة مجتمعات قريبة الشبه وتشترك معها في خلفياتها الثقافية أو جذورها التاريخية، مثل هذه المجتمعات القريبة الشبة والمشتركة الخلفية والتاريخ سوف تتقارب أهدافها في بناء أجيال المستقبل المتميزين الواعين بأصولهم، ومن ثم تكون في ذلك على الطريق المأمون. إن هذا لا يقلل من الجهود الكبيرة التي تبذل وبذلت في خدمة ثقافة الطفل العربي والتي تظهر واضحة جلية معلنة عن نفسها. وعلى أي حال فإن وسائل الإعلام للطفل تتمثل في:

стр. 143

١- التلفزيون: بدأ عمل التلفزيون في مصر عام ١٩٦٠م وقد تضمنت برامجه منذ البداية جانبا خاصا بالأطفال. ويعتبر التلفزيون جهازا جمع بين الكلمة المسموعة والصورة المرئية، مما يزيد قوة التأثير لاستغلاله حاستين من حواس الأطفال. ورغم أن الوسائل التعليمية تتنوع بين سمعية وبصرية، إلا أنه من المعروف أن الوسيلة الإيضاحية التي تعتمد على أكثر من حاسة من حواس الطفل، يكون أثرها التعليمي أكثر جدوى وأكثر عمقا ودواما من الوسيلة التي تعتمد على حاسة واحدة فقط. فالصورة تزيد من مدى وضوح الكلمة ومدى فهم معناها، كما أن الكلمة توضح ما تتضمنه الصورة من أفكار ومعان، مما يساعد في النهاية على سهولة استيعاب الرسالة الموجهة للطفل. فهو يتفوق على وسيلة الكلمة المكتوبة أو المطبوعة التي تحتاج إلى إعادة تكوينها في صورة ذهنية قد تشوه أو قد تقصر عن التعبير عن الخبرة المباشرة التي تصفها. لقد أصبح التلفزيون هو المسيطر الأول على ميدان الاتصال بالأطفال بين وسائل الإعلام، فقد توصل السيد خيري وآخرون في دراسة عن التلفزيون والصغار إلى أن الأسرة قل لديها الاستماع إلى الراديو بنسبة ٧١%، وقل لديها الذهاب إلى السينما بنسبة ٥٧%، وقل لديها الذهاب للنادي بنسبة ٦٨% تقريبا. إن المادة المعروضة عبر التلفزيون تمثل أقرب بديل للخبرة الحقيقية وبخاصة الملون منها، فالطفل الذي لم يشاهد قبيلة من قبائل الإسكيمو أو من قبائل البدو أو ... يمكنه أن يحصل على بديل لهذه الخبرة على شاشة التلفزيون بشكل لا يختلف كثيرا عن موطن الخبرة الأصلي. وتشير الإحصاءات إلى أن أطفال المدرسة الابتدائية وما قبل المدرسة يشاهدون التلفزيون أكثر من مشاهدة التلاميذ بالمرحلة الإعدادية له، ويقل عدد ساعات المشاهدة يوميا عن ساعة. إن للتلفزيون قدرة على تحويل المجردات إلى محسوسات، مما يساعد على سهولة فهم الرسالة المقدمة. ويعتبر ذلك مهما جدا لطفل المدرسة الابتدائية، لعدم اكتمال قدرته على فهم المعاني والمدركات الكلية. إن مشاهدة الطفل للتلفزيون تحدث طواعية، وإن انتباهه إلى برامجه يكون محاطا بتركيز أكثر من انتباهه إلى دروس المدرسة، مما جعل البعض يذهب إلى أن الطفل يتعلم عن طريق التلفزيون قدرا من الخصائص والمعلومات والقيم والاتجاهات أكثر من كل ما يتعلمه أو يكتسبه من المدرسة والكتب المدرسية.

стр. 144

وإذا كان لكل وسيلة جمهور خاص، وإذا كان المثقفون يفضلون بصفة عامة المطبوعات كوسيلة للحصول على المعلومات بالإضافة إلى المذياع والتلفزيون فإن الأطفال يفضلون الصورة والحركة والأحاديث.. وهذا ما يقدمه التلفزيون. إن القدرة الفائقة التي يستطيع بها أن يعرض غرائب الموضوعات تنمي خيال الطفل وإدراكه. كما أن الاعتماد على الصوت والصورة يقوي القدرة التذكرية واسترجاع الأفكار والمشاهد، وهذا ما يجعله وسيله تعليمية مساعدة في نطاق استغلالها تربويا، وهذا من شأنه أن ينمي عواطف إيجابية في الأطفال نحو البحث والاستطلاع والسعي وراء اكتشاف الغموض. وهذا لا ينفي وجود مظاهر سالبة لمشاهدة التلفزيون، نجد منها على الأطفال ما يثار فيهم من انفعالات من قبيل الخوف والكره، نتيجة مشاهدة بعض المشاهد للأفلام. إن ملاحظة ما يظهر على ملامح الأطفال من تغييرات تدل على مشاركة وجدانية قوية، كما أن التقنية البارعة للمشاهد التلفزيونية تجعل الطفل يستمر لفترة طويلة بعد المشاهدة تحت تأثير هذه الانفعالات. ومن السلبيات أيضا إحساس الطفل بالتناقض العاطفي بين الواقع وما يشاهده على شاشة التلفزيون، ففي الأفلام المستوردة وحتى في بعض الأفلام العربية يعيش الطفل العربي هذا التناقض بين بيئة المحافظة التي يعيشها والبيئة الثقافية التي يشاهدها على الشاشة ومنها الزي أو الملابس الخليعة والمناظر الخليعة، فيقع الطفل في صراع بين قولنا له "عيب" أو "حرام" وبين صورة البطل الذي يراه ويشاهده على الشاشة الصغيرة وربما نشاهده معه في نفس اللحظة. مما يعرض قيمه الأخلاقية والدينية لبعض من الذبذبة وعدم المعقولية. وفي قرب العاشرة من العمر خاصة، وهي ما تعرف برحلة التشكك عند الطفل فيما يدور حوله من أفكار الكبار وتوجيهاتهم بدافع نمو قدرته على النقد، تصبح الذبذبة في القيم الأخلاقية الدينية صعبة. وعندما يطغى حب بطل الشاشة يكون الطفل مهيأ بطبعه لتقليده، وهنا يكون التلفزيون عارضا لنماذج يمكن أن يتقمصها الطفل، وذلك تحت شروط سبق أن تعرضنا لها. وهذا ينعكس على

стр. 145

ألعاب الأطفال العدوانية، ويبلغ أقصاه عندما يصل الأمر بالطفل إلى الانتماء إلى جماعات رفاق من سبيل العصابة. ونتيجة طول المدة التي يقضيها بعض الأطفال أمام التلفزيون والتي تصل أحيانا إلى أكثر من ٣ ساعات يوميا، وانعدام رقابة الآباء، يشعر الطفل بالكسل، وهكذا يفقد جانبا كبيرا من طاقته، ويفقد كذلك بالتالي جزءا من طاقته لمراجعة دروسه بالإضافة إلى إجهاد البصر والأعصاب. ويكون مردود ذلك بالطبع سيئا على الانتباه والاهتمام ويتولد لديه شعور بالنفور أحيانا من الأعمال والواجبات المدرسية باعتبارها معارضة للمتعة والراحة. وهذا ما يجعل البعض يرى التلفزيون أداة أو وسيلة "إدمان كهربائية" تشغل الطفل عن القيام بأعمال مفيدة كالقراءة والمحادثة فضلا عن تعليمه العدوان والعنف، كما أن للتلفزيون دورا في ترويج الأفكار الشائعة أو الآراء المقبولة Stereotype أو الصور الشائعة، ورغم كل ذلك فإنه لا نكران لكون التلفزيون ينمي السلوك الإيجابي من التعاطف مع الغير، وقد أثبتت الدراسات أن تعريض الطفل لهذه البرامج يؤدي إلى تنمية روح التعاون والمشاركة عند الأطفال. على الرغم من أن البرامج التلفزيونية التي تحتوي على أدوار عدوانية وأدوار خيرة معا، غالبا ما ينجذب الأطفال إلى الدور العدواني ويفقدون الرسالة الأخرى الخيرة. كما اتضح أن الآباء الذين يعاملون أبناءهم معاملة تتسم بالدفء والمحبة Reaioning غالبا ما نجد أنباءهم ينتفعون كثيرا من البرامج التي تحث على التعاطف. والكثيرون يرون أن التلفزيون إذا كان ينقص من الوقت الذي يقضيه الأطفال في أعمال نافعة مثل القراءة ومشاركة الغير، فإنه يمكن الأطفال من تعلم مهارات متعددة أخرى، ولكن على أن يكون الآباء على وعي واهتمام بأطفالهم. وبين الإيجابيات والسلبيات لمشاهدة الأطفال للتلفزيون تجد بعض النظريات في مجال علم النفس لها مكانا. فنظرية التحليل النفسي لـ Freud ترى أن مشاهدة الأطفال لأفلام العنف وسيلة مفيدة للتنفيس عن الذات والتخلص من العدوانية. أما نظرية التعلم

стр. 146

الاجتماعي لـ Bandura فتشير إلى أن الإجرام والعنف في التلفزيون قد يشجع على العدوان عن طريق التقليد. إلا أن الدراسات الطويلة أفادت بأن الأطفال الذين كانوا يميلون إلى مشاهدة أفلام العنف في عمر ٨ سنوات قيموا من قبل زملائهم في عمر ١٩ سنة أنهم عدوانيون، وعندما أصبح عمرهم ٣٠ سنة ارتكب عدد منهم بعض الأعمال الإجرامية. وتنتهي هذه الدراسات بأن هناك علاقة بين مشاهدة أفلام العنف والعدوان في واقع الحياة، ولا تشير إلى أن العنف الذي شاهده الطفل في التلفزيون كان السبب في ارتكابه أفعالا إجرامية ولا يجب أن ننسى احتمالية إقبال الأطفال العدوانيين بطبيعتهم على مشاهدة أفلام العنف. وإن جناح الأحداث كان شائعا حتى قبل مجيء التلفزيون. ولا يفوتنا القول بأن من آثار مشاهدة أفلام العنف وبرامج الجريمة على شاشة التلفزيون فقدان الأطفال الحساسية ضد الإجرام أو يحجز العاطفة أو الفؤاد Desensitize فتجعل الطفل يتقبل السلوك العدواني ولا يحس أنه شيء غريب، بالإضافة إلى إعطائه فكرة عن أن المجتمع مليء بالإجرام والعنف، كما أن علاقة الآباء بالأبناء التي تتسم بالنزاع والسلبية بالإضافة لوجود مشاكل أسرية بين الزوجين ترتبط بكمية ونوعية مشاهدة الأطفال للتلفزيون.

стр. 147

٢- الإذاعة: على الرغم من تميز عصرنا بالتزايد المستمر في اعتماد الناس على المادة المذاعة بهدف الثقافة والترفيه، إلا أن الإذاعة لم تتغلغل إلى عالم الطفل كما فعل التلفزيون. والإذاعة لا تجد لها مكانا إلا عند أطفال القرى والبدو البعيدة عن الكهرباء وخلاف ذلك يأتي التلفزيون في مقدمة وسائل الإعلام المهمة في تلبية حاجات الأطفال ودعم قيمهم واتجاهاتهم. وبالرغم من ذلك إلا أن الإذاعة تدع خيال الطفل ينساب لتصور المشاهد والأحداث بعكس التلفزيون الذي يصور الأحداث فلا تدع خيال الطفل يعمل. إن الاستماع للمذياع لا يبدأ عند الكثير من الأطفال إلا بعد السادسة من العمر، ومنذ ذلك الحين يصبح المذياع محببا للطفل بشكل متزايد، ويشعره بالاستقلالية في الاستماع وخاصة إذا كان يتملك جهازا لنفسه نظرا لانخفاض ثمن بعض الأجهزة بشدة مقارنة بالتلفزيون غالي الثمن.

стр. 148

٣- السينما وأفلام الفيديو: للسينما دور مفيد في عملية التنشئة الاجتماعية للأطفال، فهي تخاطب مثلها مثل التلفزيون حاستين للطفل، وإن كانت تتميز عليه بشعور جديد وهو الإحساس بالخصوصية حينما يجد الطفل مكانا له مخصصا أو مقعدا مخصصا له داخل دار العرض، وكذا الإحساس بالخصوصية إذا أحضر له أحد الوالدين واحدا من أفلام الفيديو أو قام هو باختياره أو شرائه. إنها بدايات لدعم الاستقلالية عند الأطفال. وفي معظم الحالات يولع الأطفال بالسينما وشاشتها الكبيرة، وهذا الجمهور الغفير الذي حضر للمشاهدة، إن لها متعة خاصة يشعر بها الأطفال وخاصة الذين عودوا على مشاهدة الصغيرة "التلفزيون". وفي سن الخامسة يكون ندرة من الأطفال قد شاهدوا فيلما خاصا بالأطفال على شاشة سينما نظرا لشيوع التلفزيون وانشغال الآباء، ولكن بعض الأطفال في هذا العمر من الطبقة الاقتصادية المتوسطة والمرتفعة يكونون قد شاهدوا فيلما بالفيديو للصغار. أما في الثامنة وما بعدها فربما طلب الكثير منهم الذهاب إلى السينما مرافقين لأحد الراشدين أو شراء واحد من أفلام الفيديو المخصص للأطفال. ويفضل أغلب الأطفال أفلام الكرتون التي تسبق العرض السينمائي، إلا إذا كانت السينما خصصت ساعات العرض كلها للأطفال، عندها يفضل الأطفال أفلام الحيوانات وأفلام الطيور الراقصة والغنائية، فغالبية الأطفال يكرهون القصص الغرامية. وحينما يصل الأطفال العاشرة من العمر فإنهم يفضلون أفلام الحركة والحرب، إذا كانوا ذكورا، ويفضل الإناث أفلام الغناء والموسيقا، وكل من الذكور والإناث يفضلون أفلام المغامرات إلا أنهم ما زالوا يكرهون الأفلام الغرامية. وحينما يصل الأطفال إلى الحادية عشرة والثانية عشرة يتحمسون لبعض الأفلام لدرجة أنهم يطلبون مشاهدتها أكثر من مرة. ومعظم الأطفال يتقبلون عدم سماح الوالدين لهم برؤية بعض الأفلام أو بالتردد على دور السينما. وتشجع المشاهد السينمائية مثل التلفزيون والفيديو على تعزيز المفاهيم وامتصاص القيم وتعزيز الاتجاهات، كما أنها تنمي لدى الأطفال المشاركة الوجدانية.

стр. 149

٤- المسرح والسيرك: يمثل المسرح بجوه ومقاعده مكانا غريبا وعجيبا بالنسبة للأطفال، وتصبح الصورة التي كان يشاهدها في التلفزيون أو في السينما أو في الفيديو مجسمة بأناس يراهم يتحركون على مقربة منه. والطفل ما زال جالسا على مقعد متمتعا بالخصوصية والاستقلالية ومشاركا جمعا كبيرا من الأطفال، لدرجة أن الأطفال يثار بينهم الضحك في جرعات جماعية يسعد لها الأطفال عند سماعها وينفجرون أكثر بالضحك. مما يجعل البهجة تملأ النفوس في المواقف الدرامية والفكاهية التي تلقن الطفل قيما وسلوكيات لها أهميتها في المجتمع الذي يعيش فيه.

стр. 150

٥- المطبوعات: لا تزال الكلمة المطبوعة والصور محتفظة بقوة تأثيرها على الأطفال والكبار على حد سواء، وتشمل المادة المطبوعة أنواعا عديدة منها: المجلات والكتب والقصص ودوائر المعارف والمعاجم المصورة. وتكتسب المادة المطبوعة جاذبية خاصة به، فالطفل يستطيع قراءة ما يريد في أي وقت يريد، ويستطيع أن يسترجع قراءاته إذا أراد. وقابلية الشيء المقروء للتشكيل في ذهن الطفل إذا كان أعد بمهارة من قبل متخصصين، وهذا لا يمنع عيوبا، فربما كانت المادة المكتوبة صعبة، ولا يتمكن الطفل من فهمها وهناك احتمالية فهم الطفل للكلمات بتشويه أو غير قصد. وتشير نتائج البحوث أن الأطفال المنحرفين أكثر إقبالا على المجالات الفكاهية المتصلة بالجريمة والعنف عن الأطفال العاديين، كما أن الأطفال ذوي التوافق الجيد كانوا يفضلون الأبطال الخارقين مثل سوبر مان وصوره وملابسه. وتعتبر المسلسلات الهزلية المصورة أكثر المواد المطبوعة قدرة على جذب الطفل وإثارة اهتمامه وميله للقراءة. وتمثل قراءة الكتب بالنسبة للأطفال مرحلة متقدمة. يصل إليها الطفل بعد أن يمر بمرحلة قراءة المجلات التي تتميز ببساطه أسلوبها وبجاذبيتها بفضل ما تحويه من صور، وبسهولة استيعاب مادتها. ويعتبر "كامل الكيلاني" من رواد كتب الأطفال، قدم الكثير من كتب وقصص الأطفال الأدبية والدينية والتاريخية التي ما زال أطفالنا يقرءونها حتى يومنا هذا.

стр. 151

والسؤال الآن: الكتب الهزلية، هل تعتبر تهديدا إذا استثنينا كتب ومجلات الجرائم الشديدة، فإن الكتب والمجلات يمكن أن توجه قراءتها في داخل الأسرة ولا يتم ذلك عن طريق المعاكسة أو المنع من قبل الوالدين، وإنما عن طريق المراقبة المعقولة. ويتجلى الاهتمام عند الكثير من الأطفال عند الخامسة. إن بعض الأطفال يهتمون بصورة هذه الكتب والمجلات، وبعضهم يطلب أن تقرأ له وأن تشرح. ولكن في حدود السابعة يكون كثير من الأطفال قادرين على شيء من القراءة البسيطة بأنفسهم. وعند الثامنة يندفع الأطفال إلى قراءة كتب المغامرات، والعنف، ويقبل الأطقال على الشراء أو الاستعارة في حدود التاسعة من العمر. ومع العاشرة والحادية عشرة نجد الاهتمام أصبح أشد وأحيانا نجد الأطفال في الإجازات وقد أحاطتهم أعداد من الكتب، وربما لا يكتفون بشراء الكتب وقراءتها وتبادلها أو استعارتها بل ينظمونها ويصنفونها، والويل إذا نقص من هذه الكتب أو اختفى كتاب أو مجلة. ومراقبة الوالدين ضرورية في هذه السن، وبعض الأمهات يشتكين من أن أطفالهن يتصرفون وكأنهم تحت تأثير سحري، وأنهم ينظرون بعيون زجاجية إذا ما تحدث إليهم شخص وهو يقرءون مثل هذه الكتب والمجلات. وإذا كان صحيحا أنه ليس من الجاذبية في شيء أن ترى الطفل وهو أمل الأسرة وقد انغمس مثل هذا الانغماس لأنه مثل الكثيرين من الأطفال في نفس المرحلة العمرية. ولا شك أن هذه الأمور جميعها تحتاج إلى تنظيم كثير. ولكن مثل هذا التنظيم من قبل الآباء أجدى من المنع الكامل. والحقيقة هي أننا لسنا قانعين أن المنع الكامل ضروري حتى ولو كان ممكنا. إن الأطفال المستقرين عاطفيا وفي بيوت وأسر عادية تكون قراءتهم للكتب مثلها مثل بقية أنواع التسلية، حتى وإن كانت فيها من العنف أو العاطفة الشديدة ولا تسبب الجنوح ولا حتى الاضطراب العاطفي.

стр. 152

٦- وسائل التنشئة الاجتماعية في الوسائط الإعلامية: كل وسائل الإعلام ما عدا المسرح والسيرك لا يحدث فيها تلاق مباشر بين الموجه والطفل، إلا أن أهدافها خلف توسل واضعيها واستعانتهم بمضامين متنوعة من قصة أو برنامج إذاعي أو تلفزيوني أو رواية سينمائية. وهناك نوعان من وسائل التطبيع أو التنشئة: الأولى تخص موجهي وواضعي المضمون والثانية متصلة بمستقبلي المضمون أي الأطفال أنفسهم. وسائل موجهي وواضعي المضمون: أ- التكرار: تعمد الوسيلة أو الوسائل إلى تكرار مضامين أو مفاهيم أو أحداث معينة أو شخصيات، ومثل هذا التكرار يعرف الأطفال الكثير عن مجتمعهم وحياة الأفراد فيه والقيم والتقاليد والمعايير السائدة. ب- الجاذبية: لقد بلغت أساليب الجذب من القوة بحيث أصبحت تشد الأطفال حتى ولو كانوا أحيانا يرغبون في النوم. جـ- الدعوة للاشتراك: تتعمد بعض وسائل الإعلام دعوة الأطفال للمشاركة الفعلية إما بالكتابة أو بالرسم أو بالتحدث عبر الهاتف، لإبداء الرأي في حل مشكلة أو اتخاذ قرار بشأن رغباتهم أو غير ذلك. وربما استخدمت وسيلة الإعلام وسائل للتحفيز مثل المكافآت العادية والمعنوية. د- النموذج: والنماذج قد تكون أشخاصا لهم من المكانة الاجتماعية "لاعبي الفرق"، وقد تكون أبطالا تاريخيين، يمثلون قيما معينة يريد موجه الرسالة الإعلامية غرسها أو تدعيمها، وأحيانا تكون النماذج أطفالا أو حيوانات أو طيورا. وأيا كان نوع النموذج فإن المضمون فيه دعوة صريحة كي يفعل الطفل مثله، أو دعوة صريحة للابتعاد عن هذا السلوك أو الاقتراب من آخر. وسائل مستقبلي المضمون "الأطفال": أ- الامتصاص: أي استيعاب ما يعرض، وللتكرار والإعادة أهمية كبيرة في استيعاب الطفل للمفاهيم والمدركات والعادات. ب- التقليد: الأطفال يميلون بطبيعتهم إلى التقليد، وهذا التقليد والتأسي يتوقف على سمات شخصية الطفل وحاجاته وردود فعل المحيطين به.

стр. 153

جـ- التقمص: وهنا يشعر الطفل أو لا يشعر بأنه أصبح مثل النموذج، وبذلك يكون قد توحد معه، ويسلك مثله وينفذ تعليمات النموذج. ويتوقف ذلك أيضا على شخصية الطفل وحاجاته ومدى تقبل البيئة المحيطة لسلوكياته المتقمصة. وإذا كانت هناك بعض المخاوف التي تنتاب الآباء من تعرض أطفالهم لرسائل إعلامية لا تليق بأعمارهم، فإن أجهزة الإعلام المعنية عليها مراعاة ذلك قدر الإمكان، كما أن الآباء لا يجب أن يقفوا كما سبق أن أشرنا مكتوفي الأيدي. ورغم ذلك فإن لرسائل الإعلام آثارا جلية في التنشئة الاجتماعية للأطفال ومن ذلك: أ- إشباع حاجات الأطفال للاستطلاع والترويح والتسلية. ب- عرض مضمون يتناسب مع فئات الأعمار بحيث يجد كل طفل ما يناسب عمره، مراعية الخصائص الشخصية للأطفال في كل عمر وطبيعة البيئة والمجتمع الذي يقدم فيه المضمون. جـ- ربط الآباء بوسائل الإعلام بالإجابة على استفساراتهم وتوجيه مشكلاتهم التي تعترضهم أثناء تربية الأطفال إلى المختصين للإجابة عليها وتوضيح الحلول المناسبة لها.

стр. 154

٧- رؤية الآباء لدور وسائل الإعلام في تنشئة الأطفال: في الوقت الذي لا ينكر فيه الآباء دور وسائل الإعلام على تثقيف طفل اليوم، وأنهم افتقدوا ذلك حينما كانوا أطفالا، نجدهم يوجهون بعض اللوم لهذه الأجيال عبر وسائل إعلامهم وثقافتهم. فنسمع بعض الآباء يقولون "جيل تلفزيون" أو يقولون "جيل فيديو" ... وتحمل هذه العبارات وغيرها نوعا من عدم الرضا في أغلب الأحوال لحال أطفالنا. وهذا لا يخفي الامتنان الواضح للآباء على مشروع القراءة للجميع والذي تبنته سيدة مصر الأولى "سوزان مبارك". وبالرغم من ذلك لا ينسى الآباء الجهود التي تبذل من قبل وسائل الإعلام في خدمة قضاياه ليس فقط في مصر بل والعالم العربي، وهذا يعلن عن نفسه في

стр. 155

تنوع وكم هذا العدد الكبير مما يقدم للأطفال ومن أجلهم. وأود أن أشير إلى أنه بالرغم من أن الأطفال العرب يمثل تعدادهم بنسبة تقدر بنحو ٤٥% من تعداد سكان العالم العربي في الوقت الذي تبلغ فيه نسبة الأطفال في العالم كله ٣٧% من عدد السكان تهبط هذه النسبة إلى ٢٧% تقريبا في أمريكا الشمالية ودول أوروبا وترتفع ٤٢% في أمريكا الجنوبية، وعموما في الدول المتقدمة لا تزيد نسبة الأطفال عن ٢٢% من جملة السكان. إن ارتفاع نسبة الأطفال العرب هذه لا يرفع نسبة الإنفاق على الأطفال في هذه الدول العربية والذي لا يمثل أكثر من ١% مما كان من الواجب إنفاقه، وهذا ينسحب بالتالي على أداء وسائل الإعلام المختلفة لدورها الرئيسي. ومن المعروف أن الخلية الأولى التي ينمو فيها الطفل ويحتك بها احتكاكا مستمرا ويتلقى فيها أول أنماط التنشئة هي الأسرة. والأسرة لا تعتبر الآن بالأسرة الشاملة للرعاية والتنشئة لهذا الطفل أو ذاك في خلال سنوات حياته الأولى، وذلك كما كان حالها في العصور الماضية، فتشاركها الآن معاونة دور الحضانة والروضة بهدفها التثقيفي التربوي، والمدرسة بأنشطتها الصحافية والإذاعية والموسيقية وغيرها. وكذلك المادة المطبوعة من مجلات وكتب، والمذياع المرئي والمذياع المسموع، ونوادي تثقيف الطفل، وقد استدلت مثل هذه المؤسسات التربوية ومؤسسات أخرى على بعض من تلك الأدوار والأنشطة التي كان الآباء والأقارب يقومون بها في وقت من الأوقات، وبغض النظر عن تعرض الطفل تعرضا هائلا للمؤثرات الخارجية، فما زالت المدرسة ذات آثر في توجيه الطفل ونموه العقلي وجزء من ثقافته وتحاول دور الحضانة والروضات جاهدة أن تساهم بدور ليس بالقليل وخاصة في مرحلة هامة من مراحل نمو الطفل النفسي. ويقع على عاتق الأجهزة الإعلامية الآن نسبة كبيرة من تثقيف الطفل وتوجيهه فضلا عن مساهمة المؤسسات التربوية الأخرى. هذا ... ويؤكد جوهرية الدور الذي تقوم به أجهزة الإعلام في إعطاء ثقافة مشتركة وخلفية موحدة لأعداد كبيرة من الأطفال وفي أسرع وقت ممكن وعبر المساحات الشاسعة والأميال المترامية من البيئات المتباعدة والقريبة.

стр. 156

ونعود ثانية إلى داخل الأسرة، فنجد أنها أول خلية للمجتمع يقابلها الطفل، وأول وكيلة من قبل البيئة لتنشئته وتنبيه عواطفه، وواضعا بذور القيم والتقاليد والعادات عبر الأم بالدرجة الأولى يساعدها الأب بالدرجة الثانية ويشاركها أعضاء الأسرة، إن هذا يجعل للأسرة الفضل في بث أوليات ثقافة الطفل. ثم نعود ثانية أيضا لمدارسنا فتعتبر عملية توجيه الطفل نحو النظام الاجتماعي والسياسي القائم وتعضييد احترامه له هو أحد المسارات التي تعمل فيها المدرسة كمؤسسة تحافظ على ثقافة المجتمع وتراثه، ولكن مسئولية مدارسنا لن تنتهي بالمحافظة على الوضع الراهن ولا حتى عن طريق التنشئة الاجتماعية للأفراد القادرين على التكيف بسهولة مع البيئة الاجتماعية والمادية المتغيرة، ولكن بدلا من ذلك سوف تمتد إلى أقصى درجة ممكنة من تشجيع القدرات العقلية واستثمارها لأعضاء المجتمع الجدد من الأطفال. وعلى مؤسساتنا التربوية أن تأخذ على عاتقها القيام بدور رئيسي للتحديث الواع والتغير إلى جانب دورها الشرعي في تأكيد الاستمرار الثقافي للمجتمع وأصالته المتميزة، وخاصة بعد انتشار وسائل الاتصال الحديثة مثل "الدش". وسوف يصبح هناك تفاقهم للمشكلة نتيجة لحقيقة يثيرها الآباء وهي: أن المدرسة تبدو أنها تتغير بطريقة أكثر بطئا عن أوجه المجتمع الأخرى، إن كل التعليم تقريبا يصبح قديما وقد يكون باليا في الوقت الذي يعطى فيه. إن علاج هذه المشكلة سوف يساهم فيه التقاء المؤسسات المختلفة التي تهتم بالطفل لتحديد الدور الذي تشارك به كل منها ومداه آخذين في الاعتبار عدم ظهور الازدواجية في الأداء أو التعارض بل التعزيز والتكامل بين هذه المؤسسات. ومن بين هذه المصادر الكلمة المطبوعة والممثلة في الكتب والمجلات المقدمة للأطفال. إن لها الأثر الكبير على ثقافة الطفل، فالكلمة المكتوبة هي أول وسيط ثقافي للإنسان، وظلت وسوف تظل بقدرتها وقيمتها. والكتاب الثقافي للطفل هو الذي يقدم له الصور الذهنية والفكرية والوجدانية ويفسر له المعاني التي تتكون في خاطره وفي خياله على مر الأيام والأعوام، ويترجم له كل التصورات والأفكار والخيالات معتمدا على الانطباعات الحسية والمعنوية فيجد فيه الطفل ومنه إمتاعا عقليا، والكتب بمثابة الناقل للحضارة

стр. 157

وقيمها إلى الطفل وكذا المسهم في التربية فضلا عن عرضه للتراث بأشكال فنية جذابة وبسيطة للخبرة المهذبة وتنمية القدرة على مواجهة الحياة. إن نسبة كبيرة من كتب الأطفال بالعربية تصور في باب القصة والموضوعات الدينية وبعض الموضوعات التاريخية، وقلة نادرة هي التي تصور موضوعات علمية أو فنية ولم توجد قواميس أو موسوعات عربية للطفل العربي إلا مؤخرا رغم قلتها. والكتابة للأطفال فن وحساسية وموهبة بالإضافة للمعرفة الدقيقة بمراحل النمو النفسي وجوانبه العقلية والاجتماعية والانفعالية واللغوية، مما يستلزم عدم السماح بتوجه القلم الذي يكتب للطفل إلا لمن أوتي هذه الجوانب مما يدعو إلى الاطمئنان عند مخاطبة الطفل بالكلمة المكتوبة. وعلى اعتبار أن ثقافة الطفل مجموعة من الخبرات الواجب اكتسابها، وتساعده على النمو إلى أقصى حد ممكن، فإن المنزل ودار الحضانة والمدرسة وأجهزة الإعلام والكتب والمجلات يجب أن تشارك معا لاستغلال الكثير من طاقات الطفل المعطلة والتي يمكن عن طريقها إثراء ثقافته ونموه العقلي في ضوء اعتبارات هامة هي: ١- مشكلات الطفل اليومية مصدر رائع للتثقيف والتنشئة. ٢- استغلال حواس الطفل في نموه العقلي وثقافته خير ضمان. ٣- حب الاستطلاع عند الطفل ثروة يجب استثمارها إيجابيا. ٤- إهمال حب الطفل للحركة واللعب في توجيهه خطأ سوف نعاقب عليه أنفسنا. ٥- تستيقظ مدارك الأطفال على الغناء والموسيقى. ٦- القدرة على التخيل إمكانية ذهنية للتثقيف والنمو العقلي ومن ثم التنشئة. والآن هل علمت الأم بطريقة ما أثر تلك المتغيرات، وهل أشير للأب عن أثره الفعال في ثقافة الطفل ونموه، وهل حاول القاصدون والمربون استغلال تلك

стр. 158

العناصر كهدف عن قصد في قضية الثقافة للصغار. وإننا إذا قلنا: وما النوع؟ فسوف نسمح لأنفسنا أن نقول: وما أقل الكم! وإذا كانت الكلمة المقروءة هي أخلد الوسائل للثقافة فإن الكلمة المسموعة والمرئية تفوقها سرعة في التأثير ومدى الوصول إلى أعماق الطفل. والأثر الخطير لكل من الإذاعة والتلفزيون على نفوس الأطفال ووجداناتهم جعلنا نهتم بإعداد برامج خاصة بهم ويتحقق من خلالها لهم الإمتاع العقلي والنفسي وتبتعد به عن التدريس في أسلوب التقديم. والطفل قد يجلس أمام التلفزيون ما يقرب من سدس عدد ساعات اليقظة، وعندما يجلس أمام هذه الشاشة الصغيرة فهو يتعلم نماذج جديدة من السلوك قد تدعم أنماط السلوك السائدة أو تبشر بأشكال جديدة من السلوك المقبول والموافق لمعايير المجتمع، أو قد ثبت قيما وآراء وأشكالا جديدة تتعارض بل تتصارع مع قيم الجماعة وتقاليدها. وهنا تكون الخشية على التنشئة. إن الإيمان بالفكر الغربي فيما يقدم للطفل ونقل نماذج الغرب إلى بلادنا شيء يستحق منا وقفة تأمل. إن ما يصلح هناك قد لا يصلح هنا. ويكفي أن نقول عن هذه البرامج التي تقدم هناك ويستعان بها هنا. إن أطفالنا ليسوا هم بأطفال الغرب وقيمنا التي يجب أن نربيها فيهم لا تصلح لها برامج غربية تعنى وتهتم بتنمية قيم وتقاليد خاصة بأطفالها لإتمام سلسلة قيمية تخدم ثقافة الغرب من أجل أطفال بعينهم، وذلك بهدف أن يصبح الطفل ذا ثقافة فرنسية أو أمريكية أو غير ذلك اعتمادا على القيم والتقاليد والعادات التي تبثها تلك البرامج عن قصد لأطفالها، وهل أطفالنا فوق كل ذلك يتميزون بمعايير النمو التي يختص بها طفل من ثقافة أخرى ومن مجتمع مختلف؟ لا أعتقد هذا وإن تشابهت إلى حد ما إذا جاز لنا هذا القول. وطوق النجاة لن يكون من خارجنا دائما، بل من أعماق أصالتنا وتراثنا العربي العريق، طوق النجاة لنا برامج تؤكد قيم المجتمع العربي وتثبت تقاليد وعادات وعرفا عربيا أصيلا، فالوطن العربي له تراث وله بناء دينامي وله تاريخ

стр. 159

مجيد خاص به ويتميز به، تعلنه المصادر والمراجع في كل وقت وحين، ويجب ألا يطرأ على الأذهان السؤال التقليدي. لماذا لا نلحق نحن بلدان العالم الثالث بركب الدول المتقدمة باستيراد الثقافة؟ أقول: لأن المسألة ليست استيرادا للثقافة بقدر ما هي تفاعل للتثقيف الواعي، لأن اللحاق بهذا الركب لا يجب أن يكون على حساب عراقة وأصالة وعظمة شعوب من أعظم وأخلد شعوب العالم فيما مضى هم شعوب العالم العربي، وإلا فسوف نساعد الطامعين في محو أصالتنا واختزال تراثنا الزاهر. إن هذا لا ينسحب إلا على عدد فقط من البرامج، والحق أن هناك برامج أخرى لها أهميتها وقدرتها وأصالتها.

стр. 160

٨- بعض البرامج في الميزان: ومع البرامج التي تشاهد بقصد الترفيه وتمضية الوقت واستهلاكه مع الطفل الزاخر بالإمكانيات، فهي ليست تثقيفية معرفية أو تربوية وتبقى معها طاقات وإمكانيات الأطفال معطلة. إلا أن البعض يأخذ في الاعتبار أفضل ما يمكن له واضعا في الاعتبار غايات تثقيفية ومعرفية وتربوية إلى حد كبير. ومن هذه المسلسلات مسلسل "سنان" و"أحلى الأيام"، و"نبيه وصالح" وبعض حلقات جوهرية جدا من "حواديت زمان" ... وغيرها. وإذا كانت هناك البرامج غير العربية والتي يستعان بها في مثل أفلام الكارتون المحببة للأطفال المشغوفين المولعين بها، فأين الدبلجة الخاصة بها؟ فهذه مثيرات بصرية فقط يتعرض لها الطفل ويتابعها بكل حواسه كل يصل إلى المعنى وبدون تفسيرها أو تعريبها نقدح خيال الطفل لأكثر مما يتحمل الموقف، فقد يأخذه هذا الخيال لتفسيرات سيئة للمواقف التي يشاهدها في هذه الأفلام غير الموجهة للمعنى والحدث بلغة يفهمها الطفل. إن الأمر يحتاج إلى توضيح للمشهد وإشارة للمعنى وإشارة لمحتوى الفكرة في أثناء متابعة الطفل ومراقبته، ومن المستحب توضيح الفائدة بنهاية العرض مباشرة حتى تكون القيمة في طريقها للتشكيل.

стр. 161

وفي البرامج لا نرى تنمية القدرات العقلية فليس من هوايات للرسم والتلوين أو التذكر أو التخيل وإن كان منها بالمدرسة إلا أنه من المفضل توافرها في البرامج التلفزيونية المحببة للأطفال بدرجة أكثر مما هي عليه الآن. ومسلسل "سنان" من المسلسلات الهادفة والتي لها مستوى مرتفع ثقافيا وعقليا، ولها مضمون تربوي عميق، إلا أن بها شخصيات بعيدة عن الطفل، و"سنان" يحافظ على الحب والوفاء ويدعم الإخلاص ويسعى إليه ويتخذ من المثل ويرقى بها إلا أنه ما زال موافقا "لفرفور" و"شرشور" ومعهما كما يظهر في بعض الحلقات على الرغم من أنهما ممثلان للشر والخبث والدعاء في الوقت الذي نسعى فيه مع الأطفال بالبعد عن الجليس السوء وعدم مرافقته. وفي مسلسلات أخرى نجد جميع الحيوانات تأكل نفس الحلوى ونفس نوع الأكل، وتعيش في نفس الأماكن، ويصبح الطفل في حيرة من أمره بين ما يشاهده وبين واقعه، فضلا عن أنها قد تكون حيوانات بأشكال غير معروفة فلم يعرف ما هو هذا الحيوان أو ذاك. وفي مسلسل "حواديت زمان" قد تشمل الحلقة الواحدة حلقتين فرعيتين أو أكثر، ويقوم نفس الأشخاص بالأداء في الحلقتين لأدوار مختلفة الاتجاه ومتعارضة المبادئ، وذلك بالنسبة لبعض الشخصيات فقط، وهذا يعني أنه بالإضافة للخلط الذي يحدث في ذهن الطفل والتداخل في الأفكار نجد الصواب فيما يتكون لدى الطفل نتيجة الدور الذي يقدمه الممثل. وهذا لا يجعلنا نقلل من المضمون التربوي في بعض المواضع. ومن الأفلام المحببة للأطفال "توم وجيري" و"نقار الخشب" إلا أن الملاحظ في معظم الحلقات كيفية تصميم "المقالب" و"الخبث" و"الشر" إلى حد ما، وهذه النواحي لا تطغى بالفعل على إمكانيات هذه الأفلام التربوية والترفيهية بالنسبة للأطفال ولكنها في سبيلها لتدعم النواحي السلبية كالخداخ مقابل نواحي إيجابية. و"افتح يا سمسم" فيه من الأفكار التربوية ويا حبذا إذا وجد ما يشد الأطفال كالمسابقات وأسئلة الذكاء والمفاجآت الهادفة في شتى الخبرات وكذا إذا

стр. 162

استعين بأطفال أثناء الأداء، لهم نفس العمر الذي يحتويه الهدف الموجه وليس بأطفال أكبر من الهدف الموجه والمقصود. وإن كان هذا المسلسل به من الأغاني ونعلم أهمية الأغنية وفعاليتها على الأطفال ومعهم، إلا أنها أغان مباشرة ليس فيها من الخيال الذي يمتع الطفل فيصبح للأغنية عمق في نفسه فتشده بالحركة أو الترديد أثناء الأداء فتمس وجدان الطفل وتملأ عاطفته. ويلاحظ أن كلمات الأغاني في معظمها مباشرة للغاية والأغنية ليس لها اللمسة الوجدانية، فالكلمات لأغنية الطفل يجب أن تكون غير مفتعلة وتكون خارجة من وجدان المؤلف حتى تصل إلى وجدان الطفل ومشاعره. فالطفل حساس للكلمة الحلوة الرقيقة ذات الشاعرية والنغم والخيال والتي تشبع العقل والفكر. ولكن أين هي؟. إن الكثير من الأغاني مفتقد بل نادر بصفة عامة في برامج الأطفال ويحتاج إلى المحتوى النفسي والتربوي الملائم للكلمة المنظومة الموجهة للصغير. إن أغنية الطفل لم تشغل حيزا ملائما في برامج الطفل هنا، وبالرغم من أن الكلمة المغناة غذاء لروح الطفل منذ شهوره الأولى، والشكل المحبب منها يكون ذا إيقاع سريع خفيف وتشمل الحوار الرقيق كلما أمكن. والأطفال حتى الرابعة تستهويهم الحركة فيما يقدم، وبعد ذلك العمر يحتاج الأطفال إلى الخيال الحر المنطلق لأن لهم عالمهم الخاص الذي يجب أن ندع له ساعة في النهار يخرج فيها بعقله وفكره على واقعنا المادي البحث فيصور لنفسه أشياء "كالخاتم السحري" و"مصباح علاء الدين" و"بساط الريح" أو "بحار السندباد". لندع الأطفال يعيشون ساعة من اليوم في دنيا لا يقيدها منطق الواقع، ففي ذلك دعم وتنمية لقدراتهم الابتكارية فيما بعد، وعلينا أن نحيط هذا الخيال في نهايته بانتصار الحب والخبر والجمال آخذين في الاعتبار أنه ليس معنى تعاطف الطفل مع الخيال أنه لا يفهم الواقع. وحقيقة هناك العديد من الأعمال للأطفال تظهر على الشاشة المصرية والسعودية الصغيرة تستحق التقدير، ففيها من الجهد والكم، ويا ليت هذه البرامج تكون على قناة واحدة أو في أوقات متفاوتة لأنه في بعض الأحيان قد تأخذ هذه البرامج نفس وقت التقديم على القنوات المختلفة. أما برنامج "ناشئ في رحاب القرآن" الإذاعي فهو برنامج رائع، ومن المستحب أن يستضيف أكثر من طفل في الحلقة، ويحضر النقاش مجموعة أخرى من الأطفال.

стр. 163

تصور الوسائل الثقافية المقرةءة وتصور في الحلول ... ٩- تصور الوسائل الثقافية المقروءة وتصور في الحلول: من المعروف أن الكلمة المكتوبة هي وسيط ثقافي للإنسان، وكان ولا تزال تحتفظ بقيمتها وقدرتها. والكتاب المقدم للطفل هو الذي يقدم الفكر والمعرفة ويترجم له كل التصورات والأفكار والخيالات مما يشد الطفل لإمتاع فكري ووجداني بنقل القيم الحضارية والمبادئ والتراث بأشكال فنية جذابة، مبسطا له الخبرة في تهذيب، وينمي لديه القدرة على التوافق مع البيئة التي ينتمي إليها. إن نسبة كبيرة من كتب الأطفال العربية تصور في باب القصة والموضوعات الدينية وبعض الموضوعات التاريخية وقلة منها تهتم بالجانب العلمي والفني أو ما يتعلق بالمجتمع الحديث. أما القاموس العربي للطفل أو الموسوعة العربية له أو الأطالس الهامة فهي من القلة أو من الندرة. والأمة العربية أحوج ما تكون إلى مزيد من البحث عن الشكل والمضمون الأفضل لكتاب الطفل، هذا الصغير المتعطش دوما للثقافة بكل ألوانها. نظرا لأن الكلمة المقروءة في ثقافة الطفل تلعب دورا هاما في التنشئة الاجتماعية، وذلك بمساعدته على التعرف على أكبر قدر من ذلك الموجود في خبرته الحالية، وتقترح له دورا سلوكيا، وغالبا ما نجري هذه الأدوار الجديدة في الألعاب التي يؤديها بمفرده أو مع زملائه، وتساعد هذه الكتب على معرفة الطفل بما هو رديء وما هو جيد وتسهم في نمو القيم لديه، مما يجعل دور المربى توجيها لما يقرأ الأطفال. والمادة المقروءة المقدمة للطفل في حاجة إلى تقييم برغم كثرتها، لأن تقديم الكتاب للطفل في مختلف مراحل نموه يجب أن يتم بناء على دراسة علمية وخطة متكاملة تجعل الطفل لا يمر بمرحلة من مراحل نموه إلا ويكون قد قرأ كل ما يمكن

стр. 164

أن يتلاءم مع قدراته الفنية والأدبية من ناحية وكل ما يشبع احتياجاته النفسية من ناحية أخرى، مما يحتم علينا أن نخضع عملية تأليف الكتاب لجهاز علم يراقب كل ما يقدم للطفل بحيث يشعر الطفل بأن الكتاب متعة حقيقية ويستثمر الطاقات الكامنة بداخله. وبالرغم مما أشرنا إليه إلا أن مجلات "ماجد" و"افتح يا سمسم" و"سوبر مان" و "غريندايزر" قامت بدور فعال بالنسبة للأطفال، وتشبع إلى حد كبير ما تفتقده في الكلمة المقروءة للطفل فضلا عن سلسلة القصص التي اهتم بها محمد سعيد العريان وعبد الحمد جودة السحار وكامل الكيلاني وأحمد نجيب وما يهتم به الشاروني ونتيلة راشد وغيرهم ومعظمها في باب القصة وبها الكثير من الأسس الفنسية التربوية لأطفالنا الصغار. وكانت هناك مجلة سعودية هي مجلة "حسن" على طريق ثقافة الطفل السعودي. ومن المفضل أن توفر صحافة للطفل السعودي ومجلات خاصة به تنبع من تراثه الأصيل، وتعتمد على ثقافة أرضه العريقة مهبط الوحي وأرض الإسلام العظيم خاتم الأديان. إن ما يقدم في مجالات ذكرت وأخرى غيرها لم نذكرها لا يحتوي طبيعة البيئة العربية المميزة للوطن العربي ذات الرمال والصحراء الممتدة وبدلا من توغل الطفل في بحار دزني وثلوج شمال أوروبا علينا توجيه توغل مغامراته إلى أعماق الصحراء ومخاطرات قمم الجبال ومآزق إخراج ثروات الأرض الطيبة، وسير وحياة الملوك والرؤساء العظام، والعطاء الذي لا ينسى منهم من أجل الوطن. وما هو فوق ذلك تقديم طفولة الأنبياء والرسل ففيها من القيم العريقة والأصول الراسخة الأصيلة على أن تكون مداخلها للطفل بأسلوب يلائم حياته الحضارية الحالية. إن إخراج "سلسلة للأرض" توضح أماكن الوطن الحبيب واتساعه ومدنه وشهرة كل منها وأشهر العظماء فيه عن طريق "مخاطرات كشاف" يؤتي من الثمار أفضل من روايات مترجمة للصغار.

стр. 165

وهذه بعض المقترحات لحل القصور في المادة المقروءة: - تشكيل لجنة متابعة كتب الأطفال لغرض الرقابة على ما يقدم والذي يعتمد البعض منه على الترفيه والسذاجة والاستهزاء بعقلية الطفل على حساب الدور التثقيفي التربوي للكتاب. وضع خطة عامة لاحتياجات الأطفال من المادة المطبوعة تحترم معايير النمو النفسي وتقوم على أسس نفسية تربوية. - تخصيص جزء أكبر من صفحات الجرائد اليومية ليقدم للأطفال مادة مشوقة وذات جاذبية تعتمد على أسس نفسية وتربوية، وذلك حتى يتاح للطفل ويحيط به من كل جانب كلمة تهمه وفكرة تجذبه. - تخريج متخصص جامعي يقدم للطفل في مجالات متعددة منها الكتابة والكلمة المطبوعة، وقد يكون ذلك مستحبا من خلال إنشاء قسم لدراسة الطفولة تابع لأقسام علم النفس بالجامعات، هذا المتخصص الجامعي يستطيع أن يتعامل مع الطفل بأسلوب مباشر وغير مباشر "عن طريق الكلمة مثلا ... أو رعايته كمربي بدور الحضانة أو المدارس الابتدائية" ويستحب أن يكون هذا المتخصص حاصلا أولا على ليسانس في الأدب العربي ثم يدرس دراسات تربوية ونفسية ثم يعد بعد ذلك إعدادا خاصا يمكنه من الكتابة الهادفة للطفل. - زيادة التقدير المادي لما ينتجه كتاب الأطفال. - مشاركة الصغار بإيجابية فيما يقدم من مادة مطبوعة لإكسابهم الثقة بالنفس وتنمية القدرة على التعبير والطلاقة الفكرية بمساهمتهم في تزويد المجلات بالمادة المقروءة أو الصور. - لفت نظر الآباء والمربين عما يجب أن يكون بالنسبة لأطفالهم وما يتوافر بالنسبة لأطفالهم بالسوق المحلية ويمكن الاستعانة به.

стр. 166

١٠- دعامات أساسية لبناء صرح ثقافة الطفل المسهمة في تنشئته . وتنقسم إلى أسس التفاعل المباشر وأخرى للتفاعل غير المباشر: أ- أسس التفاعل المباشر: - الدين والقيم الدينية محور أساسي في كل ما يقدم للطفل أو معظمه. - الطفل يحب المتعة والإبهار والحركة السريعة فيما يقدم والحوار الخفيف فيما يسمع. - برامج الأطفال وكتبهم وأغانيهم وموسيقاهم صعبة في كل مراحل تكوينها وتنفيذها تأليفا وإعدادا وتصويرا وإخراجا، لذا كان لا بد من اختيار العناصر البشرية التي تقدمها على أساس الموهبة والمعرفة بسيكولوجية الطفل وتربيته فضلا عن الاهتمامات بالمجال أو التخصص. - الطفل يرفض السذاجة التي تقترب من البلاهة، فالمادة المحببة له هي المادة ذكية الحوار السهلة في غير انحطاط. - أحب ما يكون إلى الأطفال الأشكال سريعة الإيقاع خفيفة الأسلوب المشوقة الممتعة. - سرعة التغير في الفقرات مع التنوع يلائم طبيعة الطفل، وهذا ما يعطي البرامج المنوعة للأطفال أولوية، تليها القصص الخرافية والواقعية ثم المغامرات. - إطلاق الخيال للطفل يوميا لنخرج بعقله عن الواقع المادي البحت في طريقه إلى تنمية الابتكار. - مسرح الطفل يملأ نفوس الأطفال بهجة بعرض المواقف الدرامية والفكاهية بهدف بث قيم المجتمع، ولدينا نحن العرب تراث عربي عريق وأساطير وحضارات، مما يربط أطفالنا بجذورهم الثقافية والحضارة الإسلامية. إن المسرح حقا شيء شبه مفتقد، وخاصة إن التنوع في وسيلة نقل الثقافة المقدمة للطفل تحقق له حاجته للتغير، فيجب أن ينال رضاه من مصادر متعددة من التلفزيون والمسرح والكتاب والإذاعة وغيرها، إن ذلك ضمان

стр. 167

لدعو القيمة وتكثف لبثها عما لو استعين بأداة واحدة أو وسيلة دون غيرها. إننا في حاجة إلى مسرح للطفل العربي. التقصير في مجال أفلام الطفل وخاصة الطفل العربي يدفع الأطفال لمشاهدة أفلام الكبار، وذلك له من الأضرار ما قد يبلغ حد الإيذاء القاتل للبناء النفسي للطفل وعقليته وعواطفه. أين الفيلم العربي للأطفال لا يوجد إلا نادرا، ويكاد يكون مختفيا. - هناك فروق كبيرة بن لغة الطفل ولغة الراشد، ومن ثم فمعرفة لغة الطفل في مراحل النمو المختلفة شيء مهم لكل من يتعرض لعمل في وسائط ثقافة الطفل، إن هذا يحبذ وجود قاموس لغوي للأطفال. وحتى الآن لا يوجد مثل هذا القاموس للغة الطفل لييسر على المهتمين بالثقافة ويبعدهم عن السلبيات فيما يقدم. ب- أسس التفاعل غير المباشر: جذب انتباه الأمهات والآباء العرب عن طريق وسائل الإعلام المختلفة لبعض القضايا الهامة في حياة الطفل ونموه، تفيد بطريقة غير مباشرة في تنمية ثقافة الطفل العربي وهذه القضايا هي: - التأكيد على أهمية السنوات الأولى من حياة الطفل. - التأكيد على تنمية علاقات الاحترام المتبادل بين الطفل ووالديه. - التوعية بضرورة أن يصبح الأب أكثر ارتباطا بأسرته وأطفاله في سني حياتهم الأولى، وألا يكون رمزا للسلطة والتخويف عند أولاده بل هو رمز للثقة والحب. - التأكيد على أن كثرة العقاب البدني ليست وسيلة لإصلاح الصغار بل تولد الخلق المنخفض والرغبة في التمرد والارتياب. - تأكيد العناية الطيبة والغذائية وتقديم المساعدات الطبيعية للأم والتركيز على الأسرة ذات المستوى الاقتصادي الاجتماعي الثقافي غير المرتفع كهدف.

стр. 168

- تبصير الأمهات بأدوار أساسية في التنشئة كعملية الفطام والاندماج مع الأطفال وكيفيتها. - تأكيد كيفية التفاعل بين الطفل ووالديه وضرورة إشباع حاجاته إلى العطف والحب والتقدير والتعود على المسئولية، واكتساب خبرات جديدة باستمرار وتأكيد حب المعرفة عنده من أجل احترامه لذاته. - تبصير الأمهات والآباء بأنهم يسهمون دون وعي منهم في تحطيم ثقة الأطفال بأنفسهم عند الاستخفاف بهم وإذلالهم بتشبيههم بأشياء قبيحة. - التأكيد على الوالدين في التعود على التحدث مع أطفالهم بلغة البالغين وعدم ترويض أخطائهم. - الإيمان بأن اللعب جزء لا يتجزأ من عملية التعلم. إن خطة قومية لتثقيف الطفل العربي تؤكد على القيم الدينية معتمدة على تطور الشعور الديني لدى الأطفال كأساس لبناء هذا الجانب، وتقوية الشعور بانتماء أطفالنا لوطن عريق وتنمية الإحساس بالمسئولية نحو المجتمع الذي يعيش فيه الطفل، يكون من قبيل تنشئة الطفل العربي. إن هذه الخطة إذا أكدت على طاقة الطفل وإمكاناته المعطلة الآن، وقدراته النامية والتي يجب العناية بها ورعايتها على أسس سيكولوجية وتربوية لتكون مهمة بحق في قضية تثقيف الطفل ومن ثم تنشئته. ويعتبر إنشاء أقسام لدراسات الطفولة بالجامعة تقوم على إعداد خريجين يعرفون جيدا متى وماذا وكيف وأين يقدم للطفل من المعلومات والمعارف والقيم والتقاليد والعرف والأصول العربية العريقة، لهو خطوة عظيمة واهتمام رائع ليس بقضايا الطفل وعالمه الخاص، بل تنشئته الطفل العربي.

стр. 169

تاسعا: الخدم والبشكار والمربيات مما يلون الحياة العاطفية للأطفال داخل الأسرة وجود الخدم أو البشاكير، والحاضنات والمربيات، وذلك إذا افترضنا دخول الأطفال في علاقات مع واحد من هؤلاء، فربما خلا المنزل من مثل هؤلاء. والخدم من الذكور والإناث هم الأشخاص الذين يتم الاستعانة بهم في المنازل لأداء خدمات مثل التنظيف أو الطبخ، وإن كانت الخادمات كثيرا ما يجدن أنفسهن في ظروف تجعل من اختصاصهن رعاية الأطفال بالإضافة إلى أشغال المنزل. وإذا كان مصطلح الخادم قد انتشر في البلاد العربية الإفريقية حتى المغرب العربي وبعض دول آسيا، إلا أن بعض دول الخليج مثل الإمارات تطلق مسمى بشكار على الخدم الإيرانيين بيض البشرة الذين استمر وجودهم هناك حتى قرب الخمسينيات من هذا القرن، وكانت هذه الفئة تقوم بعمل القهوة وصبها في المجالس ويبيعون في المحلات ولا يطبخون ولا يقومون بالأعمال المنزلية مثل النظافة والكنس. وكلمة بشكار من أصل فارسي، وتنقسم إلى "بيش" وتعني "أمام" و"كار" وتعني "عمل" وتكون في مجملها "داخل أو أمام العمل" وجمعها بشاكير. ويذكر فالح حنظل أنها تعني "الخادم في البيت". أما الحضانة فهي الأم الاجتماعية للطفل، ويعهد إليها بالطفل داخل الأسرة أو خارجها، فقد تكون مرضعا أو غير مرضع حسب مؤهلاتها وحسب المرحلة التي وكلت فيها حضانة الطفل، وأحيانا توظف داخل الأسرة للعناية بالطفل في كافة النواحي حتى مع وجود الأم، وأحيانا تستقدم فقط في حالة وفاة الأم. والمربية: أنثى تأني لتربية الطفل ومراعاة تقويم سلوكه، وتنشئته على النحو المراد، وكذا تعليمه في مراحل حياته الأولى. وربما تتقارب هذه المفاهيم عندما تختلط أدوار هؤلاء، نقصد الخادمة والبشكيرة والحاضنة، والمربية، وفيما يخص ما يعهد إلى الواحدة منهن من دور تربوي، فقد يكون دورا عابرا وحسب ظروف سيدة المنزل "أم الطفل" من كونها تقضي اليوم خارج المنزل أو داخله، أو مدى انشغالها داخل المنزل من عدمه ومهما يكن الأمر فإن الطفل يدخل في علاقة ما مع الخادمة أو المربية، سواء مع توافر تام لعلاقته بأمه أو توافر جزئي، ويتم ذلك يوميا سواء في غياب الأم أو في وجودها. وعبر هذه العلاقة يحدث التأثير المرتقب في تنشئة الطفل. وربما وصل

стр. 170

الأمر لأن تأخذ الخادمة دور الأم البديلة Substitute Mother. وعندها نكون قد قلنا نعم للخادمة، لقد تنازل الأبوان عن دورهما في تلبية الحاجات العاطفية والنفسية إلى مجهولين، وأصبح البرعم النامي يتجاوب مع مجتمعه عبر واسطة هي محض تأجير، غالبا أبعد عن أن يوف بأبسط المطالب التربوية الإنسانية ونادرا ما تتوافر التجاوبات عبر واسطات صحية بأسرة الطفل، كبعض الحالات التي تصبح الخادمات على علاقة لسنوات بهذه الأسرة، لدرجة تجعلهن غير مفتقدات للتبادل العاطفي مع أفرادها. ولكن غالبية الخدم يعتبرون غرباء عن الأطفال، وفي بعض المجتمعات يأتين من مجتمعات مخالفة وثقافات بعيدة. ففي واحدة من الدراسات التي تمت في منطقة الخليج، اتضح أن ٨% من مجموع المربيات في بعض دول الخليج لهن إلمام باللغة العربية، وجاءت اللغة الإنجليزية اللغة الأولى للاتصال بين المربيات والأطفال. فكيف إذن لعملية التطبيع الاجتماعي أن يتم جزء منها في غياب اللغة؟ إن اللغة نظام موضوع من الرموز يستطيع أعضاء الجماعة بواسطته أن يتفاعلوا وأن يتعاملوا وفق المعاير الاجتماعية في المجتمع، وماذا يكون التوقع إذا ظهر أن ٢٥% من الأطفال يقلدون المربية في اللهجة، وأن أكثر من ٤٠% من الأطفال تشوب لغتهم لكنة أجنبية ويتعرضون لمضايقات أقرانهم لهذا السبب، كما أن من ٦٠% إلى ٧٥% من المربيات غير مسلمات، ويمارس منهن ما نسبته ٩٨% تقريبا شعائرهن الدينية ... إنها قدوة خطيرة أمام النشئ المسلم من الأطفال في منطقة الخليج إذا تذكرنا أن الطفل البشري يحتاج لفترة حضانة ورعاية طويلة نسبيا ويأخذ نموه الاجتماعي من خلال تفاعله مع المحيطين به مباشرة، في الوقت الذي تنازلت فيه ٤١% من أسر الأطفال عن إشرافها على لعب الأطفال، وفي الوقت الذي يمكن أن يستقر بعض المربيات مع الأطفال فترة تفوق الخمس سنوات. وعموما فإن نتائج دراسة وزارة الشئون الاجتماعية والعمل بعمان أشارت إلى أن وجود مربية أجنبية للأطفال أثناء مرحلة الطفولة المبكرة، قلل من فرص الأطفال في الاعتماد على النفس، بينما أشارات نتائج الدراسة على عينة كويتية إلى عدم وجود آثار سلبية للمربيات الأجنبيات على الأطفال من حيث نموهم اللغوي والنفسي والاجتماعي، نظرا لاقتصار أعمال المربيات على الخدمة المنزلية، وقيام

стр. 171

الوالدين بأغلب مسئولياتهم نحو الأبناء مثل توجيههم ومساعدتهم دراسيا والإشراف على طعامهم ولباسهم وألعابهم وصحتهم. وإذا كانت ظاهرة الخدم واضحة في منطقة الخليج، فإن الظاهرة محدودة في مصر ودول المغرب العربي، ولكن عموما كلما ارتفعت مكانة الأسرة اجتماعيا واقتصاديا أمكن أن نتصور إمكانية وجود خدم أو مربيات. إن العلاقة الحميمة التي نلاحظها أحيانا بين المربيات والأطفال، إنما يرجع بعضها إلى اعتماد أساليب تربوية خاطئة لدى المربية، مثل التساهل والتراخي، والتكتم على تصرفات الأطفال ... وحتى الحنان المفرط. وإذا كانت هذه الفئة تتخذ من هذا العمل مهنة لها، فإن تقلباتهم بين البيوت عبر السنوات يجمد حنانهم العاطفي، ويجعلهم عرضة للتذبذب في المشاركة الوجدانية، ولذلك فالأشخاص من هذه الفئة تكون علاقاتهم بالأطفال مجرد علاقات مظهرية ووظيفية في الأعم والأغلب، وبقدر ما تعمل الأسرة على توفير حياة طيبة للخادمة أو المربية يمكن أن تنتظر من الأخيرة الاهتمام والرعاية بالأطفال. إن علاقة الأم والطفل، في جلستها أو في حركتها، أو حالتها النفسية تبدو أثناء إرضاع الطفل أو تغذيته، وينعكس ذلك على الطفل، وربما الخدم والمربيات كثيرا ما يبدو اهتمامهم بتنظيف الأطفال وملاحظتهم أثناء اللعب.. وما إلى ذلك. ولكن قد يثرن انفعالات الأطفال نتيجة توترهن أو التقزز وهن يقمن بتنظيفهم، وينعكس ذلك على شعور الطفل بذاته وقيمته بالإضافة إلى ما يستخدمه بعض الخدم من أساليب الأمر والنهي لانخفاض مستواهم الثقافي ... أو أساليب العقاب ... لقد شاهدت بنفسي خادما يهدد طفلا في الرابعة من العمر تقريبا بضربة بالحذاء، وذلك أثناء وجودي في متجر بإحدى الدول العربية. إن هذا لا يقلل من الجهد الكبير الذي يبذله بعض الخدم والمربيات في خدمة الأطفال بإخلاص، ولكن يظل والدا الطفل أهم عاملين أوليين، ما داما هما الشخصان الرئيسيان اللذان يتصلان بالطفل مع بداية حياته، وينطبق ذلك أيضا على أي شخصيات اجتماعية يكون للطفل بها علاقة مثل المربيات أو الخدم، حيث

стр. 172

يتوقع هنا شيء من التوحد Identification يأخذ فيه الشخص اتجاهات وأنماط سلوك شخص آخر ... وينتهي إلى تقليدها أو ممارستها، وهنا يكون قد حدث نوع من الاستدخال Internalization أو النمذجة والاقتداء Modeling. ومع مصطلح التوحد والاستدخال يكون التقبل اللاشعوري لقيم الوالدين والمربين، بحيث تصبح جزءا راسخا أو شبه راسخ في نظام القيم للطفل، وهنا تكون العواقب إيجابية، إذا كان من يحل محل الوالدين فيه من الصفات المؤهلة، أما إذا كان من يحل محل الوالدين ليس مؤهلا نفسيا وخلقيا في ضوء معايير المجتمع الذي يعمل فيه على أداء مهمة رعاية الأطفال، فالمنتظر أن ينتحل الطفل سلوكيات عليها الكثير من التحفظ وربما أودعته الاغتراب. إن الأطفال في سبيل تنشئتهم على النحو المناسب في مجتمع ما يجب، بالإضافة إلى تحقيق حاجاتهم من غذاء وملبس ومأوى، أن نوفر لهم العاطفة وفرص اللعب والتشجيع على ممارسات لغوية ودينية واتصالات رمزية مع الآخرين في ضوء قيم ومعايير نفس المجتمع. وهذا ما يدفع بعض الدول الغربية إلى أن تشترط أن يتعلم المنتقلون إليها لغة البلد التي يعملون فيه، وتوجد في ألمانيا مثلا مدارس رسمية وأخرى خاصة تشرف عليها جهات مسئولة من أجل تعليم الألمانية للأجانب مقابل تكاليف زهيدة، ولذلك لا نجد أثرا للعمالة المهاجرة. إن هذا ما يجب أن يأخذ في الاعتبار عند إحضار أجانب أو مربيات أجنبيات، تلك الظاهرة التي زحفت على المجتمع الخليجي وفي طريقها للمجتمع المصري ومجتمعات أخرى.

стр. 173

الفصل الرابع: نماذج لتنشئة الطفل من بيئات مختلفة أولا: نمط تنشئة الطفل من قرية مصرية ... الفصل الرابع: نماذج لتنشئة الطفل من بيئات مختلفة إن أساليب التنشئة تختلف من بيئة إلى أخرى، فتختلف أساليب التربية باختلاف الثقافات، مما يأتي معه اختلاف في شخصيات الأطفال. وسنعرض فيما يلي نماذج للتنشئة في عدد من البيئات المتباينة في مناطق متفرقة من العالم تتفاوت في بنائها الاجتماعي من البدائية إلى الصناعية المتقدمة. أولا: نمط تنشئة الطفل من قرية مصرية: إنها قرية "سلوا" تلك القرية المصرية التي تقع في محافظة أسوان، في منطقة فقيرة، تعتمد الحياة فيها على زراعة المحاصيل ورعي الإبل. وينتمي أهل "سلوا" إلى أصل واحد، لقد نزحوا من شبه الجزيرة العربية، وفيها عائلتان أو عشيرتان كبيرتان، هما الجعافرة والعبابدة، وتنقسم كل عائلة إلى مجموعة من الأسر، والعائلة وحدة اقتصادية واحدة يمارس أفرادها نفس المهنة، ويعتمد مركز العائلة على الملكية. ١- الأعراف والقيم الشائعة: الروابط العائلية هي القوة الأخلاقية وراء تماسك القرية، وتتحمل العائلة مسئولياتها كاملة عن سلوك أفرادها، وتنمي المعاير الأخلاقية بين أفراد العائلة الشعور بالانتماء واحترام الكبير والقائد. وتختفي من مجتمع "سلوا" ظاهرة صراع الأجيال. وكل قواعد السلوك تستند أساسا على القرآن والسنة، ويعتقد السكان أن الإهمال في تربية الأطفال يصحبه غضب من الله ونقمة منه فيحل المرض وتفسد المحاصيل. وتسود مجتمع "سلوا" ظاهرة التنافس والغيرة بين الإخوة، والصغير يغار من يكبره، والكبير ينافس الصغير، فالاعتقاد السائد أن التنافس ظاهرة مفيدة لتحقيق النماء، ويعتقد أن نظافة الأطفال تجلب لهم الحسد. ويرى أهل "سلوا" أن فترة الطفولة أنسب الأوقات لفرض قواعد التأديب والنظام، ليعرف الطفل مكانه بين عالم الكبار في القرية، ويدعم نظام التربية

стр. 174

المعمول به هناك أسلوب العقاب لردع الانحراف، ويشيع هناك أيضا المثال القائل "العصا لمن عصا"، وتسود في مجالات التفاعل بين الكبار الريبة والتكتم والظن والخوف، إذ يعتقد أهل "سلوا" أن "الخوف بركة". ٢- رعاية الأطفال من الوالدين: عرض حامد عمار مظاهر التربية في أطوار للنمو. فقد أوضح أن طور الحضانة يمتد حتى ٤ سنوات، ويفطم الطفل غالبا قبل نهايتها. ويتعلم الطفل في هذا الطور الكلام والاستجابة لأوامر الكبار. وتتميز تلك الفترة بالتساهل مع الطفل. وهناك اهتمام بعملية الرضاعة يرجع إلى الاعتقاد الشائع بأن ثدي الأم رمز للحنان. ويفطم الطفل بطريقة قاسية. وحتى عمر ٤ سنوات يبدو عدم العناية بمظهر الأطفال أو ملابسهم القذرة، إلا أنه بعد العاشرة من العمر لا تسمح الأسر للأطفال بارتداء الملابس الممزقة أو كشف عوراتهم. وتقوم عملية تلقين الطفل قواعد السلوك على الإلزام وغالبا القهر اعتمادا على الأقوال السائدة مثل "إذا عصى الابن الوي رقبته". ومع هذه القسوة في التنشئة يغرس في نفس الطفل الخنوع، والخوف والرهبة. ٣- مراعاة الفروق بين الجنسين في التنشئة: يفرق أهل "سلوا" بين البنين والبنات في المعاملة وحتى عند تناول الطعام كما يحرم لعب الذكور والإناث معا ابتداء من السابعة، بل حتى الاختلاط معا، وعلى البنت بعد هذا العمر أن تغض الطرف كلما قابلت رجلا في الطريق. والمجتمع في "سلوا" يميل إلى القسوة والإلزام مع الفتاة أكثر من تطبيق هذه الأساليب مع الفتى، فالشدة هي ما يميز معاملة الأسرة للبنت، ويرجع التفاوت في

стр. 175

أساليب المعاملة بين الجنسين إلى القيم الدينية والقيمة الاقتصادية والاجتماعية للجنس التي تحقق للأسرة الاستمرار والبقاء. ٤- المشاركون في التنشئة: الأب هو العائل والمسئول عن إعالة الزوجة والأبناء، ويطلب الأب من الأولاد الطاعة والاحترام، وقلما أظهر الأب الحب والعطف لهؤلاء الأبناء. والأب له سلطة مطلقة في تحقيق التماسك الأسري. وتسهم جدتا الطفل في تربية الحفيد، وعملية تربية الطفل عملية مشاعة تتولاها العائلةكلها. ومع نهاية ٤ سنوات من عمر الطفل، يستقطب الطفل جماعة الأطفال من نفس السن ويلعب الإخوة دورا هاما في تكوين اتجاهات الطفل، ويقف الإخوة الكبار موقف الحراس على إخوتهم الصغار أثناء اللعب. ٥- المنتظر للأطفال: ينتظر أن يتعلم الطفل أنماط السلوك وبعض العواطف التي عليه تبادلها مع الأقارب، وعدم اللعب أو الأكل إلا مع أقرانه من الأقارب فقط غالبا، وينتظر أن يحترم الطفل الكبار، وينسحب من مجتمعهم، على الرغم من تدريب الصغار على الأداء مثل هؤلاء الكبار. من الهام لدى أهل "سلوا" أن يلقن الطفل قواعد السلوك الاجتماعي، ليتوافق مع معايير المجتمع، وتأديب الطفل عملية أساسية حتى يبقى استمرار البناء الاجتماعي، وذلك اعتمادا على ركائز الدين الإسلامي. ومع عمر الثالثة سوف يعرف الطفل أنه لن يسمح له بالتبرز خارج المنزل، وفي العاشرة يعرف أنه لا يجب أن يكشف عن أعضائه التناسلية، وعليه أن يذهب إلى المسجد ويطيع الكبار، ويتقبل السلطة المفروضة في هذا السن، وعندها يطلق عليه "ابن حلال". وينتظر أن يتعلم الإخوة التنافس لاعتقاد الآباء أنه أسلوب يدفع الطفل إلى التخلي عن طفولته وينتظر إن يتحول الطفل إلى إنسان منتج وليس عبئا اقتصاديا.

стр. 176

٦- نتائج ومشكلات للتنشئة في قرية "سلوا": يغلب على ألعاب الصغار القسوة والخشونة، وهذه المظاهر تبدو تنفيسا عن المشاعر العدوانية ضد عنف الكبار عموما والإخوة الأكبر، والتي يحرم على الطفل التعبير عنها. ويرى حامد عمار أن استعمال القسوة في التربية لأولاد قرية "سلوا" تدفعهم إلى الكذب وممارسة الخداع في اللعب. والشخصية لدى أبناء "سلوا" عموما تتميز بالمثابرة والدأب على العمل، وممارسة الإلحاح، وردود الأفعال السريعة.

стр. 177

ثانيا: تنشئة الطفل في قرية مكسيكية: إنها قرية سانت دومنجو برير في ولاية أوكساكا المكسيكية، وهي قرية فقيرة يقوم البناء الاجتماعي فيها على ثلاثة عناصر هي القرابة والسن والجنس، وتسير على نظام الأسرة الممتدة، ويسود فيها غالبا نظام الزواج الداخلي. ١- الأعراف والقيم الشائعة: تبدو المشاركات الجماعية في مواسم الحصاد والحفلات. ويرى أهل بريو أن الأسرة لا تكتمل بين زوجين إلا إذا ولد طفل لهما. وينظر أهل القرية إلى عدم الإنجاب كظاهرة غير طبيعية، وتسعى الأمهات لإنجاب أطفال كثيرين في سن مبكرة. والأطفال لهم قيمة اقتصادية، ويعتقد أنهم يتعلمون السلوك المناسب تلقائيا لدرجة أن كثيرا من الأمهات لديهم لا مبالاة من تصرفات الأطفال غير المناسبة كالإخراج. ولا يمارس أهل بريو أساليب التسلط أو العقاب البدني للأطفال، وينظرون إلى التنافس والصراع بين الرفاق نظرة كره، وتكره الأمهات اعتماد الأبناء على أنفسهم ولا يشجعونهم على الاستقلالية عنها، على الرغم من أنها تؤكد وتشجع على سلوكهم الإنجازي. ولايهتم أكثر من نصف أهل القرية بإرسال أطفالهم للمدارس.

стр. 178

٢- رعاية الأطفال من الوالدين: ينال الرضيع عناية أمه وحنانها منذ ميلاده، وتعطي الأم ثديها للطفل كلما بكى، وتستمر عملية الرضاعة نحو عامين. ويعمل الابن بالزراعة حينما يتجاوز العاشرة من العمر، أما الأبنة قتدربها الأم على أداء الأدوار النسائية. وأسلوب عقاب الأطفال الشائع هو التأنيب أو العزل من جانب الآباء، وتقف الأمهات موقف لا مبالاة من الأخطاء وكل منهن تقوم بتأنيب أطفالها. ٣- مراعاة الفروق بين الجنسين في التنشئة: يوجه الأطفال ليعاون الابن الذكر أباه في العمل، وتساعد البنت أمها، ولا يضرب الأبناء الذكور نهائيا وأحيانا تضرب البنات، وتفضل الأمهات أن يلعب الأولاد الكبار بمفردهم، كما تؤثر الأمهات الفصل بين الجنسين في اللعب بعد مرحلة البلوغ. أما في الطفولة فيمكن أن يلعب الذكور والإناث معا ولكن تحت إشراف فتاة كبيرة. والأمهات لا يفرقن بين ملابس البنين وملابس البنات، فيلبس الأطفال من الجنسين أزياء متشابهة فيما قبل ٨ سنوات تقريبا، ولا تهتم الأمهات حتى هذه السن بتربية الأولاد تربية جنسية، وغالبا لا يغطي الأبناء عوراتهم وكثيرا ما يلاحظ ممارستهم للاستمناء. وبعد عمر ١٢ سنة يبدو التميز واضحا بين الذكور والإناث، وترتبط الإناث بأعمال المنزل وتكون أكثر احتراما وإذعانا وتفرض عليها الأسرة الطاعة، وبينما تفرض الأم على ابنتها الطاعة، تعطي ابنها الحرية كاملة، إلا أن الابن يتعلم الانقياد والطاعة لأوامر الأب، ويُعتنى كثيرا بتغذية البنات أكثر من الأولاد. والبنات أكثر إقبالا على التعليم من الأولاد، نظرا للحاجة إلى مساعدة الأولاد للآباء في أعمالهم.

стр. 179

٤- المشاركون في التنشئة: من الأمور الطبيعية مشاركة الكبار من أبناء العم وأبناء الخال في تربية الصغار، والعائلة كلها تشارك في عملية التنشئة، بل يرى البعض أنها أفضل من الأب والأم. وبالرغم من أن مسئولية العناية بالرضع تقع على الأم أن أختها "خالة الرضيع" تشارك وكذا عمة الرضيع، وتنتقل الرعاية إلى الإخوة وأقارب آخرين بعد الفطام، ولا يهتم الأب غالبا بالعناة بالأطفال لانشغاله بأعماله خارج المنزل. ٥- المنتظر للأطفال: الطاعة أمر مرغوب فيه من الطفل. ويمنح الطفل المطيع دائما الثواب على طاعته. ويقلد الأطفال في ألعابهم سلوك الكبار، ولكن حياتهم ليست لعبا خالصا بل يساعدون الأسرة في العناية بالطيور والحيوانات ولا يتعدى نشاط الأبناء فناء المنزل، أما بعد ١٢ سنة فالمنتظر أن يعمل الابن بالزراعة. ويتعلم الأطفال العدوانية مثل الضرب والبصق والرفس مع الأطفال الآخرين، ويتعلمون سرد الأكاذيب وقول الزور. وإن كانت هذه السلوكيات لا يعرفها الطفل من داخل أسرته. وعلى أي حال فإنه بينما تتصف شخصية الذكور بالعنف والقسوة مثل الآباء، فالمنتظر أن نجد الإناث يتصفن بالوداعة والهدوء مثل الأمهات. ٦- نتائج ومشكلات التنشئة في قرية بريو: أساليب التربية المتبعة في القرية تأتي بأفراد يؤمنون بالسحر ويقدرون العمل، ويسود بين أفراد القرية التعاون والمساواة، ومن الشاذ أن يُرى أو يُسمع عن فرد استغل أشخاصا آخرين.

стр. 180

ثالثا: التنشئة للأطفال في الولايات المتحدة الأمريكية: المجتمع الأمريكي مجتمع رأس مالي، وهو مجتمع يقوم على الإنتاج الضخم. ويتميز هذا المجتمع بعدم التجانس بين ثقافاته، وتعدد طبقاته. ويواجه المجتمع كثيرا من المشكلات الصناعية الضخمة. ١- الأعراف والقيم الشائعة: تقوم التربية في المجتمع الأمريكي على قيم متصارعة بين طبقة وأخرى، ويواجه الطفل منذ بداياته تيارات متباينة من المبادئ ونماذج السلوك داخل الأسرة وخارجها. ويؤكد المجتمع الأمريكي على التعبير الحر للفرد، ولو على حساب التماسك الاجتماعي. ولا تخضع عملية التربية للأبناء فيه على أسلوب محدد يرتبط بنظام الدولة، بل إن التربية تعود للأشخاص، وتثمر نتائجها حسب جهد الوالدين أو أحدهما في توجيه الأطفال. ويتفاوت دور الأب والأم أثناء عملية التنشئة، والأسرة تلقن الأبناء قيم الطبقة التي تنتمى إليها، وكثيرا ما تتعارض قيم الأسرة مع قيم الجماعات الأخرى مثل جماعة الرفاق وتدعم جماعات الرفاق للأطفال -وبخاصة مع اقترابهم من البلوغ- النزعات المعادية لقيم الكبار واهتماماتهم. ٢- رعاية الأطفال من الوالدين: يتفاوت دور الأب والأم في اتخاذ القرارات الأسرية الخاصة بالأطفال وفي استخدام العقاب البدني، ووضع القيود على الأطفال. وعموما يتضح ضعف دور الأسرة في توجيه الأبناء. فالوالدان لا يبذلان جهدا ولا ينفقان وقتا كافيا في المواقف التي تتطلب تقديم النصح وتوجيه السلوك لضعف علاقات الود داخل الأسرة. كما أن هناك ضعفا في العلاقات بين الكبار بعضهم وبعض.
следующие страницы →