Полный текст (22 276 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.
стр. 1086
٤- وعليه فإن المؤسسات المالية تبدأ مشوار بناء الوجاهة هذه بمشوار صعب تخضع فيه لكل أنواع الابتلاء من قبل الأفراد والمؤسسات. ويكلفها ذلك الكثير من المال والجهد والخسارة. ولكنها تتحمل ذلك من أجل بناء اسم في المحيط المحلي والخارجي، لأنه متى ما بنيت هذه السمعة وحافظت عليها فستجد كثيرًا من التسهيلات، فمثلًا بدأ بنك التضامن في علاقته بالمراسلين الأجانب وفي تجارة الاستيراد بخصم قيمة كل الاعتماد المطلوب من حساب أو على الأقل حجزه في حساب مقابل تعزيز هذا الاعتماد للجهة المصدرة. في حين أن المؤسسات الأخرى التي سبقت وبنت سمعة تستطيع أن تجد تسهيلات بما يعادل ١٠ % فقط من قيمة الاعتماد وهكذا. ليس ذلك فحسب بل أن البنك كان يخصم من حسابه كل قيمة الاعتماد حتى ولو اشترى التاجر البضاعة موضوع الاعتماد بتسهيلات صغر أو كبر مداها. ولقد جمّد بنك التضامن في هذه الفترة الأولى كثيرًا من أمواله التي كان يمكن أن يستغلها لصالح البنك. ولكن الوجاهة لا تأتى بلا ثمن وهذا ثمن هذه السمعة. حتى إذا ما اجتاز البنك هذه المرحلة بنجاح والحمد لله فإنه الآن محل ثقة كثير من المراسلين والكثير منهم يخطب التعامل معه بناء على الشروط السهلة التي تناسب الورقة. فهذا مثال واحد نوضح به أن البنوك التي تقدم ضمانا لطلابها لم تصل لهذه الدرجة بدون عمل وجهد وإنفاق. وأن المحافظة على السمعة التي وجدتها تحتاج إلى جهد لا يقل عن الجهد الذي حصلت به على هذه الوجاهة. فإذا قيّمت ذلك العمل المحترم بمال وأخذت عليه أجرا فإنما تأخذ على عمل مقوّم ومحترم ومشروع.
стр. 1087
وهي في نفس الوقت الذي تقدم فيه خطاب الضمان المزين الذي يطلبه، إنما تقدم له خدمة مقدرة ومحترمة ويستطيع من خلال استخدامه لضمان البنك أن يتجاوز ذلك بجهده الخاص حتى يبني هو سمعته ويكون محل ثقة الجهات التي يتعامل معها، ولا يحتاج بعد ذلك إلى ضمان الآخرين. وهكذا تمضي الدورة. فكما بنى البنك هذه الثقة لبنة لبنة وكما دفع فيها ما غلا من الثمن مالا وزمنا كذلك يستطيع الفرد أن ينهج نفس النهج فيبني جاهه ولذلك ثمنه. ويكون الأجر الذي يدفعه للبنك الضامن جزءا من ذلك الثمن ويكون الوفاء بإلتزاماته في وقتها وبشروطها هو جزء آخر.
ومع قولنا أن الضمان يكون نتاج عمل مقوم ومحترم إلا أنه في ذاته يحتاج إلى عمل مادي من قبل الجهة المعطية للضمان كدراسة أحوال العميل ومعرفة مركزه المالي ودرجة التزامه ودراسة المشروع موضوع التمويل ومدى جدواه الإقتصادية والإجتماعية، ولكنا لا نقول كما قال المتقدمون: أن له أجر المثل في هذه الدراسات فحسب، وإنما له أخذ الأجر على عطية الضمان ككل ما كان منها عملا ماديًا وما كان منها جاها.
٥- ومما يدل على مالية الجاه اشتراط كثير من الفقهاء في الضامن أن يكون مليًا. إذن فالمقصود من الضمان ليس هو جاه أو مجرد ذمة الضامن وإنما جاهه المبني على سمعته المالية وذمته القادرة على الوفاء. وما دام المقصود هو ملاءته وما الجاه والثقة إلا مظهر من مظاهرها فلا معنى لأن يقول البعض إنه يجوز الأجر على الجاه إذا كان ثمة عمل كسعي ونفقة وغيره. أما إذا لم يكن شيء من ذلك فلا أجر على الجاه علمًا بأن الجاه لا يكون إلا منفعة من منافع العمل. ولعل الذي صرف الفقهاء عن اعتباره هو أن الخدمة المؤداة عن طريق الضمان وإن كانت خدمة جليلة ومحترمة تفوق في جلالها وقيمتها كثيرًا من القيم الأخرى المادية إلا أنها تبدو وكأنها خدمة ناتجة عن عمل غير مادي بل ناتجة عن منفعة عمل مادي. ولأنها منفعة فقد دقت على الفقهاء فيما مضى. غير أن المنافع والحقوق قد أصبحت اليوم من الوضوح والشخوص بحيث لا ينكرها أحد ولا تدق على فقيه كما كانت من قبل. ولقد مضى الزمن الذي لم تكن فيه المنافع مالا أو شيئا يقوم بالمال.
стр. 1088
الخلاصة:
نخلص من كل ذلك:
١- إلى أن دعوى أن التبرع والمعروف لا يجوز عليه العوض دعوى غير صحيحة. وأن ما ترتب عليها من أن الضمان تبرع ولذلك لا يجوز أخذ الأجر عليه نتيجة غير صحيحة هي الأخرى. فرغم أن الأصل في التبرع أن يكون مجانا وبلا عوض مادي إلا أنه إن شرط فيه العوض صح.
٢- وإلى أن الضمان ليس بقرض. ولذلك فلا يدخل تحت محظور المأثور: ((كل قرض جر منفعة فهو ربا)) . لما بينّا من أن الضمان استيثاق وأن الضامن غارم وأن قياس الضمان على القرض قياس مع الفارق. إذ ليس هناك منافاة بين الأجر والضمان ولا بين الأجر والغرم فقد يأخذ الأجير أجره والمضارب ربح عمله مع أنه قد يغرم ويضمن في بعض الحالات نتيجة تقصيره مثلًا. فإذا قصّر الأجير وترتّب على ذلك اعتداء طرف ثالث على أدوات عمله فهو غارم للمؤجر وضامن لقيمة هذه الأدوات وله في نفس الوقت الرجوع على المعتدى بالقيمة. ولا يؤثر ذلك في استحقاقه لأجرته ولا يحرمها.
٣- إذا انتفت الأسباب والعلل التي بنى عليها الفقهاء تحريم أخذ العوض في الضمان فالنتيجة الطبيعية أن يكون العوض في الضمان جائزًا إذا ما اشترط، إلا إذا أدى ذلك إلى محظور آخر. وفي تقديرنا أنه لا يوجد محظور. فالضمان عمل محترم يكلف الضامن مسئولية ويلقى عليه عبئا ويفيد المضمون فائدة كبيرة تفوق فائدته من دراسة جدوى المشروع من نواحيه الإقتصادية والفنية. ولذلك ينبغي أن يكون عملًا يمكن تقويمه بالمال ويمكن أخذ الأجر عليه بحسب اتفاق الأطراف المتعاقدة.
٤- وقولنا بجواز أخذ العوض على الضمان ليس قولا بإخراج الضمان من عقود التبرعات. بل نفضل أن يكون الضمان تبرعًا في عمومه وأن يجري بين الناس كواحد من عوامل التكافل الذي يقدم فيه الإنسان ضمانًا لأخيه الإنسان لوجه الله. وذلك مما يزيد من عرى الإخوة، بحيث يكون من ضمن عوض الإنسان هو أن هذا الآخر أو غيره سيضمنه إذا ما احتاج إليه. ولكن هذا لا يمنع من أن تؤدي المؤسسات المالية مثل هذه الخدمة تبرعًا وبعوض أن اختارت ذلك وقبل الطرف المتعامل معها: والله ولى التوفيق
стр. 1089
من تقرير حول ندوة "البركة"
الثانية التي انعقدت بتونس
من ١١-١٤ صفر ١٤٠٥هـ
١- مداولات الجلسة العامة:
دار النقاش أولًا حول توصيف خطاب الضمان هل هو كفالة أولًا. رأي البعض أن خطاب الضمان غير الكفالة لأن الكفيل يحل محل المكفول في الوفاء بالتزاماته بينما البنك الذي يقدم خطاب الضمان إلى مقاول مثلا لا يطلب منه أن يقوم بالأعمال المطلوبة من المقاول.
ورد آخرون بأن الكفالة يمكن أن تكون محدودة ولا يشترط أن يحل الضامن محل المكفول في كل أعماله.
ثم نوقشت مسألة استحقاق البنك مقدم خطاب الضمان لأجر. فأكد البعض ما سبق أن قيل (٤-ب) من أن الضمان أخذ في عصرنا هذا صورا تختلف عما عرفه الفقهاء حينما وصفوه بأنه عقد تبرع. لذلك لا يرى هؤلاء مانعًا من أخذ البنك الإسلامي أجرًا عند تقديم خطاب الضمان.
وقال آخرون بأن خطاب الضمان كفالة وهي تبرع وكون العميل هو الذي لا يخرجها عن طبيعتها تلك. وقالوا إنه يجوز للبنك أخذ أجر شريطة أن لا يزيد عن التكلفة الحقيقية للخدمات المقدمة. أما مسألة الغطاء في خطاب الضمان فقد قيل أن البنك الذي يصدر خطاب ضمان غير مغطى يعتبر كفيلًا. أما إذا كان خطاب الضمان مغطى بالكامل فإن البنك له صفتان: هو وكيل بالنسبة للعميل طالب الضمان، وهو كفيل في علاقته مع الطرف الثالث المستفيد من خطاب الضمان. ويصح أخذ أجره في حالة التغطية لكون البنك وكيلًا.
стр. 1090
٢- السؤالان المقدمان إلى لجنة العلماء.
السؤال الثامن:
هل يجوز للبنك الإسلامي أخذ عوض مقابل عمله المتمثل في إصدار خطاب الضمان المصرفي إما على أساس الأجر باعتبار أن هذا العمل توكيل مطلق لدفع مبلغ معين أو على أساس الوجاهة نظرًا لما يتمتع به البنك من ملاءة.
الفتوى:
تبين بعد المداولة في السؤال أن موضوع خطاب الضمان المصرفي يحتاج إلى مزيد من البحث ودراسة الواقع الذي يجري عليه العمل في البنوك الإسلامية.
السؤال الثاني عشر:
هل يجوز للبنك الإسلامي الذي دفع له مبلغ نقدي لخطاب الضمان أن يستثمره بموافقة المودع مضاربة بنفس الشروط التي يستثمر بها للمودعين.
الفتوى:
يجوز للبنك الإسلامي أن يستثمر بالمضاربة المبلغ المودع لديه غطاء لخطاب الضمان الذي يصدره بنفس الشروط التي يستثمر بها للمودعين.
стр. 1091
ندوة البركة الثالثة للاقتصَاد الإسلامي
المنعقدة باسطنبول
الفتوى في المسألة الأولى
أولًا – موضوع المسألة: خطاب الضمان المصرفي:
١- خطاب الضمان المصرفي ومدى جواز أخذ الجر عليه.
٢- هل خطاب الضمان المصرفي كفالة بمفهومها الفقهي ضم ذمة إلى ذمة في المطالبة أم أنها توكيل بأداء مبلغ معين من النقود ضمن مدة محددة.
٣- إذا كان خطاب الضمان المصرفي كفالة وهو من أعمال التبرع فهل تنقلب أعمال التبرع إلى أعمال تؤدي بالأجر كما أفتى المفتون بذلك عن أعمال الطاعات مثل تعليم القرآن وإمامة الصلاة.
٤- إذا كان خطاب الضمان المصرفي وكالة فهل يجوز للوكيل أخذ الأجر نسبيًا بمقدار القيمة كما هو الحال في السمسار والمحامي.
ثانيًا – الأوراق التي نظرتها اللجنة وناقشتها:
١- البحث المقدم من الدكتور سامى حسن حمود.
٢- الرأي المكتوب المقدم من فضيلة الشيخ زكريا البري.
стр. 1092
ثالثًا – الفتوى في المسألة:
١- خطاب الضمان:
(أ) إن جواز إصدار خطابات الضمان مشروط بأن يكون مرتبطًا بمشروعية الموضوع الذي يطلب خطاب الضمان لأجله.٠
(ب) أن خطاب الضمان المصرفي إذا كان بدون غطاء نقدي كامل فهو كفالة ويخضع لأحكامها. وإذا قدم له غطاء نقدي كامل لدى البنك فهو وكالة بالنسبة للشخص المكفول، أما بالنسبة للجهة المكفول لها فإن خطاب الضمان حينئذ كفالة.
(جـ) يجوز للبنك في جميع الأحوال أن يأخذ أجرًا على خطاب الضمان بمقدار ما يبذله من جهد وعمل إجرائي دون أن يربط الأجر بنسبة المبلغ الذي يصدر به خطاب الضمان.
(د) أما أخذ الأجر على خطاب الضمان غير المغطى بنسبة مبلغ الضمان، كما هو معمول به في البنوك فقد رات اللجنة (باغلبية الآراء) انه يحتاج إلى مزيد من الدراسة والتمحيص والإطلاع على النماذج المستعملة في مختلف الحالات والتي طلب من المختصين في البنوك تقديمها للنظر فيها، وخاصة أن موضوع خطاب الضمان المصرفي مطروح للبحث لدى مجمع الفقه الإسلامي في جدة ومدرج في جدول أعماله للدورة القادمة.
نقطة إيضاح من المقرر:
نظرًا لما قرره الأساتذة العلماء من ناحية تأجيل النظر في مسألة الأجر على خطاب الضمان غير المغطى وطلبهم تقديم البحث الذي اعده المقرر للنظر فيه أيضا من مجمع البحوث الإسلامية، فإن المقرر سيعمل على توسيع البحث المقدم وتقديم اسانيد إضافية لما يراه في خطاب الضمان من حيث تكييفه ومدى جواز أخذ الأجر عليه.
стр. 1093
العرَض وَالمناقشَة
١٤ /٤ /١٤٠٦ = ٢٦ /١٢ / ١٩٨٥
الساعة ١٨.١٠ – ٢٠.٥٠
الرئيس:
بسم الله الرحمن الرحيم، به تعالى نبدأ، وبه نستعين وعليه نتوكل بعد حمد الله تعالى والثناء عليه بما هو أهله، ونصلي ونسلم على خاتم أنبيائه ورسله، أما بعد، فبين ايديكم بحوث ودراسات بشأن خطاب الضمان، وهذه البحوث بما أنها متعددة وكثيرة، فسنكتفي ببعض منها لأن المراد هو استكمال التصور وتبادل وجهات النظر ثم بعد ذلك تجرى المداولة بشأن ما تسمعون من ملخصات. وأرجو من أصحاب الفضيلة أصحاب البحوث الذين ستطلب منهم ملخصات، ألا تتجاوز كلماتهم خمس عشرة دقيقة على الأكثر، وارجو من الشيخ عبد الستار أن يتفضل.
الشيخ عبد الستار أبو غدة:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن والاه. اللهم أهدنا إلى ما اختلف فيه من الحق بإذنك.
خطاب الضمان من أهم أساليب التعامل المصرفي رغم أنه وسيلة ائتمان ويعتبر أيضا خدمة من الخدمات المصرفية، وهو عبارة عن استعداد للأداء عند الطلب، فهو في المئال تنفيذ للالتزام الذي ترتب في ذمة المكفول. ومن هنا يتبين أن خطاب الضمان فيه ضم ذمة إلى ذمة، ولا داعي للإطالة في تعاريفه وتصوراته فإنه اصبح معروفًا وسوف يتولى الآخرون الإشارة إلى تلك الصور. وحصيلة خطاب الضمان: أنه صك يتعهد بمقتضاه البنك المصدر له بان يدفع مبلغًا معينًا لحساب طرف ثالث لغرض معين. وقد يقال لماذا استخدمت كلمة صك هنا، مع أن المعروف في الشريعة الإسلامية أن العقود تتم بالإيجاب والقبول ولو شفاها، بدون كتابة، والحقيقة أن الإبقاء على كلمة صك هنا لوجود كلمة خطاب في الضمان، فإذا عرفنا خطاب الضمان فنحن مضطرون إلى أن نستخدم كلمة (صك) مع الاعتراف والتقرير بان الضمان يتم بمجرد إلتقاء الإرادتين الإيجاب والقبول ولو لم يكن مدونًا لأن الكتابة في نظر الشريعة عبارة عن توثيق وليست إنشاء للعقد. هذا هو النظر الفقهي، أما النظر القانوني فيختلف، فكثير من التصرفات تعتبر الكتابة والتوثيق فيها عنصرًا أساسيًا ومقومًا ضروريًا لنشوئها.
стр. 1094
خطابات الضمان، أو فكرة الضمان، إما أن تكون ضمن معاملة أخرى مثل الضمان الذي يكون في الإعتماد المستندي، وإما أن يكون ضمانًا مستقلًا وهو الذي ينصرف إليه مدلول عبارة خطاب الضمان. إذا كان الضمان جزءًا من معاملة مصرفية أخرى، كالاعتمادات المستندية فلا إشكال في الأجر الذي يتقاضى على تلك العملية، لأن هناك أعمالًا عديدة يقوم بها المصرف منها الوكالة، ومنها التبليغ، ومنها المهمات الكثيرة التي يقوم بها لصالح طالب الاعتماد. ولذلك يعتبر الضمان تبعًا ولا يكون مفردًا بالذكر ولا مخصوصًا بالأجر. إنما تثور المشكلة إذا كان هناك خطاب ضمان مستقل وليس ضمن معاملة مصرفية متكاملة. كثير من الباحثين حاول أن يلتمس في معاملة خطاب الضمان عن عمل ينصب عليه هذا الأجر لكي تكون هناك معاوضة أجر لقاء عمل وليس أجرًا لقاء كفالة محضة. وهذه المحاولة حاولت أن أتحراها أو أتقصى أمرها فاستعنت ببعض العاملين في هذا المجال، وطلبنا صورًا كثيرة من خطابات الضمان المستخدمة في الميدان، فلم نجد فيها إلا فكرة الكفالة وضم الذمة إلى ذمة المدين الأصلي، فليس هناك عمل متميز يصلح أن ينصب عليه الأجر.
стр. 1095
إذن خطاب الضمان عبارة عن كفالة محضة في شتى صوره ولو كانت هذه الكفالة أحيانًا تعتريها بعض القيود المعدلة للأصل المتبادر منها، كأن يكون من حق المكفول عنه أن يرجع على الكفيل بدون مطالبة الأصيل، وأحيانًا يرجع عليه ولو أدى الأصيل ما طلب منه لأنه ليس مطالبًا بالتثبيت والتحرى قصدًا لاستقرار التعامل، فهو يؤدي ما طلب منه ثم يرجع بما دفع. وقد يطالب أو يطلب دعوة جزائية على ذلك الذي أخذ البدل مع أن العميل الأصلي قد سقط والالتزام قد تحقق.
بعض الباحثين أراد أن يوجه خطاب الضمان وجهة أخرى فاعتبره وكالة ولا سيما إذا كان كفالة بالأمر، لأنه اعتبر هذا الأمر بمثابة توكيل والحقيقة أن الكفالة بالأمر لم تتغير فيها الحقيقة الشرعية وهي شغل ذمتين بحق واحد، ومعظم الكفالة التي تتم إنما بالأمر من المكفول عنه، وهذا الأمر لا يغير من الطبيعة الشرعية التي تقوم عليها الكفالة وإلا فنكون قد فرغنا الكفالة من محتواها ومن مضمونها لمجرد وجود هذا الأمر. الوكالة شيء والكفالة شيء آخر، الوكالة فيها التزام، أما الكفالة ففيها شغل ذمتين بحق واحد، كان الحق في ذمة الأصيل، فبوجود الكفالة انضمت ذمة أخرى إلى الذمة الأصلية لتوثيق هذا الحق.
إلا أن هناك صورة من خطاب الضمان وهي التي يكون فيها غطاء يعطي إلى الكفيل من المكفول عنه لكي يسد به الدين إذا طولب به. وهذا النوع من خطابات الضمان المغطاه أمكن تشخيصة وتكييفه إلى اعتبارين: فهو بين الدائن وبين المصدر لخطاب الضمان أو الضامن عبارة عن كفالة، لأن الدائن يشعر بأن ذمة هذا الكفيل قد شغلت بالدين الأصلي. وأما العلاقة بين الضامن وبين طالب الضمان وهو المكفول عنه، والذي قدم مقابلًا لهذا الضمان فإنه عبارة عن وكالة، لأنه أعطى مالًا وطلب من الضامن أن يدفع هذا المال عندما يطالب به. ولا يستنكر أن يكون للتصرف الواحد اعتباران، فهناك كثير من العقود تعتبر لازمة بالنسبة لطرف، وغير لازمة بالنسبة لطرف آخر ويكون لها اعتبار شرعي في مجال، واعتبار شرعي عندما تتغير المقتضيات والمضمون الذي تقوم عليه. فيما عدا هذه الصورة فإن خطاب الضمان يستقر أمره على أنه كفالة، سواء كان بطلب (كفالة بالأمر) أو بغير طلب. ولكن بعض الكتاب نظر في عبارات بعض الفقهاء وتصيد منها عبارة جاء فيها تشبيه الكفالة بالأمر بانها فيها وكالة وادعى أن كل كفالة بالأمر إنما هي وكالة لوجود هذا الأمر متغاضيًا أو متغافلًا عن أن هذا الأمر لم يغير من حقيقة الكفالة من انها فيها ضم ذمة إلى ذمة. والحقيقة أن هذا التشبيه إنما هو في النتيجة وليس في التكييف الشرعي، فالتكييف الشرعي بين الكفالة بالأمر وبين الوكالة مختلف كل الإختلاف.
стр. 1096
لننظر الآن في خطاب الضمان الذي هو في حقيقته كفالة، هل يمكن أن يتقاضى عليه جعل أو أجر؟ إذا كان هذا الأجر منصبًا على أداء هذه الخدمة كإصدار هذا الخطاب والعمل الكتابي الذي يتكلفه مصدر خطاب الضمان بعيدًا عن المدة التي يسري لها هذا الخطاب وعن المبلغ الذي يتعلق به الدين فإن هذا لا يعدو أن يكون خدمة مصرفية، فهو إجارة على عمل فعلًاولا إشكال في تجويزه، والبنوك الإسلامية كلها تزاول هذا العمل، ولا ترى فيه بأسًا لأنه خدمة لقاء أجر، فهو من باب الإجارة ومن باب الوكالة بأجر.
أما ترتيب الأجر على خطاب الضمان منسوبًا إلى مدته وإلى مبلغه فهو عبارة عن عوض على الكفالة، وقد عرف من نصوص الفقهاء وتطبيقاتهم وتصريحاتهم أن الكفالة لا تقبل العوض وإنها في حقيقتها من عقود التبرعات وهي من باب المروءات فلا يجوز أخذ العوض عنها. ولم يصرح هؤلاء الفقهاء بنص في الموضوع وإنما صرحوا بما هو في معنى النص، أو بما هو من الأولويات. فقد أشار ابن عابدين ومن قبله ابن قدامة في المغني، إلى أن تحريم العوض على كفالة لأن الكفالة في مآلها تتحول إلى قرض إذا طولب الكفيل بالأداء فأدى ورجع على مكفولة فإنه يطالبه بهذا القرض. وإذا كانت الشريعة قد منعت أخذ الجعل أو العوض على القرض الفعلي نفسه، فمن باب أولى أن تمنع أخذ العوض على الاستعداد للإقراض، لأن هذا أشد ظلما.
стр. 1097
فإذن الدليل على تحريم العوض على الكفالة مستمد من قواعد الشريعة واستقراء تطبيقاتها ونصوصها، فهو من تحقيق المناط ومن الأولويات التي تعتبر في مستوى النص والتصريح.
بعض الكتاب أراد أن يجعل من تبدل حال الكفالة وتغير ظروفها بين الماضي وبين الحاضر من أنها كانت في الماضي عملًا نادرًا وعملًا محدودًا، ولذلك لم يهتم الفقهاء بالتنصيص أو بالتصريح على جواز أخذ الجعل والأجر عليها، وأما في الوقت الحاضر فقد اصبحت عملًا مهما يتخصص له ناس وتعطيه وتولية البنوك حظًا من نشاطها، فإذن يتغير الحكم بهذا التطور، والحقيقة أن هذا لا يغير من واقع الأمر شيئًا، فالحكم الشرعي إذا لم يكن مرتبطًا بالعرف فإنه يبقى ثابتًا ولا يتغير بتغير هذا العرف. أما إذا كان الحكم الشرعي دائرًا على العرف ومرتبطًا به فحينئذ يدور معه.
والعرف في الشرع له اعتبار لذا عليه الحكم قد يدار إذا كان الحكم في اصله مرتبطًا بهذا العرف.
بعض الكتاب أيضا أراد أن يقيس أخذ الأجر على الكفالة بما أفتى به العلماء والفقهاء من جواز أخذ الأجر على فعل الواجبات والطاعات إذا قل التبرع والتطوع بها كمهمة الإمامة والقضاء وغير ذلك من المهام التي يعود نفعها على المسلمين والتي هي في الأصل فرض على الكفالة عليهم، فلما ضعفت همم الناس في الإلتزام بهذه الواجبات أفتى العلماء بجواز أخذ الأجر عليها فيقاس عليها أمر الكفالة لأن همم الناس قد تقاصرت على المبادرة إلى فعل الكفالة بدون مقابل. والحقيقة أن هذا قياس مع الفارق لأن الكفالة ليست من الواجبات ولا من فرائض الكفاية. وإنما هي من المباحات شأنها شأن معظم المعاملات المالية.
стр. 1098
وأخذ الأجر على تلك الواجبات والفروض الكفائية ليس في الحقيقة من باب الإجارة وإنما هو من باب الرزق والعطاء الذي يخصصه أولو الأمر من بيت المال لسداد هذه الثغرات وهذه المهمات التي يعود نفعها على المسلمين، فهي مشبهة بلإجارة لأنها توجد عند وجود العمل وتنقطع عند انقطاع الإنسان عن هذا العمل.
كذلك بعض الكتاب اراد أن يستخلص من عمل الكفالة أن فيه جهدًا في دعم المركز المالي للمكفول، فهو من قبيل الوجاهة ومن قبيل الشفاعة التي يتكلف فيها الإنسان جهدًا ومشقة. وقد جاءت بعض النقول الفقهية بأن الإنسان إذا قام بمهمة رفع ظلامة عن مظلوم وتجشم في سبيل ذلك بعمل ونقلة وسفر وارتحال له أن يأخذ عن هذا العمل ما يلاقيه من مقابل. والحقيقة أن هناك مفارقة كبيرة بين الوجاهة وبين هذا العمل وبين الكفالة لأن الكفالة عبارة عن ضم ذمة، أما ذلك الجهد الذي يبذله الإنسان فهو عمل وهو يستحق الأجر إذا كان فعلًا تكلف في ذلك مالًا ونفقة وعملًا.
بالإضافة إلى هذا كله فإن بقاء الكفالة على طبيعتها وحقيقتها من أنها عقد تبرع، يعتبر معلمًا من معالم الحياة الإجتماعية الإسلامية من أن هناك تكافلًا بين المسلمين وتعاضدا بينهم، فالذي يستطيع أن ينفع أخاه ينفعه كما قال رسول الله ﷺ في الحديث الصحيح ((من استطاع أن ينفع أخاه فلينفعه)) فلتبق هذه المعاملة على طبيعتها ولتكن شبيهة بطبيعة القرض من أنه مواساة، والكفالة أيضا استعداد للإقراض فهي من ذلك الباب.ولذلك هناك تشابه كبير بين ثلاث معاملات:
стр. 1099
الأولى: هي أخذ الفوائد الربوية باعتبارها أجرًا للقرض الفعلي.
والثانية: تقاضي اجور وجعل على خطابات الضمان باعتبارها أجرًا للاستعداد للقرض عند المطالبة بحق الكفالة.
والمعاملة الثالثة: هي أقساط التأمين التجاري التبادلي، باعتبار هذه الأقساط اجرًا على ضمان وكفالة، لكنها كفالة من نوع خاص، فهي كفالة تبرعية ليس فيها رجوع وهي كفالة على أمر مستقبل وهو من قبيل ضمان الدرك أو الكفالة بالدرك.
وجدير بالتعامل المشروع الواجب بين المسلمين، أفرادًا ومصارف تطهير اموالهم من هذا الثالثوث وتنقية مجتمعهم من مفاسده الظاهرة والخفية، والله ولي التوفيق.
الشيخ حسن عبد الله الأمين:
شكرًا سيدي الرئيس ... بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله سيدنا ومولانا محمد عبد الله ورسوله، وبعد،
لا أريد أن أثقل على المجلس وأن أكرر التعريف بخطاب الضمان وقد كفاني ذلك الأخ الدكتور عبد الستار أبو غدة، وإنما أريد أن أدخل في الموضوع من ناحية بيان أحوال خطاب الضمان ومحاولة تكييفه الشرعي.
فخطاب الضمان في وقتنا الحاضر يمثل موردًا كبيرًا من موارد البنوك والمصارف، وهو لذلك لا تستطيع البنوك الإسلامية أن تقف موقفا محايدًا عن تناوله، وهي لا تملك ذلك بحكم أن عملاءها يردون عليها بهذا الطلب كما يردون على البنوك الأخرى، وفي نفس الوقت الناحية المادية التي يمثلها كبيرة، في موارد المصارف، فهي تريد أن تعرف إلى أي حد يمكن لها أن تستفيد بهذا المورد، ومن هنا كانت أهمية الحديث عن هذا الموضوع وعن تكييفه الشرعي.
стр. 1100
أحوال خطاب الضمان كما أشار إلى ذلك زميلي الدكتور عبد الستار، هي أحوال يكون منها حال ما إذا كان خطاب الضمان له رصيد يغطيه أو يكون طالب خطاب الضمان من المصرف ليس له رصيد يغطي هذا الخطاب، وقد اشار الأخ الزميل إلى حالة ما إذا كان هناك غطاء، فهو في هذه الحالة يمثل الخطاب كفالة من جهة في العلاقة بين طالب خطاب الضمان وبين المصرف، ومن ناحية أخرى يكون كفالة بين الضامن وبين المكفول له. أما إذا كانت الحالة أن ليس هنالك غطاء، فهو كفالة يقوم بها المصرف عن طالب خطاب الضمان وعن المكفول له فما هو موقف الشرع من الأجرة على إصدار هذا الخطاب، وأبعد من ذلك على ما تعورف بين المصارف من أخذ مبالغ لا تقف عند حدود قيمة الإصدار التي بينها الزميل، مبالغ قد تكون يراعى فيها نسبة المبالغ المراد إصدار خطاب الضمان من أجلها. خطاب الضمان حينما يكون وكالة فإن الأجرة عليه جائزة ومشروعة، لأن الأجرة على الوكالة جائزة، قد تكون الوكالة بأجر وقد تكون بدون أجر. كما أن خطاب الضمان فيما يتعلق بقيمة العمليات الأولية المتعلقة بإصداره فقط فلا غبار عليها ولا خلاف بين الناظرين في هذا الأمر من إجازتها، إنما الأمر يتعلق بالأجرة على خطاب الضمان فيما يتعلق بالمبلغ المضمون والمبالغ التي تؤخذ عليه بنسبة هذا المبلغ ١ %، ٢ % أيا كانت هذه النسبة، هذا هو الموضوع، هذا هو بيت القصيد كما يقولون.
стр. 1101
خطاب الضمان حينما يكون بمعنى الكفالة فللفقهاء رأي محدد مدون في كتب الفقه واضح، ذلك أنهم يقررون أن الضمان تبرع وان التبرع لا يؤخذ عليه أجر، لماذا؟ لأنه من باب الواجب، الكفالة من باب الواجب، يعللون ذلك في بعض الأحيان، وأوردوا في ذلك هذه النصوص التي توضح هذا الاتجاه، منها قول الدسوقي في حاشية على الشرح الكبير للدردير قوله (وفي المعيار سئل أبو عبد الله القوري عن ثمة الجاه فأجاب بما نصه: اختلف علماؤنا في حكم الجاه، ذلك لأنهم يعتبرون الضمان نوعًا من الجاه، هذه جملة معترضة، أعود إلى قراءة النص من أوله – (وفي المعيار سئل عبد الله القوري عن ثمة الجاه فأجاب بما نصه: (اختلف علماؤنا في حكم الجاه، فمن قائل بالتحريم بإطلاق، ومن قائل بالكراهة بإطلاق، ومن قائل بالكراهة بإطلاق، ومن مفصل فيه. وأنه أن كان الجاه يحتاج إلى نفقة وتعب وسفر، فأخذ أجر مثله، فذلك جائز، وإلا حرم) قال أبو على المنياوي وهذا التفصيل هو الحق.
ومنها قال ابن عرفة: يجوز دفع الضيعة لذى الجاه، وللضرورة إن كان يحمي بسلاحه، فإن كان يحمي بجاهه فلا، لأنها ثمن الجاه، وبيان ذلك أن ثمن الجاه، إنما حرم لأنه من باب الأخذ على الواجب، ولا يجب على الإنسان أن يذهب مع كل أحد. التعليل هنا لأنه من باب الواجب، منع أخذ الأجر على الجاه لأن الجاه من باب الواجب.
ومن هذين النصين يتبين أن للمالكية –هؤلاء علماء المالكية الذين أنقل عنهم عدة أقوال عن ثمن الجاه، أحدهما بالتحريم مطلقًا، والثاني بالكراهة مطلقًا، والثالث فيه تفصيل: فإن احتاج الجاه إلى تعب ونفقة وسفر فيجوز أخذ الأجر أو أجر المثل عليه، وإن خلا من ذلك فلا يجوز. وعلى المالكية لعدم جواز الأجر على الجاه المجرد، بأن ذلك من باب أخذ الأجرة على الواجب.
стр. 1102
ويتفق مذهب الشافعية مع القول الثالث المفصل للمالكية عن الأجر على الضمان، قال ابن حجر الهيثمى (وكقول من حبس ظلما لمن يقدر على خلاصة وأن تعين عليه، على المعتمد: أن خلصتني فلك كذا، بشرط أن يكون في ذلك كلفة تقابل بأجرة عرفا. وعلق الشرواني على قوله: لمن يقدر عليه بقوله: أي بجاهه أو غيره، وقال تعقيبًا على لزوم أن يكون في ذلك كلفة وتعب: والمراد بالتعب، التعب بالنسبة لحال الفاعل.
ونجد ابن عابدين الحنفي في حاشيته يقرر على ما تنسب إليه فتاوى بنك فيصل الإسلامي السوداني، لم أقف على هذا النص أنا إنما أعزوه إلى هذا المصدر فتاوى بنك فيصل الإسلامي السوداني: أن عدم جواز الأجر على الضمان لأن الضامن مقرض للمضمون، فإذا شرط له الجعل مع ضمان المثل، فقد شرط له زيادة على ما أقرضه، وهو ربا.
وهنا نجد انفسنا أمام تعليل آخر وهو أن الضامن مقرض وشرط الجعل له الأجر على الضمان، زيادة على ما أقرض، وفيما عدا هذه التعليلات المختلفة لعدم جواز الأجر على الضمان فيما وقفنا عليه من أقوال الفقهاء لم نجد لهم دليلًا يعتمدون عليه من كتاب أو سنة، وإن كانوا يتفقون في ذلك اتفاقًا يشبه الإجماع.
ونعود إلى مناقشة هذه التعليلات للحكم الذي قرره الفقهاء لمنع الأجر على الضمان، ونبدأ بمسألة أن ثمن الجاه إنما هو من باب أخذ الأجرة على الواجب ونسأل: هل الجاه أو الكفالة أمر واجب على من يفعله ام أنه من أعمال التبرع؟ بداهة إنه ليس واجبًا إلا إذا تعين على شخص بعينه، وليس من هذا النوع الضمان المصرفي، إذ لا يتوقف على شخص معين أو حتى مصرف معين دون غيره. فقضية كون الضمان المصرفي من باب الواجب الذي لا يؤخذ عليه أجر غير واردة هنا.
стр. 1103
ثم أن قاعدة عدم أخذ الأجرة على الواجب لا نراها مطردة عند هؤلاء الفقهاء، فقد رأيناهم يجيزون أخذ الأجرة على قبول حفظ الوديعة وحفظها وإن تعينت على شخص ما، وهو من باب الواجب. جاء في مغني المحتاج للشربيني: وقضيته أن له أن يأخذ أجرة الحفظ أجرة الحرز. ومنعه الفاروقي وابن أبي عصرون، لأنه صار واجبًا عليه فأشبه سائر الواجبات، هذه هو النص والمعتمد الأول، كما هو ظاهر كلام الأصحاب. هذا هو نص الشربيني.
أفلا يصح أن يقاس الضمان على فرض أنه واجب على الوديعة الواجبة ويأخذ حكمها في جواز الأجرة عليه؟
فإذا انتقلنا إلى تعليل منع الأجرة على الضمان المنسوب لابن عابدين (من كون الضامن مقرضًا، فإذا شرط له الجعل مع ضمان المثل فقد شرط له زيادة على ما أقرض، وهذا ربا) . وجدنا أن هذا التعليل مقبول على وجه الاجمال ولكن عند التفصيل نجده لا ينطبق على خطاب الضمان الذي ينتهي بوفاء المضمون بتعهده دون حاجة إلى الضامن.
وتبقى بعد ذلك حالة واحدة يمكن أن ينطبق عليها تعليل ابن عابدين وهي حالة ماذا كان خطاب الضمان على المكشوف –غير مغطى- وتخلف المضمون عن الوفاء إلى أن قام به مصدر خطاب الضمان. ففي هذه الحالة فقط يصبح خطاب الضمان منطويًا على قرض والجعل فيه زيادة يجب منعها كما قال ابن عابدين.
وبناء على ما تقدم فيبدو لي أن خطاب الضمان يكون على الأوجه التالية:
١- خطاب الضمان المغطى وهو كفالة تجاه المضمون له، ووكالة تجاه المضمون والعبرة بالعلاقة مع المضمون في تكييف حكمه فهو إذن وكالة، والوكالة تجوز بأجر وبدون أجر، وعليه فأخذ الأجرة عليه في هذه الحالة جائز.
стр. 1104
٢- خطاب الضمان غير المغطى المكشوف الذي يقوم بالوفاء به المضمون نفسه دون الضامن مصدّر خطاب الضمان وهذا النوع هو كفالة وليس وكالة، كما أنه ليس فيه قرض لأن مصدّره لن يدفع شيئًا من المال للمضمون له. لقيام المضمون نفسه بالوفاء، وهو ليس من العمل الواجب القيام به لعدم تعيينه على شخص أو مصرف معين، لذلك فلا يدخل تحت قاعدة منع الأجر على أداء الواجب، فيصبح أخذ الأجر عليه على اساس انه عمل في تعامل رضائي. وعلى فرض أنه تعين وأصبح واجبًا على من تعين عليه القيام به، شخصًا أو مصرفًا فإنه يمكن قياسه على الوديعة الواجبة التي يجوز أخذ الأجرة على حفظها كما وضحنا، بحيث يصبح أخذ الأجرة عليه جائزًا لأن الضامن في هذه الحالة يبذل جهدًا كبيرًا في التحري وجمع المعلومات عن صلاحية المضمون لهذا الضمان. ويتحمل عبئًا نفسيًا وذهنيًا طوال فترة سريان الضمان حتى الوفاء به، خوف الإخلاف. وبذلك كله يهيء للمضمون ويمكنه من الحصول على منفعة محققة تتمثل في بلوغ مرامه بهذا الضمان الذي قد يعود عليه بالفائدة والنفع الكثير. ولا يوجد مبرر لإهدار هذا الجهد من الضامن وما يترتب عليه من مصالح ومنافع للمضمون دون مقابل.
الرئيس:
الذي يعود عليه بالفائدة أو الذي قد لا يعود عليه بالفائدة؟
الشيخ حسن عبد الله الأمين:
اقرأ الفقرة من الأول وبذلك كله يهيء للمضمون ويمكنه من الحصول على منفعة محققة تتمثل في بلوغ مرامه بهذا الضمان الذي قد يعود عليه – أنا كاتب هذا هل قرات غير ذلك؟
الرئيس:
أنا أتابع بدون قراءة.
الشيخ حسن عبد الله الأمين:
الذي قد يعود عليه بالفائدة والنفع الكثير. ولا يوجد مبرر لإهدار هذا الجهد من الضامن وما يترتب عليه من مصالح ومنافع للمضمون دون مقابل، إذ ليس ذلك من العدل في شي، والله أعلم. على أنه يلزم أن يكون الأجر في هذه الحالة والتي قبلها مراعى فيه عدم المبالغة والمغالاة بحيث يكون في حدود المعتاد عرفًا.
стр. 1105
كما أنه يلزم أيضا التنبيه إلى أن المغالاة في هذا الأجر مهما بلغت، لا تدخل في نطاق الربا، لأنه ليس زيادة في عوض، وإنما هو اجر على عمل، غايته إذا تجاوز المعتاد أن يكون مكروهًا كراهة تنزيهية أو محرمًا وليس ربا بالتأكيد.
أما الحالة الثالثة التي يكون خطاب الضمان فيها مكشوفًا –غير مغطى – وتؤول مسئولية الوفاء به إلى الضامن دون المضمون. أنه يكون فيها قرضًا والجعل فيه يكون زيادة تمثل ربا، فلا يجوز. ولكن يجوز لمصدره أخذ أجرة الإصدار فقط، التكلفة الفعلية حسب ما يقدره المختصون دون الضامن نفسه المنطوي على معنى القرض.
هذا ما استطعت أن أصل إليه حتى الآن في هذا الموضوع، أرجو أن يكون فيه مساهمة لعلماء المجمع فيما يصدرونه من قرارات أو توصيات في هذا الموضوع الهام. والله نسأل أن يهدينا إلى سواء السبيل،،، والسلام عليكم ورحمة الله.
الشيخ على السالوس:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، اللهم جنبنا الزلل في القول والعمل واهدنا لما تحب وترضى.
ولا أحب أن أكرر ما قيل ولكن أن أركز على بعض النقاط. قول الرسول ﷺ ((الزعيم غارم)) والزعيم هو الكفيل والكفالة التي كانت غرمًا لا أدري كيف تتحول في عصرنا إلى غنم.
الأمر الآخر أن الفقهاء جميعًا يشترطون في الكفيل أهلية التبرع وهم يجمعون على أن الكفالة بعوض لا تجوز ويحرمون هذا العوض سواء كان أجرًا أم جعلًا. والذي أرجوه من مجمعنا الموقر ألا نخرج على نص ثابت أو إجماع مستقر، حتى لو كان الإجماع بغير نص وصلنا، فإن شيخ الإسلام رحمة الله أثبت أن كل إجماع فيه بيان من السنة، وأوردت هذا في البحث، قال: استقرأت مواطن الإجماع فوجدتها – كل مواطن الإجماع منصوصة. وأخذ يضرب أمثلة في المضاربة وغيرها، وهذا موجود في البحث لا أريد أن أقرأه.
стр. 1106
البنوك الربوية تأخذ فائدة على القروض وتأخذ فائدة على فتح الاعتماد وتأخذ فائدة هنا على ما يسمونه إقراض بالتوقيع، يسمونه هذا اقراضًا بالتوقيع. قد يحتاج عميل المصرف في بعض الأحيان إلى نوع من الاعتماد، فهنا إما أن يأتي الاعتماد العادي أو خطاب الضمان لأنه في النهاية نوع من الاعتماد، ولذلك، في الإقراض العادي يحسبون الفائدة في فتح الاعتماد. الفائدة من يوم أخذ العميل، في خطاب الضمان ينظرون إلى المبلغ المضمون، وإلى مدة المبلغ المضمون ويحسبون مبلغًا، نسبة ضئيلة مقابل المبلغ والزمن، فإذا تم الإقراض أخذوا الفائدة المعروفة.
المصارف الإسلامية عندما قامت لتطهير أموال المسلمين من الربا اتضحت الصورة أمامها بالنسبة للإقراض ولفتح الاعتماد، ولذلك فكرت في البديل الإسلامي، بالنسبة للإستقراض يبدو أن الصورة لم تكن واضحة عند بعضهم، ولذلك وجدنا من يسير مثل البنوك الربوية في جعل العمولة مقابل المبلغ والزمن، فإذا أقرض لا يأخذ ربا، ولمجرد الوعد بالإقراض يأخذ فائدة، فإذا أقرض بالفعل لا يأخذ، معناه أن الصورة غير واضحة. وبعض المصارف الإسلامية الأخرى لا تأخذ إلا ما يقابل العمل.
بالنسبة للكلام الذي نسب لابن عابدين. وكي لا يرد هذا القول إلى فتاوى بنك فيصل، أحب أن أقول أن كلام ابن عابدين مثبت وغير ابن عابدين ولذلك أقرأ هنا بعض ما يبين لماذا أجمع الفقهاء على أن الكفالة لا تجوز بأجر ولا بجعل. الإمام مالك كان يرى أن الكفالة من وجه الصدقة، الإمام الشافعي قال: الكفالة استهلاك مال لا كسب مال، وحكى عنه النووي: أن الضمان تبرع أو قرض محض. وقال الإمام النووي الضمان غرر كله بلا مصلحة وقال الكمال ابن الهمام: الكفالة عقد تبرع كالنذر. وقال الدردير. الضامن كالمسلف يرجع بمثل ما أدى. وقال ابن قدامة: الضمين والكفيل على بصيرة أنه لا حظ لهما. فاعتبر الكفالة كالنذر، ولذلك كما قلت أجمعوا على الكفيل لا بد فيه من أهلية التبرع. ثم بين ابن حزم أن الضمان استقراض، وغير ابن حزم كذلك. جاء في فتح القدير للكمال: إذا كان قضاء من جهة الذي أمر صار كما لو قال: اقض عني، ويتضمن ذلك استقراضًا منه، وفيه أيضًا. والحاصل أن الأمر في الكفالة تضمن طلب القرض إذا ذكر لفظ (عن) لأن هنا الحنفية يشترطون لفظ (عن) حتى يعوض الضامن على المضمون، وقال الكاساني: الكفالة بالأمر في حق المطلوب استقراض. إذن هنا ينصون على ذلك، ولذلك بين سبب المنع أكثر من فقيه. جاء في المغني، ذكر كلامًا للإمام أحمد والحنابلة: لو قال: اكفلني ولك كذا لم يجز؟ قال: فإذا أخذ عوضًا صار القرض جارًا للمنفعة، فلم يجز. وقال الدردير في أقرب المسالك: وعلة المنع أن الغريم أن أدى الدين لربه كان الجعل باطلًا، فهو من أكل أموال الناس بالباطل، وإن أداه الحميل لربه ثم رجع به على الغريم كان من السلف بزيادة. وقال الصاوي في شرحه: وقوله كان من السلف بزيادة، أي كان دفعه الدين وأخذه سلفًا والزيادة هي الجعل الذي أخذه. وقال: وحاصل ما في الشارح أن الجعل إذا كان للضامن فإنه يرد قولًا واحدًا. وقال ايضًا: علة المنع موجودة وهي السلف الذي جر نفعًا، وقال ابن عابدين في منحة الخالق على البحر الرائق الجزء السدس صفحة ٢٤٢: الجعل باطل لأن الكفيل مقرض في حق المطلوب، وإذا شرط له الجعل مع الضمان المثل فقد شرط له الزيادة على ما أقرضه، فهو باطل لأنه ربا. هذه ناحية.
стр. 1107
الناحية الأخرى: أن الضمان لم يكن بعيدًا عن النشاط التجاري، وذكرت هذا أيضا في البحث (عهدة الدرك) ضمان الأسواق واجازه الأئمة ما عدا الإمام الشافعي، ضمان الأسواق المخاطرة فيه أكثر من خطاب الضمان الآن، وضمان الموزون والمكيل والمذروع ...الخ. وما كان أحد يتصور أن يأخذ عن هذا أجرًا. ولذلك أخذ أجر على الضمان يعارض النص والإجماع، ولكن أخذ أجر على العمل المصاحب للضمان هذا يمكن، ثم يمكن كذلك إذا كان المصرف الإسلامي يريد أن يكون على اطمئنان، اقترحنا هنا أن يكون الغطاء النقدي وديعة استثمارية. خطاب الضمان المغطى الذي يمنع من الغطاء هو أن طالب الخطاب يعطل أمواله فلا يريد أن يضع الأموال في المصرف حتى لا تتعطل. فهنا قلنا واقترحنا على المصارف الإسلامية أن طالب إصدار الخطاب إذا كان له وديعة استثمارية يمكن أن تعتبر كغطاء للخطاب، أو يمكن أن يعتبر أي وديعة استثمارية أخرى قد يلجأ لصديق، لمعرفة، لأي أحد، وبالتالي المال لا يتعطل، فطالب إصدار الخطاب لا يتعطل ماله.
ثم الضمان المجرد هو الذي يمنع أخذ الجعل عليه فكذلك يمكن أن يدخل الضمان مع عقد آخر، يعني مثلًا صاحب رأس المال إنما يستحق الربح بالمال والضمان، في شركة الوجوه الضمان له ما يقابله، فكذلك هنا المصرف الإسلامي يمكن إذا وجد أن خطاب الضمان لمشروع يستطيع أن يدخله فيه، يمكن أن يدخل ولو بنسبة قليلة بحيث يشارك في الغنم والغرم، ويكون الضمان هنا له ما يقابله لأنه في عقد آخر، إنما الممنوع هو إذا كان الضمان مجردًا. لهذا أقترح الآتي بعد أن بحثنا هذا الموضوع والبحث أمام حضراتكم والبحث في كتاب موسع، أقترح الآتي:
أولًا: الكفالة المجردة لا أجر عليها وإنما الأجر على العمل المصاحب لها ويجوز أن يكون للضمان ما يقابله إذا دخل في عقد آخر.
ثانيًا: بالنسبة للغطاء النقدي، إذا كان للعميل حساب جار أو ودائع استثمارية فإن المصرف افسلامي يقبل جعلها غطاء نقديًا للكفالة على أن ينص على ذلك في التعاقد مع استمرار اشتراك ودائع العميل الاستثمارية في الأرباح.
هذه خلاصة والأخ الأستاذ الدكتور عبد الستار أغناني عن كثير. والحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، والله أعلم بالصواب.
الرئيس:
بهذا ننتهي من استعراض ثلاثة من البحوث كنماذج لما بين يدي اصحاب الفضيلة من البحوث ونفتح المناقشة للجميع بما فيهم المشايخ الذين أعدوا بحوثًا ولم نستعرض بحوثهم، فإننا نفتح المناقشة للجميع بما فيهم المشايخ المذكورين. والشيخ زكريا.
الشيخ زكريا البري:
هذه المناقشة لا تغني عن النموذج المقدم منى.
стр. 1108
الرئيس:
تفضل.
الشيخ زكريا البري:
بسم الله الرحمن الرحيم، أقدم وأمهد لرأيي بهذه المقدمات الأصولية والفقهية المشتملة على القواعد التالية:
أولًا: الأصل في الأشياء ومنها العقود والشروط والتصرفات، هو الإباحة والجواز والصحة، ولا يحرم منها إلا ما يقوم الدليل الخاص على تحريمه، هذه القاعدة وهذا الأصل الذي ذهب إليه بعض الأصوليين والفقهاء المحققين والذي انطلق منه الإمام العظيم والفقيه الحنبلي المجتهد ابن تيمية، إلى حرية التعاقد والإشتراط مستندًا في دعم رأيه الذي رفع به الحرج عن المسلمين وبصفة خاصة في العصر الحاضر، الذي استحدثت فيه الحياة عقودًا وشروطًا غير مسبوقة إلى ما يأتي:
ما جاء في القرآن الكريم من الأمر بالوفاء بالعقود بصفة عامة ومن ذلك قوله – جل ثناؤه – ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ وقوله - سبحانه - ﴿وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا﴾ .
فكل عقد أو شرط في عقد، ورد به نص أو لم يرد، هو التزام وعهد من العاقدين يجب الوفاء به.
والقول بعدم جوازه وعدم صحته من غير دليل مخالفة لهذه الآيات القرآنية العامة.
ثانيًا: ما جاء في السنة النبوية الصحيحة، من الأمر بالوفاء بالوعد وبالعهد، والتحذير من الغدر، مثل قوله – ﵊ – ((أربع خلال من كن فيه كان منافقًا خالصًا، إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر، ومن كان فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها)) .
ولو كان الأصل في العقود والشروط الحظر والمنع، إلا إذا قام الدليل الخاص على الحل، لم يذم الرسول إخلاف الوعد بهذا الإطلاق، ولم يذم الغدر بنقض العهد بصفة عامة، كما جاء في الحديث.
ثالثًا: أن التعاقد والاشتراط فيه مباح بحسب الأصل، والمباح إذا اوجبه الشخص على نفسه لغيره، صار واجبًا عليه لتعلق حق الغير به.
стр. 1109
بعد ذلك يقول: (أن العقود والشروط من الأفعال والمعاملات العادية ولسيت من العبادات التي لا تجوز ولا تصح إلا بالتلقي من الله ﷻ .
والله يقول ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ وهذا التفصيل يعم الأفعال والتصرفات، فإذا لم يكن العقد أو الشرط حرامًا بتحريم الشارع، فإنه لا يكون باطلًا، لأن البطلان إنما يترتب على التحريم.
بعد ذلك يقول: (إن الأصل في العقود والشروط قيامها على التراضي بين العاقدين، وتترتب آثارها عليها تبعًا لهذا التراضي) .
وفي ذلك يقول الله تعالى: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ ، ويقول في المهر ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ .
فقد أحلت الآيتان الأموال فيهما بناء على الرضى في الاية الأولى، وطيب النفس في الاية الثانية، ما لم يكن هناك دليل خاص لتحريم عقد خاص أو شرط خاص.
بعد ذلك يقول: (إن العقود والشروط التي تتم بين الناس أمور مقصودة لهم، يرون فيها مصلحتهم التي لا تلحق الضرر بغيرهم، ولولا حاجتهم إليها ما عقدوها ولا اشترطوها. فيجب رفع الحرج والضيق والعنت عن الناس يتجويزها وتصحيحها وترتيب الاثار عليها، ومنع عقد أو شرط من غير دليل شرعي – مع هذه المصلحة وتلك الحاجةللمتعاقدين –يؤدي إلى الحرج والضيق والعنت الذي رفعه الشارع الإسلامي، في مثل قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ ، ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾ ، أي ما جعل وما شرع ما يحرج عباده كما جاء في الاية الأولى، وما يريد أن يجعل فيشرع باسمه سبحانه ما يحرج عباده وهو العليم الحكيم، الرؤوف الرحيم.
بعد ذلك يقول: (إن العقود والشروط المقترنة والمرتبطة بها لا يخلو حكمها من أحكام ثلاثة:
- الا تحل إلا بدليل خاص من كتاب أو سنة أو دليل يستند إليهما، فإذا حلت بهذه الصورة وجب الوفاء بها.
стр. 1110
- أو ألا تحل إلا بدليل عام.
- أو أن تحل من غير دليل عام ولا خاص، مادام لم يوجد دليل على التحريم.
والفرض الأول غير صحيح، لإجماع المسلمين في العصر الأول على وجوب الوفاء بالعقود التي عقدت في الجاهلية، مادامت لا تشمل على أمر منهي عنه، فإذا اشتملت على أمر منهي عنه صح منها ما لم يرد نهي عنه.
فقد أوجب النبي ﷺ المال الثابت في العقود الربوية، وأبطل شرط الربا في هذه العقود، وقال: ((ربا الجاهلية موضوع)) أي أسقطه والغاه المشرع الإسلامي.
أما الفرض الثاني فإنه يشهد للحل ويترتب عليه الوفاء بكل عقد أو شرط غير منهي عنه بدليل خاص، للأمر العام بالوفاء بالعقود.
وكذلك الفرض الثالث يشهد للحل، وهذا ما أراه أيضًا.
ثم أما بعد،
انه لا يوجد في أخذ الأمر على هذا الضمان المصرفي لتنفيذ أعمال مشروعة نص محرم من كتاب أو سنة، ولا دليل محرم. فلا يوجد له نظير يقاس عليه في التحريم لاشتراكهما في علته.
ثم لا يوجد عرف صحيح يحرمه ويمنعه، ولا توجد فيه مفسدة كما لا توجد مصلحة في تحريمه بل أن المصلحة في إباحته وحله وصحته، وفي إلزام المضمون به. وإذا قيل أن بعض كتب المذاهب الفقهية قد صرحت بتحريمه فاني أقول أن الدليل الذي استندوا إليه هو أن الضمان لم يشرع إلا على سبيل التبرع، وهو صورة من صور المصادرة، لأن نفس الدعوى هي نفس الدليل كأنهم يقولون أن أخذ الأجر غير مشروع لأنه غير مشروع.
وفد زادني ثقة بهذا ما سمعته جديدا من هذه البحوث الآن، وإذا قيل أن الإمام ابن تيمية الذي ذهب إلى أن الأصل في العقود والشروط هو الإباحة والحل، قد ذهب إلى عدم جواز أخذ الأجر على الضمان، قلت: أني مع قاعدته العظيمة لقيام الأدلة عليها، ولست معه في عدم جواز أخذ الأجر على هذا الضمان إذا كان رأيه بالمنع يشمل الضمان المصرفي التجاري، للأسباب التي بينتها وأبينها.
والظاهر عندي أن هذه الفتوى المروية عنه لا تشمل الكفالات بهذه الصورة التجارية الجديدة التي تعاملت بها المصارف العامة، وتتعامل بها بعض المصارف الإسلامية.فلقد كانت الكفالة في العصور الماضية تتم ضمانا لمحتاج يستدين، وقد لا يجد من يسلفه إلا بضمان من ملئ لضعف ذمة المستدين المالية ونحو ذلك فيضمنه الغني تفريجا لكربه ورجاء لثواب الآخرة.
стр. 1111
وفي مثل هذا يقول الرسول الرحيم ((من فرج عن مؤمن كربة فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة)) .إما الآن فان هذه الضمانات تتم لشركات مالية كبرى، ولتجار أغنياء، ولابد في قبول العطاءات من هذه الشركات وهؤلاء الأغنياء من تقديم الضمان المصرفي.
وهذه العطاءات التي تقدمها الشركات والتجار للالتزام بأعمال معينة يتوقف قبولها –كما قلنا – على تقديم الضمانات، وهذه الأعمال تتوقف عليها تنمية المجتمع تنمية اقتصادية واجتماعية وعسكرية وسياسية بل أن البنية الأساسية للمجتمع من طرقات ومواصلات ومرافق مياه وصرف صحي وكهرباء تتصدر هذه الأعمال. وامتناع المصارف الإسلامية عن القيام بهذه الضمانات لأنها لا تستفيد منها ماليا وتجاريا يؤدي إلى لجوء المحتاجين إليها إلى البنوك الربوية في هذه الضمانات ثم في غيرها.
فإذا سادت المصارف الإسلامية –وهذه هدف أساسي لنا – استحال على هذه المصارف القيام بهذه الضمانات ما دام أخذ الأجر عليها غير مشروع لأنها إما أن تقوم بها مجانا وفي ذلك تعريض أموال المؤسسين والمساهمين فيها للضياع من غير فائدة تعود عليهم، واما أن تقوم بها باجر، ولا يرى الفقهاء جواز ذلك.
ويتعين –بناء على ذلك – القيام بهذه الضمانات وأخذ الأجر المناسب عليها من غير وكس ولا شطط ولا مغالاة، وفي ذلك كشف لمغالاة البنوك الربوية، يدعو إلى الإحجام عن التعامل معها في هذه الضمانات ثم في غيرها، وفيه من المصلحة ما فيه.
стр. 1112
ولقد أفتى المتقدمون من فقهاء بعض المذاهب بعدم جواز أخذ الآجر على تحفيظ القران وإمامة الصلاة بناء على انهما يدخلأن في العبادات والطاعات التي لا يجوز أخذ الأجر المادي عليها في الدنيا، والتي يستحق فاعلها الجزاء والثواب الأوفي في الآخرة، والآخرة خير وأبقى. وقد جرى المجتمع الإسلامي على ذلك حينا من الدهر، ثم اقتضت الثورات الاجتماعية تخصيص مسلم مؤهل للقيام بهذه الأعمال بحيث يتفرغ التفرغ اللازم والمناسب لها.
ووجد المتأخرون زمانا من فقهاء هذه المذاهب نفسها أن القول بعدم جواز أخذ الأجر في ذلك وفي أمثاله مؤد إلى ضياع حفظ القران الكريم حفظا سليما، والى ترك إمامة الصلاة لمن لا يحسنها نظرا لعدم التفرغ لهذه الأعمال الدينية اشتغالا بكسب العيش فأفتوا بأخذ الأجر. وعلى ذلك جرى ويجري العمل الآن في جميع البلاد الإسلامية.
ثم إذا كان مقتضى هذا الضمان المصرفي إلزام المصرف بالمغارم التي تترتب على هذ١ الضمان، تنفيذا لالتزامه، فلم لا يكون له غنم من المضمون يؤديه للمصرف الضامن نتيجة الاتفاق والرضا به؟
ومن القواعد الفقهية العادلة أن الغرم بالغنم، جرى عليها التعليل الفقهي في مثل وجوب نفقة الفقير العاجز على قريبه الغني الموسر، مغرما في حالة فقر القريب مقابلة للمغنم بميراثه في حالة يساره.
وإذا كان الأصل منع الأجر عند بعض الفقهاء فلم لا يجوز أخذه استحسانا واستثناء من القواعد الأصلية استنادا إلى المصلحة العامة والخاصة؟ وإذا قيل أن في إمكان الضامن-كما أشار الأستاذ السالوس – أي (المصرف) والمضمون أن يشتركا في نفس العمل الذي يضمنه المصرف، قلت: أن هذا ممكن إذا رأي الطرفان مصلحتهما فيه. ولكن قد يريان أو يرى أحدهما أن المصلحة في انفراد المصرف بالضمان واستحقاق الأجر عليه، وانفراد المضمون بنتيجة العمل ربحا أو خسرا.
стр. 1113
كما أن المجتمع الإسلامي كان يرى أن الوكالة عن الغير في عمل من الأعمال تكون مجانا وخدمة اجتماعية، ثم تطورت الأحوال تطورا حضاريا، ووجد المتخصصون الذين لا يقبلون الوكالة إلا بالأجر، كما في توكيل المحامي وتوكيل السمسار وكل منهما يتفرغ لهذا العمل ويكسب قوته من هذا الأجر.
بعد ذلك أرد على ما قاله العلامة أبو غدة من أن هذه واجبات فيجوز أخذ الأجر عليها، إما هذه فليست واجبات فلا يجوز أخذ الأجر عليها، أقول له يا سيدي إذا كان المنطق هو هذا فإنه إذا جاز أخذ الأجر على الواجب الديني جاز أخذ الأجر على المباح من باب أولي، وإذا قال أن هذا ليس أجرا إنما هو رزق، قلت: ما هذا؟
أقول: أن كل ما سمعته زادني ثقة بهذا الرأي ولهذا فاني رغم أنى ختمت كلمتي التي كنت أرسلتها إلى أمانة المؤتمر فان الأساتذة الأجلاء أعضاء المجمع الرائد يعلمون انه يستوي في الإثم تحريم الحلال وتحليل الحرام من غير دليل والله – –يقول ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (١١٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ .
ثم أقول أيضا ومما زادني ثقة في هذا الرأي. هذا رأيي الذي اعرضه على حضراتكم، فان يكن صوابا فمن الله وبتوفيقه، وان يكن خطا فمني ومن الشيطان، استغفر الله وأتوب إليه. وأول درجات التوبة الرجوع إليه. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 1114
الشيخ عبد اللطيف جناحي
بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على اشرف المرسلين. اللهم لا تجري على لساني إلا صدقا ولا تجعلني أقول إلا حقا.
سيدي الرئيس، قبل أن أدخل في صلب الموضوع، أود أن اقرر بعض النقاط:
أولا: بنوكنا الإسلامية ليست صورة من البنوك الربوية، ونحن لا ننطلق من نفس المنطلقات التي ينطلقون منها، فلنا عقيدتنا التي ننطلق منها وتنبعث وتنبثق أفكارنا من أسسها، هذه حقيقة واحدة يجب أن نقرها.
ثانيا: ما كل ما يعمل في البنوك الربوية يجب أن نعمله ولسنا منافسين لهم أو مقلدين لهم، ولو دخلنا في مجال المنافسة وتفويت الأرباح علينا لطلبنا من العميل أن يستورد الخمر ويكتب عليه عصير عنب قديم.
ثالثا: المصارف الإسلامية ليست جهات تبرع، فأموال المسلمين لديها، وعليها أن تحافظ على هذه الأموال حق المحافظة. وان اضطرت إلى إصدار خطاب ضمان من غير اجر فعليها أن تبني ذلك على المصالح المشتركة التي بينها وبين العميل وليس على أساس خطاب الضمان المصدر.
رابعا: من خلال عملي واطلاعاتي المتواضعة البسيطة التي لا أستطيع أن انسبها إلى اطلاعاتكم من أقوال فقهائنا وجدت أن هناك شفافية إيمانية لدى السلف الصالح يجب أن نقف عندها إذا قالوا بالتحريم حتى ندرك سبب التحريم وتتكشف لنا الأمور ولا نستعجل في إصدار القرارات.
خامسا: أنا قصتي مع خطاب الضمان قصة طويلة، كنت من مؤيدي أخذ الأجر ولكن لم آخذ الأجر لأن رقابتي الشرعية لم تسمح بذلك، ودخلت معهم في نقاش طويل ثم قلت: لأذهب وابحث عن إثباتات لادحض رأيهم، وكتبت إلى عدد من العلماء الذين أثق بأيمانهم ومنهم أخي وزميلي علي السالوس الذي جاء رده برفض أخذ الأجر فقلت: أذن يجب أن اقف وقفة. هذا التجمع تجمع آراء السلف الصالح الذين اعتبر شفافيتهم الإيمانية اكثر من شفافيتي، لابد أن يكون هناك سبب وبدأت ابحث في الموضوع ولا أستطيع أن أقول أنني أكملت البحث لحد الأن، ولكن سأسرد لكم ما توصلت إليه.
стр. 1115
وجدت في سنة ٨٢ تغير في شكل إظهار ميزانيات البنوك الأمريكية. العادة خطابات الضمان يعتبرونها من الحسابات المتقابلة، أي لا تظهر في الأصول فورا. الميزانية تقسم إلى قسمين: له وعليه، ويوضع في له مثلا عقارات أو كذا وكذا، وعليه ودائع لفلأن وعلان ويحسم، ثم تأتي الكفالات كل مسمى. حسابات متقابلة يسمونها حسابات نظامية لا تحسب على البنك إلا عند وقوعها. وإذا بعض المدققين في أمريكا قالوا لا يجب حسابات الضمان أو خطابات الضمان أن تدخل كمسؤولية هذا التغيير جعلني اقف وقفة، لماذا اصبحوا يفكرون في مسؤليتهم؟ قالوا لا هذه قاعدة للسحب، وبدأت استفسر واسألهم. وإذا بالأمر له خلفية هو صحيح ما التبس في الأمر أن نسبة أخذ الفائدة على خطابات الضمان ضئيلة جدا لا يمكن مقارنتها مع نسبة الفائدة الربوية. الفائدة الربوية ١١ و١٢ و١٣ خطابات الضمان ١/٨و ١/٤ و ١/٢ كيف تأتى ذلك؟ عبر الزمن، خطابات الضمان كونت حقيبة كبيرة من المال. لنفترض أننا كنا جميعا احتجنا إلى خطابات ضمان، كل من احتاج إلى ١٠٠ ريال خطاب ضمان، ونحن خمسون، في مائة اصبح خمسة آلاف ريال خطابات ضمان. هل الخمسة آلاف كلها ستسحب؟
لا! لدينا ناس ماليون ممكن أن يسددوا بأنفسهم أو يقوموا بالتزاماتهم. إذا كم في المائة من هذه الخطابات قد تسحب، ممكن واحد في المائة أو اثنان في المائة، إذا البنك الربوي يعزل هذا الواحد في المائة ويضعه مبلغا تحت الطلب عندما يفشل أحدنا في سدا التزاماته. هل هذا المبلغ ثمن أو لا؟ نعم لهذا المبلغ ثمن ربوي لابد أن يأخذ البنك عليه فائدة لأنه حجزه لصالح من سيفشل منا، قد يكون أنا قد يكون مليون شخص، كلما كبر البنك كلما قلت مخاطر خطابات الضمان فإذا هذه النسبة التي تؤخذ، في الحقيقة نسبة ربوية، ولكن تضائلت النسبة لا لأن المبلغ كبير ونأخذ عليه شيئا بسيطا، لا! لأن ما سيطلب قد يكون مبلغا بسيطا. وأرجو أن يكون هذا واضحا. وأنا أعتز برأي زكريا البري وإحبه حبا شديدا ولكن أود أن يسمح لي في مخالفته في هذا الرأي لا كفقيه ولكن كتلميذ من تلاميذه وابن من أبناؤه أحبه كأبي. فلذلك هي نسبة مئوية يحسبها البنك بأسس وقواعد ربوية هذه هي شكلية خطابات الضمان، وهذه هي الميكانيكية ورائها، ولكن للبحث في الموضوع لم يبحث في الميكانيكية، بحث في الشكل فقط، الشكل الظاهر، الحقيقة في بعض الأوقات قد يكون مضللا، قد لا يكون واضحا لأن ما توصل إليه خطابات الضمان توصلوا إليه عبر ما يكاد يكون قرنا فتكونت خبرة لقرن من الزمان لمائة سنة أو خمسين سنة أو ....الخ، ونحن عرفنا في مشرقنا البنوك الربوية يمكن من ستين سنة، فلننظر، وهذا ما سأحاول أن اصل إليه.
стр. 1116
سأرجع قبل ستين سنة، لأرى في منطقتنا العربية والإسلامية كم كانت نسبة خطابات الضمان؟ هل كان الثمن أو كانت اثنين أو ثلاثة في المائة أو أربعة في المائة..لماذا؟ لأنه ليس لديهم ثقة في مقاولينا وتجارنا. هذه قد تلقي بعض الضوء لدى العلماء وخاصة أن النظرة كما قلت لدى بعض مدققي الحسابات في أمريكا تغيرت.
وأرجو أن أكون قد وفقت بطريقة العرض بشكل يكون واضحا وألا أكون مقصرا فيما قلت. وأشكرك يا سيدي الرئيس.
الشيخ مصطفي الزرقاء:
بسم الله الرحمن الرحيم، اخواتي الأساتذة الكرام، في الواقع أني قضيت في الماضي زمنا طويلا متحيرا في هذا الموضوع، ذلك أني كنت أرى نصوص الفقهاء في منع أخذ الأجر على الكفالة وذلك من قبل أن تشيع قضية خطابات الضمان المصرفية، ثم شاعت خطابات الضمان المصرفية، وزادني الأمر حيرة ذلك أنني كنت أجد حاجة الناس تزداد وتكثر إلى خطابات الضمان في مناسبات قانونية وأعمال رسمية وتعهدات وما إلى ذلك، ونصوص الفقهاء مانعة، لا سبيل، كما سمعتهم، لا حاجة إلى إعادة شيء منها. بهذه الكثرة أصبحت أميل إلى القول بأنه: ما مستند الفقهاء والعلل التي سمعناها إنها تؤول إلى قرض وإنها في البداية تبرع؟ كلها لم اكن أجد فيها ما يروي الغليل، ويسند موضوع المنع، لأن كثيرا من الأمور يكون البدء فيها مشروطا بشرائط وفي النهاية تكون لها أحكام أخرى، يعني في النهاية يكون الشيء حكمه بدءا شيئا ونهائيا شيئا كما هو معروف في بعض الفروع الفقهية. فكنت في حيرة في الواقع زمنا طويلا في هذا الموضوع، ثم انتهيت في فترة ما غير بعيدة إلى إزالة هذه الحيرة، بالاستقرار على التحريم ذلك أني رأيت بعد تفكير طويل والتماس العلل، رأيت فكرة جاءت كشفت لي حكمة النصوص الفقهية بالتحريم.
стр. 1117
ذلك أنى قلت إذا جاز أخذ الأجر على الكفالة فان تحريم الربا يفقد حجيته. فلا يبقى هناك مجال أبدا لتعليل حكمة الربا، لماذا؟ لأننا نحرم على المقرض أن يأخذ فائدة، أو أي زيادة على مبلغ القرض، لماذا؟ لأنها ربا وهو محرم.
فكيف إذن نبرر ذلك إذا قبلنا أن الكفيل لمجرد تعرضه لأن يؤدي عن المكفول مالا في المستقبل وقد لا يؤدي، لا تقع المسئولية لمجرد هذا الالتزام وتعرضه إلى أن يؤدي عنه مالا في المستقبل سيصبح قرضا، أننا نسوغ له أخذ الأجر. ذاك المقرض الربوي الذي يدفع بالفعل ويتخلى عن جانب من ماله لمصلحة ذلك الآخر الذي يستعمل مال ذلك المقرض، نقول: لا يجوز أن يأخذ هذا المقرض زيادة عن ما اقرض، وإذا لم يقرض بالفعل ولكنه دخل تحت مسئولية تعرضه لأن يؤدي فيما بعد، وقد لا يحتاج إلى التأدية، نقول: يأخذ.هذا انكشف لي فيه تناقض إذا أقررنا جواز أخذ الأجر على الكفالة.
وزالت غمامة في فكري في الموضوع وظهرت لي حكمة اتفاق الفقهاء، وكنت اعجب لهذا الاتفاق لأنه قلما توجد مسالة فقهية ليس فيها خلافات في المذاهب والآراء بكثرة. هذه لم أجد فيها خلافات، فكنت اعجب من هذا الاتفاق فانكشفت لي بذلك الحكمة وقلت: هذا لو قبل أخذ الأجر فيه، لفقد الربا حجية تحريمه. واستقر فكري على هذا الموضوع. ولكني بقي في نفس شيء، كيف نعالج مشكلات العصر في هذا الشان ونحن نرى أن البعثات العلمية لا يمكن أن تقررها وتنفذها الحكومات إلا إذا قدم طالب البعثة خطاب ضمان مصرفي لكي يبعث للدراسوالعلم. المتعهدون لا يمكن أن يقبل منهم دخول في تعهد لأعمال حكومية ولمصالح تعميرية وإنشائية إلا إذا قدموا خطاب ضمان.
كثير من وظائف الدولة وهي أعمال عامة مشروعة إذا كان هناك فيها علاقة مالية فيها أمانة، وما إلى ذلك لا يوظف فيها الموظف إلا إذا قدم خطاب ضمان. مثلا أمين صندوق، النظم لا يمكن أن يعين أمين الصندوق في دائرة أو وزارة إلا إذا قدم خطاب ضمان. وهكذا كثير من الأعمال ربطتها النظم القائمة الحالية، ربطتها بتقديم خطابات ضمان، فكيف نعالج هذه المشكلة؟ الواقع زادني الأمر حيرة بعدما انشرح صدري في ذاك الوقت وأعطيت آراء كثيرة متعددة بالحرمة وبتوجيهها بهذا التوجيه، لكني في مواجهة المشكلة القائمة في الحياة الحاضرة والتي إذا سد فيها باب الأجر على خطابات الضمان تعطلت مصالح وتوقفت بعثات دراسية وتوقفت أعمال إنشائية ومقاولات وتعهدات ووظائف عديدة ....الخ كيف نعالج هذا؟ أن هذا مشكل يجب أن يعالج.
стр. 1118
العلاج الذي أورده أخونا العزيز الكريم الدكتور السالوس بان يدخلا شركة: الضامن والمضمون له، هذا لا يمكن أن يطبق، أولا لصعوبة تطبيقه ولما ذكره الأخ الكريم الدكتور البري أن هذا قد لا يرضاه الطرفان، ولا يكون فيه مصلحتهما. أزيد على ذلك انه في بعض الحالات لا يمكن تطبيقه، هذا يمكن لما يكون خطاب الضمان لأجل ممارسة أعمال استثمارية قابلة للشركة، لكن كيف يمكن أن يدخل الضامن والمضمون في شركة مثل البعثة الدراسية التي يجب على الطالب المبعوث لكي يبعث أن يقدم خطاب ضمان، كيف يدخل معه المصرف في شركة في مثل هذا الحال، هذا ليس بحل. والواقع أني في حيرة من هذا الأمر ولكني بدأت أميل من فترة إلى أن نميز خطاب الضمان عن موضوع القرض الربوي الذي قلت: انه لو أبحنا الأجر على الضمان لفقد الربا حجيته. ظهر لي فرق يمكن أن نفرق به بين الموضوعين، وعندئذ يمكن أن يكون مثل رأي أخينا الدكتور البري أن يكون مقبولا. ذلك أن القرض الربوي هو عمل احترافي يتخذ به المرابي هذا الشان طريقا لاكتسابه الحيوي، كما يأخذ كل ذي طريق اكتسابي فرعا من فروع الاكتساب كالتجارة والصناعة ...الخ، فهو احتراف لامتصاص أموال الناس بدون عمل وبدون جهد عن طريق الإقراض بالربا. أما خطابات الضمان فهي لم يعهد حتى إلى يومنا هذا انه عمل احترافي مستقل تلجا إليه البنوك أو المصارف لكي تجعل طريق اكتسابها وأرباحها من خطابات الضمان، ولا سيما أن النسبة ضئيلة التي تؤخذ على ذلك فهي لا تصلح للاحتراف، وفي الواقع ليست هي طريق احتراف اكتسابي أصيل في عمل الناس المرابين كما هو واقع، بل هي أصبحت عملا جانبيا تشبه أن تكون كما سمعتم في النصوص التي أوردها الإخوان الباحثون الدكتور عبد الستار والدكتور السالوس وغيرهم انه إذا كان الخطاب ليس مستقلا وانما هو في ضمن عقد آخر، فإنه لا يصبح مقصودا بالذات وعندئذ يجوز أخذ الأجر عليه. هذا لعله باب يمكن حل المشكلة به.
стр. 1119
الرئيس:
هل يوجد خطاب ضمان مستقل؟
الشيخ مصطفي الزرقاء:
نعم البعثات أوردت خطاب ضمان مستقل، مبعوث طالب يريد أن يوفد للدراسة، لا يمكن أن يوفدوه إلا بخطاب ضمان.
الرئيس:
لكن إذا تعلق خطاب الضمان صار موجب الخطاب هو الابتعاث، كما أن موجب خطابات الضمان الأخرى هو المقاولات أو الإنشاءات أو ما جرى مجرى ذلك.
الشيخ مصطفي الزرقاء:
ليس كله.
الرئيس:
قصدي له تعلق من وجه في الابتعاث.
الشيخ مصطفي الزرقاء:
أمناء الصندوق يعينون في وظيفة مستقلة، لا يعين إلا بخطاب ضمان.
الرئيس:
سؤال سلمك الله، هل يوجد خطاب ضمان مستقل بدون أي علاقة؟
الشيخ مصطفي الزرقاء:
بدون أية علاقة، لا.
الرئيس:
لابد من موجب.
الشيخ مصطفي الزرقاء:
لابد من سبب ولا شك، داعٍ يدعو الشخص المحتاج إلى خطاب الضمان أن يطلب هذا الخطاب. المهم أنني رأيت بعد تفكير أن هناك فرقا واضحا بين عمل المرابي الذي مهنته الإقراض بالربا وبين خطاب الضمان الذي نحن رأينا أن أخذ الأجر عليه يفقد الربا حجية تحريمه، فرق بينهما. خطاب الضمان عمل جانبي دائما، عمل جانبي تمارسه المصارف، ولا سيما صورته الحاضرة في عصرنا هذا كما أشار الأستاذ الدكتور البري.
لأن صورته الحاضرة في هذا العصر وكثرة طلباته التي أوجبتها القوانين بمختلف النواحي والمناسبات جعلت منه شانا جديدا، ولذلك من الممكن أن نقول، هذا أيضا تابع للبحث والمناقشة ولا اجزم به من الأن، من الممكن أن يقال بان هذا العمل عمل جانبي في المصارف وليس مراباة محترفة كما في القروض الربوية ولا سيما انه اصبح في عصرنا الحاضر أخذ طورا جديدا لم يكن له من قبل أبدا. وارتبطت به مصالح مشروعة لأناس إذا لم يمهد لهم سبيل أخذ خطاب الضمان تتوقف مصالحهم ومنافعهم المشروعة كالبعثات الدراسية مثلا وغيرها تتوقف مصالحهم عليها واصبح خطاب الضمان لكثرته ما عادت تقدم عليه البنوك أو الجهات التي يطلب منها ولو كان هناك داع إليه لأنهم لو فتحوا الباب لكثرت الطلبات عليهم جدا ولا يمكن أن يفعلوا هذا بدون لقاء. فلذلك اصبح وجود اللقاء وهو بسيط زهيد نسبة ضئيلة، هذا هو الذي يسهل على تلك المصارف إعطاء خطاب الضمان ويمشي مصالح هؤلاء المحتاجين، وهي مصالح مشروعة لهم واصبحوا الباب أمامهم مسدود لا يستطيعون الوصول إلى هذه المصالح إلا عن طريق فتح باب أخذ هذا الأجر الضئيل على خطاب الضمان.
стр. 1120
وعندئذ لا يرد ما أورده أخونا الجناحي الكريم من أن حسابات خطاب الضمان في المصارف الأجنبية، وان كانت هي في ظاهرها ضئيلة لا تهدف بالظاهر إلى الربا ولكن نظرا لأن المسؤولية لا تتحقق عليهم في كل خطاب ضمان يوجهونه ولكن تتحقق في حالات نادرة، فما يأخذونه، من المجموع الضئيل يغطي هذه المسالة، وان كانوا يحسبون هذا حسابا ربويا، نحن لا يهمنا أي طريقة من الحساب تحسبها البنوك الأجنبية، هذا لا يهمنا، وأنا كثيرا ما أفتيت. يسألني الناس، البائع يضع سعرا لسلعته فيقول كهذه بمائة نقدا وبمائة وعشر مؤجلا مثلا. فأقول لهم: هذا جائز، ونص الفقهاء عليه، ليس من عندي بل منصوص عليه، ولأن رغبات الناس تتفاوت بين أن يبيع الإنسان بنقد عاجل يأخذه ويعوض به البضاعة وبين أن يبيع بمؤجل، رغبات الناس في البيع، يعللونه الفقهاء هكذا (من تفاوت رغبات الناس في البيع) ، يقولون لي السائلون: طيب هو يحسب الزيادة الذي يريدها على أساس الفائدة، هو يأخذ كم في العادة تأخذ المصارف مثلا، أو القروض يضعون عليها فائدة سنوية، فهو لأجل الثمن المؤجل مثلا سنة يضيف مثله، أقول لهم نحن لا يهمنا طريقة حسابه اليوم التاجر بدون أن يجعل سعرين للنقد والمؤجل لو جاء فوضع بضاعته أمامه ولا يبيع إلا بنقد لو فرضنا، وهو يحسب كم يجب أن يربح، أخذ هو طريق حساب الفوائد وقال ما دام البنوك تربح مثلا نفرض ١٠ %، فأنا اشتريه بمائة وأبيعه بمائة وعشرة، نحن هل نقول له يحرم عليك هذا لأنك بنيت الحساب على الفوائد البنكية، لا علاقة لنا بما يبني عليه حسابه.
فتبني البنوك الأوربية والأمريكية حسابها في نسبة ما تأخذ عن خطاب الضمان كما تشاء لا يهمنا، لكن نحن إذا وجدنا أن هذا الخطاب أصبح ضرورة وفيه وفاء لحاجة الناس ومنافع مشروعة، والطريق فيه مسدود لا يمكن إلا بهذا، وهذه النسبة لا تشكل قرضا ربويا وأن الخطاب نفسه اصبح عملا جانبيا وليس هو عمل مراباة أساسي كالمضاربين الذين يجعلون طريقة كسبهم لحياتهم هو الإقراض الربوي، كل هذه الملاحظات والفروض أصبحت ولحل المشكلة أميل إلى أن يقرر جواز خطاب الضمان. وعندئذ تصبح البنوك الإسلامية يزول حرجها. والسلام عليكم وأرجو من الله أن يكون صوابا.
стр. 1121
الرئيس:
يعني يجوز خطاب الضمان في البنوك الإسلامية فقط؟ قصدي يعني في البنوك الأخرى لا يجوز لها.
الشيخ مصطفي الزرقاء:
متى أقررناه بهذا الشكل يقر للجميع، لأن البنوك الربوية لو أرادت أن تصدر خطاب ضمان بدون اجر، هل نمنعها لأنها ربوية؟ لا، ما جاز للبنوك الإسلامية يجوز لغير الإسلامية من باب أولى.
الرئيس:
انتم قيدتم.
الشيخ مصطفي الزرقاء:
لا أقيده بالبنوك الإسلامية.
الشيخ محمد علي الزبير:
بسم الله الرحمن الرحيم، وصلي الله على سيدنا محمد وعلى اله وصحبه أجمعين. سماحة الرئيس سوف أكون موجزا بإذن الله.
أولا: يسمح لي أستاذي الدكتور البري أن أخالفه مخالفة صريحة في منهجيته للوصول الى الحكم والاستدلال بالطريقة التي استدل بها للوصول إلى الحكم الشرعي.
فالواقع هو أستاذنا في أصول الفقه، ولقد تعلمت منه الشيء الكثير. فليس كل عقد من العقود يمكن أن يقال انه مباح لأنه عقد مستحدث، وانما العقود تقاس وتكيف حسب العقود الموجودة قديما، ولابد أن نقيسها على العقود الموجودة في الفقه. فالواقع التكييف الشرعي كما كيفوه أساتذتنا الشيخ أبو غدة والشيخ السالوس هو تكييف صحيح: أن خطاب الضمان يمكن أن يكيف على ثلاث حالات:
الحالة الصرفة، أن يكون عقد كفالة، والكفالة كما هو مقرر في كتب الفقه لا يجوز عليها أخذ الجعل أو الأجر إذا كانت كفالة بحتة.
стр. 1122
الأمر الثاني: أن يكون المبلغ مغطى، إذا كان مغطى تغطية كاملة فيجوز أخذ الأجر على ذلك بان يكون البنك وكيلا وأن يقوم بالعملية بالوكالة، والوكالة يجوز فيها الأجر، وهنا تظهر مفارقات عجيبة، لأن البنك حينما يضمن بدون تغطية لا يعطي أجرا وإذا غطى المبلغ يعطي أجرا، وهذا ما يعترض عليه كثير من البنكيين الذين يقولون إن الفتوى عجيبة في حالة الضمان البحت الغير مغطى لا يؤخذ اجر على ذلك وفي حالة التغطية تؤخذ وكالة، وفي الواقع أن التغطية هنا أيضا لابد أن نقول أن هناك نوعان من التغطية، تغطية كاملة ويمكن أن يكيف العقد على أساس وكالة بحتة، وممكن أن تكون التغطية جزئية وهذا هو الواقع في البنوك وهذا هو مدار العمل في البنوك كلها.
أن تكون التغطية جزئية وليست كلية فهناك تغطية بنسبة الربع أو ٢٥ أو ٣٠ % من قيمة المبلغ الذي يراد أن يصدر له خطاب الضمان.
أستاذنا البري لو أراد أن يكيف القضية تكييفا شرعيا على وجه الاستحسان لسألناه ما هو دليل الاستحسان؟ وما هو الترجيح بين الأدلة؟ على الأقل أن يكون هناك دليلان، دليل أرجح من الدليل الآخر، واستطاع أن يرجح دليلا على آخر لوجه المصلحة بالاسترسال بالمرسل فهذا مقبول أيضا. ولكن يبدو لي انه ليس هناك دليل غير العقود القديمة التي يمكن أن يكيف عليها هذا العقد المستحدث. ثم إذا كانت المصلحة أو الحاجة تنزل على أساس أنها ضرورة من الضرورات وهنا أيضا الحكم يعتمد على الضرورة ويجب أن نكيفه على الضرورة، ولكن أين الضرورة؟ ممكن أن يوجد البديل ويمكن أن توجد البدائل وممكن للاقتصاديين أن يدرسوا الموضوع ويجدوا دليلا ومخرجا لا يمكن أن نتحرج منه.
القياس على الواجبات الكفائية أيضا مع الفارق الكبير جدا لأن الواجبات الكفائية عليها يستند عماد الدين، وإذا لم تقم بها الأمة فسدت الأمة ولهذا أجازوا من هذا المخرج، ولكن هنا ضمان، مجرد ضمان مالي يمكن أن نجد عددا من اوجه البدائل. واستغرب من أستاذي الدكتور مصطفي الزرقاء بدأ بأنه استقرت عنده الحرمية كلية، وكان معنا في مجلس من المجالس وفسر لنا وجهة النظر هذه القيمة التي استكشف فيها حجية منع الربا على الأساس الذي شرحه. ولكن في آخر الأمر رجع عن القول وبرره بالمصلحة، واعتقد بأنه ليس هناك مصلحة ملحة بحيث أننا نقول انه لا يوجد بديل. فعلى البنوك الإسلامية كلها أن تحاول إيجاد المخرج، وفي اعتقادي انه ممكن أن يوجد المخرج الذي يستطيع المسلمون أن يسيروا على هديه، والله الموفق والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 1123
الشيخ أحمد البزيغ ياسين:
بسم الله الرحمن الرحيم، وبه وحده نستعين، والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى اله وصحبه ومن والاه ومن اتبعه بإحسان إلى يوم الدين، وبعد.
في الحقيقة عندي سؤال كنت أود أن أسأل فيه أستاذي وشيخي زكريا البري ولكن أستاذي الشيخ مصطفي جاوب عليه فأراحني. السؤال هو، إذا كان القرض بفائدة، وهو إنسان يدفع مالا ويأخذ عليه فائدة، هذا ربا، فكيف تكون الكفالة التي هي مجرد ورقة يصدرها البنك وهي مجرد كفالة مجردة محضة ليس فيها عمل، فكيف يكون جائزا بان يأخذ عليها فائدة؟ إذا كان الربا على النقود إذن هذا ربا على الوجاهة، أو ربا على ضمان أو ربا على كفالة. هذه لا تجوز وانتهينا إليها. ونصدر الآن كفالات في كثير من المصارف الإسلامية التي نحت هذا النحو لمجرد أن نأخذ قيمة القرطاس والورق مهما كانت الضمانة خمس دنانير، عشر دنانير، وهذه جلبت لنا مصالح كثيرة، جلبت لنا في الحقيقة مصالح كثيرة وأعمال كثيرة، ورأوا إنسانية العمل الإسلامي، وخلصنا كثيرا من الناس من أن يستغلوا من قبل المصارف الربوية، وتؤخذ عليهم أموال يجب ألا تؤخذ. إنما في الحقيقة يجب علينا أيضا أن نبين بأن تخريج أساتذتنا السالوس والصديق الضرير بأن الكفالة أو الضمان المغطى بمبلغ، في الحقيقة هذه ناحية فقهية وقاعدة فقهية أن أوكل إنسانا أن يسدد عني، وذلك وكالة يجب أن يأخذ عليها أجرا، يجب أن يكون هذا الأجر غير منسوب إلى مبلغ الكفالة. يكون الأجر محددا لنفس العمل، لنفس أخذ الأموال وتسديدها ما يكلف عليه الأجر، مجرد ما يكلف عليه المبلغ يعقد البنك لا بأس، إنما إذا كانت الأجرة ملحوظا فيها مبلغ الكفالة في النفس فيها شيء وان أفتاك الناس وأفتوك.
стр. 1124
لحل أشكال الكفالة البنكية، في الحقيقة نريد أن نبين لماذا تطلب الكفالة على المقاول وخصوصا على التاجر. تطلب الكفالة للأمور التالية:
الأمر الأول: جدية المقاول، ينظر في الجدية.
الأمر الثاني: ليشرك معه شركة ثانية ذات اختصاص وحتى تعاونه في دراسة المشروع وحتى ترشده وحتى تبين ربما انه عندما يأتي إلى المصرف لأخذ الكفالة والمصرف يسأله لماذا؟ ربما يبدي له النصح، إذن أصبحت الكفالة غير مجردة. الكفالة المجردة انتهينا منها إنما الكفالة غير المجردة المصحوبة في عمل يجب أن يوضع فيها نصوص أن يوجد فيها عقد وهذا العقد يبين فيها ماذا يقوم البنك فيها من عمل، إذا كان عمل دراسة، إذا كان استلام مستحقات، إذا كان ملاحظة المشروع، أي مشروع كان فهذا عمل يستحق عليه أجرا، وأود من السادة الفقهاء أن يجلسوا مع المختصين لعمل صيغة لمثل هذه الأمور، وهذه الصيغة تتضمن كفالة وتتضمن عملا يقوم فيه البنك كوكيل عن المضمون. وهذه في الحقيقة إلى الآن ما تمت، مع العلم بان في الكثير من المؤتمرات أوصت بها ولكن انشغال الجميع عطل هذا، وتعطيل هذا فيه تعطيل لأعمال البنك.
أما ما ذهب إليه أخي الجناحي فأنا أؤيده تماما: أن الضمانات في المصارف الأجنبية وحتى تؤخذ، والاعتمادات لا تسجل لا في الأصول ولا في الخصوم وإنما تسجل بالمعادلة، ولكن نحت المصارف بعد ذلك منحى آخر، بما أنها تتحمل الغرامة جعلت نسبة معينة في الخصوم، وهذه النسبة المعينة تستثمرها ربويا. طبعا هذا لا هو من شاننا ولا هو من اختصاصنا، إلا أنها أدركت بان عليها أن تقوم بواجبها وان تخصص مبالغ تستثمر في الربا، هذا لا شان لنا به، هي ربوية من اصلها، إنما الذي يجب علينا أن نعمله: أولا: أنا انصح إخواني في المؤسسات المصرفية بما يلي:
-الكفالة المجردة المحضة أن يأخذوا عليها الأجرالفعلي "قيمة الورق والقرطاس فقط" حتى لا تلصق بنا اتهامات من الآخرين.
стр. 1125
الكفالة المغطاة أيضا فيها في نفس الشيء، يجب أن يؤخذ فقط الأجرة التي يستحقها البنك على تغطية المبلغ فيما لو طلب منه ذلك وهذه نسبة بسيطة جدا لا تنسب إلى مبلغ الكفالة.
ثم الشيء الثالث الذي أنا أود أن المختصين أمثال الدكتور السالوس والأخ عبد الستار وشيخنا زكريا البري وشيخنا مصطفي الزرقاء مع المختصين في البنوك يعملون الصيغة الحقيقية للكفالة. هي كفالة تتضمنها دراسة مشاريع كاستلام مستحقات وملاحظة المشاريع، يعمل ويعرض في مجمعكم حتى ترون رأيكم شكرا، والله يحفظكم.
الشيخ أنس الزرقاء:
بسم الله الرحمن الرحيم، أود التعليق بإيجاز في شأن خطابات الضمان. في الحقيقة العقبة الكبرى، لا شك أبدا أن إباحة أخذ الأجر على الضمان المطلق لا شك انه فعلا يفقدنا السند في تحريم الربا وبالتالي لا يمكن قبول فكرة أخذ الأجر على الضمان المطلق بحال من الأحوال. ولكن المشكلة الكبرى ما هو البديل؟
في الحقيقة يبدو لي أن البديل في هذه الحالة هو عين البديل الذي وافق كل علماء المسلمين المعاصرين على الأخذ به في مسألة التأمين، إلا وهو التامين التعاوني. بعبارة أخرى البديل الإسلامي في قضية خطابات الضمان وما شابهها من الكفالات التي تتطلب جهة تصدرها، هو أن تنشا مؤسسة للتكافل التعاوني، لا يربح أحد منها شيئا على الإطلاق ولكن من يحتاج إلى كفالة وتكون طبيعتها لا تنطوي على عمل استرباحي يسهل دخول مصرف إسلامي مشارك فيه أو كل الحالات المشابهة التي لا يصح فيها شرعا أن تعطي الكفالة باجر، مثل هذه الحالات ينبغي أن يكون لها مؤسسة للتكافل التعاوني بنفس منطق وأساس التأمين التعاوني. كل من يطلب مثل خطاب ضمان أو كفالة معينة يطلب منه أن يؤدي مبلغا يقدر بطريقة ما حسب احتمالات ضخامة المبلغ، حسب احتمالات الخسارة ولكن هذا المبلغ لا ينتفع منه أحد ويذهب إلى صندوق هذه المؤسسة.فهو يقول إننا نحن مستعدون أن نكفلك بشرط أن تساعدنا على أن تكفل إخوانك الآخرين الذين سيحتاجون مثلك إلى خطابات الضمان. بهذه الحالة المؤسسة تكون مؤسسة لا ربحية أن شئتم أن نسميها وقفا أي شيء من هذا القبيل، ربما حتى المؤسسات المصرفية الإسلامية تساهم في إنشائها بطريقة أو بأخرى أو أنها تبدا مثل أي شركة تأمين تعاوني بالتالي ينتفي منها الاسترباح ولا يعود ما يؤخذ من الشخص هو أجر على الكفالة وطلب أننا نعين غيرك ولا يربح أحد منها.
следующие страницы →