← Фикх общий

Фикх общий · id 8356

مجلة مجمع الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (22 276 стр.). Показаны 10956–10995 · переход к 10961.

стр. 10956

الفصل الثالث فيما يجوز من فعل للمشتري وفاء في مبيعه وما لا يجوز ولنؤخر الأول لطول الكلام عليه. اعلم أنه لا يصح منه فيه نقل الملك ببيع بات ولا هبة ولو على القول بفساده على ما مر أنه المختار (١) فيه، ولا نقل اليد لا ببيع وفائي مثل بيعه على ما نص عليه في البزازية (٢) ، (المبيع وفاء لا يعار ولا يرهن) ولا برهن محض أو إعارة على ما ظهر لنا من قولهم: إنه (الوفاء يعطي له حكم الرهن) معطى له، في غير الانتفاع به سكنى واستغلالًا على القول بالتركيب، حكم الرهن، والمرهون لا يرهن ولا يعار، وحيث علمت من كلام البزازي أنه لا يصح من مشتريه عقد بيع الوفاء فيه (مسألة التولية في الوفاء) يظهر لك أن ما يصنعه بعض شراته من توليتهم (٣) شراءهم الوفائي غيرهم لا يصح إذا لم يكن بإذن البائع (٤) . وإذا كان غير صحيح تكون يد المتولى [٣٧٧] عليه بسبب تلك التولية غير محقة (٥) . (المالك ينتزع المبيع من يد غير محقة ولو بغيبة المشتري) وإذا كانت كذلك كان للمالك نقضها مع غيبة المشتري منه ورد المبيع ليده حتى يحضر الغائب ذو اليد المحقة فيأخذه منه حتى يدفع هو له مال وفائه. وليس لصاحب التولية أن يصده عن ذلك: بأنك بعته وفاء لفلان، فلا حق لك الآن فيه حتى تدفع له ثمن وفائه، لأنه ليس بنائب عنه، لا حقيقة وهو ظاهر، ولا حكمًا تصحيحًا لتوليته، لأن ذلك إنما يكون لو كان للمشتري أن يعقد فيه التولية. وقد عرفت أن ليس له ذلك. وحكم وإرث كل واحد من هؤلاء الثلاثة (٦) حكم مورثه، كما ذكره ذلك كله صاحب الفصول نقلًا عن القاضي الأمير. وهو وإن ذكره في صورة كون المشتري وفاء باعه باتًّا فقد علمت استواء البيعين في عدم الصحة من المشتري وفاء، فتحقق في البيع الوفائي ما تحقق في البات من كون يد المشتري الأخير غير محقة، وهو المناط في نزع المالك ملكه من يده فيثبت في الوفائي ثبوته في البتي (٧) . والقاضي الأمير وإن كان من الرائين كون الوفاء رهنًا، وكلامنا على رأي من يراه مركبًا منه ومن البيع، إلا أنك عرفت أن من يرى التركيب فيه يراه في حق البائع رهنًا. ونحن نتكلم بالنسبة إليه حيث قلنا: له نزع متاعه من يد من ليس له يد محقة عليه.

стр. 10957

[وبعد هذا فعندي في نزع المالك هذه اليد إشكال قوي. وذلك أنه لا يكون إلا بالحكم، وهو يستدعي الخصومة لا محالة، وهي منتفية هنا. وذلك لأن ذا اليد لا يدعي في هذا البيع ملكًا لنفسه، وإنما يدعي فيه حقًّا بشرائه له وفاء من الغائب. وأطبقوا على أن من هو كذلك لا تسمع عليه دعوى [٣٧٨] حق ولا ملك. وإذا لم تسمع لا يتمكن المالك من إثباتها بالبينة لقيامها على غير خصم، ولئن اعترف له ذو اليد (١) ، وبيعه للغائب وفاء وأريد القضاء باعترافه لم يصح لما فيه من إبطال حق الغائب، لأنه لما قال: شريته وفاء من الغائب، فقد اعترف للغائب باليد، والأصل فيها كونها يد ملك. فقوله: إنها ليست بها وإنما يد الملك لهذا الحاضر، إقرار على الغائب. فكيف يصح؟ فتأمل] (٢) . فإن قلت هل لهذا المشتري [بالتولية] (٣) أن يطالب البائع الأول بالمال الذي قبضه من المشتري الأول ليأخذ منه ما دفعه هو لذلك المشتري من ثمن التولية؟ إما من حيث إن للمشتري الأول هاته المطالبة، وهو بالتولية قد قام مقامه وتنزل منزلته، أو من حيث إن الأول (٤) غريم للثاني، والثاني غريم له (٥) ، وغريم الغريم غريم. قلت: لا، إذ لا نسلم أن المشتري الأول، لو كان حاضرًا، له تلك المطالبة. لأن العقد قائم لم يفسخ بعد. (لا يصير مال الوفاء دينًا في ذمة البائع إلا بعد فسخ الوفاء) وما لم يفسخ لا يثبت مال الوفاء دينًا للمشتري بذمة البائع. وإنما يصير كذلك بعد الفسخ (٦) . (لا تصح الكفالة بمال الوفاء منجزة) ولهذا لا تصح الكفالة به منجزة، وإنما تصح مضافة إلى الوقت المذكور (٧) .

стр. 10958

وهذا أصل بينهم مقرر ولديهم مكرر. والفرض أن لا فسخ، فلا دين، فلا مطالبة. ولا يصح وقوع التفاسخ بين الأول والثالث إذ لا عقد بينهما حتى يفسخاه، ولا أن يفسخه الثاني نيابة عن الأول لفرض انتفائها، وبفرض تضمن التولية إنابته على الفسخ فقد علمت بطلان التولية، وببطلانها يبطل ما في ضمنها من توكيل إن كان. وأما حديث غريم الغريم غريم، فأولًا: حيث كان مال الوفاء ليس بدين قبل الفسخ فلا غريم ولا غريم غريم، وعلى التنزل لأنه دين قبله [٣٧٩] حتى تحقق الغريم وغريمه، فغريم الغريم عندنا إنما هو غريم لمن باشره بما هو سبب الدين، لا لمن باشر من باشره به (١) . ولهذا لو دفع غريم الغريم لدائن دائنه لم يرجع به على دائنه لأنه وإن قضى عنه دينه فقد قضاه بغير أمره وبغير (٢) ضرورة ألجأته إليه. ولا رجوع لقاضي الدين على المقضي عنه إلا بأحد هذين السببين. (دفع المالك مال التولية للثالث بلا إذن الثاني) وبهذا يعلم أنه لو دفع الأول للثالث مال وفائه عن الثاني ليأخذ المبيع من يده لم يرجع به عليه لانتفاء سببي الرجوع. أما انتفاء الأول فواضح، وأما انتفاء الثاني (٣) فلما مر من أن له نزعه (٤) من يده بلا شيء. وإذا كان كذلك كان مختارًا في الدفع. والمختار متبرع، والمتبرع لا رجوع له. وأما ما يصح من تصرفات المشتري فيه، فذلك زراعته وإجارته والانتفاع بثمرته. ولنورد لكل منها مبحثًا على حدة فنقول:

стр. 10959

المبحث الأول (زراعته الأرض) في زراعة المشتري وفاء الأرض التي عقد الوفاء عليها وتتعلق بها مسألتان كلتاهما فيما بعد التفاسخ في عقده. (الفسخ في الأرض زرع لمشتري الوفاء) أولاهما فيما إذا تفاسخا بعد الزراعة إلا أن الزرع لم يدرك بعد بل هو بقل. فهل يكلف المشتري قلعه من الأرض ليسلمها لربها، أم لا ويبقى فيها إلى إدراكه بأجر المثل للأرض؟ وثانيتهما فيما إذا تفاسخا قبل الزراعة بعدما كَرَب المشتري الأرض ليزرعها فمنعه البائع من زراعتها بعد الفسخ، فهل له أن يضمنه فيمة كرابه أم لا؟ أما الأولى، فمنهم من فصل بين كون الفسخ بطلب المشتري، فلا يبقى زرعه بل يقلع لأنه مختار [٣٨٠] في طلب الفسخ. إذ يمكنه تأخيره إلى وقت الإدراك. فلما لم يؤخره إليه، يكون راضيًا بالقلع. فلا ينظر له بالإبقاء. وهو لم ينظر لنفسه بتأخير طلبه. وبين كونه بطلب البائع فيبقى له لأنه مضطر في هذا الفسخ إذ لا يمكنه الامتناع منه، فلا يمكن جعله مع عدم الاختيار راضيًا بالفسخ، وليس في هذا الإبقاء كبير ضرر بالبائع لأنه لا يبقى في أرضه مجانًا بل بأجر المثل، فكان فيه (١) نظر للجانبين (٢) . ومنهم من أطلق القول بالإبقاء للإدراك، بأجر المثل في الصورتين (٣) ، ولم يجعل لطلبه الفسخ أثرًا في منع إبقاء زرعه، تنظيرًا بمسألة المزارعة التي أخر فيها المزارع الزراعة لآخر السنة حتى مضت مدتها والزرع بقل حيث حكموا بإبقاء زرعه بأجر المثل، ولم يأمروا بقلعه باعتبار جعله راضيًا به حيث أخر الزراعة اختيارًا (٤) . (إذا تفاسخا بعدما كرب المشتري الأرض) وأما الثانية فذكر في الفصول: (أنها واقعة الفتوى. وصورها فيما إذا أدى البائع مال الوفاء من غير طلب المشتري وقال: وعلي قياس مسألة المزارعة، يعني التي أخر فيها المزارع الزراعة لآخر السنة وأبقى له فيها زرعه بأجر المثل، ينبغي أن يجب (٥) . وهكذا أفتيت بأنه يجب) .

стр. 10960

وإنما لم أفهم كون قياس إبقاء الزرع بأجر المثل في تلك المسألة هو إيجاب قيمة الكراب في هذه، وأين وأين! وليس في مسألة المزارعة إلا عقد إجارة حكمية في الأرض لعذر دفع الضرر عن المشتري بقلع زرعه الذي كان أصل وضعه في أرض البائع بحق. وهذا ليس ببدع في الإجارة لأنها كما تفسخ بالعذر تعقد جبرًا به. وأما مسألة الكراب ففيها تقويم عمل المشتري [٣٨١] الذي عمله لنفسه على البائع من غير عقد ولا دلالة حال (١) . ومنعه من الزراعة بعد الفسخ منع بحق فلا يصلح سببًا للضمان. [وأيضًا فهذا ضمان منفعة والمنافع على أصلها لا تقوم لها حتى لا تضمن بالغصب. أفترى لا يضمنها الغاصب ويضمنها مالك الأرض! ولا يهولنك تصريح البزازي في فتاواه بالضمان، إذ قال: (كرب المشتري وفاء أرض الوفاء للزراعة وأدى البائع مال الوفاء وفسخ البيع، للمشتري أن يطالب من البائع أجرة الكرب إذا كان النقد بلا طلب المشتري) (٢) لأن ما ذكرناه وارد عليه وروده على صاحب الفصول] (٣) . فالذي يقتضيه النظر عدم إيجاب قيمة هذا الكراب على البائع للمشتري (٤) . نعم ينبغي أن يرضيه (٥) فيه بشيء. والله أعلم.

стр. 10961

المبحث الثاني في إجارته وتتعلق بها مسألتان أيضًا إحداهما مسألة إجارته لغير بائعه، وثانيتهما مسألة إجارته له. أما الأولى فلا كلام في كون الأجرة له لكونه العاقد، لأنه إذا كانت للغاصب لذلك فكيف لا تكون ههنا له كذلك) (١) ، ولا في حلها له على القول بالتركيب، إذ قد مر أنه يعتبر الوفاء عليه في حق المشتري بيعًا باتًّا، فيكون مؤجرًا لما ملكه بالبيع البات الصحيح. فكيف لا يحل له مع أنه ما اعتبر فيه هذا التكلف إلا ليحل انتفاع المشتري بالمبيع! (٢) . (التفاسخ فيما هو مستأجر قبل تمام مدة الإجارة) وإنما الكلام فيما أجره المشتري لمدة ثم تفاسخ مع البائع عقد الوفاء قبل تمامها. فهل يظهر هذا الفسخ في حق المستأجر حتى تنفسخ [٣٨٢] إجارته أيضًا تبعًا لانفساخ عقد الوفاء أم لا يظهر في حقه حتى يستمر على إجارته إلى تمام مدته؟. وملخص ما في العمادية (٣) هنا (فسخ عقد الوفاء الذي يتبعه فسخ عقد الإجارة وما لا يتبعه) أن فسخ عقد الوفاء تارة يكون من قبل المشتري بأن يكون هو الطالب له لرغبته في استرجاع الثمن، وأخرى من قبل البائع بأن يكون هو الطالب له رغبة في استرداد المبيع، فإن كان الأول فمدار ظهور الفسخ في حق المستأجر على ثبوت العذر للمشتري في فسخ الوفاء ثبوته في فسخ الإجارة ببيع المؤجر المستأجر من دين عليه لا وفاء له إلا من ثمنه. فإن ثبت ذلك (٤) في حق المشتري ظهر في حق المستأجر وانفسخت إجارته بفسخ الوفاء، وإن لم يثبت لم يظهر في حقه ولم تنفسخ إجارته بفسخه، بل اقتصر فسخه عليه في حق خصوص متعاقديه. ولا عبرة هنا لكون الإجارة كانت لمدة متعارفة أو غيرها، فتفسخ مع ثبوت الدين في المتعارفة ولا تفسخ مع انتفائه في غيرها؛ وإن كان الثاني فالأمر بالعكس، أعني أن مدار ظهوره في حقه على عدم تعارف المدة.

стр. 10962

فإن كانت لمدة غير متعارفة - قال العمادي: (كالعشر سنين) ، والظاهر أن غير المتعارفة عندنا ما زاد على السنة (١) في العقار (٢) وعلى الثلاث في الأراضي - ظهر الفسخ في حقه وانفسخت إجارته، وإن كانت لمتعارفه لم يظهر ولم تنفسخ إجارته بفسخه بل اقتصر الفسخ عليه (٣) . ولا عبرة هنا لدين على البائع، لا وفاء له إلا ببيع العين وخلاصه من ثمنها وعدمه، فتفسخ مع عدم التعارف ولا دين على البائع. ولا تفسخ [٣٨٣] مع التعارف وذلك الدين عليه. وهذا لأن فسخ الإجارة، بفسخ الوفاء في صورة كون فسخه من قبل المشتري، فسخ لها من أحد عاقديها، إذ هو المؤجر فيها. وفسخ الإجارة من أحد المتعاقدين لا يكون بعدم (٤) تعارف المدة، لكونه رضي بعقدها عليها، وإنما يكون بالعذر الذي لا يناسب هنا منه إلا ذلك الدين (٥) ، وفسخها (٦) بفسخه، في صورة كون فسخه من البائع، فسخ من غيرهما، إذ البائع (٧) أجنبي عن عقد الإجارة وعذر الدين كغيره (٨) مقصور فسخها به على كونه من أحد المتعاقدين. وإنما فسخت بعدم تعارف المدة دفعًا لفحش الضرر عن البائع (٩) لو أبقيت معه. ثم إذا فسخا الوفاء إما بطلب المشتري بلا دين عليه، أو بطلب البائع ومدة الإجارة متعارفة حتى لم تنفسخ، وكان للمستأجر إتمام مدتها، وكان البائع لم يدفع للمشتري ثمن الوفاء بعد، كان له (١٠) أن يمتنع من دفعه مع انفساخ الوفاء (١١) حتى يتمكن من قبض المبيع بانقضاء مدة الإجارة لقول العمادي: (التفصيل فيما إذا دفع الثمن ثم رام الاسترداد إلى تمام المدة) (إن له أن يمتنع من دفع الثمن حتى تنفسخ الإجارة [لأنه ليس بعذر] (١٢) . وقد علمت أن لا انفساخ ههنا إلا بتمام المدة، وأما إذا دفعه ثم أراد (١٣) استرداده إلى تمكنه من قبض المبيع فيظهر لي، وإن لم أر من تكلم فيه بشيء، أنه إن كان وقت الفسخ عالمًا بالإجارة وبما بقي من مدتها، وإن لم يعلم بالحكم الشرعي من أنه لا يتمكن من القبض إلا بعد تمامها، لم يكن له ذلك (١٤) ، لأنه وإن كان له الامتناع من الدفع إلى تمام المدة شرعًا، الذي معناه أنه مخير بين الدفع وعدمه فقد اختار [٣٨٤] أحد الجائزين له وهو الدفع، إذا دفع وهو مع ذلك عالم بما بقي من المدة، فلم يبق له عذر في الاسترداد، وجهله بأن له الامتناع شرعًا ليس بعذر لكونه جهلًا بحكم شرعي في دار الأحكام.

стр. 10963

وإن لم يكن عالمًا بذلك حين دفعه ينبغي أن يكون له أن يسترد، لأن من حجته أن يقول: لو علمت ببقائها ما دفعت. نعم إذا ادعى عليه المشتري العلم بما بقي من المدة حين دفعه ولا بينة له على دعواه، كان له استحلافه. وهذا كله - قلته - استظهارًا مني، فلينظر فيه وفي كل ما أستظهره، ولا يعتمد عليه. فإنه إذا كان صاحب الفصول كثيرًا ما يقول: وأجاب بعض من تصدر للفتوى في زماننا، وإن لم يعتمد جوابهم (١) فكيف يعتمد جواب أمثالنا! ثم إن جميع ما سبق إنما هو بالنظر لانفساخ الإجارة تبعًا لفسخ الوفاء وعدمه. (أجرة ما بعد الفسخ لمن تكون؟) وأما بالنسبة لأجرة المدة التي من وقت فسخ الوفاء إلى آخر وقت الإجارة لمن تكون؟ فهذه وإن كان ببادي الرأي يتوهم أن تكون للبائع إذ كانت أجرة المدة التي بعد الفسخ، فليس كذلك إذ اتفقت كلمتهم على أنها للمشتري، كأجرة المدة التي قبل الفسخ التي لا تردد في أنها له. فإذًا أجرة المدة كلها تكون للمشتري لأنه هو العاقد لهذه (٢) الإجارة، وأجرة عقدها لعاقدها إذا كان غصبًا، فكيف بهذا! فإن قلت: قول الفصول: (ولو مضى بعض المدة فجاء البائع بالثمن إلى المشتري يجبر المشتري على قبض الثمن والوفاء بما شرط (٣) ، ويجب الأجر بحساب ما مضى [من المدة] ) (٤) ، يعطي (٥) تقسيطها على المدة، كالغلة على ما سيجيء إن شاء الله تعالى فيها، حتى تكون [٣٨٥] أجرة ما قبل الفسخ للمشتري وما بعده للبائع، فينافي ما ذكرته من كون أجرة المدة كلها للمشتري.

стр. 10964

قلت: لا تنافي بينهما لأن ما ذكرته من كونها بتمامها للمشتري فيما إذا كانت الإجارة للأجنبي. وما ذكره من كون المشتري ليس له إلا أجرة ما قبل وقت الفسخ فيما إذا كانت الإجارة للبائع على القول بجوازها، لأنه بعد أن قال: وهذا يعني عدم جواز الإجارة من البائع على قول من قال بالفساد (١) ، وعلى قول من أجازه (٢) صح الإجارة من البائع وغيره، وتكون الأجرة له، وغلة الكرم على ما شرطا، ألصق به قوله: (ولو مضى بعض المدة إلى آخره) . فلا يشك أن معناه ولو مضى بعض المدة في صورة الإجارة للبائع المتكلم فيها. وإنما (٣) افترق الصورتان في هذا الحكم لأنه مما لا تشكيك فيه أن لزوم الأجر على المستأجر يدور مع عقد الإجارة، يثبت بقيامه وينتفي بفسخه. وعقدها هنا يدور مع عقد الوفاء كذلك، ضرورة أن المشتري لم تثبت له ولاية عقد الإجارة على المبيع للبائع أو لغيره إلا بسببه، وإلا فما له ولعقدها على ملك غيره؟ غير أن الوفاء في صورة عقد الإجارة مع الأجنبي، وإن انفسخ في حق البائع والمشتري - بفسخهما لولايتهما على أنفسهما - لا ينفسخ في حق المستأجر لعدم ولايتهما عليه، فيبقى قائمًا بالنسبة إليه كأن لم يطرقه فسخ. وبقيامه بالنظر إليه يبقى عقد إجارته على قيامه، وبقيامه تلزمه الأجرة، وإذا لزمته تكون لعاقد الإجارة على ما مر، ولا عاقد لها إلا المشتري، فتكون له لا محالة. وأما في صورة عقدها مع البائع، فلما انفسخ الوفاء بفسخهما انفسخت الإجارة في ضمنه لكون الحق لا يعدوهما، إذ كما أنهما عاقدا الوفاء هما عاقدا [٣٨٦] الإجارة، وإذا افنسخت إجارة البائع لم تبق أجرة حتى يقال لمن تكون؟ وليس معنى قول العمادي: (فيجب الأجر بحسب ما مضى) أن الماضي يكون للمشتري وما بعد الفسخ للبائع، إذ البائع هنا هو المستأجر الساكن، فلا معنى لإيجاب الأجر عليه لنفسه، وإنما معناه أن لا يجب للمشتري أجر المدة كلها نظرًا لأنه عقد الإجارة عليها حتى يأخذ من البائع أجر المدة اللاحقة كما أخذ منه أجر السابقة وإنما له أجر المدة الماضية فحسب.

стр. 10965

وأما الثانية وهي مسألة إجارته للبائع فلا يخفى أنها تصح على القول بأن الوفاء بيع صحيح بات لخروج المبيع به عن ملك البائع فلا يلزم محذور أنه استأجر ملك نفسه لأنه حينئذ استأجر ملك غيره وهو المشتري لدخوله في ملكه، ولا تصح على كل واحد من الأقوال الأربعة الباقية لعدم خروج المبيع عن ملكه في جميعها: أما على القول بأنه رهن فواضح. وأما على القول بأنه بيع فاسد فلتعلق حقه بفسخه، ولهذا لا تثبت فيه شفعة حتى يلزم، فتحقق ما يقطع حق مالكه عنه، لأن ثبوتها منوط بخروج المبيع عن ملك البائع، يثبت بثبوته وينتفي بانتفائه. وأيضًا فقالوا: إن رده على المالك مستحق له شرعًا رفعًا للفساد. والرد المستحق بجهة إذا وقع على غيرها لا يقع إلا عنها، فلا يقع رده عليه بجهة الإجارة حتى يقال بصحتها (١) . وهكذا يقال فيه على القول بأنه بيع جائز غير لازم للزوم الوفاء بوعد الرد، لأن لزوم الوفاء به يستلزم وجوب رده على مالكه فيكون مستحقًّا له على المشتري، فلا يقع إلا على ذلك الوجه. وأما على القول بالتركيب [٣٨٧] فلأنه سبق أن قائله يعتبره في حق البائع رهنًا، (عدم صحة الإجارة للبائع على القول بالتركيب أيضًا) والكلام هنا في حقه، وهو أنه هل يصح استئجاره حتى تلزمه الأجرة أم لا؟ ومتى اعتبره رهنًا في حقه لزم أن يقول بعدم صحة استئجاره، إذ لا يصح استئجار الراهن الرهن من المرتهن؛ وكونه يعتبره في حق المشتري بيعًا باتًّا وإن اقتضى جواز إيجاره والانتفاع بأجرته فإنما يقتضي جواز إيجاره إيجارًا صحيحًا، وهذا فاسد لوجود المنافي له، وهو كونه مملوكًا لهذا المستأجر. فيكون مستأجرًا ملك نفسه. فلا تكون من مقتضياته (٢) كغيره من الإجارات الفاسدة. وجواز إجارته للأجنبي كاف في تحقق جواز إيجاره للمشتري وانتفاعه بأجرته؛ ولو كان القائل بالتركيب يقول بجواز إجارته للبائع لكان قائلًا باعتباره بيعًا في حق البائع أيضًا، وهو لا يقول به (٣) .

стр. 10966

فإن قلت: هذا معارض بأنه لو كان يقول بعدم جوازها لكان قائلًا باعتباره رهنًا في حق المشتري أيضًا، وهو لا يقول به. قلت: لا ضير في ذلك، إذ لا كلام في أن الأصل في هذا العقد كونه رهنًا في حق الكل، (اعتبار بيع الوفاء في حق المشتري على خلاف الأصل بيعًا لضرورة تحليل الانتفاع) وما اعتبر في حق المشتري بيعًا على خلاف الأصل إلا لضرورة تحليل منافعه له. والثابت بالضرورة يتقدر بقدر ما تندفع الضرورة به، وهي تندفع بتجويز إجارته من الأجنبي، ولا يتوقف اندفاعها على تعميم الجواز في الإجارة من كل أحد، فلا يثبت هذا التعميم بلا ضرورة إليه، إذ لو ثبت بدونها ما صدق أنه ثبت للضرورة. وهذا كما قالوه في المقتضى: إنه لثبوته للضرورة (١) لا عموم له، مع أنه قد تعارض هنا جهتا الحظر والإباحة، لأنه إن نظر في هذا الاستئجار لجانب المشتري من كونه بيعًا بالنظر إليه اقتضى إباحته، وإن لوحظت فيه جهة البائع وهي كونه رهنًا بالنسبة إليه [٣٨٨] اقتضى حظره. والعقد الواحد لا يمكن اتصافه بالضدين (٢) ، والمعروف في مثله تقديم جهة الحظر على الإباحة. وهذا ظاهر جدًّا. ولعلهم اكتفوا بظهور المنع فيه عن أن يبينوه كما بينوه (٣) على غير هذا القول مما عدا القول بأنه بيع بات. وليس في تقريرهم مذهب التركيب بقولهم يعتبر بيعًا في حق المشتري حتى ينتفع به كسائر أملاكه، وقولهم إنه صحيح في بعض الأحكام كحل الإنزال (٤) ومنافع البيع، ولا في قولهم: وعلى قول من أجازه صح الإجارة من البائع وغيره، ما (٥) يفيد صحة الاستئجار من البائع على ذلك القول (٦) .

стр. 10967

أما الأول والثاني فلأن المراد حيث يمكن ذلك، وقد عرفت عدم إمكان انتفاع المستأجر بهذا الاستئجار لعدم صحته بوجود ما ينافيها من كون المستأجر ملك المستأجر. وأما الثالث فلأن القائل بالتركيب، ليس ممن أجازه، إذ المتبادر من هذا اللفظ من قال بجوازه مطلقًا في حق كل من البائع والمشتري في جميع الأحكام، والقائل بالتركيب لم يقل به كذلك، وإنما قال به مقيدًا بكونه في حق المشتري خاصة، و [مع ذلك] (١) لم يعممه بالنسبة إليه في جميع الأحكام، بل خصه ببعضها. (لا يجوز بيع الوفاء بيع وفاء ولا رهنه ولا إيداعه) ألا ترى أنه لا يجوز له بيعه لا باتًّا ولا وفاء ولا رهنه ولا إيداعه، مع أن ذلك كله مما ينتفع به في سائر أملاكه. فظهر من هذا ظهورًا لا تحوم حوله شائبة احتمال أن لا يصح إيجار المبيع وفاء من بائعه على ما عدا القول بأنه بيع بات من سائر الأقوال. (للبائع أن يحسب ما دفعه للمشتري من أجر كراء ملكه من مال الوفاء) وحينئذ فللبائع أن يحسب ما دفعه للمشتري من الأجر من مال الوفاء بلا إشكال. واعلم أنه قد يعز على البائع الخروج من داره التي باعها وفاء، والمشتري [٣٨٩] لا يرضى إلا بأن يؤجرها لينتفع بأجرتها (٢) ، واشتهر أن إيجارها من البائع غير صحيح وأخذ الأجرة منه لا يحل (٣) ، (حيلة توسط أجنبي بين المشتري والبائع في الإجارة) فيتحيلان لوجه يجمع بين حل أخذ المشتري لأجرتها وسكنى البائع بداره، وهو أن يؤجرها المشتري الأجنبي ويؤجرها ذلك الأجنبي للبائع في هذه الحيلة جرى على غير الصحيح في مسألتين: إحداهما إجارة العقار قبل قبضه، وقد قيل هو على الحظر الجاري في بيعه قبل قبضه، وقد قيل إنه لا يجوز بلا خلاف وهو الصحيح - وهذا قياسًا كما قاله الأتقاني وهو قول محمد وزفر والشافعي، وأجازه الإمامان أبو حنيفة وأبو يوسف استحسانًا - وذكره الزيلعي في فصل التصرف في المبيع والثمن قبل القبض. انظر الزيلعي. حاشية شلبي: ٤/٧٩ - ٨٠؛ والثانية الإجارة من المالك بتوسط ثالث وهو غير جائز أيضًا على الصحيح المفتى به كما في البزازية - ذكر الجواز أبو علي النسفي عن أستاذه. وقال الحلواني: وروي عن محمد أن الإجارة من المالك لا تجوز مطلقًا تخلل الثالث أولًا وبه عامة المشائخ وهو الصحيح وعليه الفتوى. البزازية الهندية: ٥/٢٠ - إلا أن يقال ارتكب الضعيف في خصوص هذا المقام للضرورة وشدة الحاجة إلى ذلك. وقد ذكر الشيخ هذا لأن احتياج الناس للشيء وتعاملهم به أصلان كبيران في المذهب. محمد ابن الخوجة الأكبر. ج، ر. .

стр. 10968

ثم تارة يدفع البائع الأجرة للأجنبي وهو يدفعها للمشتري، وأخرى يدفعها له البائع مباشرة على معنى دفعه عن الأجنبي. والتحيل على هذا الوجه عندنا سائغ، ومثله في كتبنا شائع، لأنه تحيل على التخلص من الحرام. وفيه (١) قال في حيل الهندية: (مذهب علمائنا فيه أنه حسن) (٢) . وكون عقد الإجارة مع الأجنبي لم يقصد لذاته، وإنما جعل وسيلة للتوصل لأخذ الأجرة من البائع لا يضر في شيء، لأن شأن الحيلة أن تجعل لاستحلال وسيلة. وعقد الوفاء نفسه ما كان مقصودًا به سوى التوصل لحلية ربح القرض.

стр. 10969

(الإجارة المرسومة بسمرقند) وهكذا الإجارة المرسومة بسمرقند (١) ، وهي أن يؤجر المستقرض المقرض على حفظ سكين له ونحوه مشاهرة بالقدر الذي يريد المقرض أن يجعله ربحًا على قرضه. ولها في الفصول فصل حافل (٢) . ولو توقف جواز الحيلة على قصدها بذاتها لم تتحقق حيلة أصلًا، (دعوى البائع أن الإجارة للأجنبي تلجئة) وحينئذ فدعوى بعض البائعين على المشتري: أن عقد الإجارة مع الأجنبي تلجئة (٣) ، لم يكن الغرض منه إلا التحيل لاستحلال أخذ الأجرة مني وأنا لم أزل ساكنًا بداري دافعًا للأجرة من مالي، غير مسموعة حتى لا تقبل منه فيها بينة ولا تتوجه له بها على المشتري يمين لأنه لو أقر بها لا يلزمه بها شيء. من لا يلزمه شيء مع الإقرار لا تتوجه إليه يمين مع الإنكار ومن لا يلزمه شيء مع الإقرار لا تتوجه عليه اليمين بالإنكار. ففي البزازية من كتاب الشفعة عند كلامه [٣٩٠] على بعض حيلها، فلو أراد (الشفيع) أن يحلفه بالله ما أردت (أي بالحيلة التي صنعت) إبطال شفعتي لم يكن له ذلك، لأنه لو أقر به لا يلزمه (شيء) (٤) . على أن الجمع بين دعوى التلجئة في الإجارة للأجنبي ودعوى أن المقصود بها التحيل على استحلال أخذ الأجرة من البائع جمع بين متنافيين لاقتضاء كون القصد به ذلك التحيل أنه جدُّ، إذ لا يحصل المقصود من التحيل به للحل إلا بكونه كذلك. واقتضاء كونه تلجئة أنه هزل إذ التلجئة والهزل واحد لا يفيد كلاهما للعقد سوى الوجود اللفظي، وذلك مما لا عبرة به ولا يحصل المراد من الحل بسببه لأنه حينئذ وإن كان موجودًا حسًّا فهو معدوم شرعًا وهو كالمعدوم حسًّا.

стр. 10970

فالإقرار بأنه قصد به التحيل على الحل إقرار بنفي التلجئة عنه والجمع بينهما من الجهل بمعناها. ولا غرابة في جهل العامة به فإنه مما يخفى على بعض الخواص فكيف بالعوام! ويدل لما ذكرناه، من كون قصد التوصل به للحل ينافي دعوى التلجئة فيه، ما نقله صاحب الخانية عن بعضهم ولم يتعقبه أثناء كلامه على حيلة عقد الإجارة على الأرض التي بها زرع المؤجر أو شجره، (وهي أن يبيعهما أولًّا للمستأجر لها ثم يؤجره الأرض ثانيًا (١) ، فيجوز لأنها بعد هذا البيع وإن كانت مشغولة لكن بما هو ملك المستأجر وهو لا يضر، إنما المضر أن تكون مشغولة بملك الآجر) بعد ذكره قدح من قدح فيها (٢) بأن ذلك البيع ليس ببيع رغبة بل هو في معنى التلجئة، وهو لا يزيل المبيع عن ملك البائع، وببقاء الزرع والشجر على ملكه [٣٩١] تكون الأرض مشغولة بملك المؤجر فلا تجوز إجارتها. فلا فائدة لهاته الحيلة إذ لم تكن لجواز استئجار الأرض وسيلة من قوله (٣) وهو موضع الاستشهاد به. قال بعضهم: (ليس هذا ببيع تلجئة بل بيع رغبة لأنهما لما قصدا بهذا البيع تصحيح الإجارة، ولا صحة لها مع بيع التلجئة، فقد قصدا بيع الرغبة) (٤) وهكذا ههنا نقول إنهما لما قصدا بالإجارة للأجنبي حلِّية أخذ الأجرة ولا حلية لها مع كونها تلجئة فقد قصدا إجارة الرغبة. نعم إذا قصدا بالإجارة للأجنبي مجرد إظهارها للناس حتى لا يسمونهما بوصمة سوء المعاملة، وتكون الإجارة له ليست إلا اسمًا، وأنها بعينها للبائع مسمى، كان عقدها مع الأجنبي تلجئة. فإذا ادعى البائع أنها كانت كذلك وفسرها على هذا الوجه كانت دعواه مسموعة فقبلت منه البينة بها وتوجهت له اليمين على المشتري عليها. قال البزازي في التحيل على إسقاط الشفعة يعقد البيع عقدين: (أولهما على جزء قليل بثمن كثير، والثاني بالعكس (٥) . ولو حلفه على أن أولهما لم يكن تلجئة، له ذلك لأنه ادعى عليه معنى (٦) لو أقر به لزمه) (٧) .

стр. 10971

المبحث الثالث في الانتفاع بثمرته اعلم أن ثمرة المبيع وفاء إما أن تكون موجودة على رؤوس الأشجار وقت عقده أو تكون قد حدثت بعده. (الثمرة موجودة مسكوت عنها) وعلى الأول فإما أن يسكت عنها عند التعاقد أو (الثمرة موجودة مشروطة للمشتري) تشترط للمشتري حينئذ. [فهذه ثلاث صور] (١) : فأما في الأولى فإنها تكون للبائع، لأنها إذا كانت له في تلك الصورة في البات فما ظنك بالجائز. وأما في الثانية والثالثة فتكون للمشتري غير أنها تكون له في [٣٩٢] الثالثة مجانًا بحيث لا يسقط عند فسخ الوفاء من ماله في مقابلتها شيء، لأنها نزل مبيعه الوفائي. وقد تقرر في القول بالتركيب، الذي هو المختار، أن الوفاء يعتبر في حق المشتري باتًّا بالنسبة لملك النزل وحله، فيكون حينئذ مستهلكًا لما حدث نموه فيما ملكه بالبيع البات حكمًا، فأنى يضمنه؟ ولو كان يضمنه لبطلت فائدة الوفاء. (الاتفاق على أن الثمرة المشروطة للمشتري مضمونة عليه) وأما الثانية فاتفقت كلمتهم على أنها عند الفسخ مضمونة عليه. وإنما اختلفوا في أنها بماذا تضمن بناء على اختلافهم في البيع المنعقد عليها باشتراطها للمشتري بعد اتفاقهم على أنه بيع بات (٢) أهو فاسد أم صحيح؟ فمن قال بالأول قال تضمن بجميع قيمتها بالغة ما بلغت على قاعدة المبيع في البيع الفاسد إذا هلك عند المشتري (٣) ، ومن قال بالثاني قال: تضمن بحصتها من ثمن الوفاء كما ذكر ذلك صاحب الفصول معللًا الفساد بأنه صفقة في صفقة (٤) .

стр. 10972

وتحقيق ذلك أن هذا العقد وإن اتحد ظاهرًا فقد تعدد باطنًا لأنه عقدان: عقد على الشجر وهو بيع وفاء، وعقد على الثمر وهو بيع بات، وإنما لم يجعل وفاء أيضًا حتى يكون الكل معقودًا عليه عقد واحد وفائي، مع أن هذا هو المتبادر فيه، لأن الثمر لكونه من المنقول الذي لا ينتفع به إلا باستهلاك عينه لا يصح فيه عقد وفاء على ما مر. وإذا انتفى كونه تعين أنه بات. وسبب الاختلاف بعد ذلك في صحته وفساده الاختلاف في أنه من (باب الصفقة في الصفقة التي هي مفسدة) باب الصفقة في الصفقة والمراد منها بيع البيعتين في بيعة. وهي من البيوع المنهي عنها. وفي ذلك ثلاث روايات: الأولى حديث أبي هريرة وعبد الله بن عمر: (نهى النبي ﷺ عن بيعتين في بيعة) . الأول أخرجه أحمد: ٢/٤٣٢؛ والثاني رواه الترمذي: ٣/٥٣٣، وكذلك حديث عبد الله بن عمرو بن العاص: (نهى النبي ﷺ عن بيعتين في بيعة وعن ربح ما لم يضمن) . أخرجه أحمد: ٢/١٧٤ - ١٧٥؛ والرواية الثانية حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ : "من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما أو الربا". ذكره الشوكاني وقال في إسناده محمد بن عمرو بن علقمة. نيل الأوطار: ٥/١٧٢؛ والرواية الثالثة حديث ابن مسعود: (نهى النبي ﷺ عن صفقتين في صفقة) . أخرجه أحمد: ١/٣٩٨، (ولا تحل الصفقتان في صفقة) . رواه الطبراني في الأوسط، وذكره الزيلعي في نصب الراية: ٤/٢٠، (والصفقة في الصفقتين ربا) . أخرجه العقيلي وذكره الزيلعي: ٤/٢٠. التي هي من المفسدات أم لا. وسبب هذا الاختلاف ما في الوفاء من معنى الرهن ومعنى [٣٩٣] البيع وعدم تمحضه لواحد منهما. وذلك أن اشتراط العقد على أحد الشيئين في العقد على الآخر إن كانا من نوعين مختلفين كاشتراط بيع في إجارة أو العكس فهو من باب الصفقة في الصفقة، وإن كانا من نوع واحد وكان أحدهما من توابع الآخر كالثمر للشجر لم يكن من بابها. ولهذا صح اشتراط الثمر في البيع البات للمشتري وكان البيع في الكل صحيحًا.

стр. 10973

ولما تجاذب في الوفاء الرهن والبيع جاء الخلاف، إذ من لاحظ فيه جهة الرهن، وهو من غير نوع البيع، رأى أن اشتراط بيع الثمر في بيع الشجر من باب الصفقة في الصفقة لأنه اشتراط للبيع في الرهن [والرهن في البيع، ومن الثاني جاء الفساد لبيع الثمرة] (١) ، ومن نظر فيه لمعنى البيع لم يره من بابها فكان البيع فيه، مع بتاته، صحيحًا. ومعنى كون الثمرة على هذا مضمونة بحصتها من الثمن سقوط تلك الحصة عن البائع من ثمن الوفاء. وذلك إنما يظهر بالتقويم، بأن يقوم الشجر بالثمر وبدونه، وينظر لما بينهما من النسبة، ويقسم الثمن بين الشجر والثمر على تلك النسبة. فحصة الثمر تسقط لأنها ثمن مبيع بات قبضه المشتري واستهلكه عن غير فسخ فيه، فلا وجه لرد ثمنه. وحصة الشجر لا تسقط بل ترد لأنها ثمن وفاء فسخ ورد مثمنه وهو الشجر، فلا بد من رده. وهذا وحده هو ثمن الوفاء في الحقيقة وإن كان يتراءى أن جميع ما دفعه المشتري ثمنه، مثلًا لو كان قيمة الشجر مع الثمر ألفا وبدونه تسعمائة كانت نسبة قيمة الثمر من مجموع القيمتين العُشر وهو مائة، ونسبة قيمة الشجر منه تسعة أعشاره وهو تسعمائة. [٣٩٤] فلو كان المدفوع أولًا من المشتري خمسمائة يقسم هذا على عشرة فيكون عشرها وهو خمسون هو حصة الثمر من الخمسمائة فتسقط عن البائع، وتسعة أعشارها وهي أربعمائة وخمسون هي حصة الشجر فيردها البائع للمشتري لأنها هي ثمن الوفاء. وعلى القول بالفساد في بيع الثمرة وأنها مضمونة بجميع قيمتها يسقط عن البائع مائة إذ هي قيمة الثمرة ولا يرد للمشتري سوى أربعمائة. فإن قلت: غرض المشتري من اشتراط الثمرة لنفسه أن تسلم له مجانًا كما يسلم له الحادث بعد العقد كذلك، والكل نزل المبيع وفاء المعتبر بيعه في حق المشتري باتًّا، ليحل له فيما افترقا حتى ضمن القديم لا الحادث. قلت: بحدوث الحادث على ملكه الوفائي دون القديم، واعتباره بيعًا باتًّا في حق المشتري، إنما هو في خصوص الحادث لا مطلقًا، وإلا لما توقف كون القديم للمشتري على اشتراطه كما لا يتوقف الحادث عليه. فإن قلت: لِمَ اعتبر العقد على القديم بيعًا صحيحًا أو فاسدًا حتى كان مضمونًا بأحد الضمانين؟ (هبة الثمر على شجر الوفاء) وهلًّا اعتبر هبة حتى لا يضمن كما هو غرض المتعاقدين؟

стр. 10974

قلت: لأن هذا الاعتبار لا يفيد نفي الضمان إذ هو ثابت عليه أيضًا، لأن الهبة حينئذ تكون هبة الثمر بدون الشجر. وهي من نوع الهبة الفاسدة. فإن قلت: أنَّى يضر اتصال الثمر الموهوب بالشجر وهو للموهوب له لا الواهب؟ قلت: بل هو للواهب لأن العقد الذي انعقد عليه عقد وفاء لا بتات (١) ، وهذا على سبيل التنزل لتسليم وجود الهبة [٣٩٥] وإلَّا فلا تحقق لها أصلًا على ما لا يخفى. (حكم الزرع والثمر واحد) واعلم أن الزرع القائم في الأرض وقت عقد الوفاء عليها يجري مجرى الثمرة الموجودة وقت عقده على الشجر في جميع ما ذكرناه فيها. وإذ قد عرفت أن الثمرة الحادثة بعد عقد الوفاء تسلم للمشتري مجانًا فهاهنا مسألتان لا بد من الكلام عليهما: (طلب المشتري الفسخ ليأخذ الثمن بعد أخذه الغلة) أولاهما إذا أخذ المشتري الغلة الحادثة أكلًا أو بيعًا ثم طلب فسخ الوفاء واسترداد الثمن، فهل يجاب لذلك مطلقًا متى طلبه أو مقيدًا؟ وعليه فبماذا قيدوه؟ (إذا تفاسخا قبل أخذ الغلة، الغلة تكون لمن) وثانيتهما إذا تفاسخا قبل أخذ المشتري الغلة، فهل تكون كلها له أو للبائع أو تقسط بينهما؟ وعلى التقسيط فهل ثمة (٢) فرق بين الثمرة الموجودة وقت الفسخ والحادثة بعده أم لا فرق بينهما؟ (صحة شرح الفسخ قبل السنة) أما الأولى فجوابها أن إجابته مقيدة بأحد أمرين: إما بمضي سنة من وقت العقد، أو بكونه شرط في ابتداء العقد على البائع أنه متى رفع الغلة فسخ العقد وطالبه بالثمن. أما بدون الشرط وعدم مضي السنة فلا يجاب. نص على الأول (٣) في الفصول نقلًا عن فتاوى خواهر زادة (٤) ، وقال (٥) : (إلا إذا أراد (٦) أن يأخذ منه (٧) نصيب ما مضى ويترك عليه نصيب ما بقي من المدة الآن له ذلك) (٨) أي إلا إذا لم يطلب جميع مال الوفاء الآن، وإنما طلب قسط المدة الماضية (٩) منه كما إذا مضى ثلثا السنة فطلب ثلثي مال الوفاء وترك طلب الثلث الباقي لمضيها ولم يرد (١٠) تركه على البائع رأسًا، فله ذلك وليس للبائع أن يقول له لا أعطيك شيئًا من الثمن حتى تمضي السنة. وهذا تقسيط لمال الوفاء على السنة، وهو عزيز في كلامهم، فليتنبه له.

стр. 10975

ونص [٣٩٦] على الثاني (١) في البزازية نقلًا عن الديناري (٢) ، وهذا كله في كون الطلب من المشتري بعد رفعه الغلة. وبقيت ثلاث صور: صورة ما إذا كان طلبه (٣) منه (٤) قبل رفعها، وصورتا كون الطلب من البائع بعد رفع المشتري الغلة (٥) وقبله (٦) . فأما الأولى فذكر في الفصول: أنه لا إشكال في أن له ذلك حيث أراد عدم أخذ الغلة وتركها على البائع (٧) . وأما الثانية فواضح أن ليس للمشتري وجه في عدم مساعدته على الفسخ بعد أخذه الغلة ورضا البائع بتعجيل أداء الثمن إليه قبل مضي السنة وتركه حقه في تأخير دفعه لمضيها. (طلب البائع الفسخ قبل أخذ المشتري الغلة) وأما الثالثة (٨) ففيها تفصيل آخر، وهو أن طلبه إما أن يكون قبل مضي شهر من وقت العقد أو بعده، فإن كان الأول كان له الفسخ، قال في البزازية نقلًا عن الديناري (لأن الفسخ قبل مضي الشهر كالفسخ متصلًا بالبيع) (٩) ، يعني والفسخ متصلًا به يجوز له لعدم لزوم العقد. ولا عبرة بكون المشتري لم يأخذ شيئًا من الغلة لعدم ضرر عليه في ذلك بعود ماله إليه في الحال من غير أن ينتفع به البائع بحال. فكذا فيما هو بمنزلته وهو ما دون الشهر لأنه قريب على ما ذكره في كتاب الأيمان: فيما إذا حلف ليقضينه دينه إلى قريب، من أن القريب ما دونه (١٠) ، وإن كان الثاني لم يكن له ذلك كما نقله في البزازية عن المذكور أيضًا، وعلله بقوله: (لأنا نعلم أن قصد المشتري (١١) أخذ الأنزال) (١٢) ، يعني وفي الفسخ قبل أخذه إبطال لمقصوده مع انتفاع المشتري (١٣) بماله مدة بعيدة إذا كانت شهرًا، وذلك إضرار به. وهذا العقد للنظر ولا نظر له في هذا.

стр. 10976

فإن قلت: [٣٩٧] ينافي هذه التقييدات في طلب أحد المتعاقدين الفسخ إطلاق صاحب الفصول القول (١) بإجابة طالب الفسخ أيًّا كان، أيَّ وقت كان، إذ قال: ولو أراد المشتري نقض البيع واسترداد الثمن كان له ذلك في كل حال لأن العقد غير لازم، ولكل واحد منهما حق النقض والفسخ) (٢) . قلت: لا منافاة بينهما لأن تلك التقييدات في مسألة الغلة كما سمعت، وذلك الإطلاق في مسألة الإجارة لخصوص البائع حسبما يعلم من الوقوف على كلام الفصول. وأما الثانية (٣) فإما أن الغلة للمشتري أو للبائع أو تقسط بينهما، فجوابه أنها تقسط (٤) بينهما (مبدأ السنة الموزعة عليها الغلة هو وقت عقد الوفاء) وذلك بأن تقسم على اثني عشر جزءًا عدد شهور السنة معتبرًا بدؤها من وقت عقد الوفاء على ما يشير إليه ما في فتاوى خواهر زادة على ما في الفصول من قوله: (حتى تتم السنة من وقت البيع) (٥) ، وينظر لما بين يوم العقد ويوم الفسخ من الشهور كم هو؟ ولما أصاب كل شهر من الغلة المقسومة فيكون ما يوازي تلك المدة للمشتري، ولما بين يوم الفسخ وآخر السنة فيكون ما يوازيه للبائع. وظاهر قولهم تقسم الغلة على اثني عشر جزءًا أن المقسوم هو الغلة نفسها حتى تكون مشتركة شركة ملك بين البائع والمشتري فَتُجَذُّ وتقسم عينها بالفعل أو تباع ويقسم ثمنها. لكن أفصح في الفصول في موضع آخر (المقسم على السنة قيمة الغلة لا عينها) بأن المقسوم قيمتها لا هي حيث قال: (ولو اشترى (٦) كرمًا على (٧) أن يكون له من الثمرة قدر النصف أو الثلث فأراد نقض البيع قبل إدراك الثمر، إن خرجت (٨) الثمرة وكانت (٩) لها قيمة توزع قيمة الثمرة على ما مضى من المدة، و [على] ما بقي فبقدر ما مضى يجب على البائع أن يدفع قيمته [٣٩٨] (١٠) للمشتري) (١١) ، فصرح بأن المقسوم قيمة الغلة، (البائع يضمن للمشتري قدر حصته من قيمة الغلة دراهم) وأن البائع يضمن للمشتري حصته دراهم، وتبقى الغلة كلها ملكًا للبائع، حصته بالأصالة وحصة المشتري بالضمان، يصنع بها ما شاء. وهذا مفسر فيكون قاضيًا على قولهم: تقسم الغلة، لأنه نص، والمفسر مقدم على النص عند التعارض على ما تقرر في الأصول.

стр. 10977

وهذا لاحتمال مجاز الحذف فيه أي قيمة الغلة على حد ما قالوه في حديث المستحاضة (١) : إن رواية (تتوضأ لوقت كل صلاة) مفسرة، فتكون قاضية على رواية (تتوضأ لكل صلاة) وهي نص لاحتمال مجاز الحذف فيها أي لوقت كل صلاة. واعلم أن كون المقسوم هو قيمة الغلة لا عينها مع كون المفسر يعطيه، فالوجه يقتضيه. وذلك لأنه لو كان المقسوم نفس الغلة لتضرر البائع بذلك سواء قلنا تجذ يوم الفسخ فتقسم، أو تؤخر لوقت الطيب. أما الأول فلأنه لا يمكن ذلك إلا بجذ الكل قبل الطيب فيتضرر البائع في نصيبه. وأما الثاني فللزوم بقاء نصيب المشتري على شجر البائع وتربيته له إلى وقت الطيب. ويستفاد من قوله توزع قيمة الثمرة على ما مضى من المدة وما بقي، أن مبدأ المدة الموزع عليها هو وقت العقد، إذ أي مدة هنا سوى مدة الوفاء التي مبدؤها ما ذكر. وأما أنه هل ثم فرق في التوزيع بين الثمرة الموجودة وقت الفسخ والمعدومة أم لا؟ فهذا قد اختلف فيه شيخا الإسلام علاء الدين السمرقندي (٢) وصاحب الهداية. (الخلاف في جريان التوزيع في الغلة المعدومة وقت الفسخ) ذهب الأول إلى الفرق بين الغلتين فأثبت التوزيع للموجودة ونفاه عن المعدومة فخصها بالبائع ولم يجعل فيها للمشتري شيئًا قائلًا: (إذا لم تظهر الغلة ففي أي شيء يبقى حقه) [٣٩٩] (٣) .

стр. 10978

وذهب الثاني وتبعه أولاده إلى التسوية بينهما في التوزيع، وأن للمشتري حصة من الثمرة خرجت أم لم تخرج قائلًا: [وطريقه أن يبقى العقد (في قدره) ] (١) ، يعني بفرض بقاء العقد، وأنه لم يفسخ في قدر الوقت الذي تخرج فيه الغلة وتصير لها قيمة، فعند ذلك يعتبر وجود الفسخ كأنه إنما وقع حينئذ، ويجعل من وقت العقد إليه هو الوقت الذي يأخذ المشتري قسطه من الغلة. ثم قال: (فلا يتفاوت بين ما إذا ظهرت الغلة وبين ما إذا لم تظهر، لأنا لو فصلنا الجواب يؤدي إلى الضرر بالشراة (٢) لأنه لو اشترى في الخريف ويقضي [البائع] الثمن في الربيع يفوت حقه أصلًا. وفيما قلنا دفع الضرر فيصار إليه) (٣) . فهذا ما نقله في العمادية. وزاد في البزازية: (قيل له: بعد أداء كل الدين كيف يبقى العقد؟ قال بقدر ما أبقينا العقد يكون الدين المؤدى دينًا للبائع على المشتري. فإذا رفع النزل يجعل قصاصًا) (٤) . ومعناه أن السائل قال له ما ذكرته من فرض العقد قائمًا لم يفسخ إلى وقت أن تصير للغلة قيمة يمكن ادعاؤه فيما إذا لم يؤد البائع الثمن للمشتري، أما بعد أدائه له بتمامه وسقوط الدين الذي كان للمشتري عليه بالمقاصة بالدين الذي وجب للبائع على المشتري بالدفع على ما هو معنى كون الديون تقضى بأمثالها لا بأعيانها فلا. وأجاب عن هذا بأنا نعتبر الدين الذي وجب للبائع على المشتري قائمًا لم تقع به مقاصة ما دام المشتري لم يأخذ حصته من الغلة. فإذا أخذها تقع المقاصة حينئذ فيسقط الدين إذ ذاك لا قبله. وإذا كان الدين قبل أخذ حصة الغلة قائمًا يكون العقد [٤٠٠] مفروض البقاء مع قيام الدين لا مع سقوطه.

стр. 10979

ثم قال البزازي: (قيل: كيف يبقى العقد في الثمار المعدومة؟ قال: يبقى في الأصل لا في النزل) (١) . ومعناه أنه أورد على صاحب الهداية ثانيًا كيف يصح اعتبار العقد باقيًا لم يفسخ في الثمار مع أنها معدومة إذ ذاك؟ وأجاب بأنا لا نسلم أنه يعتبر باقيًا فيها حتى يلزم اعتبار بقائه في معدوم بل نعتبر بقاءه في أصلها الذي هو الشجر وهو موجود. وهذا لأن بقاء العقد إنما يعتبر بعد الفسخ فيما كان فيه قبله، وهو إنما كان في الأصل فيعتبر بقاؤه فيه، وإذا اعتبر باقيًا فيه والنزل نماؤه ونماء المبيع وفاء المتولد بعد العقد للمشتري، فيستحق فيه إلى وقت الفسخ ووقته حينئذ هو وقت الرفع إذ فرض باقيًا إليه. ثم قال البزازي: (قيل وإن كان المشتري استوفى ثمار سنين سلفت) يعني تعتبر بقاء العقد حتى في هذه الصورة مع أنه يتبادر أن هذا التكلف إنما يعتبر فيما إذا لم يأخذ المشتري غلة أصلًا بأن كان الفسخ في السنة الأولى. (قال نعم) (٢) يعتبر ولو فيها، لأن أخذه غلات سنين سلفت لا يمنعه من أخذ ما ينوبه من غلة سنة أدرك جزءًا منها قبل الفسخ. (رجحان القول بتوزيع الغلة المعدومة وقت الفسخ) وقد ظهر لك رجحان ما ذهب إليه صاحب الهداية على مقابله لتوجيهه وتقدم قائله. فإنه الإمام الذي يقال فيه إذا قالت حذام. ولا يخفى أن هذا تحويم منه على رد صورة الفسخ عند عدم الغلة لصورته عند وجودها ليثبت فيها ما ثبت في الأخرى من التقسيط، لأنه إذا فرض بقاء العقد إلى وقت أن تصير للغلة قيمة، وأن الفسخ إذ ذاك وقع يكون واقعًا [٤٠١] حال وجود الغلة دون عدمها. فإن قلت: من أين يؤخذ من كلام صاحب الهداية أن العقد يعتبر باقيًا إلى حين أن تصير للغلة قيمة وهو إنما قال إلى وقت الرفع؟

стр. 10980

قلت: من حيث إنه إذا لم يكن أراد الوقت الذي ذكرناه فإما أن يريد وقت بروزها للخارج قبل أن تصير لها قيمة، أو ما بين وقت تقومها ووقت طيبها، أو وقت الطيب نفسه. لا جائز الأول (١) والمقصود تقويمها ليعطي البائع المشتري حصته من قيمتها إذ لا يعقل تقويم ما لا قيمة له؛ ولا الثاني لعدم انضباطه وتساوي أبعاضه، فتخصيص بعض منها يكون بلا مخصص؛ ولا الثالث لأن هذا لم يعتبر في الغلة الموجودة فكيف يعتبر في المعدومة مع أن اعتبار بقاء العقد فيها إنما ارتكب دفعًا للضرر عن المشتري بخروجه من تلك الغلة صفر اليدين في العقد النظري، وذلك يحصل بتقدير بقائه لوقت صيرورة الغلة ذات قيمة، فما الملجأ لمده لما وراء ذلك حتى ينتهي لوقت الطيب مع ما فيه من الضرر بالبائع؟ وكما يجب النظر للمشتري يجب للبائع، وحيث بطلت الأقسام الثلاثة تعين الرابع الذي ذكرناه، إذ لا خامس لها هنا. ومما يتصل بمسألة الثمر (مسألة ما يقطع من حطب الشجر) مسألة ما يقطع من حطب من الشجر. وقد قال البزازي فيها: (وقوائم الخلاف (٢) التي تقطع كل سنة، وكذا كل ما يحصد في كل سنة لا يدخل بلا ذكر إن كان موجودًا وقت البيع) (٣) . ولعله جد العمادي (بأنها بمنزلة الثمر) (٤) ، يعني في كون المقصود الانتفاع بعينها حيث لا ثمرة لها كما هو المقصود من الانتفاع بالثمر مع كونها تقطع كل سنة مثله وإن كانت حقيقة من الشجر. ثم قال البزازي: (أما الحادث بعد الشراء [ف] للمشتري، [٤٠٢] لكنه إذا اشترى كرمًا وفاء وحدث فيها قوائم الخلاف يجر المشتري [على] أن يصرف منه إلى دعائم الكرم قدر المتعارف. وأما (٥) القوائم الموجودة أوان البيع، ودخل في البيع بالذكر (٦) ، لا يجبر على الصرف منه لأنه ملكه بحكم أن له قسطًا من الثمن، فلو صرف له (٧) الرفع (٨) عند (٩) الفسخ) (١٠) .

стр. 10981

وكل ما ذكره (١) من توقف دخول الموجود وقت العقد على اشتراطه للمشتري، وكون الحادث بعد الشراء للمشتري بدونه ظاهر حيث كان بمنزلة الثمر، إذ مر أن الحكم في الثمر ذلك. وأما وجوب أن يصرف من الحادث إلى دعائم الكرم قدر المتعارف مع أن ذلك الحادث ملكه، ولم وجب عليه الصرف من هذا دون القديم المشروط له، وهو ملكه أيضًا، فلأنه لما كان بمنزلة الثمر، والثمر يصح أن يشترط منه البائع شيئًا لنفسه كالنصف والربع كما صرح به غير واحد وأفاده قول الفصول: (وغلة الكرم على ما شرطا) (٢) كان ذلك القدر المتعارف مستثنى له (٣) عرفًا وهو كالمشروط شرطًا، وحينئذ لم يجبر المشتري على الصرف من ماله بل من مال البائع المستثنى له بحكم العرف. وإنما لم يعتبر هذا الاستثناء في الموجود الذي هو للمشتري بالشرط حتى يلزمه أن يصرف منه القدر المتعارف أيضًا لأن الاستثناء إنما يعمل في نزل الوفاء، وهو الحادث على ملك المشتري الوفائي، والموجود ليس كذلك (٤) ، وملك المشتري إياه إنما هو بالبيع البات فيه بمقتضى الشرط بحصته من الثمن فكان بمنزلة الثمر الموجود المشروط حيث مر أن البيع فيه بات بالحصة، وهي معنى قوله: (لأنه ملكه بحكم أن له قسطًا من الثمن) . وإذا كان ملكه بذلك البيع لا يصح فيه استثناء شيء للبائع. [٤٠٣] ولذلك إذا صرف منه تطوعًا كان له رفعه وقت الفسخ (٥) . (مسألة حطب الزيتون) ومما هو غير خاف أن لا يمكن إجراء ما يقطع من حطب الزيتون المعبر عنه عندنا بالقص على حكم قوائم الخلاف، وإنما هو للبائع بلا خلاف، وذلك للفرق الواضح بينهما (٦) لأن قوائم الخلاف إنما كان حكمها ما مر لتنزيلها منزلة الثمر، وما نزلت منزلته إلا لكون ذلك الشجر ليس له شيء من الثمر فقوائمه هي ثمرته مع كونها تقطع منه كل سنة. والمقطوع من حطب الزيتون يخالفها في ذلك كله لأنه في نفسه يثمر الزيتون ولا يقص (٧) كل سنة بل في بعض من السنين تشذيبًا (٨) لشجره وتقوية له، فلا يكون ثمرًا بل شجرًا، كما هو الواقع فيه.

стр. 10982

ومتى كان شجرًا كان البيع فيه وفاء لا باتًّا لأنه من أجزاء الشجر الذي انعقد الوفاء عليه، ومتى كان كذلك لا يملكه المشتري وفاء وإنما يملك نزله، إذ عقد الوفاء لا يوجب للمشتري ملكية عين المبيع، بل زوائده ومنافعه. فتبقى عين المقطوع على ملك البائع كالأجزاء الباقية التي لم تقطع. وليس لقطعه ولا عدم إثماره بعد القطع أثر في نقل الملك فيه من البائع للمشتري، (الشجرة الميتة تكون للبائع) إذ هو بمنزلة موت شجرة من شجر الوفاء، أيتوهم أنها لعدم إثمارها بالموت تصير مملوكة للمشتري! (القص مع كونه للبائع للمشتري حبسه عنه) ولكن مع كون ذلك الحطب المقطوع للبائع، وليس للمشتري منه شيء، له حبسه عن البائع حتى يدفع له مال الوفاء. ولا يلزمه أن يسلمه له قبل ذلك لأنه إذا كان من جملة المبيع وفاء فالمبيع الوفائي يجري في الحبس مجرى المرهون، والمرهون يحبسه المرتهن عن الراهن في دينه. فهذا كذلك. وقد كان تلمح لي فيه أنه يجري [٤٠٤] مجرى قوائم الخلاف حتى وصلت في هذا الجمع لهذا المحل ففتح الله فيه بما سمعت. وهذه أمور تحدث بحسب ما يقذفه في القلوب علام الغيوب. بقي ههنا شيء: وهو أن هذا المقطوع من الحطب حيث كان، مع كونه ملك البائع، منسحبًا عليه حكم الرهن حتى كان للمشتري حبسه عنه، فهل له منع البائع من أصل قطعه باعتبار كونه مرهونًا موصولًا فلا يصيره له مفصولًا؟ ليس للمشتري منع البائع من القطع ويظهر لي أن ليس له ذلك لأنه تشذيب للشجر وتنقية تثمر له تقوية فيكون من باب إصلاح المالك لملك نفسه كحرثه وسقيه ورم ما استرم منه. وقد صرحوا بأن له إصلاحه، وإن كان في حال كونه بيد غيره بحق. ألا ترى إلى ما نص عليه في التاتارخانية (١) لمؤجر الدار أن يدخلها ليصلحها من (أن لمؤجر الدار أن يدخلها ليصلحها وإن كان بغيبة المستأجر وبلا إذن منه) وليس في ذلك ضرر بالمشتري لأنه يحبسه كما القائم ويباع في دينه كما يباع هذا.

стр. 10983

(الحرث والسقي والرم لا يجب على البائع ولا على المشتري) واعلم أن حرث هذا الزيتون وسقيه إن احتاج إليه، ورم ما استرم من المبيع إن كان ربعًا، لا يجب لا على البائع ولا على المشتري. فقد قال صاحب الخيرية في سفل لشخص علوه لآخر احتاج سقف السفل إلى التطيين دفعًا لضرر وكف ماء العلو بعد أن مهد (السقف ملك صاحب السفل) بأن السقف ملك صاحب السفل. وإنما لذي العلو حق القرار عليه ( [في] (١) أن تطيينه لا يجب على واحد منهما، أما ذو العلو فلعدم وجوب إصلاح ملك الغير عليه، وأما ذو السفل فلعدم إجباره على إصلاح ملكه) (٢) . فإن قلت: أليس الغرم بالغنم، وغنم هذا المبيع وهو [٤٠٥] نزله للمشتري فيكون غرمه عليه؟ قلت: بلى، ولكنه غرم فيه الثمن (٣) . والقاطع للشعب في عدم اللزوم عليه ما نقله في الفصول (عن فوائد شيخ الإسلام طاهر بن محمود (٤) محالًا فيها إلى رهن الذخيرة) (٥) في الدار المبيعة وفاء إذا احتاجت إلى العمارة فعمرها المشتري بأمر القاضي على أن له الرجوع كان له الرجوع) (٦) . فلو كانت العمارة واجبة على المشتري لم يكن لرجوعه بها على البائع، ولا لأمر القاضي بذلك معنى. وبهذا تعلم أن ما يظنه عامتنا في المبيع وفاء إذا كان زيتونًا فلم يحرثه مشتريه أو شجرًا رقيقًا فلم يخدمه بالمسحاة ولم يسق ما يسقى منه، أنه لا يستحق غلته لا أصل له.

стр. 10984

الفصل الرابع في انتقاص المبيع فيه عند مشتريه اعلم أن المبيع إذا كان دارًا فانهدم بناؤها أو أرضًا مشجرة فاحترق بعض أشجارها فلهم في ذلك (الأقوال الثلاثة في انتقاص المبيع عند المشتري) ثلاثة أقوال: أحدها وهو لصاحب الهداية: أن ليس للبائع أخذ المبيع وتضمين المشتري من نقصانه شيئًا، وإنما هو مخير بين أمرين (١) : أحدهما أن يأخذ المبيع ويدفع ثمن الوفاء كاملًا من غير رجوع عليه بشيء مما نقص، والآخر أن يترك المبيع على المشتري يتملكه بما دفع من ثمن الوفاء ولا يرد عليه من ذلك الثمن شيئًا. ثانيها وهو لشيخ الإسلام علاء الدين (٢) وبعض مشائخ سمرقند أن له تضمينه ما نقص من قيمته بالغًا ما بلغ (٣) ، ويعرف ذلك بتقويمه سليمًا ومعيبًا، فما نقص من قيمته سليمًا يكون مضمونًا عليه، ثم تارة يساوي ما نقص منه مال الوفاء، وأخرى يقصر عنه ومرة يزيد عليه. فإن ساواه ذهب بمال الوفاء فلا يعطي البائع المشتري منه شيئًا ولا المشتري البائع من النقص شيئًا لأنهما تكافآ فتقاصصا، وإن قصر النقص عن مال الوفاء سقط عن البائع منه مقدار النقص ودفع الباقي للمشتري، وإن زاد عليه سقط عنه مال الوفاء كله بالنقص ويرجع على المشتري بتمام قدر النقصان. لكن قال صاحب الهداية في هذا [٤٠٦] القول: إنه لا يكاد يصح لأن هذا للنظر ولا نظر في هذا البتة (٤) .

стр. 10985

(المعتمد في مسألة انتقاص المبيع) ثالثها وهو المعتمد ما ذكره صاحب الفصول بقوله: وفتوى أئمة زماننا ﵏، ومن أدركنا من أساتذتنا وغيرهم على غير هذا الاختيار، وإنما اختاروا فيها حكم الرهن. وقالوا بأنه إذا انتقص المبيع وفاء في يد المشتري يسقط حصة النقصان من مال الوفاء، ويقسم مال الوفاء على قيمة الباقي والهالك، فما أصاب الهالك يسقط وما أصاب الباقي يبقى، كما هو الحكم في الرهن. [و] (١) بيانه: لو اشترى (٢) دارًا قيمتها ألف درهم بمائة. فخربت الدار وصارت قيمتها خمسمائة، يسقط من قيمة الوفاء خمسون. هكذا فاعتبر (٣) . "ولو استهلك المشتري بناءه أو أشجاره يضمن قيمته كالمرتهن" (٤) ، يعني يضمنها بالغة ما بلغت كما يضمنها المرتهن، كذلك في هاته الصورة. وهو صورة الاستهلاك الفرق بين ضمان الرهن وضمان الغصب لأنه (٥) تضمن فيها ضمان العيب لا ضمان الرهن إذ ذاك في صورة الهلاك.

стр. 10986

الفصل الخامس في بيع البائع وفاء مبيعه الوفائي قبل فسخ الوفاء فيه اعلم أنه إذا باع باتًّا أو وفاء مبيعه الوفائي قبل أن يفسخ مع مشتريه عقد الوفاء فيه فإن بيعه مطلقًا يكون موقوفًا على إجازة المشتري منه وفاء، كما يتوقف بيع الراهن الرهن على إجازة المرتهن ينفذ بإجازته ولا ينفسخ بفسخه لأن ما له من حق الحبس يتم بدون فسخ، فلا وجه لثبوته بلا ضرورة تدعوه إليه مع ما فيه من الضرر بالبائع والمشتري. ومع اشتراك الوفاء والرهن في توقف البيع فيهما على الإجازة، (الفرق بين توقف بيع المبيع وفاء على إجازة المشتري والمرهون على إجازة المرتهن) فإنهما يختلفان في كيفية التوقف عليها. فأما في الوفاء فإنه يتوقف عليها عينًا بحيث لا يفيد [٤٠٧] في نفاذه سواها حتى (يبطل بيع المبيع وفاء بتعذر الإجازة لانفساخ الوفاء قولًا أو فعلًا) إذا تعذرت بخروج مشتري الوفاء من البين وصيرورته أجنبيًّا بسبب انفساخ وفائه قولًا أو فعلًا بقبض مال الوفاء، بطل لكونه كان موقوفًا على إجازة تعذر حصولها. وأما في الرهن فلا يتوقف عليها كذلك (١) بل على أنها أحد ما يفيد في نفاذه، إذ كما تفيد هي فيه يفيد فيه فسخ الرهن وسقوط الدين بالقبض أو الإبراء. وبالجملة فما عدا الإجازة في الوفاء يبطل به البيع الموقوف، وفي الرهن ينفذ به. (من المسائل التي يخالف فيها الوفاء الرهن) وهذه إحدى المسائل التي يخالف فيها الوفاء الرهن كما نبهوا عليه. ولا خفاء أن الإجازة كما تكون بالقول تكون بالفعل كما ذكره العمادي بقوله: قيل له، أي صاحب الهداية: (فلو باعه من غيره بيعًا باتًّا وجاء بالثمن إلى المشتري [شراء جائزًا] ، وقال: بعت هذا المبيع باتًّا وجئت بدارهمك من ذلك فخذها فأخذها هل يكون إجازة؟ أجاب: نعم تكون إجازة ولا يحتاج إلى التجديد) (٢) .

стр. 10987

(الإجازة الفعلية من مشتري الوفاء لبيع بائعه) فالإجازة حصلت بفعل مشتري الوفاء وهو قبضه ثمن وفائه من خصوص ثمن البات لاستلزامه رضاه به. وحيث حصلت الإجازة نفذ البيع فنفاذه هنا بالقبض من حيث تضمنه الإجازة لا من حيث ذاته. فلا يرد أن هذا ينافي ما سبق من أن البيع في الوفاء لا ينفذ إلا بخصوص الإجازة دون ما سواها كقبض الثمن. (تعدد المبيع متفقًا أو مختلفًا كتوحده في التوقف على الإجازة) واعلم أنه لا فرق في توقف البيع في الوفاء على خصوص الإجازة بين وحدته وتعدده وكونه باتًّا أو وفاء. فلو باع ما هو في وفاء الغير ثلاث بياعات كلها باتة أو وفائية أو مختلفة توقفت كلها على إجازة ذلك الغير، وأي بيع أجازه منها نفذ متقدمًا [٤٠٨] كان أو متوسطًا أو متأخرًا باتًّا أو وفاء، وبطل ما سواه. فلو قضى ثمن بعض ما هو وفاء منها أو مما هو قبلها (١) فإن كان المقضي ثمنه هو الوفاء الأصلي (٢) الذي توقفت البيوع (٣) على إجازة صاحبه بطلت كلها لما مر من أن ما كانت متوقفة عليه من الإجازة التي لا ينفذ إلا بها قد تعذر حصولها حتى لو باعه بعد قضاء ذلك الثمن بتًّا أو وفاء نفذ في الحال لأنه ليس بيع المبيع وفاء حينئذ حتى يتوقف إذ المقضي ثمنه انفسخ وما عداه قد بطل قبل وقوع هذا البيع فأنى يتوقف على إجازة صاحبه؟ وإن قضى ثمن غير الأول بقي الباقي على ما كان عليه من توقفه على إجازة صاحب الأول إذ البيع الوفائي الذي توقفت عليه لم يزل قائمًا بعد حتى لو باع بيعًا آخر بعد هذا القضاء وفاء أو بتًّا توقف غيره على إجازة صاحب الأول. فإن قلت: (حصول الإجازة من مشتري الوفاء بقبضه ماله من مشتري البات) فهل تحصل الإجازة من مشتري الوفاء بقبضه ثمن وفائه من مشتريه البات كما حصلت بقبضه إياه من البائع على ما مر؟ قلت: نعم إذا وجد ما يدل على أن المدفوع من ثمن البات كما في قبضه من البائع، إذ لا فرق بين القبضين في ذلك. وسيأتي إن شاء الله تعالى من كلامهم ما يفيد ذلك.

стр. 10988

(دفع مشتري البات لمشتري الوفاء مال وفائه بلا إذن البائع فإن) قلت: إذا دفع مشتري البات لمشتري الوفاء مال وفائه، فهل لبائعه (١) أن يطالبه (٢) بثمن البات ويقول (٣) : لِمَ دفعت مال الوفاء بغير أمري؟ قلت: هذا السؤال أورده صاحب العمادية. وذكر أن جده أجاب فيه بأنه لا يطالبه يعني ويقام له ذلك مما عليه للبائع من ثمن البات (٤) . ثم قال: هذا إذا لم يؤد الثمن إلى البائع، [٤٠٩] يعني أن موضوع هذه المسألة ما إذا كان دفع مشتري البات لمشتري الوفاء قبل أن يدفع للبائع ثمن البات، أما إذا كان بعده بأن أدى ثمن البات أولًا للبائع، ثم دفع ثمن الوفاء ثانيًا للمشتري بغير أمر البائع، فهل له أن يرجع به على البائع؟ قال: كان بعض المشايخ يقول: ينبغي أن لا يرجع ويكون متبرعًا بخلاف معير الرهن (٥) ، فإن الرهن ثمة ورد على ملكه فيكون مضطرًّا في خلاص ملكه ولا كذلك ههنا (٦) . ورأيت في متفرقات إجارات الذخيرة (٧) : (الآجر إذا باع المستأجر من أجنبي، ثم إن المشتري دفع الثمن إلى المستأجر بجهة مال الإجارة ينظر إن كان الآجر حاضرًا كان متطوعًا، وإن لم يكن حاضرًا لا يكون متطوعًا لأن في الوجه الثاني (٨) هو مضطر في الأداء لتخليص ملكه، فهو نظير المعير إذا قضى دين المستعير. وفي الوجه الأول (٩) ليس بمضطر فيه لأنه يمكنه أن يدفع الثمن إلى الآجر فيقضي الآجر به مال الإجارة، فيسلم ملك المشتري له) (١٠) .

стр. 10989

يعني وعلى قياس التفصيل في مسألة دفع المشتري مال الإجارة بين حضرة المؤجر وغيبته ينبغي أن يفصل في مسألة دفعه مال الوفاء كذلك. ثم نقل (١) عن إجارات العدة إطلاق القول بتبرعه بدفع مال الإجارة فيكون موافقًا لجواب بعض المشايخ في مسألة دفعه مال الوفاء من إطلاق القول بالتبرع فيه (٢) . ونقل في جامع الفصولين ما سوى المنقول عن العدة وأقره (٣) . وأقول (٤) إن لم يكن فرق بين صورة دفع مشتري البات ثمن الوفاء لمشتريه قبل دفعه ثمن البات للبائع وصورة كونه بعده، فما كان ينبغي [٤١٠] إيرادهما في هذا القالب المشعر باختلاف حكمهما، وإن كان بينهما فرق فيه فما استند إليه من التفصيل في الثانية بين حضور البائع وعدمه قياسًا على مسألة الإجارة المذكورة في الذخيرة (٥) لا يفيد إذ ليس فيها إن دفع مال الإجارة للمستأجر كان بعد دفع ثمن البات للبائع. فإن قلت: يندرج تحت إطلاقه حيث لم يقيد دفعه ثمن الوفاء بشيء. قلت: إذا لا يكون بينهما فرق في الحكم. فيعود الكلام إلى أنه لِمَ عبَّر بما يوذن باختلافهما؟ فإن قلت: كما أن المعير مالك للمرهون، فالمشتري بتًّا مالك للمبيع الذي في وفاء الغير، فما معنى الفرق بأن الأول مضطر في خلاص ملكه لا الثاني؟ قلت: واضح لأنه فرّعه على قوله لأن الرهن ثمة ورد على ملكه فكان محط الفرق هو أن الرهن حين عقد ورد على ملك المعير لثبوت ملكه فيه قبل عقد الرهن، بخلاف عقد الوفاء، فإنه لم يرد على ملك المشتري باتًّا بل عقد المشتري باتًّا هو الذي ورد على ملك المشتري الوفائي.

стр. 10990

وبعد هذا كله فالأظهر القول بتبرع المشتري باتًّا، وأن قياسه على معير الرهن قياس مع الفارق، لأن شراءه (١) إذا كان موقوفًا على الإجازة (٢) يكون ملكه للمبيع كذلك. والإجازة هنا إنما حصلت بقبض مشتري الوفاء مال وفائه منه، فبالضرورة يتأخر نفاذ عقده عن دفعه إياه. ويستلزم ذلك تأخر ملكه كذلك. ولئن كان الملك يثبت له مستندًا لوقت شرائه لا مقتصرًا على وقت دفعه فعقد شرائه متأخر عن عقد وفاء الآخر، فلم يصدق أن الوفاء ورد على ملكه لا النافذ ولا الموقوف، فكيف يساوي المعير؟ (بيع المبيع وفاء لمشتريه بيعًا باتًّا (واعلم أن بيع المبيع وفاء الذي يتوقف [٤١١] على إجازة مشتري الوفاء هو بيعه من غير ذلك المشتري. أما بيعه له فلا يتصور توقفه على إجازة من نفسه بل ينفذ في الآن (٣) ، ويتضمن فسخ الوفاء الذي كان أتى الوادي فطمّ على القري (٤) . قال في الفصول: (وسئل جدي ﵀ عمن باع كرمه بيعًا جائزًا ثم باعه من المشتري بيعًا باتًّا بعد ما مضى بعض السنة وقد خرج الثمر، وأنه باع (٥) بدون الغلة (فهل تكون) حصة ما بقي من السنة بعد البيع البات للبائع؟ أجاب تكون للبائع) (٦) . قلت: وضع الكلام في حصة الباقي من السنة بعد البيع لأن حصة الماضي منها تكون للمشتري بلا إشكال. وإنما لم تكن حصة الباقي له أيضًا لأنه لا جائز أن يستحقها بعقد الوفاء لانفساخه بطروء البات عليه، ولا بعقد البات لعدم اشتراط المشتري لها فيه، وأيضًا فهذا فسخ حكمي لعقد الوفاء، فيعتبر بالفسخ الحقيقي وفيه توزع بينهما على هذا الوجه، فكذا فيما هو في حكمه. ثم قال في الفصول أيضًا: (وسئل ﵀، باع كرمًا بيعًا جائزًا فمضى بعض المدة وخرج الثمار ثم باعه من المشتري جائزًا بيعًا باتًّا ولم يذكر الثمار (٧) أتكون الثمار للبائع أم للمشتري؟ أجاب ﵀: تكون للبائع) (٨) . أقول أطلق في الثمار هنا، فشمل حصة المدة السابقة على الفسخ واللاحقة له، وليس كذلك، لأنك عرفت أن حصة السابقة للمشتري بلا نزاع.

стр. 10991

الفصل السادس في الشفعة بالمبيع وفاء والشفعة فيه إذا بيع باتًّا قبل الفسخ (١) (يشفع بالمبيع وفاء بائعه لا مشتريه) أما الأولى فإنها تكون لبائعه دون مشتريه. وذلك أن الشفعة [٤١٢] بالشيء تستدعي كونه ملكًا للشفيع وقت الشفعة إلى حين ثبوت ملكه في المشفوع فيه، وذلك ثابت للبائع وفاء لعدم خروج المبيع عن ملكه، فهذا البيع منفي عن المشتري إذ من لازم عدم خروج المبيع عن ملك البائع فيه عدم دخوله في ملك مشتريه ونفي الشفعة به لمشتريه ظاهر، وأما ثبوتها للبائع فربما يخفى من حيث إن ما يريد أن يشفع به ليس حين الشفعة في يده، فلذلك اقتصر صاحب الفصول عليه إذ قال نقلًا عن فتاوى الإمام محمد بن الفضل (٢) : (كرم بين رجل وامرأة، باعت المرأة نصيبها من الرجل وشرطت أنها متى جاءت بالثمن رد (٣) عليها نصيبها. ثم باع الرجل نصيبه من آخر، هل (يكون) لها الشفعة؟ قال: إن (٤) كان البيع بيع معاملة (٥) فلها الشفعة سواء كان نصيبها من الكرم في يدها أو في يد الرجل (٦) ، لأن بيع المعاملة وبيع التلجئة حكمهما حكم الرهن، والراهن له حق الشفعة وإن كان الرهن في يد المرتهن) (٧) . (صحة الوفاء مع الشيوع وعدم القبض بخلاف الرهن) وقد استفيد من تصويره الوفاء في نصف الكرم [وقوله سواء كان نصيبها في يدها أو في يد الرجل] صحة الوفاء مع الشيوع [وعدم القبض] ، على خلاف الرهن [في الأمرين] فيكون هذا مما خالف فيه الوفاء الرهن. ووجه ذلك ما في الوفاء من معنى البيع وهو يصح [مع المذكورين] (٨) .

стр. 10992

وقول ابن الفضل بيع المعاملة له حكم الرهن محتمل لأن يكون بناه على القول بأن الوفاء رهن بأن كان ذلك رأيه فيه، ولأن يكون بناه على القول بالتركيب الذي يعطيه حكم الرهن في حق البائع، والشفعة به أمر متعلق به، وأراد بكونه بيع تلجئة إثبات التلجئة فيه من جهة خاصة [٤١٣] وهي إظهار صورة البات فيه لا من جميع الوجوه حتى يكون هزلًا لا جدًّا، لأن التوثق به والانتفاع منه جد لا هزل فيه. ولو أراد أنه بيع تلجئة مطلقًا كبيع الهازل لما أعطاه حكم الرهن إذ بيع الهازل باطل لا يعطى له حكم بيع ولا رهن. الشفعة في بيع الوفاء إذا بيع باتًّا وأما الثانية وهي الشفعة فيه إذا بيع باتًّا قبل الفسخ، ففيها تفصيل. وذلك أن ههنا ثلاثة أحوال: إحداهما: حالة ثبوت التوقف للبيع، وهي حالة انتفاء الإجازة من المشتري في الحال لكنها ممكنة الحصول منه في الاستقبال. ثانيتها: حالة انتفائه بتعذر الإجازة منه لفسخه الوفاء قولًّا أو فعلًا بقبض ثمن وفائه. ثالثها: انتفاؤه بحصول الإجازة منه. والشفعة منفية فيه في كل من الحالة الأولى والثانية، ثابتة في الثالثة. أما انتفاؤها في الأولى فلانتفاء شرطها من خروج المبيع عن ملك البائع، إذ لا خروج إلا مع نفاذ البيع، ولا نفاذ له مع التوقف. ولهذا لما سئل صاحب الفصول عن (كرم مشترك بين اثنين باع أحدهما نصيبه من صاحبه بيعًا جائزًا ثم أنه باع من أجنبي بيعًا باتًّا حتى توقف على إجازة شريكه المشتري وفاء هل لشريكه [حق] الشفعة؟ [هكذا كانت صورة الاستفتاء] ) .

стр. 10993

وأجاب [من جلس للإفتاء من بلدتنا أنه يكون له الشفعة، وأجيب: أنه لا يكون له ذلك] بأن لا شفعة له. زاد في السؤال (١) : (وأجاز مشتري الجائز الشريك البيع البات) ، وعلل تلك الزيادة بقوله: (لتصير مسألة النفاذ (٢) إذ معناه أن السؤال بدون تلك الزيادة واضح الجواب بنفي الشفعة إذ كل أحد يعلم أن لا شفعة في الموقوف) (٣) ، ومثله لا ينبغي السؤال عنه، فإن تفسير الواضحات من المشكلات. وإنما الذي يخفى في هذه الصورة هو الشفعة مع الإجازة إذ المتبادر ثبوتها. فهذا [٤١٤] هو الذي ينبغي أن يسأل عنه. ويجاب فيه بالمنع بخصوصية كون الإجازة هنا من الشفيع فيكون به تمام البيع، ومن كان به تمامه لا شفعة له لما فيه من نقض ما تم من جهته، كالوكيل بالبيع حيث لا يشفع فيما باعه بالوكالة. وبالجملة فلا شفعة لهذا الشريك لا في حال انتفاء إجازته ولا في حال ثبوتها. أما في الأولى فلعدم تمام البيع. وأما في الثانية فلأنه هو الذي أتمه فلا ينقضه بعد ذلك. ولما استوى الحالتان في الحكم وأنه نفي الشفعة، وكان في زيادة الإجازة تحسين وضع السؤال لم يبال صاحب الفصول بها. فلا يقال كيف ساغ له أن يزيد في السؤال ما ليس فيه؟ وأما انتفاؤها في الثانية فلأن بتعذر الإجازة يبطل البيع ويصير كأنه من الابتداء لم يقع أصالة، ولا شفعة بدون بيع. (لا تثبت الشفعة في المبيع وفاء إذا بيع بتًّا إلا بعد الإجازة) وأما ثبوتها في الثالثة فلتحقق شرطها من خروج المبيع عن ملك البائع بنفاذ البيع بالإجازة كما تثبت في البيع بشرط خيار البائع والبيع الفاسد عند تقرر الأول بالإجازة والثاني بما يفوته من المفوتات، (المعتبر في الطلب وقت العلم بالإجازة لا العلم بالبيع) والمعتبر في طلبها من الشفيع وقوعه وقت العلم بالإجازة لا وقت العلم بالبيع، حتى لو وقع حين البيع ولم يعد عند الإجازة اكتفاء بالأول لم تصح.

стр. 10994

وهذا على قياس ما ذكره الزيلعي في البيع بشرط خيار البائع من أن البيع إنما صار سببًا في ثبوت الحكم في ذلك الوقت، ووجوب الشفعة ينبني على انقطاع حق المالك بالبيع (١) وهو ينقطع به عنده. وهو يدل على أن الطلب قبل الإجازة لا يتوقف عليها كالبيع (٢) . فإن تمت الإجازة تم الطلب [٤١٥] فتمت الشفعة وإلا فلا، إذ لو صح فيه التوقف لما عدل عما هو الظاهر من اعتبار وقت البيع فيه إلى خلافه من اعتبار وقت الإجازة، وهو (٣) وإن ذكر في ذلك خلافًا (٤) لكنه جعل اعتبار وقت الإجازة الأصح. ولعله لأن الموقوفية كالصحة والفساد من صفقات العقود، ولا شيء من الطلب بعقد. ومع قصر ثبوت الشفعة في المبيع وفاء على الحالة الثالثة فقولنا فيها: تثبت الشفعة في المبيع وفاء من مجاز الكون (٥) إذ هو وقت ثبوت الشفعة فيه ليس بمبيع وفاء بل بتًّا، وحين كونه مبيعًا وفاء لم تثبت فيه شفعة، فلا تثبت الشفعة في المبيع وفاء حال صدق هذا العنوان عليه حقيقة بإطلاق (٦) .

стр. 10995

الفصل السابع في ادعاء المشتري وفاء على مشتريه وادعاء مشتريه له على غيره أما الأول بأن يدعي خارج على ذي يد أن هذا ملكي فيدفعه ذو اليد بأني لست بخصم لك فيه لأني لست بمالك له، وإنما هو في يدي بعقد الوفاء فيه. فالذي في هذا الفصل من الفصول أنه وقع الاستفتاء من فرغانه (١) بسمرقند عن هذه المسألة: (وأنه هل يشترط، يعني لسماع هذه الدعوى حضرة البائع والمشتري؟ ووقع الجواب من صاحب الهداية والكثير من السمرقنديين بأنه يشترط. وأجاب القاضي علاء الدين بدر بأنه لا يشترط) (٢) . وأقول: سبب هذا الاختلاف عدم خلوص الوفاء للبيع البات ولا للرهن، وذلك أن الدعوى على المشتري باتًّا فيما في يده مسموعة قطعًا، ولا يسمع منه: إني اشتريته من فلان فاصبر إلى أن يحضر، وعلى المرتهن غير مسموعة قطعًا إذا ثبت كونه مرتهنًا منه إما بإقرار المدعي به، أو بإثبات المدعى عليه ذلك بالبينة على ما عرف [٤١٦] في المخمسة (٣) ، إذ من وجوه الدفع فيها: ارتهنته من الغائب. ولما تجاذب في الوفاء البيع والرهن جاء الاختلاف. فمن نظر فيه إلى جهة الرهن، وهو نظر الجماعة، لم يسمعها عليه بدون حضرة البائع، ومن لاحظ جانب البيع، وهو ملحظ علاء الدين بدر، سمعها دون توقف عليه، ويظهر لي رجحان ما عليه الجماعة، فإن عدم اشتراط حضرة البائع - الذي ذهب إليه - بدر إن كان مبنيًّا على القول بأن الوفاء بيع بات، فذلك القول وإن كان يقتضيه (٤) إلا أنه لمنافاته لمقاصد الناس فيه لا ينبغي البناء عليه، وإن كان لما فيه من معنى البيع على المختار فيه من التركيب، (المعتبر في بيع الوفاء جهة الملك في حق الانتفاع به خاصة وفيما سواه جهة الرهن) فقد تكرر عليك أن جهة البيع إنما اعتبرت فيه ضرورة في حق الانتفاع به خاصة، وأما فيما سواه فالمعتبر فيه جهة الرهن، وهذا مما سواه، مع أنَّا نقطع بأنه لا يدعي ملك العين فيه لنفسه بل ملك المنافع، فأي فرق بينه وبين المستأجر وهو يدعي ما يدعيه من ملك المنفعة فقط حتى لم تسمع الدعوى عليه بغيبة المؤجر؟ وجعل ادعاء الاستيجار من الغائب من وجوه الدفع في المخمسة اتفاقًا، وتسمع على هذا من المشتري بغيبة البائع، ولم يجعل ادعاؤه الشراء الوفائي منه [من] (٥) وجوه الدفع فيها.
следующие страницы →