الفصل الثامن - الكفاة بمال الوفاء، والحوالة به، والصلح عنه:
(أ) تصح الكفالة بمال الوفاء عن المشتري للبائع منجزة.
تصح الكفالة بمال الوفاء عن البائع للمشتري مضافة لوقت الفسخ. بيان الصورتين. ثمن المبيع لا يكون دينًا للمشتري على البائع وعقد البيع قائم، ويصير دينًا بعد الفسخ.
لا فرق في جعل الكفالة مضافة لحين الفسخ بين كون الكفيل به أجنبيًّا عن عقده أو مشتريًا فيه.
تفصيل ذلك بنقل ما ورد بالفصول، دفع توهم.
ذكر تكرر الوفاء من البائع مرتين وخوف المشتري الثاني أن يتوى حقه على البائع فطلب كفيلًا به فكفله المشتري الأول وذلك صورتان:
١- بين البائع والكفيل الذي هو المشتري الأول وهو الذي انفسخ بالإجازة وترتب ماله دينًا على البائع لكن الكفالة لم تقع به.
٢- بين البائع والمكفول له وهو المشتري الثاني، والوفاء لم ينفسخ ولم يصر ماله دينًا وهو الذي وقعت به الكفالة.
(ب) تنقسم الحوالة إلى ما يكون المحال عليه فيها المشتري، وإلى ما يكون المحال عليه فيها هو البائع. نقل الصورة الأولى عن صاحب الهداية، وصور الشيخ بيرم الثانية التي يكون المحال عليه فيها هو البائع بأن أحال المشتري غريمه عليه. ثم بين الحكم في الصورتين.
(ج) الصلح عن مال الوفاء. نقل عن المرغيناني صورته. وهي إذا ادعى أحدهما البيع الجائز والآخر البيع البات وادعى سبق الجائز فصالح المشتري باتًّا مدعي الجائز على بدل. فلا يخلو أن يكون الصلح عن إنكار أو عن إقرار. ففي الأولى يجوز ويلزم، وإذا كان الثاني لا يلزم بدل الصلح لئلا يكون بمنزلة الرشوة لإجازة البيع عندما يكون عن مال بعينه.
توقف الشيخ بيرم فيما نقله عن العمادي.
تحرير الكلام في هذه الصورة مع بيان الخطأ الوارد في نسخته بالمقابلة بين الصورتين: ٥٠ - ٥٣.
стр. 10922
الفصل التاسع - في فسخ عقد الوفاء، ورجوع المشتري على البائع فيما إذا كان دفع خلاف ما سمى بما يكون منهما:
في هذا الفصل جملة مباحث:
١- الفسخ قولي وفعلي. والفعلي حقيقة وحكمًا، يصح الفسخ ويحصل القبض، والقبض بالتخلية. ويشترط في القولي التصريح بالقبول.
إيراد تساؤل عن صورة الفسخ الفعلي الذي يتم بالقبض أو التخلية لمخالفة ذلك لقول العمادي: لو أبى المشتري قبض الثمن هل يجبر وهل يفسخ بدون قبول؟ والجواب عن هذا التوقف.
٢- إذا قبض المشتري مال الوفاء كله انفسخ العقد في المبيع كله، وإن قبض بعضه انفسخ بقدره. نقل كلام صاحب الفصول المفيد تجزأ الفسخ.
٣- يحمل التجزي في الفسخ على كونه في أحد المقصودين في بيع الوفاء من تصرف المشتري فيه. فلا يبقى له حق التصرف فيه في القدر الذي انفسخ فيه الوفاء من المبيع، ويبقى له المقصود الآخر وهو حق حبسه للتوثق به للدين كالمرهون فإنه يبقى محبوسًا كله إلى تمام قبض الدين.
٤- الرجوع يكون بالمسمى في العقد لا بالمقبوض عند تغير المصارفة: ذكر صورة محلية تطبيقية: ٥٣ - ٥٤.
стр. 10923
الفصل العاشر - حكم المبيع وفاء بعد الفسخ، ومطالبة المشتري مال الوفاء بغير بلده أو بعد ما غصب المبيع من يده:
الفسخ قولًا وفعلًا وضمنًا بحصول الإجازة للبيع من المشتري.
مسألتان:
١- المشتري الذي انفسخ شراؤه الوفائي قصدًا بالقول أو بالفعل أو ضمنًا بإجازته بيع المبيع، ولم يقبض مال وفائه، هل يحبس المبيع عن البائع في صورة الفسخ القصدي القولي، وعن المشتري في صورة الفسخ الضمني أم لا؟
٢- هل يختص مشتري الوفاء بقدر مال وفائه من ثمنه من بين الغرماء إن كان على البائع دين يستغرق تركته.
الحكم في الصور المختلفة المتفرعة عن هذه المسألة.
إن لمشتري الوفاء بعد فسخه حبس المبيع عن البائع حتى يدفع له ثمنه، وليس له حبسه عن المشتري بعد الإجازة. نقل كلام العمادية في ذلك.
إيراد اعتراض على ما تقدم والإجابة عنه.
له أخذ الثمن من المشتري وحبسه عن البائع، الإشارة إلى كلام الطرطوسي والشيخ محمد بيرم الأول في ذلك. الاختصاص بالثمن: أينما ثبت للشخص حق الحبس ثبت له الاختصاص.
للمشتري مطالبة البائع بثمن المبيع وفاء في غير بلده محل العقد.
ليس له طلب مال الوفاء والمبيع في يد غاصبه: ٥٥ - ٥٧.
стр. 10924
الخاتمة - تناولت حكم اختلاف المتعاقدين في العقد: أهو بات أو وفاء؟
وفيها بسط الكلام في مسائل وقواعد صدرها بنقل من الفصول يتعلق بالاختلاف في البيع بين المتعاقدين، وقد أجاب عنه بأن القول في ذلك قول مدعي البتات وهو ما ذهب إليه المرغيناني وأئمة بخارى، وإن كان أفتى صاحب الهداية من قبل بأن القول قول مدعي الجائز، ثم أعلن رجوعه إلى قول الجماعة.
تحرير القول في الوجهين وتعليل الرجوع إلى كلام المرغيناني وجماعته تعليلًا فقهيًّا.
مناقشة الرأي وتفصيل القول فيما إذا كان الاختلاف بين المتعاقدين قبل قبض البائع الثمن في البيع البات وفي بيع الوفاء أو بعده.
وجه رجوع صاحب الهداية عما كان يفتى به إلى قول أئمة بخارى.
مناقشة المؤلف هذا الوجه، وترجيح قول مدعي البتات بالنقل عن قاضيخان ومن الخيرية.
تقبل بينة مدعي الوفاء لأنها لإثبات خلاف الظاهر، وتقدم على بينة مدعي الثبات.
الاعتراض على اختيار وترجيح الخانية بأنه رهن في الحقيقة وذكر أن بينة البيع مقدمة على بينة الرهن. والجواب عن ذلك بأن الوفاء وإن كان في الصورة رهنًا غير أن فيه شرطًا زائدًا هو الانتفاع بخلاف الرهن.
تنويه صاحب الخيرية بتحرير القول في هذه المسألة.
تاريخ الفراغ من تأليف هذه الرسالة: ٥٨ - ٦٠.
стр. 10925
تحقيق الرسالة
كانت لدي بمكتبتي الخاصة نسخة مصورة من الرسالة الوفائية البيرمية المحفوظة بالكلية الزيتونية تحت عدد ٥٥ وأصلها من الخزانة الرضوانية. وهي بحسب الظاهر مقتطعة من مجموع تضمن نحو أربع عشرة رسالة أكثرها فقهية منها رسالة منسوبة للشيخ بيرم في أحكام الرهن. وجدول محتوى المجموع مثبت بخط مغاير لخط الرسالة على ظهر الورقة المتقدمة على نص الوفاء بما يتعلق ببيع الوفاء، وبآخر الرسالة في وجه الورقة ٣٢ عنوان نصه: جواب سؤال في الوقف تأليف الشيخ بيرم أدام ... تملكه الشيخ سيدي حسين البارودي.
وتقع هذه النسخة من رسالة الوفاء بمسائل بيع الوفاء في إحدي وثلاثين ورقة غير مرقمة، مقاس: ١٥.٥/٩، وعدد سطور الورقة بها: ٢٢. وقع الفراغ من نسخها في حياة المؤلف في ١٩ شوال ١٢٤٣ على يد محمد بن سالم البداي. خطها تونسي جميل وبها توقيفات قليلة. وهي نسخة مراجعة بها استدراكات وتكميل كما في ورقة ٨ أوعليها طرر منقولة من بعض النسخ الأخرى كما في ١٦أ، لا يعيبها إلا نقصان بعض أوراق سقطت منها، وطمس حديث لأكثر ما بورقة ٢٠ أ، وبعض أسطر من ورقتي ٢٠ ب، ٢١ أ، ٢١ ب.
ولهذه الأسباب ولما تقتضيه صناعة التحقيق من مراجعات وضبط وأمانة في إخراج الرسالة اضطررت للبحث عن نسخ أخرى منها. وقد وجدت في كتاب العمر لحسن حسني عبد الوهاب: ١/٢، ٩٣٩ سردًا بنسخ الرسالة ومظان وجودها بتونس نصه:
تونس دار الكتب الوطنية: رقم ١٩٨، ٣٦٤٢، ٢٣/١٨٧، ٦/١٢٠٨٦ (أحمدية: ٦/٢٥٣٣، ٣/١٤٧٨٤) - (أحمدية: ٣/٢٥٣٤، ٢/١٨١٥٦) ، عبد الوهاب: ٢/٢٥٦، العاشورية: (ف ح) ١٣٢.
ولما عدت في شهر المحرم إلى تونس بحثت عن جملة من النسخ تحصل لي منها بالإضافة إلى الرضوانية الأولى التي سبق ذكرها ووصفها ست نسخ أخرى هي على حسب الأهمية في الترتيب: البيرمية والخوجية والرضوانية فالصادقية فالوطنية فالوهابية.
стр. 10926
البيرمية (ب) : تفضل بتصويرها لنا من خزانة آل بيته الأخيار السيد الكريم الماجد الأستاذ أحمد بن المنعم شيخ الإسلام محمد الطيب بيرم جازاه الله عنا خير الجزاء. وهي كما هو مرسوم على الصفحة الأولى منها: مما أنعم به سبحانه على عبده الفقير إلى رحمته محمود بن مصطفى بيرم ١٢٩٤. فهي من تملك الخطيب المدرس الشيخ محمود بن الفقيه الشيخ أبي النخبة مصطفى (١) بن شيخ الإسلام محمد بيرم الأول، ومتبني شيخ الإسلام محمد بيرم الثاني إذ كفله أخوه الأكبر لصغره بعد وفاة أبيه.
وهذه النسخة من مجموع بصدره فهرس يتضمن سردًا بأسماء الرسائل الفقهية البيرمية التي تضمنها، ويقع جملته في ٤٢٨ صفحة، موضع الرسالة الوفائية منه ٣٦٤ - ٤٢٨ أي في أربع وستين صفحة. مقاس هذه النسخة: ١٦.٥/ ٨.٥٠. وفي كل صفحة منها واحد وعشرون سطرًا. خطها تونسي جميل في الجملة مقروء بغاية اليسر. لم تتضمن في آخرها سوى تاريخ انتهاء الشيخ بيرم الثاني من تأليف الرسالة، لم يذكر ناسخها ولعله الشيخ محمود نفسه. وهي تتميز بعدد غير قليل من التعاليق البيانية. وبها نقول من خط والد ناسخها الشيخ مصطفى بيرم إذ يقول في الهامش: من خط والدي، ومن خط الوالد. وتعاليق للشيخ بيرم الثالث ابن المؤلف، وطرر كثيرة ينقل فيها عن الخوجيين شيخ الإسلام محمد ابن الخوجة الأكبر وابنه شيخ الإسلام أحمد ابن الخوجة الثاني. وسيأتي الحديث عنها مفصلًا عند المقارنة بين أهم النسخ التي بين أيدينا. وقد اعتمدناها أساسا في دراسة النص وتحقيقه.
الخوجية (ج) : هي من نسخ الوطنية، تحمل رقم ٣٦٤٢، أشرنا إليها أعلاه. تقع في ٣٦ ورقة مقاس ١٦/٩ وتحتوي كل صفحة منها على ٢١ سطرًا. خطها تونسي عادي. كان الفراغ من نسخها في ٢٧ صفر ١٣٢٨ على يد كاتبها الشيخ محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن حمودة بن محمد بن علي خوجة الآستاني الشريف. ومن ثم سميناها الخوجية، وهي مراجعة وبها توقيفات بالهوامش تمتاز بتقريرات الشيخ محمد ابن الخوجة الأكبر (٢) ، وإحالاته في كثير من المواضيع على المصادر التي يحسن بالقارىء الرجوع إليها، وبتعاليق ابنه الشيخ أحمد بن محمد بن أحمد ابن الخوجة الثاني (٣) .
стр. 10927
الرضوانية (ر) : من المكتبة العبدلية. ورقمها الذي تحمله بها: ٧١٢٧. وهي نسخة جيدة من الرسالة تقع ضمن مجموع، تشغل منه خمسًا وستين صفحة: ٣٤٦ - ٤٠١، مقاس ١٦.٥٠/١٠، وعدد السطور في كل صفحة ١٩. وهي كسابقاتها تونسية الخط جميلته، ولكنها غفل من اسم الناسخ ومن تاريخ النسخ. والتعاليق التي اشتملت عليها قيمة فيها مسائل مهمة وفتاوى للمشائخ محمد بيرم الثاني ومحمد ابن الخوجة الأكبر وابنه أحمد الثاني والمفتي الشيخ حسن عباس.
ووجه تعريفها بالرضوانية أنها في الأصل من خزانة العالم الفقيه الأديب الشيخ مصطفى بن علي رضوان (١) ، أحيلت ضمن خزانته إلى العبدلية بجامعة الزيتونة لينتفع بها رواد المكتبة ويستفيدوا منها.
стр. 10928
الصادقية (ص) : المحتفظ بها في الوطنية: ٩٢٥٦. عدد أوراقها: ٣٠ مقاس: ١٤.٥/ ٩.٥، وفي كل ورقة ٢١ سطرًا. وهي أجود النسخ خطًا، مراجعة وعليها توقيفات بخط مغاير. في الورقة ١ أفهرس الرسالة، وذكر لمحتوى المجموع الذي منه هذه النسخة، وهو يشتمل على مسائل وفائية: كالدلالة على المظان التي يوجد بها بحث الوفاء في كتب الحنفية، نظم في من تجب عليه الزكاة فيه، ومخالفة الوفاء الرهن في الشيوع، ومسألة الوكيل ببيع الوفاء، ومسألة القانون المرتب على المبيع وفاءً. وبعد هذا إشارة إلى جملة من البحوث الأخرى كالرسالة البيرمية في عدم الاحتجاج بالخط، وكشف القناع فيما يثبت به الرضاع للعلامة سعيد بن سعيد السفطي الحنفي، وتحرير في شهادة الوقوف على الخط للشيخ إسماعيل التميمي، وبنفس الخط أضيف إلى آخر الرسالة في السطر الأخير منها ٣٠ ب: تم نسخه في جمادي الأولى ١٣٠٥، وبالورقة ٣١ و ٣٢ وجهًا وظهرًا ما أشير إليه قبل من المسائل الوفائية ما عدا النظم، وفي ٣٢ أخاصة ذكر واقعة رفعت إلى مجلس دار الشريعة بتونس من الوزارة تتعلق بما هو مرتب على رقاب الزيتون المبيع وفاءً. وقد عُلق النظرُ فيها وأرجعت إلى الوزارة، وإن كان الكاتب قد أبدى وجه الحكم في القانون المرتب على رقاب الزيتون بآخرها متحريًا في فتواه وجاريًا على نصوص المذهب منهيًا كلامه بقوله: "والضريبة على من ضربت عليه وهو المالك حقيقة، وبيع الوفاء يأخذ جميع أحكام الرهن إلا ما استثني، والخراج على الراهن لا على المرتهن كما هو معلوم".
الوطنية (و) : رقم ١٨٧ عدد أوراقها ٤٤ مقاس ٢٠.٨/١٥، في كل صفحة ١٩ سطرًا. خطها خط جميل غاية في الوضوح. تم نسخها في السابع من رمضان ١٣٣٠ بيد الشيخ محمد التميمي. وهي من مجموع تحوز منه ٢٣٤ ب - ٢٧٨ أ.
الوهابية: من خزانة حسن حسني عبد الوهاب الملحقة بدار الكتب الوطنية. وهي جيدة الخط واضحته. تقع في ٢٨ ورقة من المجموع عدد ١٣١٢، ١٥٠ ب - ١٧٨ ب. وعلى ظهر الورقة الأولى فهرس لمحتوى المجموع يذكر رسائل للشيخ بيرم الثاني تتصدرها بغية السائل باختصار أنفع الوسائل للشيخ محمد بيرم الأول.
وقد كنا في غنى عن استخدام هذه النسخة الوهابية وكذا الرضوانية الأولى في إقامة نص الرسالة الوفائية ومقابلة نسخها. وكان الاعتماد على النسخ الخمس الأخرى وبخاصة على الثلاثة الأولى منها وهي البيرمية والخوجية والرضوانية الثانية.
стр. 10929
مقارنة بين النسخ المعتمدة
لتحقيق رسالة الوفاء بما يتعلق ببيع الوفاء
لا شك أن حديث الناس إثر الفراغ من تأليف الشيخ بيرم الثاني لرسالته الوفائية ١٢٣٨ وحتى قبل ذلك أثناء الإعداد لها، وتحرير فصولها، وتقريره لمسائلها بين زملائه ورواد مجالسه من أهل العلم، قد كان له عظيم الأثر في إقبال الشيوخ والطلاب على انتساخها واستنساخها.
وقد كانوا معتمدين في تلك الأثناء بدون شك على أصل الشيخ أو على ما أخذ منه من نسخ تعد قريبة منه وأسلم من الخطأ والتحريف مما نقل عنها أو جاء بعدها. ولا يفوتنا أن ننبه هنا على أن بيرمًا الثاني وابنه الثالث وتلميذهما محمد ابن الخوجة الأكبر ونجله أحمد الثاني وكذلك الشيخ مصطفى بن بيرم الأول والشيخ مصطفى رضوان وزميله الشيخ محمود بن مصطفى بيرم كان يلتقي جميعهم على هذه الرسالة لشدة اهتمامهم المتعاقب بموضوعها، ولما توارثوه بينهم من عناية فائقة بها، تأليفًا ودراسة ومراجعة ودراية وتعليقًا. وتأتي النسخ المحررة من طرفهم أو المنقولة عما حرروه مشتملة على فوائد وملاحظات وتنبيهات وتأويلات وتعليقات وإحالات. فذلك هو القاسم المشترك بينها وإن تميزت كل نسخة من النسخ بمميزات مفردة تعتبر خصيصاها الدالة عليها.
وبالمراجعة والمقابلة أمكن لنا أن نلاحظ اختلافًا واتفاقًا بين النسخ:
فمن الأول اختلاف ج عن ب وب عن ر. انظر تعليق: ٣٩، ١٨٨.
واختلاف ب عن بقية النسخ. انظر تعليق: ١٨٦، ٢٣٢.
واختلاف ب، ر عن بقية النسخ. انظر تعليق: ٨٥.
واختلاف ج، وعن بقية النسخ. انظر تعليق: ١٥٨.
واختلاف ب، ر عن ج. انظر تعليق: ٣٥٣.
واختلاف ب عن ج، ص، و. انظر تعليق: ١٨٢.
واختلاف ج عن ب، ر، ص، و. انظر تعليق: ٢١٦.
стр. 10930
ومن الثاني أن ج، ر يتحدان في نقص حرف أو سقوطه من الأصل. انظر تعليق: ٣٤ ونسختي ج، وتتحدان في نقص جملة أو سقوطها. انظر التنبيه على ذلك في تعليق ٢٠٩ تتحدان في نقص فقرة كاملة أو سقوطها من الأصل. انظر تعليق: ١٥٤.
وربما كان الاتفاق بين النسخ بالزيادة على الأصل لا بالنقصان كما في:
ب، ر، ص زيادة حرف. انظر تعليق: ٢٧٨.
ج، ر زيادة جملة أو بعض جملة. انظر تعليق: ٣٢٨.
وهناك تعاليق مشتركة تدل على أن بعضها منقول عن البعض بلفظه أو عن أصل واحد وذلك كما في:
ب، ج، ر انظر التعاليق: ٦٢، ٧٢، ٩٨، ١٨٨، ٢٠٤، ٣٦٢.
ب، ج انظر تعليق: ١٨٨.
ب، ر انظر تعليق: ١٢٧.
ج، ر انظر التعاليق: ١١١، ١٣٣، ١٥٢، ١٩٥، ٣٨٠، ٣٨٥.
وقد يكون من هذا الباب ما نجده في:
من تعاليق تدل على النقل كتلك التي تنتهي ب أهـ أو أهـ منه انظر التعاليق: ١٠٩، ١٦١، ٢٤٢، ٢٩٠، ٣٠١، ٣٠٣، ٣٠٩، ٣١٥، ٣٤١.
ومنه في ب ما ينتهي من التعاليق فيها بلفظ ١ هـ. تقرير. انظر تعليق: ١٤٣.
ومنه أيضًا في ب الطرر المعلم في بدايات التعاليق عليها بحرف ط. انظر التعاليق: ٦، ٧، ٢١٧، ٢١٩، ٢٢٣، ٢٣٩، ٢٤٥، ٢٤٨، ٣٠٥، ٣٠٦، ٣٣٥، ٣٧٦، ٣٩٠.
ومنه أيضًا ما يجمع فيه بين العلامتين ط. و١ هـ منه. انظر تعاليق: ٢٩٠، ٣٠٣، ٣٤١.
ولعل أكثر هذه التعاليق تمثل نقولًا عن الخوجية أو عن الأصل الذي نسخت منه، أو عما استمع له أصحابها في بعض المجالس العلمية.
ولكشف أهمية كل نسخة من النسخ بما تحتوي عليه من ملاحظات خاصة بها - لم ترد في غيرها من بقية النسخ التي بين أيدينا - نقدم ملاحظات خاصة بالبيرمية والخوجية والرضوانية الثانية والصادقية.
стр. 10931
البيرمية بها:
١- تنبيه على روايات انفردت بالإشارة إليها في قراءة بعض الكلم. انظر التعاليق: ١٦٢، ١٧٣، ١٧٦، ٢٣٢، ٢٧٥، ٢٩٦، ٣٨٤.
٢- ما لا يقل عن خمسة وتسعين تعليقًا بيانيًّا، كانت نتيجة قراءة متأنية للنص من صاحب النسخة، ومحاولة منه لإيضاح جمله ومقاصده كلمة كلمة وجملة جملة كما هو المعتاد في قراءة النصوص من الكتب العلمية بعد الاستماع إلى تقرير الدرس ومحاولة التطبيق على الكتاب للتنبيه على الإشارات الخفية والاستدراك بما فات عند التقرير.
ونحو ذلك مما يتأكد بيانه. وبهذا يصبح العمل المتميز في هذه النسخة بمنزلة شرح صغير للكتاب، أمثلة لذلك:
تعليق ببيان الاسم الذي يعود عليه الضمير في الذهن من قوله: فلا وجه لجعله رهنًا مع رضاه بالانتفاع وذلك بقوله بعد رضاه أي البائع: ٣١.
وببيان المعترض في نفس الجملة بتعليق ٣٢ الذي يصرح فيه بأنه صاحب جامع الفصولين.
وببيان معنى قوله على وجه المواعدة في التعليق ٥٠ بقوله: أي لا بصيغة الشرط. وبالإخبار عن الصدرين السعيد والشهيد في تعليق ٧١.
وببيان قول المؤلف: ثم يتفقان على رد المشتري للبائع المبيع عند رده عليه الثمن، بقوله في تعليق ١٠٥: إن بثمن المثل لزم البيع. وإن بغبن فاحش لزم الرد، واليسير ملحق بالمثل فيما يظهر.
والتوقفات التي تعرض للقاري المتخصص - في مثل هذه النصوص - غير محصورة ومتنوعة فكيف بما يحصل منها للقاري العادي. ولذلك فقد أحسن بشرحه أقوال المؤلف وبيان مقاصده. نستطيع أن نتبين ذلك بتتبع تعاليقه: ٣١، ٣٢، ٣٣، ٣٩، ٤٤، ٤٧، ٤٨، ٥٠، ٥٨، ٧١، ١٠٥، ١٠٦، ١٠٧، ١١٠، ١٢٢، ١٢٣، ١٢٩، ١٣٤، ١٣٦، ١٤٠، ١٤٦، ١٤٧، ١٥٥، ١٦٠، ١٦٥، ١٦٦، ١٦٧، ١٦٨، ١٧١، ١٧٤، ١٧٥، ١٧٧، ١٨٠، ١٨١، ١٨٤، ١٨٦، ١٨٩، ١٩١، ١٩٦، ٢٠٣، ٢٠٧، ٢١٠، ٢٢٠، ٢٢١، ٢٢٤، ٢٢٥، ٢٢٧، ٢٢٨، ٢٤١، ٢٤٤، ٢٤٦، ٢٥٩، ٢٦٤، ٢٦٩، ٢٧١، ٢٧٢، ٢٧٤، ٢٧٦، ٢٨٩، ٢٩٣، ٢٩٤، ٢٩٥، ٢٩٧، ٢٩٨، ٢٩٩، ٣٠٠، ٣٠٢، ٣٠٤، ٣١١، ٣١٣، ٣١٤، ٣١٧، ٣٢١، ٣٢٥، ٣٣٠، ٣٣٢، ٣٣٤، ٣٣٨، ٣٤٤، ٣٤٥، ٣٤٧، ٣٤٨، ٣٥٢، ٣٥٤، ٣٥٥، ٣٥٦، ٣٥٧، ٣٥٩، ٣٦٠، ٣٧٠، ٣٧٣، ٣٧٥، ٣٨٨، ٣٩١.
وقد تكون التعاليق من أجل تحديد وجه إعراب الكلمة حتى يتضح المعنى المراد. انظر تعليقه: ٦١ على قول المؤلف: فإنه يفسخ معه البيع ويكون باتًّا، بقوله: خبر إن في قوله: إن البيع.
وتعليقه: ١٧٩ على كلمة يعطى بقوله: خبر قول الفصول.
وتعليقه: ٢٦٦ على قوله: فلو صرف له الرفع، بقوله: صرف له خبر والرفع مبتدأ.
وتعليقه: ٣٢٩ على قوله: زاد في السؤال، بقوله: جواب لما سئل.
وتعليقه: ٣٥٢ على قوله: وهذا ما انفسخ، بقوله: نافية.
стр. 10932
أما النقول عن والده فقد أشارت إليها التعاليق: ١٣٢، ٢٣٨، ٢٣٩، ٢٤٥، ٢٤٨.
وعن الشيخ بيرم الثالث فقد كانت مرة بالتصريح بذلك كما في تعليق: ١٠٣، ٢٦٥.
ومرة بوصفه ونسبته بقوله: ابن المصنف، كما في تعليق: ٣٦٨.
الخوجية: انفردت هذه النسخة أيضًا ببعض الروايات في قليل من الكلم. انظر التعليق ١٤، ٦٩، ١٦٤، ٢٩٢، ٣٣٦.
وفيها كلمات وفقر سقطت تدل عليها بقية النسخ. انظر التعاليق: ٦٦، ١٣٨، ١٩٢، ٢١٤.
كما أن فيها زيادات. انظر التعاليق: ٧٤، ٢٨٨، ٣٤٢.
وأما التعاليق البيانية الخاصة بهذه النسخة فهي: ٣٥، ٣٦، ١١٣، ١٢٠، ١٣٩، ١٤٠.
وأما التعاليق التنبيهية فهي اثنان: ١٨٧، ١٩٣.
وفي هذه النسخة نقول بها ملاحظات أو تقريرات أو إحالات انفردت بها منسوبة للشيخ محمد ابن الخوجة الأكبر نجدها في: ٩، ١٢٥.
الرضوانية الثانية: مثلها مثل سابقتيها: بها اختلاف رواية وقع التنبيه عليها في التعاليق: ٥، ٧٨.
وسقط منها بعض جملة أشير إليها في تعليق: ٣٣٧، وكذا جملة كاملة. انظر تعليق: ٣٥١.
وبها زيادة على بقية النسخ نبه إليها التعليق: ٣٢٨.
والتعاليق التفسيرية فيها هي: ١٤٥، ١٥٦، ٣٦٧.
والتعاليق التنبيهية فيها هي: ٥٧، ٢٨٣.
стр. 10933
وقد ورد نقل فتوى زكاة مال الوفاء عن الشيخ بيرم الثاني بها. انظر تعليق: ٣٦٩.
كما ورد بها نقل فتوى عن الشيخ بيرم الثالث ابن المؤلف. انظر التعليق: ٣٨٧.
وأخرى عن الشيخ محمد ابن الخوجة وابنه الشيخ أحمد الثاني وعن الشيخ حسن عباس. انظر التعليق: ٣٦٧.
الصادقية: انفردت هذه النسخة برواية جملة: "فما صورته" بلفظ "بما صورته". انظر التعليق: ٥٦.
وفيها تعليق بياني. انظر: ٢٨٠.
وفيها تعليق تنبيهي يرتبط بحكم النصبة. انظر: ١٢٦.
تلك هي نسخ رسالة الوفاء التي رجعنا إليها لتحقيق النص وضبط تعاليقه الكثيرة المتنوعة، نقلنا بعضها بأمانة من غير تغيير ولو جزئي كما في ٢٢٠، ٢٢١، ٢٢٧، ٢٢٨. وقد حرصنا على تحرير بعض المسائل بالرجوع إلى المصادر التي نبه عليها المؤلف فأكملنا بعض التعاليق بضبط الإحالات فيها، وكذلك إلى غيرها مما تيسر الوقوف عليه من كتب الفقه والفتاوى واستعنا بما أمكننا مراجعته من المخطوطات العلمية بمكة المكرمة وتونس المحروسة، ونبهنا على ما وقع نقله منها بتصرف، وأضفنا تعاليق أخرى كثيرة إكمالًا للفائدة. وإنا لنرجو أن يكون هذا العمل كاشفًا عن آراء أهل الملة في قضية من أهم القضايا الشائكة التي عرضت وتعرض للناس في هذا الزمان. كما نسأله أن يجعله خالصًا لوجهه سبحانه، وأن يلهمنا رشدنا ويهدينا سبلنا. وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 10934
الرسالة
[٣٦٤] بسم الله الرحمن الرحيم
صلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم
الوفاء بما يتعلق ببيع الوفاء
قال شيخنا العلامة، وأستاذنا الفهامة، الذي أشرقت شمس تحقيقه في سماء المعاني، وطلعت أنوار تدقيقه من أفق المباني، حامل لواء المذهب النعماني، أبو عبد الله سيدي محمد بيرم الثاني، بلغه الله تعالى الأماني بحول الله وقوته.
الحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى.
وبعد فهذه رسالة موسومة بالوفاء بما يتعلق ببيع الوفاء، ملخصة من كتب ثبت لها في المذهب الحنفي الاصطفاء كالخانية (١) ، والعمادية (٢) ، وجامع الفصولين (٣) ، والبزازية (٤) وغيرها من كتب الحنفية، مرتبة على مقدمة وعشرة فصول وخاتمة.
أما المقدمة ففي بيان اسمه ومسماه.
وأما الفصول: فأولها فيما يرجع الوفاء إليه من العقود.
وثانيها فيما يصح فيه عقد الوفاء وما لا يصح.
وثالثها فيما يجوز من فعل المشتري وفاء في المبيع (٥) وما لا يجوز.
ورابعها في انتقاص المبيع فيه في يد مشتريه.
وخامسها في بيع البائع وفاء مبيعه الوفائي قبل فسخ الوفاء فيه.
وسادسها في الشفعة بالمبيع وفاء، والشفعة فيه إذا بيع باتًّا قبل الفسخ.
وسابعها في ادعاء المشتري وفاء على مشتريه وادعاء مشتريه له على غيره.
[٣٦٥] وثامنها في الكفالة بمال الوفاء، والحوالة به، والصلح عنه.
وتاسعها في فسخ عقد الوفاء، ورجوع المشتري على البائع فيما إذا كان دفع خلاف ما سمي بماذا يكون منها؟
وعاشرها في حكم (٦) المبيع وفاء بعد الفسخ ومطالبة المشتري البائع بمال الوفاء في غير بلد (٧) أو بعدما غصب المبيع من يده.
وأما الخاتمة ففي اختلاف المتعاقدين في العقد الواقع بينهما أهو بات أو وفاء؟
стр. 10935
المقدمة
في بيان اسمه ومسماه
أما الاسم فاختلف عليه باختلاف الأعصار والأمصار. فبسمرقند (١) بيع الوفاء وبه اشتهر في كتبنا.
وربما أطلق عليه فيها البيع الجائز (٢) ، وإن كانوا يطلقونه فيها على البات الصحيح. لكن عند الإطلاق ينصرف إلى الأول.
كما يطلقون عليه فيها بيع المعاملة (٣) .
وبمصر، على ما ذكره الزيلعي، بيع الأمانة (٤) .
وبتونس لدى عامتها، كعامة سمرقند: الرهن. فيقولون في مقام طلبه: ارهن لي. وفي مقام الإخبار عنه: رهنت ملكي فلانًا، ورهنت ملك فلان. ولا يعرفون: ارتهنت. وكذلك في مقام إنشائه، حتى إذا أرادوا الرهن المحض زادوا لفظ توثقة أو ما يقوم مقامه. وعند خاصتها من الموثقين "التسليم". ومن قبل كانوا يعبرون عنه بما يعبرون به عن البيع البات. فلما صار بعض شراة الوفاء يدعي في شرائه البت، ويتمسك في الاحتجاج لدعواه بالرسم، فيلفي بظاهره شاهدًا له، أحدثوا له ذلك الاسم (٥) .
حقيقة بيع الوفاء
وأما المسمى فعقد وضع للتوثق للدين والانتفاع بالعين (٦) .
واعلم أنه لما كان الغالب على الناس في عصر المجتهدين وما قرب منه
[٣٦٦] قصد النفع الأخروي حتى كان المقرض منهم يُقرض لوجه الله ، لم يكن لهذا العقد وجود في دائرة الشهود. فلما انقلبت الأوضاع، وغلب حب الدنيا على الطباع، وصار الإنسان، كما قال صاحب الفصول: لا يقرض غيره شيئًا كثيرًا من ماله من غير أن يطمع بحصول (٧) نفع مالي، أحدثوه، تحيلًا لتحصيل الأرباح بطريق مباح. وأظن أن مبدأ ظهوره كان بسمرقند، لأن أكثر الكلام فيه للسمرقنديين.
стр. 10936
والتحيل لذلك، وإن كان مشروعًا التحيل كما فسره الشيخ محمد الطاهر بن عاشور هو إبراز عمل ممنوع شرعًا في صورة عمل جائز، أو إبراز عمل غير معتد به شرعًا في صورة عمل معتد به لقصد التفصي من مؤاخذته. فالتحيل شرعًا هو ما كان المنع فيه شرعيًّا والمانع الشارع. المقاصد: ص١١٠، وجعله آخرون بحثًا عن المخارج من المضايق، ويقابله من القواعد عند الفقهاء القول بسد الذرائع. وللحيل أصل في الشريعة من القرآن والسنة. وهي من جملة التوسعة التي يفتح الله بها على عباده. وهي موجودة عند الفقهاء لا يخلو مذهب منها. وإنما عيب على بعض الحنفية القياس عليها والتوسع فيها ... وهي مرفوضة مردودة متى كانت ضعيفة المدرك، ويترتب على الأخذ بها انحلال الشريعة وإفساد نصوصها. قال الحجوي: (فهي إذا هدمت أصلًا شرعيًّا أو نقضت مصلحة شرعية حيلة ملغاة لا يجوز الترخيص فيها وما ليست كذلك فلا تلغى) . فالحيل ثلاثة أقسام: ملغاة باتفاق كحيلة المنافق في إظهار الإسلام وإخفاء الكفر، وغير ملغاة اتفاقًا كما نطق بكلمة الكفر وقلبه مطمئن بالإيمان لحقن دمه، ومتنازع فيها وهي ما لم يتبين فيها بدليل قطعي وجه إلحاقها بالقسم الأول أو الثاني. الحجوي. الفكر السامي: ١/٣٦٣ - ٣٦٦؛ وقد جعلها صاحب المقاصد خمسة أنواع: الأول: تحيل يفوت المقصد الشرعي ولا يعوضه بمقصد شرعي آخر، وذلك بأن يتحيل بالعمل لإيجاد مانع من ترتب أمر شرعي. فهو استخدام للفعل لا في حالة جعله سببًا بل في حالة جعله مانعًا. وهذا النوع لا ينبغي الشك في ذمه وبطلانه ووجوب المعاملة بنقيض مقصد صاحبه إن اطلع عليه.
стр. 10937
الثاني: تحيل على تعطيل أمر مشروع على وجه ينقل إلى أمر مشروع آخر أي استعمال الشيء باعتبار كونه سببًا، فإن ترتب السبب على سببه أمر مقصود للشارع ... وهذا النوع على الجملة جائز لأنه ما انتقل من حكم إلا إلى حكم، وما فوت مقصدًا إلا وقد حصل مقصدًا آخر بقطع النظر عن تفاوت الأمثلة. الثالث: تحيل على تعطيل أمر مشروع على وجه يسلك به أمرًا مشروعًا هو أخف عليه من المنتقل منه ... وهذا مقام الترخص إذا لحقته مشقة من الحكم المنتقل منه. وهو أقوى من الرخصة المفضية إلى إسقاط الحكم من أصله. الرابع: تحيل في أعمال ليست مشتملة على معان عظيمة مقصودة للشارع، وفي التحيل فيها تحقيق للمماثل مقصد الشارع من تلك الأعمال ... وفي هذا النوع مجال من الاجتهاد. ولذلك كثر الخلاف بين العلماء في صوره وفروعه. الخامس: تحيل لا ينافي مقصد الشارع أو هو يعين على تحصيل مقصده، ولكن فيه إضاعة حق لآخر أو مفسدة أخرى. ابن عاشور. المقاصد: ص١١٢ - ١١٥؛ راجع في الغرض نفسه د. عبد السلام ذهني بك. الحيل المحظور منها والمشروع: محمد الحبيب ابن الخوجة. من المخارج الشرعية المعتمدة في المعاملات المالية.
стр. 10938
لكن صلوحية هذا لذلك ليس ببين، ولا هو من الأمر الهين. فلذلك اختلفت فيه أنظار من ظهر في عصرهم من نوادر الدهر، وحاملي لواء المذهب النعماني بما وراء النهر، كالإمام النسفي الكبير (١) ، والصدر الشهيد (٢) ذي الصيت الشهير، وصاحب الهداية (٣) ، المسلم له إمامة الرواية والدراية، وأولاده الأئمة الأعلام (٤) ، ونظرائهم من شيوخ الإسلام من كل طود شامخ، له في باب الترجيح قدم راسخ. ولعمري إن الدهر بمثلهم لعقيم. فقبله منهم قوم ورده آخرون، على ما سنقص عليك، إن شاء الله تعالى، من نقل مذاهبهم فيه.
وأما الفصول
فأولها فيما يرجع الوفاء إليه من العقود
وقد كثر في ذلك القيل والقال حتى أنهى البزازي في جامعه خلافهم في ذلك إلى تسعة أقوال القول الأول أنه رهن. وبه قال أبو شجاع وابنه والسغدي والماتريدي والقاضي الإمام الأمير؛ القول الثاني أنه بيع صحيح. رواه الكشي. وعليه اتفاق مشائخ الزمن بسمرقند؛ القول الثالث أنه بيع جائز وإذا جرى بلفظ البيع فلا يكون رهنًا، وإن عقداه وفاء وشرطا الرد في العقد تفسخ، أو تلفظا بالبيع الجائز فالبيع غير لازم عند الصاحبين وهو فاسد، وإذا ذكرا البيع بلا شرط ثم ذكراه على المواعدة جاز البيع ولزم الوفاء؛ القول الرابع بيع فاسد إذا اشترطا الرد في العقد وكذا بعده عند الإمام؛ القول الخامس إذا أطلق البيع ووكل المشتري وكيلًا بفسخ العقد إذا أحضر البائع الثمن، أو تعهد بالفسخ عند الوفاء، وكان بالثمن غبن فاحش أو وضع المشتري على الأصل ربحًا فرهن، وإن كان بلا وضع ربح أو بغبن يسير فبيع بات. وبهذا أخذ أئمة خوارزم؛ القول السادس أنه مركب من بيع ورهن وهو قول الشيخ الإمام الفخر الزاهد وإذا باع المشتري من غيره صح البيع الثاني عند الأكثر لسابق تسليم البائع الأول المبيع إلى المشتري برضاه؛ القول السابع أن البيع الثاني لا يصح وهو اختيار علاء الدين بدر وقول صاحب الهداية وأولاده ومشائخ عصره وبه الفتوى؛ القول الثامن مختلف بين كونه بيعًا فاسدًا أو بيعًا صحيحًا أو رهنًا وذلك فيمن باع عقاره خائفًا بمائة مثقال ذهبًا ثم باع هذا الذهب من مشتري العقار بمائة مثقال فضة نقدًا لحيلة الربح ثم فسخ الوفاء في العقار يرد الذهب المذكور في العقد لا الفضة المقبوضة؛ القول التاسع في الملك يثبت للمشتري في الزوائد ولا يضمنها بالإتلاف وفي هذا تفصيل واختلاف أحكام لكن المعتد به منها ما ذكرناه وهو قول صاحب الهداية وأولاده ومشائخ العهد.
стр. 10939
انظر البزازية: ٤/٤٠٥ - ٤١٠. وقد رد البنشانجي هذه الأقوال إلى سبعة: هي الرهن، البيع الصحيح، البيع الجائز، البيع الفاسد، البيع البات في صور والرهن في صور أخرى، المركب من البيع والرهن، المركب من البيع الصحيح والفاسد والرهن. نور العين في إصلاح جامع الفصولين: ٧٣ب - ٧٤ب. ومن العلماء من جعل بيع الوفاء كبيع المكره كالإمام ظهير الدين والصدر الشهيد والصدر السعيد، ومنهم من جعله باطلًا اعتبارًا بالهازل. الزيلعي: ٥/١٨٣ - ١٨٤؛ وقد ذكر مجمل هذه الاعتبارات الحكمية علاء الدين الطرابلسي. معين الحكام: ١٤٦ - ١٤٧. ويظهر لي أنها لا تتجاوز خمسة، وما زاد عليها راجع بقليل تأمل إليها:
أحدها: أنه رهن (١) ولو عبر عنه بلفظ البيع، لا فرق بينه وبين الرهن في حكم من الأحكام، حتى لا يكون للمشتري فيه سوى حبس العين فيما له على البائع من دين (٢) ، وهو مذهب أبي شجاع (٣) وابنه (٤)
[٣٦٧] والسغدي (٥) ، وأبي الحسن الماتريدي (٦) ، والقاضي الأمير (٧) ، استدلالًا منهم بأن العبرة في العقود بمعانيها لا بمبانيها في مقاصد الشريعة الإسلامية للإمام محمد الطاهر ابن عاشور بيان لنوط الأحكام الشرعية بمعان وأوصاف لا بأسماء وأشكال. وقد صرح بذلك في قوله: (لا يعوزك أن تعلم أن مقصد الشريعة من أحكامها كلها إثبات أجناس تلك الأحكام لأحوال وأوصاف وأفعال من التصرفات خاصها وعامها، باعتبار ما تشمل عليه تلك الأحوال والأوصاف والأفعال من المعاني المنتجة صلاحًا ونفعًا أو فسادًا وضرًّا قويين أو ضعيفين. فإياك أن تتوهم أن بعض الأحكام منوط بأسماء الأشياء أو بأشكالها الصورية غير المستوفاة المعاني الشرعية فتقع في أخطاء في الفقه) . ابن عاشور: ص١٠٥؛ وفي معين الحكام الطرابلسي: العبرة في التصرفات بدل العقود. وهو أعم من التعبير بالعقود، فيشمل الدعاوى كما في أصول الكرخي حيث قال: (الأصل أنه يعتبر في الدعاوى مقصود الخصمين في المنازعة دون الظاهر) .
стр. 10940
والمراد بالمقاصد والمعاني ما يشمل المقاصد التي تعينها القرائن اللفظية التي توجد في عقد فتكسبه حكم عقد آخر، وكذا ما يشمل المقاصد العرفية المرادة للناس في اصطلاح تخاطبهم فإنها معتبرة في تعيين جهة العقود. وقد صرح الفقهاء بأنه يحمل كلام كل إنسان على لغته وعرفه، وإن خالفت لغة الشرع وعرفه، ومنه انعقاد بعض العقود بألفاظ غير الألفاظ الموضوعة لها مما يفيد معنى تلك العقود في العرف كانعقاد البيع والشراء بلفظ الأخذ والعطاء. المجلة: مادة ١٦٣ و ١٧٢، وانعقاد شراء الثمار على الأشجار بلفظ الضمان في عرفنا الحاضر. أحمد الزرقاء: القاعدة الثانية المادة الثالثة، ١٣.، بدليل جعلهم الكفالة بشرط براءة الأصيل حوالة، والحوالة بشرط عدم براءته كفالة (١) . وما ذاك إلا اعتبارًا "لجانب المعنى وإلغاء لخصوص المبنى" المراد بالعقود المذكورة في هذه القاعدة العقود المبنية على الأغراض والمقاصد لا على الألفاظ كالبيع والإجارة والحوالة تعتبر فيها المقاصد والمعاني؛ ولا عبرة للألفاظ. ولهذا جرى حكم الرهن في البيع بالوفاء وإن كان منعقدًا بلفظ البيع لأنه لم يقصد به تمليك المبيع للمشتري بل تأمينه على دينه. ومما يتفرع على هذه القاعدة: ما لو قال: وهبتك هذه الدار بثوبك هذا كان بيعًا بالإجماع إذ العبرة للمعاني لا للألفاظ (در منتقى) ومنه أن الكفالة المشروط فيها براءة ذمة المديون حوالة، والحوالة بشرط عدم براءة ذمته كفالة، والهبة بشرط العوض بيع فتجري فيها الشفعة، والإعارة لمدة معلومة بأجر معلوم إجارة. (أشباه) ، والوصاية حال حياة الموصي وكالة، وتوكيله بعد موته وصاية (بزازية) شرح المجلة: ص١٩. وقد نبه الشيخ أحمد الزرقاء على جملة من العقود، يجري فيها اعتبار المقاصد والمعاني دون الألفاظ والمباني فذكر بيع الوفاء وما يحصل من صور ذلك بين الكفالة والحوالة، وبين البيع والهبة، وبين الهبة والإجارة، وبين الهبة والإقالة، وبين الهبة والقسمة، وبين المضاربة والقرض والبضاعة (وهي أن يكون المال وربحه لواحد والعمل من الآخر) ، وبين الصلح وغيره من العقود، وبين الوصايا والوكالة، وبين العارية والقرض، وبين الشفعة والبيع، وبين الإقرار والبيع، وكثير غيرها. أحمد الزرقاء؛ شرح القواعد الفقهية: ص١٨ - ٢١. ويستثنى من هذه القاعدة مسائل منها: إذا قال أحد لآخر بقصد أن يهبه ماله: بعتك مالي هذا بدون ثمن فلا يبطل لفظ البيع، ولا يحمل على الهبة، ولو كان قصد المتكلم الهبة، لما بين اللفظين من التضاد. فلا يحمل أحدهما على الآخر. وكذا إذا قال أحد لآخر بقصد أن يعيره منزله: أجرتك منزلي هذا بدون كراء فلا يحمل قوله على الإعارة وإن كانت هي المقصودة بكلامه (أشباه) . شرح المجلة: ص١٩ - ٢٠؛ علي حيدر. درر الحكام: ١/١٨ - ١٩، ٣؛ أحمد الزرقاء: ص١٣ - ٣٤. . وقد أوتي في هذا العقد بمعنى الرهن من شرط أخذه عند قضاء الدين والتوثق له بالعين، فيكون رهنًا حكمًا وإن كان بيعًا اسمًا.
стр. 10941
واعترض "بأن الانتفاع به مقصود، كما أن الاستيثاق به مقصود. فلا وجه لجعله رهنًا مع رضاه (١) بالانتفاع. فعلى هذا لا يكون رهنًا لا لفظًا ولا غرضًا" (٢) . يعني وإذا كان الانتفاع به مقصودًا أيضًا، فلا وجه لترجيح التوثق عليه (٣) إن سلم تساويهما. لما فيه من ترجيح أحد المقصودين على الآخر بلا مرجح، فكيف [و] (٤) لو ادعي ترجيح قصد الانتفاع عليه بأنه الأسبق ملاحظة (٥) مع مساعدة اللفظ (٦) له لم يبعد. لا يقال قصد الانتفاع بل شرطه لفظًا لا يمنع اعتباره رهنًا، إذ غاية ما في الباب أن يكون رهنًا مشروطًا فيه شرط فاسد وهو الانتفاع به، فيبطل الشرط ويصح الرهن، إذ (الرهن لا يبطل بالشروط الفاسدة) هو مما لا يبطل بالشروط الفاسدة (٧) لأنا نقول: ذلك لو عنون عنه بالرهن، والكلام فيما إذا عنون عنه بالبيع.
وبعد هذا، فقد نقل صاحب التنوير (٨) في فتاواه تصحيحه (٩) عن جواهر الفتاوى (١٠) ، وغيرها، وقال: وعليه فللقاضي الحنفي أن يحكم بكونه رهنًا بعد الدعوى الشرعية، يعني لكونه قولًا مصححًا، والممتنع منه حكمه بالضعيف.
стр. 10942
ثانيها: أنه بيع جائز لازم فيما إذا عقد بلفظ البيع من غير
[٣٦٨] ذكر شرط فيه، لا فرق بينه وبين البيع البات الصحيح في حكم ما (١) ، حتى لا يفسخ إلا بالتراضي على جهة الإقالة. وهو الذي نقل غير واحد عن النسفي اتفاق شيوخه في زمانه عليه، على ما كان عليه بعض السلف (٢) . وحجتهم أن متعاقديه تلفظا بلفظ البيع من غير ذكر شرط الفسخ فيه، وإن أضمراه بقلوبهما إذ ذاك (٣) أو شرطاه نصًّا قبل العقد، بناء على (العبرة في الشرط المفسد بقرانه للعقد باللسان) أن العبرة في الشرط المفسد بقرانه للعقد ذكرًا باللسان دون تقدمه ذكرًا عليه، ولا قرانه به مضمرًا في الجنان (٤) .
ولهذا كان تزوج المرأة على نية تطليقها إثر الوطء نكاحًا صحيحًا، نظرًا للفظه لا فاسدًا على أنه نكاح متعة باعتبار قصده (٥) .
وبناء على هذا أفتى النسفي: (من عقد بلفظ البيع مضمرًا للرد (٦) عند الرد (٧) كالمشتري منه (٨) ، بأنه يسعه أن يحلف أن البيع كان بتًّا مع ذلك الإضمار) (٩) .
стр. 10943
ثالثها: أنه بيع جائز لكنه غير لازم. فيحل للمشتري الانتفاع بالمبيع لجوازه مع إذن مالكه فيه. ويفسخ بطلب أحدهما لعدم لزومه. وهو الذي ذكره قاضيخان أثناء كلام له، بقوله: (وإن ذكرا البيع بلا شرط ثم ذكرا الشرط، (أي الرد المشروط غرضًا) على وجه المواعدة (١) ، جاز البيع ولزم الوفاء بالوعد [لأن المواعدة قد تكون لازمة فتجعل لازمة] لحاجة الناس (إليه) (٢) . زاد الزيلعي (٣) : (قال ﵊: العدة دين) (٤) فيجعل هذا الميعاد لازمًا. ثم نقل عن حواشي جلال الدين (٥) على الهداية تصويره بأن يقول (البائع) للمشتري: (بعت منك [هذا] العين بألف، على أني لو دفعت إليك ثمنك تدفع [العين] إليَّ) (٦) . ولا يخفى أن هذا هو الذكر على وجه الشرط، لكون كلمة "على" من أدواته عند الفقهاء لا المواعدة. ليت شعري،
[٣٦٩] إن لم يكن هذا ذكرًا على وجه الشرط فما صورته؟ (٧) ، وإنما صورة الذكر على وجهها أن يقول أحدهما للآخر بعد الإيجاب والقبول: أريد منك أني متى رددت عليك ما قبضت منك ترد عليّ ما قبضت مني. فيقول الآخر: نعم، أو يقول البائع (٨) ابتداء: إن رددت عليّ الثمن رددت عليك المبيع.
стр. 10944
أما كون هذا العقد جائزًا، فلخلوه عن المفسد، وهو ذكر الاسترداد في قالب الشرط. وأما عدم لزومه فللزوم الوفاء بالوعد.
وظاهر إطلاق قاضيخان، أن لا فرق في ذلك (١) بين كون الثمن ثمن المثل أو فيه غبن يسير أو فاحش.
وفي الخيرية (٢) ، نقلًا عن الحاوي للزاهدي (٣) : (إن الفتوى في ذلك أن البيع إذا أطلق ولم يذكر فيه الوفاء إلا أن المشتري عهد إلى البائع بعد البيع المطلق، أنه إذا أوفى [بـ] مثل ثمنه، فإنه يفسخ معه البيع [و] يكون باتًّا (٤) ، حيث كان الثمن (٥) ثمن المثل أو بغبن يسير) (٦) . فيكون إطلاق قاضيخان فيه أنه جائز غير لازم خلاف ما عليه الفتوى فيه.
стр. 10945
رابعها: أنه بيع فاسد (١) وهو على ما في الخانية فيما إذا عبرا بالبيع وشرطا فسخه في العقد، أو بالبيع بشرط الوفاء، أو أطلقا البيع. وعندهما أن هذا البيع غير لازم، يعني باعتبار دخولهما على ما كانا شرطاه قبل العقد. والفساد في القسم الأخير على خلاف ما مَرَّ من فتوى النسفي: أن الشرط المفسد لا يؤثر إلا إذا لفظ به وقت العقد [دون ما كان متقدمًا عليه.
(إلحاق الشرط المفسد بالعقد) وأما ما كان متأخرًا عنه فإنه يلتحق به حتى كأنه مقارن له فيفسد (٢) . وهل يشترط لصحة الإلحاق كونه في مجلس العقد؟ خلاف. والصحيح عدم اشتراط
[٣٧٠] ذلك] (٣) .
وعلى القول بالفساد صاحب العدة (٤) ، واختاره ظهير الدين (٥) ، ثم اختلف الذاهبون إليه: فمنهم من أعطاه أحكام الفاسد كلها حتى فوات فسخه بيع (٦) مشتريه باتًّا، ومنهم من استثنى هذا منها وألحقه فيه ببيع المكره بجامع عدم الرضى، حتى لا يفوت بالبيع ولو تكرر فيه (٧) .ولهذا الإلحاق ذكره الزيلعي في كتاب الإكراه، وعليه الصدران السعيد والشهيد (٨) .
ونقل العمادي أن الفتوى في هذا (٩) على قول الفريق الثاني (١٠) ، وأن زوائد المبيع فيه بناء على الفساد مضمونة على المشتري ضمان زوائد المغصوب بالاستهلاك لا الهلاك، حتى لو استهلك ثمن الكرم [وزرع الأرض وعلى قياسه وسكن الدار] (١١) غرم (١٢) .
стр. 10946
خامسها: أنه مركب من رهن وبيع جائز بات، على معنى أنه يعتبر رهنًا بالنسبة للبائع حتى يسترد العين عند قضاء ما عليه من الدين ويضمنها له المشتري بالهلاك أو الانتقاص ضمان الرهن، وبيعًا باتًّا صحيحًا بالنسبة للمشتري في حق نزله ومنافعه حتى يطيب له أكل ثمره والانتفاع به سكنى وزراعة وإيجارًا (١) . وعلى هذا استقر عمل شيوخ النسفي على ما نقله عنه الزيلعي (٢) . وقال العمادي: وفتوى جدي شيخ الإسلام برهان الدين وأولاده ومشائخ زمانهم (٣) ، على أن الملك يثبت للمشتري شراء جائزًا في زوائد المبيع، ولا يغرم لو استهلكها. وعليه استقر قول أئمة زماننا وأستاذينا ﵏ [تعالى] (٤) .
ومراده (صاحب الهداية) بجده البرهان الإمام النبيل ذو الباع الطويل علي بن أبي بكر بن عبد الجليل المرغيناني صاحب الهداية. وناهيك به جبلًا من جبال العلم معدودًا في طبقة أهل
[٣٧١] الترجيح، مقرونًا بالقدوري (٥) وأضرابه، كما ذكره العلامة ابن كمال باشا (٦) .
وحجة هؤلاء في اعتباره على هذا الوجه احتياج الناس إليه وتعاملهم به، والقواعد تترك بالتعامل (٧) . ولهذا الوجه جاز الاستصناع (٨) ، مع أن قاعدة امتناع بيع المعدوم تأباه (٩) . وما ضاق على الناس أمر إلا اتسع (١٠) ، ولا بدع في إعطائه حكم عقدين إذ كثير من العقود كذلك. (الهبة بعوض يشترط لها القبض وعدم كونها في مشاع.) فهذه الهبة بشرط العوض، والهبة في حال المرض، أعطي لكل منهما حكم الهبة من اشتراط القبض وعدم كونهما في مشاع قابل للقسمة (١١) . وأعطي للأولى حكم البيع عند القبض حتى ثبتت فيها الشفعة (١٢) ، (الهبة في المرض تخرج مخرج الوصية من الثلث) والثانية حكم الوصية حتى كان خروجها من الثلث (١٣) .
واعلم أن احتياج الناس للشيء وتعاملهم به أصلان كبيران في المذهب، كما يعلمه من خبره. فلذلك وقع من أهل الترجيح اختيار هذا القول فيه. فقد نقل الزيلعي عن صاحب النهاية (١٤) أن عليه الفتوى (١٥) ، وفي قاعدة الحاجة تتنزل منزلة الضرورة (١٦) من الأشباه (١٧) : (ومنها الإفتاء بصحة بيع الوفاء حين كثر الدين على أهل بخارى وهكذا بمصر، وسموه بيع الأمانة، والشافعية يسمونه الرهن المعار (١٨) ، وهكذا سماه به في الملتقط) (١٩) .
стр. 10947
ومما لا ريب فيه أن الناس إذا كانت لهم حاجة إليه في تلك الأعصار على فضلها، فهم إليه في هذا العصر على وضوح اختلاله أحوج. وقد فشا التعامل به في ديارنا فشوًا خارجًا عن الحد وقد قال الأستاذ الإمام محمد الطاهر ابن عاشور بجوازه في حديثه عن الرخصة عند وقوع الضرورة العامة المؤقتة. وقال: إن اعتبار هذه الضرورة عند حلولها أولى وأجدر من اعتبار الضرورة الخاصة. ومثل لذلك بالكراء المؤبد في أرض الوقف الذي جرت به الفتوى بالأندلس في أواخر القرن التاسع، وفتوى ناصر الدين اللقاني بعد ذلك في إحكار الأوقاف، ثم إجازة العقود المسماة بالنصبة والخلو والجلسة والجزاء وما ألحق بها في الإنزال في تونس وفاس، وفتوى علماء بخارى من الحنفية ببيع الوفاء في الكروم لحاجة غارسيها إلى النفقات عليها قبل إثمارها كل سنة، فاحتاجوا إلى اقتراض ما ينفقونه عليها. ابن عاشور. المقاصد: ص١٢٥ - ١٢٦؛ وجاء في البيوع والمعاملات المعاصرة: نرى [بيع الوفاء] فشا في الريف بخاصة عندنا بمصر وبغير مصر من البلاد الإسلامية ... وما أحرانا أن نقر هذا العرف الذي أقره جمع من أسلافنا الفقهاء، توسعة على الناس وإبعادًا لهم عن الاقتراض بالربا ... ومن الخير إذن مراجعة الأمر وإباحة هذا الضرب من البيع على أن يشتد القانون في رعاية حق البائع والمشتري وبخاصة البائع لأنه المحتاج ... ولنا في آراء الفقهاء دليل ومستند يصح الاستناد إليه في تجويز هذا البيع للحاجة إليه. بتصرف من محمد يوسف موسى: ص١٣٨ - ١٤٠؛ انظر أحمد الزرقاء: (العادة محكمة واستعمال الناس حجة) . القاعدة: ٣٥، ٣٦/ المادة ٣٦، ٣٧، ١٦٥ - ١٦٩.، وبرزت به الفتاوى والأحكام ممن أدركناهم من الحنفية، ومنهم والدي رحمه الله تعالى، منذ صدر للإفتاء إلى أن لحق بربه، وذلك خمس وأربعون سنة،
[٣٧٢] وممن لم ندركه بالبلاغ عنه. فلا يفتي الآن أو يقضي فيه منهم بغير هذا إلا من قصد الإضرار بالناس. وأما منعهم من التعامل به جملة بعد هذا الفشو والحاجة الشديدة إليه فحامل لهم على الهجوم على الربا المجمع على تحريمه جهارًا، لأن المضطر إذا أغلقت في وجهه الأبواب ارتكب المشاق الصعاب.
إذا لم تكن إلا الأسنة مركبًا
فلا يسع المضطر إلا ركوبها
стр. 10948
ولهذا، مع ما انضاف إليه من تحيل الناس: وهو أنهم يعقدونه أولًا تقليدًا للمذهب الحنفي لوجود الرخصة في ذلك فيه، وعند فسخ المشتري له وطلبه الثمن من البائع يرفعه للمالكي الذي لا يراه إلا رهنًا، فيحسب عليه من ماله ما كان استغل من ثمره أو أخذ من منافعه وربما استغرق ذلك ماله، بل ربما زاد عليه عند طول المدة، رأى أميرنا (١) هذا، أيده الله تعالى وسدده ووفقه للخير وأرشده، (تحجير الحكم في بيع الوفاء على القضاة المالكية) أن حجر الحكم فيه على القضاة المالكية، وأن ما تأتيهم فيه من قضية وجهوها إلى الحنفية (٢) ، حسبما أخبرني بذلك الحجر قاضيا الوقت اللذان أحدهما المالكي المحجور عليه (٣) .
هذا وقضية كلام غير واحد في تقرير مذهب التركيب، ومنهم البزازي في جامعه، أنه يعتبر مركبًا من الرهن والبيع الصحيح كما سبق (٤) ، وذكر في موضع آخر منه أن يعتبر مركبًا منهما ومن البيع الفاسد أيضًا (٥) ، وأنه كالزرافة فيها صفة الثور والبعير والنمر. ويلوح لي أنه لا حاجة لزيادة هذا لأن اعتباره فيه ليس إلا ليفسخ بطلب أحدهما جبرًا على الآخر. وهذا يحصل [٣٧٣] باعتبار الرهن فيه، الذي هو من العقود المباحة. فأي داع لاعتبار الفاسد فيه وهو من العقود المحرمة (٦) .
стр. 10949
واعلم أن الوفاء لا يصلح طريقًا للتحيل على حل الربح إلا على القول فيه بالتركيب، أو بأنه بيع جائز غير لازم لتقارب القولين باشتراكهما في حل الانتفاع به وفسخه بطلب أحدهما، وافتراقهما بعد ذلك باعتباره عقدًا واحدًا في حق كل من المتعاقدين، أو عقدين باعتبارين مختلفين، مما لا طائل تحته، ولا يصلح طريقًا له على ما عداهما من سائر الأقوال.
أما صلاحيته لذلك على كل واحد منهما فظاهرة لحصول غرض صاحب العين في التمكن من استردادها، وصاحب المال في الانتفاع بها مدة غيبة ماله عنه (١) .
وأما عدمها على ما سواها فلأن كلا من القول بالرهن والبيع الفاسد وإن حصل غرض الأول لم يحصل غرض الثاني. والقول بالبيع البات بالعكس.
فكان القائلون بالقول الثالث والخامس فيه له قابلين (٢) ، وبالثلاثة الباقية رادين. كما أن كلا من ذينك القولين تمكن تمشيته في تسلمات بلدنا. لكنك عرفت رجحان الأخير، ولا تمكن تمشية ما عداهما فيها لفقدان لفظ البيع وشرط الرد نصًّا فيها.
стр. 10950
البيع بالثنيا وحكمه عند المالكية البيع بالثنيا أي بما استثنيته. وهو من البيوع الفاسدة لاشتماله على شرط مناقض للبيع. وهو عام عند ابن رشد في كل بياعات الشرط المنافية، وصورته المحددة كما في بيوع الآجال من المدونة: (ومن ابتاع سلعة على أن البائع متى رد الثمن فالسلعة له لم يجز ذلك لأنه بيع وسلف) . اهـ. وهما نوعان من التعامل مختلفان. قال سحنون: (بل سلف جر منفعة) . وقال أبو الحسن: (اختلف في هذا البيع المسمى بيع الثنيا إذا نزل، هل يتلاقى بالصحة كالبيع والسلف أم لا على قولين) ، يعني إذا أسقط الشرط: أحدهما أن البيع باطل وهو المشهور، والثاني أن البيع جائز إذا أسقط شرطه وهو قول مالك ... الحطاب. مواهب الجليل: ٤/٣٧٣؛ التاودي على التحفة: ١/٥٨؛ وقال الرجراجي في تحديد طبيعة هذا البيع: (اختلف في بيع الثنيا هل هو بيع أو رهن على قولين. وفائدة الخلاف في الغلة. فمن رأى أنه بيع قال: لا يرد الغلة) . وقال مالك في العتيبة: (إن الغلة فيه للمشتري بالضمان فجعله بيعًا وأنه ضامن والغلة له، ومن رأى أنه رهن قال: يرد الغلة وأنه في ضمان البائع في كل بيع ونقص يطرأ عليه من غير سبب المشتري، وما كان من سبب المشتري فهو ضامن له، وحكمه حكم الرهان في سائر أحكامها فيما يغاب عليه) . الحطاب: ٤/٣٧٣. وحكى عن القابسي: أن حكم هذا البيع قبل انقضاء أجل الثنيا حكم البيع الصحيح. فالغلة فيه للبائع لأنه بمنزلة الرهن، وهو بعد انقضاء الأجل بمنزلة البيوع الفاسدة فتكون الغلة فيه للمشتري. ونبه التسولي على ما اشتهر بين الناس مما دعوه بيعًا وإقالة واعتبروه رهنًا فيما تعارفوا عليه وتعاملوا به. فالحكم في الرهنية بالاتفاق رد الغلة وعدم الفوات. وإذا وقع البيع صحيحًا وطاع المشتري بالثنيا بعد ذلك جاز لأن التطوع بالإقالة بعد العقد جائز إلى غير غاية وإلى أي حد مؤجل، وأجازوها أيضًا إلى أجل قريب أو بعيد. ثم إنه في المطلقة متى أتاه بالثمن لزمه رد المبيع إليه، ويجوز للمشتري فيه التفويت بالبيع أو غيره؛ ويفوت به على البائع المقال إلا أن يفيته بالفور ... وأما في المقيدة فلا يجوز له تفويته فإن فوته رد على ما للموثقين. وقيده الباجي بما إذا لم يبعد أجلها كالعشرين سنة فيكون حكمها حكم المبهمة في فواتها على البائع وعدم ردها. وإذا جاءه البائع بالثمن في خلال الأجل أو عند انقضائه أو بعده على القرب منه بيوم ونحوه لا أكثر لزمه قبوله، ورد البيع على بائعه. ولا كلام له في أنه لا يقبض الثمن إلا بعد الأجل ... التسولي: ٢/٦٠ - ٦٣.
ومما تعورف في بلدنا ما يعبرون عنه بالبيع بالثنيا، وصورته أنهم يعقدونه بلفظ البيع خاليًا عن قرانه بشرط الرد فيه. ثم يتفقان على رد المشتري للبائع المبيع عند رده عليه الثمن (١) ، إما مطلقًا أو إلى أجل معين، كسنة على وجه الوعد، ويعبر عنه الموثقون بالتطوع بالثنيا أو الشرط الصريح في وجهي الإطلاق (٢) والتأجيل.
فالصور أربع: (الوعد بالرد مطلقًا) فإن وعد بالرد مطلقًا (٣) ، فإن كان الثمن ثمن المثل أو فيه
[٣٧٤] غبن يسير، فهو بيع بات ولا يلزمه الرد عند المجيء بالثمن، إذ هي مسألة الحاوي الزاهدي (٤) الذي قال فيها: الفتوى على أن البيع فيها بات.
وإن كان بغبن فاحش فهو بيع جائز ويلزم الوفاء بالوعد، إذ هي مندرجة في إطلاق قاضيخان منطوقًا، ومأخوذة من كلام الحاوي مفهومًا. (الوعد بالرد إلى أجل يفسد البيع) وإن وعد به إلى أجل على معنى: وأن لم يأت به للأجل بت البيع، فالبيع فاسد، لأنه تعليق البيع على عدم الإتيان بالثمن في السنة، والبيع لا يقبل التعليق (٥) .
(شرط الرد مطلقًا يفسد البيع) وإن ذكره شرطًا مع الإطلاق (٦) فسد أيضًا، لأن البيع، كما لا يصح معلقًا لا يصح إذا شرط فيه شرط فاسد، وهو وإن لم يكن مقارنًا للعقد بل ألحق به فقد مر أنه يلتحق ولو في غير المجلس على الصحيح (٧) ، (شرط الرد إلى أجل يفسد البيع) وإن ذكر شرطًا مع التأجيل فكذلك لذلك (٨) .
وإذا فرغنا من الفصل الأول الباحث عن نفس العقد، ننقل الكلام إلى بقية الفصول الباحثة عن متعلقاته، مقدمين منها ما يتعلق بمحله، إذ هو من أركانه، فنقول:
стр. 10951
الفصل الثاني
فيما يصح عقد الوفاء فيه وما لا يصح
اعلم أنه لا خلاف بين القائلين به في صحة عقده في عقار البالغ العاقل، واختلفوا (١) في صحته في عقار الصبي، والمجنون مثله، كما اختلفوا في صحته في المنقول.
أما الأول فمنعه فيه العلاء العلامة (٢) وغيره من أئمة سمرقند بعلة أن فيه تمليك الولي منافع عقار المولى عليه للمشتري بلا عوض، إذ مال الوفاء الذي دفعه فانتفع به المولى عليه يرد عليه بتمامه عند الفسخ، فكان فيه تبرع بها، والولي لا يملك ذلك (٣) .
وأجازه صاحب العدة عند اضطرار المولى عليه
[٣٧٥] إلى ثمنه، كاحتياجه للنفقة على نفسه أو ماله بانهدام في عقاره تخشى الزيادة فيه إذا لم يبادر بتلافيه وليس له مال في الحال، ولكن له ما هو مرجو الحصول في المآل (٤) . وبالجواز جرى العمل عندنا بشرطه من الضرورة إليه (٥) . وينبغي للوصي المبادرة إلى الفسخ ما وجد إليه سبيلًا.
стр. 10952
وأما الثاني وهو المنقول، فاستفيد المنع فيه من جواب صاحب العدة من سأله: (حكم الوفاء في المنقول إذا عقد الوفاء في عقار ومنقول يفسد في المنقول ولا يسري في غيره.) إذا جمع (١) في الوفاء بين العقار الذي يجوز فيه الوفاء والمنقول الذي لا يجوز حتى فسد في الثاني، هل يسري الفساد منه إليه؟ بأنه لا يسري إليه. يعني بل يقتصر فساد المنقول عليه. ونسب البزازي الجواز للنوازل صاحب النوازل هو إمام الهدى أبو الليث نصر بن محمد بن إبراهيم السمرقندي. اختلف في سنة وفاته بين ٣٧٣، ٣٧٥، ٣٩٣. ويلقب بالفقيه فلا يختلطن بالحافظ. وهو فقيه مفسر محدث حافظ متصوف. له عدد من المؤلفات منها النوازل في الفروع. جمع فيها جملة من الفتاوى والواقعات من كلام ابن شجاع الثلجي وابن مقاتل الرازي وابن سلمة ونصير بن يحيى وابن سلام وأبي بكر الإسكافي وعلي بن أحمد الفارسي وأبي جعفر محمد بن عبد الله، ومنها عيون المسائل، وتفسير القرآن، وتنبيه الغافلين، وخزانة الفقه، وبستان العارفين في الآداب الشرعية. الذهبي. التذكرة: ٣/١٦٩؛ الكشف: ١٩٨١؛ البغدادي: ٢/٤٠٩؛ القرشي: ٣/٥٤٤، ١٧٤٣؛ اللكنوي: ٢٢١؛ كحالة: ١٣/٩٦؛ وعبارة البزازي في المسألة: (وإذا جمع في البيع الجائز بين العقار والمنقول الذي لا يجوز فيه البيع الجائز بأن لم يكن تبعًا للعقار حتى فسد في المنقول لا يتعدى إلى العقار بل يجوز فيه. وهذا إشارة إلى أنه لا يجوز الوفاء في المنقول) . ثم قال: (وفي النوازل جواز الوفاء في المنقول أيضًا) . البزازية: ٤/٤١٦؛ والجامع: ١/٢٤٢. .
стр. 10953
وعلل للمنع بأن الوفاء يقتضي سلامة البدلين عند التفاسخ، يعني والمنقول يضمحل قبله، فلا يجد البائع وقت الفسخ ما يسلم له. (فساد عقد الوفاء في المنقول يخص ما لا ينتفع به إلا باستهلاك عينه) وأنت خبير بأن عدم السلامة إذ ذاك لا تعم سائر أنواعه بل تخص ما لا ينتفع به إلا باستهلاك عينه، كالثمرة والخبز واللحم، دون ما ينتفع به مع بقائها، (العبد والدابة لا يطلق فيها القول بجواز ولا منع) كالعبد والدابة. فينبغي أن يخص المنع الأول ولا يعم الثاني (١) ولا يطلق القول فيهما بجواز ولا منع (٢) .
فإن قلت: من النوع الثاني (٣) (بيع النصبة وفاء وباتًّا ووقفها وهبتها) ما يعبر عنه عامتنا بالنصبة وفقهاؤنا بالسكنى لتصريحهم بأنها نقلي، فينبغي جواز عقد الوفاء عليها (٤) . كما يجوز عقد البات عليها إذا لم يكن بشرط القرار.
стр. 10954
قلت: ذلك لو لم يدخل فيها على شرط القرار، لكنه مدخول عليه، فصار معروفًا عرفًا، وهو كالمشروط شرطًا (١) .
فإن قلت: يخرج على ما مر عن النسفي من أن لا عبرة بالشرط المفسد إذا لم يذكر عند التعاقد باللسان وإن كان مضمرًا بالجنان في بيوع الخيرية، نقلاً عن الخلاصة، والقبض، والبزازية، والتاتارخانية وغيرها، أنه يجعل البيع الصادر بعد المواضعة من غير ذكر الشرط على ما تواضعا. انظر الرملي: ١/٢٢٦. وفي الفصل الأربعين من العمادية قبيل الكلام على ما يحكم فيه الحال. انظر الجنس الرابع من المسائل في إفساد العقد بعد صحته وتصحيحه بعد إفساده. نخ اليوسفية: أسفل ٢٦٩ أ. وانظر نفس الموضوع في الفصل: ص٣٩. الجامع: ٢/٣٢١، وكذا في فصل أحكام بيع الوفاء، أنه إذا تواضع المتبايعان على شرط الوفاء ثم تبايعا خاليًا عن هذا الشرط، فالعقد جائز. ولا عبرة للمواضعة السابقة نقل ذلك عن فوائد جده. نخ أحمدية: أول ١٠٣ ب. وفي الفصل التاسع عشر نقلًا عن نجم الدين أن ما كان قبل العقد، وما كان في القلب عند العقد لا عبرة لذلك إذا لم يذكر عند العقد سوى الإيجاب والقبول. وذكر هناك فروعًا أخرى من هذا الجنس. العمادية. نخ أحمدية: وسط ١٠٣ أمحمد ابن الخوجة الأكبر. ج. .
стр. 10955
قلت: ذلك في غير المعروف عرفًا، وإنما هو أمر يخص المتعاقدين. [٣٧٦] أما ما عم به العرف فهو من المذكور في العقد حكمًا (١) . (التصرفات لا تصح في النصبة) فإذا لا يصح على النصبة وحدها عقد بيع وفاءً أو باتًّا (٢) ، بل ولا رهن ولا هبة ولا وقف. أما البيع بنوعيه فلما سمعت؛ وأما الرهن والهبة فلعدم القبض، لعدم إفرازها عن العرضة لاتصالها بها مع إمكان انفصالها عنها، (المشاع القابل للقسمة لا يصح فيه رهن ولا هبة) فأشبهت المشاع فيما يقبل القسمة، ولا يصح فيه رهن ولا هبة؛ وأما الوقف فلأنه منقول لم يجر التعارف بوقفه. وإذا لم تجز هذه العقود في النصبة، وهي عين مال قائم، (بيع الخلو والمفتاح) فعدم جوازها فيما يعبر عنه عامتنا بالمفتاح وفقهاؤنا بالخلو، وهو معنى مجرد (٣) ، أولى لأن محل هذه العقود المال الذي هو عين يجري فيها التنافس والابتذال، ولا شيء من المعنى بعين فلا يكون مالًا فلا يكون محلًّا لها، فلا تصح فيه بحال.
стр. 10956
الفصل الثالث
فيما يجوز من فعل للمشتري وفاء في مبيعه وما لا يجوز
ولنؤخر الأول لطول الكلام عليه.
اعلم أنه لا يصح منه فيه نقل الملك ببيع بات ولا هبة ولو على القول بفساده على ما مر أنه المختار (١) فيه، ولا نقل اليد لا ببيع وفائي مثل بيعه على ما نص عليه في البزازية (٢) ، (المبيع وفاء لا يعار ولا يرهن) ولا برهن محض أو إعارة على ما ظهر لنا من قولهم: إنه (الوفاء يعطي له حكم الرهن) معطى له، في غير الانتفاع به سكنى واستغلالًا على القول بالتركيب، حكم الرهن، والمرهون لا يرهن ولا يعار، وحيث علمت من كلام البزازي أنه لا يصح من مشتريه عقد بيع الوفاء فيه (مسألة التولية في الوفاء) يظهر لك أن ما يصنعه بعض شراته من توليتهم (٣) شراءهم الوفائي غيرهم لا يصح إذا لم يكن بإذن البائع (٤) . وإذا كان غير صحيح تكون يد المتولى
[٣٧٧] عليه بسبب تلك التولية غير محقة (٥) .
(المالك ينتزع المبيع من يد غير محقة ولو بغيبة المشتري) وإذا كانت كذلك كان للمالك نقضها مع غيبة المشتري منه ورد المبيع ليده حتى يحضر الغائب ذو اليد المحقة فيأخذه منه حتى يدفع هو له مال وفائه. وليس لصاحب التولية أن يصده عن ذلك: بأنك بعته وفاء لفلان، فلا حق لك الآن فيه حتى تدفع له ثمن وفائه، لأنه ليس بنائب عنه، لا حقيقة وهو ظاهر، ولا حكمًا تصحيحًا لتوليته، لأن ذلك إنما يكون لو كان للمشتري أن يعقد فيه التولية. وقد عرفت أن ليس له ذلك.
وحكم وإرث كل واحد من هؤلاء الثلاثة (٦) حكم مورثه، كما ذكره ذلك كله صاحب الفصول نقلًا عن القاضي الأمير. وهو وإن ذكره في صورة كون المشتري وفاء باعه باتًّا فقد علمت استواء البيعين في عدم الصحة من المشتري وفاء، فتحقق في البيع الوفائي ما تحقق في البات من كون يد المشتري الأخير غير محقة، وهو المناط في نزع المالك ملكه من يده فيثبت في الوفائي ثبوته في البتي (٧) . والقاضي الأمير وإن كان من الرائين كون الوفاء رهنًا، وكلامنا على رأي من يراه مركبًا منه ومن البيع، إلا أنك عرفت أن من يرى التركيب فيه يراه في حق البائع رهنًا. ونحن نتكلم بالنسبة إليه حيث قلنا: له نزع متاعه من يد من ليس له يد محقة عليه.
стр. 10957
[وبعد هذا فعندي في نزع المالك هذه اليد إشكال قوي. وذلك أنه لا يكون إلا بالحكم، وهو يستدعي الخصومة لا محالة، وهي منتفية هنا. وذلك لأن ذا اليد لا يدعي في هذا البيع ملكًا لنفسه، وإنما يدعي فيه حقًّا بشرائه له وفاء من الغائب. وأطبقوا على أن من هو كذلك لا تسمع عليه دعوى
[٣٧٨] حق ولا ملك. وإذا لم تسمع لا يتمكن المالك من إثباتها بالبينة لقيامها على غير خصم، ولئن اعترف له ذو اليد (١) ، وبيعه للغائب وفاء وأريد القضاء باعترافه لم يصح لما فيه من إبطال حق الغائب، لأنه لما قال: شريته وفاء من الغائب، فقد اعترف للغائب باليد، والأصل فيها كونها يد ملك. فقوله: إنها ليست بها وإنما يد الملك لهذا الحاضر، إقرار على الغائب. فكيف يصح؟ فتأمل] (٢) .
فإن قلت هل لهذا المشتري [بالتولية] (٣) أن يطالب البائع الأول بالمال الذي قبضه من المشتري الأول ليأخذ منه ما دفعه هو لذلك المشتري من ثمن التولية؟ إما من حيث إن للمشتري الأول هاته المطالبة، وهو بالتولية قد قام مقامه وتنزل منزلته، أو من حيث إن الأول (٤) غريم للثاني، والثاني غريم له (٥) ، وغريم الغريم غريم.
قلت: لا، إذ لا نسلم أن المشتري الأول، لو كان حاضرًا، له تلك المطالبة. لأن العقد قائم لم يفسخ بعد. (لا يصير مال الوفاء دينًا في ذمة البائع إلا بعد فسخ الوفاء) وما لم يفسخ لا يثبت مال الوفاء دينًا للمشتري بذمة البائع. وإنما يصير كذلك بعد الفسخ (٦) . (لا تصح الكفالة بمال الوفاء منجزة) ولهذا لا تصح الكفالة به منجزة، وإنما تصح مضافة إلى الوقت المذكور (٧) .
стр. 10958
وهذا أصل بينهم مقرر ولديهم مكرر. والفرض أن لا فسخ، فلا دين، فلا مطالبة. ولا يصح وقوع التفاسخ بين الأول والثالث إذ لا عقد بينهما حتى يفسخاه، ولا أن يفسخه الثاني نيابة عن الأول لفرض انتفائها، وبفرض تضمن التولية إنابته على الفسخ فقد علمت بطلان التولية، وببطلانها يبطل ما في ضمنها من توكيل إن كان.
وأما حديث غريم الغريم غريم، فأولًا: حيث كان مال الوفاء ليس بدين قبل الفسخ فلا غريم ولا غريم غريم، وعلى التنزل لأنه دين قبله [٣٧٩] حتى تحقق الغريم وغريمه، فغريم الغريم عندنا إنما هو غريم لمن باشره بما هو سبب الدين، لا لمن باشر من باشره به (١) . ولهذا لو دفع غريم الغريم لدائن دائنه لم يرجع به على دائنه لأنه وإن قضى عنه دينه فقد قضاه بغير أمره وبغير (٢) ضرورة ألجأته إليه. ولا رجوع لقاضي الدين على المقضي عنه إلا بأحد هذين السببين. (دفع المالك مال التولية للثالث بلا إذن الثاني) وبهذا يعلم أنه لو دفع الأول للثالث مال وفائه عن الثاني ليأخذ المبيع من يده لم يرجع به عليه لانتفاء سببي الرجوع. أما انتفاء الأول فواضح، وأما انتفاء الثاني (٣) فلما مر من أن له نزعه (٤) من يده بلا شيء. وإذا كان كذلك كان مختارًا في الدفع. والمختار متبرع، والمتبرع لا رجوع له.
وأما ما يصح من تصرفات المشتري فيه، فذلك زراعته وإجارته والانتفاع بثمرته. ولنورد لكل منها مبحثًا على حدة فنقول:
стр. 10959
المبحث الأول
(زراعته الأرض) في زراعة المشتري وفاء الأرض التي عقد الوفاء عليها
وتتعلق بها مسألتان كلتاهما فيما بعد التفاسخ في عقده.
(الفسخ في الأرض زرع لمشتري الوفاء) أولاهما فيما إذا تفاسخا بعد الزراعة إلا أن الزرع لم يدرك بعد بل هو بقل. فهل يكلف المشتري قلعه من الأرض ليسلمها لربها، أم لا ويبقى فيها إلى إدراكه بأجر المثل للأرض؟
وثانيتهما فيما إذا تفاسخا قبل الزراعة بعدما كَرَب المشتري الأرض ليزرعها فمنعه البائع من زراعتها بعد الفسخ، فهل له أن يضمنه فيمة كرابه أم لا؟
أما الأولى، فمنهم من فصل بين كون الفسخ بطلب المشتري، فلا يبقى زرعه بل يقلع لأنه مختار
[٣٨٠] في طلب الفسخ. إذ يمكنه تأخيره إلى وقت الإدراك. فلما لم يؤخره إليه، يكون راضيًا بالقلع. فلا ينظر له بالإبقاء. وهو لم ينظر لنفسه بتأخير طلبه.
وبين كونه بطلب البائع فيبقى له لأنه مضطر في هذا الفسخ إذ لا يمكنه الامتناع منه، فلا يمكن جعله مع عدم الاختيار راضيًا بالفسخ، وليس في هذا الإبقاء كبير ضرر بالبائع لأنه لا يبقى في أرضه مجانًا بل بأجر المثل، فكان فيه (١) نظر للجانبين (٢) .
ومنهم من أطلق القول بالإبقاء للإدراك، بأجر المثل في الصورتين (٣) ، ولم يجعل لطلبه الفسخ أثرًا في منع إبقاء زرعه، تنظيرًا بمسألة المزارعة التي أخر فيها المزارع الزراعة لآخر السنة حتى مضت مدتها والزرع بقل حيث حكموا بإبقاء زرعه بأجر المثل، ولم يأمروا بقلعه باعتبار جعله راضيًا به حيث أخر الزراعة اختيارًا (٤) .
(إذا تفاسخا بعدما كرب المشتري الأرض) وأما الثانية فذكر في الفصول: (أنها واقعة الفتوى. وصورها فيما إذا أدى البائع مال الوفاء من غير طلب المشتري وقال:
وعلي قياس مسألة المزارعة، يعني التي أخر فيها المزارع الزراعة لآخر السنة وأبقى له فيها زرعه بأجر المثل، ينبغي أن يجب (٥) . وهكذا أفتيت بأنه يجب) .
стр. 10960
وإنما لم أفهم كون قياس إبقاء الزرع بأجر المثل في تلك المسألة هو إيجاب قيمة الكراب في هذه، وأين وأين! وليس في مسألة المزارعة إلا عقد إجارة حكمية في الأرض لعذر دفع الضرر عن المشتري بقلع زرعه الذي كان أصل وضعه في أرض البائع بحق. وهذا ليس ببدع في الإجارة لأنها كما تفسخ بالعذر تعقد جبرًا به.
وأما مسألة الكراب ففيها تقويم عمل المشتري
[٣٨١] الذي عمله لنفسه على البائع من غير عقد ولا دلالة حال (١) . ومنعه من الزراعة بعد الفسخ منع بحق فلا يصلح سببًا للضمان. [وأيضًا فهذا ضمان منفعة والمنافع على أصلها لا تقوم لها حتى لا تضمن بالغصب. أفترى لا يضمنها الغاصب ويضمنها مالك الأرض! ولا يهولنك تصريح البزازي في فتاواه بالضمان، إذ قال: (كرب المشتري وفاء أرض الوفاء للزراعة وأدى البائع مال الوفاء وفسخ البيع، للمشتري أن يطالب من البائع أجرة الكرب إذا كان النقد بلا طلب المشتري) (٢) لأن ما ذكرناه وارد عليه وروده على صاحب الفصول] (٣) .
فالذي يقتضيه النظر عدم إيجاب قيمة هذا الكراب على البائع للمشتري (٤) . نعم ينبغي أن يرضيه (٥) فيه بشيء. والله أعلم.