Полный текст (367 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
وتأتي دراسة "كاميليا عبد الفتاح" مستخلصة أن أبناء الأمهات المشتغلات أكثر نضجا انفعاليا من أبناء غير المشتغلات، كما أن الأمهات المشتغلات أكثر ميلا إلى إعطاء الأطفال فرص الاستقلالية والتعبير عن الذات، بالإضافة إلى الإقبال بلهفة على الأطفال لتعويض الوقت الذي ابتعدت فيه عنهم بينما نجد الأم غير المشتغلة شاعرة بالتعب والملل من أطفالها الذي تقضي معهم معظم ساعات اليوم مما يجعلها أقرب إلى استخدام الزجر والعنف معهم.
وتحدد بثينة قنديل عدد الساعات بخمس الذي بعده يقل تكيف الأبناء إذا زاد غياب الأم بعيدا عن طفلها يوميا، وتوجه الانتباه إلى نتيجة فحواها أن أبناء الأمهات المشتغلات أكثر طموحا من أبناء غير المشتغلات.
وقد جاءت دراسة Getta et al. معلنة أن الأمهات المشتغلات يشجعن أطفالهن على التعبير بحرية عن مشاعرهم. وعند مراجعة Hoffman لعدد من الدراسات عن تأثير عمل الأم انتهى إلى أن عمل الأم يؤثر على حالتها الانفعالية وبالتالي يؤثر على تفاعلها مع الأطفال ويتبعه حرمان انفعالي وعقلي للطفل ويبدو نفس التوجه لدى Balsky عن الإشارة إلى أن عمل الأم يؤثر في كل من كيفية وكمية سلوكها الأمومي المفترق تجاه طفلها.
ويبدو أن عمل الأم لا بد أن يترك آثاره على شخصية الأبناء من خلال كيفية التعامل معهم وكميته والذي يتأثر بنوع وظيفة الأم والمهام الوظيفية الملقاة على عاتقها، وإن كانت تنشئة الأبناء دالة أيضا لمكانة الأب الوظيفية بل ونوع الوظيفة.
وتبدو العلاقات التبادلية بين كل من شخصية الوالدين ووظائفهم من جانب والعلاقات بين الزوجين "الوالدين" من جانب آخر، وينصب الأمر في النهاية على أساليب يعامل بها الأطفال من قبل الوالدين في ضوء قدرتها على تفعيل الدور الوالدي.
ولإيضاح معنى القدرة على تفعيل الدور الوالدي، دعنا نشبه الأسرة بمنضدة لها ثلاثة أرجل لا تستوي إلا باستقامة دعائمها الثلاث "الأب، الأم، الطفل". فالطفل بحاجة إلى أبيه وأمه، وكل من الأم والأب بحاجة إلى الآخر كي يقدما للطفل ما يدعم حاجاته وقبل كل شيء تحتاج الأم إلى إحساس بمشاركة الأب.
стр. 212
وعيشه معها وتفضيل الرعاية التي تقدمها للطفل. وبذلك تنساب العلاقة القائمة بينهما كزوجين وبينهما وبين الطفل، وهنا يظهر التفعيل للدور الوالدي، الذي يعد غياب الطفل بالنسبة لهذا الدور الوالدي بمثابة كمون لهذ الدور وعدم تفعيل له.
ولما كانت الأم هي من يقدم الطفل لأبيه، يصبح من الأفضل أن تهتم بالرضيع أثناء وجود الأب في المنزل، وتحت نظره، ولا مانع من تعاونه بدلا من الإسراع للقيام بهذا الدور قبل حضور الأب إلى المنزل، وإذا كان من المفيد طلب الأم مساعدة الاب أثناء قيامها بمهامها تجاه الطفل، فإن ذلك يجب أن يكون حسب رغبة الأب، إذ ينبغي قبل كل شيء احترام رغباته، فالآباء يختلفون فهناك من يتملكهم الإحساس بأنهم أقدر من زوجاتهم فنجدهم يفضلون التدخل في كل كبيرة وصغيرة. وإذا لم تتفهم الأم ذلك فإن الأمر يعوق تفعيل الدور الوالدي، وأفضل وسيلة لتحقيق التفعيل المطلوب أن يساعد الأب زوجته على رعاية الطفل من غير سحقها أو إزالة معالمها كأم.
إن الطفل يتعرف أولا على الأم وعذوبتها وحنانها، وهذا ما يمكنه لاحقا من التعرف على صفاتها الأخرى كالقسوة والحزم التي تتراكم من خلاله صور ذهنية عند الطفل، وهذه الصور هي التي تشكل المنطلق الرئيسي لدخول الأم عالم الطفل على امتداد مراحل طفولته، باعتبار الأب هو القوى، الموقر، الذي يستطيع دفع الطفل إلى احترام القواعد وتعاليم المجتمع وتقبل التقاليد.
وعندما يدخل الأب في حياة الطفل، يحول هذا الأخير بعض المشاعر التي أحس بها سابقا تجاه بعض صفات الأم كالحزم والقسوة ... إليه كأب وهذه ما يريح الأم إذ تتخلص من بعض الأعباء فيمكنها التفرغ لمسئولياتها الأخرى.
إن وجود الأب ضروري جدا في المنزل كي تحس الأم بالسعادة، والطفل حساس جدا تجاه هذا التفاهم والتناغم بين الوالدين. والود بين الأب والأم يشكل واقعا صلبا يبني الطفل حوله العديد من الإيهامات.
إن ضرورة وجود الأب إلى جانب الأم تكمن في ذلك الدعم المادي والمعنوي الذي يقدمه لها فيساعدها على دعم سلطتها تجاه الطفل بفضل تجسيده للقانون والنظام اللذين تدخلهما الأم في حياة الطفل. ودعم الأب للأم لا يتطلب منه حضورا دائما في المنزل بل يحتاج إلى وجوده الرمزي.
стр. 213
ويساعد وجود الأب في المنزل "إلى جانب الأم" الطفل في اختباره ومن ثم عيشه للمشاعر المتناقضة التي تتجاذبه فيتمكن بذلك من الاستمرار بحب أحدهما كي يكره الآخر "والعكس صحيح"، بينما يضطره غياب أبيه عن ساحة نموه لتوجيه مختلف المشاعر المتناقضة والمتجاوبة في ناحية الشخص نفسه، وهذا ما يثير الغموض بداخله. كما أن ذلك يصعب على الأم مهمتها إذ يستحيل عليها تمثيل صورة الحنان والحب إلى جانب الحزم والمنع والقسوة عند الاقتضاء.
إن ضرورة وجود الأب تنطلق من صفاته الإيجابية والعناصر المميزة له كذكر راشد يختلف عن الأم كأنثى كما يختلف عن باقي الراشدين الذكور بسبب وضعه الخاص بالنسبة للطفل وإحساس هذا الطفل بقوة شخصية الأب.
وعندما يتقبل الوالدان معا مسئولية رعاية طفلهما، فإن ذلك يشكل أرضا خصبة لبناء منزل سعيد، قائم على التفاهم تتذلل فيه الصعوبات بصور تلقائية.
وللوسط أو الطبقة الذي يعيش فيه الوالدان والطفل دور جوهري في الطريقة التي يتفاعل بها كل نحو الآخر، ففروق الطبقات الاجتماعية والاقتصادية تعلن عن اختلافات في مستويات وأساليب التنشئة.
فلقد اتضح أن الأسر من الطبقة المتوسطة أكثر شدة وقسوة من أسر الطبقة الفقيرة في تدريب أطفالهم على النظافة والغذاء ويعتمد أمهات الطبقة الفقيرة على العقاب البدني والصياح عند محاولة ضبط الطفل. ويدرك أبناء الأسر ذات المستوى الاجتماعي الاقتصادي المرتفع أن آباءهم مبتعدون عن فرض القيود والنشاط.
ويعد وضع أسرة كل من الوالد والوالدة اجتماعيا واقتصاديا وثقافيا مهما في توجيه الأطفال وإرشادهم والرغبة في مشاهدتهم على نحو مماثل أو أعلى باستمرار وفي الوقت الذي يحاول فيه أبناء الطبقات الراقية الحفاظ على أطفالهم في نفس المستوى، نجد أبناء الطبقات المتوسطة والمنخفضة يسعون جاهدين للارتقاء بمستوى أطفالهم، وينعكس ذلك على توجيهاتهم لأطفالهم وأساليب معاملتهم في ضوء ما لديهم من مستوى اقتدار.
وإذا كان المتوقع أن تترك جملة العوامل أو القوى آثارها على تنشئة الأطفال فلا يجب أن نغفل خصال Child Charactirstices ذلك الطفل النامي.
стр. 214
ومن أهم خصال الطفل حالته المزاجية التي تجعل الوالدين أكثر أو أقل شدة في المعاملة. فيشير Belsky إلى أن Batcy توصلت إلى أن المزاج المتقلب وخاصة في فترة الرضاعة يمكن أن يفوض الأداء الوالدي أو يعوقه. في الوقت الذي نجد فيه أن وسامة الطفل أو ذكاءه يمكن أن يجعل الوالدين أكثر حماية أو اهتماما زائدا بطفلهم.
ويعد جنس الطفل أيضا من الخصال ذات الأهمية، ففي الوقت الذي يشعر فيه الأبناء الذكور أنهم يعاقبون أكثر، ترى البنات الإناث أن أمهاتهن تراعيهن بدرجة أعلى. ونجد أيضا في بعض المجتمعات العربية مكانة الذكور الواضحة عن الإناث وبخاصة قرب الطفولة المتأخرة وما بعدها.
كما أن تكوين الطفل الجسدي وصحته الجسمية ومدى إعاقته تجعل الوالدين يتخذون توجهات معينة نحو تنشئته أو معاملته وتوقف الأمر في كل الأحوال على حجم أسرة الطفل وترتيبه الميلادي بين الإخوة والأخوات.
وهناك على أي حال نماذج نظرية لوصف سلوك الوالدين مع أبنائهما ربما كان من المفيد تناولها في الجزء القادم.
стр. 215
ثانيا: الأساليب الوالدية في معاملة الأبناء
هناك عدد من النماذج النظرية التي تصف سلوك الوالدين في معاملة الأبناء فلقد قدم Symonds نموذجا اشتمل على بعدين قطبيين، وذلك في عام ١٩٣٩ أحدهما يعتبر أن "تقبل الابن" من جانب الوالد أو الوالدة يقابله أو ضده "رفض الابن" من جانب الوالد أو الوالدة، والثاني "السيطرة على الابن" من جانب الوالد أو الوالدة يكون ضده "الخضوع للابن" أي لطلباته وأغراضه وأوامره وبذلك فإن البعدين تبعا لهذا النموذج هما:
التقبل - الرفض، السيطرة - الخضوع
وفي عام ١٩٥٩ ظهر نموذج Scheafer et al. لسلوك الوالدين في معاملة الأبناء على النحو التالي:
الاستقلال - الضبط: Aut nomy vs Control
الحب - العداء Love vs Hostility
стр. 216
وقد ذكر البعدان السابقان بمسميات أخرى على النحو التالي:
التسامح - التقييد Permissiveness Vs Restrictiveness
القبول - الرفض Acceptance vs Rejection
وقد ذكر أيضا في هذا النموذج بعض من مسميات أساليب المعاملة بين محاور هذه العوامل القطبية يوضحها الشكل التالي:
ولقد عرض Backer نموذجا مقترحا ثلاثي البعد لسلوك الوالدين في معاملة الأبناء عام ١٩٦٩ جاءت أبعاده الثلاثة على النحو التالي:
الدفء - العداء، التشدد - التسامح، الاندماج القلق - الحياد الهادئ.
стр. 217
وافترض بين هذه الأبعاد الثلاثة أساليب متدرجة للمعاملة يوضحها الشكل الآتي:
أما الباحثة Baumrind فقد توصلت إلى أربع طرق يعامل بها الآباء أطفالهم هي:
الالتزام بالضبط الوالدي Parental Control
مراعاة مطالب النضج Maturity Demends
التواصل بين الوالدين والطفل Communication
الدفء الوالدي "عطف وحنان" Narturacne
وقد انتهت نفس الباحثة في عام ١٩٧١ من مراجعة دراستها في ضوء دراسة أخرى وركزت على ثلاثة أساليب يعامل بها الأطفال من قبل الوالدين، وأضافت إليهم فيما بعد أسلوبا رابعا:
الحزم، التسامح Permissive، التسلط Authoritative، الانسجام Harmony
стр. 218
وإذا كانت هناك أساليب للمعاملة الوالديه تمارس مع الأبناء، قد حاولت الدراسات استكشافها، فإن التباين شبه الظاهر يوحي بوجود أنماط وأساليب لا تمارس على وتيرة واحدة خلال مراحل نمو الأطفال، ولا يمكن القول باستقلاليتها، وغالبا تختلف مستوياتها باختلاف المستويات الاقتصادية والثقافية والاجتماعية للأسر.
فإذا ارتضينا التقبل أو دفء المعاملة أسلوبا في ضوء ما سبق، ننتظر تأثير هذا الأسلوب على انتماء الطفل للجماعات والاندماج مع الآخرين ومن ثم استدخاله للقيم والمعايير كما أن جحود الوالدين أو أحدهما مع الطفل يفقده لجزء من الأمن ويتعلم الأنانية بالإضافة إلى افتقاد جزء من القدرة على التوافق العام.
ويكتسب أسلوب دفء المعاملة أهميته والرفض أو الجحود من قبل الوالدين خطورته كما يشير park, Hetherington في أن الطفل يحاول تجنب التفاعل مع والديه الجحودين كلما تمكن مما يقلل من دور والديه في تنشئته، بالإضافة إلى توهج الغضب والعدوان الذي لا يستطيع الطفل توجيهه إلى والديه فيزيحه إلى الآخرين.
ويعد الضبط الوالدي الذي يقابل الاستقلال من أساليب المعاملة التي كشف عنها كل من Scheefer , Becker وفيه يمارس الأب أو الأم سلوكيات تغير السلوك النامي للطفل وتكف عن ميوله، ويصل الضبط إلى الصرامة حينما يضع الوالدان قواعد ويطلبان من الطفل الالتزام بها، وإذا لم يؤكدا على الالتزام بها يقال إن الضبط لين. ويختلف ذلك عن الحماية الزائدة التي تعتني بالطفل في جميع أوقاته لتقدم كل ما يرغب لتهدئته.
وترى Baumrind أن الوالدين يحاولان تشكيل أطفالهما، فيكبحان إرادة الطفل ويبخلان بتشجيع الطفل على ممارسة جزء من حريته تحت رعايتهما، وفي ذلك يكون الوالدان على مسار التسلط الوالدي Firm Discipline. ويستخدم بعض الآباء أشكالا مختلفة من العقاب تتباين بين الكره الحقيقي إلى ممارسة الضرب أو النقد والتوبيخ وأحيانا سحب الامتيازات.
стр. 219
ويذكر Bordizinsky et al. أن الأبناء الذين كان عقابهم بقسوة من قبل الوالدين أصبحوا عدوانيين مع غيرهم من الأطفال وأيضا مع المعلمين، وينتظر من الأطفال الذكور الذين تمت ممارسة القسوة عند عقابهم أن يصبحوا منحرفين أو لهم سلوكيات مضادة لمجتمعهم حينما ينخرطون في المراهقة.
وعلى أي حال فإن أي شكل من الأشكال القاسية والعنيفة في التعامل مع الطفل يعد سوءا لمعاملة الطفل Child Abuse. فالعقاب البدني القاسي بإفراط وإهمال الطفل يعتبر من قبيل سوء المعاملة التي عند استمرارها مع الصغير تجعله يبدو له وجه عجوز عند مقارنته بمن هم في مثل سنه من الأطفال، ولا يخفى أنه من الصعب تحديد عدد الأطفال العرب الذين يعانون من سوء معاملة والديهم، وأشكال هذا السوء للمعاملة.
والوالد المسيء لطفله بإفراط يمكن أن يكون والدا مريضا ويحتاج إلى علاج نفسي، ومن سماته الأكثر وضوحا في الغالب الذهانية ويذكر Bark و Collmer أن الدراسات انتهت إلى أن الوالد المسيء في أغلب الأحوال أسيئت معاملته وهو طفل، فهذا الأب حينما كان طفلا كان أمامه نموذج مسيء له، والاحتمال الأعظم أن يكون قد امتص معاييره وطريقته. وهذا ما دفع Belsky إلى ذكر أهمية دراسة تاريخ نمو الوالد المسيء، نظرا لإمكانية أن يكون تاريخ النمو النفسي للوالدين أو أحدهما سببا في سوء معاملة الأبناء.
ولا يجب أن نكون في معزل عن خصائص المجتمع الذي يعيش فيه أولياء الأمور المتسمون بالعنف وسوء معاملة الأبناء. فالعنف السائد في المجتمع، والذي يظهر بين أفراده أو على شاشات التلفزيون أو عبر وسائل الإعلام الأخرى يمكن أن يعلم الأبناء والآباء أن العنف وسيلة مقبولة لحل المشكلات.
ولقد ظهر أن الوالدين المسيئين إلى أطفالهما، لديهما ممارسات قليلة من التفاعلات اللفظية مع هؤلاء الأطفال بالإضافة إلى أنهم ليسوا متسقين معهم في التعامل. ولا يفوتنا أن نشير إلى أن الطفل ذاته وخصائص شخصيته أحيانا تكون من أسباب معاملته معاملة سيئة من قبل الوالدين أو أحدهما.
стр. 220
ويعد عدم الاتساق في المعاملة في المعاملة Inconsistence مع الطفل سببا في ممارسة هذا الطفل لسلوك ضد المجتمع Antil Social Behavior مثل العدوان، بالإضافة إلى الاضطرابات النفسية التي تبدو عليه.
والواقع أن الإكثار من ترهيب الطفل وتهديده على كل صغيرة وكبيرة من أشد العوامل خطورة على بنائه النفسي. كما ان التحقير والاستهزاء به أو إشعاره باختلافه عن بقية إخوته، هي أساليب للمعاملة سوف تترك آثارها فيما بعد عليه. ولكن الحزم من أنسب الأساليب التي تحقق جزءا من الصحة النفسية للأطفال، ويترتب عليه غالبا أطفال وكبار مستقبلا لهم شخصيات متزنة، قادرة على تقييم الأمور بموضوعية ومتقبلة ذواتها إلى حد بعيد.
وربما ينكر شخص الحديث عن دفء الأبوين أو حنانهما بحجة أن هذا الحنان أمر طبيعي فيهما، ولكن ما يحدث من البعض من غلظة وجحود يوجب النصح والإرشاد ويمحو العجب والإنكار، إن هذا يحدث وحدث بالفعل منذ القدم.
فعن أبي هريرة ﵁ قال: أبصر الأقرع بن حابس ﵁ النبي ﷺ وهو يقبل الحسن والحسين، فقال: إن لي عشرة من الولد ما قبلت أحدا منهم!! فقال رسول الله ﷺ : "من لا يَرحم لا يُرحم".
وإذا كان علماء النفس يرشدون إلى عدم نهر الطفل لأن ذلك يؤثر على شخصيته نجد أن رسول الله ﷺ قد سبقهم إلى ذلك.
فعن عبد الله بن شداد بن الهاد عن أبيه قال: خرج علينا رسول الله ﷺ في إحدى صلاتي العشاء أو الظهر أو العصر، وهو حامل الحسن أو الحسين، فتقدم النبي ﷺ فوضعه ثم كبر للصلاة، فصلى فسجد بين ظهراني صلاته سجدة أطالها، قال "راوي الحديث": إني رفعت رأسي فإذا الصبي على ظهر النبي ﷺ وهو ساجد، فرجعت في سجودي فلما قضى الرسول ﷺ قال الناس: يا رسول الله، إنك سجدت بين ظهراني الصلاة سجدة قد أطلتها فظننا أنه قد حدث أمر أو أنه يوحى إليك، فقال رسول الله ﷺ : "كل ذلك لم يكن، ولكن ابني ارتحلني، فكرهت أن أعجله حتى يقضي حاجته".
стр. 221
إن في عمل الرسول هذا تهذيبا لطباع شرسة، ويحد بذلك من تنطع مقيت، فإصلاح نفس الطفل وإدخال السرور على قلبه أمور هامة في المعاملة. إن الله الرحيم ليقبل الصلاة التي يشغل فيها صاحبها بالحدب على طفل، وربما لا يقبل الصلاة التي توصد حول مؤديها الأبواب والحجب، وينهر من أجلها الأطفال أو يضربون خشية أن تبطل كما يزعمون.
إن الآباء الذين يشكون من فساد أولادهم بعد كبرهم، ليس لهم إبداء ضيق أو برم -فعلى نفسها جنت براقش- فهم الذين أرخوا لهم بحجة العطف والحنان، بدافع الحب المفرط. إن الإسلام دين الوسط والاعتدال يجب على الوالدين أن يسلكا في ضوئه مع أولادهما نهجا وسطا، ليس فيه حماية زائدة أو تدليل أو تسلط أو تصلب أو تحقير، بل إن الأمر دفء في غير ضعف وحزم في غير شدة.
والذي يقرأ قصة سيدنا يوسف ﵇ أو قصة سيدنا إبراهيم أو سيدنا شعيب ﵉ يلتمس تنبيها إلى صورة حية واقعية، كان فيها الحوار بين الآباء والأولاد وليس التسلط والتصلب بل لغة الإقناع، وكان فيها أيضا تقدير رأي الولد بما يبعث الثقة بالنفس وتقدير الذات.
يقول الله تعالى في سورة يوسف ﵇: ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لَأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ، قَالَ يَا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ ، ويقول الله في شأن إبراهيم وولده إسماعيل ﵉: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ .
وإذا كان الثواب مهما بالنسبة للأطفال، فعقاب الطفل إذا أهمل أو جنح إلى الخطأ مباح أيضا استنادا إلى إباحة الإسلام ضربه على ترك الصلاة عند بلوغه عشر سنين، ولكن هذا العقاب المباح أمر بالغ الحساسية على الأخطاء الأخرى التي ترتكب من الأطفال، ولا ننسى ما روته عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف، وما لا يعطي على سواه".
стр. 222
وإذا كانت هناك تباينات واضحة توصلت إليها البحوث بخصوص أبعاد أو أساليب المعاملة الوالدية وانعكاساتها على الأطفال، فإنه في ضوء كل ما سبق وفي ضوء ديننا الإسلامي يمكن تصور أساليب للمعاملة لا يمكن القول بأنها مستقلة في شكل أبعاد على النحو التالي:
١- التقبل "الدفء" - الرفض "الجحود" Ingratitude
إن دفء المعاملة يتمثل في السعي إلى مشاركة الطفل، والتعبير الظاهر عن حبه وتقدير رأيه وإنجازاته والتجاوب معه والتقارب منه من خلال حسن الحديث إليه والفخر المعقول بتصرفاته ومداعبته بالإضافة إلى رعايته، واستخدام لغة الحوار والشرح لإقناعه، أو توضيح الأمور له مع البعد عن الاستياء منه والغضب من تصرفاته والضيق بأفعاله وإشعاره بعدم الرغبة فيه والميل غلى انتقاده وبخس قدراته وعدم التمتع بصحبته وظهور النفور من وجوده.
عيوب القطب السالب لهذا الأسلوب:
يؤدي اتباع الرفض والجحود للطفل، إلى صعوبة في بناء شخصية مستقلة نتيجة شعوره بالرفض، كما أنه يكره السلطة الوالدية وينسحب شعوره بهذا إلى معارضة السلطة الخارجية. وغالبا ما يصبح هذا الطفل متمردا في المستقبل متسلطا ولديه شعور بالنقص.
٢- الاستقلال - الضبط "التحكم"
هو منح الطفل قدرا من الحرية لينظم سلوكه، دون دفع السلوك للطفل في اتجاهات محددة أو كف ميوله من خلال قواعد ونظم يطلب منه الالتزام بها ويشجع على ممارستها دون مراعاة لرغبات الطفل أو دون تزويده بمعلومات عن نتائج سلوكه.
عيوب القطب السالب لهذا الأسلوب:
يؤدي اتباع التحكم والسيطرة من قبل الوالدين، إلى الكف عن التعبير الصريح عن الرأي والتردد في اتخاذ القرار وصعوبة معرفة الصواب والخطأ، وفي الأغلب تكون شخصية الطفل أميل إلى العصابية وعدم الاتزان الوجداني مستقبلا.
стр. 223
٣- الحماية الزائدة - الإهمال
هي المغالاة في المحافظة على الطفل والخوف عليه لدرجة مفرطة ليس في أوقات المرض فحسب بل في أوقات التغذية والنظافة واللعب وممارسة المهام التي يكلف بها.
عيوب هذا الأسلوب:
للحماية الزائدة مضارها المتمثلة في خشية الطفل من اقتحام المواقف، وانخفاض مستوى الجرأة، وعدم الاعتماد على النفس، كما أن للإهمال عواقبه على الطفل مثل التبلد وعدم الانتماء بالإضافة إلى تكوين فكرة سيئة عن الحياة الأسرية.
٤- الديموقراطية - التسلط
البعد عن فرض النظام الصارم Firm Discipline على الطفل أو كبح إرادته من قبل الوالدين معتمدين على سلطتهما وقوتهما ومقيمين سلوك الطفل وفقا لمعايير مطلقة محددة للسلوك ومنتظرين دائما الطاعة من قبله عند فرض رأيهما عليه، وإجباره على التصرف بما يرضي رغبتهما.
عيوب القطب السالب لهذا الأسلوب:
غالبا ما يمارس الطفل نفس الأسلوب عندما يكبر، ويبعد عن التعبير عن رأيه وينخفض مستوى مفهوم الذات لدى الذين يعاملون بهذا الأسلوب، بالإضافة إلى تقلب انفعالاتهم والعزلة.
٥- التدليل - القسوة Cruelty
التراخي والتهاون في معاملة الطفل وعدم توجيهه لتحمل المسئوليات والمهام التي تتناسب ومرحلته العمرية، مع إتاحة إشباع حاجاته في الوقت الذي يريده هو.
عيوب هذا الأسلوب:
مع التدليل يشعر الطفل بالغرور وإصابته بالإحباط لأتفه المواقف الصعبة ومع القسوة قد ينطوي على نفسه وينسحب من المواقف الاجتماعية ويتولد لديه شعور بالنقص وشعور حاد بالذنب وكره السلطة والعدائية مع الأطفال الآخرين.
стр. 224
٦- الإثابي - العقابي Parental Reware and Punishment
ما يجنيه الطفل كمعزز لتقوى أو تبقى أو تكتسب سلوكيات معينة كالإثابة الأولية "طعام أو شراب ... " أو الإثابة الموضوعية "لعب أو مال ... " أو الإثابة النشاطية "الخروج والنزهة ... " أو الإثابة الاجتماعية "ابتسامة أو إيماءة ... " مقابل ما يوجهه الوالد من ألم جسمي أو نقد لفظي أو توبيخ أو استهجان أو تخفيض في الامتيازات الممنوحة للطفل.
فعالية هذا الأسلوب:
هناك أدلة مؤداها أن الطفل يتعلم أسرع إذا تلقى كلا من الثواب والعقاب، فالإثابة تعلمه ما ينبغي أن يعلمه، والعقاب يعلمه ما لا ينبغي أن يمارسه. وإحاطة الطفل بالنوعين لها فائدة أكبر عما لو اعتمد على الثواب فقط أو العقاب فقط.
٧- التذبذب Irresolution- اتساق المعاملة
عدم ثبات الوالدين أو حيرتهما في نظامهما الذي يتعاملان به مع الطفل في المواقف نفسها وتناقض أسلوبهما عند مقارنة أسلوب معاملة كل منهما بالآخر أو داخل أسلوب الوالد الواحد تجاه نفس السلوك الصادر من الطفل أو شبيه هذا السلوك.
عيوب القطب السالب لهذا الأسلوب:
يجد الطفل صعوبة في معرفة الإيجابات والسلبيات، يكون غالبا مترددا ومتشائما ولا يصلح للقيادة ومنخفض الاتزان الوجداني، ويمارس السلوك ضد الاجتماعي.
٨- الحزم - لا مبالاة
إقامة ضبط متزن على الطفل يتضمن تنبيهه إلى أخطائه وحثه على الوصول إلى نماذج ناضجة من السلوك مع توضيح الأشكال السلوكية غير المقبولة في جو من الحب وتقدير الرغبة بالإضافة إلى تشجيعه على التحاور وإبداء رؤيته.
عيوب القطب السالب لهذا الأسلوب:
التسيب في أداء الأعمال، ممارسة التخريب وألعاب العنف. رفض النظام. ولا يمنع الأطفال عند هذه المعاملة من الضبط الذاتي.
стр. 225
٩- التفرقة - المساواة
التفضيل والاهتمام بأحد أو بعض الأبناء عن طريق الحب أو المساعدة والعطاء أو منح السلطة أو التمتع بمزايا دون اكتراث بمشاعر الأبناء الآخرين.
عيوب القطب السالب لهذا الأسلوب:
الغيرة والخوف من المستقبل والأنانية بالإضافة إلى فقدان الثقة بالآخرين.
١٠- الاعتزاز التقدير - الاستهزاء "التحقير"
الثناء على الطفل وإظهار بأنه محل إعجاب وتقدير مع البعد عن خداعه أو الاستخفاف بتصرفاته وأفعاله وقدراته وانفعالاته وإنجازاته.
عيوب القطب السالب لهذا الأسلوب:
انخفاض مستوى القطب بالنفس وبالتالي انخفاض مفهوم الذات وضعف الولاء للأسرة والشعور بالإحباط.
стр. 226
الفصل السادس: الوالدان كأجزاء من مشاكل تنشئة الأطفال وأجزاء من الحلول
أولا: إعطاء الطفل الانطلاقة الأولى
...
الغصل السادس: الوالدان كجزء من مشاكل تنشئة الأطفال وأجزاء من الحلول
أولا: إعطاء الطفل الانطلاقة الأولى
ليس هناك ما يضير في أننا نريد أن ندفع الطفل الدفعة الأولى، ومع هذا لن يفيد أن نكون آباء "مثيرين" أو أن نرغم الطفل على فعل شيء قبل أن يكون مستعدا له، أو أن نغمره بالتعليمات خلال اليوم مما يقيد حرية الطفل وإحساسه بالحياة الهادئة. وبينما الآباء يكافحون في هذه الورطة راغبين أن يعطوا طفلهم كل ميزة مشيرية كل شيء أمامه، فمع ذلك لا يريدون أن يضغطوا عليه أو يدفعوه أكثر من اللازم، فلا توجد ورطة حقيقية إذا وصل إلينا المعنى الحقيقي للانطلاقة الأولى.
إعطاء الانطلاقة الأولى يعني ببساطة تعليم الطفل شيئا قبل أن يتعلمه بنفسه عن طريق البيئة الطبيعية المحيطة به.
على سبيل المثال: فترة ما قبل المدرسة لا تعلم الطفل غالبا القراءة أو الحساب أو الكتابة أو السباحة أو العزف على آلة موسيقية أو الأمور الاجتماعية، وتكوين الأصدقاء، والعثور على الصحبة الجيدة، أو الإنصات إلى المدرس والتوافق مع الآخرين.
ومع ذلك فالأطفال يكونون مستعدين نفسيا وعقليا للقراءة أو الموسيقى أو الحساب ... إلخ. ولكي نستمتع بذلك في سنوات ما قبل المدرسة فإننا نعطيهم الدفعة الأولى إذا بدأنا بتعليمهم في هذه السن المبكرة "الانطلاقة الاولى" إن الطبيعة الأولى إذا بدأنا بتعليمهم في هذه السن المبكرة "الانطلاقة الأولى" إن الطبيعة والبيئة المحيطة لا تسمح بتعليم الطفل ذلك في الوقت الذي يكون فيه غير مستعد للتعلم والتلقين، ولأسباب معينة فهو ينتظر، إذن فالمهم هو ليس أن نجعل الطفل أرفع مقاما وأعلى منزلة من الأطفال الآخرين، بل نجعل حياته مليئة بالحرية والسعادة. لا تخف على طفلك من أن يلتحق مبكرا بفصول تعليمية، لكن إذا لم يرق له ذلك بعد حضوره عددا من المرات، فليس من العدل أن يستمر أو نرغمه على الحضور، ومن الأفضل إيجاد النشاطات التي تشعره بالمتعة والمعلم الذي يرتاح إليه. فالطفل سيتحدى نفسه ويحاول أن يحرز تقدما في الأشياء الغامضة بالنسبة له ولن يكون هناك داع لأن ندفعه الآن بل على العكس ما سوف نفعله هو أن نحاول إخراجه من حمام السباحة أو إبعاده قليلا عن الكمبيوتر.
стр. 227
لا يوجد شيء سليم أو غير سليم بخصوص توجيه الطفل وإرشاده وتعليمه القراءة في هذه السن الصغيرة، إن هذا يتوقف على رغبة الطفل واستعداده فلا يجب أن نمنع الطفل من تعليم القراءة أو السباحة إذا امتنع مرة عن قبولها فيجب البحث عن طريقة أكثر تشويقا لذلك.
تقول إحدى الأمهات: لقد اعتقدت أن من المهم لطفلي أن يتعلم القراءة في فترة ما قبل المدرسة لسببين: الأول: أني ظننت أنه قد يستمتع بها عندما يصل إلى الدرجة التي يستخدمها كقراءة الكتب المحببة إليه، ثانيا: إن ذلك قد يعطيه الانطلاقة الأولى في المدرسة فيكون مستعدا بدرجة أكبر للتعليم عن أقرانه.
ومع ذلك فأنا أعلم أنني لو ألقيت إليه بمجموعة من الحروف ودربته عليها فسيصيبه ذلك بالملل، وبدلا من هذا فأنا أعلمه ذلك من خلال القصص وعندما أكون في الحديقة أو أثناء اللعب سأفعل ذلك قليلا هنا وقليلا هناك، وأتوقف عندما يفقد الرغبة في ذلك، ودائما ما أستمد الأشياء الطبيعية الممتعة ليتعلم بها أثناء القراءة، ويجب أن أتوقف أثناء القراءة وأسأله عن هذا الحرف وكيفية نطقه "هذا شيء عظيم برافو" هكذا نقول له إذا أجاب جيدا، أو أنها هـ" إذا لم يعرف ثم أستمر في القراءة وأتوقف ثانية عند نفس الحرف أو حرف آخر وعندما يحرز تقدما فسوف يتعرف على الحروف في الشوارع والحدائق وفي التلفزيون وبعد محاولة ربط الحروف بالكلمات المعروفة "ماما، باب، لعبة ... إلخ" سنجده يتمتع بمعرفتها وسيسأل إذا لم يعرف حرفا يريد أن يعرفه، والشيء المهم هو ألا تتعجل أو تندفع لطلب شيء يفعله إلا إذا كان مستمتعا بذلك أو نتوقف إذا فقد الرغبة.
إن هذه هي الانطلاقة الأولى لأنها توسع مدارك الطفل وتثري حياته، فليس من مصلحة الطفل إرغامه لأنه سوف يكره القراءة ويزيد ذلك سلوكه الاعتراضي للهروب منها.
стр. 228
ثانيا: أفضل التوقعات
إننا نريد لأطفالنا أن يكونوا أذكياء، وذوي دين، رياضيين، واجتماعيين، وكل هذا طبعا شيء جميل، لكن يجب علينا أن نكون حريصين في أن نتسائل ماذا نريد؟ وماذا نتوقع، وماذا يطلب من طفلنا؟ وهل هذا مفيد له أم لا؟ معظم الآباء تصيبهم الحساسية بخصوص ضعف معين فيهم ويتوقعون "أو يأمرون" أطفالهم بأن يكونوا على قدر من المهارة والقوة فيما افتقدوه. فعندما تكون سمينا سوف تزداد حساسيتك بالنسبة لوزن طفلك، وماذا يأكل، أما إذا كنت من محبي الجلوس على المقاعد فسوف يدفعك هذا لأن تنتظر من الطفل ممارسات رياضية فوق العادة.
فلا بد أن نكون على دراية بأن مشكلتنا تتضح في مثل هذه المواقف، فليس من الضروري أن يكون الطفل بطلا رياضيا أو قويا فوق العادة. ونحن نظل نعلم أبناءنا في هذا المجال لنساعدهم على التقدم، ويمكن أن يكون عندنا التوقعات ونساعد أطفالنا على تحقيقها، لكن يجب أن يكون هناك حدود لتلك التوقعات، ولا يجب أن نصاب بالإحباط إذا لم تحدث، فيجب أن نساعد الطفل على التعلم بالطرق السليمة مع إحساسه بالاستمتاع بها بدلا من دفعه وإرغامه على كل فعل، والمزيد مما نريده.
стр. 229
ثالثا: المنافسة مع الآباء الآخرين
عندما نرزق بأول طفل فإننا نراقبه كظله ونقارن بينه وبين الأطفال الآخرين، وبيننا وبين الآباء الآخرين، بل ونشعر بالخوف والفزع عندما نرى غيرنا من الآباء الآخرين يفعلون أشياء قد تبدو مفيدة لا نفعلها نحن ثم سرعان ما نكتشف كم من الحماقة أن نتنافس مع الآباء الآخرين.
إنك سترى الأطفال دائما أزكى من طفلك وأكثر طاعة ولا يستخدمون تلك الكلمات الساذجة بل يتحدثون ثلاث لغات، أو يقومون بعمل العمليات الحسابية عندما يبلغون أربع سنوات، ولأنك تحكم على نفسك وعلى طفلك من هذا المنطلق وبهذه الطريقة فستخسر دائما.
стр. 230
وإذا رأيت أبا لديه طريقة ناجحة لتعليم طفله السباحة فلتسأله عنها وتحاول تطبيقها فلن يجدي أن تشعر بالغيرة منهم.
إننا نتذكر مرات كثيرة قمنا فيها بالخروج مع عائلات أخرى رأينا فيها كيف أن الآباء في منتهى الرقة عند إطعام أطفالهم، وقد أظهروا العديد من الطرق لجعل الطفل يضحك ويأكل كما لو كان هذا درسا في التربية للطفل، ونحن لا نستطيع عمل شيء، فمن الطبيعي أن يحدث هذا الاضطراب مع الطفل الأول خلال السنة الأولى، ومن الممكن أن نراقب أسلوب الآباء الآخرين ونقتبس منهم الطريقة المثلى لتعليم الطفل القراءة أو السباحة أو التعرف على كيفية التغلب على المشاكل الخاصة بالأكل أو الذهاب إلى الفراش، لكن ليس من المفيد حقا أن نتبارى معهم وندفع بأبننا إلى ذلك، فهذا يؤدي إلى أن نفقد متعة التربية، مع العلم بأن الشخص الذي ينصت ويراقب ويتعلم أذكى وأمهر من الذي يتحدث ويستعرض.
стр. 231
رابعا: علاقة الأبناء بأحد الأبوين
في وقت معين نجد أن الطفل يبدو قريبا من أحد الأبوين أكثر، وهذا يكون قاسيا على الآخر، فعندما يولد أول طفل، فإن الزوجين يقرران أن أحدا منهما سيتوقف عن العمل لرعايته غالبا ما تكون الأم فسوف ترضعه وتعتني به عناية كاملة، ومع هذا فإن الأب سيكون له وظيفة جديدة أو على الأقل سوف يزداد حمل المسئولية الملقاة على عاتقه أكثر من ذي قبل.
وبينما تلازم الأم بيتها فإن لديها وقتا أطول "ومسئوليات أكبر" لطفلها وسيكون الترابط بينهما أسرع وسيكون اعتماد الطفل عليها في كل أموره أكثر من أبيه، وسنجد الطفل نفسه في حالة من الضيق عندما تترك أمه الغرفة أكثر من أن يفعل أبوه ذلك، وفي المساء نجد الأم تخبر الأب بكل أفعال الطفل الجديدة التي حدثت صباحا، وهنا يشعر الأب بالغيرة من الوقت الذي تمضيه زوجته مع ابنه والعلاقة التي بينهما.
فيأتي واجب الأم لتكون حساسة تجاه وضع الأب واحتياجاته، كما يجب أن يدرك الأب أنه من الممكن أن يخصص وقتا لطفله يقوي به علاقتهما "في المساء أو أيام العطلات مثلا". ويجب أن يدرك أيضا أن علاقته بطفله يمكن أن تكون قوية.
стр. 232
ولكنها مختلفة عن علاقة الأم. قد يمكن للطفل أن يعتمد عليه في بعض الأشياء ولكن اعتماده الأكثر يكون على والدته في هذه السن.
وبعد ذلك، فالمهم هنا أن ينشأ الطفل في أسرة قوية الروابط ويحصل على الرعاية والحنان الكافيين بغض النظر عمن يقوم بذلك، فالأبوان يجب أن يقررا معا ما يجب أن يفعلا، ومن سيفعله ومتى سيشاركه الطرف الآخر في المسئولية وبذلك يصبح لكل منهما وظيفة محددة تناسب التغيير الذي يحتاجه الأب أو الأم أو الطفل.
وبداية من السنة الثانية أو الثالثة يبدأ الطفل في التعرف على جنس الأب أو الأم المشابه له فيبدأ الولد في تقليد أباه أكثر من أمه في اللبس، والرغبة في الذهاب إلى العمل معه، فسيصعب على الأم "خاصة إذا جلست في المنزل" أن ترعاه، فبعد أن كانت تعلمه كل شيء ويعتمد عليها في كل ما يفعله من قبل تجده في يوم ما يراقب أباه أكثر، ويريد أن يكون مثله، وبينما يكون الأب خارج المنزل معظم الوقت فقد يكون شيئا خاصا وفريدا أن يراه معه في المنزل وقد يتجه إليه أكثر عندما يكون الأب والأم معا، وربما كان هذا قاسيا على الأم التي ضحت بعملها وراحتها وهوايتها ومتعتها وعلاقاتها الاجتماعية خلال عامين كاملين للعناية بطفلها، وفي النهاية يكون هذا هو المقابل.
خلال هذا الوقت يأتي دور الأب في أن يكون حساسا لمشاعر الأم واحتياجاتها لمزيد من الترفيه والنشاطات الاجتماعية، وينبغي أن يناقشا معا دور كل منهما، وأفضل ما يمكن تقديمه لطفلهما مع الامتنان والتقدير من كل منهما لأفعال الآخر بدلا من الغيرة والحقد.
أما الآن وبعد أن وجدنا أنه يمكن أن يمر على كليهما مرحلة العلاقة القوية بالطفل أكثر من الآخر، فالنظرة الأخيرة تعتمد على الحب والوقت والمجهود المبذول معه خلال حياته، ولا يتوقف على كونك أباه أو أمه أو أنك تلازمه في المنزل خلال الستة أشهر الأولى أو من يغذيه ومن يغير له الحفاضات والملابس.
стр. 233
خامسا: الطفل يشبه أحد الوالدين
إنه لمثير الدهشة أن تجد هذا الكم من الآباء يسألون نفس هذا السؤال، وأكثر إثارة للدهشة أن يصاب أحدهما بالإحباط عندما تكون الإجابة في صالح الآخر.
ومن المضحك أن ترى رد فعل الآباء عندئذ وهم يضعون أنوفهم "عيونهم، شفاههم" بجانب الطفل ومحاولة إقناعك بشدة التقارب بينهما ... "كيف تستطيع أن تقول ذلك؟ إن لها نفس ملامح الوجه، وأنفها في وسط وجهها تماما مثلى لكن والدها أنفه معلقة هناك" ... فبعض الآباء يأخذون هذا بجدية ويعتبرون أن الطفل الذ له ملامح من أحدهما أنه يحبه أكثر ويكون قريبا منه أكثر بل ويميل إلى التشبه به دائما، وطبعا هذا هراء.
من الطبيعي أن يشبه الطفل أبواه وبعض الملامح تكون مشتركة منهما معا أو بينهما كلون الجلد مثلا لكنه في النهاية يكون أكثر الشبه منهما معا.
ليس عيبا أن نسأل هذا السؤال "وسوف يفعله معظم الآباء، ما دمنا لا نردده أكثر من اللازم أو نجد فيه أي قدر من الأهمية، فالطفل الذي له ٤٧ وجه شبه من أمه مقابل ٢١ من أبيه لا يعني هذا أن يكون قريبا منها أو يماثلها، فهناك أشياء كثيرة قد لا نراها ولا نستطيع مقارنتها مثل الطموح والشخصية وما إلى ذلك، أما شكل الأنف فحقيقة لا يعني شيئا.
نحن تولد بجينات وراثية قد تنعكس في المستقبل تأثيراتها على الحيوية أو العدوانية ولا يجب أن ننسى تأثر الطفل بالبيئة المحيطة وبالأسرة وبكل الأحداث المتلاحقة منذ ولادته.
إن الطفل لم يولد مثل أبيه وأمه فكل الناس مختلفون، والناس المختلفون عبارة عن نتاج اثنين مختلفين أيضا "بما تتحكم البيئة المحيطة فيهم" فمن الضروري أن نتذكر هذا، فقد يورث أطفالنا هذا التفكير ويؤذيهم أن يلاحظوا الغيرة والتنافس بين أكثر اثنين يحبونهما في هذا العالم.
قد يصبح السؤال هذا أقل أهمية عندما نعرف أن ملامح الطفل تتغير خلال الست سنوات الأولى، يقول الأب: لقد كان طفلي شديد الشبه بي حتى بلوغ عام، له نفس الوجه، ونفس القدم، ونفس اللون، وعندما تم أربع سنوات فقد أصبح نسخة طبق الأصل من زوجتي، وهذا شائع حدوثه، وكلما زاد نمو الطفل قلت التغيرات الطبيعية وتطورت التغيرات في الشخصية، وفي معظم الأوقات نجد
الآباء يفاجئون بما يفعله أبناؤهم وقد يرونهم شخصيات مستقلة وفريدة ولا يشبهون أي إنسان آخر.
فإذا وصل هذا المفهوم إلى أذهاننا وأدركنا أن اختلاف الطفل يحدد باختلاف شخصيته وطباعه وليس باختلاف أنفه، فسوف نتغلب على هذا الضيق الذي يصاحبنا "والأطفال أيضا" عندما نسأل من يشبه الطفل أكثر.
стр. 234
سادسا: الندية بين الأشقاء Sibling Rivalries
إن هذا الموضوع يظهر على الأفق بمجرد ولادة الطفل الثاني فيفقد الطفل الأكبر كثيرا من الأضواء المسلطة عليه، والأم تكون مشتتة ما بين الطفل الجديد وآثار الوضع، والأب أيضا يود قضاء بعض الوقت مع المولود مما يشعر الطفل الأكبر بالغيرة من هذه الزائر الثقيل.
وهناك طرق كثيرة لمنع هذه الندية بين الأشقاء فقبل ولادة الطفل يجب أن نتحدث عنه وعن السعادة التي سيجلبها لأخيه الاكبر ... "سوف يحبك كثيرا، سوف نحضر لعبا كثيرة لتلعبا بها، إنك الآن ستكون الأخ الأكبر ... إلخ". ونشركه في تسمية المولود والعناية به ونوجه له أمثلة مثل "هل تساعدني في تغذيته وتحضر لي البيرونة، هل ستعلمه كيف يلعب باللعب" وكذا التحدث معه عن هذا المولود ونشعره برفسه داخل بطن أمه قائلين له "هذا هو أخوك" ولا نقول "ابن والديك أو أحدهما".
وعندما يولد الطفل يجب أن يأخذ الأب ابنه ليرى المولود الجديد ووالدته في المستشفى، ومن الأفضل أن يكون في انتظار الابن هدية باسم المولود الجديد، فسوف يؤدي ذلك إلى بداية من الروابط القوية بينهما، ونقول: "خالد، انظر ماذا أعدت ميرام لك؟ إنه شيء جميل حقا أن يكون لك أخت تحبك لهذه الدرجة".
ومن الضروري أيضا أن يقضي الأب وقتا أكثر مع طفله الأكبر، فيشعر الطفل أنه لا يزال هناك أمل في أن يحصل على الاهتمام، وعندما يكبر المولود تشجع الطفل الأكبر ونثني عليه عندما يتصرف تصرفا إيجابيا تجاه الأصغر "خالد،
стр. 235
هل تستطيع أن تضحك أختك؟ " فإذا فعل أو حاول فيجب الثناء عليه بشدة "كيف استطعت أن تفعل ذلك؟ أنا لم أستطع أبدا، لا بد أنها تحبك جدا، انظر كيف تراقبك، إنك فعلا أخ عظيم" فستجده بعد ذلك يستمتع باللعب معها وعندما تبدأ في إصدار الأصوات تبين للولد كم هو ممتع أن يقلد صوتها ونصفق لها عندما تقلد أصواتنا، فينتج عن كل هذا كثير من الاهتمامات المشتركة والتقارب الملحوظ بينهما.
طبعا سيأتي اليوم الذي ترى الطفل الأكبر "بالصدفة أو بغيرها" يطعن الطفل الأصغر بالسيف "اللعبة طبعا" أو يدفعه أو أي تصرف سلبي من هذا القبيل، فالتعامل مع هذه المواقف يكون كالتعامل مع الغضب والعدوانية. كما سوف يتضح فيما بعد. وهذا ليس بالضرورة أن يكون نوعا من الندية بين الأشقاء لكن إذا سمعت مرة قوله "إنها أخذت لعبتي" ولم يكن لعب بها في هذه اللحظة فهذا من الندية وهنا يجب أن يتعلم الطفل بعد أن نتأكد أن لديه لعبا أخرى كافية المشاركة والعدل مع أخته بأن نقول: "حسنا ما اللعب الذي تود أن تلعب بها؟ إذن ميرام سوف تلعب بالباقي" وتظهر كوالد بعض التصميم على أن تلعب هي باللعب التي لم يستخدمها فيشعره هذا أنه كما أن له الحق في الاختيار واللعب كما يحلو له فليس هناك مانع من أن تشاركه أخته.
هناك مفهومان للتعامل مع مثل هذه المواقف التي يشعر فيها الطفل الأكبر أن الأصغر مفضل عنه، أولا: يمكن أن نربط بينهما بلعبة تجمعهما معا فهذا يكسر الجمود الذي ربما يكون بينهما، وخاصة إذا استمتعنا معا بهذه اللعبة، أما الثاني فيعتمد على أن تقوم بإشغال الطفل الاكبر ... "خالد"، هل تريد أن تمر على صديقك عمرو؟ هل تريد أن تلعب بالطائرة؟ فلتذهب إلى منزل "طارق"، هذا لأن الطفلين لن يتمكنا من اللعب معا بصفة دائمة فنحاول أن نلهي الطفل الأكبر بعمل شيء آخر يفضله.
стр. 236
سابعا: المشاركة في المسئوليات بين الآباء:
معظم الآباء يتحدثون عمن يفعل وماذا يفعل قبل ولادة أول طفل ولا يتكلمون بعد ذلك مرة أخرى، فلا أحد يستطيع أن يتخيل مدى صعوبة تربية الأطفال، والجمع بين العمل والأسرة. ثم إن الناس يتغيرون بمرور الوقت، فالاحتياجات تتغير، والمسئوليات أيضا تزيد بدون أن ندرك ذلك، وبمرور السنين تجد لديك عددا من الأطفال كل منهم في حاجة إلى الذهاب إلى المدرسة والطبيب ولا يمكنك أن تغلق باب المسئولية الساعة الخامسة مثلا.
يقول الأب: إني أتساءل ماذا تفعل زوجتي خلال يومها، وأشعر بالغيرة من وجودها بالمنزل طوال اليوم بينما أواجه مشقات وأهوال الحياة خارجه، إنها لا تتعرض لهذا الضغط الفظيع الذي أتحمله من العمل، وذات يوم شاءت الظروف أن تحضر زوجتي حالة وفاة خارج المنزل وتتغيب طوال اليوم فقمت أنا بدورها في ملازمة المنزل وهنا شعرت أنني سوف ألقى حتفي، إنه لشيء مختلف تماما أن تتمتع بهذا الوقت الجميل مع الطفل في المساء أو في العطلات أو أن تقضي معه يوما كاملا، فلا يوجد وقت للراحة أو للتفكير بدون إزعاج أو إطعام ... وبعد أن رجعت أخبرتها أنني أكثر الأزواج تقديرا وعرفانا وامتنانا لها.
لقد كان هذا درسا مفيدا، فمن الضروري أن يستعرض أحد الأبوين إذا أمكن مسئوليات وتبعات الآخر قبل أن يشكو من الجزء الخاص به، وعلى العكس قد يرعب زوجته أن ترى حجم العمل الذي يقوم به وتشعر بالسعادة أنها ليست مكانة.
لذلك يجب على كل من الوالدين أن يقدر متاعب ومسئوليات الآخر ويحاولان التخفيف بعضهما عن بعض عندما يعاني أحدهما من الضيق أو الملل أو طلب المساعدة عند المرور بتلك الأوقات العصبية.
الصياح والشجار أمام الأطفال:
كلنا ينتابنا شعور بالغضب بعض الأوقات ونحتاج لتنفيس الغضب والجدال مع شريك الحياة. إن هذا طبيعي، وهذا إنساني في نفس الوقت، ولكن يصعب على الطفل جدا أن يرى هذا، وهذان الشخصان هما كل العالم بالنسبة له هما أساس منزله ... أما أنا يراهما يتشاجران فقد يعصف ذلك بعواطفه.
والمفهوم الأقرب أن تكون حساسا لطفلك وتقلل الشجار قدر المستطاع فليست هذه الطريقة التي نعلمه بها كيفية مناقشة الأشياء وما الذى نفعله عندما نشعر بعدم الرضا، فإذا استشعرت مبادئ الغضب فمن الأفضل أن تبحث عن مكان آخر للجدل والشجار. هذا طبعا شيء صعب لكن إذا نظرنا بحساسية إلى مدى تأثير هذا على طفلك فسوف تؤجل الغضب إلى مكان آخر ووقت آخر، أما إذا ازدادت الخلافات الزوجية كل يوم بكثرة فيصعب اللجوء إلى أخصائي في الزواج لاستعادة السعادة الزوجية.
стр. 237
ثامنا: تأثير الانفصال والطلاق بين الوالدين Separation and Divorce
إن هذا الموقف لا يبعث على السعادة، وليس من السهل معرفة أي طريقة لإزالة آلامه، وكلنا نستطيع مع ذلك أن نقلل حدوثه قدر الإمكان. فإذا كان الآباء غير سعداء معا ومختلفين في الطباع فلن يكون هناك فائدة من الاستمرار. هذا بالنسبة للأطفال، فالشجار والجدال بينهم قد يكون أسوأ قدوة للطفل. إنه يصبح في حالة من الضيق والحزن. ويؤدي ذلك إلى حدوث تنافس بين الأب والأم لكسب الطفل مما قد يجعله مدللا لدرجة الفساد، فلن يظهر له أي منهم بعض الصرامة والحزم فيفقد النظام الذي يجب أن يتبعه لينجح في حياته.
وقد أثبتت البحوث أن تأثير الانفصال بين الأبوين أقل كثيرا من وجودها بهذه الحالة السيئة معا.
يمكن أن يكون هناك بعض المشاعر بين الأبوين، وبالطبع سيكون عند كل منهم أفكار للتعامل مع بعضهما البعض، ومع ذلك فيجب أن يكون هناك وقت للتحدث حول مسئولياتهما تجاه الطفل، إن الحديث ليس فقط لتوضيح الحقوق وترتيب المعيشة وحقوق الزيادة وتكلفة الملابس، إنما يجب على الآباء أن يوضحوا للطفل بطرق إيجابية إذا ما تأزم الأمر ماذا يحدث حوله ويؤكدوا على عواطفهم تجاهه، ويعطوه حرية الاختيار في الإقامة مع أي منهما، وكذلك ما يريد فعله في أيام العطلات ... إلخ. ولا نتمنى أن يصل الأمر إلى الانفصال فهو يحتاج رؤية أبويه معا وهم متوادان قدر المستطاع، أما الآباء فيحتاجون إلى الكلام معا عن طفلهم من وقت إلى آخر.
стр. 238
تاسعا: جليس الطفل
إن معظم الآباء محاطون بالعمل ومع ذلك يشعرون بالذنب تجاه عدم قضاء الوقت الكافي مع أطفالهم وخاصة في سنواتهم الأولى. ولا يوجد أسباب حقيقية وراء هذا الشعور، فالأباء يجب أن يراعوا اهتماماتهم واحتياجاتهم وفي نفس الوقت يراعوا الالتزام تجاه أطفالهم. ومن الأفضل أن يكون الآباء مستمتعين بالتزامهم هذا ولديهم الاستعداد لتغييره، ليس هناك أي شيء سليم أو غير سليم بخصوص مربية في المنزل أو جليسة أو بقاء الآباء فيه لتربية أبنائهم فالشيء الجيد أو السيئ يتوقف على نوع الشخص الموجود، وكيفية العناية اليومية، وإذا أراد الآباء البقاء في المنزل فإن نوعية تلك العناية والرعاية تكون أكثر أهمية وأفضل من أي شخص آخر يقوم بها. وإذا كان مسئولية الطفل الكاملة ملقاة على المربية فالآباء سيكونون مطالبين بتحقيق علاقة جيدة مع أطفالهم واتخاذ القرارات بخصوص نظامهم كما يجب أن يظل لديهم وظيفة إيجابية في التوجيه والحوار مع المربية أو الجليس والتأكيد على حصول الطفل على قدر من الوقت الممتع الذي يقضيه مع والديه. كثير من الآباء يمكثون في المنزل مع طفلهم ولكن لا يجدون الوقت للكلام أو القراءة أو اللعب معهم فمعظم الوقت يضيع في احتياجات الطفل؛ التغذية، تغيير الحفاضات ... إلخ، إذا كان صغيرا.
وبعض الآباء يسود اعتقاد في أذهانهم بشأن إبقاء الطفل أطول فترة ممكنة بجانبهم، فهؤلاء مطالبون بتلبية جميع رغبات الطفل وحمايته والغيرة عليه من أي شيء، مثل هذا الأب لا يساعد طفله بل يضره اجتماعيا ونفسيا ويحرمه من مشاركة زملائه وتكوين العلاقات والصداقات.
إن هؤلاء الآباء يحبون أطفالهم بشدة ولكنهم لا يعلمون أن هناك فترة من الوقت لا يجب أن يظهروا فيها هذا الحب. فالمهم هنا ليس مقدار حبك للطفل ولكن الآباء الذين يعرفون متى يلقون بالثناء على الطفل، ومتى يعاقبونه لا يحبون الطفل أقل بل هم ببساطة يعرفون ماذا يفعلون.
стр. 239
عاشرا: تفضيل الوالدين لأحد الأبناء:
كل الأطفال ليسوا سواء فمنهم من يكون أكثر ذكاء وأكثر حساسية More Sensitive أو أكثر وسامة، ونحن ككثير من الآباء نجد هذه الصفات محببة إلينا وقد ننجذب إلى أحد الأبناء عن الآخرين، هذا خطأ كبير وقد يؤدي بقية الأطفال نفسيا، فإذا عاملنا أحدا منهم بصورة مختلفة، أو إذا بالغنا في الثناء والاهتمام بأحد منهم وإهمال الآخرين فقد يؤدي ذلك إلى حدوث مشاكل بين الأطفال بعضهم وبعض بل وبين الأطفال وآبائهم.
عندما يجد الآباء أنفسهم متحيزين إلى أحد الأطفال يجب أن يتأكدوا من عدالتهم في التعامل وتقسيم الوقت بينهم جميعا. وفي معظم العائلات نجد أن هناك طفلا يعتبر خاصا، لكن كل الأطفال لديك يعتبر لكل خصوصية بطرق مختلفة، إن المهم ليس أن تفضل أحدهم على الآخر لكن المهم أن تحب الجميع فإذا استطاعوا جميعا أن يجذبوك نحوهم في أوقات مختلفة فليس من الضروري أن يكون أحدهم أكثر قليلا من الآخر. إن الوقت الذي يمضي في اللعب والكلام ومداعبة طفلك هو الذي يقوي الروابط والانجذاب بين الطفل وأبويه، وهو الأكثر أهمية في حياتهما بينما تقل عنه أهمية بقية المسئوليات الأخرى.
بعض الآباء يشعرون بالذنب وربما الغيرة من قوة علاقة الطفل بمربيته وتقول الأم: "إنه يجب أن أكون أنا ... فأنا أمه" وعلى العكس يمكن أن نصاب بالإحباط إذا لم تستشعر العلاقة الطيبة بينهم، وقد نفكر في إيجاد مربية أخرى.
ومما لا شك فيه أن تقوية علاقتك مع الطفل سوف يغير كلا منكما وإذا لم تسمح الظروف بذلك فإنه كلما كانت العلاقة طيبة بين الطفل ومربيته ازدادت متعة الطفل ومعلوماته ونموه.
стр. 240
حادي عشر: حب الأطفال أكثر من اللازم
كلا ... لا يوجد حب أكثر من اللازم للطفل، ومع ذلك فهناك مشاكل تظهر على السطح تشبه الحب الزائد، بعض الآباء يدللون أطفالهم ويرفضون توبيخهم أو إجبارهم على نظام معين، وهذا ليس تعبيرا عن الحب فالحب هو أن تبذل الجهد الكافي في الرعاية والتنظيم لطفلك، وكما نرى من بعضهم يهملون كل هذه الاهتمامات لكي يخصصوا وقتهم للبقاء مع الطفل فقط فيؤدي ذلك بالطفل لأن يظل طفلا للأبد. ويجب على الآباء أن يدركوا أنه سيأتي اليوم الذي يتخرج أبناؤهم فيه من الجامعة ويتزوجون وينجبون أطفالا بعيدا جدا عن أعينهم فنحن لا يجب أن نتوقف عن حبهم ولكن يجب أن نحب أشياء أخرى وأشخاصا آخرين أيضا. وإلا أصبحنا معتمدين عاطفيا عليهم بينما يقل اعتمادهم علينا بمرور الوقت.
стр. 241
الفصل السابع: دور الوالدين في تنشئة الأبناء على المبادئ
أولا: استدلال الطفل عبر النموذج
...
الفصل السابع: دور الوالدين في تنشئة الأبناء على المبادئ
المبادئ المتناولة هنا عامة "قواعد سلوك الطفل". وحدوثها لس مشروطا بسوء سلوك الطفل، إنها تلك المبادئ التي يجب أن تنفذ بدقة أفضل لتصل إلى العلاقة المثالية بين الآباء والأبناء.
ولذلك تعتبر هذه المبادئ مفيدة لتعليم معظم "أوكل" ما تود أن تعلمه للطفل مثل الفضولية أو الاستطلاع Curiosity والإبداع Creativity والقراءة وآداب المعاملة والحساسية، ومعرفة الأرقام والحروف والألوان ... إلخ. وتعليم الطفل مقولة "لو سمحت"، "شكرا" تعليم أسماء الناس والملابس "بنطلون، قميص، جزمة"، وتعليم بعض القواعد اليسيرة الخاصة بالمنزل، وتعليم كيف يلبس الطفل ملابسه بنفسه أو كيف يتصرف في المسجد، كل هذا يمكن إحصاؤه وتحقيقه. وهنا سيكون حوارنا البسيط عن تعليم المبادئ.
أولا: استدلال الطفل عبر النموذج Modelling
إن أسرع طريقة لتعليم طفلك هي عمل نموذج له. لنوضح ذلك بمثال: إذا أراد طفلي لعبة طفل آخر، فسأبحث عن لعبة للبيع وسأذهب معه لأشتريها ثم نلعب بها أمام الطفل الآخر ونقول: كم لعبتنا جميلة ومسلية، ثم نطلب منه أن نبدل لعبتنا بلعبته، وبهذه الطريقة يتعلم الطفل كيف يتعامل مع هذا الموقف. وإذا طلبت منه كتابة حرف "ب" فأنا لا أعطيه الورقة والقلم فقط وإنما أرسم أمامه الحرف وأطلب منه أن يقلد هذا الرسم بنفسه، وبالطبع يتم ذلك مع التشجيع في أول مرة.
إنه لمن العجب أن نتخيل مدى تعلم الأطفال من النموذج. فأنا عندي جهاز كمبيوتر في المنزل وطفلي الآن موقفه رافض. ففي بادئ الأمر عليَّ تعليمه مفتاح "الدخول"، "والخروج" ثم "الصعود والهبوط على الشاشة" ثم كيف نضع الديسك، وكيف يشغله، وبعد ذلك عاونه كيف يفرق "وأنت تمارس" بين البرامج المعدة إذا كانت فعلا متعلقة بشيء من الأشياء المشوق بها، أو المهارات حتى المعقدة، إن ذلك أكثر تأثيرا، لأن الطفل أو حتى الكبار يتعلمون ببطء وبكثير من الأخطاء إذا تم فقط توضيح كيفية عمل ذلك، فالتمثيل والدلالة أسرع طريق للتعليم.
стр. 242
ثانيا: زيادة قدرة الطفل العملية لتوجيهه
زيادة قدرة الطفل وتسريعها هي طريقة أخرى من طرق توجيه وتعليم الطفل، مثال ذلك إذا أردنا من الطفل إحضار "معطف" من بين الملابس، ففي بادئ الأمر نجعل المعطف مكانه واضحا وفي مكان ظاهر عن بقية الملابس أو حتى نبعد كل الملابس عنه حتى يختار الاختيار الصحيح ثم نعيد الكرة مع وضع شيء آخر بجانب المعطف وليكن الحذاء ثم نضع شيئين ثم ثلاثة فأربعة وهكذا.
عموما علينا أن نجعل الموضوع سهلا في بادئ الأمر بتوفير مساعدة خارجية ثم نخفف هذه المساعدة، فإذا لم يستطع الطفل مثلا إيجاد حرف "B" فمن الممكن أن أجعله الحرف الوحيد، الموجود، وأشير إليه أيضا أو أجعله أكبر وأظهر من بقية الحروف فإذا عثر الطفل عليه أربع أو خمس مرات بالمساعدة فأنا أقلل من حجم المساعدة تدريجيا حتى يتمكن من العثور على الحروف بصورة طبيعية من بين بقية الحروف المتشابهة.
وفي بعض الأحان لا يجوز للمساعدة أن تكون واضحة، فإذا أراد الطفل فتح شنطة الأوراق فيكفي أن نقول له "اضغط على الذهبي" وإذا ألقى بالملابس المتسخة فنقول له "أرجوك في مكان غسيل". ربما يتطلب الأمر مجرد الإشارة إلى الخطأ إذا لم يغسل يديه بعد خروجه من دورة المياه.
وأحيانا يمكن للنموذج نفسه أن يستخدم في زيادة القدرة ... مثلا إذا كان ابني يحب الديناصورات فإننا نشتري بعض الكتب والصور ونقص صورة الديناصورات وأسألة: ما هذا؟
وبالطبع فسوف لا يتذكر، ولذلك سوف أساعده قائلا إنه "الديناصورات العملاق وإذا ظهر هذا في قصة أخرى ولم يتذكر فأنا أكتفي هذه المرة بأن أقول "إنه العملاق" ثم يكمل هذا الباقي وهكذا حتى بمجرد ذكر أول حرف "د. د. د.." سيتعرف عليه بنفسه وبسرعة. وهناك عدد لا نهائي من الطرق للمساعدة على "زيادة القدرة" للطفل، وتقريبا كلهم يعلمون بهذه الطريقة مثل ارتداء الملابس، السباحة، الرياضة، الكلام، المشاركة، الأدب، وهكذا ... فعند مساعدة الطفل لارتداء البنطلون نكتفي أولا بأن يغلق السوستة، بنفسه ثم نترك له فيما بعد أن
стр. 243
يرفع البنطلون ثم يغلق السوستة، وفي مرات تالية وعندما يصبح ذلك سهلا نتركه يدخل قدميه داخل البنطلون ثم يرفعه ثم يغلق السوستة وهكذا نقلل تدريجيا من حجم المساعدة "زيادة القدرة" حتى يستغني عنا تماما.
يجب على الآباء أن يحذروا من تعليم الطفل أي شيء لم تصل إليه قدرته بعد وإلا أصبحت العملية معقدة ومقززة وتأتي بنتائج سلبية. وكمثال فإن تزوير الزراير من أصعب عمليات ارتداء الملابس بالنسبة للطفل ولا يجب أن يتعلمها حتى يتقن عملية اللبس كاملة بغض النظر عن أسلوب التعليم هذا، فإذا لم يكن الطفل مهيأ عضليا ونفسيا لذلك فلن يتعلمها.
ومع ذلك إذا لم يكن الطفل مستعدا للتعليم الآن فلا يعني هذا أن نتوقف عن المساعدة. وكمثال فإذا لم يكن الطفل قادرا على اللبس بنفسه فلنجرب خلع الملابس أولا فهي أسهل، ثم نستخدم بعد ذلك فكرة تقليل المساعدة فنقوم بخلع كل ملابسه ونرفع فانلته إلى أعلى رأسه ونتركه أيضا ليخلع قميصه ثم نخرج يدا واحدة ونتركه يخرج الأخرى ثم يخلع القميص. وباستمرار هذه الخطوات البسيطة يمكن تعلمه كيف يخلع قميصه، بنطلونه، شرابه، حذاءه، ويضعها في المكان المخصص لذلك، وفي كل مراحل زيادة القدرة فإن الطفل يجب تشجيعه عند عمل الصواب "حتى إذا تم ذلك بمساعدتك" وإذا حدث وأخطأ مرتين فلا بد من زيادة حجم المساعدة.
стр. 244
ثالثا: تقسيم طريق الوصول إلى الهدف
المقصود هنا ببساطة تجزئة الهدف إلى خطوات صغيرة، وتعلم الطفل خطوة واحدة كل مدة زمنية فمن المستحيل أن نبلغ هذا الهدف مرة واحدة، فكتابة الحرف "هـ" وإيجاد مكان الحديقة، ومعرفة رقم التليفون أو العنوان "ومهارات أخرى كثيرة" يمكن تعليمها إذا تمت تجزئتها والتعامل مع كل جزء على حدة، فمثلا لتعلم ربط رباط الحذاء يمكن أن تعمل الرباط كله إلا الجزء الأخير نتركه للطفل كي يحزم العقدة، ومرحليا أجعله يضع دائرة تحت الثانية ثم يخبرنا، وبعد ذلك أجعله يلف الدائرتين بنفسه ثم يضع واحدة تحت الأخرى ثم يشد وهكذا وبنفس الطريقة يمكن تعليم كتابه حرف "A" فيمكن أن يرسم كله عدا الخط الأوسط نتركه له
стр. 245
ليرسمه فإذا تحقق ذلك نترك خطين لكي يرسمهمها بنفسه وهكذا. أو نستبدل هذا بأن نرسم الحرف بالنقط مع تقليل عدد النقط بالتدريج حتى يرسمه بدون أى نقط.
ولتعليم الطفل كيفية الذهاب للحديقة أو المدرسة أو لبيت أحد أصدقائهن نسير معه في الطريق عدة مرات ونسأله أي طريق نسلك عندما يكون هناك عمارة واحدة فقط قبل المكان، ثم نتوقف قبل المكان بعمارتين ونسأل ثم ثلاثة ونسأل عند كل عمارة فإذا أخطأ في أي مكان ندله طبعا على الطريق الصحيح بعد ذلك نسأله عند نفس المكان في أيام أخرى فسيكون قد تدرب بالطبع على الطريق الصحيح وهكذا نزيد إلى أربع عمارات تدريجيا حتى ينتهي الطريق.
стр. 246
رابعا: حب الأطفال لاهتمام وانتباه الوالدين
إن المتعة الرئيسية للأطفال بين ٦ أشهر و٦ سنين هي جذب انتباه والديهم ويفعل الأطفال أي شيء للحصول على اهتمام الوالدين، وقد يتوسل الأطفال قائلين: من فضلك يا بابا هيا نلعب أو بتخبئه الألعاب، الطعام، أو إخفاء الحذاء الذي قد تبحث عنه الأم وقد يغفو إلى حضنك ويمطرك بوابل من القبلات.
وقد يصرخ ويغضب ويجذبك إلى غرفة اللعب لكي يحظى باهتمام شخص له. وقد يحاول الأطفال أن يقولوا أي شيء وكل شيء بابتداء من "أنا حزين جدا" إلى أن يصل إلى الاقتراحات مثل القيام بالألعاب المفضلة لك بقوله "هيا نلعب شطرنج" وبكثير من الطرق ... إنه وقت جميل جدا يعتمد الأطفال علينا فيه ولا يخفون عنا ذلك، وعلى هذا فإن حبنا واهتمامنا ومساعدتنا لأطفالنا من السهل تحقيقها لأن الأطفال دائما وأبدا يطلبون حبنا ورعايتنا، إنك سوف تحب هذه الفترة "عادة" أنك سوف تشعر بارتياح تجاه هذا الطفل عموما فإن الأطفال سيفعلون كل ما في وسعهم لكي يحصلوا على مزيد من الاهتمام والرعاية.
إنهم يحبون هذا الاهتمام جدا، ولهذا عندما تكون الطفلة قربة وتسأل عنا لكي نرعاها فإذا بنا نذهب إليها بسرعة شديدة، فماذا سوف تفعل عندما تكون وحيدة وتحتاج إلى جليس، سوف تصرخ بالطبع ويزداد صراخها ارتفاعا إذا لم نذهب إليها مسرعين في الوقت المناسب، وأخيرا ربما تقوم بالدبدبة بقدميها وإلقاء اللعب إذا تهاونا ولم نذهب.
وعلى الجانب الآخر إذا لاحظت طفلك قوم بمشاركة طفل آخر نفس اللعبة وذهبت إليه وقلت له "هشام إني فخور بك جدا لقد سمحت لصديقك أن يشاركك في اللعب بلعبتك وهذا ما يفعله الكبار" ومنذ ذلك سيرغب دائما في أن يشاركه أحد أثناء لعبه "وقد يعرض دائما على أصدقائه مشاركته اللعب" وبعد فترة فإنه باستمرار يمدح الأشياء الخاصة التي يفعلها. إنك سوف تجعلنه يأتي إليك مسرعا في المطبخ ويقول: انظري أمي لقد سمحت ليسرا بمشاركتي في ألعابي، إنه بدأ بتخزين هذا في داخله ويتعلم أن هذا الفعل جيد وصحيح ويستحق عليه الثناء.
стр. 247
ومع ذلك لا بد من ملاحظة مدى أهمية المرح والثناء في أن الطفل لا يستطيع أن يفرق بين العادة السيئة والعادة الصحيحة إلا إذا حظي باهتمام منا.
إنها أساليب سوف تقوى وتعضد في أي نوع من السلوكيات الإنسانية المرغوبة، إن الآباء الجيدين يمرون عما نحن بصدده الآن من المرح والاهتمام إلى الأشياء الجيدة التي يفعلها الأطفال، بينما يتأكدون لعدم مجاوزتهم للحد الأدنى من المدح والاهتمام عندما يتصرف الأطفال تصرفات غير مقبولة وغير مألوفة على الإطلاق. بعض الآباء لديهم فتور لإظهار مشاعرهم ونادرا ما يستخدمون الثناء لأي شخص، ولا بد من تشجيعهم ليمارسوا المدح عندما يكونون مع الطفل، إنه لشيء جميل أن يأتي المدح بثماره "بأن يقوم الطفل بدوره بالسؤال عنك أكثر ... ويسمع لك أكثر وينادي عليك أكثر" هؤلاء الآباء طبيعيا سوف يجدون أنفسهم سريعا يستخدمون الثناء والاهتمام في كل مكان وبطرق متعددة وجديدة في كل المجالات المختلفة المتعلقة بالطفل.
عندما يستخدم الثناء بكثرة نجد مشاكل سلوكية أقل، وعلى سبيل المثال، المشاجرات، التخريب ... إلخ، إن من السهل عندما يكون البيت مملوءا بالحب والدفء أن يكون غياب هذا الحب والمدح مضايقا للإنسان بدرجة كبيرة، إنه يصبح أكثر سهولة لكي نتعامل مع غضب الأطفال وأخطائهم، لأن إظهار عدم الرضا والتوقف أثناء اللعب أو أثناء المحادثة، بغير الدفء المحسوس في عيني الأب والحنان المنبعث في صوت وشكل الأم.
وليس من معادل للحب والرعاية التي اعتاد الأطفال أن يحصلوا عليها. وسوف يتوقف الطفل بسرعة لفعل الأشياء التي تؤدي إلى عدم رضاك أو عدم إظهارك للحب. وباختصار فإن السخاء غالبا في استخدام الثناء والاهتمام يجعل طلباتك ورغباتك أكثر تأثيرا ويبعد بنا عن اللجوء للعقاب إلى حد كبير.
إن أهمية الثناء وغيره يؤدي إلى التأكد عليها فإنها تجعل التعلم متعة، وبدونه سيكون هناك حافز ضعيف للطفل كي يتعلم ما نود أن نعلمه إياه، وبه يشعر الطفل بالراحة والأمان تجاه ما يحب أن يفعله فيستمتع بالتعليم ويحاول ذلك بجدية فيتحول العمل إلى متعة إذا شاركناه في العمل "الاهتمام" بدلا من مجرد التوجيه بالكلام "أو الانتظار أن يفعل ذلك بنفسه". إن بعض الآباء لا يأخذون الوقت الكافي في المشاركة والاهتمام والتشجيع لأطفالهم وملاحظة مجهوداتهم، وكل تقدم يتم إحرازه، والنتيجة أن الطفل لن يشارك ولن يتقدم.
стр. 248
خامسا: استخدام التغذية الراجعة FEEDBACK
التغذية الراجعة هي خطوة أساسية في التعلم. إن التغذية الراجعة يستدل الطفل منها على أن ما يفعله صحيح، أو يمكن أن يكون أصح، والتغذية الراجحة تعني أننا نقوم بعمل تقييم شامل وتصحيح لسلوك الطفل إذا احتاج الأمر، فإذا كان سليما نقول للطفل: "ما فيش مانع، هذا صحيح، استمر" وإذا لم يكن سليما تماما فإننا نقول: "تقريبا هذا جيد، ولكننا نرجح الأفضل لقد اقتربت ولكن دعنا نحاول مرة أخرى".
والتغذية الراجعة يجب أن تكون على علاقة بالسلوك سليم أو غير سليم، فالأمر ليس تعليقا أو نقدا للطفل ولكن لسلوكه، فإننا نقول إن السلوك كان خطأ ولا نقول أن الطفل كان خطأ. إذا فإننا نركز على السلوك لسببين: الأول أنه يمكن تحسين السلوك والتغذية الراجعة، والثناء سوف يساعدنا على، والسبب الثاني أننا لا نريد أن نعطي انطباعا للطفل أنه سيئ وغبي وما شابه ذلك. إن السلوك هذا يمكن أن يكون سليما أو غير سليم لكننا لا نريد لسلوك غير صحيح متعلق بجانب واحد أن يلقي بظلال قاتم على بقية سلوكيات الطفل. والتغذية الراجعة دائما مفيدة وخاصة إذا كان الطفل عنده بعض المشاكل إذا كان مثلا لس لطيفا مع أصدقائه فإن التغذية الراجعة تكون على كثير من الأشياء السليمة وغير السليمة التي يفعلها. فيقول الأب: "أنا أعجبت بالطريقة التي اختبأت بها وأنت تلعب الاستغماية" أعتقد أن طارق بكى لأنك دفعته بشدة لذلك دعنا نذهب معا للاعتذار". وبمقدار تقدم الطفل في مهارة أو في سلوك معين كالرياضة أو الأناقة يتطلب ذلك التقليل من التغذية الراجعة، فإنها تكون مفيدة عندما يبدأ الطفل في تعلم شيء جديد أو تعلم شيء لا يجب أن يفعله "مثل الغضب أو العدوانية". وعندما يكون الطفل في مرحلة التعلم فإن التغذية الراجعة سوف تعوده إلى أسرع
طريقة لذلك وفي نفس الوقت فإنه سوف يقلل من التعقد عندما لا يتكرر نفس الخطأ مرأت عديدة، وأخيرا فإن التغذية الراجعة يجب أن تكون مقرونة بالثناء. وعندما يتحسن أداء الطفل.
إنه ليس كافيا أن تقول: "لقد فعلت ذلك بطريقة سليمة" إنه لقول جاف أليس كذلك؟ إنه يمكن أن يفعل ذلك بصورة صحيحة ولكن لن يفعله مرة ثانية ولكن إذا أضفنا الثناء "لقد فعلت ذلك عن جدارة إن هذا رائع" فإن هذا سيحثه فعلا على المزيد وسيشعر بتحسن ويحاول بجدية أكثر، لذلك ستكون هناك متعة أكثر في الأداء.
стр. 249
سادسا: ماذا يخبرنا الطفل بخصوص مشكلاته
إن معظم ما يفعله الطفل -سيئ أو جيد- هو الاتصال وتبليغك بشيء ما لذلك يجب أن تصغى إلى ما يخبره الطفل ومن الضروري أن تفهم لماذا يتصرف الطفل هكذا ونحاول تعليمه الطرق الصحيحة لما يريد أن يفعله.
هناك أسباب عديدة للتصرفات السيئة، ولكن سببين فقط يجب أن تنظر لهما نظرة خاصة "وقد نوقشت بقية الأسباب من قبل".
أولا: أن الطفل سيحاول بشتى الطرق ليجد طريقة، وهذا لا يعني أنه يندس فيما لا يعنيه وإنما يحاول أن يتعلم طبيعة الأشياء وكيفية الحصول عليها. فكل ما يحتاجه في ذلك الوقت هو الاهتمام، وأن يجلس أحد بجانبه ليلعب معه أو يجلس بجانبه ويمسك بيده عندما يشاهد التلفزيون أو يذهب للنوم. إن الأطفال في الحقيقة سوف يتحكمون برغباتهم في كثير من أوقاتنا مع زيادة الاهتمام بهم في كل لحظة، ففي بعض الأوقات يمكن أن نفعل أشياء معهم أو قد لا يكون عندنا الوقت أو الجهد لذلك، وإذا أقدم الطفل على عمل شيء جديد بطريقته، فإنه يمكن أن يصرخ أو يبكي أو يضرب أي شيء إذا لم يحصل على ما يريد وبنفس السرعة التي يريدها، فإنه يمكن أن يلقي بالزهرية أو يكسر اللعبة أو يقذف الطعام أو الحذاء ولا يعلم أن هذه الزهرية قيمة وإنك قد تفضل أن يكسر شيئا أرخص، أو يقفز عليك ويمسك برأسك أو يضع أصبعه في أذانك أو أنفك أو فمك إذا تجرأت وكنت مشغولا عنه.
стр. 250
إنه عادة من السهل أن تعرف ماذا يريد الطفل إذا أخذت الوقت اللازم لملاحظته والاستماع إليه، فإنه سيقوم هو بذلك فمثلا يقول: "دعنا نلعب" ويأخذك إلى اللعب وسيضحك عندما تشاركه اللعب.
إنه سوف يساعدك على فهم ما يقصده وستكون رسالته لذلك، "الابتسام أو الصراخ أو الرفس ... إلخ" واضحة جدا.
المشكلة هنا أنه كلما ازداد تطرف السلوك يزداد معه مقدار الاهتمام والرعاية، فمن الصعب عدم ملاحظته "وخلال السنتين الأوليين تكون في منتهى الحرص" فالطفل تعلم أن يبكى أو يصرخ ليحصل على الخدمات وبسرعة ويتعلم أن هناك طرقا أكثر تأثيرا "الغضب، العدوانية، الاحتجاج ... إلخ" لجذب الانتباه.
ثانيا: للأطفال أن يتجنبوا عمل شيء لا يرغبون في عمله مثل الذهاب للنوم، ارتداء الملابس، أخذ الدواء، الأكل وهم يلعبون، فستكون المحاولة ببعض من سوء السلوك للابتعاد عن ذلك. أو أكثر من ذلك فيتظاهرون بعدم وجودهم أو يختبئون أو مجرد أن يديروا رءوسهم بحيث إنك لا تستطيع أن ترى الطفل وعيناك إلى عينيه عندما تريد أن تحدثه إنه لشيء مهم فهم رغبات الطفل لأن الأسباب لهذا السلوك سوف تحدد كيفية التعامل، وعامة إذا فهمنا لماذا يفعل الطفل ذلك فإننا يمكن أن نتوقع أسوأ السلوك الذي سوف ينتهي إليه، ويمكن أن نعلمه السلوك الصحيح. لكننا نفعل هذا فقط إذا شعرنا بما يريده.
إذا كان الطفل يريد الاهتمام أو الانتباه فيجب أن نكون حريصين على ألا نبدأ اللعب أو المناقشة أو احتضانه إذا تصرف بسوء سلوك ليحصل عليه، وإذا كان يحاول تجنب شيء؛ ارتداء الجاكيت أو الجزمة، الذهاب إلى النوم فإنه سيكون من الخطأ أن نهمله لأن الإهمال يولد الغضب "فسوف لا يذهب إلى النوم أو لن يرتدي الجاكيت". إذا كنا لا نعلم ما يريده الطفل فسوف لا نعرف ماذا يمكن أن نفعل حيال سوء سلوكه سواء أن نهمله وأن نهتم به، وأكثر من ذلك أننا لا يمكن أن نعلمه الطريقة الصحيحة للتعامل مع الموقف إذا كنا نعرف ما يريد الطفل مثل الطريقة الصحيحة لكي نجذب انتباهه أو أن يكون بها صداقات.
следующие страницы →