← Фикх общий

Фикх общий · id 8356

مجلة مجمع الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (22 276 стр.). Показаны 10851–10890 · переход к 10856.

стр. 10851

فهو إذن بالإضافة إلى انسجامه مع الأدلة العامة يملك سند الإجماع المنقول كما تنص على صحته نصوص عن أئمة أهل البيت (ع) كما سيأتي الحديث عنها. إلا أنه راح يذكر صور الاشتراط ويحللها ليجد ما يوافق منها القواعد العامة وما يخالفها وقد مر علينا ذلك قبل قليل ورأيناه يقبل أغلب تلك الصور على تفصيلات إلا أنه يرى أن إشكال الغرر يأتي في أكثرها فيقول: (ثم إن إشكال الجهالة والغرر يأتي في أكثر الصور فما فيها الغرر بالوجه الذي مر بيانه تبطل على القواعد ولا بد في صحتها من التماس دليل من إجماع أو أخبار خاصة) (١) وهذا ما يستفيده هو بعد تعرضه لتلك الأخبار الخاصة حيث يقول بعد استعراضها: (وكيف كانت تدل هذه الروايات على صحة الشرط مع الجهالة في المجعول وزمان الخيار أو زمان لزوم الرد أو الفسخ أو الانفساخ) (٢) . الأدلة الخاصة في مورد بيع الوفاء: وهنا يذكر الإجماع المنقول والروايات الواردة عن أئمة أهل البيت (ع) وقد ذكرت في الباب السابع والثامن من أبواب الخيار في كتاب وسائل الشيعة للمرحوم الشيخ الحر العاملي وعلى النحو التالي. ١- محمد بن يعقوب عن أبي علي الأشعري عن محمد بن عبد الجبار عن علي بن النعمان عن سعيد بن يسار قال: قلت لأبي عبد الله ﵇ : إنا نخالط أناسًا من أهل السواد وغيرهم فنبيعهم ونربح عليهم للعشرة اثني عشر، والعشر ثلاثة عشر ونؤخر ((نوجب)) ذلك فيما بيننا وبين السنة ونحوها ويكتب لنا الرجل على داره أو على أرضه بذلك المال الذي فيه الفضل الذي أخذ منا شراء قد باع وقبض الثمن منه فنعده إن هو جاء بالمال إلى وقت بيننا وبينه أن نرد عليه الشراء فإن جاء الوقت ولم يأتنا بالدراهم فهو لنا فما ترى في الشراء؟ فقال: أرى أنه لك إن لم يفعل وإن جاء بالمال للوقت فرد عليه. وروى هذا الحديث الشيخ الصدوق بإسناده عن سعيد بن يسار ورواه الشيخ الطوسي بإسناده عن الحسين بن سعيد عن علي بن النعمان وعثمان بن عيسى جميعًا عن سعيد بن يسار. ٢- محمد بن يعقوب عن أبي علي الأشعري عن فضالة عن أبان بن عثمان عن أبي الجارود عن أبي جعفر (الباقر) ﵇ (وفي نسخة أخرى عن أبي عبد الله الصادق) قال: إن بعت رجلًا على شرط فإن أتاك بمالك وإلا فالبيع لك.

стр. 10852

٣- محمد بن الحسن (الطوسي) بإسناده عن الحسين بن سعيد عن صفوان، عن إسحاق بن عمار قال: حدثني من سمع أبا عبد الله ﵇ وسأله رجل وأنا عنده فقال: رجل مسلم احتاج إلى بيع داره فجاء إلى أخيه فقال: أبيعك داري هذه وتكون لك أحب إليَّ من أن تكون لغيرك على أن تشترط لي إن أنا جئتك بثمنها إلى سنة أن ترد علي فقال: لا بأس بهذا إن جاء بثمنها إلى سنة ردها عليه. قلت: فإنها كانت فيها غلة كثيرة فأخذ الغلة لمن تكون الغلة؟ فقال: الغلة للمشتري، ألا ترى أنه لو احترقت لكانت من ماله. وروى هذا الحديث الصدوق بإسناده عن إسحاق بن عمار عن أبي عبد الله ﵇. ورواه الشيخ الكليني ﵀ عن محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين عن صفوان. ٤- وروى الشيخ الطوسي بإسناده عن الحسن بن محمد بن سماعة عن أحمد بن أبي بشر (وفي نسخة أخرى: بشير) عن معاوية بن ميسرة قال: سمعت أبا الجارود يسأل أبا عبد الله ﵇ عن رجل باع دارًا له من رجل، وكان بينه وبين الرجل الذي اشترى منه الدار حاصر فشرط إنك إن أتيتني بمالي ما بين ثلاث سنين فالدار دارك فأتاه بماله، قال له: شرطه، قال أبو الجارود: فإن ذلك الرجل قد أصاب في ذلك المال في ثلاث سنين قال: هو ماله. وقال أبو عبد الله ﵇ : أرأيت لو أن الدار احترقت من مال من كانت تكون، الدار دار المشتري (١) . ٥- ويضاف إليها رواية جاءت في كتاب دعائم الإسلام عن أبي عبد الله ﵇ (أنه سئل عن رجل باع داره على شرط أنه إن جاء بثمنها إلى سنة أن يرد عليه قال: لا بأس بهذا وهو على شرطه) (٢) . وتشكل هذه الروايات محور البحث في الفروع التي طرحت في هذه المسألة وهي متشعبة نذكر هنا بعضها ثم نعقب ذلك بخاتمة.

стр. 10853

الفرع الأول صور الاشتراك ومدى انسجامها مع القواعد العامة وقد ذكروا له صورًا كما يلي: الصورة الأولى: أن يكون الشرط هو الخيار المقيد برد الثمن بمعنى أنه يجعل منذ البدء مضيقًا وحينئذ فله الخيار (بهذا القيد) طول الوقت المعين. (وهذا لا إشكال في صحته لعدم التعليق فيه وعدم الجهالة في الجعل والمجعول، والجهل بوقت الأداء خارج عن محط الجعل نظير الجهل بأعمال خيار الشرط إذا جعل ثلاثة أيام) (١) . الصورة الثانية: أن يعلق الخيار على رد الثمن في الوقت المعين فلا يثبت إلا بعد تحقق المعلق عليه وحينئذ فلا خيار قبل تحقق الرد وتكون مدة الخيار منفصلة دائمًا عن العقد كما يرى الشيخ الأنصاري في حين يرى الإمام أنه ثابت في كل المدة لأن المعلق عليه ليس قيدًا ولا إشكال فيه سوى التعليق وهو غير مضر لعدم الدليل على بطلانه شرعًا، أما إشكال الغرر فقد تقدم الحديث عنه. الصورة الثالثة: أن يؤخذ الرد قيدًا للفسخ بمعنى أن له الخيار طوال المدة المعينة على وجه يقارن الرد أو يتأخر عنه ولا مانع منها. الصورة الرابعة: أن يعتبر الرد فسخًا فعليًّا وقد ذكر الشيخ الأنصاري أن صاحب الرياض اعتبر هذه الصورة هي الظاهرة من الأخبار.

стр. 10854

الصورة الخامسة: أن يشترط انفساخ العقد حال رد الثمن فيكون هذا من قبيل شرط النتيجة وقد اعتبرها الشيخ الأنصاري هي الظاهر من رواية معاوية بن ميسرة المتقدمة وهي الصورة التي يبدو أن صاحب الغنية ركز عليها حيث أنه لم يذكر هذا القسم في الخيار وإنما ذكره في أمثلة الشروط الجائزة في متن العقد قائلًا: (أن يبيع ويشترط على المشتري إن رد الثمن عليه في وقت كذا كان المبيع له) (١) . هذا وقد أشكل عليها بإشكالين. الأول: أن شرط النتيجة غير صحيح. الثاني: أنه يعني اقتضاء الشيء عدم فسخه أو انفساخ العقد بلا سبب. أما الإشكال الأول فيقال في توضيحه أن الاشتراط يعني تمليك الشرط للمشروط له تمامًا كما في شرط الفعل والنتائج لا تقبل الإضافة إلى مالك. ولكنه غير صحيح فالحقيقة هي أن هناك التزامًا من البائع بالفعل أو بالنتيجة ولا مانع في ذلك. وأما الثاني فيقال في جوابه أن سبب الانفساخ هو الشرط نفسه وليس العقد. الصورة السادسة: أن يشترط البائع على المشتري أن يقيله أو يبيعه من جديد أو ينقل المبيع إليه عند رد الثمن وهو الاستظهار الوارد في كتاب الوسيلة حيث قال: (إذا باع شيئًا على أن يقيله في وقت كذا بمثل الثمن الذي باعه لزمته الإقالة إذا جاءه بمثل الثمن في المدة) . ولا مانع من هذه الصورة أيضًا. ما يستفاد من الروايات الآنفة: أما رواية إسحاق بن عمار فهي تحتمل كل هذه الصور وكذلك رواية سعيد بن يسار في حين أن رواية معاوية بن ميسرة الظاهر من لفظها شرط النتيجة (فالدار دارك) ولكنها كلها تحتمل الوجوه الماضية إما مباشرة أو بالكناية.

стр. 10855

الفرع الثاني هل يكفي مجرد الرد في الفسخ؟ قيل: أن ظاهر عبارات العلماء هي أن مجرد رد الثمن ليس قاطعًا للبيع. ذلك أن الذي يتبع الرد هو الخيار لا انقطاع البيع ولا ينفسخ البيع معه إلا بالفسخ وليس الرد بنفسه فسخًا لأنه لا يدل عليه وإن كان علامة على الإرادة والإرادة غير المراد. ولكن الشيخ الأعظم الأنصاري يقول: (أما لو فرض الدلالة عرفًا إما بأن يفهم منه كونه تمليكًا للثمن من المشتري ليتملك منه المبيع على وجه المعاطاة وإما بأن يدل الرد بنفسه على الرضا بكون المبيع ملكًا له والثمن ملكًا للمشتري فلا وجه لعدم الكفاية لاعترافهم بتحقق الفسخ فيما هو أخفى من ذلك دلالة وما قيل من أن الرد يدل على إرادة الفسخ والإرادة غير المراد ففيه أن المدعي دلالته على إرادة كون المبيع ملكًا له والثمن ملكًا للمشتري ولا يعتبر في الفسخ الفعلي أزيد من هذا مع أن ظاهر الأخبار كفاية الرد في وجوب رد المبيع بل قد عرفت في رواية معاوية بن ميسرة حصول تملك المبيع برد الثمن فيحمل على تحقق الفسخ الفعلي به) (١) . وخلاصة كلامه: أنه لا مانع من أن يدل الرد دلالة عرفية على الفسخ وعندئذ يكفي في انقطاع البيع. وقد استظهر من الروايات الماضية كفاية الرد بل إن رواية معاوية صريحة في ذلك. في حين أن الإمام الخميني أكد أن الظاهر هو ما يقوله الأصحاب فالرد يتبعه الخيار لا الانقطاع وهو ما نستظهره أيضًا. نعم لو نص في العقد على أن يكون الرد فسخًا فلا إشكال في ذلك.

стр. 10856

الفرع الثالث هل يسقط الخيار بإسقاطه بعد العقد وقبل تحقق الرد؟ يرى الشيخ الأنصاري ذلك وقد ذكرت لتوجيه هذا الرأي وجوه وتعبيرات: الأول: أن تحقق العقد يعني تحقق سبب الخيار وهو كاف في صحة إسقاط الحق. الثاني: أن المشروط له مالك للخيار قبل الرد ولو من حيث تملكه للرد الموجب له فله إسقاطه. الثالث: أن الإسقاط هو على نحو الواجب المشروط (أي المعلق وجوبه على شيء دخيل في أصل ملاكه كالاستطاعة بالنسبة للحج) . فيكون السقوط (وهو أثر الإسقاط) بعد تحقق الخيار بتحقق الرد. ويزاد على هذا فيقال أن العلاقة بين الإسقاط والسقوط الاعتباريين ليست كمثلهما في الأمور التكوينية وهنا يرى العقلاء أن هناك وجودًا إنشائيًّا ممتدًّا للإسقاط يستمر حتى يتحقق الرد وبالتالي يتحقق الخيار فيتم بإسقاطه. الرابع: أن البائع يملك الرد كحق من حقوقه فيصح له أن يسقط حق الرد فيسقط معه الخيار هذا بعض ما يمكن أن يؤيد به نفوذ الإسقاط وأداؤه للسقوط إلا أن الإمام يرد على كل هذه الوجوه. أما الأول: فيقول فيه أن تحقق السبب وهو العقد لا يخرج الإسقاط عن كونه إسقاطًا لما هو غير حاصل. وأما الثاني: فيرى فيه أنه صحيح من حيث الإمكان إلا أننا بحاجة لإثبات وجود سلوك عقلاني يقضي ببقاء مثل هذا الإسقاط حتى يتحقق موضوعه فينفذ، وأن يتوفر هذا السلوك في عصر المعصوم ﵇ فيمضيه ولو بعدم الردع عنه وهو أمر مشكوك التحقق آنذاك. وأما الثالث: فيقول فيه أنه ليس مالكًا إلا على سبيل التجوز وهو لا يكفي للإسقاط المنجز. وأما الرابع: فيرى أن كونه من الحقوق دعوى بلا بينة ويكفي بقاء الخيار بعد الإسقاط للشك في تأثيره بل يستظهر أنه ليس من الحقوق. هذا ما أفاده ﵀ (١) .

стр. 10857

الرأي الراجح: والذي يرجح في النظر هو الإسقاط بالإسقاط والتعبير الثاني رغم كونه مجازيًّا فهو حالة عرفية يلاحظها العرف بأدنى نظر ويراه مالكًا عبر تملكه لسبب الخيار دون مؤونة تذكر فهو دليل محكم. وكذلك الوجه الثالث باعتبار أن المرتكز في العرف في نظائر هذه المعاملات هو كذلك وقد قبل الإمام نفسه نظير ذلك في تصحيح بيع الفضولي وغيره بل قد قبل جريان الفضولية في الإيقاعات لولا الإجماع على عدمه. فهذا هو مرتكز العرف في المعاملات وهذا المرتكز نفسه ممضى من الشارع والإلجاء النهي عنه. وكذلك أيضًا الوجه الرابع فلا ريب في أن من حقوقه أن يشترط الخيار بمقتضى سلطنته فهي حقوق مترتبة على الملكية كما أن من حقوقه نتيجة التعامل أن يكتسب الخيار بالرد وهو بالتالي يملك إسقاط هذا الحق (والله أعلم) .

стр. 10858

الفرع الرابع ما هو الموقف لو كان المردود من غير جنس الثمن أو فاقدًا للقيد المعتبر كأن يكون معيبًا والمطلوب أن يكون صحيحًا (ولو لأجل انصراف الإطلاق إلى قيد الصحة) ؟ قيل: بالتفصيل بين المردود من غير جنس الثمن والمردود الذي ظهر معيبًا أو فاقدًا لوصف معتبر فيه فلا يتحقق في الأول ويتحقق في الثاني مع ثبوت حق المطالبة بالاستبدال. وقد قيس هذا على باب البيع إذا وقع على غير الجنس بعنوان الجنس أو على المعيب بعنوان الصحيح حيث يبطل في الأول ويصح في الثاني مع ثبوت خيار تخلف الوصف وكذا لو وقع على الكلي في الذمة وتم أداء الفاقد للوصف المذكور في ذلك الكلي حيث إن للمشتري قبوله وإسقاط الوصف. وقيل: أنه لم يتحقق الرد في كلتا الحالتين لعدم تحقق المعلق عليه (بل لو رضي الطرف به أيضًا لم يثبت لأن المفروض أن الصحة شرط ولا ينقلب عما هو عليه بتراضيهما) (١) . أما القياس ففي غير محله لأن قياس المورد على البيع الشخصي فهو مع الفارق إذ البيع وقع على الشخص، وتخلف الوصف لا يوجب تخلف البيع في حين وقع الخيار على رد الشيء الموصوف ومع فقدان الوصف يتخلف الرد فلا يثبت الخيار وأما القياس على الكلي الموصوف فهو أيضًا مع الفارق لأنه لا ينطبق أصلًا على فاقد الوصف. إلا أن الظاهر أن القول بالتفصيل له وجه وجيه. فصحيح أن الرد إنما هو للشيء الموصوف ولكنه منصب أولًا وبالذات على الشيء ويعتبر ردًّا حقيقة وإن كان للمشتري حق المطالبة بتحقق الوصف فإن عفى عنه كان ردًّا حقيقة في نظر العرف. وكذا الأمر في الكلي في الذمة فالانطباق وإن لم يكن قيدًا عقليًّا ولكنه انطباق عرفي خصوصًا بعد العفو عن الوصف المتخلف. ولذا لا نرى وجهًا عرفيًّا للقول بعدم تحقق الرد حتى بعد رضا المشتري بالعين المعطاة.

стр. 10859

الفرع الخامس حكم التلف والتلف قد يتعلق بالمبيع وقد يتعلق بالثمن، وهما أيضًا قد يقعان قبل الرد وأخرى بعد الرد فما هو حكم هذه الحالات؟ أما المبيع فإنه لو تلف قبل الرد أو بعده فهو من المشتري لأنه هو المالك عقديًّا في بيع صحيح ولذا فله نماؤه أيضًا ولكن هل يبقى الخيار؟ هناك من يرى بقاء الخيار للبائع فله أن يسترد المثل أو القيمة حينما يرد الثمن أو بدله. وهناك من يرى سقوط الخيار باعتبار أن مصب هذا الخيار هو الإلزام بإعادة المبيع عند رد الثمن، والظاهر من هذا هو بقاء المبيع في هذا المورد فإذا تلف المبيع فلا معنى للخيار. وهذا ما يحتمله الشيخ الأعظم في المكاسب (١) إلا أن الإمام يركز على خصوصية أخرى يختص بها بيع الخيار دون غيره (وهي معهودية رجوع نفس العين برد الثمن أم مثله فإن بيع الخيار بحسب النوع الذي يشذ خلافه إما يقع على المبيع الذي يكون لصاحبه علاقة (عاطفية) به بخصوصه بالثمن الذي هو محل احتياجه ليصرفه فيما يحتاج إليه فيبيع داره التي هي ظل رأسه وضيعته التي هي قرة عينه، وإنما يقدم على بيعها بأقل من قيمتها لأجل العلم والاطمئنان بإمكان أداء الثمن واسترجاعها ولو كان نظره إلى ماليتها لا إلى عينها لما باعها إلا بثمن المثل لتحصيل ماليتها الواقعية ولم يكن وجه لبيعها بالشرط) (٢) . والروايات المذكورة واضحة في هذا المورد كقول البائع في رواية إسحاق: (أبيعك داري هذه وتكون لك أحب إلى من أن تكون لغيرك) . وعليه فالمراد بالدار هو خصوصها لا ماليتها. والظاهر أنه رأي قوي لا يمكن العدول عنه ولولا هذه الخصوصية لقلنا هنا كسائر الخيارات برجوع العين بالفسخ ومع التلف يرجع إلى البدل. هذا وقد ذكر أن التلف لو تم بعد رد الثمن فإنه سيكون مشمولًا لقاعدة (التلف في زمان الخيار ممن لا خيار له) والمشتري هنا لا خيار له فالتلف منه وحينئذ تنفسخ المعاملة ولا معنى حينئذ للخيار.

стр. 10860

وهذه القاعدة قيل (١) عنها أنها مسلمة لدى الأصحاب واستدل لها بالأخبار والإجماع المنقول ثم جاء التساؤل عما إذا كان هذا الحكم على مقتضى القواعد الأولية باعتبار أن التلف يقوم مقام الفسخ أم لا باعتبار أن المعاملة تامة وأن النقل والانتقال حاصل بالفعل رغم وجود الخيار (وهو المرجح) فتكون الروايات على خلاف القاعدة ويقتصر فيها على مواردها من خيار الحيوان والشرط ولا يمكن الخروج إلى التعميم إلا بقياس مرفوض. هذا وقد استظهر الشيخ الأعظم الأنصاري شمولها لخيار المجلس أيضًا وعلى أي حال فلا تملك هذه القاعدة العموم المطلوب لأنها غير منصوص عليها مباشرة بل هي مستخرجة من نصوص جاءت في موارد خاصة وليس فيها تعميم. ثم إنها لو شملت المورد فالكلام الآنف يأتي هنا. أما لو تلف الثمن الشخصي فإن كان بعد الرد وقبل الفسخ فإن قلنا بشمول القاعدة الماضية للمورد يكون التلف من المشتري باعتباره مصداقًا لمن لا يملك الخيار وإن كان ما زال ملكًا للبائع. ولكن الإشكال في شمول القاعدة للثمن هنا قوي باعتبار أنها واردة في خصوص المبيع في الخيارات الآنفة فقط بالإضافة إلى إشكال آخر يأتي من ضم قاعدة (الخراج بالضمان) إلى الإجماع على أن النماء ما زال للبائع فالضمان عليه لا على المشتري. فلو شملته القاعدة فمعنى ذلك تلف الثمن من المشتري وانفساخ العقد وعودة المبيع إلى البائع - وقد شككنا في الشمول - وإلا كان التلف من البائع وتأتي هنا فروض الاستبدال وإمكانه وعدمه وقد رجح الشيخ الأنصاري إمكان إرجاع البدل واسترجاع المبيع. أما لو كان تلف الثمن قبل الرد فهل هو من البائع؟ قيل: إننا لو قلنا بوجود الخيار قبل الرد وقلنا بشمول القاعدة لهذا المورد فالحكم كذلك (أي أن التلف من المشتري وانفساخ العقد وعودة المبيع إلى البائع) إلا أن الإنصاف يقتضي أن لا نعمم القاعدة حتى إلى هذا المورد رغم قولنا بوجود ما للخيار قبل الرد باعتبار امتلاكه للرد نفسه. وعليه فيكون التلف من البائع خصوصًا بعد ملاحظة أن النماء له وله أن يدفع البدل (على بحث في ذلك) .

стр. 10861

الفرع السادس هل للمشتري أن يتصرف تصرفًا ناقلًا للعين؟ لا ريب في أن للبائع أن يتصرف في الثمن لأن التصرف هو المقصود بالعقد ابتداء ولو تصرف به تصرفًا ناقلًا سقط خياره على النحو المتقدم هذا إذا كان الثمن شخصيًّا طبعًا. أما المشتري فهل يجوز له ذلك؟ هذه المسألة تدخل تحت بحث مهم طرحه علماء الإمامية في باب أحكام الخيار تحت عنوان (عدم جواز تصرف غير ذي الخيار) وقد استعرض الشيخ الأعظم في مكاسبه (١) أقوالهم بإسهاب وذكر أقوال القائلين بالمنع وتفصيلاتها ثم قال رادًّا عليها: (هذا غاية ما يمكن أن يقال في توجيه المنع لكنه لا يخلو عن نظر فإن الثابت من خيار الفسخ بعد ملاحظة جواز التفاسخ في حالة تلف العينين هي سلطنة ذي الخيار على فسخ العقد المتمكن في حالتي وجود العين وفقدها فلا دلالة في مجرد ثبوت الخيار على حكم التلف (التصرف) جوازًا ومنعًا فالمرجع فيه أدلة سلطنة الناس على أموالهم ألا ترى أن حق الشفيع لا يمنع المشتري من نقل العين، ومجرد الفرق بينهما بأن الشفعة سلطنة على نقل جديد فالملك مستقر قبل الأخذ بها غاية الأمر تملك الشفيع نقله إلى نفسه بخلاف الخيار فإنها سلطنة على رفع العقد وإرجاع الملك إلى الحالة السابقة لا يؤثر في الحكم المذكور مع أن الملك في الشفعة الأولى بالتزلزل لإبطالها تصرفات المشتري اتفاقًا وأما حق الرهن فهو من حيث كونه وثيقة يدل على وجوب إبقائه وعدم السلطنة على إتلافه مضافًا إلى النص والإجماع على حرمة التصرف في الرهن مطلقًا ولو لم يكن متلفًا ولا ناقلًا ... والحاصل أن عموم الناس مسلطون على أموالهم لم يعلم تقييده بحق يحدث لذي الخيار يزاحم به سلطنة المالك فالجواز لا يخلو عن قوة في الخيارات الأصلية. أما بالنسبة للخيارات المجعولة بالشرط فالظاهر من اشتراطها إرادة إبقاء الملك ليسترده عند الفسخ بل الحكمة في أصل الخيار هو إبقاء السلطنة على استرداد العين) (٢) .

стр. 10862

وهكذا نجده ﵀ يفرق بين الخيارات الأصيلة كخيار العيب مثلًا والخيارات المجعولة بالشرط فيجيز التصرف الناقل هناك ويرفض هنا لمنافاته لمصب التعاقد وهو الاسترداد عند الفسخ. وهناك تفصيلات كثيرة لا يمكننا التعرض إليها إلا أننا نلاحظ تمامًا أن فقهاء الإمامية فرغوا من التمليك كما قلنا وأن العين في مثل موردنا هي ملك المشتري ولكن البحث كله في مانعية التزلزل الناشىء من وجود الخيار من القيام بمثل هذا التصرف، وليس هذا كالعين المرهونة إذ لا يجوز للمرتهن أن يتصرف بها أي تصرف لأنها ليست إلا كوثيقة على دَينِه. وما يمكن أن يذكر هناك من المنع هو ما ذكره الشيخ الأعظم من أن مصب العقد على إبقاء العين معدة للاسترجاع بمجرد تحقق الرد وقيام البائع بالفسخ (إن لم نقل بأن الرد نفسه فسخ) وربما كان هذا منافيًا لهذا الغرض إلا أن يكون التصرف مما لا يتنافى مع ذلك كالسكنى والإجارة وخصوصًا فيما هو التعارف من الإجارة لنفس البائع بل ويمكن القول بجواز البيع مع بقاء حق الفسخ للبائع الأول متى شاء وتعود العين إليه على تفصيلات في البين. فإذا منعنا المشتري من البيع وتخلف فباع فهناك بحث في بطلان هذا البيع وعدمه، يقول الإمام الخميني في هذا الصدد: (ثم إنه على ما ذكرنا في بيع الخيار فاللازم منه وجوب حفظ المبيع لأنه مقتضى القرار والشرط في المقام، ولو تخلف وباعه فهل يقع باطلًا أو لا؟ وجهان مبنيان على ثبوت الحكم الوضعي في الشروط التي تتعلق بالأفعال وعدمه. وأما ما قيل من أن وجوب العمل بالشرط يوجب تعجيز المشتري عن بيعه فلا يرجع إلى محصل فإن نفس الوجوب لا يوجب إلا الإلزام بالعمل وصيرورته موجبًا لعدم تأثير البيع (لو تخلف) أول الكلام، بل ما هو مقتضى الشرط وجوب حفظه لا حرمة بيعه فلا وجه للبطلان إلا دعوى كون وجوب الشيء مقتضيًا لحرمة ضده الخاص وكونها إرشادًا إلى البطلان وهي كما ترى باطل في باطل) (١) . وفي مجال الفتوى يقول: (وليس للمشتري قبل انقضاء المدة التصرف الناقل وإتلاف العين إن كان المشروط ارتجاعها ولا يبعد جوازهما إن كان (المشروط) السلطنة على فسخ العقد) (٢) . في حين أفتى الإمام الحكيم وتبعه الإمام الصدر بعدم الجواز مطلقًا (٣) .

стр. 10863

الفرع السابع حكم الاشتراط من قبل المشتري ذكروا أنه كما يجوز للبائع اشتراط الفسخ برد الثمن كذا يجوز للمشتري اشتراط الفسخ برد المثمن. ولو أطلق الاشتراط انصرف الأمر إلى العين نفسها ولو صرح برد البدل مع التلف فلا إشكال أما لو صرح برد البدل مع إمكان رد العين فإنه فيه إشكال كونه خلاف مقتضى الفسخ وهو رجوع كل من العوضين إلى صاحبه. الفرع الثامن هل ينتقل بالإرث؟ جاء في تحرير الوسيلة: (لو مات البائع ينتقل هذا الخيار كسائر الخيارات إلى ورّاثه فيردون الثمن ويفسخون) (١) . وجاء في منهاج الصالحين للإمام الحكيم وبهامشه تعليق الإمام الصدر قوله: (إذا مات البائع قبل إعمال الخيار انتقل الخيار إلى ورثته فلهم الفسخ بردهم الثمن إلى المشتري ويشتركون في المبيع على حساب سهامهم ولو امتنع بعضهم عن الفسخ لم يصح للبعض الآخر الفسخ لا في تمام البيع ولا في بعضه ولو مات المشتري كان للبائع الفسخ برد الثمن إلى ورثته) (٢) . وهذا الحكم هو مقتضى القاعدة.

стр. 10864

خاتمة ونريد أن نشير في الخاتمة إلى أمور: الأمر الأول: مقارنة بين حكم هذا البيع لدى الإمامية مع حكمه لدى غيرهم. من خلال ما تقدم يتضح: أن هذا البيع كان معروفًا لديهم بمقتضى الروايات الواردة عن أئمة أهل البيت ﵈ وليس عقدًا جديدًا عرف في بلخ في القرن الخامس الهجري كما قيل. كما أن مثل هذا البيع ليس بيعًا فاسدًا كما كان السائد قديمًا لدى علماء المذاهب الأربعة وليس عقدًا جديدًا كما تصوره أصحاب القول الجامع كما أنه ليس من مصاديق عقد الرهن كما تصوره بعض الحنفية. وليس عقدًا جائزًا من الطرفين بل هو عقد لازم وللبائع فيه أن يرد الثمن ويستفيد المثمن ويتم انتقال ملكية العين والثمن إلى الطرفين وبالتالي يتبع النماء مالك العين أو الثمن. الأمر الثاني: أشار الأستاذ الزرقاء في ورقته المقدمة للمجمع إلى أن المعتاد في بيع الوفاء أن يكون الثمن أقل من قيمة المبيع بفارق كبير كما في الرهن. وقبل صدور القانون المدني المصري الجديد سنة ١٩٤٩ كانت عقود بيع العقارات بالوفاء في مصر تتضمن شرطًا أنه إذا لم يرد البائع ثمن العقار المبيع بالوفاء في الموعد المحدد ينقلب البيع باتًّا فتم نهب العقارات الكثيرة وحصل ظلم كبير فراح واضعو القانون الوضعي الجديد ينصون على بطلان بيع الوفاء. والحقيقة: هي أن فقهاء القانون الوضعي لهم أن يضعوا ما شاءوا وحسابهم واضح. إلا أن الذي نريد التعقيب عليه هو أن تسمى عملية تحول العقد إلى بيع بات نهبًا بعد أن تمت بكل رضا ورأينا أنها تحمل كل مقومات العقد الصحيح. وقد حلت مثل هذه البيوع مشاكل كثيرة وفتحت مجالات التخلص من الربا بلا ريب ودون أن تشكل غطاء له. ولا نريد أن نبرر سوء تصرف البعض من الأغنياء واستغلال حاجة الضعفاء، فإذا رأى الحاكم الشرعي ذلك كان له أن يتدخل في مثل هذه الموارد فيصدر بمقتضى ما يملكه من سلطات أمرًا بوضع تحديدات معينة تمنع من سوء الاستغلال.

стр. 10865

الأمر الثالث: جاء في عناوين البحوث المطروحة هنا عنوان: (هل يجوز انتفاع الراهن أو المرتهن بالعين المرهونة) . ونحن لا نرى مجالًا لهذا البحث في ذيل بحث بيع الوفاء بعد أن رأينا أن هناك فاصلًا كبيرًا بين العقدين فهنا بيع كامل وانتقال للثمن والمثمن إلى الطرفين وحينئذ فلكل منهما التصرف غير الناقل بما يملكه بل رأينا أن هناك من يجيز التصرف الناقل بعد فرض إمكان الفسخ والعودة إلى البائع الأول أو المالك الأول. وما نود الإشارة إليه هنا أن المقصود من هذا البيع هو التصرف في الشيء المنتقل بهذا العقد وذلك في طرف الثمن أو المثمن فلا مجال في رأينا لمثل هذا البحث هنا. وعلى هذا الغرار يعلم أيضًا أن لا محل للبحث في عنوان: (حكم اشتراط البائع الضمان من المشتري للوفاء ببيع الوفاء) . الأمر الرابع: الآثار الاقتصادية لبيع الوفاء: نعتقد - على ضوء ما سبق - أن هذا العقد يمكنه أن يشكل سبيلًا شرعيًّا للتخلص من الربا وآثاره التخريبية فهو يحدث برغبة من كل من طرفي العقد في الانتفاع بما لدى الطرف الآخر. فالبائع بحاجة للتصرف في الثمن لسد حاجة من حاجاته من جهة فيتم العقد ولا يشعر حينئذ بأنه يدفع شيئًا لقاء حصوله على الثمن ثم هو يحتاط كثيرًا في تصرفه لئلا يفقد ما باعه ببيع الوفاء ليمكنه التسديد حين سعيه لرد العين، والمشتري بحاجة للاستفادة من العين المبيعة والانتفاع بمنافعها مع ضمان تام لعودة رأسماله المدفوع في المدة المشترطة بل لعله أيضًا يترقب استقرار البيع عليه عند انقضاء تلك المدة وهذا مما يشكل حافزًا قويًّا للإقدام على التعامل. وهكذا نجد الدوافع متكافئة والإقدام طبيعيًّا على مثل هذا العقد دونما حاجة للولوج في الربا المحرم وعلى هذا فإن هذا العقد يمكنه أن يشكل أحد العقود التي يمكن للبنك اللاربوي أن يتعامل بها إلى جانب عقود المضاربة والمزارعة والمساقاة والشركة والإجارة بشرط التمليك وغيرها. وكلما أمكننا أن نوسع من دائرة العقود المشروعة أمام البنك استطعنا أن نعطيه بل ونعطي المتعاملين معه الفرص الأكثر لاختيار البدائل الأفضل. الشيخ محمد علي التسخيري * * *

стр. 10866

(مدى انتفاع الاقتصاد من بيع الوفاء) أو توظيف بيع الوفاء في اقتصاد العصر إعداد الدكتور محمد عبد اللطيف صالح الفرفور عضو مجمع الفقه الإسلامي بجدة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ التشريع الإسلامي تشريع مرن، موافق لمصالح العباد، محقق لهم السعادة واليسر ورفع الحرج ودفع الضرر بما اشتمل عليه من أحكام، وما قامت عليه تلك الأحكام من قواعد وأسس ولقد مر على المسلمين ردح من الزمن وهم منغلقون على أنفسهم في دراستهم وفهمهم لفقههم الإسلامي الزاخر الفياض، لا يكادون يبتعدون عن الفهم الحرفي الضيق في الأعم الأغلب بالرغم مما يزخر به هذا الفقه العتيد من نظرات ثاقبة وآراء واجتهادات صائبة، حتى اجتاح العالم الإسلامي هذه الموجة من الحداثة وما تبعها من إعادة النظر فيما لدينا وما لدى غيرنا وما استتبع ذلك من المقارنات والدراسات. ولئن كان عقد بيع الوفاء من العقود التي ابتكرها الفقه الإسلامي العظيم في حقبة من حقب تاريخه الناصع المشرق. ثم جاء من أبناء جلدتنا من تنكر لهذا الفقه ولهذا التاريخ ولهذه الدراسات الفقهية الدقيقة، فنحن اليوم أولى الناس بكنوزنا أن نفك عنها القيود والكبول وأن نستخرج منها الحلول للمشكلات الاقتصادية الجديدة. لهذا اخترت هذا البحث وجعلت عنوانه: (مدى انتفاع الاقتصاد من بيع الوفاء) أو (توظيف بيع الوفاء في اقتصاد العصر) وقدمته ورقة عمل لمجمع الفقه الإسلامي بجدة الذي أشرف بأني أحد أعضائه المؤسسين والعاملين، لعلها تنال من الدرس والاهتمام ما يسدد ويصوب ويتمم، وأقمته - أي البحث - على مدخل ومقصد وخاتمة ... والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.

стр. 10867

المدخل إلى البحث التعريف ببيع الوفاء عند الفقهاء إجمالًا (أ) تعريف بيع الوفاء: بيع الوفاء هو (أن يبيع شيئًا بكذا أو بدين عليه بشرط أن البائع متى رد الثمن إلى المشتري أو أداه الدين الذي له عليه يرد عليه العين المبيعة وفاء) (١) . أو هو (أن يبيع المحتاج إلى النقود عقارًا على أنه متى وفَّى الثمن استرد العقار) (٢) . أو هو (البيع بشرط أن البائع متى رد الثمن يرد المشتري إليه المبيع) (٣) . أو هو عند الحنفية قولهم: (متى جئتك بالثمن رددت إليَّ المبيع) (٤) . وهو بعد عقد توثيقي (٥) في صورة بيع على أساس احتفاظ الطرفين بحق التراد في العوضين، فهو عقد مزيج من بيع ورهن لكن أحكام الرهن فيه هي الغالبة (٦) ، تردد بين كونه بيعًا أو رهنًا ثم استقر على هذا الاسم الخاص به، وهو من أقسام العقود غير المسماة شرعًا، ولم يرتب التشريع أحكامًا خاصة بها وإنما استحدثها الناس تبعًا للحاجة، ويفترق عن الرهن في غايته من حيث إن غاية الرهن توثيقية فقط، وغاية بيع الوفاء توثيق الدين وانتفاع المشتري الدائن بالعقار. (ب) تاريخ استحداثه: حدث هذا البيع ببخارى أواخر القرن الخامس الهجري، واستقر أخيرًا رأي الفقهاء فيه على أنه يشبه ثلاثة عقود؛ البيع الصحيح، والبيع الفاسد، والرهن، فأعطي من كل واحد من هذه العقود ما يناسب غايته من الأحكام، فهو في حكم البيع الجائز الصحيح بالنظر إلى انتفاع المشتري به، وفي حكم البيع الفاسد بالنظر إلى كون كل من الطرفين مقتدرًا على الفسخ، وفي حكم الرهن بالنظر إلى أن المشتري لا يقدر على بيعه من الغير والدليل على هذا التاريخ الذي ذكرناه لحدوث بيع الوفاء وحدده الأستاذ الزرقاء أن الإمام نجم الدين أبا حفص عمر بن محمد النسفي قال في فتاواه: (البيع الذي تعارفه أهل زماننا احتيالًا للربا وسموه ((بيع الوفاء)) ، وهو في الحقيقة رهن) (٧) ، ونجم الدين النسفي ولادته سنة ٤٦١هـ ووفاته ٥٣٧هـ، فبيع الوفاء تجري فيه أحكام عقود عديدة أبرزها أحكام الرهن (٨) . وقد استحدث بيع الوفاء إلى جانب الرهن على أساس أن يستحق المشتري فيه منافع المبيع بمقتضى العقد على خلاف حكم الرهن، وأخيرًا جاء القانون المدني السوري سنة ١٩٤٩م فمنع بيع الوفاء وعده باطلًا استغناء عنه بالرهن (٩) .

стр. 10868

(ج) مجمل قواعد بيع الوفاء عند الحنفية: ١- اختلف الحنفية في انتفاع المشتري بالمبيع على تيارين اثنين في المذهب؛ فقالوا أولًا: لا يجوز للمشتري وفاء أن ينتفع بالمبيع إلا بإذن البائع ويضمن ما أكله بغير إذنه من ثمرة أو ما أتلفه من شجرة، وهذا قول بعض المتقدمين من علماء المذهب، والذي رجحه المتأخرون وعليه الفتوى تمليك المشتري المنافع دون حاجة إلى إذن البائع بل بحكم العقد (١) . ٢- لا يجوز للبائع أو المشتري أن يبيع العين المبيعة وفاء لشخص آخر، فلو باعها البائع لآخر بيعًا باتًّا توقف البيع على إجازة مشتريها وفاء، ولو باعها المشتري فللبائع أو ورثته حق استردادها، ويكون للمشتري إعادة يده عليها حتى يستوفي دينه. ٣- إذا قبض المشتري المبيع وفاء بعدما دفع الثمن للبائع وتوافق البائع مع المشتري على أن يرد له المبيع إذا رد له نظير الثمن في وقت كذا، ثم جاء الوقت وامتنع البائع من رد نظير الثمن للمشتري يؤمر البائع ببيع المبيع وقضاء الدين من ثمنه، فإذا امتنع باع الحاكم عليه. ٤- إذا هلك المبيع وفاء وكانت قيمته مساوية للدين المطلوب من البائع سقط الدين في مقابلته، وإن كانت قيمته أقل من الدين المطلوب سقط من الدين بقدر قيمته واسترد المشتري الباقي من البائع. ٥- إذا هلك المبيع وفاء في يد المشتري وكانت قيمته زائدة عن مقدار الدين سقط من قيمته قدر ما يقابل الدين، وضمن المشتري الزيادة إن كان هلاك المبيع بتعديه، وإن كان بدون تعديه فلا تلزم الزيادة. ٦- إذا مات أحد المتبايعين وفاء تقوم ورثته مقامه في أحكام الوفاء. ٧- ليس لسائر الغرماء أن يزاحموا المشتري في المبيع وفاء حتى يستوفي دينه من المبيع (٢) . فهو إذن عقد مزيج من بيع ورهن لكن أحكام الرهن فيه هي الغالبة: ١- ففيه من معنى البيع أحكام أهمها: أن المشتري بالوفاء يملك بمقتضى العقد منافع الشيء المبيع وفاءً، فله أن ينتفع به بنفسه، وأن يستغله بإيجاره للبائع ذاته أو لغيره، بخلاف الرهن كما هو معلوم. ٢- وفيه من معاني الرهن كثير قد تصل إلى ستة معان تُنظَر في مظانها (٣) فالمبيع والثمن في بيع الوفاء لهما حكم المرهون والدين المرهون فيه، لا حكم المبيع والثمن حقيقة (٤) .

стр. 10869

مدى علاقة بيع الوفاء بالرهن: احتيج إلى بيع الوفاء ولم يُغنِ الرهن عنه؛ لأن الرهن لا يفيد المرتهن في حق الانتفاع به أو إيجاره في مقابل الدين، وإذا أذن المدين الراهن للمرتهن بالانتفاع فله أن يرجع عن هذا الإذن شرعًا، فاستحدثوا بيع الوفاء ليدخلوا به من أحكام البيع على أحكام الرهن حق الانتفاع للمرتهن بمقتضى العقد، لأن الناس أمسكوا أموالهم عن إقراضها بلا منفعة، فتعورف هذا العقد في صورة شراء وانتفاع، وفي معنى رهن، ليكون فيه للناس مندوحة عن الالتجاء إلى المراباة. وهذا العقد إنما يجري على العقار؛ واختلف اجتهاد الفقهاء في جريانه على المنقول. وعلى هذا فبيع الوفاء يجب أن يذكر عقدًا مستقلًّا لا فرعًا من فروع البيع، وأن يذكر في ترتيب العقود المسماة عقب الرهن لأن فهمه يتوقف على فهم أحكام البيع والرهن معًا (١) . هذا؛ والجدير بالذكر هنا أنه كانت النصوص القانونية المعول عليها لدينا في أحكام بيع الوفاء: هي نصوص قانون الملكية العقارية (٢) وقد نص على أن منافع العقار المبيع بالوفاء تكون بمقتضى العقد للبائع لا للمشتري، ويكون المشتري مسؤولًا وضامنًا لكل ما يستفيده من ثمرات المبيع ومنافعه فتطرح قيمتها من أصل الدين إلا إذا اشترط الطرفان خلاف ذلك، وبذلك لم يبق فرق يذكر بين رهن العقار وبيعه وفاء في أحكام هذا القانون حيث يصبح ذكر بيع الوفاء فيه عبثًا وتكرارًا محضًا لأحكام الرهن فيه باسم جديد.

стр. 10870

لقد فطن لذلك الأستاذ الجليل مصطفى أحمد الزرقاء في كتابه المدخل، فقال ما نصه: ((متقفيًا أثر والده علامة الحنفية في عصره المرحوم الشيخ أحمد الزرقاء رحمه الله تعالى)) فقال حفظه الله: (وهذا من جهل واضعي هذا القانون بمبنى الفرق بين الرهن وبيع الوفاء بحسب منشأ هذا العقد، فإن بيع الوفاء إنما استحدث إلى جانب الرهن على أساس أن يستحق المشتري في منافع المبيع بمقتضى العقد على خلاف حكم الرهن كما أوضحناه، ولعل خطأ واضعي هذا القانون من هذه الناحية ناشىء عما يوهمه ظاهر المادة ٣٩٨ من المجلة إذ تقول: إنه (إذا اشترط في بيع الوفاء أن يكون قدر من منافع المبيع للمشتري صح ذلك) فإن ظاهرها يوهم أن المشتري لا يستحق منافع المبيع وفاء إلا بالشرط. لكنها يجب أن تفهم بأنه إذا اشترط للمشتري بالوفاء جزء فقط من منافع المبيع يخص حقه في المشروط، أما إذا لم يُشرط في العقد شيء فالمنافع كلها للمشتري بمقتضى العقد وذلك بدلالة المادة ١١٨ من المجلة نفسها، فقد صرحت هذه المادة أن بيع الوفاء إنما يشبه البيع الصحيح ويفترق عن الرهن من جهة أن المشتري وفاء يملك منافع المبيع، وهو الحكم الذي قرره الفقهاء في بيع الوفاء، وهذا ما حققه والدي الشيخ أحمد الزرقاء (١) رحمه الله تعالى في شرحه المخطوط على القواعد الكلية من المجلة) . ثم يقول الأستاذ الزرقاء: (وأخيرًا جاء القانون المدني سنة ١٩٤٩م فمنع بيع الوفاء واعتبره باطلًا استغناء عنه بالرهن) (٢) .

стр. 10871

المقصد من البحث أستطيع أن أقسم البحث في هذا المجال إلى قسمين في حالتين: (أ) القسم الأول: في حالة الانتفاع من بيع الوفاء بشكل مباشر بين المتعاقدين بلا وسيط. (ب) والقسم الثاني: في حالة الانتفاع من بيع الوفاء بشكل غير مباشر وذلك بوجود وسيط هو المصرف اللاربوي، أو الجمعيات السكنية. فأما حالة الانتفاع من هذا العقد بلا وسيط فيتجلى ذلك في الصور التالية: ١- قيام نوع من التعامل التجاري بين الأفراد على أساس بيع الوفاء ولاسيما في مجال الإسكان، فإن أزمات الإسكان تكاد تصبح معضلة العصر، فلا مانع من توظيف هذا العقد مع تطويره في مجال الإسكان والإعمار، وإيجاد البدائل الصالحة باستخدام هذا العقد وأمثاله عن اللجوء إلى المعاملات الربوية المحرم الممقوت. ٢- محاولة إيجاد صيغ عملية لهذا العقد المرن الذي نحن اليوم أحوج ما نكون إليه ولأمثاله (١) ، ولا سيما إذا علمنا ما فيه من مرونة عملية. فالبائع والمشتري في البيع بالوفاء قادران على الفسخ أو التراد، مع علمنا أيضًا بأن تمليك المشتري المنافع فيه بحكم العقد على المفتى به عند الحنفية دون حاجة إلى إذن البائع، وبأن ضمان المشتري للمبيع كضمان المرهون، وبأن كون المبيع في بيع الوفاء غير مشاع شرط فيه، وبأن ليس للبائع أو المشتري بيع المبيع وفاء من آخر، وبأنه إذا توفي أحد العاقدين للبيع بالوفاء قامت ورثته مقامه، وبأنه يعطى للمشتري حق الأولوية في بيع الوفاء عن غيره في أخذ المبيع، وبأن المشتري يتملك زوائد المبيع وفاء، ولا يضمنها (٢) .

стр. 10872

وأما حالة الانتفاع من بيع الوفاء بشكل غير مباشر وذلك بوجود وسيط، فذلك فيما أرى يمكن أن يكون بأحد طريقين: ١- طريق وساطة المصرف شريطة أن يكون مصرفًا لا ربويًا، فيكون بذلك هذا المصرف وسيطًا بين طرفي التعامل بحيث يكون المصرف راهنًا لطرف ومرتهنًا لطرف آخر، ويبايع بالوفاء مع الطرفين كلًّا على حدة، بحيث يربح المصرف ربحًا مشروعًا دون ربط الثمن بنسبة مئوية من الفائدة، وهذا يحتاج إلى بحث جديد وإعادة نظر، وصياغة جديدة لهذا النوع من التعامل على ضوء الشريعة الإسلامية بعيدًا كل البعد عن درك دمار منزلقات الربا في هذا العصر، وشبهات الربا وآفاته. ٢- وهنالك طريق وساطة آخر توصلت إليه بعد تفكير طويل أرجو أن أكون قد وفقت فيه إلى الصواب، وذلك عن طريق وساطة الجمعيات السكنية. فالمعروف أن العالم بعامة، والبلاد الإسلامية بخاصة تمُّر بأزمات إسكان خانقة نتيجة للانفجار السكاني الرهيب، وأن هذا يتطلب بل يقتضي التفكير من الفقهاء في إيجاد حلول مناسبة لهذا العصر، ولا سيما وقد انتشرت وفشت فكرة الجمعيات السكنية، فلا مانع من استخدام هذه الفكرة الاقتصادية وتطهيرها من أوضار الربا، ثم صياغتها على أساس من بيع الوفاء الذي قال به الحنفية وفقهاء آخرون، بحيث تكون الجمعية السكنية وسيطًا بين البائع والمشتري كما كان الوسيط المصرفي اللاربوي كما مر آنفًا. وفي الختام أنوه بأن بيع الوفاء وجه من وجوه الرهن وله به شبه كبير، وقد أجاز بعض الفقهاء رهن الوثائق وما شاكل ذلك وشابهه. أقول: إذا كنا نحن المسلمين نحتاج اليوم إلى مئات من الصيغ والعقود المشروعة، فلماذا يُلغي بعض الفقهاء المعاصرين ورجال القانون هذا النوع من الصياغة الفقهية الدقيقة لعقد من العقود معترف به أجازه الفقهاء لعموم البلوى في عصر كانت الحاجة إليه وإلى أمثاله من العقود أقل من الحاجة إليه اليوم، اللهم هل بلَّغتُ؟ اللهم فاشهد ...

стр. 10873

الخاتمة نحن اليوم بحاجة إلى بيع الوفاء نطوره ونجدد صياغته لتفيد منه في عصرنا هذا المليء بالتحديات لمرونة الفقه الإسلامي وصلاحيته للتطبيق. وإذا كان القانون المدني في بعض البلاد الإسلامية ألغاه اكتفاء عنه بالرهن واستغناء فلا أرى مبررًا أبدًا لهذا الإلغاء اليوم، ولن يغني عنه عقد آخر، فإنه من باب (إذا ضاق الأمر اتسع، والحاجات تنزل منزلة الضرورات في إباحة المحظورات) ، بل نحن أحوج ما نكون إليه، وأهيب برجال الفقه الإسلامي وبرجال الاقتصاد أن يعملوا متعاونين متضافرين للإفادة من هذا العقد في التيسير على الناس وتخليص المجتمعات الإسلامية من أزمات خانقة وارتباكات اقتصادية مزعجة ولا سيما أن العقود والبياعات والصيغ الاقتصادية الجديدة أصبحت من الكثرة والتوسع ما تحتاج به إلى الإفادة من كل ما لدينا من صيغ وعقود في فقهنا الإسلامي الزاخر العظيم، ولا سيما إذا كان معترفًا بها ولها قواعدها وضوابطها عند الفقهاء المسلمين. والله يقول الحق وهو يهدي السبيل، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات. الدكتور محمد عبد اللطيف صالح الفرفور

стр. 10874

مصادر البحث ومراجعه ١- ابن عابدين (السيد محمد أمين) ، رد المحتار على الدر المختار (حاشية ابن عابدين) ، طبعة بولاق سنة ١٢٧٢هـ مع التكملة، للسيد علاء الدين عابدين. مجموع الرسائل، طبعة إستانبول جزءان. ٢- قدري باشا (محمد) ، مرشد الحيران إلى أحوال الإنسان، طبعة مصر. ٣- الأتاسي (خالد وولده طاهر) ، شرح المجلة، طبعة حمص. ٤- باز (سليم رستم اللبناني) ، شرح المجلة، طبعة دار إحياء التراث العربي ببيروت. ٥- ملاخسرو (محمد بن فرامرز) ، الدرر شرح الغرر. ٦- ابن قاضي سماوة (محمود بن إسرائيل) ، جامع الفصولين وحاشيته. ٧- حيدر (علي) ، شرح المجلة. ٨- الزرقا (مصطفى أحمد) ، المدخل الفقهي العام، مطبعة الجامعة السورية، طبعة أولى. ٩- الزحيلي (د. وهبة) ، الفقه الإسلامي وأدلته، طبعة دار الفكر. ١٠- السنهوري (د. عبد الرزاق) ، الوسيط شرح القانون المدني المصري. ١١- الزرقا (أحمد) ، شرح القواعد الكلية. ١٢- المرغيناني (الرشداني) الهداية شرح البداية مع حاشيتي الكمال والأكمل. ١٣- الفرفور (محمد عبد اللطيف) ، [ابن عابدين وأثره في الفقه، ((دراسة مقارنة بالقانون)) ] ، رسالة لنيل درجة الدكتوراة، [نظرية الاستحسان في التشريع الإسلامي وصلتها بالمصالح المرسلة] ، طبعة دار دمشق. * * *

стр. 10875

الوفاء بما يتعلق ببيع الوفاء شيخ الإسلام أبو عبد الله محمد بيرم الثاني (المتوفى ١٢٤٧هـ) تقديم وتحقيق محمد الحبيب ابن الخوجة الأمين العام لمجمع الفقه الإسلامي بجدة [تقديم] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ بحمدك اللهم أستوهب العون والتوفيق والرضى، مستهديًا بهديك متدبرًا لكتابك، منصرفًا إلى تقرير أحكامك على الوجه الذي جنح إليه المجتهدون، وسار عليه الفقهاء المقدمون من أهل الملة المصطفاة، الأمة الخيرة التي أخرجْتها للناس، تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتؤمن بالله، معتزة بدينك، متمسكة بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها. وأصلي وأسلم على خير خلقك عبدك ورسولك نبينا محمد وعلى آله وصحبه مبلغ الشريعة العظمى ومصدرها الذي نوه بمقامه الرفيع ومنزلته العالية ودرجته السامية بين الأنبياء والمرسلين ربه ، حيث بعثه للناس كافة بل للعالمين، وجعل طاعته من طاعته في قوله: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ (١) . ولما أمرنا به من التزام منهجه واتباع سبيله في قوله سبحانه: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٢) . وقوله: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ (٣) . فجازاه الله عنا أحسن ما جازى به نبيًّا عن أمته وحشرنا ﷻ يوم القيامة في حزبه بفضله وتحقيق شفاعته.

стр. 10876

وبعد، فقد جرى الحديث بين الدارسين والباحثين حول بيع الوفاء في جلسة من جلسات الندوة الفقهية الثانية لبيت التمويل بالكويت ١٤١٠هـ. وكان الكلام في ذلك عند الحديث عن خيار النقد وتطبيقاته في معاملات المصارف الإسلامية، ورأيت من قبل من كتبوا في هذا الموضوع مختلفة آراؤهم متباينة وجهاتهم (١) وخاصة في الأخذ به وتطبيقه في هذا العصر (٢) . كما رأيت طائفة من القوانين المدنية الوضعية قد فصلت القول فيه مقرَّة له ابتداء ثم ألغته كما ذكر ذلك السنهوري في الوسيط (٣) ومجلة العقود والالتزامات التونسية (٤) فذكرت بكل ذلك عمل أحد أعلام الفقه الحنفي بتونس من رجال القرن الثالث عشر. وحين تقرر بحث هذا الموضوع بمحاوره الثلاثة: - تعريفه، المقارنة بين بيع الوفاء وعقد الرهن، الصور التي يمكن للاقتصاد الإسلامي أن ينتفع بها من بيع الوفاء - في المؤتمر السابع لمجمع الفقه الإسلامي بجدة، عزمت أن أضع بين أيدي الزملاء وثيقة في هذا الموضوع تتمثل في تقديم وتحقيق الرسالة الوفائية لشيخ الإسلام محمد بيرم الثاني الموسومة بالوفاء ببيع الوفاء. وقد كان كتبها ﵀ لبيان موضوع بيع الوفاء، وذكر آراء الأئمة فيه، وتفصيل ما يترتب على القول به عند الحنفية من التزام بأحكامه وأخذ بها. وإني أرجو أن أكون بهذا العمل قد وفقت لعرض صورة متكاملة من آراء الأئمة في هذا النوع من المعاملات الذي اشتهر من القرن الخامس ببخارى وسمرقند، وفشا العمل به لحاجة الناس إليه في كثير من البلاد بأطراف العالم الإسلامي. وهكذا ضبطت أحكامه وصدرت الفتاوى في نوازله عن شيوخ من أعلام الفقه المتقدمين. ولعل في هذا الجهد المتواضع ما يكون به بعض الإسهام في خدمة الفقه المعاصر فينفع الله به طلاب المعرفة من المشتغلين بالدراسات الإسلامية وعلوم الشريعة الغراء. والله من وراء القصد وهو الهادي إلى سواء السبيل. محمد الحبيب ابن الخوج

стр. 10877

البلاد التونسية من بداية القرن الثاني عشر إلى منتصف القرن الثالث عشر انقرضت الدولة المرادية بتونس بفتك إبراهيم الشريف باي بآخر رجالها ومساعدة الجند له على ذلك ١١١٣. ولم يكن مصير الوالي الجديد، رغم تقلده منصب الباشوية الذي وافاه به وكيله محمد بن سليمان ١١١٥ من الدولة العثمانية، بأحسن حالًا من مصير مراد باي الثالث بن علي بن حموده باشا. فقد أُسِرَ وقُتِلَ، واجتمع الناس من بعده على كاهيته حسين بن علي تركي الذي سبق له أن تقلد في عهد المراديين الولايات الجليلة، وتسنم الخطط الرفيعة مثل خطة خزندار، وكاهية الخلافة، وولاية الأعراض والجريد ونحوها، واختاروه أميرًا عليهم، وتمت له البيعة في ربيع الأول ١١١٧. وهكذا تكونت الدولة الحسينية "بالإيالة" الولاية التونسية مرتبطة بالدولة العثمانية ومنفصلة عنها، تكتسب قوتها ومنعتها من مجادة الأمير الحاكم وألمعيته، ومن حصافة رجال "المخزن" الدولة وحذقهم، ومن جلالة أهل العلم ومهابتهم، ومن تعالق الرعية بالعرش والتفافها حوله. وهذه المعاني، وإن تحقق وجودها وطمع الخاص والعام في استقرارها واطرادها، كانت تلمع وتخبو وتقوى وتضعف بحسب الظروف التي مرت بها البلاد التونسية والأحوال التي خضعت لها في هذه الأثناء. فمن ذلك الهجومات العدائية من الخارج من خصوم الأمير حسين بن علي والمناوئين له مثل داي الجزائر، وقد مكنه الله من الظفر، ونصره عليهم في لقاءاته المتكررة بهم ومعاركه معهم (١) . ومنها الفتن الداخلية التي أشعل أوارها وألهب نارها الداي محمد خوجه الأصغر (٢) والدعي سليمان (٣) ودعي المراديين محمد بن مصطفى ابن فطيمة (٤) ثم ما كان من ثورة الأعراب (٥) ومن خروج الباشا علي بن محمد تركي ربيب الأمير حسين وصهره وابن أخيه الذي كان حظيًّا عنده وأثيرًا لديه (٦) .

стр. 10878

ذلك أن هذا الشاب الطموح قد ولَّاه عمه حين بلغ عمره السابعة عشرة أمير أمراء الأمحال ١١١٨، وهذا في العرف لدى البايات تقليد لا يسند إلا لولي العهد. ولما ولد الأمير حسين بن علي من صلبه ابنه محمد الرشيد، وشَبَّ وَبَلَغَ الخامسة عشر من عمره أحله محل ابن عمه، صارفًا علي بن محمد عن ولاية العهد، مسندًا إليه لقب الباشا استرضاء له، لكن علي باشا أنف من تصرف عمه ورغب عن البقاء معه، وهرب وابنه يونس إلى جبل وسلان ١١٤٠. وحين أحس بعمه يتابعه لحق بالجزائر مستنجدًا، ثم عاد للقاء خصمه في وقعة شديدة كان فيها انتصاره على عمه الأمير حسين بن علي ١١٤٧. وتنقل إثر ذلك هذا الأخير في أطراف البلاد مصحوبًا ببنيه لاجئًا أولًا إلى القيروان، وباسطًا نفوذه بعد ذلك على غالب بلاد الساحل، ودامت الحرب سجالًا بين الباشية أتباع علي باشا والحسينية أنصار حسين بن علي حتى استشهد هذا الأخير في صفر ١١٥٣، وَفَرَّ بنوه إلى المغرب، فاستبد بالحكم علي باشا دونهم وامتدت إمارته واحدًا وعشرين عامًا من سنة ١١٤٨ تاريخ بيعته إلى حين قتله سنة ١١٦٩. وهو في تلك المدة لم يهنأ بالًَا لتفرق كلمة أبنائه وخروج يونس عنه وقيامه عليه ثم فراره إلى قسنطينة، ولقتل ابنه محمد أخاه سليمان ١١٦٨. تلك هي الظروف السياسية التي عاشتها تونس عند تأسيس الدولة الحسينية وقيامها بها. وإنما عرفت الاستقرار والأمن بدخول صقر الدولة الحسينية محمد الرشيد ابن حسين بن علي إليها راجعًا من الجزائر يصحبه أخوه علي بن حسين. ومضت أيامه سعيدة حافلة بالأمجاد إلى أن وافاه المنون ١١٧٢. وبويع أخوه الأمير الباشا علي من بعده وسار سيرة أخيه وأبيه من قبل، لولا أن ثار عليه إسماعيل مستعديًا شيعته وشيعة أبيه يونس أهل جمال ووسلات على الباشا. وبالقضاء على هذه الفتنة وتتبع أصحابها وتفريقهم على القرى وإخلاء جبل وسلات منهم استتب الأمن واستقرت الأوضاع.

стр. 10879

وفي المحرم ١١٩١ قدم الأمير علي بن الحسين ابنه حموده للولاية وجاءته الخلعة والتقليد من الدولة العلية، وتمت بيعته عند وفاة والده ١١٩٦. فكان من أصلح الأمراء وأكملهم وأحسنهم سيرة وسلوكًا. وقد كانت له حروب مع الجزائريين مثل غيرهم ممن سبقهم من الملوك. وانهزم جيشه عند اللقاء لكنه ما لبث بحسن سياسته وحكمة تدبير رجال دولته أن أعاد الكرة على خصومه وكانت له الدائرة عليهم. وبقدر ما طالت مدة ولاية الأمير حموده إذ كانت وفاته مفتتح شوال ١٢٢٩ قصرت ولاية أخيه عثمان من بعده الذي خلع وقتل ليلة عاشوراء ١٢٣٠. ثم تقدم للإمارة من بعده ابن عمه محمود باشا ابن محمد الرشيد ودامت ولايته تسع سنين. وتسلم مقاليد الدولة عند وفاته ابنه حسين باشا ابن محمود الذي نجمت في عهده أحداث منها: إمداده الدولة العليا بالعساكر والميرة لتقويتها على مقاتلة العدو المحارب لها، وعقده الصلح مع حكومة سردينيا بعد وحشة طالت بين البلدين، وفي المحرم ١٢٤٦ استولت فرنسا على الجزائر ثم على باقي الثغور شيئًا فشيئًا، ونزل في كنف الأمير حسين بن محمود عدد كبير من اللاجئين والمهاجرين الجزائريين، وحملته الظروف على ترتيب الجند النظامي وإحكام أسسه وضبط قواعده وقوانينه (١) . وما من شك في أن ألوان التعامل التي كانت بين الأمراء والرعية من جهة، والتصرفات والمواقف المتباينة التي سجلها التاريخ لهم هي التي ظهرت بارزة واصطبغت بها حياة البلاد والعباد في هذه الفترة من الزمن. فإبراهيم الشريف باي، وإن جاء لإنقاذ تونس من مكر "مراد أبو باله" وظلمه، سار أول الأمر سيرة حسنة، ولما اشتد حرصه على ما في أيدي الناس، وتملكه الغرور، وسلك سبيل المستبدين، ظلم الرعية وأعمل السيف، وذبح النساء والأطفال، واستصفى الأموال، وكاد يستأصل العرب جميعهم لشدة بغضه لهم، فالدولة عنده والحكم لديه ليسا رعاية للشعب وتفقدا لأحواله، ونشرًا للأمن والعدل بين الناس، ولكنهما الاستبداد بالأمر والاختصاص بالنفوذ، وتسخير كل ما حوله له ولأفراد أسرته. وطبيعي أن تكون عاقبته الخزي والهوان والموت. وهكذا التف كل من في البلاد حول الأمير الجديد حسين بن علي الذي اختلفت الحياة في عهده عنها في عهد سلفه. فكانت على حد قول بعضهم خصبًا بعد الجدب، وأمنًا بعد الرعب، وسلمًا بعد الحرب، وبقدر تمكنه من السلطة وتحكمه في أمر الدولة كان إقبال الخاصة والعامة على العمل والجد، فكثرت العمارة وانتشرت الزراعة وتقدمت الصناعة، والتزم الناس في معاملاتهم وتقاضيهم أحكام الشريعة، يرعونها حق رعايتها ويقفون عندها التزامًا وتطبيقًا، وأكبر الشعب التونسي تصرفات حسين بن علي. وبهرته أعماله الجليلة ومناقبه الشريفة، مثل إحيائه مدينة القيروان ومساجدها وزواياها، وبنائه عددًا كبيرًا من المدارس بصفاقس ونفطة والقيروان، وإنشائه بتونس مدرسة النخلة والحسينية الصغرى والجامع الجديد، وفسقية الملاسين.

стр. 10880

ولما صار الأمر إلى ابن أخيه الباشا علي بن محمد امتهن الخاصة وأدرك العامة العنت وهالتهم تصرفات الأمير الجديد ومظالمه في تتبعه لشيعة عمه ومواليه، ولكنه مع ذلك حصن البلاد، وجهز الثغور، وأجرى السقايات العظيمة النفع، وهدم الحانات، وشيد المباني الفاخرة بباردو. وقدر لأهل العلم والأدب منازلهم وراعى مقامتهم، وبنى للطلاب مدارس عديدة كالباشية والسليمانية ومدرسة بئر الحجار، ومدرسة حوانيت عاشور، وشيد تربة لهم بالقشاشين، ومباني كثيرة أحاط بها الجامع الأعظم، ولم يفسد عليه خطته الإصلاحية ويقوض آماله غير تنازع أبنائه على الحكم وتقاتلهم، وثورة ابنه الأكبر يونس عليه الذي برز لمحاربته ورمى بكور مدافعه الحاضرة وأرباضها والدور والمعالم ناشرًا الرعب والخراب والموت. ولما أحس أهل الحل والعقد بتعاقب الأحداث وتفاقم الأخطار كتبوا إلى ابني أميرهم حسين بن علي مستنجدين بهم لتخليص بلدهم مما لحقه وحل به. وعاد الأمر بعد ذلك إلى نصابه، وقرت العيون برجوع محمد الرشيد وأخيه علي ابني حسين إلى السلطة والحكم، وسرت العافية والطمأنينة في كل الربوع، وابتهجت الحياة للرعية من جديد، وولت المخاوف والأنكاد تعوضها مواسم بواسم وأيام مشرقة زاهية، وهكذا انتعشت المملكة بحسن سياسة محمد الرشيد، وتجاوب معه أهل البلاد، والتفوا حوله وحول أخيه من بعده ينشدون مفاخرهم، ويترنمون بكريم خصالهم وعظيم مناقبهم، لما وجدوه لديهم من تودد إليهم وعناية بهم وحماية لهم. وقد سجل الشعراء والكتاب كل ذلك في قصائدهم البديعة وتواريخهم الموثقة. فذكروا من مآثر الباشا علي بن الحسين الأثيرة مدرسته الشهيرة، وتربته وتكيتيه المشهورتين للفقراء والمساكين، وبناءه المحكمة الشرعية، وإجراءه المياه العذبة لمدينة تونس، وبناءه لسور القيروان، وإقامته لمكتبة مسجد دار الباشا، وتجديده الجامع الأعظم بالمنستير، وبناءه الجامع الحنفي وكذلك سور الربض الجوفي بها، ومقام الإمام المازري وإقامته مدرسة به، ومقام أبي علي يونس بن السماط، وبدأ يستقل في تصرفاته السياسية عن الدولة العثمانية فأبطل تولية القضاء من طرفها وتولى تنصيب قاض حنفي من الحاضرة، وقاض مالكي، كما صرف اهتمامه للأحوال الاجتماعية فعطل الخمر وهدم الحانات، وأجرى على الفقراء والمحتاجين الصدقات. وفي عهد الأمير حموده باشا الحسيني ظهرت بجانب الحروب والأزمات بتونس مجاعة كبرى أرسل الأمير بسببها العلامة الشيخ إبراهيم الرياحي إلى سلطان المملكة المغربية بفاس مولاي سليمان يستمد الميرة. وهو أول من جعل ثبوت الأهلة من اختصاص القاضي المالكي، وقد اتخذ الأساطيل لمواجهة العدو في غاية المنعة، ومن مآثره الأبراج الضخمة التي ابتناها، والثكنات الكثيرة التي اتخذها داخل العاصمة وخارجها، والأسواق والقصور.

стр. 10881

وتميزت أيام أخيه عثمان خصبًا ورخاء وإن لم تطل. وسار محمود باشا ابن محمد الرشيد على سنن أبيه وعمه، فدانت له القلوب بالطاعة وأمنت في أيامه السبل لولا أن هدد البلاد طاعون دام عامين، حلت بإثره المجاعة. فأنفق الأمير أموالًا طائلة لمواجهة الوضع، وجلب ما يكفي من الأقوات لسد خلة المنكوبين والمحتاجين. ومن مآثره الرائعة البيت الذي أنشأه بقصر باردو على نمط فريد. ولما ولي الحكم من بعده ابنه حسين باشا تبع منهج أبيه فكان خليقًا بالأمارة حسن السياسة. أمنت البلاد في عهده كل سوء وكان حذرًا يقظًا. ابتنى لسكناه ثكنة المركاض، وجدد رباط المنستير، وهو إلى ذلك ذو عاطفة دينية وإيمان وخشية. ولما جذع الناس اشتد بهم البلاء بسبب انحباس الغيث أشفق على بلده، وأحزنه حال رعيته فجعل لجوءه إلى الله وتوسله إليه سبحانه بقراءة حديث الرسول ﷺ ، جاعلاً ذلك مفزعًا له، وسبيلاً لكشف الغمة، فجمع العلماء بجامع الزيتونة، وفرق عليهم أسفار صحيح البخاري، وطلب منهم قراءته كاملًا، فأتموا ذلك في مجلس واحد، ومن ذلك الوقت جرت العادة بتونس بهذا العمل، سنة ماضية فيهم عند نزول الشدائد (١) . وقد يدعو الأمر بعد تصوير الحالة السياسية والاجتماعية للمملكة التونسية في ذلك الظرف إلى ملاحظة أن الحاكمين في البلاد بإثر فتح سليم الأول لها وطرد الأسبان منها على يد سنان باشا ٩٨١ كانوا ولاة عثمانيين ومن موالهيم. وهم في الأصل أعاجم من كرسيكة وجزر الكريت ونحوها، عملوا عهدًا طويلًا غزاة في البحر ثم اعتنقوا الإسلام وانضموا للجيوش العثمانية. فاستقروا بالولايات وتقلبوا في المناصب إلى أن كان منهم البايات والباشوات والدايات والأغوات. وارتباطهم بالدولة العلية كان على أساس اعترافها بهم ولاة عنها، تأتيهم من خلفائها وسلاطينها التقليدات والفرمانات، فتعينهم في مناصبهم أو تقرهم بها كما تنظم العلاقات الدولية فيما بين بلد الخلافة والولاية. وبحكم بعد بعض الولايات عن مركزية الدولة، وبسبب ما كان يعرض أحيانًا من ضعف السلاطين وانشغالهم عن أطراف بلاد الخلافة، كان البايات والدايات يتصرفون تصرف الملوك تصرفًا مطلقًا، ويجعلون الأمر وراثة بينهم في أسرهم وأهليهم. وهكذا كان شأن دايات الدولة المرادية، "فلما انقرضوا عن آخرهم دخلت الإيالة التونسية في حكم البيت الحسيني بطلب من أهل تونس وعن طيب نفس منهم وأخذت سلطة الباي في النمو والظهور وسلطة الداي في التراجع والتضاؤل بتغلب الأولى على الثانية" (٢) .

стр. 10882

المجتمع الجديد وعناصره: كان حكام البلاد وقادتها مزيجًا من الأعاجم والموالي الملتحقين بالجيش العثماني تضرب أصولهم في النصرانية قبل دخولهم الإسلام، ويتسمون بأسماء سلاطين آل عثمان ويتلقبون بألقابهم (١) ، وعلى هذا النحو كان سكان الإيالة التونسية، فقد اختلطت عناصرهم وتلاشت جنسياتهم في مجتمع أصله من البربر، وفد عليه من سواحل الشام ومن روما أعداد كثيرة من الفينيقيين والرومان، والتحق بهم في الفتح الإسلامي عناصر جديدة منها الفارسي والمصري والسوري والطرابلسي، ثم غلب العنصر العربي على العنصر البربري وانضم إليهم مهاجرو صقلية والأعراب من بني هلال ورياح ودريد وأولاد سعيد، وتبعهم الأندلسيون في هجراتهم المتعاقبة فكان من بين هؤلاء أيضًا عرب وبربر وفوط وفندال ولحقت بهؤلاء جميعًا جموع من الطليان. وفي العهد التركي اكتسحت البلاد جموع غفيرة من عساكر الانكشارية امتزجوا بالأُسَر العربية من سكان البلاد وتكون من زيجاتهم ومصاهراتهم الكوالغلية (٢) ، كما قدم إلى تونس لحاجة الحكام وبدعوة منهم عساكر زواوة وعلوج أكثرهم من القرج والروم. وهذا ما حمل صاحب "صفحات من تاريخ تونس" على القول: "بأن العنصر التونسي عبارة عن مزيج مركب من عناصر نشيطة مختلفة الأجناس أكثرهم في العدد البربر فالعرب فالأندلس فالترك فالزنوج فالنورمانديون فبقية عناصر الأقليات التي اندمجت في عناصر الأكثريات، وبحكم الضرورة لا بد وأن تلك العناصر تكون متباينة في القوة والإدراك والأخلاق ولكنهم متحدون كلهم في حب بلادهم تونس على السواء" (٣) . ونحن نلاحظ بوجه عام تمايز عناصر ثلاثة في الفترة التي نؤرخها كلها، على تفاوت بينها، لها تأثير في الحياة العلمية والفكرية كما لها ارتباط بالدولة وعلاقة بها. وهذه العناصر هي التونسي والأندلسي والتركي بحسب الظهور والترتيب الزمني.

стр. 10883

فالعنصر التونسي يتألف منه سكان البلاد الأصليون الذين مضت عليهم قرون وقرون بهذه الديار، قبل دخول الأندلسيين، وقبل نزول عساكر سنان باشا بحلق الوادي، وقد اشتبكت بين أفراد هذا العنصر الأَوَاصِر، وَامْتَزَجَتْ فئاتهم، واختلطت أسرهم وأنسابهم وأصبحوا أكثر شعورًا بتلاحمهم وارتباط بعضهم ببعض وتميزهم عن غيرهم. والعنصر الأندلسي هو الذي لجأ إلى تونس آلاف منه في الهجرة الأولى في القرن السابع أيام قيام الدولة الحفصية وذلك بالخصوص بعد سقوط قرطبة وإشبيلية (١) وبعد ذلك بقرنين كانت الهجرة الثانية في القرن التاسع بعد سقوط غرناطة. والهجرة الثالثة والأخيرة منهم إلى الإيالة التونسية كانت سنة ١٠١٦ و١٠١٧ عند الجلاء الأخير للمسلمين كافة عن إسبانيا بسبب قيام ديوان التحقيق ومحاكم التفتيش وصدور قرار التنصير الإلزامي بها. والعنصر التركي هو عبارة عن الجند الغازي العثماني والأتراك الذين وفدوا مع العساكر، ومن انضم إليهم من الأوروباويين المقيمين بالولايات العثمانية والذين كان منهم في الغالب قضاة الجند والشيوخ العلماء والمستشارون وأصحاب الوظائف الإدارية والسياسية الذين اعتمدهم الولاة فالمراديون ثم الحسينيون من بعدهم. ولو رجعنا إلى كتب الطبقات وما وضعه التونسيون من سير وتواريخ وتراجم (٢) ، أو جمعوه من مسائل، ودونوه من آثار ورسائل، لم يقع حتى اليوم استخدامها على الوجه الكامل، لتجلت لنا الحياة الفكرية الثقافية العلمية في أدق خصائصها وأبرز مميزاتها.

стр. 10884

الحياة الفكرية والعلمية من بداية الدولة الحسينية إلى عهد حسين بن علي الثاني: لقد كانت بحق بداية الدولة الحسينية موعدًا لإقامة سوق العلم ونفاقها، ونشر المعرفة وإعادة النشاط الثقافي والفكري للبلاد. فالبرغم من انقطاع المدارس القديمة والمساجد وجامع الزيتونة الأعظم في مقدمتها عن الدور العلمي الكبير الذي اضطلعت به إلى أوائل المائة العاشرة (١) ، ورغم ما لحق خزائن العبدلية والجامع الأعظم من عبث بالكتب القيمة التي لم تكن تقل عن ستة وثلاثين ألف مجلد عاث بها الإسبان فسادًا وداسوها بسنابك خيلهم وألقوها خارج المسجد الجامع وأتلفوها، ورغم ارتباك الأحوال ومكابدة أهل تونس وسائر مدن القطر المصائب والأهوال التي حملت أكثر العلماء وذوي القدر على الهجرة إما إلى المشرق وإما إلى المغرب، وما تبع ذلك في أواخر دولة بني مراد من فتن متتالية وأوبئة متعاقبة فإن بقية باقية من أهل العلم بتونس العاصمة وبآفاق البلاد كانت ما تزال تضطلع بدورها عند مبايعة حسين بن علي تركي. ومن أبرز هؤلاء: الشيخ المقري المحدث والفقيه المتكلم أبو الحسن علي بن سالم بن محمد النوري. ١٠٥٣ - ١١١٨ بصفاقس. كان تخريجه على مرحلتين الأولى ببلده أخذ عن الشيخ الكراي الصوفي المربي، والثانية بتونس حيث التحق بالمدرسة المنتصرية والشماعية وأخذ عن عدد من الشيوخ مثل عاشور القسطنطيني وسليمان الأندلسي ومحمد القروي وأثنى عليهم. ولما أراد الاستزادة من العلم واستكمال ما يتطلع إليه من المعارف توجه إلى القاهرة. فلقي هنالك المسند أبا إسحاق المأموني الشافعي والشيخ أحمد السنهوري المالكي والمحقق أبا بكر الشنواني وشيخ الشيوخ محمد بن محمد بن ناصر الدرعي وغيرهم كما أخذ عن الخرشي والشبرخيتي، وعمن لقي هناك من علماء المغرب مثل الشيخ الشاوي الجزائري والشيخ الإفراني المغربي فتضلع بالعلوم الشرعية واللسانية. وله في ذلك فهرست تضمنت أسماء الكتب التي قرأها على شيوخه وفنون العلم التي أخذها عنهم. وهي ثبت علمي لذلك العصر. وعند عودته إلى صفاقس أحيا العلوم القرآنية والحديثية، وأخذ عنه ابنه أحمد ومحمد المؤدب الشرفي وأبو الحسن المؤخر وعلي بن خليفة المساكني ومحمد الجمل والحركافي وأحمد العجمي المكني. ومن مصنفاته الشهيرة: غيث النفع في القراءات السبع، وتنبيه الغافلين وإرشاد الجاهلين عما يقع لهم من الخطأ خلال تلاوتهم لكتاب الله المبين، والعقيدة النورية في معتقد السادة الأشعرية، ومعين السائلين من فضل رب العالمين، ومقدمة في الفقه، ومناسك الحج، والمنقذ من الوحلة في معرفة السنين وما فيها من الأوقات والقبلة، ورسالة في الكلام عن مسألتين تتعلقان بالسماع، وإجازة، ووصية، وفتاوى مشهورة.

стр. 10885

وإلى جانب هذا الدور الريادي الكبير الذي اضطلع به المرحوم الشيخ على النوري في مجالي التدريس والتأليف، نذكر عمله الجهادي المتمثل في تصديه لهجمات القراصنة النصارى على السواحل التونسية، وذوده عن حمى الوطن بما بذل من أموال وجهز من مراكب ورد من أعداء "فرسان مالطة"، وهو ما جلب له من حاسديه ضروبًا من الإحن والمحن (١) . وقد سار على أثر هذا العالم الصالح والإمام المجاهد العلامة الفقيه والداعية الورع أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الله بن إبراهيم الجمني النفزاوي الذي ينتهي نسبه إلى الصحابي الجليل المقداد بن الأسود. كانت ولادته ١٠٣٨هـ بجمنة الواقعة بالجنوب التونسي بين دوز وقبلي، وتوفي ١١٣٤هـ بجربة. درج في العلم والمعرفة، وذهب في صغره إلى القيروان وأخذ عن الوحيشي، ثم توجه هذا الإمام ١٠٦٦ إلى مصر. فدخل الأزهر وقرأ على الشيخ عبد الباقي الزرقاني والخرشي والشيخ سلطان والشبراخيتي وأبي الحسن اللقاني. وعندما استكمل العدة واستوفى الرواية عن هؤلاء الأئمة عاد إلى بلده عن طريق زواوة، وأخذ بها عن الشيخ عبد الله الجبالي والشيخ اليوسي، ومنها ذهب إلى زاوية الحمارنة بمارث قرب قابس، ودرس بها. ثم انتقل إلى جزيرة جربة فذاع صيته ونفق علمه بها، وأقبل عليه الطلاب من كل فج. وبنى له الأمير مراد باي بن حمودة المرادي بحومة السوق مدرسة سنة ١١١٥ تصدر بها للتدريس. وممن أخذ عنه ابن أخيه إبراهيم بن محمد وعلي الشاهد وعلي الفرجاني، وبه تفقه الشيخ محمد الغرياني. وكان همه الأول نشر العلوم الدينية ومقاومة الضلالات والبدع، فعنه تلقى أكثر من نصف سكان الجزيرة المذهب المالكي. أقرأ المختصر الخليلي وكتب عليه شرحًا. ومما ترجم له به الرحالة الجزائري الشيخ حسن الورتلاني قوله: "وفضائل سيدي إبراهيم الجمني من زهده وورعه وتواضعه وتهجده ونصحه للطلبة وتحمله الأذى من خوارج جربة، وصبره وتصبره على إظهار السنة وإخماد البدعة وغير ذلك من أخلاقه السنية كثير لا يعد ولا يحصى. وقد انفعلت سيرته وأثرت همته في أصحابه الآخذين عنه". كان ﵀ كلما ظهرت مخائل النجابة على أحد من طلابه أجازه وبعث به إلى أقاصي البلاد، حيث لا علم ولا إرشاد، ليكون داعية مربيًا عالمًا موجهًا. فكان بذلك ينور ظلمة الجاهلين ويرفع عن الناس حجاب الغافلين ويهدي العامة والخاصة سبيل المتقين الهداة المهديين (٢) .

стр. 10886

هذا وإن المساجد وإن خلت زمنًا من الطلاب، والمدارس وإن أقفرت من الشيوخ ورواد المعرفة فإنها قد تهيأت كلها من جديد وانضافت إليها مثيلاتها في تونس العاصمة وبمختلف مدن الإيالة. وعادت الحياة الفكرية شيئًا فشيئًا - كما قدمنا - إلى الظهور على أيدي ثلة من الأئمة الفضلاء والشيوخ العلماء والحكام الوجهاء. فكان الناس بدافع تلقائي سببه الحرمان أو ما ورثوه عن آبائهم من تقدير ومهابة للعلم وأهله، يريدون الاختلاط بأولئك النفر تحقيقًا لمنازلهم واستمرارًا لانتسابهم إلى أهل الشرف والمروءات والفضل. فكان التعظيم لهم من الخاصة والعامة، والتردد عليهم والجلوس إليهم ابتغاء الإفادة منهم والانتفاع بهم، وطلبًا لخيري الدنيا والآخرة عن طريقهم. وكان من أعلى الناس منزلة بين أهل تونس من ارتبطوا بخدمة جامع الزيتونة، الجامع العتيق، أقدم مسجد بديارهم، كان مركزًا دينيًا للعبادة من بداية القرن الثاني، ومدرسة لتلقين علوم الدين والتبحر في فنون العلوم النقلية والعقلية (١) . وعلم الأمير حسين بن علي تركي مدى تعلق الناس بهذا الجامع، وبما يبث به من علوم فعني به عناية فائقة وحاول أن يعيده إلى سالف عهده. وهذا ما جعل الوزير السراج يقول عنه في هذا الصدد: "فكم أحيا من مدارس دوارس، وكم أحيا من دروس بعد الاضمحلال والدروس، بحيث إن الجامع الأعظم جامع الزيتونة غاية ما بلغ فيه قبل من عدد المدرسين من الشروق إلى الغروب نحو ثمانية بين مبتدئين ومنتهين فقط. والحمد لله أنه اليوم به نيف وأربعون مدرسًا عدا ما لبعض المدرسين من مجالس مكررة في كل يوم". وهذه الإشارة من صاحب الحلل تصف الدروس النظامية لا غير التي كان الأمير يرعاها ويعين فيها من يختاره من العلماء والمدرسين ويجري عليهم عن طريق الوزير السراج المرتبات والجرايات المستحقة (٢) . والحق أن حركة العلم كانت أنشط بهذا الجامع وغيره من دور العلم بتونس في هذا الظرف بدليل إقبال الكثير من العلماء والشيوخ على التدريس والتشرف بالتصدر للإفادة به، يعتبرون ذلك واجبًا دينيًا، ويرفع من مكانتهم ويعلي من أقدارهم أن يعرفوا بهذه النسبة الشريفة ويذكروا فيمن يعد من حفظة هذا الدين القائمين عليه المبلغين لهديه، الناشرين لأنواره. ولذلك تطوعوا بالتدريس وبالوعظ ونشر المعارف الإسلامية وخاصة القرآن والفقه لما ورد من حث على ذلك. قال عقبة بن عامر: قال رسول الله ﷺ : "تعلموا القرآن كتاب الله وتعاهدوه وتغنوا به، فوالذي نفسي بيده لهو أشد تفلتًا من المخاض في العقل" (٣) . وحدث معاوية أن النبي ﷺ قال: "إذا أراد الله بعبد خيرًا فقهه في الدين" (٤) .

стр. 10887

ويشهد لوجود عدد كبير آخر من المدرسين بالجامع الأعظم جامع الزيتونة من غير الشيوخ النظاميين الشيخ محمد سعادة مؤرخ دولة حسين بن علي. فقد جعل عدد المتطوعين للتدريس والإقراء بجامع الزيتونة ثلاثة وثمانين. وقال بأن أميره قسم عليهم أحباسًا إعانة لهم وتشجيعًا. وهذا ما حمله على المقارنة بين الأزهر وما شاهده به وبين الزيتونة في قوله: يفوق هذا الجامع بذلك الجامع الأزهر (١) ، ويتمثل هؤلاء النقباء في أنواع وفئات من العلماء كانوا شموس معارف ودعاة هداة نضع في مقدمتهم شيوخ المالكية الذين تولوا الخطبة بجامع الزيتونة وتداولوا على منبره وأموا الناس به عهدًا طويلًا. وقد ظهر على التعاقب في هذه الفترة ثلة كريمة من بينها: الشيخ أبو عبد الله محمد حمودة الريكلي الأندلسي التونسي قاضي تونس، المتميز علمًا وديانة وعدالة وصلاحًا. كان قليل الكلام رغم ما عرف به من كثرة المحاورة في العلم مع صحة العبارة وحسن التقرير والتثبت، وكان ثالث شيوخ المدرسة المرادية، تولى مشيختها بعد الفقيه الشيخ أبي عبد الله محمد الغماد، وبعد شيخه العلامة أبي عبد الله محمد زيتونة. وهو لعلو منزلته كان يحضر مجالس الباشا العلمية مع أعيان العلماء. ولم تكن تأخذه في الحق لومة لائم. انتدبه علي باشا، لرفيع منزلته وعلو درجته، إمامًا خطيبًا للجامع الأعظم بعد وفاة أبي الغيث البكري وإلى أن صلح لللإمامة ابنه الشيخ عثمان (٢) . وذلك أن إمامة جامع الزيتونة كانت محصورة في أسر شريفة علمية معروفة لا يجرؤ أحد على تغيير قواعدها أو مخالفة نظامها. وللعلم فإن أسرة البكري هذه قد تداول أبناؤها إمامة جامع الزيتونة كابرًا عن كابر مدة ١٩٣ عامًا (٣) . وبإثر العلامة الإمام الشيخ محمد حمودة الريكلي المتوفى ١١٦١ رجعت هذه الخطة السنية إلى بيت البكريين. فوليها الشيخ عثمان كما قدمنا فمن تبعه من أفراد أسرته، فالشيخ حسن بن عبد الكبير الشريف، فالشيخ محمد بن عبد الكبير الشريف (٤) .

стр. 10888

والعلامة الفقيه الشيخ الإمام أبو محمد حسن بن عبد الكبير الشريف ١٢٣٤. وهو أول من تولى إمام جامع الزيتونة من آل بيت الأشراف الموجودين لهذا الزمان (١) . وقد وصفه مخلوف في طبقاته بقوله: أحد شيوخ الإسلام قدوة الخاص والعام فارس المنبر والمحراب الجامع بين شرفي النسب والاكتساب ١٢٣٤. أخذ عن أبيه بسنده إلى رسول الله ﷺ وعن الشيوخ الشحمي والغرياني وعبد الله السوسي وقاسم المحجوب وجماعة، وعنه الشيوخ إبراهيم الرياحي والبحري وابن ملوكه والخضار والعذار ومحمد السقاط وحسن الخيري وغيرهم. ومن بين الوظائف التي ارتقى إليها وتقلب فيها التدريس بجامع الزيتونة، والكتابة للأمير أبي محمد حمودة باشا ثم الإمامة والخطابة بجامع الزيتونة، وفي ١٢٣٠ الفتيا وعنها كانت وفاته. وله من التحقيقات والمصنفات الدالة على مشاركاته العلمية وضلاعته: حاشيته على شرح مياره للامية الزقاق، وحاشيته على شرح ابن هشام على قطر الندى، وكتابته على شواهد المغني، واختصاره لحاشية البناني، وتعاليقه على شرح مياره على العاصمية، وكتابه معين المفتي، وخطبه المنبرية، ومجموعة صالحة من أشعاره تضمنها مجمع الدواوين لمحمد السنوسي (٢) . وممن بلغ المراتب المنيفة العلمية والمنازل الشريفة الاجتماعية في هذا العهد أولئك الشيوخ العلماء الذين كان الأمراء أو ملوك الدولة الحسينية يولونهم قضاة أو مفتيين أو يحلونهم رتبة الرئاسة فيهما كقاضي الجماعة ورئيس المفتيين وشيخ الإسلام ونحوها من الوظائف.

стр. 10889

وأول قاض حنفي تولى هذا المنصب هو الفقيه الشيخ أحمد الطرودي ١١٥٧ (١) . وأول من تولى قضاء المذهب المالكي في نفس الفترة الشيخ محمد سعادة كلاهما في مدة الباشا علي باي الأول (٢) ، وكان هذا الاختيار مبنيًّا في الغالب على المقدرة العلمية والشهرة الفائقة بين المدرسين من أهل العلم والفضل، أو على تقدير الناس وتقديمهم لمن هو أكثر نفعًا وإفادة لهم وأعلى منزلة لديهم من حيث الحزم والورع والتقوى. وقد كان للسياسة دخل في التقريب والإقصاء كما لها مواقف مختلفة أملتها تصرفات القضاة والمفتيين. ولعل من أصدق مقالات العلماء في تصوير ما ينبغي أن تكون عليه العلاقة بينهم وبين الساسة هو ما ذكره محمد ابن الخوجة عن جده مجيبًا عن عتاب وجهه له الأمير لتأخره عن زيارته: قل للأمير نصيحة لا تركنن إلى فقيه إن الفقيه إذا أتى أبوابكم لا خير فيه (٣) . ومن أبرز العلماء الأحناف الذين أسندت إليهم هذه الوظائف في عهد مؤسس الدولة الحسينية ومن بعده: ١- الفقيه المحدث الإمام الزغواني، وهو الشيخ يوسف بن محمد بن سليمان بن عبد الله برتقيز. كان جده عبد الله من أسرى البحر، ولقبه يدل على أصله ونسبته إلى البرتغال ١٠٩٢ بزغوان - ١١٤٨ بتونس. قرأ ببلده على الشيخ أحمد الهرميلو الأندلسي، وبباجة على الشيخ حميدة المفتي، ثم رحل إلى الأزهر بمصر وذهب إلى الحج ولازم الحرم المكي. وبفضل هذه الرحلة لقي الإمام مسند الحجاز عبد الله بن سالم البصري المكي وروى عنه بإسناده. وقد انتخبه لفضله وعلمه حسين بن علي تركي لتربية أولاده، وتقلب في المناصب الشرعية كالإمامة ورئاسة الفتوى. له في شرح مختصر القدوري كتاب المنن، ونظم متن هداية الصبيان في العبادات، وكتاب تيجان العقيان في تجريد جامع مسانيد النعمان، وشرحه اليواقيت الحسان، وتلخيص التراجم الواردة في الطبقات الكبرى للشعراني، ورياض الفنون في شرح رسالة ابن زيدون الجدية، والمعالم في ألقاب ملوك العالم. ولقربه من حسين بن علي تركي وما ناله من حظوة لديه أمر علي باشا بن محمد بالقبض عليه وولده وبعد سجنهما أمر بقتلهما (٤) .

стр. 10890

٢- الفقيه المفتي الحاج أبو عبد الله حسين بن إبراهيم بن محمد البارودي. أصله من إقليم مورة ببلاد اليونان. قدم أبوه إلى تونس مع الأجناد المرتزقة بيكي شارية ١١١٢ بتونس - ١١٨٦. تفقه في المذهب الحنفي وتصدر للتدريس. امتحنه علي باشا بالسجن والنفي إلى زغوان لما اتهمه به من موالاته لعمه حسين بن علي. وحين عاد الأمر إلى محمد الرشيد وأخيه علي ابني مولاه حسين رجع إلى التدريس وتولى الإفتاء ١١٧٧. له مجموعة كبيرة من الرسائل في الفقه الحنفي والتفسير والحديث. من أهمها: الرد على من قال بإبطال حكم القاضي بعد الإمضاء، رسالة فيمن قال لزوجه: أنت طالق يا زانية، أو أنت طالق إن شاء الله، رسالة في ثبوت أبوة زوج المرضعة، رسالة في نقل الأم الحاضنة محضونها، مسألة دعوى الجواري المشتريات بعيب انقطاع الحيض، حكم الكتابي والصابي والمجوسي، بيان حكم الزائغة إذا تشعب عنها زائغة أخرى وتفاريق صورها، تقويم الشجر المغروس في الأرض المغصوبة، القسطاس السوي في تحرير الصاع النبوي، والغيث المدرار في رهن المصوغ على تقدير الهلاك والانكسار، بيان طريق قبض الديون وشرح قولهم: الديون تقضى بأمثالها لا بأعيانها (١) . ٣- الشيخ المحقق المفتي الأكبر محمد بن حسين بن أحمد بن محمد بن حسين بيرم الأول ١١٣٠ - ١٢١٤ بتونس. عميد الأسرة البيرمية. دخل جده مع الفتح العثماني لتونس ٩٨١. نشأ ودرس بها وأخذ عن كبار علمائها، وتفنن في علوم كثيرة شرعية ولسانية. وتصدر للتدريس بعد ذلك حتى فاق نظراءه. وقد تولى الخطابة والإمامة وأسندت له الفتوى نحو نصف قرن ثم أولاه علي باشا الحسيني رئاستها. له: بغية السائل اختصار أنفع الوسائل في تحرير المسائل للطرسوسي في الفقه، الرسالة البيرمية في السياسة الشرعية، تحرير رسالة في موضوعات الحديث، الحمامات المعدنية بالديار التونسية (٢) . ٤- الفقيه المدرس المفتي الشيخ محمد بن حسين البارودي ١٢١٦. أخذ عن والده وعن عدد من الشيوخ في عصره فتضلع من العلوم الشرعية. درس بالشماعية، وتولى رئاسة الفتوى الحنفية خلفًا للشيخ بيرم الأول ١٢١٤. وكان صهرًا للأمير حمودة باشا زوَّجه ابنته. ونال بذلك حظوة كبيرة في القصر. وهو من أصحاب التآليف. له رسالة في رؤية الهلال، ورسالة بعنوان فتح الرحمن في مسألة التنازع في الحيطان قرظها الشيخ محمد بيرم الثاني في ترجمة البارودي من كتابه التعريف بالمفتيين، وتقاييد وحواش على بعض ما درسه من كتب، وأختام مجالس الحديث، وديوان خطب منبرية هذب فيه خطب يحيى بن زكرياء الأنصاري (٣) .
следующие страницы →