← Фикх общий

Фикх общий · id 8356

مجلة مجمع الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (22 276 стр.). Показаны 10886–10925 · переход к 10891.

стр. 10886

هذا وإن المساجد وإن خلت زمنًا من الطلاب، والمدارس وإن أقفرت من الشيوخ ورواد المعرفة فإنها قد تهيأت كلها من جديد وانضافت إليها مثيلاتها في تونس العاصمة وبمختلف مدن الإيالة. وعادت الحياة الفكرية شيئًا فشيئًا - كما قدمنا - إلى الظهور على أيدي ثلة من الأئمة الفضلاء والشيوخ العلماء والحكام الوجهاء. فكان الناس بدافع تلقائي سببه الحرمان أو ما ورثوه عن آبائهم من تقدير ومهابة للعلم وأهله، يريدون الاختلاط بأولئك النفر تحقيقًا لمنازلهم واستمرارًا لانتسابهم إلى أهل الشرف والمروءات والفضل. فكان التعظيم لهم من الخاصة والعامة، والتردد عليهم والجلوس إليهم ابتغاء الإفادة منهم والانتفاع بهم، وطلبًا لخيري الدنيا والآخرة عن طريقهم. وكان من أعلى الناس منزلة بين أهل تونس من ارتبطوا بخدمة جامع الزيتونة، الجامع العتيق، أقدم مسجد بديارهم، كان مركزًا دينيًا للعبادة من بداية القرن الثاني، ومدرسة لتلقين علوم الدين والتبحر في فنون العلوم النقلية والعقلية (١) . وعلم الأمير حسين بن علي تركي مدى تعلق الناس بهذا الجامع، وبما يبث به من علوم فعني به عناية فائقة وحاول أن يعيده إلى سالف عهده. وهذا ما جعل الوزير السراج يقول عنه في هذا الصدد: "فكم أحيا من مدارس دوارس، وكم أحيا من دروس بعد الاضمحلال والدروس، بحيث إن الجامع الأعظم جامع الزيتونة غاية ما بلغ فيه قبل من عدد المدرسين من الشروق إلى الغروب نحو ثمانية بين مبتدئين ومنتهين فقط. والحمد لله أنه اليوم به نيف وأربعون مدرسًا عدا ما لبعض المدرسين من مجالس مكررة في كل يوم". وهذه الإشارة من صاحب الحلل تصف الدروس النظامية لا غير التي كان الأمير يرعاها ويعين فيها من يختاره من العلماء والمدرسين ويجري عليهم عن طريق الوزير السراج المرتبات والجرايات المستحقة (٢) . والحق أن حركة العلم كانت أنشط بهذا الجامع وغيره من دور العلم بتونس في هذا الظرف بدليل إقبال الكثير من العلماء والشيوخ على التدريس والتشرف بالتصدر للإفادة به، يعتبرون ذلك واجبًا دينيًا، ويرفع من مكانتهم ويعلي من أقدارهم أن يعرفوا بهذه النسبة الشريفة ويذكروا فيمن يعد من حفظة هذا الدين القائمين عليه المبلغين لهديه، الناشرين لأنواره. ولذلك تطوعوا بالتدريس وبالوعظ ونشر المعارف الإسلامية وخاصة القرآن والفقه لما ورد من حث على ذلك. قال عقبة بن عامر: قال رسول الله ﷺ : "تعلموا القرآن كتاب الله وتعاهدوه وتغنوا به، فوالذي نفسي بيده لهو أشد تفلتًا من المخاض في العقل" (٣) . وحدث معاوية أن النبي ﷺ قال: "إذا أراد الله بعبد خيرًا فقهه في الدين" (٤) .

стр. 10887

ويشهد لوجود عدد كبير آخر من المدرسين بالجامع الأعظم جامع الزيتونة من غير الشيوخ النظاميين الشيخ محمد سعادة مؤرخ دولة حسين بن علي. فقد جعل عدد المتطوعين للتدريس والإقراء بجامع الزيتونة ثلاثة وثمانين. وقال بأن أميره قسم عليهم أحباسًا إعانة لهم وتشجيعًا. وهذا ما حمله على المقارنة بين الأزهر وما شاهده به وبين الزيتونة في قوله: يفوق هذا الجامع بذلك الجامع الأزهر (١) ، ويتمثل هؤلاء النقباء في أنواع وفئات من العلماء كانوا شموس معارف ودعاة هداة نضع في مقدمتهم شيوخ المالكية الذين تولوا الخطبة بجامع الزيتونة وتداولوا على منبره وأموا الناس به عهدًا طويلًا. وقد ظهر على التعاقب في هذه الفترة ثلة كريمة من بينها: الشيخ أبو عبد الله محمد حمودة الريكلي الأندلسي التونسي قاضي تونس، المتميز علمًا وديانة وعدالة وصلاحًا. كان قليل الكلام رغم ما عرف به من كثرة المحاورة في العلم مع صحة العبارة وحسن التقرير والتثبت، وكان ثالث شيوخ المدرسة المرادية، تولى مشيختها بعد الفقيه الشيخ أبي عبد الله محمد الغماد، وبعد شيخه العلامة أبي عبد الله محمد زيتونة. وهو لعلو منزلته كان يحضر مجالس الباشا العلمية مع أعيان العلماء. ولم تكن تأخذه في الحق لومة لائم. انتدبه علي باشا، لرفيع منزلته وعلو درجته، إمامًا خطيبًا للجامع الأعظم بعد وفاة أبي الغيث البكري وإلى أن صلح لللإمامة ابنه الشيخ عثمان (٢) . وذلك أن إمامة جامع الزيتونة كانت محصورة في أسر شريفة علمية معروفة لا يجرؤ أحد على تغيير قواعدها أو مخالفة نظامها. وللعلم فإن أسرة البكري هذه قد تداول أبناؤها إمامة جامع الزيتونة كابرًا عن كابر مدة ١٩٣ عامًا (٣) . وبإثر العلامة الإمام الشيخ محمد حمودة الريكلي المتوفى ١١٦١ رجعت هذه الخطة السنية إلى بيت البكريين. فوليها الشيخ عثمان كما قدمنا فمن تبعه من أفراد أسرته، فالشيخ حسن بن عبد الكبير الشريف، فالشيخ محمد بن عبد الكبير الشريف (٤) .

стр. 10888

والعلامة الفقيه الشيخ الإمام أبو محمد حسن بن عبد الكبير الشريف ١٢٣٤. وهو أول من تولى إمام جامع الزيتونة من آل بيت الأشراف الموجودين لهذا الزمان (١) . وقد وصفه مخلوف في طبقاته بقوله: أحد شيوخ الإسلام قدوة الخاص والعام فارس المنبر والمحراب الجامع بين شرفي النسب والاكتساب ١٢٣٤. أخذ عن أبيه بسنده إلى رسول الله ﷺ وعن الشيوخ الشحمي والغرياني وعبد الله السوسي وقاسم المحجوب وجماعة، وعنه الشيوخ إبراهيم الرياحي والبحري وابن ملوكه والخضار والعذار ومحمد السقاط وحسن الخيري وغيرهم. ومن بين الوظائف التي ارتقى إليها وتقلب فيها التدريس بجامع الزيتونة، والكتابة للأمير أبي محمد حمودة باشا ثم الإمامة والخطابة بجامع الزيتونة، وفي ١٢٣٠ الفتيا وعنها كانت وفاته. وله من التحقيقات والمصنفات الدالة على مشاركاته العلمية وضلاعته: حاشيته على شرح مياره للامية الزقاق، وحاشيته على شرح ابن هشام على قطر الندى، وكتابته على شواهد المغني، واختصاره لحاشية البناني، وتعاليقه على شرح مياره على العاصمية، وكتابه معين المفتي، وخطبه المنبرية، ومجموعة صالحة من أشعاره تضمنها مجمع الدواوين لمحمد السنوسي (٢) . وممن بلغ المراتب المنيفة العلمية والمنازل الشريفة الاجتماعية في هذا العهد أولئك الشيوخ العلماء الذين كان الأمراء أو ملوك الدولة الحسينية يولونهم قضاة أو مفتيين أو يحلونهم رتبة الرئاسة فيهما كقاضي الجماعة ورئيس المفتيين وشيخ الإسلام ونحوها من الوظائف.

стр. 10889

وأول قاض حنفي تولى هذا المنصب هو الفقيه الشيخ أحمد الطرودي ١١٥٧ (١) . وأول من تولى قضاء المذهب المالكي في نفس الفترة الشيخ محمد سعادة كلاهما في مدة الباشا علي باي الأول (٢) ، وكان هذا الاختيار مبنيًّا في الغالب على المقدرة العلمية والشهرة الفائقة بين المدرسين من أهل العلم والفضل، أو على تقدير الناس وتقديمهم لمن هو أكثر نفعًا وإفادة لهم وأعلى منزلة لديهم من حيث الحزم والورع والتقوى. وقد كان للسياسة دخل في التقريب والإقصاء كما لها مواقف مختلفة أملتها تصرفات القضاة والمفتيين. ولعل من أصدق مقالات العلماء في تصوير ما ينبغي أن تكون عليه العلاقة بينهم وبين الساسة هو ما ذكره محمد ابن الخوجة عن جده مجيبًا عن عتاب وجهه له الأمير لتأخره عن زيارته: قل للأمير نصيحة لا تركنن إلى فقيه إن الفقيه إذا أتى أبوابكم لا خير فيه (٣) . ومن أبرز العلماء الأحناف الذين أسندت إليهم هذه الوظائف في عهد مؤسس الدولة الحسينية ومن بعده: ١- الفقيه المحدث الإمام الزغواني، وهو الشيخ يوسف بن محمد بن سليمان بن عبد الله برتقيز. كان جده عبد الله من أسرى البحر، ولقبه يدل على أصله ونسبته إلى البرتغال ١٠٩٢ بزغوان - ١١٤٨ بتونس. قرأ ببلده على الشيخ أحمد الهرميلو الأندلسي، وبباجة على الشيخ حميدة المفتي، ثم رحل إلى الأزهر بمصر وذهب إلى الحج ولازم الحرم المكي. وبفضل هذه الرحلة لقي الإمام مسند الحجاز عبد الله بن سالم البصري المكي وروى عنه بإسناده. وقد انتخبه لفضله وعلمه حسين بن علي تركي لتربية أولاده، وتقلب في المناصب الشرعية كالإمامة ورئاسة الفتوى. له في شرح مختصر القدوري كتاب المنن، ونظم متن هداية الصبيان في العبادات، وكتاب تيجان العقيان في تجريد جامع مسانيد النعمان، وشرحه اليواقيت الحسان، وتلخيص التراجم الواردة في الطبقات الكبرى للشعراني، ورياض الفنون في شرح رسالة ابن زيدون الجدية، والمعالم في ألقاب ملوك العالم. ولقربه من حسين بن علي تركي وما ناله من حظوة لديه أمر علي باشا بن محمد بالقبض عليه وولده وبعد سجنهما أمر بقتلهما (٤) .

стр. 10890

٢- الفقيه المفتي الحاج أبو عبد الله حسين بن إبراهيم بن محمد البارودي. أصله من إقليم مورة ببلاد اليونان. قدم أبوه إلى تونس مع الأجناد المرتزقة بيكي شارية ١١١٢ بتونس - ١١٨٦. تفقه في المذهب الحنفي وتصدر للتدريس. امتحنه علي باشا بالسجن والنفي إلى زغوان لما اتهمه به من موالاته لعمه حسين بن علي. وحين عاد الأمر إلى محمد الرشيد وأخيه علي ابني مولاه حسين رجع إلى التدريس وتولى الإفتاء ١١٧٧. له مجموعة كبيرة من الرسائل في الفقه الحنفي والتفسير والحديث. من أهمها: الرد على من قال بإبطال حكم القاضي بعد الإمضاء، رسالة فيمن قال لزوجه: أنت طالق يا زانية، أو أنت طالق إن شاء الله، رسالة في ثبوت أبوة زوج المرضعة، رسالة في نقل الأم الحاضنة محضونها، مسألة دعوى الجواري المشتريات بعيب انقطاع الحيض، حكم الكتابي والصابي والمجوسي، بيان حكم الزائغة إذا تشعب عنها زائغة أخرى وتفاريق صورها، تقويم الشجر المغروس في الأرض المغصوبة، القسطاس السوي في تحرير الصاع النبوي، والغيث المدرار في رهن المصوغ على تقدير الهلاك والانكسار، بيان طريق قبض الديون وشرح قولهم: الديون تقضى بأمثالها لا بأعيانها (١) . ٣- الشيخ المحقق المفتي الأكبر محمد بن حسين بن أحمد بن محمد بن حسين بيرم الأول ١١٣٠ - ١٢١٤ بتونس. عميد الأسرة البيرمية. دخل جده مع الفتح العثماني لتونس ٩٨١. نشأ ودرس بها وأخذ عن كبار علمائها، وتفنن في علوم كثيرة شرعية ولسانية. وتصدر للتدريس بعد ذلك حتى فاق نظراءه. وقد تولى الخطابة والإمامة وأسندت له الفتوى نحو نصف قرن ثم أولاه علي باشا الحسيني رئاستها. له: بغية السائل اختصار أنفع الوسائل في تحرير المسائل للطرسوسي في الفقه، الرسالة البيرمية في السياسة الشرعية، تحرير رسالة في موضوعات الحديث، الحمامات المعدنية بالديار التونسية (٢) . ٤- الفقيه المدرس المفتي الشيخ محمد بن حسين البارودي ١٢١٦. أخذ عن والده وعن عدد من الشيوخ في عصره فتضلع من العلوم الشرعية. درس بالشماعية، وتولى رئاسة الفتوى الحنفية خلفًا للشيخ بيرم الأول ١٢١٤. وكان صهرًا للأمير حمودة باشا زوَّجه ابنته. ونال بذلك حظوة كبيرة في القصر. وهو من أصحاب التآليف. له رسالة في رؤية الهلال، ورسالة بعنوان فتح الرحمن في مسألة التنازع في الحيطان قرظها الشيخ محمد بيرم الثاني في ترجمة البارودي من كتابه التعريف بالمفتيين، وتقاييد وحواش على بعض ما درسه من كتب، وأختام مجالس الحديث، وديوان خطب منبرية هذب فيه خطب يحيى بن زكرياء الأنصاري (٣) .

стр. 10891

٥- العلامة القاضي والمفتي أبو العباس الشيخ أحمد ابن الخوجة الأول المشهور بحميدة ١٢٤١. مؤسس البيت الخوجي. تخرج بالشيخ بيرم الثاني ونجم الدين بن سعيد. وتولى التدريس بمدارس تونس ومساجدها. فأقرأ بالشماعية شرح المحلي على جمع الجوامع في أصول الفقه، كما أسندت إليه الخطابة والإمامة. وهو أول من أحيا الأختام دراية بالجامع المرادي في رمضان. وتدرج في الخطط الشرعية فولي قضاء الجماعة ثم الإفتاء على المذهب الحنفي. ومن تحريراته شرح منظومة المحبي في الفقه (١) . فإلى هؤلاء العلماء والأئمة وأمثالهم من فقهاء الحنفية بتونس من شيوخ المجلس الشرعي ومن المدرسين يرجع الفضل في نشر المذهب وتدريس كتبه واعتماده في الفتاوى والأحكام كما أن لهم الفضل فيما دبجوه من شروح وتحقيقات وحواش وتعليقات على الكتب والمصنفات المعتبرة التي تولوا تدريسها أو وقفوا بالمراجعة والمطالعة عليها، وما أنشأوه نظمًا ونثرًا من مختصرات أو حرروه من رسائل وفتاوى في القضايا المطروحة عليهم والنوازل الجارية بينهم. وقد كان إلى جانب هؤلاء الأعلام قضاة ومفتون وأئمة بارزون من المالكية كان لهم من التقدير والإكبار والإجلال والاحترام من الخاص والعام ما قضى بتقديمهم على نظرائهم وإسناد أعلى الخطط الشرعية إليهم. وقد تضمنت الطبقة الرابعة والعشرون والخامسة والعشرون من شجرة النور الزكية في طبقات المالكية طائفة منهم في طليعتهم: ١- الفقيه الأديب اللغوي الإمام أبو عبد الله محمد سعادة قاضي الجماعة ومفتي تونس وعالمها ومؤرخها ١٠٨٨ بالمنستير - ١١٧١ بتونس. تفقه بجماعة منهم بتونس الشيوخ محمد زيتونة والحجيج والغماري وسعيد الشريف والمحجوز، وأخذ بمصر عن الأئمة محمد الزرقاني وإبراهيم الفيومي والطولوني ومنصور المنوفي. ورحل إلى الأستانة ولقي أشياخها، ثم عاد إلى بلده تونس وتصدر للتدريس. وممن أخذ عنه الشيخ علي الغراب. له: تنوير المسالك حاشية على الأشموني، ومنظومة في المناسك (٢) . ٢- الفقيه المفتي أبو عبد الله محمد الشحمي. توفي بعد ١٩٩٠. عالم عصره وفقيه مصره المبرز في العلوم العقلية. أخذ عن الشيخ محمد زيتونة وغيره. وجرت بينه وبين الشيخ لطف الله العجمي شارح أسماء الله الحسنى مناظرة شهد مجلسها الأمير علي باشا الحسيني تكريمًا له واعترافًا بعلمه وفضله (٣) .

стр. 10892

٣- الفقيه العلامة كبير المفتيين الشيخ أبو الفضل قاسم المحجوب من مساكن توفي ١١٩٠ بها. قرأ ببلده على الشيخ علي بن خليفة. ثم رحل إلى تونس. وأخذ عن محمد زيتونة وأمثاله. وتخرج به أبناؤه محمد وعمر والشيخ صالح الكواش ومحمد بن سعيد الحجري. تولى التدريس أيام علي باشا، وتدرج في الوظائف الشرعية: ولاه علي باشا الحسيني مفتيًا ثم رئيسًا للمفتيين (١) . ٤- العلامة الصالح العارف بالله الشيخ أبو العباس أحمد الشريف الثعالبي المعروف بالبرانسي ١١٢٧. كان متبحرًا في المعقول والمنقول. درس بالجامع الأعظم وبغيره من مراكز العلم وكان من الشيوخ المعدودين (٢) . وتصدر للفتوى وتولى رئاستها. ٥- الإمام الفقيه قاضي الجماعة الشيخ عمر بن قاسم المحجوب ١٢٢٢. أصيل مدينة مساكن، من بيت علم وشرف. أخذ عن والده الشيخ قاسم وعن الشيخ حمودة بن عبد العزيز والشيخ الغرياني، وعنه الشيخ إبراهيم الرياحي والشيخ إسماعيل التميمي وغيرهما. تصدر للتدريس بالمدارس مثل مدرسة السواري أو مدرسة القائد مراد التي كانت له مشيختها. واتخذه حمودة باشا الحسيني كاتبًا، وكان من خاصة الوزير يوسف صاحب الطابع. له: التأييدات القدسية، وكناش مفيد، ورسالة استفراغ الخلط بين الشك في المانع والشك في الشرط. وله شعر تضمن جملة منه مجمع الدواوين للسنوسي (٣) . ٦- العلامة أبو الفداء إسماعيل بن محمد بن حمودة التميمي. ١١٦٥ - ١٢٤٨. الفقيه الأصولي النحوي. أخذ عن كبار شيوخ عصره بالجامع الأعظم أمثال الشيخ صالح الكواش والشيخ عمر المحجوب والشيخ الشحمي، وعنه الشيخ إبراهيم الرياحي والشيخ البحري والشيخ صالح الغنوشي السوسي وشيخ الإسلام محمد بن أحمد ابن الخوجة وجماعة. تولى التدريس بجامع الزيتونة ثم القضاء في صفر ١٢٢١، والفتوى في ربيع الثاني ١٢٣١، ثم استقضي من جديد في رجب ١٢٣١، وعين رئيسًا لفتوى المالكية ١٢٤٣. وقد امتحن بالعزل والنفي، فلزم بيته يدرس ويفتي. فعلا كعبه وظهر على الكائدين أمره. له جملة فتاوى ورسائل نذكر منها: رسالة في الحبس، ورسالة في الخلو عند المغاربة والمصريين، وأخرى في حكم طعام أهل الكتاب، ورسالة في ضريبة العشر الموظفة على بعض الحبوب، ورفع التحرية عن يمين التسوية، والمنح الإلهية، وبرنامج المقدمين للإمامة والخطابة بالجامع الأعظم، ورسالة في الأوقاف (٤) .

стр. 10893

ومن الممكن أن نلحق بهذه الطائفة الموقرة والفئة المقدمة شيخ الجماعة رئيس المفتين بتونس وإمام جامعها الأعظم وخطيبه العلامة المحقق أبا إسحاق إبراهيم بن عبد القادر الرياحي الطرابلسي ١١٨٠ بتستور - ١٢٧٧ بتونس. تلقى مبادىء العلوم بمسقط رأسه ثم انتقل إلى الحاضرة فأخذ عن المشائخ حمزة الجباس وصالح الكواش وحسن الشريف ومحمد المحجوب وأخيه عمر وأحمد بوخريص والطاهر بن مسعود ومحمد الفاسي وإسماعيل التميمي. ثم تنقل في البلاد مغربًا ومشرقًا. وحج مرتين وتلقى الإجازات عن أئمة عصره أمثال الشيخ محمد الطاهر المير السلاوي والشيخ عمر بن عبد الصادق الششتي والشيخ محمد عابد بن أحمد السندي، وأخذ عنه أبناؤه الطيب وعلي، والشيخ بن ملوكه والشيخ محمد النيفر وابناه الطاهر والطيب. أسندت إليه الفتوى ١٢٤٨ بعد وفاة شيخه إسماعيل التميمي، ثم خطة الإمامة والخطابة بجامع الزيتونة ١٢٥٥. وقد تقلد من الوظائف السياسية السفارة لحمودة باشا الحسيني ١٢١٨ إلى المغرب الأقصى، وأنابه مصطفى باشا للحج عنه، وأرسله المشير أحمد باشا الأول في مهمة للدولة العثمانية. له: ديوان شعر، ونظم للأجرومية، والنرجسة العنبرية في الصلاة على خير البرية، واختصار لقصة المولد، وديوان خطب، ورسالة قطع اللجاج في نازلة أولاد سليمان بن الحاج، وتعقيب على حكم الغبريني فيما وقع بين الشبيبي والبدر المغربي، والقول الحاوي في الجواب عن توقف الشيخ الشاوي في الفرق بين السبب والشرط، ورسالة في الإعذار، وحاشية على شرح القاضي زكرياء على الخزرجية في العروض ورسائل أخرى (١) . ولم يكن شأن أكثر المدرسين الذين أفاد جماهير الطلاب منهم أدبًا وسلوكًا وعلمًا ودراية وفقهًا وبيانًا بأقل من زملائهم الذين التحقوا بالوظائف الشرعية وتقلبوا بين الخطابة والإمامة والقضاء والفتوى. ويكفي دليلاً على ذلك تلك الطائفة التي تقطعت دون الجلوس إليها الأعناق فكانت قبلة القصاد وبغية الرواد. ومن أبرز هؤلاء العلماء:

стр. 10894

١- شيخ الإسلام حافظ المغرب خاتمة العلماء الكبار أبو عبد الله محمد بن أحمد زيتونة. ١٠٨١ بالمنستير - ١١٣٨ بتونس. حفظ القرآن الكريم في صغره، وكف بصره. قصد أولًا القيروان وأخذ عن شيخها محمد عظوم والشيخ سلطان، ثم قدم مدينة تونس فأخذ عن الشيوخ محمد الغماد والجمل وأحمد الشريف الحفيد والمحجوز والحجيج ومحمد فتاتة وسعيد الشريف وعبد القادر الجبالي ومحمد الغماري. وفي طريقه إلى الحج توقف بالإسكندرية ومصر، وأجاز أبا العباس أحمد الصباغ، كما أخذ عن الشيخ محمد الزرقاني وأبي العباس أحمد المنوفي والشيخ سليمان الشبرخيتي. ولقي بمكة المكرمة مسند الحجاز عبد الله بن سالم البصري، وأخذ بالمدينة عن الشيخ الزلفي. وبعد استقراره بتونس درس بالمرادية التي تولى مشيختها بعد مناظرة شهدها الأمير وفاق فيها الشيخ زيتونة زميله الشيخ محمدًا الخضراوي. ودرس بالزيتونة وبجامع باب البحر الذي كان يتولى إمامته. وقد تخرج به من الفحول محمد سعادة وحمودة الريكلي والسويسي ومحمد عزوز. وكان محل استشارة الأمير حسين بن علي وموضع سره يعامله بأقصى الرعاية ويوليه جميل العناية: يخرج إليه عند قدومه ويأخذ بيده ويجلسه حذوه وينفرد به فلا يجلس معه أحدًا. وهو صاحب مصنفات شهيرة نذكر منها مطالع السعود وفتح الودود على تفسير شيخ الإسلام أبي السعود العمادي، ولمعان السراج في إبداء بعض لطائف المعراج، وحاشية على الوسطى في العقيدة، وشرح السلم في المنطق، وشرح على البيقونية، وشرح على خطبة المطول، وشرح على مختصر السعد، وكتاب على ألفية ابن مالك، وأختام على جملة من أحاديث صحيح مسلم (١) . ٢- عالم إفريقية الإمام المتمكن الحجة أبو عبد الله محمد بن الشيخ محمد الخضراوي. ١٠٨٧ - ١١٤٤. حفظ القرآن الكريم على والده، وجوده بالسبع على الشيخ إبراهيم الجمل، وأخذ العلوم عن جلة من الفقهاء والمحدثين منهم الشيخ سعيد الشريف والشيخ محمد الغماد والشيخ قاسم الغماري والشيخ سعيد المحجوز الذي روى عليه الكتب الستة، والشيخ محمد قويسم، والشيخ علي الصوفي والشيخ محمود مِهتار، وعنه جماعة. أولاه الأمير أمانة خزائن العلم، ودرس بالنخلة وبالحسينية الكبرى وبجامع الزيتونة. وقد اشتهر هذا الإمام بشرحه لكتاب التسهيل المنسوب لعلي باشا (٢) .

стр. 10895

٣- شيخ التربية والحقيقة العالم الصالح أبو عبد الله محمد بن علي الغرياني. أصله من غريان بطرابلس. ١١٩٥ بتونس. أخذ بجربة عن الشيخ إبراهيم الجمني ثم عن جملة من أعيان تونس مثل المشايخ محمد زيتونة وحمودة الريكلي ومنصور المنزلي. ثم قصد إلى الحج وأخذ عن أعلام بالمشرق منهم المشايخ محمد الحفناوي ومحمد البليدي ومحمد بن علي بن فضل الطبري وإدريس بن أحمد الصعدي ومفتي مكة المكرمة تاج الدين بن عبد المحسن بن سالم وأحمد العماري ومحمد بن عقيلة والدمنهوري. وله فهرست حافلة، وممن أخذ عنه ابنه أحمد ومحمد بن قاسم المحجوب وعلي البقلوطي الملّولي وأحمد بن محمد المنزلي وعلي البارع وعثمان بالمه ومحمد كمون وأحمد العصفوري. وكانت دروسه بجامع الزيتونة، وبالسليمانية التي بناها علي باشا. أقرأ المختصر والبخاري والشمائل والمواهب اللدنية والتفسير وكبرى السنوسي والأشموني. وكانت مجالسها مشهورة مشهودة، وأختامها رائعة مدونة أنشدت فيها القصائد والأشعار تمجيدًا للشيخ وتسجيلًا للمعارف والعلوم والآداب والأذواق. وقد كانت بينه وبين الشيخ مرتضى الزبيدي مراسلات وأجازه بما تضمنته فهرسته. ومن تآليفه المعروفة: شرحه على مقدمات السنوسي في التوحيد، وحاشيته على الخبيصي على متن التهذيب في المنطق، وفيض الخلاق في الصلاة على راكب البراق، وشروحه على مقدمة مختصر خليل، وتفسير البسملة، وتعليق على شمائل الترمذي، ورسالة في حكم الخنثى المشكل. وقد وضع بعض حفدته رسالة في مناقبه (١) . وعدد آخر من العلماء الحفظة القراء أمثال أبي إسحاق إبراهيم الحميري وأبي العباس أحمد الوافي من التونسيين ومحمد بن مصطفى قاره طاباق من أبناء جند الترك ١٢٩٢. وقد نشأ هذا الأخير في طلب العلم وبرع في القراءات والتجويد. ودرس بجامع الزيتونة ثم ولاه حسين بن علي تركي التدريس بالجامع المرادي. وانتفع به عدد كبير من الطلاب. له: تحفة البررة بقراءة الثلاثة المتممين للعشرة، والجواهر النضرة والرياض العطرة في متواتر القراءات العشرة (٢) .

стр. 10896

وبرز في عامة العلوم سادة أئمة مثل: ١- العالم الفقيه الفرضي القدوة أبو عبد الله محمد بن حسن الدرناوي ١١٩٩. أخذ عن الشيخ الغرياني وغيره. له تعاليق على شرح الزرقاني على المختصر، وحاشية على الدرة (١) . ٢- شيخ الشيوخ العلامة الفقيه صالح الكواش ١١٣٧ - ١٢١٨. أصله من الكاف، دخل جده تونس واشتغل بها فرانًا. وهو من أحد الناس ذكاءً وثقوب فكر. قرأ بالزيتونة ودرس بها. ومن شيوخه الغرياني وعبد الكبير الشريف والريكلي وقاسم المحجوب ومحمد المنصوري شارح مختصر خليل وعبد الله الغدامسي، وعنه شيوخ جلة منهم إسماعيل التميمي وإبراهيم الرياحي وأحمد زروق الكافي السنوسي وحسن الهدة. خشي بطش علي باشا به لميله إلى ابن عمه حسين بن علي فخرج هاربًا إلى طرابلس، ولقي هناك الشيخ التاودي فأخذ عنه الحديث وأجازه بما ثبتت عنده روايته كالكتب الستة والموطأ والشفاء وجامعي السيوطي: بعضها قراءة، وبعضها إجازة عن عدد من العلماء كالشيخ حمودة الريكلي عن أبي عبد الله الصفار عن الشيخ عبد الباقي الزرقاني عن النور الأجهوري بسنده، والشيخ المنصوري عن الهستوكي عن اليوسي. وامتدت رحلته فدخل الآستانة وظهر أمره بها كما دخل مدينة إزمير. ثم استقدمه محمد الرشيد فعاد إلى بلده. وحصلت له وحشة مع علي باشا الحسيني فنفاه إلى منزل تميم ثم عفا عنه وأسند إليه مشيخة المدرسة المنتصرية ١١٧٥. وله: شرح بديع على الصلاة المشيشية، وشرح لقصيدة الأمير محمد الرشيد غير القافية اسمه "التحفة السنية على نظم الفريدة الحسينية"، ورسالة في علم الكلام أجاب فيها عن ثلاثة أسئلة تقدم بها المختالي إلى علماء تونس، وكذلك رسالة أخرى نفيسة في المذاهب العقدية (٢) . وكذا الشيخ علي بن سلامة. وإلى جانب المفسرين والمحدثين والفقهاء والأصوليين طائفة من اللغويين ومن الكتاب المؤرخين ومن الشعراء المبدعين.

стр. 10897

فمن علماء اللغة والأدب: الإمام الألمعي أبو عبد الله محمد بن علي بن سعيد الحجري اللغوي النحوي المتفنن، الشاعر. ١١٩٩ بتونس. أخذ عن قاسم المحجوب وابنه محمد وعن الشيخ صالح الكواش. له من المصنفات حاشية على الأشموني في شرح الخلاصة، وحاشية على السكتاني في علم الكلام وأخرى على شرح الخبيصي، ورسالة في المنطق، وديوان شعر (١) . ومثله اللغوي النحوي الشيخ أحمد السدوسي. ومن الأدباء الحذاق والشعراء الكتاب الشيخ أبو العباس أحمد الأصرم القيرواني الأصل، الذي لزم خدمة الدولة الحسينية منذ نشأتها، وواكب ما جرى في أولها من أحداث، وذهب إلى الجزائر مصاحبًا ابني حسين بن علي ثم عاد مع محمد الرشيد وأخيه علي بعد انتصارهم على عدوهم، وأسندوا إليه رئاسة الكتابة. وهي وظيفة سامية في الدولة، وجعلوها في بنيه من بعده يتداولها خلفهم عن السلف إلى أن خف قطين تأهلهم وجف بها زرع اضطلاعهم (٢) . ومن أصحاب المواهب العالية والقدرة الفائقة في فني الأدب شعره ونثره الشيخ الجليل الفقيه الأصولي المقدم في فنون البلاغة نظرًا وعلمًا وإبداعًا ونظمًا محمد الشافعي بن محمد بن القاضي الباجي. درس بالزيتونة وتخرج بكبار علمائها. ففاق نظراءه وكان مواليًا للأمير حسين بن علي تركي وأبنائه. لم يقبل ما أسند إليه من الوظائف، وانقطع مبجلًا مكرمًا بجبل المنار فتفرغ للعبادة والكتابة. ومما أثر عنه "إبداء النكات شرح قصيدة محمد الرشيد المسمات بمحركات السواكن" وله شعر بديع (٣) .

стр. 10898

ومن الأدباء المهرة والكتاب الحذاق أبو عبد الله محمد بن حسين الدرناوي الطرابلسي الأصل ١٢٥٤. تخرج من الزيتونة وكان يملك عنان قلم الإنشاء. فولاه علي باشا الحسيني رئاسة الديوان بعد وفاة الشيخ أبي العباس الأصرم لكفائته ثم أقصي عنه مع احتفاظه بمهابته وتقدير الناس له وتنويههم بسلوكه وسيرته (١) . ١- وأما المؤرخون الكتاب والعلماء الأدباء فأبرزهم الوزير العالم الأديب أبو عبد الله محمد بن محمد السراج الأندلسي الأصل ١١٤٩. أخذ العلم عن الشيخ الغماد والحديث عن الشيخ الحجيّج، وجملة من الفنون عن الشيخ سعيد الشريف والشيخ فتاتة. وتصدر للتدريس في أماكن متعددة، منها جامع الزيتونة الأعظم. وكان القيم على مرتبات المدرسين به. وهو رجل عفيف ورع دين. له الحلل السندسية في الأخبار التونسية، أهم تأليف في تاريخ تونس للفترة الواقعة بين الفتح العثماني وقيام علي باشا ضد عمه حسين بن علي. وقد أتلف الباشا علي بن محمد الجزء الرابع من هذا الكتاب لما فيه من ذكر مساويه (٢) . ٢- وسبق لنا ذكر العلامة محمد سعادة من بين هؤلاء المؤرخين. فهو صاحب المصنف البديع في تاريخ بداية هذه الدولة المعروف بـ"قرة العين في فضائل الأمير حسين وابنه محمد الرشيد". وهذا كما يدل عليه عنوانه كتاب مناقب وأخبار كثيرة جمعها صاحبه لتكون سيرة لمليكه. ٣- العلامة الأديب المؤرخ الكاتب الشاعر أبو محمد حمودة بن عبد العزيز ١٢٠٢. أخذ عن والده وعن عدة من الشيوخ أمثال قاسم المحجوب والماكودي والغرياني والشحمي، وعنه الشيخ محمد بيرم الثاني وعمر ومحمد ابنا المحجوب. تولى رئاسة الكتابة، وسافر لحمل الصرة صحبة أبي الفلاح صالح زيد في عهد حمودة باشا الحسيني بوصفه قاضي الركب. وأرسله الأمير علي بن حسين سفيرًا عنه لدار الخلافة، وللجزائر، وتولى تعليم حمودة بن علي بن حسين. وشعره أبلغ من نثره، وله تحرير في بعض المسائل الكلامية، وشرح لموشح ابن سهل، وحاشية على الوسطى، ورسالة في القبلة. وأعظم كتبه التي اشتهر بها التاريخ الباشي في أيام علي باشا الحسيني (٣) .

стр. 10899

٤- العلامة المؤرخ والفقيه المتكلم أبو الثناء محمود مقديش الصفاقسي. ١٣٣٨. أخذ ببلده عن اللومي والفراتي والمصمودي وأبي عصيدة. وقرأ المختصر على أحمد بن عبد الصادق الطرابلسي وعلى إبراهيم الجمني الحفيد، وتخرج بتونس بالشيخ الشحمي وقاسم المحجوب وعبد الله السوسي وأحمد بن ناصر الدرعي، وأخذ بمصر عن أحمد الدمنهوري وعلي الصعيدي. له حاشية على أبي السعود، وشرح على المرشد المعين، وشرح على القلصادي، وشرح على الوسطى، وتاريخ صفاقس وعلمائها (١) . وإلى هذه الزمرة المتقدمة من العلماء والأدباء ينتسب عدد كبير من الشعراء سجلوا أحداث هذا العصر فكانت أشعارهم له صورة، وقصائدهم لمجتمعاتهم مرآة. في مقدمتهم: ١- أبو الحسن علي الغراب الصفاقسي. ١١٨٣. أخذ عن أبي الحسن اللومي وعن الشيخ محمد سعادة. كان فقيهًا عدلًا ذا حظ من علم الحساب والمنطق والبلاغة والتاريخ. وله قصائد رائجة في المشرق والمغرب، مدح العلامة أبا المحاسن يوسف الحفني المصري محشي الأشموني. وكان أثيرًا لدى علي باي. له مقامات كالعبائية والهندية. وله أشعار، وديوانه مطبوع (٢) . ٢- أبو عبد الله محمد بن أحمد الوزغي. ١١٩٠. الأديب اللغوي الكاتب الشاعر. أخذ عن الشيخ محمد سعادة بجامع الزيتونة، وبرز في علمي الكلام واللسان. انتظم في سلك كتاب الدولة. له مقامات جيدة كالمقامة الخمرية التي مدح بها علي باشا حين هدم الحانات الواقعة جوار جامع الزيتونة وبني مكانها مدرسة لسكنى الطلبة، وله أشعار رائعة مثيرة فيه وفي علي بن حسين بن علي من بعده. كتب نسخة من القاموس بخطه البديع تقع في مجلد واحد هي من محفوظات الخزانة العاشورية. وله ديوان مطبوع (٣) . ٣- الشيخ أبو محمد عبد اللطيف بن محمد الطوير المذحجي القيرواني. ١١٩٩. قاضي القيروان ومفتيها. أخذ ببلده عن علماء القيروان ثم دخل تونس فدرس بالجامع الأعظم ودرّس به. وكانت له مشاركة في كثير من العلوم وبخاصة الأدبية. وكان علي باي يستدنيه ويحضره مجلسه لمؤانسته. له رسائل انتصر فيها للشيخ البارودي على مناظره الشيخ لطف الله العجمي، وله ديوان مطبوع (٤) .

стр. 10900

ففي هذا المحيط المضطرب من السياسات الذي كان يتنازع فيه على الظهور والغلبة والسلطة والحكم الأبناء مع الآباء، وبنو العمومة فيما بينهم مستنجدين في غالب الأحيان بالأجانب أو بالمرتزقة من الجند، ومعرضين ما يقيمونه من أنظمة ويتولونه من سلطان لما كان يهددهم من ثورات عنيفة وردود فعل ساحقة في داخل البلاد. فمن هجومات عسكرية غربية وحملات خارجية تنشر الرعب والدمار، إلى فتن تسبب تعاقبها فيما نكبت به البلاد والعباد من أوبئة ولحقهم من مسغبة وأفقد حياتهم الأمن والاستقرار وعاق المجتمع عن النهوض والتقدم. وفي ظل بعض الأمراء الذين كانوا رغم تلك الظروف والأحوال يعملون جاهدين من أجل التعمير والبناء وتحصين البلاد وتحقيق المنعة فكانت أوقافهم ومبراتهم سبيلًا للتخفيف على الناس ونشر السعة والرخاء بينهم، ومواقفهم الرشيدة وتطلعاتهم الشريفة سببًا في قيام حياة متميزة يتسابق إلى قيادتها المتنافسون من أولي العزم والحزم ورجال العلم والفكر، تكونت أسر علمية من أهل تونس ومن أبناء الجند التركي الوافد على البلاد فلمعت شخصيات فكرية حاولت قدر الطاقة خدمة البلاد ونشر المعرفة ووصل الثقافة المغربية المتوارثة عن الأزمنة الماضية المتقدمة والأدوار السابقة الراقية بما لقنوه من فقه وأقرأوه من كتب وبما تلقوه من أسانيد وإجازات وجمعوه من مصادر وأمهات وقرأوه من دواوين ومؤلفات على أئمة المشرق وشيوخه الذين التقوا بهم في مواسم الحج بالحرمين الشريفين فأقاموا عندهم ونزلوا بديارهم قبل الحج وبعده بمصر والإسكندرية يربطون الصلة العلمية بهم ويتعرفون إليهم ويجيزونهم بما عندهم من أسانيد وأثبات لم تكن تعرف في ديار المشرق.

стр. 10901

الشيخ محمد بيرم الثاني هو القاضي والمفتي شيخ الإسلام أبو عبد الله محمد بن محمد بن حسين بن أحمد بن محمد بن حسين بيرم. الفقيه الحنفي التونسي. وهو أحد أفراد الأسرة العلمية المجيدة الموجودة إلى اليوم بتونس. وقد أسندت إليها رئاسة المفتيين الأحناف. وتولى هذا المنصب العلمي والشرعي الخطير منها مؤسسها شيخ الإسلام محمد بيرم الأول ١١٨٦، ومن بعده مترجمنا الشيخ محمد بيرم الثاني ١٢١٥، فابنه الشيخ محمد بيرم الثالث ١٢٤٧، فالشيخ محمد بيرم الرابع ١٢٥٩ وثلاثتهم على التعاقب دون انقطاع أو فصل. وآخر من أسندت إليهم مشيخة الإسلام من فقهاء البيت البيرمي الشيخ محمد الطيب بيرم ١٣٥٧. قدم جد والد الشيخ محمد بيرم الثاني وهو أحمد بن محمد بن حسين بيرم مع الجند الذي قاده سنان باشا إلى تونس لطرد الإسبان سنة ٩٨١، وأمه هي ابنة الشيخ حسن بن إبراهيم بن محمد البارودي من بيت البارودي إحدى بيوتات العلم والفضل بتونس، ويمتد نسبها إلى الكاتب الشاعر المؤرخ الحافظ أبي عبد الله محمد ابن الأبار القضاعي البلنسي. ولد الشيخ بتونس في ١٦ ذي القعدة ١١٦٢، وتوفي بها في ١٦ جمادى الأولى ١٢٤٧. وبعد أن أتم حفظ القرآن الكريم توجه إلى طلب العلم. فأخذ القراءات والتجويد عن شيوخ جلة منهم: محمد قاره باطاق وإبراهيم الحميري وأحمد الوافي، وأخذ الحديث والفقه عن والده، وأخذ النحو عن الشيخ أحمد السوسي، أما بقية العلوم فتلقاها عن الشيوخ صالح الكواش وأحمد الشريف الثعالبي الشهير بالبرانسي ومحمد الدرناوي وعلي بن سلامة، كما أخذ عن الشيخ محمد الشحمي، وتخرج بالوزير الكاتب الشاعر الناثر الحاج حمودة بن عبد العزيز صاحب التاريخ الباشي. وقد برع الشيخ محمد بيرم الثاني في الفقه الحنفي على طريقة المحققين من رد الفروع إلى أصولها حتى عد من مجتهدي المذهب وكان بالمغرب بمنزلة ابن عابدين في المشرق. وقد لقبه شيخ الإسلام محمد ابن الخوجة الأكبر بأبي يوسف الثاني.

стр. 10902

درس بالمدرسة الباشية وبجامع الزيتونة الأعظم. وأخذ عنه كثير من طلبة العلم ورواد الفكر، وولي القضاء بتونس لستٍّ بقين من شهر ربيع الأول ١١٩٢ ثم استعفى منه في الرابع من رجب ١١٩٣، وعُيِّن ثانية فيه لأربع بقين من ربيع الثاني ١١٩٤، ثم استقال وولي الإشراف على الأشراف أي نقابة الأشراف بعد موت الشيخ عبد الكبير الشريف ١٢٠٦، وارتقى بعد ذلك إلى رئاسة الفتوى بعد وفاة والده ١٢١٥. وقد كان إلى جانب مقامه العلمي ومنزلته الفقهية أديبًا شاعرًا. له نظم في التوحيد. وله مصنفات تاريخية وكتب تراجم هي تقييدات مفيدة ومعلومات لا غنى عنها لمن يهتم بتاريخ تونس والترجمة لأعلامها. منها: عقد الدرر والمرجان في سلاطين آل عثمان. وهو قصيدة جمع فيها أسماء سلاطين آل عثمان من بداية ظهورهم ٦٩٩ إلى السلطان سليم خان الثالث. وعلى هذه القصيدة ذيول أولها لابنه الشيخ محمد بيرم الثالث وهو من قسمين، والثاني للشيخ محمد بيرم الرابع، وذيل للشيخ محمد بن مصطفى بيرم صاحب صفوة الاعتبار دفين حلوان، وآخر بعنوان ملحق للقصيدة البيرمية نظمه الأديب التونسي الشيخ محمد التطاوني، وأخيرًا إتمام وإكمال من نظم محمد ابن الخوجة (١) . التعريف بالولاة من طرف الدولة العثمانية بتونس. وهو نظم تضمن ذكر جميع البايات من تاريخ الفتح العثماني ٩٨١ إلى محمود باي. ولهذه القصيدة أيضًا ذيل صنعه الجنرال ابن الخوجة (٢) . التعريف بنسب الأسرة البيرمية: التعريف بالمفتيين الحنفيين بتونس من الفتح العثماني إلى عهد المؤلف. وللشيخ بيرم الثاني شروح وتعاليق على الرسائل والكتب والمباحث العلمية الفقهية والأصولية المتداولة بين فقهاء الحنفية مثل: تعقيب على البحث الذي نقله الشرنبلالي في باب سجود التلاوة من شرحه الصغير عن العلامة الكمال بن الهمام. شرح رسالة لطف الله الأزمرلي، "العجمي" في تحرير كلام الحنفية في باب صلاة الفوائت. شرح شفاء الغليل في وقف العليل لابن نجيم. حاشية على شرح قاسم بن قطلوبغا على مختصر المنار لابن حبيب الحلبي لكتاب الأنوار للنسفي.

стр. 10903

وله رسائل كثيرة تكشف عن عمق نظره الفقهي واجتهاداته، وأكثرها تحريرات فقهية وفتاوى. من أهمها: بذل المجهود في إبطال افتراض توجيه أصابع القدم للقبلة في السجود. تحقيق الكلام فيما لإجارة متولي الوقف المنحصر استحقاقه فيه إذا مات أثناء المدة من الأحكام. تحقيق المقال في حكم ما يعبر عنه في ديارنا بالمغارسة والاستنزال. تحقيق المناط في عدم إعادة الساباط. تلخيص الكلام في الحائط المنهدم إذا تنازع شركاؤه في بنائه. حسن الحط على توهم الاحتجاج عندنا بالخط. حسنة المنزع فيما يرجع به على المدفوع وما لا يرجع. حسن النبا في جواز التحفظ من الوبا، وهو كما نبه عليه مخلوف رسالة في نقض ما ذهب إليه الشيخ أبو عبد الله محمد بن سليمان المناعي في رسالته تحفة الموقنين من منع إقامة المحجر الصحي. رسالة في صحة الرجوع عن الوصية الملتزم فيها عدمه. رسالة فيما يحدث من الطلاق المردف. طلوع الصباح في المتحير على أجر الملاح. قلائد اللآل في نظم حكم رؤية الهلال. القول الأسد في حكم نصيب الميت من غير الولد. نيل المنى من مسألة استحقاق المشتري بعد البنا. نظم في عيوب الأضحية. الوفاء بما يتعلق ببيع الوفاء.

стр. 10904

وقد رزق هذا الإمام محمدًا بيرم الثاني ولدًا صالحًا أسماه باسمه وباسم أبيه محمدًا. ولد له سنة ١٢٠١، ونشأ في بيته البيرمي تحوطه الرعاية والعناية. وتخرج بوالده وبالشيخ حسن الشريف. وكان ماهرًا في علوم البلاغة والمنطق، بارعًا في المعقول والمنقول. تصدر للتدريس بالمدرسة العنقية وبجامع الزيتونة. فَبَزَّ أقرانه. وولي الإفتاء في حياة والده ثم رئاسة المجلس الشرعي عند وفاته ١٢٤٧. وكان إمامًا خطيبًا بجامع صاحب الطابع ونقيبًا للأشراف. له تحريرات فقهية وتعاليق على حاشية والده على شرح ابن قطلوبغا لمختصر المنار، وشرح الفواكه البدرية في أطراف القضايا الحكمية لابن غرس، وشرح على إيساغوجي في المنطق، وشرح نيل الأماني على مقدمة القسطلاني، ورسالة في كروية الأرض. ولم يعمر محمد بيرم الثالث إذ كانت وفاته ١٢٥٠ (١) . ومما أكرم الله به مترجمنا أن شهد ولادة حفيده محمد بيرم الرابع ١٢٢٠ - ١٢٧٨، وسعد بالمشاركة الفعلية في تربيته وتلقينه العلم وتخريجه كما أراد فحلًا في حلبة البيان بارعًا في التدريس والتأليف ومفتيًا. وقد أسندت لهذا الإمام الرابع مشيخة الإسلام إثر وفاة والده. وهو من ذوي الوجاهة والكمال، شغوف بالعلم مولع بالكتب بارع في الكتابة. تولى عن الأمير محمد باشا الإجابة عن الرسالة السلطانية الفاسية الموجهة إليه، وهو واضع ترتيب الديوان الشرعي، وله تراجم خطباء الحنفية، والجواهر السنية في شعر المتأخرين، ورسالة في شرح قواعد عهد الأمان، ومحررات فقهية في قضايا مهمة (٢) . وهكذا تداول أعلام هذه الأسرة على نسق عجيب: تتابعوا كأنابيب القنا ولهم مفاخر ومزايا تبلغ الشهبا (٣) .

стр. 10905

رسالة الوفاء بما يتعلق ببيع الوفاء تقدم لنا في ختام الحديث على الرسائل الفقهية من مؤلفات شيخ الإسلام المحقق العلامة محمد بيرم الثاني، ذكر هذه الرسالة الوفائية (١) التي نقدمها اليوم هدية للدورة السابعة لمؤتمر مجمع الفقه الإسلامي بجدة. وهي الرسالة الموسومة بالوفاء بما يتعلق ببيع الوفاء. وقد يكون حمل المؤلف على تحريرها والكتابة في مسائلها شدة الحاجة إليها في زمانه وبين فقهاء مصره وعصره، وحرص الخاصة منهم على معرفة قضاياها وموضوعاتها التي كانت من القرن الخامس موضع بحث ونظر، وبيان وشرح، وتقرير وفتوى، مع ما يتطلبه ذلك من إعمال لمختلف القواعد، وتخريج للفروع على الأصول، وإيجاد للمخارج الصحيحة المقبولة في المضايق التي تعترض الناس في معاملاتهم. ومن المعلوم أن الفقهاء انقسموا بوجه عام إزاء بيع الوفاء فريقين كبيرين: الأول: يقول بفساد هذا النوع من البيوع لمخالفة شرط الوفاء فيه مقتضى البيع وحكمه، كما أن في هذا الشرط منفعة للبائع، ولا دليل على جوازه، ولأن متعاطي هذه المعاملة لا يقصد في واقع الأمر البيع بشرط الوفاء وإنما يريد من وراء ذلك الوصول إلى الربا المحرم. والثاني: يرى جواز هذا البيع ويقول بأنه مفيد لبعض أحكامه كانتفاع المشتري بالمبيع دون بيعه لآخر، وأن البيع بشرط الوفاء قد تعارفه الناس وتعاملوا به لحاجتهم إليه وتخلصًا به من الربا. وهو وإن خالف القواعد لكن هذه كما هو معلوم تترك بالتعامل كما في الاستصناع. ونحن نجد بحث مسائل الوفا تفاريق في كتب الحنفية. قال ابن نجيم في البحر: واعلم أن بالقاهرة بيعًا يسمى بيع الأمانة كما ذكره الزيلعي، ويسمى أيضًا الرهن المعاد كما في الملتقط، وسماه الفقهاء بيع الوفاء، ويذكرونه في موضع من ثلاثة: فمنهم من ذكره في البيع الفاسد كالبزازي، ومنهم من ذكره عند خيار النقد كقاضيخان، ومنهم من ذكره في الإكراه كالزيلعي (٢) .

стр. 10906

وقد ورد الحديث عن هذا البيع مفصلًا ومقتضبًا مرة في آخر باب الصرف كما في درر الحكام شرح غرر الأحكام لحسن الشرنبلالي وفي الدر المختار في شرح تنوير الأبصار للحصكفي، ومرة في باب خيار الشرط من أول كتاب البيوع كما في البحر الرائق شرح كنز الدقائق لابن نجيم، وخصه صاحب القنية الإمام الزاهدي بباب قبل باب البيع الفاسد، وأورد مسائله البزازي في الباب الرابع في البيع الفاسد من كتابه الجامع الوجيز، وكذلك صنع ابن عابدين في رد المحتار، وعقد له صاحب الفصول العمادية الفصل التاسع عشر، وأفرده جامع الفصولين بفصل أيضًا هو الفصل الثامن عشر، كما عقد له الزاهدي فصلًا في البيوع من فتاواه. وقد عاد المؤلف إلى جميع هذه المصادر والمراجع، ووقف على كثير غيرها من أمهات الكتب ناقلًا ومقارنًا، مناقشًا ومحررًا، معترضًا ومجيبًا، محققًا ومرجحًا، مبينًا ومفتيًا، فجاءت رسالته الوفائية رسالة علمية دقيقة على غرار ما كتبه العلماء المتقدمون من مباحث فقهية تعتمد في لغتها ومنهجها الجدل، وتكتسي طبيعة التقرير في عرضها حتى لكأنها أمالي دروس أو صورة مجالس، جمعت أكثر ما قيل في الموضوع على نحو فريد بديع، أعجب به معاصروه ونوه به زملاؤه وطلابه، فاتخذوه في عمله هذا أسوة لهم، واعتمدوا أقواله وأفهامه كما يشهد لذلك قول أحدهم في رسالة له في الوفاء أيضًا، تضمنت تسع مسائل: "صرح بذلك شيخ مشائخنا العلامة الفريد في نقله وفهمه شيخ الإسلام سيدي محمد بيرم الثاني قدس الله قبره وضاعف يوم الجزاء أجره في رسالته الوفائية" (١) .

стр. 10907

تحليل الرسالة اقتصر المؤلف في خطبتها على الإشارة إلى بعض ما اعتمده من أمهات الكتب والمصادر الفقهية في المذهب الحنفي، في بحث موضوع الوفاء والتعريف بالآراء المختلفة بشأنه، وتقديم ما يراه معتبرًا من الأحكام في مختلف الفروع المتصلة بهذا النوع من المعاملات. وتلك المصادر التي وصفها بثبوت الاصطفاء لها بين فقهاء الحنفية أربعة: هي الخانية والعمادية وجامع الفصولين والبزازية. ثم تولى بيان محتوى الرسالة منبهًا فيه على ما اشتملت عليه المقدمة والفصول العشرة والخاتمة من مسائل ونقول وأحكام وفتاوى: ١ -٢. ففي المقدمة تناول أولًا غرضين: أحدهما: بيان الاسم المطلق على هذا البيع في اصطلاح أكثر الفقهاء وبمختلف الأمصار. فهو بيع الوفاء، والبيع الجائز. وبيع المعاملة، وبيع الأمانة، والرهن، والبيع البات. ثانيهما: تحديد المصطلح وبيان مسماه وحقيقته. فهو عقد وضع للتوثيق للدين والانتفاع بالعين. وبإثر هذا التعريف يشير المؤلف إلى أن هذه المعاملة مستحدثة، لم تكن موجودة في صدر الإسلام لوجود ما يغني عنها من القرض الحسن. ولما تغيرت الطباع، وأحضرت الأنفس الشح أحدث بيع الوفاء "تحيلًا لتحصيل الأرباح بطريق مباح ". وكان أول ظهوره بسمرقند. ومن أجل ذلك كثر الحديث فيه بين فقهائهم واختلفوا بين قابل له وغير قابل. وفي هذا كلام نفيس لأئمتهم من أهل الترجيح مثل النسفي والصدر الشهيد والمرغيناني وأولاده: ٢ - ٣. وتأتي فصول الرسالة متوالية بعد ذلك مشتملة على فروع مختلفة تتصل بما يعرض للناس بسبب حاجاتهم أو تصرفهم في معاملاتهم، فتبين أحكام تلك الفروع وتذكر الفتاوى في المسائل المطروحة معتمدة في كل هذا النقول المحررة، ومركزة نتائج البحث على إعمال النظر والمناقشة والترجيح. وجملة هذه الفصول عشرة: ٣.

стр. 10908

الفصل الأول - في بيان ما يرجع إليه الوفاء من العقود: وهو من أهم الفصول لبحثه في طبيعة هذا العقد. وقد ذكر الشيخ بيرم أن البزازي في جامعه جعل جملة الآراء في ذلك تسعة. وهي في نظره قابلة للاختصار وردها إلى خمسة أقوال، لأنها عند التحرير لا تعدو أن تكون رهنًا، أو بيعًا جائزًا لازمًا، أو بيعًا جائزًا غير لازم، أو بيعًا فاسدًا، أو عقدًا مركبًا. وقد فصل القول في جملة تلك العقود عقدًا عقدًا مع نسبة الأقوال لأصحابها: ٣. ١- فاعتبار بيع الوفاء رهنًا هو ما درج عليه الإمام أبو شجاع وابنه والسغدي والماتريدي والقاضي والأمير. ودليلهم أن العبرة في العقود بمعانيها لا بمبانيها. فهو رهن حكمًا وإن كان بيعًا اسمًا. وقد أوردوا تنظيرًا لذلك: وقالوا الكفالة بشرط براءة الأصل حوالة، والحوالة بشرط عدم براءته كفالة. ونقل المؤلف ما اعترض به على هذا الرأي من أن الانتفاع بهذا البيع مقصود كما أن الاستيثاق به مقصود، وأجاب بأن الرهن لا تبطله الشروط الفاسدة، منبهًا إلى أن العقد في صورة الحال عنوان له ببيع لا برهن. وأردف ذلك بنقول من فتاوى صاحب التنوير ومن جواهر الفتاوى تقتضي تصحيح القول بأنه رهن محض، وأن للقاضي الحنفي أن يحكم بكونه رهنًا بعد الدعوى الشرعية: ٣ - ٤. ٢- واعتباره بيعًا جائزًا لازمًا لا يختلف في شيء من أحكامه عن البيع البات هو ما ذهب إليه الإمام النسفي، ونقل اتفاق شيوخه عليه بشرط أن يكون هذا البيع خاليًا عند العقد من ذكر شرط الفسخ. ومعروف أن القاعدة عند فقهائنا تنص على أن العبرة في الشرط المفسد بقرانه للعقد ذكرًا باللسان دون تقدمه ذكرًا عليه، ولا قرانه به مضمرًا في الجنان. وقد أعقب هذا البيان بنقل عن العمادية، ينظر حكم صحة عقد هذا البيع بصحة نكاح من تزوج امرأة على نية تطليقها إثر الوطء، فنكاحه صحيح نظرًا لصيغة العقد وليس نكاح متعة باعتبار قصده، لأن العبرة في مثل هذا بالملفوظ دون المقصود. ثم ختم بيان هذا الوجه بذكر فتوى النسفي الضابطة لصورة هذا العقد والمبينة لحكمه: ٤ - ٥. ٣- واعتباره بيعًا جائزًا غير لازم لخلوه عن المفسد أولًا، وللوفاء بالوعد ثانيًا. وصورته أن يعقد البيع بلا شرط ثم يذكر الشرط على وجه المواعدة. صرح بذلك قاضيخان وبنى عليه أنه يحل للمشتري الانتفاع بالمبيع لجوازه بإذن المالك، وأنه يفسخ بطلب أحد المتعاقدين. وقد أتى المؤلف بتحرير لصيغة المواعدة وتعليل لوصفه بالجواز، وبعدم اللزوم. ثم أورد مناقشة الحاوي لكلام قاضيخان في ما ذهب إليه، والخلاف بين الزاهدي في اعتباره البيع باتًّا إذا كان بثمن المثل أو بغبن يسير، واعتبار قاضيخان له بيعًا غير لازم في هذه الصورة: ٥ - ٦.

стр. 10909

٤- واعتبار الوفاء بيعًا فاسدًا في صورة ما إذا عبر المتعاقدان بالبيع، وشرطا فسخه في العقد، أو عبرا بالبيع بشرط الوفاء، أو أطلقا البيع. وهذا القول يعبر عن رأي صاحب العدة ورأي ظهير الدين المرغيناني. وهذا بيع جائز غير لازم عند الإمامين، أعطاه القائلون بفساده أحكام البيع الفاسد كلها، وألحقه الصدران السعيد والشهيد ببيع المكره، وتبعهم في ذلك الزيلعي. وختم بيانه هذا بنقل كلام العمادي: "بأن الفتوى فيما يترتب على هذا العقد على القول بالفساد مع عدم فواته، وبأن زوائد المبيع على القول بالفساد مضمونة على المشتري ضمان زوائد المغصوب بالاستهلاك لا بالهلاك: ٦ - ٧". ٥- واعتبار بيع الوفاء عقدًا مركبًا من رهن بالنظر للبائع فلا يملك المشتري تحويل يده وملكه إلى غيره ويجبر على الرد إذا حضر الدين، ومن بيع صحيح في حق المشتري حتى يملك هذا النزل والمنافع كالسكنى والزراعة والإيجار. وهو مذهب شيوخ النسفي، ويعرف عند الفقهاء بالقول الجامع. وبه قال برهان الدين المرغيناني، وعليه استقر قول الأئمة والفقهاء في عصره. وينوه الشيخ بيرم في هذا المقام بعلو درجة صاحب الهداية في العلم مقارنًا له بالقدروي وأضرابه من أئمة الترجيح، اعتمادًا على شهادة ابن كمال باشا له. ثم يعود المصنف إلى ذكر الأسباب الحاملة على اختيار هذا الوجه لبيع الوفاء معللًا الاختيار بحاجة الناس إلى هذا البيع، وتعاملهم به، ومذكرًا بأن القواعد تترك بالتعامل كما في الاستصناع، وأن ما ضاق على الناس اتسع، وأن الحاجة تنزل منزلة الضرورة، ولتأييد وجهة النظر هذه ينقل كلام صاحبي النهاية والأشباه. وفي الرد على من ينكر احتمال التركيب ينظر بيع الوفاء على هذا التأويل بالهبة التي تتقلب بشرط العوض بيعًا، وتصير في حال المرض وصية: ٧ - ٨. وبعد إيراد الآراء الخمسة حول طبيعة عقد بيع الوفاء، وقبل الفراغ من هذا الفصل يتعرض شيخ الإسلام لجملة من المسائل المرتبطة بهذا الموضوع. فيقارن أولًا بين حاجة الناس في القرن الخامس إلى هذا النوع من البيوع وحاجتهم إليه الآن. وهو ما قضى باشتغال الفقهاء به، وانكبابهم على درس صوره والفتوى فيه.

стр. 10910

وينكر ثانيًا الخلط بين المذاهب بتطبيق الأحكام المخالفة لما جرى عليه المذهب المعتمد في أصل المسألة، ويبين أن العمل بتونس في بيع الوفاء على المفتى به من كلام المتأخرين من الحنفية في عصره. ويقرر ثالثًا أن القائلين بالتركيب جعلوه من الرهن ومن البيع الصحيح، ومنهم من جعله من أنواع ثلاثة هي الرهن والبيع الصحيح والبيع الفاسد. وينقل في هذا المحل كلام البزازي معقبًا على القول بتركيبه الثلاثي بأنه لا يعتد به ولا يوافق عليه. وينتهي من ذلك إلى تأكيد أن الوفاء لا يصلح طريقًا للتحيل إلا على القول الثالث الذي يجعله بيعًا جائزًا غير لازم، أو على القول الخامس الذي يعتبره مركبًا من الرهن ومن البيع الجائز الصحيح. ويصرح بأن تسلمات أهل تونس جارية على هذين القولين في القضاء والفتوى، وبعد المقارنة بينهما يختار الخامس ويرجحه على الثالث. وفي ختام الفصل يتحدث عن بيع الثنيا أو التطوع بالثنيا المتعارف بين مواطنيه فيعرف به وبصوره الأربعة، ويطبق عليها القواعد المتقدمة مع بيان الأحكام في جميعها: ٨ - ١١.

стр. 10911

الفصل الثاني - فيما يصح عقد الوفاء فيه وما لا يصح: يبدأ هذا الفصل بذكر الاتفاق على صحة عقد بيع الوفاء في عقار البالغ العاقل. ويذكر إثره الخلاف في صحة عقده في عقار الصبي والمجنون، منبهًا إلى منع العلامة علاء الدين وأئمة سمرقند ذلك لما فيه من تمليك الولي منافع عقار المولى عليه للمشتري بلا عوض، وحاكيًا إجازة صاحب العدة لبيع الوفاء في عقار الصبي والمجنون عند اضطرار المولى عليه إلى ثمنه. هو القول المعتمد والمفتى به في تونس. وينتقل المؤلف بعد ذلك إلى الحديث عن حكم بيع الوفاء في المنقول، فيحكي منعه عن العدة، وجوازه عن النوازل، مبينًا في هذا المجال دليل القولين. ومخصصًا منع بيع المنقول وفاء بما لا ينتفع به إلا باستهلاك عينه: ١١ - ١٢. وفي شكل اعتراض على هذا الحكم يتحدث عن النصبة المعروفة عند الفقهاء بالسكنى فيجيز بيع الوفاء فيها قياسًا بشرط أن لا يدخل فيها على شرط القرار، ولكنه ينبه هنا على أن القرار مدخول عليه فيها عرفًا، فيترتب على ذلك عدم صحة الوفاء فيها، كما لا يصح فيها البيع البات والرهن والهبة والوقف. ويحمل على حكم النصبة عند الأحناف حكم الخلو والمفتاح: ١٢.

стр. 10912

الفصل الثالث - ما يمتنع على المشتري من فعل في مبيعه وما يجوز: وهذا الفصل من أطول الفصول وأكثرها مسائل. وهو يشتمل على قسمين ظاهرين من العنوان، وعلى مباحث وملحقات فيها تفاصيل وأحكام. فالقسم الأول ينقل فيه كلام البزازي وهو ما لا يجوز للمشتري وفاء أن يتصرف به في المبيع وذلك نقل ملكه لآخر ببيع بات أو هبة، ونقل اليد ببيع وقائي ثان، وأضاف المؤلف: أو نقل اليد برهن محض أو إعارة. وبناء على ذلك لا يصح تولية المشتري وفاء شراءه غيره إذا لم يكن بإذن البائع. وتكون يد المتولي على المبيع غير محقة، ٩ وللبائع أن ينتزع منه المبيع ولو بغيبة المشتري الأول. وعلق الشيخ على ذلك بأن في نزع المبيع من اليد الغير المحقة إشكالًا قائمًا وهو تعذر المنازعة لأن ذا اليد لا يدعي ملكًا فلا يكون طرفًا في الخصومة. ونقل عن صاحب الفصول أن حكم وارث كل واحد من البائع والمرتهنين اللذين هما المشتري الأول والمشتري الثاني حكم مورثه وهو ما قضى به الأمير. وفي آخر هذا القسم تعرض لجملة مسائل منها: - التساؤل عن ثبوت حق المتولي في مطالبة البائع بالمال الذي قبضه من المشتري الأول باعتبار كونه يتنزل منزلته أو لأنه غريم وغريم الغريم غريم، وبعد الإجابة عن الوصفين وما يترتب عليهما من آثار حكمية متوهمة ينفي أن يكون هناك دين مستحق لأن مال الوفاء لا يصير دينًا في ذمة البائع إلا بعد فسخ الوفاء - ومنها عدم صحة الكفالة بمال الوفاء منجزة وإنما تكون مضافة إلى وقت الفسخ. - وأنه لا يصح التفاسخ بين المشتري الثاني والبائع الأول إذ لا عقد بينهما. - ولو دفع البائع للمشتري الثاني مال وفائه عن المشتري الأول كان متطوعًا، ولا يرجع به على الأول لانتفاء سببي الرجوع اللذين هما الأمر أو الضرورة: ١٢ - ١٥. والقسم الثاني: وهو ما يجوز للمشتري القيام به من التصرفات في المبيع الوفائي، يتضمن ثلاثة مباحث هي الزراعة والإجارة والانتفاع بالثمرة.

стр. 10913

المبحث الأول: في زراعة المشتري وفاء الأرض التي عقد الوفاء عليها وفيه مسألتان: الأولى: تتعلق بفسخ العقد وفي الأرض زرع لمشتري الوفاء. والثانية: فسخ العقد قبل الزراعة وقد كرب المشتري الأرض. وفي بحث المسألتين ناقش المؤلف رأي البزازي، ونقل واقعة الفتوى عن العمادي، محررًا موقفه من كلاميهما. وقد فصل القول في الأولى بأن الزرع يقلع إن كان الفسخ بطلب المشتري، ويبقى الزرع في الأرض بأجر المثل إن كان طلب الفسخ من البائع. وبعد توجيه الحكم وتعليله في هذه المسألة ذكر أن من الفقهاء من يرى الإبقاء بأجر المثل إلى الإدراك مطلقًا، منظرًا صورة طلب المشتري الفسخ هنا بمسألة المزارعة التي أخر فيها الزارع الزراعة إلى آخر السنة، وحكموا فيها بإبقاء الزرع بأجر المثل. وفي المسألة الثانية وهي إذا تفاسخا بعد كرب المشتري الأرض وقبل الزرع هل يجب على البائع قِبَل المشتري أجر كرابه قياسًا على مسألة المزارعة، أم أن عمل المشتري من غير عقد ولا دلالة حال يعتبر من المنافع وهي لا تقوم ولا تضمن فلا يجب على البائع شيء، أم أنه يجب الإحسان تطييبًا لخاطر المشتري في هذه الصورة ١٥ - ١٧. المبحث الثاني: في إجارة المشتري المبيع وفاء إما إلى غير البائع أو للبائع. ففي الصورة الأولى الأجرة للمشتري لكونه العاقد، وفي حلها له على القول بالتركيب وجه. وهنا يتعرض الشيخ بيرم إلى جملة مسائل منها: - التفاسخ فيما هو مستأجر قبل نهاية مدة الإجارة تنفسخ به الإجارة أم لا. - تفصيل القول في ذلك، ونقل كلام صاحب الفصول فيه، وجعل مدار الحكم بانفساخ الإجارة عند طلب المشتري الفسخ للعذر، وعند طلب البائع الفسخ لجهالة المدة. - أن الفسخ لعقد الوفاء من المشتري الذي لا دين عليه، أو من البائع مع معرفة مدة الإجارة، لا يقضي بدفع البائع مال الوفاء قبل انقضاء مدة الإجارة وتمكنه من قبض المبيع. فإن دفع قبل نهاية المدة وأراد الاسترداد وكان عالمًا بمدة الإجارة لم يكن له الرجوع، ومع الجهل بها يثبت له هذا الحق. وينبه الشيخ بيرم هنا على أن قوله هذا استظهار منه يحمل على التأمل. - التساؤل عن أجرة المدة المستحقة من وقت فسخ الوفاء إلى آخر وقت الإجارة لمن تكون؟ جعلها من حق المشتري لأنه هو العاقد لهذه الإجارة. ثم أورد اعتراضًا على هذا الحكم، منشؤه كلام صاحب الفصول، الذي يجعل الأجرة قبل الفسخ للمشتري وبعده للبائع. فيبين اختلاف الصورتين في الحكم لأن قوله منصب على المسألة والإجارة لأجنبي، وما نقله المعترض عن صاحب الفصول وارد على الإجارة حال كونها للبائع على فرض صحتها.

стр. 10914

وفي الصورة الثانية وهي إجارة المشتري المبيع للبائع يقرر أولًا: أنها لا تصح إلا على وجه واحد من وجوه تأويل عقد الوفاء الخمسة، وذلك على اعتباره بيعًا صحيحًا باتًّا. ثم يبين أسباب عدم جواز الإجارة للبائع على الأوجه الأربعة الباقية مفصلاً ومقررًا وموردًا ما اعترض به على هذا البيان ومجيبًا عنه ثم ينتهي من ذلك كله إلى أنه: - لا يجوز بيع المبيع وفاء بيع وفاء ولا رهنه ولا إيداعه. - وأن للبائع أن يحسب ما دفعه للمشتري من أجر كراء ملكه من مال الوفاء. ثم يتخلص إلى ذكر أن الحيلة في تصحيح الإجارة للبائع أو لصاحب الملك تكون بتوسط أجنبي بين المشتري والبائع في الإجارة، وينظر ذلك بالإجارة المرسومة بسمرقند. ويذكر استحسان فقهاء الحنفية لذلك مشيرًا إلى كلام الهندية. ويتعرض إثر ذلك إلى دعوى البائع أن الإجارة للأجنبي تلجئة، وأنها غير مسموعة معللًا الحكم، وبأن من لا يلزمه شيء مع الإقرار لا تتوجه إليه يمين مع الإنكار، وأن التلجئة والهزل لا يفيدان العقد سوى وجود لفظي وهو معدوم شرعًا فكذا حسًّا. التفريق بين بيع الرغبة وبيع التلجئة وحمل صورتي إجارة الرغبة وإجارة التلجئة عليهما، مع بيان ما ينبني عليهما من أحكام. ويختم المبحث الثاني بنقل كلام البزازي في التحيل على إسقاط الشفعة: ١٧ - ٢٦.

стр. 10915

مبحث الانتفاع بثمرة المبيع وفاء: وهنا لا يخلو الأمر من كون هذه الثمرة موجودة على رؤوس الشجر عند البيع ومسكوتًا عنها عند التعاقد، أو موجودة مشروطة للمشتري في العقد، أو حدثت بعد العقد. ففي الحالة الأولى تكون للبائع، وفي الثانية للمشتري. وتكون مضمونة عليه عند الفسخ بجميع قيمتها بالغة ما بلغت. وذلك عند من يعتبر الوفاء بيعًا فاسدًا، وبحصتها من ثمن الوفاء عند من يراه صحيحًا، ونقل كلام الفصول في ذلك وتعليله الفساد، وفي الثالثة إذا حدثت بعد البيع تكون للمشتري مجانًا لأنها نزل مبيعه الوفائي. وبعد تحقيق ذلك وتفصيله وإقامة الأدلة عليه، وبيان أن العقد في هذه الصور الثلاث وإن كان واحدًا في الظاهر لكنه متعدد مركب في الباطن من عقد على الشجر وهو محل بيع الوفاء، وعقد على الثمر وهو محل بيع الثمر، وهو بيع بات، يتعرض المؤلف لجملة مسائل ترتبط بالموضوع، منها: - تجاذب الوفاء الرهن والبيع، واعتبار عقده لذلك من باب بيع الصفقة في الصفقة المفسدة أم لا. - معنى كون الثمرة مضمونة بحصتها من الثمن، وظهور ذلك بالتقويم وضبطه النسبة، وتسقط من ثمن الوفاء لأن ما قابلها بيع بات، ولا تسقط حصة الشجر لأنها موضع الوفاء. - اعتراضات وأجوبة. - حكم الزرع القائم في الأرض عند عقد الوفاء حكم الثمر. - طلب المشتري الفسخ ليأخذ الثمن بعد أخذه الغلة الحادثة. وأتى بعد ذلك بمسألتين رتب عليها صورًا ثلاثًا من هذه المعاملة مبينًا حكمها ومفصلًا ما دار حولها من نقاش بين الفقهاء: ١- هل يجاب المشتري لطلبه الفسخ بعد أخذه الغلة مطلقًا أم مقيدًا بمضي سنة من وقت العقد، أو بشرطه على البائع عند العقد أنه متى رفع الغلة فسخ العقد وطالبه بالثمن. نقل كلام العمادي وخُواهَر زاده في ذلك وبيانه. ٢- لمن تكون الغلة إذا وقع التفاسخ قبل أخذها؟ هل تكون كلها له أو للبائع أو تسقط بينهما؟ وهل في التقسيط فرق بين أن تكون الثمرة موجودة عند الفسخ؟ - وأورد في هذا كلامًا للبزازي نقلًا عن الديناري - أو حادثة بعده؟

стр. 10916

١- صورة كون طلب الفسخ من المشتري قبل رفعه الغلة، وأشار هنا إلى كلام الفصول. ٢- صورة كون الطلب من البائع بعد رفعه الغلة، وعلى المشتري مساعدة البائع على الفسخ بعد أخذه الغلة ورضا البائع بتعجيل الثمن قبل انتهاء السنة. ٣- صورة كون الطلب من البائع قبل رفع المشتري للغلة وتفسير القول فيها نقلًا عن البزازية فيما روته من كلام الديناري باعتبار كون الطلب من البائع واقعًا قبل مضي شهر من وقت العقد أو بعده. ٤- إيراد اعتراض بأن هذه التقييدات في الإجابة لطلب الفسخ تتنافى مع إطلاق صاحب الفصول القول في ذلك، والجواب عن هذا بكون ما ههنا في مسألة الغلة، وما ورد في الفصول في مسألة الإجارة. وعند الحديث عن الغلة وتقسيطها بين البائع والمشتري إذا تفاسخا برضاهما يذكر أن الغلة تقسم على اثني عشر جزءًا مقابل أشهر السنة. ومبدأ السنة الموزعة عليها الغلة هو وقت عقد الوفاء. وما وازى الأشهر التي كان الوفاء قائمًا فيها بينهما يكون للمشتري، وما وازى فترة ما بعد الفسخ إلى آخر السنة يكون للبائع. وأن المقسوم على السنة قيمة الغلة لا عينها. ونقل كلام الفصول بخصوص البائع فليرجع إليه. وأن البائع يضمن للمشتري قدر حصته من قيمة الغلة دراهم. تنظير هذا التفسير بوضوء المستحاضة وقت كل صلاة. وقد حرر المؤلف الخلاف في جريان التوزيع في الغلة المعدومة وقت الفسخ، وحكى رأي علاء الدين السمرقندي وبرهان الدين المرغيناني ناقلًا فيه كلام البزازي، ومرجحًا قول صاحب الهداية أن العقد يعتبر باقيًا إلى حين أن تصير للغلة قيمة. وقد أعقب ما ذكره هنا بتفصيلات وأحكام، في هذه الموضوعات. وأورد مسألة ما يقطع من حطب الشجر، ومنه قوائم الخلاف، بأنه لا يدخل في الوفاء بلا ذكر إن كان موجودًا وقت البيع بخلاف ما يحدث بعد البيع فهو للمشتري. وذكر عدة مسائل أخرى منها: - مسألة حطب الزيتون، وأن الشجرة الميتة تكون للبائع. - وأن القص مع كونه للبائع فإن للمشتري حبسه عنه حتى يدفع مال الوفاء، وليس له منع البائع من أصل قطعه. وأن لمؤجر الدار أن يدخلها لإصلاحها وإن كان بغيبة المستأجر وبلا إذنه، وأن الحرث والسقي والرم لا يجب لا على البائع ولا على المشتري. وأن السقف ملك صاحب السفل وأن تطيينه لا يجب على ذي العلو ولا على ذي السفل. ونقل آراء وفتاوى مشاهير الفقهاء في ذلك مثل ما ورد في الخيرية وفي الفصول نقلًا عن الذخيرة: ٢٦ - ٣٨.

стр. 10917

الفصل الرابع - في انتقاض المبيع في عقد الوفاء عند مشتريه: ويتضمن الآراء المختلفة بين الفقهاء في حكم ذلك. فالمرغيناني يقول: ليس للبائع أن يأخذ المبيع ويضمن المشتري من نقصانه شيئًا، ولكنه مخير بين أخذ المبيع ودفع ثمن الوفاء كاملًا من غير رجوع على المشتري بما نقص، وبين أن يترك المبيع للمشتري يتملكه بما دفع من ثمن الوفاء ولا يرد عليه من الثمن شيئًا. ومشايخ سمرقند والإمام علاء الدين يرون تضمين المشتري ما نقص من قيمته بالغًا ما بلغ. والرأي المعتمد في هذه المسألة هو ما ذكره العمادي من فتوى أهل عصره فيها، وذلك بحمله في الحكم على الرهن. فإذا انتقص المبيع وفاء في يد المشتري يسقط حصة النقصان من مال الوفاء. فإن استهلك المشتري بناءه أو أشجاره يضمن قيمته بالغة ما بلغت كالمرتهن ضمان الغصب لا ضمان الرهن، وبيّن الفرق بين الضمانين: ٣٨ - ٣٩.

стр. 10918

الفصل الخامس - في بيع البائع وفاء مبيعه الوفائي قبل فسخ الوفاء فيه: طرح المؤلف في هذا الفصل عدة مسائل: - بيع البائع مبيعه الوفائي باتًّا أو وفاءً قبل فسخه الوفاء مع المشتري الأول موقوف مطلقًا على إجازة المشتري الأول، مثل توقف بيع الراهن الرهن على إجازة المرتهن ينفذ بإجازته ولا ينفسخ بفسخه. - اختلاف توقف الأول عن توقف الثاني في الإجازة بأن ما عدا الإجازة في الوفاء يبطل به البيع الموقوف، وفي الرهن ينفذ به. - الإجازة نوعان قولية وفعلية. نقل عن الهداية. - تعدد المبيع متفقًا أو مختلفًا كتوحده في التوقف على الإجازة. - حصول الإجازة من مشتري الوفاء بقبضه ماله من مشتري الوفاء مثل حصولها بقبض المشتري مال الوفاء من البائع وقد باع باتًّا مبيعه الوفائي من آخر. كلام الهداية والعمادية. لمشتري البات قبل أن يدفع ثمن المبيع للبائع أن يدفع مال الوفاء لمشتري الوفاء بلا إذن البائع ولا يطالبه هذا، ويقام له ما دفعه للمشتري مما عليه من ثمن البات. كلام العمادية. - إذا دفع مشتري البات ثمن الوفاء للمشتري الأول بغير إذن البائع بعد دفعه للبائع ما عليه من ثمن المبيع باتًّا لا يرجع، ويكون متبرعًا بخلاف معير الرهن. نقول من كلام الفصول ومن جامع الفصولين ومناقشتها. - بيع المبيع وفاء لمشتريه الأول باتًّا لا يتوقف على إجازة (إجازته نفسه) ويتضمن فسخ الوفاء. إيراد مسألتين من الفصول في حصة ما بقي من الثمر: بعد البيع البات تكون للبائع عند عدم ذكر الثمار. والتي خرجت بعد البيع الجائز، وقت البيع البات، تكون للبائع: ٣٩ - ٤٤.

стр. 10919

الفصل السادس - في الشفعة بالمبيع وفاء، وفيه إذا بيع باتًّا قبل الفسخ: وفيه مسائل: ١- الشفعة بالمبيع وفاء لبائعه دون مشتريه. نقل من الفصول عن محمد بن الفضل لفتوى بذلك. بيع المعاملة وبيع التلجئة حكمهما حكم الرهن، وللراهن حق الشفعة إن كان الرهن في يد المرتهن. صحة الوفاء مع الشيوع وعدم القبض بخلاف الرهن. بيان كلام محمد بن الفضل. ٢- الشفعة في المبيع وفاء إذا بيع باتًّا قبل الفسخ. ولهذه الصورة ثلاثة أحوال: (أ) حالة ثبوت التوقف للبيع عند انتفاء الإجازة من المشتري في الحال مع إمكان حصولها في المستقبل. (ب) حالة انتفاء التوقف للبيع عند تعذر الإجازة من المشتري بفسخه الوفاء قولًا أو فعلًا. (ج) حالة انتفائه بحصول الإجازة. الشفعة منفية في الحالتين الأوليين، ثابتة في الحالة الثالثة. إيراد على كلام الفصول وإجابة عنه مع التعليق على قول العمادي. الوكيل بالبيع لا يشفع فيما باعه بالوكالة. تفصيل القول في أحكام الصور الثلاث المتقدمة. لا تثبت الشفعة في المبيع وفاء إذا بيع باتًّا إلا بعد الإجازة. المعتبر في طلب الشفعة وقت العلم بالإجازة لا العلم بالبيع: ٤٤ - ٤٨.

стр. 10920

الفصل السابع - في ادعاء المشتري وفاء على مشتريه، وادعاء مشتريه له على غيره: إذا ادعى في هذه الصورة خارج على ذي اليد أن هذا ملكي كان لذي اليد دفعه بقوله: لستُ بخصم فيه لأني لا أملكه، وإنما هو في يدي بحق الوفاء. وورد سؤال من فرغانة: هل يشترط لسماع هذه الدعوى حضور البائع والمشتري؟ يشترط عند المرغيناني وغيره من السمرقنديين، وذهب القاضي علاء الدين إلى عدم اشتراطه. سبب اختلاف القول في ذلك: عدم خلوص الوفاء للبيع البات ولا للرهن، والقضية من المخمسة. من نظر إلى جهة الرهن لم يسمع الدعوى إلا بحضور البائع، ومن نظر إلى صيغة البيع سمعها بدون توقف على حضوره. ترجيح ما ذهبت إليه الجماعة. المعتبر في بيع الوفاء جهة الملك في حق الانتفاع خاصة وفيما سواه جهة الرهن. عدم سماع الدعوى على المشتري وفاء في الملك المطلق والوقف أو الحق كما في الوفاء والرهن والإجارة. الدعوى على المشتري باتًّا فيما في يده مسمومعة قطعًا. الدعوى على المرتهن غير مسموعة قطعًا. المخمسة المتضمنة وجه دفع الخصومة. لا إشكال في سماع دعوى المشتري وفاء له على غير المشتري. المقارنة بين مشتري الوفاء والمستأجر في ملكهما المنفعة فقط. تسمع الدعوى من المشتري وفاء بغيبة البائع بلا إشكال لأنها من دعوى الحق. ذو اليد إذا ادعى في العين ملكًا لنفسه سمعت عليه دعوى الملك والحق. وإذا ادعى في العين حقًّا فقط لنفسه لم تسمع عليه دعوى ملك ولا حق. إحالة على ثالث فصول الفصول لمعرفة من يصلح خصمًا لغيره ومن لا يصلح، ومن يشترط حضوره لسماع الدعوى ومن لا يشترط حضوره. لا تسمع دعوى أجنبي الوفاء على ذي اليد المدعي الوفاء لو كان تاريخ الأجنبي أسبق إلا بحضور بائعيهما إذا ثبت ما يدعيه ذو اليد من الوفاء: ٤٨ - ٥٠.

стр. 10921

الفصل الثامن - الكفاة بمال الوفاء، والحوالة به، والصلح عنه: (أ) تصح الكفالة بمال الوفاء عن المشتري للبائع منجزة. تصح الكفالة بمال الوفاء عن البائع للمشتري مضافة لوقت الفسخ. بيان الصورتين. ثمن المبيع لا يكون دينًا للمشتري على البائع وعقد البيع قائم، ويصير دينًا بعد الفسخ. لا فرق في جعل الكفالة مضافة لحين الفسخ بين كون الكفيل به أجنبيًّا عن عقده أو مشتريًا فيه. تفصيل ذلك بنقل ما ورد بالفصول، دفع توهم. ذكر تكرر الوفاء من البائع مرتين وخوف المشتري الثاني أن يتوى حقه على البائع فطلب كفيلًا به فكفله المشتري الأول وذلك صورتان: ١- بين البائع والكفيل الذي هو المشتري الأول وهو الذي انفسخ بالإجازة وترتب ماله دينًا على البائع لكن الكفالة لم تقع به. ٢- بين البائع والمكفول له وهو المشتري الثاني، والوفاء لم ينفسخ ولم يصر ماله دينًا وهو الذي وقعت به الكفالة. (ب) تنقسم الحوالة إلى ما يكون المحال عليه فيها المشتري، وإلى ما يكون المحال عليه فيها هو البائع. نقل الصورة الأولى عن صاحب الهداية، وصور الشيخ بيرم الثانية التي يكون المحال عليه فيها هو البائع بأن أحال المشتري غريمه عليه. ثم بين الحكم في الصورتين. (ج) الصلح عن مال الوفاء. نقل عن المرغيناني صورته. وهي إذا ادعى أحدهما البيع الجائز والآخر البيع البات وادعى سبق الجائز فصالح المشتري باتًّا مدعي الجائز على بدل. فلا يخلو أن يكون الصلح عن إنكار أو عن إقرار. ففي الأولى يجوز ويلزم، وإذا كان الثاني لا يلزم بدل الصلح لئلا يكون بمنزلة الرشوة لإجازة البيع عندما يكون عن مال بعينه. توقف الشيخ بيرم فيما نقله عن العمادي. تحرير الكلام في هذه الصورة مع بيان الخطأ الوارد في نسخته بالمقابلة بين الصورتين: ٥٠ - ٥٣.

стр. 10922

الفصل التاسع - في فسخ عقد الوفاء، ورجوع المشتري على البائع فيما إذا كان دفع خلاف ما سمى بما يكون منهما: في هذا الفصل جملة مباحث: ١- الفسخ قولي وفعلي. والفعلي حقيقة وحكمًا، يصح الفسخ ويحصل القبض، والقبض بالتخلية. ويشترط في القولي التصريح بالقبول. إيراد تساؤل عن صورة الفسخ الفعلي الذي يتم بالقبض أو التخلية لمخالفة ذلك لقول العمادي: لو أبى المشتري قبض الثمن هل يجبر وهل يفسخ بدون قبول؟ والجواب عن هذا التوقف. ٢- إذا قبض المشتري مال الوفاء كله انفسخ العقد في المبيع كله، وإن قبض بعضه انفسخ بقدره. نقل كلام صاحب الفصول المفيد تجزأ الفسخ. ٣- يحمل التجزي في الفسخ على كونه في أحد المقصودين في بيع الوفاء من تصرف المشتري فيه. فلا يبقى له حق التصرف فيه في القدر الذي انفسخ فيه الوفاء من المبيع، ويبقى له المقصود الآخر وهو حق حبسه للتوثق به للدين كالمرهون فإنه يبقى محبوسًا كله إلى تمام قبض الدين. ٤- الرجوع يكون بالمسمى في العقد لا بالمقبوض عند تغير المصارفة: ذكر صورة محلية تطبيقية: ٥٣ - ٥٤.

стр. 10923

الفصل العاشر - حكم المبيع وفاء بعد الفسخ، ومطالبة المشتري مال الوفاء بغير بلده أو بعد ما غصب المبيع من يده: الفسخ قولًا وفعلًا وضمنًا بحصول الإجازة للبيع من المشتري. مسألتان: ١- المشتري الذي انفسخ شراؤه الوفائي قصدًا بالقول أو بالفعل أو ضمنًا بإجازته بيع المبيع، ولم يقبض مال وفائه، هل يحبس المبيع عن البائع في صورة الفسخ القصدي القولي، وعن المشتري في صورة الفسخ الضمني أم لا؟ ٢- هل يختص مشتري الوفاء بقدر مال وفائه من ثمنه من بين الغرماء إن كان على البائع دين يستغرق تركته. الحكم في الصور المختلفة المتفرعة عن هذه المسألة. إن لمشتري الوفاء بعد فسخه حبس المبيع عن البائع حتى يدفع له ثمنه، وليس له حبسه عن المشتري بعد الإجازة. نقل كلام العمادية في ذلك. إيراد اعتراض على ما تقدم والإجابة عنه. له أخذ الثمن من المشتري وحبسه عن البائع، الإشارة إلى كلام الطرطوسي والشيخ محمد بيرم الأول في ذلك. الاختصاص بالثمن: أينما ثبت للشخص حق الحبس ثبت له الاختصاص. للمشتري مطالبة البائع بثمن المبيع وفاء في غير بلده محل العقد. ليس له طلب مال الوفاء والمبيع في يد غاصبه: ٥٥ - ٥٧.

стр. 10924

الخاتمة - تناولت حكم اختلاف المتعاقدين في العقد: أهو بات أو وفاء؟ وفيها بسط الكلام في مسائل وقواعد صدرها بنقل من الفصول يتعلق بالاختلاف في البيع بين المتعاقدين، وقد أجاب عنه بأن القول في ذلك قول مدعي البتات وهو ما ذهب إليه المرغيناني وأئمة بخارى، وإن كان أفتى صاحب الهداية من قبل بأن القول قول مدعي الجائز، ثم أعلن رجوعه إلى قول الجماعة. تحرير القول في الوجهين وتعليل الرجوع إلى كلام المرغيناني وجماعته تعليلًا فقهيًّا. مناقشة الرأي وتفصيل القول فيما إذا كان الاختلاف بين المتعاقدين قبل قبض البائع الثمن في البيع البات وفي بيع الوفاء أو بعده. وجه رجوع صاحب الهداية عما كان يفتى به إلى قول أئمة بخارى. مناقشة المؤلف هذا الوجه، وترجيح قول مدعي البتات بالنقل عن قاضيخان ومن الخيرية. تقبل بينة مدعي الوفاء لأنها لإثبات خلاف الظاهر، وتقدم على بينة مدعي الثبات. الاعتراض على اختيار وترجيح الخانية بأنه رهن في الحقيقة وذكر أن بينة البيع مقدمة على بينة الرهن. والجواب عن ذلك بأن الوفاء وإن كان في الصورة رهنًا غير أن فيه شرطًا زائدًا هو الانتفاع بخلاف الرهن. تنويه صاحب الخيرية بتحرير القول في هذه المسألة. تاريخ الفراغ من تأليف هذه الرسالة: ٥٨ - ٦٠.

стр. 10925

تحقيق الرسالة كانت لدي بمكتبتي الخاصة نسخة مصورة من الرسالة الوفائية البيرمية المحفوظة بالكلية الزيتونية تحت عدد ٥٥ وأصلها من الخزانة الرضوانية. وهي بحسب الظاهر مقتطعة من مجموع تضمن نحو أربع عشرة رسالة أكثرها فقهية منها رسالة منسوبة للشيخ بيرم في أحكام الرهن. وجدول محتوى المجموع مثبت بخط مغاير لخط الرسالة على ظهر الورقة المتقدمة على نص الوفاء بما يتعلق ببيع الوفاء، وبآخر الرسالة في وجه الورقة ٣٢ عنوان نصه: جواب سؤال في الوقف تأليف الشيخ بيرم أدام ... تملكه الشيخ سيدي حسين البارودي. وتقع هذه النسخة من رسالة الوفاء بمسائل بيع الوفاء في إحدي وثلاثين ورقة غير مرقمة، مقاس: ١٥.٥/٩، وعدد سطور الورقة بها: ٢٢. وقع الفراغ من نسخها في حياة المؤلف في ١٩ شوال ١٢٤٣ على يد محمد بن سالم البداي. خطها تونسي جميل وبها توقيفات قليلة. وهي نسخة مراجعة بها استدراكات وتكميل كما في ورقة ٨ أوعليها طرر منقولة من بعض النسخ الأخرى كما في ١٦أ، لا يعيبها إلا نقصان بعض أوراق سقطت منها، وطمس حديث لأكثر ما بورقة ٢٠ أ، وبعض أسطر من ورقتي ٢٠ ب، ٢١ أ، ٢١ ب. ولهذه الأسباب ولما تقتضيه صناعة التحقيق من مراجعات وضبط وأمانة في إخراج الرسالة اضطررت للبحث عن نسخ أخرى منها. وقد وجدت في كتاب العمر لحسن حسني عبد الوهاب: ١/٢، ٩٣٩ سردًا بنسخ الرسالة ومظان وجودها بتونس نصه: تونس دار الكتب الوطنية: رقم ١٩٨، ٣٦٤٢، ٢٣/١٨٧، ٦/١٢٠٨٦ (أحمدية: ٦/٢٥٣٣، ٣/١٤٧٨٤) - (أحمدية: ٣/٢٥٣٤، ٢/١٨١٥٦) ، عبد الوهاب: ٢/٢٥٦، العاشورية: (ف ح) ١٣٢. ولما عدت في شهر المحرم إلى تونس بحثت عن جملة من النسخ تحصل لي منها بالإضافة إلى الرضوانية الأولى التي سبق ذكرها ووصفها ست نسخ أخرى هي على حسب الأهمية في الترتيب: البيرمية والخوجية والرضوانية فالصادقية فالوطنية فالوهابية.
следующие страницы →