← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 8354

تنشئة الطفل وسبل الوالدين في معاملته ومواجهة مشكلاته

زكريا الشربينى

Полный текст (367 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

٦- نتائج ومشكلات للتنشئة في قرية "سلوا": يغلب على ألعاب الصغار القسوة والخشونة، وهذه المظاهر تبدو تنفيسا عن المشاعر العدوانية ضد عنف الكبار عموما والإخوة الأكبر، والتي يحرم على الطفل التعبير عنها. ويرى حامد عمار أن استعمال القسوة في التربية لأولاد قرية "سلوا" تدفعهم إلى الكذب وممارسة الخداع في اللعب. والشخصية لدى أبناء "سلوا" عموما تتميز بالمثابرة والدأب على العمل، وممارسة الإلحاح، وردود الأفعال السريعة.

стр. 177

ثانيا: تنشئة الطفل في قرية مكسيكية: إنها قرية سانت دومنجو برير في ولاية أوكساكا المكسيكية، وهي قرية فقيرة يقوم البناء الاجتماعي فيها على ثلاثة عناصر هي القرابة والسن والجنس، وتسير على نظام الأسرة الممتدة، ويسود فيها غالبا نظام الزواج الداخلي. ١- الأعراف والقيم الشائعة: تبدو المشاركات الجماعية في مواسم الحصاد والحفلات. ويرى أهل بريو أن الأسرة لا تكتمل بين زوجين إلا إذا ولد طفل لهما. وينظر أهل القرية إلى عدم الإنجاب كظاهرة غير طبيعية، وتسعى الأمهات لإنجاب أطفال كثيرين في سن مبكرة. والأطفال لهم قيمة اقتصادية، ويعتقد أنهم يتعلمون السلوك المناسب تلقائيا لدرجة أن كثيرا من الأمهات لديهم لا مبالاة من تصرفات الأطفال غير المناسبة كالإخراج. ولا يمارس أهل بريو أساليب التسلط أو العقاب البدني للأطفال، وينظرون إلى التنافس والصراع بين الرفاق نظرة كره، وتكره الأمهات اعتماد الأبناء على أنفسهم ولا يشجعونهم على الاستقلالية عنها، على الرغم من أنها تؤكد وتشجع على سلوكهم الإنجازي. ولايهتم أكثر من نصف أهل القرية بإرسال أطفالهم للمدارس.

стр. 178

٢- رعاية الأطفال من الوالدين: ينال الرضيع عناية أمه وحنانها منذ ميلاده، وتعطي الأم ثديها للطفل كلما بكى، وتستمر عملية الرضاعة نحو عامين. ويعمل الابن بالزراعة حينما يتجاوز العاشرة من العمر، أما الأبنة قتدربها الأم على أداء الأدوار النسائية. وأسلوب عقاب الأطفال الشائع هو التأنيب أو العزل من جانب الآباء، وتقف الأمهات موقف لا مبالاة من الأخطاء وكل منهن تقوم بتأنيب أطفالها. ٣- مراعاة الفروق بين الجنسين في التنشئة: يوجه الأطفال ليعاون الابن الذكر أباه في العمل، وتساعد البنت أمها، ولا يضرب الأبناء الذكور نهائيا وأحيانا تضرب البنات، وتفضل الأمهات أن يلعب الأولاد الكبار بمفردهم، كما تؤثر الأمهات الفصل بين الجنسين في اللعب بعد مرحلة البلوغ. أما في الطفولة فيمكن أن يلعب الذكور والإناث معا ولكن تحت إشراف فتاة كبيرة. والأمهات لا يفرقن بين ملابس البنين وملابس البنات، فيلبس الأطفال من الجنسين أزياء متشابهة فيما قبل ٨ سنوات تقريبا، ولا تهتم الأمهات حتى هذه السن بتربية الأولاد تربية جنسية، وغالبا لا يغطي الأبناء عوراتهم وكثيرا ما يلاحظ ممارستهم للاستمناء. وبعد عمر ١٢ سنة يبدو التميز واضحا بين الذكور والإناث، وترتبط الإناث بأعمال المنزل وتكون أكثر احتراما وإذعانا وتفرض عليها الأسرة الطاعة، وبينما تفرض الأم على ابنتها الطاعة، تعطي ابنها الحرية كاملة، إلا أن الابن يتعلم الانقياد والطاعة لأوامر الأب، ويُعتنى كثيرا بتغذية البنات أكثر من الأولاد. والبنات أكثر إقبالا على التعليم من الأولاد، نظرا للحاجة إلى مساعدة الأولاد للآباء في أعمالهم.

стр. 179

٤- المشاركون في التنشئة: من الأمور الطبيعية مشاركة الكبار من أبناء العم وأبناء الخال في تربية الصغار، والعائلة كلها تشارك في عملية التنشئة، بل يرى البعض أنها أفضل من الأب والأم. وبالرغم من أن مسئولية العناية بالرضع تقع على الأم أن أختها "خالة الرضيع" تشارك وكذا عمة الرضيع، وتنتقل الرعاية إلى الإخوة وأقارب آخرين بعد الفطام، ولا يهتم الأب غالبا بالعناة بالأطفال لانشغاله بأعماله خارج المنزل. ٥- المنتظر للأطفال: الطاعة أمر مرغوب فيه من الطفل. ويمنح الطفل المطيع دائما الثواب على طاعته. ويقلد الأطفال في ألعابهم سلوك الكبار، ولكن حياتهم ليست لعبا خالصا بل يساعدون الأسرة في العناية بالطيور والحيوانات ولا يتعدى نشاط الأبناء فناء المنزل، أما بعد ١٢ سنة فالمنتظر أن يعمل الابن بالزراعة. ويتعلم الأطفال العدوانية مثل الضرب والبصق والرفس مع الأطفال الآخرين، ويتعلمون سرد الأكاذيب وقول الزور. وإن كانت هذه السلوكيات لا يعرفها الطفل من داخل أسرته. وعلى أي حال فإنه بينما تتصف شخصية الذكور بالعنف والقسوة مثل الآباء، فالمنتظر أن نجد الإناث يتصفن بالوداعة والهدوء مثل الأمهات. ٦- نتائج ومشكلات التنشئة في قرية بريو: أساليب التربية المتبعة في القرية تأتي بأفراد يؤمنون بالسحر ويقدرون العمل، ويسود بين أفراد القرية التعاون والمساواة، ومن الشاذ أن يُرى أو يُسمع عن فرد استغل أشخاصا آخرين.

стр. 180

ثالثا: التنشئة للأطفال في الولايات المتحدة الأمريكية: المجتمع الأمريكي مجتمع رأس مالي، وهو مجتمع يقوم على الإنتاج الضخم. ويتميز هذا المجتمع بعدم التجانس بين ثقافاته، وتعدد طبقاته. ويواجه المجتمع كثيرا من المشكلات الصناعية الضخمة. ١- الأعراف والقيم الشائعة: تقوم التربية في المجتمع الأمريكي على قيم متصارعة بين طبقة وأخرى، ويواجه الطفل منذ بداياته تيارات متباينة من المبادئ ونماذج السلوك داخل الأسرة وخارجها. ويؤكد المجتمع الأمريكي على التعبير الحر للفرد، ولو على حساب التماسك الاجتماعي. ولا تخضع عملية التربية للأبناء فيه على أسلوب محدد يرتبط بنظام الدولة، بل إن التربية تعود للأشخاص، وتثمر نتائجها حسب جهد الوالدين أو أحدهما في توجيه الأطفال. ويتفاوت دور الأب والأم أثناء عملية التنشئة، والأسرة تلقن الأبناء قيم الطبقة التي تنتمى إليها، وكثيرا ما تتعارض قيم الأسرة مع قيم الجماعات الأخرى مثل جماعة الرفاق وتدعم جماعات الرفاق للأطفال -وبخاصة مع اقترابهم من البلوغ- النزعات المعادية لقيم الكبار واهتماماتهم. ٢- رعاية الأطفال من الوالدين: يتفاوت دور الأب والأم في اتخاذ القرارات الأسرية الخاصة بالأطفال وفي استخدام العقاب البدني، ووضع القيود على الأطفال. وعموما يتضح ضعف دور الأسرة في توجيه الأبناء. فالوالدان لا يبذلان جهدا ولا ينفقان وقتا كافيا في المواقف التي تتطلب تقديم النصح وتوجيه السلوك لضعف علاقات الود داخل الأسرة. كما أن هناك ضعفا في العلاقات بين الكبار بعضهم وبعض.

стр. 181

٣- مراعاة الفروق بين الجنسين في التنشئة: تختلف بعض الطبقات في أسلوب تربية البنت عن الولد، ويبدو هذا الاختلاف واضحا عند الطبقة العاملة التي تعاقب البنت على أفعال تغفرها للولد. ٤- المشاركون في التنشئة: لا تضع الدولة معايير للتربية الجماعية مثلما نجد في دولة ضخمة مثل أمريكا وهي روسيا، وإن كانت هناك دور للحضانة وروضات والتربية مسئولية الأسرة وحدها، وهذا ما يجعل الطفل الأمريكي أكثر عرضة أحيانا للقلق إذا ترك في عناية شخصية آخر أو في دار للحضانة. ولذلك فالأشخاص الآخرون دورهم ثانوي في تربية الأطفال، وللأبوان دور مهم في تلقين الطفل قيم الطبقة التي ينتمي إليها. ولجماعات الرفاق دور مهم على الأطفال الكبار، وهي تعمل مستقلة عن إشراف الآباء إلى حد كبير، وتتميز بالمرونة في أفكارها، ولذا فغالبا تتعارض مع مبادئ الأسر. ٥- المنتظر للأطفال: تستقطب الطفل الأمريكي مواقف السلوك الاستقلالي والحرية والسلوك المنحرف بدرجة أوضح من الطفل السوفيتي في نفس العمر، ويعاني الطفل الأمريكي صراع القيم، بين ما يراه داخل الأسرة وما يراه خارجها.

стр. 182

٦- نتائج ومشكلات للتنشئة في المجتمع الأمريكي: لا يبدو تحديد من جانب الأسرة لحرية الطفل، ولا تبدو الصورة البارزة للتربية الجماعية، كما لا يوجد توحد مع القيم باستمرار من جانب الأطفال، ويرتضي الأطفال الغش في الامتحانات ولا مانع أن يأخذوا أشياء لا تخصهم أحيانا ويتجاهلون غيرهم ممن هم في حاجة إلى نجدة.

стр. 183

رابعا: تنشئة الأطفال في روسيا: كانت روسيا لعهد قريب مجتمعا يعتمد على النهج الاشتراكي، والمجتمع الروسي له نسق صناعي متفوق يتصارع مع الولايات المتحدة الأمريكية. ١- الأعراف والقيم الشائعة: كانت التربية في روسيا تهدف إلى إعداد طفل يتوافق تماما مع معايير الكبار، ومن أهم الأهداف التربوية خضوع الطفل للنظام واحترامه بالإضافة إلى الطاعة. فالطفل في مجتمع متجانس، ويعيش في معايير متجانسة، والتنشئة في روسيا تهدف في جميع أطوارها إلى تحقيق الجماعة وتأكيدها، والقائمون بالتنشئة ملتزمون، وكانوا يؤكدون على غرس القيم الاشتراكية. ومسئولية الأب في المجتمع الروسي نحو أبنائه هي استمرار لمسئوليته نحو المجتمع، وتأكيد السلوك لصالح الجماعة. وتهدف عملية التنشئة إلى التكوين الخلقي عند الطفل. وقد حددت لهذا التكوين برامج إجرائية يتعرض لها الأطفال بفاعلية في المدرسة والبيت والمجتمع. ولكل سن برامجه الخاصة به في تفصيل يحدد بالدقة ماذا يجب على الطفل عمله في تلك البيئات الثلاث. والمعلمة أو المنشئة لها مكانة عالية، ودورها محل تقدير من جميع أفراد المجتمع، ومعروف أن مسئوليتها خطيرة في إعداد النشء ورعايتهم نفسيا وتربويا. ٢- رعاية الأطفال من الوالدين: ليست الأسرة الروسية نظاما مغلقا عن المجتمع الكبير، فهي تعد جزءا من البناء الروسي القيمي. وتقوم التربية للأطفال على الإقناع والتشجيع والمدح، ويتم

стр. 184

اللجوء إلى العقاب بالتأنيب والتهديد بسحب الحب للابن المتمرد والروس يكرهون العقاب البدني. ويُربى الطفل على احترام العمل وتنظيمه، واحترام العمل مع جماعة وإخضاع رغباته لصالح الجماعة. ويؤكد الروس على الحماية الزائدة، وغرس الروابط العاطفية بين أفراد الأسرة. ومنذ مولد الطفل تهتم الأسرة بعملية الرضاعة، إيمانا بإشباع الحاجات الأولية والنفسية للطفل، ومع نمو الطفل يستمر توفير الحنان والدفء الأسري له. فيلاحظ عناقه وتقبيله بكثرة عما يشاهد مع الطفل الأمريكي. ويؤدي الحب الزائد للأطفال إلى تقييدهم. وإن لم تكن الأم متعلمة، فإنها تزود بعديد من النشرات والكتيبات التي توضح لها بأسلوب سهل بالصور والأمثلة، كيف تتعامل مع أطفالها. والاهتمام الأكبر من الوالدين هو تعويد الطفل الطاعة: طاعة الأوامر التي تلقى إليه، وأن يسمع وينفذ ما فيه، ويتم ذلك بلهجة وأسلوب مملوء بالمحبة والحنان والعطف. بل إن الطفل لكي يصبح مطيعا يحاول الأب أو الأم إقناعه بضرورة تنفيذ ما يكلف به، ويتم ذلك بإعطاء أمثلة للطفل أو قص الحكايات القصيرة، أو بالمحاكاة وتقليد ما يفعله غيره. وعندما لا يطيع بعض الأطفال الأوامر، يكون التأنيب في بداية الأمر خفيفا هينا لا خشونة فيه، وخاليا مما يؤلمه نفسيا أو جسميا. وإذا زاد العناد، يبدأ إشعار الطفل بسحب جزء من الحنان والحب اللذين عهدهما، ويكون السحب تدريجيا، ويكون هذا السحب بوسائل مختلفة مثل تغيير ملامح الوجه، أو تغيير نبرة الصوت أو حتى طريقة لمس الطفل، أو عدم الاهتمام بالإصغاء لما يقول. وهنا يشعر الطفل أن ثمة تغييرا لدى الكبير قد حدث. ويهتم الوالدان بضرورة تعويد الطفل على شكر من معه في المنزل، على ما يقدمونه من أعمال له، على أن يقترن الشكر بالابتسامة.

стр. 185

ومن الطريف أن مواقف الخبرات التي يمر بها الطفل في البيت أو المجتمع يحك d عنها في المدرسة أمام الزملاء وتحت إشراف المعلمة "المنشئة". والملاحظ أنه بعد الحرب العالمية الثانية، فقدت ملايين من الرجال، وأصبح عدد النساء أعلى من الرجال بنسبة ٢٠% وكان على الأم أن تلعب دورا بالغ الأهمية في تنشئة الأطفال، بالإضافة لإشباعهم بالحب والعطف الزائدين في الوقت الذي تطالبهم فيه بالطاعة. ٣- مراعاة الفروق بين الجنسين: من الجدير بالذكر أن الأعمال التي يكلف بها الأطفال حتى سن ١١ سنة تقريبا سواء في المدرسة أو البيت أو المجتمع تنسحب على الذكور والإناث على السواء. ٤- المشاركون في التنشئة: الأسرة الروسية لا تنفرد بعملية التربية، فهناك منظمات للأطفال والصبية ولا تقوم الأم وحدها بتربية الطفل بل تمتد المسئولية إلى الأقارب والأطفال الأكبر سنا. ورغم امتصاص العمل لوقت الآباء في روسيا مما يجعل الأبناء يلحقون بمؤسسات اجتماعية تتولى رعايتهم ويجعل الوالدين يعوضان الساعات الطويلة بعيدا عن أطفالهم بالحنان والحب الزائد. وتؤسس الدولة دور الحضانة ورياض الأطفال والمدارس الأهلية ومدرسة اليوم الكامل لخدمة أبناء النساء المشتغلات، وكل هذه المؤسسات تخدم أيديولوجية المجتمع في التربية. ويلتحق الأطفال عامة بمؤسسات داخلية أو بمؤسسات يطلق عليها مدارس اليوم الطويل الذي يمتد من الصباح الباكر إلى ما بعد العصر، ويطلق البعض على هذه المؤسسات المجمعات أو الجماعيات Collectives. وقد اقترن دور المنزل بالمدرسة، فحينما يتحدث Bronfenbrenner وغيره يقولون أن الأم والمدرسة تفعلان كذا وكذا ... فالصلة بين الاثنتين والدعم دائما قائم لدعم الانتماء والولاء لدى الأطفال لمجتمعهم.

стр. 186

وفي المجتمعات الروسية تقوم المنشئة بتربية الأطفال بلغة مشتركة للتعامل معهم، كأن تستخدم حركة يدها تعني الصمت التام، أو حركة أخرى تعني التصفيق، وثالثة تعني حرية الحركة ... ويتم هذا وغيره مع مراعاة أن المنشئة تخفض من قامتها حتى يصبح وجهها مع مستوى وجوه الأطفال، فتكون عيناها في أعينهم، وليست أعلى من مستواهم تنظر إليهم من علٍ، ولا يطيل الأطفال أعناقهم لينظروا إليها، وإنما هي معهم في مستوى قامتهم وحتى في بساطة محببة إلى نفوس الصغار ... وفي بعض الأحيان حتى لا تضطر المنشئة إلى الانحناء يصمم موقع الأطفال على مستوى عال عن أرضة وقوف المنشئة، ويطلق على ذلك التفاعل وجها لوجه. ويتم تعويد الطفل ارتداء الملابس والذهاب إلى دورة المياه ... وكل هذه الأوامر تصدر عن نبرة مشبعة بالحب ولحنان من المنشئة. حتى يصل الأطفال إلى مرحلة يعتمدون فيها على أنفسهم كمجموعة، وعندها تنسحب المنشئة تدريجيا تاركة للمجموعة زمام القيادة بحيث يكون الطفل مسئولا أمام المجموعة عن تصرفاته. ونسينا القول بأن اليوم الأول للذهاب إلى المدرسة، يقدم الأطفال للمدرسات أو المنشئات زهورا، ويكون الجميع في فرحة وكأنهم على موعد سعيد. وأثناء تعليم الطفل قد تلجأ المنشئة في بداية الأمر إلى تعزيز سلوك الأطفال وتشكرهم وتثني على هذا السلوك. ولكن بعد أن يتأصل فيهم تصبح هذه الأعمال من الواجبات والأمور التي يجب على الأطفال أداؤها. ٥- المنتظر للأطفال: تهدف التنشئة في المجتمع الروسي إلى إدماج القيم التي تؤكد على الطاعة وضبط النفس. وينتظر أن يتعود الطفل الالتزام والتفاعل الجماعي، والتعود على العمل الجماعي.

стр. 187

ولا تستقطب الطفل الروسي مواقف الغش أو الانحراف مثل من هم في مثل سنه بالمجتمع الأمريكي، فالطفل الروسي يعد ليكون له سلوك متوافق مع معايير الجماعة، ويساعد على قوتها. اعتياد الطفل مع كل يوم بالمدرسة أن يحيي المنشئة ومن يقابله من العاملين، ثم تحية غيره من الأطفال. ويحيي الذي يجاوره في غرفة الدراسة باسمه. وينتظر من الطفل في المنزلة العناية بملابسه وترتيبها وتعليقها. بل أحيانا ينتظر منه أن يثبت زرا في قميصه إذا لزم الأمر وتلميع الحذاء كما يشارك في بعض الأعمال المنزلية البسيطة. ومن المتوقع من الطفل أن يصبح على وعي بأن الممتلكات العامة هي أيضا ممتلكاته، وكما يراعي ما يملكه ويحافظ عليه فإن عليه أن يراعي ما يملكه غيره. فالزهرة ملك للجميع في الحديقة مراعاة عدم إزعاج الصوت المنخفض الهادئ دون عويل، احترام المهن المختلفة، الالتزام بمواعيد المدرسة، الاستئذان، مراعاة الوقفة والجلسة، وضع الأشياء في أماكنها المحددة. ٦- نتائج ومشكلات التنشئة في المجتمع الروسي: تقييد الحرية للطفل إلى حد ما، وتقوية الروابط بين الأطفال وأسرهم ومجتمعهم مع قلة الشعور بالقلق مقارنة بالطفل الأمريكي. البعد عن الغش وعدم أخذ ما يخص الغير، وتقديم العون والمساعدات للغير عند طلب النجدة من الآخرين. إن الأطفال الروس أقل رغبة في المشاركة في أعمال ضارة بالمجتمع كما أظهرت نتائج البحوث وإن كان الأطفال نسخا مكررة في الوقت الذي تكون الحاجة فيه إلى أفراد أكثر متميزين وليسوا فقط بالضرورة ممتازين.

стр. 188

خامسا: تنشئة الطفل الغجري في الهند: لم يعد كل الغجريين من الرحل، إلا أن الترحال هو الخاصية التي تميزهم، ومن الصعب التكهن بمن سوف ينقطع منهم عن السفر أو لن ينقطع من جيل إلى آخر. والترحال سبب تشتت هؤلاء على وجه الأرض، لأن الترحال يتميز بالطرد والرفض. وفي بعض البلدان تكون نصف المجموعات الغجرية من أطفال ومراهقين دون الخامسة عشر. والمجتمع الغجري غير متجانس، والطفل الغجري في مفترق طرق التقليد والتجديد والانقراض. وقد كتب على الغجر أن يناضلوا من أجل البقاء في مختلف مراحل تاريخهم، وغالبا ما كانت ردود الفعل على هؤلاء الرحل مناهضة عنيفة، وهناك عدم تلاؤم بين المجتمع الصناعي ومجتمعات الرحل، ويبدو أن هذه المجتمعات قد غرست في لا شعور أفرادها مقاومة تأثيرات ما يحيط بها من ثقافات. وهناك نزوع إلى الالتحام بين الأبناء والآباء والمجموعات التي ينتمون إليها. ويلاحظ وجود الأسر الممتدة التي تحافظ على الأجداد والأبناء والأحفاد وتستوعبهم طويلا في شبه التحام يبدو أنه أصبح غريزيا، لدرجة تصل بنا إلى إمكانية القول بامتلاك الآباء للأبناء امتلاكا حقيقيا. ١- الأعراف والقيم الشائعة: إن المهم عند الغجر هو الجماعة وليس الفرد وإن قانون الجماعة فوق الخيار الشخصي. ويعتبر محظوظا من بين الغجريين من يرزق طفلا، وخاصة إذا كان ذكرا وهذا ما يجعل أقرب القريبات من الأم أن تقول بطريقة شعائرية لها "أنت محظوظة" عند وضعها لطفلها. والحظ يؤمن به الغجر ويعبر عن ضمان استمرارهم في هذا الكون وتميزهم عن سواهم.

стр. 189

والولادة مجلبة للدنس طبقا لاعتقادات الغجر، فالأم تضطر إلى اعتزال الآخرين أياما محددة، وعلى الأب أن يتحصن من القذارة والابتعاد عن الأم قليلا، ولا يمنعه ذلك من المشاركة في ممارسة الطقوس المتبعة عند استقبال مولود. وهناك اعتقاد حول سلطان الأم بصفتها واسطة مع القوى الغيبية لعلاقتها بالدنس. ولكن هناك خشية من الاقتراب من الأم حتى لا تحدث اتصالات مشئومة مع قوى الشر العليا، لأنها غير طاهرة في هذه المناسبة، ويجب التوقي من الأرواح الشريرة، كما يعتقدون، والعرف يقتضي أن يعيش الزوجان عند أبي الزوج إلى أن تلد الزوجة طفلها الأول إذا أرادا الانفصال عن الأسرة الممتدة. ولا مانع لدى الغجر من قبول القيم الغجرية للبلاد التي ينزلون بها بهدف ضمان التسامح معهم وتجنب النبذ، والنجاة من التعامل السيئ معهم. ٢- رعاية الأطفال من الوالدين: ومع المولد يكون عهد رضاعة الطفل قد بدأ، ويظل الطفل متعلقا بأمه سنوات عديدة. وإن كانت بدائل للغذاء أصبحت تدخل على وليد الغجر. وما أن يصبح الطفل قادرا على الحركة حتى تترك له حرية التنقل، ويُساعد على أن يمشي مبكرا، وطعامه يصبح وقتها من بقايا طعام الأسرة، دون أن تتخذ له تدابير خاصة، ويأكل طوال اليوم ما تقع عليه يداه دون أن يقابل من والديه بأي نهي. أما بخصوص النوم، فالأسرة كلها تنام في نفس المكان، وعامة ما يحاذي الأطفال ولي أمرهم ذي الجنس المخالف، وتهدهد الأم رضيعها عندما يسترخي للنوم أثناء السير أو تتحدث إليه وتداعبه بأسلوب شبه آلي دون أن تعيره اهتماما خاصا، بالإضافة إلى بعض المداعبات للعضو التناسلي أو تقبيل الطفل. وعندما يكبر الطفل يحدد بنفسه مكان نومه ووقته، دون أن يعيره الكبار اهتماما خاصا.

стр. 190

ولنظافة الأطفال، لا تمارس أي ضغوط، وأحيانا نجد سلوكا مزدوجا للطفل إذا كان ملتحقا بمدرسة، فيتبع أسلوبا للإخراج مثلا في المدرسة غير الذي يمارسه وسط والديه، وحرية التصرف الظاهرة التي ينعم بها الطفل الغجري لا يعتبرها العجر سوءا أو قلة نظام. والأم لا تطاع مثل الأب. إن المداعبات والقبلات للطفل تؤكد أهمية الجسد في العلاقة بين الوليد ووالديه، فالأمر يصل إلى حد الالتقاء بين جسد الطفل وجسد والديه، وهو أمر سوف ينتهي عند وصول الطفل إلى سن البلوغ فعلاقة الوالدين بالأطفال قائمة على الجنس بصورة طبيعية للغاية وهناك تأويل لهذا التقارب الجسدي على أنه انتماء. ومع بلوغ الطفل يحرم من هذه العلاقة ويتم اختيار زوجته دون استشارته ويتولى الأب تحديد تاريخ الخطوبة والزواج. ويُقتدى بهذا النظام باستمرار.

стр. 191

٣- مراعاة الفروق بين الجنسين: يستبشر الأهل خيرا مع ولادة الذكور، ويقال للأم أنها محظوظة. وعند سن البلوغ يعد الطفل في المجتمع الغجري رجلا يمكنه الزواج، ويكون للذكر حقوق أكثر من الأنثى وواجبات أقل من واجباتها، فتستسلم، كما استسلمت أمها لرغبات الزوج وتقوم بالأعمال المنزلية ولا تخرج بمفردها، وأحيانا تدخل في علاقات محرمة مع رجال المجموعة. ٤- المشاركون في التنشئة: الطفل يقرر طريقة عيشه، والآباء الغجريون لا يمنعون أطفالهم من رغباتهم ويعيش الطفل داخل علاقات القرابة المؤسسة على الأبوية عامة حيث يعرف نفسه باسم شجرة الأب، وتتعاضد القرابات لتدعم للطفل انتماءه إلى مجموعته ضد المجموعات غير الغجرية. ٥- المنتظر للأطفال: ينتظر من الطفل أن يتكون صورة للأب لديه مثلا أعلى لرجولته، وترك الحرية للأطفال واستقلاليتهم يفضي بهم إلى كيفية تدبير أمورهم بأنفسهم إلى حد كبير قرب الثامنة من العمر. ورغم التحاق بعض الأطفال بالمدارس، فيدخلون في نظام تختلف معاييره عن معايير الغجر، لكنهم يبقون على عدوانيتهم وكثير من سلوكياتهم وهذا الالتحاق بتعليم رسمي لا يدوم طويلا فيتركون المدارس. ويلاحظ انه مع نهاية الطفولة يكون المرور من الحرية إلى المحظور، ويكون التقيد وربما ظهور الانطواء، وهذا ما يجعل الزواج المبكر حلا لهذا الأسر الجديد. ٦- نتائج ومشكلات التنشئة للمجتمع الغجري في الهند: يبدو من خلال الأطوار أن الطفل لا يحصل على تفاعل منظم مع والديه، فليس هناك تدريب على الإخراج، أو النظافة، ولا صورا للعاطفة العفيفة البعيدة عن الانطباع الجنسي في جسد الطفل. ويفضي غياب القانون الذي يجعل الطفل يدرك نفسه وذاته إلى عملية تقليد لعالم الأجداد. وعالم الصغار لا يتدخل فيه الكبار.

стр. 192

سادسا: نمط التنشئة في قرية كولمبية لقد أطلقت الباحثة Alicia Dussan اسم لينارس Linares على القرية الكولمبية التي أجرت فيها هذه الدراسة. ويقطن القرية سكان من البيض الملونين والهنود والعبيد السود. وينقسم الناس فيها إلى طبقة ميسورة من البيض فقط، وطبقة وسطى ودنيا أغلبها من الملونين. ويعتمد اقتصاد القرية على الزراعة بتقنيات بدائية، والأسر الفقيرة تحيي أراضي الأسر الميسورة. ويأتي إلى القرية سياح كولمبيون ينتمون إلى الطبقة الوسطى والدنيا، يصطحب الواحد منهم معه بعض الأدوات مثل أجهزة التصوير والراديوات الصغيرة، وسلوكه ينافي جزء منه ما هو مألوف بالقرية. وتباع بعض قطع الأراضي لبعض السياح. ١- الأعراف والقيم الشائعة: أنماط التربية للأطفال التي شاعت لسنوات طويلة في طريقها إلى بعض التحولات بسبب الثقافة السياحية. وكل الأمهات يعتقدن أنه لا يجب التخلي عن رضاعة الطفل نهائيا، وتعتقد كل الأمهات أنه لا يوجد طفل أجمل من الطفل الذي يتغذى بلبن الأم. ولا سبيل لإسكان الطفل الباكي من وجهة نظر الأمهات سوى إرضاعه إن لم يكن مبللا. وعلى الأب أن يقدم ثياب الوليد، فهذا دليل على أنه سوف يقوم بواجباته نحو الطفل. أما إذا كانت الأم غير متزوجة منه فإنه يمتنع عن ذلك. ومن المعتقدات الموجودة أنه كلما كان الطفل أكبر كان تعويده على ترك الرضاعة أصعب. وترى النساء أنه لا لزوم لتعليم الأكل للأطفال ولا تعلم الأمهات أطفالهن الكلام. ولا سبيل لأحد غير أم الطفل أن يراه بدون ملابس.

стр. 193

ويتسبب تبول الطفل أو تبرزه في نفور كثير من الأمهات والأسر، ولا يليق الحديث عن ذلك أمام الغرباء، ويستغل هذا النفور لتأديب الطفل. وتنام الأسرة كلها في غرفة واحدة عادة حتى وإن كانت في البيت غرف أخرى شاغرة. واستخدام العقاب يكون أشد عند الأسر الفقيرة. ٢- رعاية الأطفال من الوالدين: الأمهات واعيات بمشكلة نقص الغذاء، ويولد الأطفال غالبا قبل تسعة أشهر لهذا السبب بالإضافة إلى ضعف الأم. وفي المستشفى الخاص بالقرية تتمخض أغلب الأمهات، ويغذى الطفل من زجاجة في الثلاثة أيام الأولى بعد المولد وفي اليوم الرابع ترضعه الأم من ثديها، وتأخذه في أحضانها وتعينه على التقاط الثدي وتفعل ذلك بطيب خاطر وكثير من اللطف، وتدعه يرضع كلما أراد أو إذا بكى. وإذا وصل الطفل عمر العام تترك الأم ثديها لطفلها، وهي غالبا ما تكون جالسة على مقعد منخفض جدا أمام منزلها ويرضع منها الطفل واقفا. ويستمر غذاء الطفل بلبن الأم حتى الثانية أو الثالثة من العمر، وقد اعتادت النسوة دهن الثدي بمادة منفرة، فالأم لا ترفض تقديم ثديها للطفل بل عليها أن تجعله مصدر نفور لابنها بعد هذا العمر، وإن كان الطفل يبدأ في تناول غير لبن الأم قرب الشهر السادس من عمره، مثل الحساء ثم الأرز قرب الشهر العاشر. وعندما تطعم الأم ولدها فإنها لا تكلمه وتقتصر على إدخال الطعام في فمه في البداية، ثم تضع الغذاء في يده دون أن تظهر اهتماما خاصا. وفي عمر الثالثة يبدي بعض الأطفال غضبهم بقلب الطعام على الأرض أو تقديمه للحيوانات الأليفة، ويعاقب على هذا التصرف بأن يترك الطفل الذي يفعل ذلك بلا طعام سائر اليوم. ومنذ الأيام الأولى تسعى أمه إلى تعليمه بالحركة والصوت والشعور بالحشمة نحو أعضائه التناسلية وإذا ما اقترب منه أحد وهو مكشوف أو من غير سروال تقول له أمه "استح، استر نفسك" وذلك عندما يتمكن من المشي أما في سن الحبو فهم يتركون عراة دون سراويل.

стр. 194

والأطفال لا يبدون نظفاء بسبب قلة تبديل ملابسهم وقلة استحمامهم، وتداعب الأم طفلها بيدها حين تستخدم الصابون في استحمامه ويكون الطفل سعيدا لهذه المداعبة. وتُعنى الأم بطفلها وتهدهده بعد الرضاعة، وبعد أن كان يوضع الطفل في سلة بيضاوية في أيامه الأولى ثم في مهد في سرير الأم فإنه في عمر الستة أشهر يوضع في أرجوحة النون، وهي عبارة عن بطانية معلقة بين حبلين، قرب سرير الأم. وفي الشهر التاسع يبدأ توبيخ الطفل، وضربه ومع نهاية الشهر الرابع تطوف الأم بطفلها مشدودا إلى صدرها في الطريق، ومع حبو الطفل تحملة بشال على ظهرها، وحينما يصبح أكبر ويمشي تصطحبه معها للأماكن، ويمكنه أن يخرج عدة ساعات يوميا فيلعب مع الرفاق ويلهو بالأحجار والأزهار ونادرا ما يلعب بلعبة حقيقية. والعقاب البدني المفرط غير محبب، لأنه من وجهة نظر الآباء متى أفرط فيه يأتي الطفل سفيها. والمثل الأعلى هو أن يفهم الطفل من مجرد النظرة، والأم تصوب نحو طفلها مجرد نظرات تنبهه عن تصرفه. ومن أنواع العقاب مع الأطفال تركهم في الظلام، وهو ما يفزع الطفل للغاية، ويتجه الآباء إلى إخافة أطفالهم بالمتسولين ويقولون لهم: "سيأتون ليأكلوكم". ومن المكافآت المتبعة مع الأطفال نظرات العطف والابتسامات، ومنح الحلوى أو الثياب الجديدة وناردا اللعب، أو أخذ الطفل مع الوالدين إلى الحفلات.

стр. 195

والآباء الذين يشتغلون بالمحلات في قرية لينارس، يستعينون بأطفالهم في تحصيل النقود من العملاء أو فتح قوارير الشرب للسياح، ولقد بدأ الأطفال يتخلون تدريجيا عن صحبة آبائهم في المزارع، لأن الريف بدأ يهجر شيئا فشيئا لانشغال الرجال بالبناء والعمران. ويبين الكبر للصغار بكل صبر كيف يعملون، فالأم تبقى دائما بجوار بنتها عندما تعمل وتعلمها، والأب يكتفي بإعطاء بعض الإرشادات للولد ويتركه فترة ثم يعود ليرى ما أنجزه. ولا يكافأ الأطفال على طرافتهم، ولا تغفر زلات لسان الطفل، ويطلب منه دائما التصرف كراشد صغير. ٣- مراعاة الفروق بين الجنسين: يعامل الطفل من الجنسين بنفس الطريقة حتى سنة الثانية، ولكن بداية من هذا العمر على البنت أن تقلد أمها وتساعدها، وعلى الولد أن يقلد أباه ويعينه. وتعلم البنت أنها في منزلة أقل من الولد، وأن عليها طاعة الآخرين والتحلي بالتواضع، أما الولد فيتعلم كيف تخدمه النساء وتحترمه باعتباره ممثلا لأبيه. وهذا يتيح له فرصة أنه يغضب إذا لم يعجبه شيء. وفي عمر الخامسة تلعب البنات مقلدة الأم بالعرائس والأشغال المنزلية، ويلعب الأولاد ببناء منازل من حجارة، أو لعبة الشرطي والسكير. ويجتمع الأولاد والبنات للعب الكرة باليد. وفي سن الخامسة يُعطى الطفل الذكر بعض الدجاج وشاه أو أكثر كرأس مال صغير له بالإضافة إلى تقاضيه أجرا على بعض ما يقوم به من أعمال. أما البنت فهي تعاون أمها في سقي النبات والعناية بدجاج الأسرة وغسل الثياب وتقديم الأكل للأب والإخوة. ٤- المشاركون في التنشئة: خلال الأسبوع الأول من ولادة الطفل، يبقى الأب بالمنزل ويترك كل أعماله، ويبقى مرافقا للأم إذا كان متزوجها. ويساعدة عدة نساء من الأسرة على ضمان توفير احتياجات المنزل.

стр. 196

وإذا انشغلت الأم خلال الأشهر الثلاثة الأولى من الولادة بشئون المنزل اهتم الأب بالرضيع. وإذا اضطرت الأم إلى ترك المنزل فيعوض الطفل إخوته الأكبر ويبذلون ما في وسعهم معه ويتحلون بالصبر معه في البداية ثم يتركونه يبكي. ومع الأسبوع الأول للولادة يختار الزوج والزوجة، زوجين لا ينتميان إلى عائلتهما، ويتولى هذان الزوجان اختيار اسم الطفل ويهبانه الثياب. وعندما يتمكن الطفل من المشي غالبا ما تتركه أمه عند الأقارب في الصباح وتأخذه في المساء، ويرسل الطفل لزيارة أقاربه الذين يحرصون على رعايته ولا يعاقبونه أبدا، وعندما يكبر يعمل زيارات لحقول أعمامه وأخواله. ويكلف الأطفال الكبار أحيانا بمراقبة الأطفال الصغار، ويغضب الأطفال الصغار إذا ما أخذ الطفل الأكبر ما في أيديهم مثل الحلوى، أو الدميات الطينية أو سدادات القوارير التي يلعبون بها. وأحيانا يقوم الإخوة والأخوات الأكبر برعاية الطفل الصغير. ٥- المنتظر للأطفال: المتوقع للأطفال في قرية لينارس كما يرى الأهل أن ينطبع الطفل بطابع الأب أكثر من الأم ابتداء من سن السادسة، وأن سلوك الأطفال أثناء وجود الأب بالبيت يصبح أفضل خوفا من عقاب الأب. وينتظر أن يعرف الطفل المطلوب من نظرة الأم أو الأب وينفذ ما يقصدونه كما أن الطفل يتعلم مراعاة الأقارب والمسنين واحترامهم وكذلك احترام من ينتمون إلى الطبقة الراقية، ويتعلم الحرص على حسن هندامه عند زيارة الآخرين وينتظر منه دائما أن يتصرف كراشد صغير. والمتوقع منه الطاعة والجلد والإحساس الشديد بالمسئولية إزاء عائلته، ولا تشجع أو تضخم في تصرفاته العفوية، وعليه احترام ما يصدره رجال الدين. ٦- نتائج ومشكلات التنشئة في قرية لينارس الكولمبية: استخدام الضرب يجعل الأطفال يغضبون ويبولون على أنفسهم، كما أن عقاب الأطفال بتركهم في الظلام يجعلهم يخافون، وعموما فإنهم لديهم مخاوف الظلام، ولا يستمتع الأطفال بطفولتهم فترتها المعهودة، ويتعلمون الانضباط من سن صغيرة. كما يتعلمون الادخار.

стр. 197

سابعا: تنشئة الأطفال عند الفينزويليين الأفارقة الفنزويليون الأفارقة من العبيد الذين اقتيدوا إلى فينزويلا للعمل في المناجم وزراعة المنطقة الساحلية، وقد حصلت بعض الأسر منهم على قطع من الأراضي للزراعة فيها، وقد بنت الحكومة لهم مساكن مجهزة بالماء والكهرباء تعويضا عن الأكواخ القديمة، وأصبح بإمكان العبيد هؤلاء شراء أجهزة التلفزيون والأدوات المنزلية. ورغم هذه التحولات إلا أن المراهقين من هذه الفئة يهاجرون عندما يتركون المدرسة إلى المدن بحثا عن مصير أفضل. والآباء يرون من المهم أن يتلقى أبناؤهم تعليما ليحسنوا مستواهم من المنزلة الزراعية. ١- الأعراف والقيم الشائعة: هناك احتفاظ بكثير من التقاليد القديمة كالشعائر الدينية والطب الشعبي والأساطير، ويحيي الفينزويليون الأفارقة "عيد القديس حنا" بأفراح كبيرة. والطقوس الجنائزية ما زالت بها بعض الممارسات الإفريقية، مثل السهر على رأس المتوفى والانتحاب الشعائري، وتنتهي بشعيرة طرد روح الميت. ويؤمن الفلاحون الفينزويليون الأفارقة بالأرواح الشريرة والأرواح الطيبة، وعند موت أحد أفراد العائلة توضع أشرطة سوداء أو حمراء في معاصم الأطفال لمنع روح الميت من أخذهم إلى العالم الآخر. وتكوين العائلة يندر فيه الزواج القانوني، والكثرة الكثيرة من المعاشرات بالتراضي، ولذلك فالنسبة الأعلى من الولادات سفاح، والأمومة محببة جدا سواء كانت الأم لها أولاد شرعيون أو غير شرعيين. ولا وجود للعنوسة. والأبناء اللقطاء لا يعانون من كونهم غير شرعيين. وإذا وجدت روابط زوجية فهي غير ثابتة ولا مستمرة. والأم هي التي تربي الطفل.

стр. 198

وليس للطفل من علاقة ثابتة إلا معها، لأن الأطفال يبقون معها حتى إن بدلت صاحبها أو زوجها. وإذا وجد الأب أو الصاحب مستمرا مع الأم، فإنه لا يقوم إلا بدور ثانوي في حياة الطفل، ويظهر بعض الآباء عطفا على طفلهم، ولكنهم يخجلون من مداعبة الأطفال أمام الناس، وكثيرا ما يساهم صاحب الأم الجديد بعد زوجها أو صاحبها الأول في العناية بالأطفال. ورغم ذلك فإن الأمهات يتمنين أن تتزوج بناتهن قبل أن ينجبن سفاحا، أو يجدن على الأقل صاحبا عوضا عن الزوج يكون ملتزما ومسئولا لكن الأمهات يتنازلن بسهولة جدا إذا لم تتحقق أمنياتهن. وبالمقابل فإن الآباء يشجعون أولادهم من سن العاشرة على الألعاب الجنسية، ويفتخر الآباء بمغامرات أبنائهم. وإن كانت العديد من التقاليد تأخذ في الزوال. ٢- رعاية الأطفال من الوالدين: تعتني الأم بالطفل، تطعمه وتوفر له الملبس. والرضاعة من ثدي الأم للطفل كانت شائعة فقط في الماضي حتى يصل عمر الطفل إلى عامين أو عند ميلاد طفل جديد وفيما بعد فإن الأمهات يطعمن الطفل من الثدي والزجاجة. وإذا لم يأت للأم طفل آخر، فإنها غالبا ما تدهن حلمتها بمادة مرة لتنفر الطفل وتيسر فطامه. وتعطف الأم على الطفل بشدة، ولا تتركه باكيا مدة طويلة، ولا تعاقبه إلا بعد عمر الثانية، وتأخذ في تعليمه ما يجب أن يفعله وما يجب ألا يفعله ابتداء من هذه السن، وقبلها بقليل يتعلم الطفل كيف يكون نظيفا من عمليات الإخراج. وفي عمر الرابعة أو الخامسة، يتعلم الأطفال أداء بعض الأعمال البسيطة كإحضار الماء والكنس وترتيب الفراش. وفي الماضي كانت الأمهات تقص على أطفالها حكايات عن الأشباح وحيوانات خرافية، لتعلم الأطفال منها القواعد الخلقية ولمنع الأطفال من الاقتراب.

стр. 199

من النهر وردعهم عن الخروج من المنزل ليلا، أما في الآونة الحالية فعدد من هذه الأمور قد اندثر أو على وشك الاندثار. والأمهات يتحلين بالصبر رغم كبر عدد الأطفال أو عدد أفراد الأسرة، وهن متذبذبات مع أطفالهن، فاليوم قد تتسامح مع نفس الفعلة التي عاقبت عليها بالأمس. ويعامل الأطفال قرب الثانية عشرة من العمر معاملة الرشد، والأم هي أهم شخص في تنشئة الأطفال في الأسر السوداء بفنزويلا، وهي التي تعلم الطفل كل ما يساعده على اتباع السلوك المناسب، وليس للأب سوى دور هامشي للغاية. ٣- مراعاة الفروق بن الجنسين: منذ الطفولة المبكرة، يتم التمييز بين الجنسين، ففي حين تثقب آذان البنات الصغيرات، ويبقين نادرا عاريات، فإن الأولاد الذكور قد يظلون عراة إلى أن يذهبوا إلى المدرسة. وابتداء من سنة الخامسة، تبدأ معاملة الأولاد والبنات بطرق مختلفة تدريجيا. وإذا كان الأب يعيش في المنزل فإنه قد يصطحب ابنه في السفر أو عند الذهاب للحقل ويعلمه مبادئ الزراعة. ويعاقب الأولاد بشدة مقارنة بمعاقبة البنات، وخاصة في حالات العصيان أو قلة الاحترام. وتتعلم البنات مبكرا العناية بشئون المنزل، وفي سن السابعة يذهب أغلب الأطفال إلى المدارس، وقديما لم تكن هناك مدارس، والبنات غالبا ما يصبحن حوامل في الثانية عشرة من العمر وعليهن تحمل المسئوليات قبل الرشد الحقيقي وتحذر الأمهات بناتهن أحيانا من الألعاب الجنسية، ويضربنهن إذا هن تغازلن مع الأولاد، ولا مانع من حبسهن في المنزل ليلا. ٤- المشاركون في التنشئة: إذا كانت الأم الشابة تعيش مع والدتها، فإن الأخيرة "الجدة" قد تصبح أهم شخص بالنسبة للطفل، ولا سيما إذا كانت الأم مضطرة للعمل خارج المنزل،

стр. 200

وخلاف ذلك وعندما لا تتلقى الأم الشابة أي عون، فإنها تدع الطفل إلى شخص يكون له بمثابة الأم كالخالة. وإذا كانت هناك أخت أكبر للطفل فيفترض الاهتمام به من جانبها عند غياب الأم. وعندما يبلغ الأطفال الرابعة، يشرع ذووهم في اصطحابهم إلى الحفلات ويعلمونهم النقر على الطبول والرقص مع الكبار. وأصبح للمعلم في المدرسة اليوم دور فعال في التنشئة وبمكانه أن يؤثر في تلاميذه سلبا أو إيجابا وذلك تبعا لخصاله الشخصية. ويعطي المعلمون التوجيهات المتعلقة بضروب السلوك الجديدة، المتلائمة مع التحولات الحديثة. ٥- المنتظر للأطفال: من سن الرابعة أو الخامسة من المتوقع أن يتعلم الأطفال أهم قواعد السلوك، وفي هذا العمر يتبين الأطفال أن للناس جميعا أبا وأما، وحتى إذا لم يكن الأب موجودا، ويعرفون ما إذا كانت العلاقة بين الوالدين طبيعية أم لا. وفي هذا العمر يكتشف الأطفال الواقع الجنسي من خلال لعبهم بالشارع، ويتعلمونه عن طريق الملاحظة بسبب الاختلاط. وإن كانت الأمهات ينفرن من الحديث عن هذه المسائل مع بناتهن، وحتى عندما يبلغن عشر سنوات ولا يقبلن نهائيا التحدث بهذا الأمر مع الأولاد الذكور. ومن المتوقع بعد تعليمه لمدة ثلاث سنوات بالمدرسة ألا يعرف الأطفال القراءة ولا الكتابة أو يعرفونها بالكاد، لكنهم يكتسبون بعض الأفكار عن المجتمع وعن فينزويلا. وقد تسبب هذه الفترة من الدراسة ظهور بعض الصراعات لدى الأطفال بين قيمهم التقليدية والأفكار الحديثة. ويفترض فيمن وصل إلى العاشرة من العمر أن يفعل كل شيء بنفسه، والمعاشرة مرغوب فيها جدا في هذه الفترة وما بعدها وخاصة لدى الفتيات، ويظهر لدى البنات بعض الاحتشام في حين يصبح الأولاد أكثر عدوانية. وفي سنة ١٢ سنة يتعين على الأطفال طاعة من هم أكبر منهم واحترامهم رغم تمتعهم بحرية شخصية أكثر عن ذي قبل. ٦- نتائج ومشكلات التنشئة لدى الأطفال الفينزويليين الأفارقة: تشكو الأجيال القديمة من الأهمية التي أصبحت للمدرسة، ومن إهمال الأطفال لواجباتهم تجاه أسرهم، ولم يعد الآباء يعلمون الأطفال الزراعة، وأصبحوا أكثر لعبا في الطرق مع الرفاق، ويزعم الأجداد أن الأطفال في السابعة كانوا أكثر احتراما لمن هم أكبر سنا، وأن هناك تغييرا في القيم والتقالد التي سادت لفترات.

стр. 201

ثامنا: تنشئة الأطفال في قرية فرنسية إنها قرية من قرى بورغونية الشمالية، وقد جمعت المعلومات عن هذه القرية من كبار السن الذين وصلت أعمارهم تقريبا فوق الستين، واللذين يذكرون أنه حدثت تحولات وتغيرات تكنولوجية واقتصادية ضخمة وحديثة عن ذي قبل في الخمسينات من هذا القرن. وقديما كان مجتمع القرية مقسما إلى فئتين، الأولى أصحاب الأملاك من فلاحين وحرفيين، والثانية من الحطابين والبنائين وحراس الزراعة، لكن هذا التقسيم انقرض من القرية الآن إذ لم يبق إلا الفلاحون وصغار المقاولين وعمال الصناعة، ولا تتمايز هذه الفئات اجتماعيا إلا قليلا. وتتكون الأسرة في القرية من الأب والأم والأولاد الذين لم يتزوجوا ويمكن أن يقطن الجد أو الجدة الأرامل مع الأسرة، والإخوة والأخوات الذين تزوجوا يقيمون في نفس الشارع. والمسكن يتكون من غرفة واحدة، يتم إعداده وتناول الطعام فيه والسهر والجلوس والنوم. أما حديثا فإن المساكن تحوي عدة غرف منها للاستقبال ومنها للأكل ومنها للأطفال بالإضافة إلى مطبخ. وفي هذا الإطار العائلي تمر فترة الطفولة التي كانت تصل إلى عمر ١٤ سنة في الماضي وتصل الآن إلى ١٢ سنة. وقد ظلت الأسرة حتى وقت متأخر تأوي في بيت واحد كل الأعمار على اختلافها.

стр. 202

وتظل المدافن "القبور" كما كانت قديما، أفضل منتزهات الجدات، مصطحبين معهن الأطفال الذين يجرون فيها ويمرحون. وفي الماضي لم يكن للوالدين من مكانة أو دور فعال أو تقارب مع أطفالهم مثل الجد أو الجدة ولكن الآباء استعادوا مكانتهم، وأصبح التقارب واضحا بين الآباء والأطفال ربما لظهور الأسرة النواة. ١- الأعراف والقيم الشائعة: تُوصى الأمهات بإرضاع أطفالهن، أطول مدة ممكنة، وفي الغالب كان الطفل يفطم بعد عام أو عام ونصف على الأكثر. والطفولة ليس لها إلا عالم القرية المنغلق، فيه من المعارف والحكايات وفيه شيوخ يهتمون جدا بتربية الأطفال. ويقضي الأطفال أغلب وقتهم في قاعة البيت أو داخل الحي. والمبدأ الرئيسي الذي يتخذ تجاه الأطفال هو بقاؤهم مشغولين بمهام يكلفون بها تجعلهم يبقون في مكان محدد وفي منأى عن التأثيرات الفاسدة التي تبدو على بعض القرويين، ذلك أن كل شيء ليس صالحا لأن يرى. ففي الماضي كانوا يوصون الأطفال بألا ينظروا إلى من كانوا على جانب كبير من البشاعة أو ضعاف العقول. وعلى خلاف العلاقات المتوترة أحيانا بين الوالدين والطفل، كانت علاقات تتسم بالعطف واللطف تجمع الأجداد بالأطفال، وطوال مرحلة الطفولة يحتل الأجداد منزلة مهمة في التنشئة. والمعلم له منزلة الاحترام في القرية، وخلال الأجازات لا ينفك عن مراقبة الأطفال بالصرامة التي تعودوها منه في المدرسة، ويخبر الآباء بسلوك أطفالهم. وعلى ذلك فهناك تكامل لإبقاء الأطفال تحت رقابة اجتماعية قوية وتنشئتهم من قبل الجدات والمدرسة والكنيسة. ولذلك فإن ضبط النفس والالتزام واللطافة حظيت بالأولوية في تربية الصغار بالإضافة إلى مراعاة جداول الأعمال التي يكلف به كل طفل. أما حاليا

стр. 203

فإن الواجبات المدرسية في المنزل هي الشيء الوحيد الذي أصبح يكلف به الأطفال. ٢- رعاية الأطفال من الوالدين: في الماضي كان الأطفال يلفون من أعلى إلى أسفل في قماط، ويوضع على الرأس طاقية، ويبقون في وضع رقاد إلى أن يتعلموا المشي. وفي الأسرة الفقيرة يخرج أهل المنزل جميعهم إلى العمل، ويترك الرضيع وحيدا مربوطا إلى سريره وزجاجه الرضاعة مثبتة على حافة السرير بطريقة مناسبة. والأسرة دائما مغطاة بستائر تحمي الطفل، والأسرة توضع على قوائم متأرجحة تساعد على هدهدة الطفل. وبالرغم من الاهتمام بكثرة بهدهدة الطفل، إلا أنهم كانوا أيضا يتركونه يبكي قائلين "ابك، فيقل بولك". ومع الشهر السابع يطعم الطفل بالثريد وهو قطع من الخبز المغلي مع الزبد، وما أن يتمكن الطفل من الخطو حتى ينقل إلى سرير كبير. ويخيف الأجداد عند اللزوم الأطفال بكائنات مثل "ست الرياح" "ست الذئاب" وذلك حتى ينضبط الأطفال بالهدوء أو عدم الذهاب إلى أماكن بعيدة ويحكى الأجداد للأطفال القصص والحكايات التي تتوارثها الأجيال، وفي سن مبكرة يتم تعلم الطاعة والخضوع عبر هذا القصص. وقلما يتوافر للطفل لعب مصنعة، ولكنه يلعب مع الحيوانات الأليفة مثل القطط والكلاب، ويحاول ترويض البوم والعصافير التي تسقط من أعشاشها. إن الأب والأم كانا يعتنيان ويراقبان أولادهما منذ ولادتهم، لكنهما بحكم انشغالهما في العمل لا يشاركان مشاركة حقيقية في عملية تربية الطفل، إلا عندما يصبح هؤلاء الأطفال كبارا بدرجة تمكنهم من المساهمة في العمل ويكون ذلك قرب السادسة، وعندئذ يظهر الوالدان دورهما في توزيع العمل على الأطفال والمراقبة والمعاقبة، لقد كان الطفل يكلف بالاحتطاب وكسر الأغصان، وإبعاد الحشرات عن المحاصيل، وإطعام الحيوانات، ومتابعة المحراث، وكان الأطفال

стр. 204

يتمنون التسلية قليلا، إنهم في معاملة قاسية، وحينما يخرجون في السادسة صباحا كانت أرجلهم تبلل بالندى البارد لأنهم يرتدون القباقيب فلا توجد أحذية. وهكذا فإن الوالدين يفصلان وقت الطفل ويدبرانه. ومع تقدم عمر الطفل لا يعتمد الأجداد على قصص الكائنات الخرافية ولكن يستخدمونه السخرية والتهكم في عباراتهم مثل "أنت تخاف من ظلك".. ومع العام السابع يتحمل الطفل مسئولات الذهاب بالحيوانات إلى الحقول أو زرع الحبوب. وإذا كان الأجداد يؤدبون الأطفال بالكلام، فإن الوالدين يستخدمان العقوبات البدنية فبعضهم يستخدم الحريق لإيلام الطفل أو يضربه بخرقة مبللة للتأديب. وأحيانا يستنجد الآباء بأشخاص حقيقيين مثل شيخ القرية لتأنيب الطفل، وبعض الآباء يجلدون الأطفال بالسوط. وبالرغم من العقوبات الشديدة التي يسلطها الوالدان، إلا أنهما يكنان للأطفال حبا وحنان غزيرا. ولكن لا نستطيع القول بأن الوالدين كانا ينقلان أي علم أو معرفة إلى أولادهما، ولكن التدرب يأتي من الملاحظة في صمت ويكاد التعلم يقصر على النظر. كان الأطفال يفعلون لأنهم يلاحظون آباءهم يفعلون. لا مجال لأي حوار، إنها تربية بصرية. وهذا الكبت للكلمة بين الأجيال المتعاقبة لا يكون داخل البيت فحسب أو على المائدة فحسب، وإنما في الأماكن العامة التي يتردد عليها الكبار. إن أقصى شيء يفعله الأطفال في حضرة الكبار أن ينظروا ويسمعوا، ويروا ويتعلموا، والكبار فقط لهم حق الكلام. ومن هنا يتعلم الاطفال كيف يتحكمون في الكلام، ويرددونه قبل أن تنطلق به ألسنتهم، وقلما تحاور الآباء والأطفال. أما في الآونة الحديثة، فإن التقنية غيرت كثيرا، إذ بإمكان الفلاحات أن ترعى الأطفال، وتخلصت من نشاط الفلاحة، وإذا كانت بعض النساء تعمل طوال اليوم خارج المنزل، فلقد أصبحن يوكلن الرضيع لأحد مقابل أجر، إلا أن أغلب الأمهات الآن يكرسن كل وقتهن لرضيعهن لتقلص أعمالهن المنزلية، وابتداء من

стр. 205

اليوم الخامس عشر لا يقمط وتطلق الأم حريته، ولا تبقيه في مهده فقط بل تضعه داخل حاجز معد ليلعب داخله، وإذا بكى تأخذه في حضنها وتربت عليه وتحدثه بحنان. ويستخدم الوالدان الآن مع الطفل لغة الرضع إلى أمد طويل، ويعاملانه بلطف، ويحرصان على تعليمه السلوك المهذب، "قل شكرا، قل صباح الخير ... " والآباء أصبحوا لا يطلبون من الأطفال أي عمل زراعي ومنزلي إلا النادر، وأصبحوا يعدون لهم جداول لأنشطة وألعاب ومذاكرة، بالإضافة إلى الحرص على اشتراك الأطفال في عالم أكثر اتساعا من مجتمع القرية. ولم يعد الصمت والملاحظة هما أداة الأطفال في جلسات الكبار، وحتى تلاميذ المدارس أصبحوا يهتمون أكثر بالكراسة الشخصية التي يجمعون فيها كل ما يروق لهم عن الشعراء أو الأدب والطقس أو الضغط الجوي أو حياة الحيوان، لقد تخلص الأطفال من الجداول الملزمة للأعمال المنزلية أو الزراعية أو المدرسية. ٣- مراعاة الفروق بين الجنسين: في الماضي لم تكن هناك فترات تعطى للتسلية سواء للأولاد أو البنات وأقصى ما يعطون أن تذهب البنات إلى مقر حياكة الملابس، ينصتن إلى القصص المكررة التي تقصها متعلمات الخياطة ... اللائي يقال عنهن إنهن طائشات ... وكان الأولاد يترددون على محلات صناعة القباقيب الذي يصبح يوم الأحد حلاقا للذقن، أو إلى الحداد الذي يسقي الخمر للشاربين بعد أن ينتهي من عمله، ويستمعون فقط إلى حكايات الكبار عند الصيد والعمل. وكان لكل جنس منذ الطفولة انطباعاته، فالأولاد لهم أفكار حرة عن الصبر والانتخابات، وللبنات لغة الجنس وأسرار القلوب. وفي الأعياد الدينية ينتظم الأولاد والبنات في مجموعات تجوب أنحاء القرية بالمرور، مرددة دعاء للأهالي في عبارات مثل "صحة طيبة"، "سنة سعيدة" ويحصلون مقابل ذلك على بعض من قطع الحلوى والسكر. والأولاد والبنات أحيانا يمرحون خلف ما يتابعونه من قطيع، وهناك في الحقول بعيدا عن العيون المراقبة باستمرار تبدأ المداعبت بين الأولاد والبنات، أثناء

стр. 206

جني بعض الثمار ... وفي الوقت الحالي مثلما في الماضي تجمع الذكور والإناث أماكن وسط الحقول يلهون فيها ويبدءون أول مبادئ الإعجاب والعشق. ٤- المشاركون في التنشئة: لقد كان في الماضي يعني بالرضيع أفراد مثل الجدة أو الأخت الأكبر أو إحدى الفتيات القريبات. وقد كان الأجداد يتكفلون بالطفل سواء كانوا يعيشون مع والديه بنفس المنزل أم لا، وبصحبة الجد أو الجدة يتدرب الطفل شيئا فشيئا على الحياة العائلية. وبصحبة الجد أو الجدة يجوب الطفل الحي بأكملة متنقلا بين بيوت الجيران والأقارب، ومن هنا يتعلم سلسلة الأنساب، ويتعلم أخلاق القرية، وفي أحيان أخرى يرافق الجدة إلى المقابر ذلك المكان الذي تحب أن تتردد عليه كبيرات السن. والأعمام في الغالب يتميزون باللطف مع الأطفال، وإن كان الأطفال يتمتعون بالقرب من الأجداد لأنهم يتيحوا لهم التحدث وتواصل الحوار عوضا عن الصمت والملاحظة التي يجب أن يتحلوا بها في حضرة آخرين. لقد كان الأجداد ليسوا هم المربون فقط بل هم الملاذ والملجأ من صرامة الآباء أو للإصلاح بين الآباء والأبناء، إنهم وسطاء طيبون. أما الأشخاص المراقبون والمؤنبون للطفل فهم كثيرون. فلقد كان المعلم يأتي إلى الآباء ليخبرهم بسلوكيات أطفالهم ومستواهم الدراسي بين حين وآخر. أما حارس الحقول الذي يقوم بدوريته كل يوم ليراقب تجاوز الحيوانات لحدود المراعي إلى مراعي أخرى. فلا يترك أي خطأ دون أن يتسبب على الأقل في تأنيب الأطفال الذين يجب أن يتابعوا الحيوانات. ولا تتهاون الكنيسة في متابعة الأطفال. وفي الوقت الحالي، إذا كانت الأمهات مشغولات بالعمل، فإن أول ما تطلب رعاية للطفل فإنها تطلب من والدة الأم أو والدة الأب أو من الأخت للأم أو الأخت للأب. وعموما فقد أصبح الوالدان يمارسان دورهما الأساسي في تربية الصغار والعناية بهم، وبذلك فقد استعاد الآباء مكانتهم التي أوكلوها لغيرهم في الماضي، في لطف وهدوء.

стр. 207

والمفارقة أن الأجداد أصبحوا متسلحين بمقرعة، حتى يطيع الصغار تعاليمهم إلا أنهم غالبا ما يحضون الأطفال ويلاطفونهم في غياب الوالدين، ويظلون مدربي الطفل أثناء جولاتهم معهم داخل القرية وخارجها فيتعرفون على ملكية الأراضي وأوقات الزراعة وأخبار المتوفين السابقة أثناء زيارة قبورهم. ولقد تطورت فعالية المعلم بعد الشخص الصارم القاسي المراقب، بل أصبح يعتمد على الحوار مع الأطفال والإقناع، ويحدد التلاميذ مستوى ونوع العقاب الذي يجب أن يقع على أحدهم إذا أخطأ. والطريف أن المعلم لا يشذ عن القاعدة، فإذا نسي أن ينتعل خفيه قبل دخول الفصل فإن عليه مثلا أن يكرر قوله: "سألبس خفي" خمسين مرة. ويبدو أن الطريقة الجديدة بالمدارس لا ترضي الأهالى، إن أمر المدرسة وصل إلى أن إحدى المعلمات استغنت عن الكتب المدرسية ولم تعد تطلب من الأطفال أي واجبات مدرسية، لقد أصبح الاعتناء بكراسة جديدة يجمع فيها الطفل بشغف الوثائق وأحوال البيئة وظروف الطقس ودرجات حرارة الجو. ومن جهة نظر الآباء أنه ساء وضع المدارس، إذ إن الأطفال ما عادوا يتعلمون القراءة والكتابة والحساب. ٥- المنتظر للأطفال: في الماضي كان المتوقع باستمرار تعلم الأطفال عن طريق الملاحظة فقط وليس هناك أي حوار، وما كان الآباء ينتظرون من المدرسة تلقين الأطفال المعارف، إنما ينتظرون أن تعودهم على أداب السلوك وتأكيدا على ما تعلموه من الملاحظة داخل الأسرة. ونتيجة تغير أسلوب المدارس في الضغط على الأطفال، رأى الأهالي أن في ذلك حرية شديدة، وينتظر الآباء أن ترقى المدارس بمنزلة الأطفال وتكسبهم مهارة

стр. 208

أو حرفة، ويطلبون من المدارس تسهيل دمج الأطفال في حياة اجتماعية أكثر تفاعلا. ٦- نتائج ومشكلات التنشئة: لم يزل الطفل من وجهة نظر الجدات، فاقدا لما يجب أن يكون عليه، وتستغرب الجدات من التساهل الذي أصبح مع الأطفال أثناء التعامل، وترك الصرامة لدرجة أن بعضهم رغم عطفهم الشديد على الأطفال يستعينون بمقرعة لتأديب بعض الأطفال المستهترين وهو أمر لم يكن شائعا في الماضي. إن الاستغناء عن بعض الكتب أصبح يثير أولياء الأمور. ولم يعد اليوم أحد من داخل المدرسة يمكن أن يأتي إلى أسرة الطفل ليخبرهم بسلوكياته وينظر الكبار إلى ذلك أنه سوف يزيد التسيب الأخلاقي لدى الأطفال ويؤدي إلى افتقادهم القدرة على التمييز بين الخير والشر.

стр. 209

الفصل الخامس: نحو نموذج للوالدية في التنشئة أولا: تفاعل الوالدين مع الأبناء من خلال نماذج وبحوث تبدأ الخطوات الأولى لتنشئة الأطفال داخل أسرهم، فالأسر هي الخلايا الأولى للمجتمع، وكل أسرة بيئة أساسية ترعى الطفل، وفيها تكون القوى المنبثقة التي توجه الطفل مع بداياته النامية في كافة المجالات النفسية للنمو. والقوى التي توجه الوالدين أثناء تنشئة الطفل وتؤثر على نموه بعضها يأتي من الأب وبعضها يأتي من الأم وبعضها يبدو من داخل الطفل، بالإضافة إلى قوى تأتي من محيطات خارجة عن كل هؤلاء. وقد اهتم Belsky بإعداد نموذج يأخذ في اعتباره كل هذه القوى وغيرها على افتراض أن تاريخ نمو الوالدين ينعكس على شخصية كل منهما بل يشكلها ويؤثر على علاقتهما بعضهما ببعض كزوجين ومستوى تفاعلهما مع الآخرين الذي في أدنى رتبة العزلة الاجتماعية Social Isllotion ونوع معاملة الطفل وخصاله، كل ذلك وغيره يؤثر على ذلك الطفل النامي. ويكون من المفيد استعراض هذا النموذج مع بعض الإضافات، حتى تظهر جملة العوامل المؤثرة على عملية التنشئة الوالدية للأطفال، والتي أطلق عليها محددات الوالدية Determinats of Parenting. وإذا كان Belsky لم يغفل العلاقات بين الزوجين "والدي الطفل" عند عرض نموذجه، فإن وظيفة الوالد وعمله وشبكة علاقات كل من الأب والأم، والوضع الأسري لكل منهما، متمثلا في مستوى اقتدار كل من أسرة الأب وأسرة الأم الذي ينطوي على الوضع الاجتماعي والثقافي والاقتصادي لكل من الأسرتين لا يجب أن تخفي من نموذج لمحددات الوالدية. والشكل التالي يوضح نموذجا مقترحا لمحددات الوالدية. ومن المعروف أن شخصية الوالدين يتم تشكيل كل منهما في ضوء التاريخ النمائي النفسي لكل منهما. ولقد جاءت البحوث بنتائج تشير إلى أن ارتفاع مستوى الثقة بالنفس لدى الأمهات ارتبط بالدفء في المعاملة للأبناء وتقبلهم ارتباطا موجبا، وجاء الارتباط سالبا مع الاستهجان، كما أن الأمهات المكتئبات تبدي استعدادا أعلى لبيئة رافضة للأطفال أو غير متقبلة لهم.

стр. 210

ويشير Belsky إلى أن الأب الدافئ الحنون والمتفاعل مع أطفاله يأتي بأبناء يتوحدون معه ويعتبر نموذجا جيدا لهم بعكس الأب غير المتفاعل مع أطفاله. والزواج السعيد يضرب فيه الوالدن لأبنائهم المثل على ما ستكون عليه حياتهم الزوجية المستقبلية، ولا يأتي الطفل في الزواج التعس إلا نقمة غالبا على والديه وعلى نفسه، لأن كره أحد الزوجين للآخر لا يخفضه مجيء طفل لهما، وقد ينعكس الأمر على تصرفاتهما نحوه ومعاملتهما له، وبخاصة إذا جاء الطفل شبيها لأحدهما أو أحد أفراد أسرة أحدهما. إن الأمهات اللائي يشعرن بدفء منخفض وعاطفة متدنية نحو أزواجهن يملن إلى توبيخ أطفالهن والعلاقات الزواجية الطيبة ترتبط تلقائيا بمدح وثناء الأبناء، ومن ثم تقبلهم. وفي دراسة Sentrol و Tracy اتضح أن الأطفال الذين يأتون من بيوت حدث فيها الطلاق كانت معاملتهم مختلفة تماما عن الأطفال الذين يأتون من بيوت تقليدية. كما أن العزلة الاجتماعية Social Isolotion وضيق شبكة العلاقات للوالدين يرتبط بالاختلال الوظيفي للوالدية، وهذا لا يعني أن الانفتاح المغالي فيه في شبكة العلاقات مع الأصدقاء والجيران ورفاق العمل يكون مفيدا دائما، والمسألة تعني على أكثر حد أن المساندة والمشاركة التي نلقاها من الأصدقاء أو الجيران أو الأقارب لها تأثير مفيد على العلاقة بين الوالدين والطفل. وتشير الدراسات إلى الارتباط الموجب بين العلاقات الاجتماعية وإحساس الأمهات بالكفاية عند رعاية أطفالهن، كما ارتبطت العلاقات الاجتماعية بتجنب عقاب الأطفال وتقييد حرياتهم. ولا ينكر النموذج المقترح الحالي أخذ متغير عمل الأم ووظيفتها في الاعتبار مثلما اهتم به Belsky فعمل الأم غالبا يؤثر على مسئوليات العناية بالأطفال، ويعد من العوامل المسهمة في صراع الدور لدى الأمهات، وإن كانت الدراسات قد تعارضت في تأثير عمل الأم على رعاية الأبناء. فقد انتهت "ممدوحة سلامة" من دراسة مشيرة إلى أن عمل الأم لا يثير تعارضا مع مطالب وحاجات الطفل، ولا يؤثر على علاقة الوالدين بالطفل.

стр. 211

وتأتي دراسة "كاميليا عبد الفتاح" مستخلصة أن أبناء الأمهات المشتغلات أكثر نضجا انفعاليا من أبناء غير المشتغلات، كما أن الأمهات المشتغلات أكثر ميلا إلى إعطاء الأطفال فرص الاستقلالية والتعبير عن الذات، بالإضافة إلى الإقبال بلهفة على الأطفال لتعويض الوقت الذي ابتعدت فيه عنهم بينما نجد الأم غير المشتغلة شاعرة بالتعب والملل من أطفالها الذي تقضي معهم معظم ساعات اليوم مما يجعلها أقرب إلى استخدام الزجر والعنف معهم. وتحدد بثينة قنديل عدد الساعات بخمس الذي بعده يقل تكيف الأبناء إذا زاد غياب الأم بعيدا عن طفلها يوميا، وتوجه الانتباه إلى نتيجة فحواها أن أبناء الأمهات المشتغلات أكثر طموحا من أبناء غير المشتغلات. وقد جاءت دراسة Getta et al. معلنة أن الأمهات المشتغلات يشجعن أطفالهن على التعبير بحرية عن مشاعرهم. وعند مراجعة Hoffman لعدد من الدراسات عن تأثير عمل الأم انتهى إلى أن عمل الأم يؤثر على حالتها الانفعالية وبالتالي يؤثر على تفاعلها مع الأطفال ويتبعه حرمان انفعالي وعقلي للطفل ويبدو نفس التوجه لدى Balsky عن الإشارة إلى أن عمل الأم يؤثر في كل من كيفية وكمية سلوكها الأمومي المفترق تجاه طفلها. ويبدو أن عمل الأم لا بد أن يترك آثاره على شخصية الأبناء من خلال كيفية التعامل معهم وكميته والذي يتأثر بنوع وظيفة الأم والمهام الوظيفية الملقاة على عاتقها، وإن كانت تنشئة الأبناء دالة أيضا لمكانة الأب الوظيفية بل ونوع الوظيفة. وتبدو العلاقات التبادلية بين كل من شخصية الوالدين ووظائفهم من جانب والعلاقات بين الزوجين "الوالدين" من جانب آخر، وينصب الأمر في النهاية على أساليب يعامل بها الأطفال من قبل الوالدين في ضوء قدرتها على تفعيل الدور الوالدي. ولإيضاح معنى القدرة على تفعيل الدور الوالدي، دعنا نشبه الأسرة بمنضدة لها ثلاثة أرجل لا تستوي إلا باستقامة دعائمها الثلاث "الأب، الأم، الطفل". فالطفل بحاجة إلى أبيه وأمه، وكل من الأم والأب بحاجة إلى الآخر كي يقدما للطفل ما يدعم حاجاته وقبل كل شيء تحتاج الأم إلى إحساس بمشاركة الأب.

стр. 212

وعيشه معها وتفضيل الرعاية التي تقدمها للطفل. وبذلك تنساب العلاقة القائمة بينهما كزوجين وبينهما وبين الطفل، وهنا يظهر التفعيل للدور الوالدي، الذي يعد غياب الطفل بالنسبة لهذا الدور الوالدي بمثابة كمون لهذ الدور وعدم تفعيل له. ولما كانت الأم هي من يقدم الطفل لأبيه، يصبح من الأفضل أن تهتم بالرضيع أثناء وجود الأب في المنزل، وتحت نظره، ولا مانع من تعاونه بدلا من الإسراع للقيام بهذا الدور قبل حضور الأب إلى المنزل، وإذا كان من المفيد طلب الأم مساعدة الاب أثناء قيامها بمهامها تجاه الطفل، فإن ذلك يجب أن يكون حسب رغبة الأب، إذ ينبغي قبل كل شيء احترام رغباته، فالآباء يختلفون فهناك من يتملكهم الإحساس بأنهم أقدر من زوجاتهم فنجدهم يفضلون التدخل في كل كبيرة وصغيرة. وإذا لم تتفهم الأم ذلك فإن الأمر يعوق تفعيل الدور الوالدي، وأفضل وسيلة لتحقيق التفعيل المطلوب أن يساعد الأب زوجته على رعاية الطفل من غير سحقها أو إزالة معالمها كأم. إن الطفل يتعرف أولا على الأم وعذوبتها وحنانها، وهذا ما يمكنه لاحقا من التعرف على صفاتها الأخرى كالقسوة والحزم التي تتراكم من خلاله صور ذهنية عند الطفل، وهذه الصور هي التي تشكل المنطلق الرئيسي لدخول الأم عالم الطفل على امتداد مراحل طفولته، باعتبار الأب هو القوى، الموقر، الذي يستطيع دفع الطفل إلى احترام القواعد وتعاليم المجتمع وتقبل التقاليد. وعندما يدخل الأب في حياة الطفل، يحول هذا الأخير بعض المشاعر التي أحس بها سابقا تجاه بعض صفات الأم كالحزم والقسوة ... إليه كأب وهذه ما يريح الأم إذ تتخلص من بعض الأعباء فيمكنها التفرغ لمسئولياتها الأخرى. إن وجود الأب ضروري جدا في المنزل كي تحس الأم بالسعادة، والطفل حساس جدا تجاه هذا التفاهم والتناغم بين الوالدين. والود بين الأب والأم يشكل واقعا صلبا يبني الطفل حوله العديد من الإيهامات. إن ضرورة وجود الأب إلى جانب الأم تكمن في ذلك الدعم المادي والمعنوي الذي يقدمه لها فيساعدها على دعم سلطتها تجاه الطفل بفضل تجسيده للقانون والنظام اللذين تدخلهما الأم في حياة الطفل. ودعم الأب للأم لا يتطلب منه حضورا دائما في المنزل بل يحتاج إلى وجوده الرمزي.

стр. 213

ويساعد وجود الأب في المنزل "إلى جانب الأم" الطفل في اختباره ومن ثم عيشه للمشاعر المتناقضة التي تتجاذبه فيتمكن بذلك من الاستمرار بحب أحدهما كي يكره الآخر "والعكس صحيح"، بينما يضطره غياب أبيه عن ساحة نموه لتوجيه مختلف المشاعر المتناقضة والمتجاوبة في ناحية الشخص نفسه، وهذا ما يثير الغموض بداخله. كما أن ذلك يصعب على الأم مهمتها إذ يستحيل عليها تمثيل صورة الحنان والحب إلى جانب الحزم والمنع والقسوة عند الاقتضاء. إن ضرورة وجود الأب تنطلق من صفاته الإيجابية والعناصر المميزة له كذكر راشد يختلف عن الأم كأنثى كما يختلف عن باقي الراشدين الذكور بسبب وضعه الخاص بالنسبة للطفل وإحساس هذا الطفل بقوة شخصية الأب. وعندما يتقبل الوالدان معا مسئولية رعاية طفلهما، فإن ذلك يشكل أرضا خصبة لبناء منزل سعيد، قائم على التفاهم تتذلل فيه الصعوبات بصور تلقائية. وللوسط أو الطبقة الذي يعيش فيه الوالدان والطفل دور جوهري في الطريقة التي يتفاعل بها كل نحو الآخر، ففروق الطبقات الاجتماعية والاقتصادية تعلن عن اختلافات في مستويات وأساليب التنشئة. فلقد اتضح أن الأسر من الطبقة المتوسطة أكثر شدة وقسوة من أسر الطبقة الفقيرة في تدريب أطفالهم على النظافة والغذاء ويعتمد أمهات الطبقة الفقيرة على العقاب البدني والصياح عند محاولة ضبط الطفل. ويدرك أبناء الأسر ذات المستوى الاجتماعي الاقتصادي المرتفع أن آباءهم مبتعدون عن فرض القيود والنشاط. ويعد وضع أسرة كل من الوالد والوالدة اجتماعيا واقتصاديا وثقافيا مهما في توجيه الأطفال وإرشادهم والرغبة في مشاهدتهم على نحو مماثل أو أعلى باستمرار وفي الوقت الذي يحاول فيه أبناء الطبقات الراقية الحفاظ على أطفالهم في نفس المستوى، نجد أبناء الطبقات المتوسطة والمنخفضة يسعون جاهدين للارتقاء بمستوى أطفالهم، وينعكس ذلك على توجيهاتهم لأطفالهم وأساليب معاملتهم في ضوء ما لديهم من مستوى اقتدار. وإذا كان المتوقع أن تترك جملة العوامل أو القوى آثارها على تنشئة الأطفال فلا يجب أن نغفل خصال Child Charactirstices ذلك الطفل النامي.

стр. 214

ومن أهم خصال الطفل حالته المزاجية التي تجعل الوالدين أكثر أو أقل شدة في المعاملة. فيشير Belsky إلى أن Batcy توصلت إلى أن المزاج المتقلب وخاصة في فترة الرضاعة يمكن أن يفوض الأداء الوالدي أو يعوقه. في الوقت الذي نجد فيه أن وسامة الطفل أو ذكاءه يمكن أن يجعل الوالدين أكثر حماية أو اهتماما زائدا بطفلهم. ويعد جنس الطفل أيضا من الخصال ذات الأهمية، ففي الوقت الذي يشعر فيه الأبناء الذكور أنهم يعاقبون أكثر، ترى البنات الإناث أن أمهاتهن تراعيهن بدرجة أعلى. ونجد أيضا في بعض المجتمعات العربية مكانة الذكور الواضحة عن الإناث وبخاصة قرب الطفولة المتأخرة وما بعدها. كما أن تكوين الطفل الجسدي وصحته الجسمية ومدى إعاقته تجعل الوالدين يتخذون توجهات معينة نحو تنشئته أو معاملته وتوقف الأمر في كل الأحوال على حجم أسرة الطفل وترتيبه الميلادي بين الإخوة والأخوات. وهناك على أي حال نماذج نظرية لوصف سلوك الوالدين مع أبنائهما ربما كان من المفيد تناولها في الجزء القادم.

стр. 215

ثانيا: الأساليب الوالدية في معاملة الأبناء هناك عدد من النماذج النظرية التي تصف سلوك الوالدين في معاملة الأبناء فلقد قدم Symonds نموذجا اشتمل على بعدين قطبيين، وذلك في عام ١٩٣٩ أحدهما يعتبر أن "تقبل الابن" من جانب الوالد أو الوالدة يقابله أو ضده "رفض الابن" من جانب الوالد أو الوالدة، والثاني "السيطرة على الابن" من جانب الوالد أو الوالدة يكون ضده "الخضوع للابن" أي لطلباته وأغراضه وأوامره وبذلك فإن البعدين تبعا لهذا النموذج هما: التقبل - الرفض، السيطرة - الخضوع وفي عام ١٩٥٩ ظهر نموذج Scheafer et al. لسلوك الوالدين في معاملة الأبناء على النحو التالي: الاستقلال - الضبط: Aut nomy vs Control الحب - العداء Love vs Hostility
следующие страницы →