الفصل السادس
في الشفعة بالمبيع وفاء والشفعة فيه
إذا بيع باتًّا قبل الفسخ (١)
(يشفع بالمبيع وفاء بائعه لا مشتريه) أما الأولى فإنها تكون لبائعه دون مشتريه. وذلك أن الشفعة
[٤١٢] بالشيء تستدعي كونه ملكًا للشفيع وقت الشفعة إلى حين ثبوت ملكه في المشفوع فيه، وذلك ثابت للبائع وفاء لعدم خروج المبيع عن ملكه، فهذا البيع منفي عن المشتري إذ من لازم عدم خروج المبيع عن ملك البائع فيه عدم دخوله في ملك مشتريه ونفي الشفعة به لمشتريه ظاهر، وأما ثبوتها للبائع فربما يخفى من حيث إن ما يريد أن يشفع به ليس حين الشفعة في يده، فلذلك اقتصر صاحب الفصول عليه إذ قال نقلًا عن فتاوى الإمام محمد بن الفضل (٢) :
(كرم بين رجل وامرأة، باعت المرأة نصيبها من الرجل وشرطت أنها متى جاءت بالثمن رد (٣) عليها نصيبها. ثم باع الرجل نصيبه من آخر، هل (يكون) لها الشفعة؟
قال: إن (٤) كان البيع بيع معاملة (٥) فلها الشفعة سواء كان نصيبها من الكرم في يدها أو في يد الرجل (٦) ، لأن بيع المعاملة وبيع التلجئة حكمهما حكم الرهن، والراهن له حق الشفعة وإن كان الرهن في يد المرتهن) (٧) .
(صحة الوفاء مع الشيوع وعدم القبض بخلاف الرهن) وقد استفيد من تصويره الوفاء في نصف الكرم [وقوله سواء كان نصيبها في يدها أو في يد الرجل] صحة الوفاء مع الشيوع [وعدم القبض] ، على خلاف الرهن [في الأمرين] فيكون هذا مما خالف فيه الوفاء الرهن. ووجه ذلك ما في الوفاء من معنى البيع وهو يصح [مع المذكورين] (٨) .
стр. 10992
وقول ابن الفضل بيع المعاملة له حكم الرهن محتمل لأن يكون بناه على القول بأن الوفاء رهن بأن كان ذلك رأيه فيه، ولأن يكون بناه على القول بالتركيب الذي يعطيه حكم الرهن في حق البائع، والشفعة به أمر متعلق به، وأراد بكونه بيع تلجئة إثبات التلجئة فيه من جهة خاصة
[٤١٣] وهي إظهار صورة البات فيه لا من جميع الوجوه حتى يكون هزلًا لا جدًّا، لأن التوثق به والانتفاع منه جد لا هزل فيه. ولو أراد أنه بيع تلجئة مطلقًا كبيع الهازل لما أعطاه حكم الرهن إذ بيع الهازل باطل لا يعطى له حكم بيع ولا رهن.
الشفعة في بيع الوفاء إذا بيع باتًّا وأما الثانية وهي الشفعة فيه إذا بيع باتًّا قبل الفسخ، ففيها تفصيل. وذلك أن ههنا ثلاثة أحوال:
إحداهما: حالة ثبوت التوقف للبيع، وهي حالة انتفاء الإجازة من المشتري في الحال لكنها ممكنة الحصول منه في الاستقبال.
ثانيتها: حالة انتفائه بتعذر الإجازة منه لفسخه الوفاء قولًّا أو فعلًا بقبض ثمن وفائه.
ثالثها: انتفاؤه بحصول الإجازة منه.
والشفعة منفية فيه في كل من الحالة الأولى والثانية، ثابتة في الثالثة.
أما انتفاؤها في الأولى فلانتفاء شرطها من خروج المبيع عن ملك البائع، إذ لا خروج إلا مع نفاذ البيع، ولا نفاذ له مع التوقف.
ولهذا لما سئل صاحب الفصول عن (كرم مشترك بين اثنين باع أحدهما نصيبه من صاحبه بيعًا جائزًا ثم أنه باع من أجنبي بيعًا باتًّا حتى توقف على إجازة شريكه المشتري وفاء هل لشريكه [حق] الشفعة؟ [هكذا كانت صورة الاستفتاء] ) .
стр. 10993
وأجاب [من جلس للإفتاء من بلدتنا أنه يكون له الشفعة، وأجيب: أنه لا يكون له ذلك] بأن لا شفعة له.
زاد في السؤال (١) : (وأجاز مشتري الجائز الشريك البيع البات) ، وعلل تلك الزيادة بقوله: (لتصير مسألة النفاذ (٢) إذ معناه أن السؤال بدون تلك الزيادة واضح الجواب بنفي الشفعة إذ كل أحد يعلم أن لا شفعة في الموقوف) (٣) ، ومثله لا ينبغي السؤال عنه، فإن تفسير الواضحات من المشكلات.
وإنما الذي يخفى في هذه الصورة هو الشفعة مع الإجازة إذ المتبادر ثبوتها. فهذا
[٤١٤] هو الذي ينبغي أن يسأل عنه.
ويجاب فيه بالمنع بخصوصية كون الإجازة هنا من الشفيع فيكون به تمام البيع، ومن كان به تمامه لا شفعة له لما فيه من نقض ما تم من جهته، كالوكيل بالبيع حيث لا يشفع فيما باعه بالوكالة.
وبالجملة فلا شفعة لهذا الشريك لا في حال انتفاء إجازته ولا في حال ثبوتها.
أما في الأولى فلعدم تمام البيع.
وأما في الثانية فلأنه هو الذي أتمه فلا ينقضه بعد ذلك.
ولما استوى الحالتان في الحكم وأنه نفي الشفعة، وكان في زيادة الإجازة تحسين وضع السؤال لم يبال صاحب الفصول بها. فلا يقال كيف ساغ له أن يزيد في السؤال ما ليس فيه؟
وأما انتفاؤها في الثانية فلأن بتعذر الإجازة يبطل البيع ويصير كأنه من الابتداء لم يقع أصالة، ولا شفعة بدون بيع.
(لا تثبت الشفعة في المبيع وفاء إذا بيع بتًّا إلا بعد الإجازة) وأما ثبوتها في الثالثة فلتحقق شرطها من خروج المبيع عن ملك البائع بنفاذ البيع بالإجازة كما تثبت في البيع بشرط خيار البائع والبيع الفاسد عند تقرر الأول بالإجازة والثاني بما يفوته من المفوتات، (المعتبر في الطلب وقت العلم بالإجازة لا العلم بالبيع) والمعتبر في طلبها من الشفيع وقوعه وقت العلم بالإجازة لا وقت العلم بالبيع، حتى لو وقع حين البيع ولم يعد عند الإجازة اكتفاء بالأول لم تصح.
стр. 10994
وهذا على قياس ما ذكره الزيلعي في البيع بشرط خيار البائع من أن البيع إنما صار سببًا في ثبوت الحكم في ذلك الوقت، ووجوب الشفعة ينبني على انقطاع حق المالك بالبيع (١) وهو ينقطع به عنده. وهو يدل على أن الطلب قبل الإجازة لا يتوقف عليها كالبيع (٢) . فإن تمت الإجازة تم الطلب
[٤١٥] فتمت الشفعة وإلا فلا، إذ لو صح فيه التوقف لما عدل عما هو الظاهر من اعتبار وقت البيع فيه إلى خلافه من اعتبار وقت الإجازة، وهو (٣) وإن ذكر في ذلك خلافًا (٤) لكنه جعل اعتبار وقت الإجازة الأصح. ولعله لأن الموقوفية كالصحة والفساد من صفقات العقود، ولا شيء من الطلب بعقد. ومع قصر ثبوت الشفعة في المبيع وفاء على الحالة الثالثة فقولنا فيها: تثبت الشفعة في المبيع وفاء من مجاز الكون (٥) إذ هو وقت ثبوت الشفعة فيه ليس بمبيع وفاء بل بتًّا، وحين كونه مبيعًا وفاء لم تثبت فيه شفعة، فلا تثبت الشفعة في المبيع وفاء حال صدق هذا العنوان عليه حقيقة بإطلاق (٦) .
стр. 10995
الفصل السابع
في ادعاء المشتري وفاء على مشتريه
وادعاء مشتريه له على غيره
أما الأول بأن يدعي خارج على ذي يد أن هذا ملكي فيدفعه ذو اليد بأني لست بخصم لك فيه لأني لست بمالك له، وإنما هو في يدي بعقد الوفاء فيه. فالذي في هذا الفصل من الفصول أنه وقع الاستفتاء من فرغانه (١) بسمرقند عن هذه المسألة:
(وأنه هل يشترط، يعني لسماع هذه الدعوى حضرة البائع والمشتري؟ ووقع الجواب من صاحب الهداية والكثير من السمرقنديين بأنه يشترط.
وأجاب القاضي علاء الدين بدر بأنه لا يشترط) (٢) .
وأقول: سبب هذا الاختلاف عدم خلوص الوفاء للبيع البات ولا للرهن، وذلك أن الدعوى على المشتري باتًّا فيما في يده مسموعة قطعًا، ولا يسمع منه: إني اشتريته من فلان فاصبر إلى أن يحضر، وعلى المرتهن غير مسموعة قطعًا إذا ثبت كونه مرتهنًا منه إما بإقرار المدعي به، أو بإثبات المدعى عليه ذلك بالبينة على ما عرف
[٤١٦] في المخمسة (٣) ، إذ من وجوه الدفع فيها: ارتهنته من الغائب. ولما تجاذب في الوفاء البيع والرهن جاء الاختلاف. فمن نظر فيه إلى جهة الرهن، وهو نظر الجماعة، لم يسمعها عليه بدون حضرة البائع، ومن لاحظ جانب البيع، وهو ملحظ علاء الدين بدر، سمعها دون توقف عليه، ويظهر لي رجحان ما عليه الجماعة، فإن عدم اشتراط حضرة البائع - الذي ذهب إليه - بدر إن كان مبنيًّا على القول بأن الوفاء بيع بات، فذلك القول وإن كان يقتضيه (٤) إلا أنه لمنافاته لمقاصد الناس فيه لا ينبغي البناء عليه، وإن كان لما فيه من معنى البيع على المختار فيه من التركيب، (المعتبر في بيع الوفاء جهة الملك في حق الانتفاع به خاصة وفيما سواه جهة الرهن) فقد تكرر عليك أن جهة البيع إنما اعتبرت فيه ضرورة في حق الانتفاع به خاصة، وأما فيما سواه فالمعتبر فيه جهة الرهن، وهذا مما سواه، مع أنَّا نقطع بأنه لا يدعي ملك العين فيه لنفسه بل ملك المنافع، فأي فرق بينه وبين المستأجر وهو يدعي ما يدعيه من ملك المنفعة فقط حتى لم تسمع الدعوى عليه بغيبة المؤجر؟ وجعل ادعاء الاستيجار من الغائب من وجوه الدفع في المخمسة اتفاقًا، وتسمع على هذا من المشتري بغيبة البائع، ولم يجعل ادعاؤه الشراء الوفائي منه [من] (٥) وجوه الدفع فيها.
стр. 10996
واعلم أنه لا فرق في عدم سماع الدعوى على المشتري وفاء بين كونها دعوى الملك المطلق كما صورنا - ومنها دعوى الوقف لتصريحهم (١) بأنها من قبيل دعوى الملك (٢) ، أو المقيد بسبب من أسبابه - وبين كونها دعوى حق كدعوى الوفاء أيضًا أو الرهن أو الإجارة، لأن المعنى المانع
[٤١٧] من سماع الدعوى عليه من عدم ادعائه الملك في العين لنفسه يشمل الكل، اللهم إلا إذا ادعى عليه الفعل (٣) فحينئذ تُسمع، إذ لا مدفع لهذه الدعوى على ما عرف في المُخَمَّسَةِ.
وأما الثاني وهو ادعاء مشتريه له على غيره فلا إشكال في سماع هذه الدعوى لأنها وإن لم تكن من دعوى الملك فهي من دعوى الحق، ودعواه مسموعة لكن على من يدعي الملك لنفسه في العين خاصة دون من لا يدعي إلا حقًّا فيها. وهذا هو سبب عدم سماع الدعوى على الموقوف عليه. (هذا الحاصل جامع) والحاصل أن ذا اليد متى كان يدعي في العين ملكًا لنفسه سمعت عليه كل من دعوى الملك والحق، ومتى كان لا يدعي فيها إلا حقًّا لم تسمع عليه دعوى ملك ولا حق، حسبما يعلم من فصل من يصلح خصمًا لغيره ومن لا يصلح، ومن يشترط حضرته لسماع الدعوى ومن لا تشترط، وهو ثالث فصول الفصول (٤) .
فعلى هذا لا تسمع دعوى الخارج الوفاء على ذي المدعي الوفاء أيضًا ولو ادعيا تلقيهما له (٥) من واحد وكان تاريخ الخارج أسبق بدون حضرة بائعهما إذا ثبت ما يدعيه ذو اليد من الوفاء.
стр. 10997
الفصل الثامن
في الكفالة بمال الوفاء والحوالة به والصلح عنه
(الكفالة بمال الوفاء من المشتري للبائع) اعلم أن الكفالة بمال الوفاء إما عن المشتري للبائع أو العكس. فإن كان الأول فهي صحيحة لأنها وإن كانت تستدعي كون المكفول به دينًا للمكفول له على المكفول عنه فمال الوفاء ههنا كذلك لأنه يترتب دينًا للبائع بذمة المشتري بمجرد العقد، (الكفالة به عن البائع للمشتري) وإن كان الثاني فإنها تصح مضافة لوقت لفسخ لا منجزة لما اشتهر أن مال
[٤١٨] الوفاء ليس بدين بذمة البائع للمشتري ما دام عقد الوفاء قائمًا لم يفسخ، وإنما يصير دينًا له عليه بعد الفسخ. وذلك لأن هذا العقد معتبر بالنسبة للمشتري بيعًا باتًّا ليحل له نزله ومنافعه. وذلك يستدعي أن ما دفعه من مال الوفاء للبائع ثمن ما باعه له، وثمن المبيع يستحيل أن يكون دينًا للمشتري على البائع (١) وعقد البيع قائم، كيف وقد ملك ما هو عوضه وهو المبيع! فلو كان دينًا له عليه لكان مملوكًا له فيلزم مع ملكه للمبيع اجتماع العوضين في ملك شخص واحد.
نعم إذا فسخا هذا العقد يصير حينئذ دينًا له عليه كثمن المبيع بيعًا باتًّا حقيقة إذا فسخه عاقداه بالإقالة حيث يصير الآن دينًا للمشتري على البائع، وإن لم يكن دينًا له عليه قبلها. وذكر في الفصول نقلًا عن جده إذا (كان الكفيل عن البائع به للمشتري هو الذي كان مشتريًا وفاء قبله) أن لا فرق في كون الكفالة به لا تصح إلا مضافة لحين (٢) الفسخ بين كون الكفيل به أجنبيًّا عن عقده أو مشتريًا فيه، وصور هذا بما إذا تكرر من البائع بيع الوفاء مرتين، وكان عقد الثاني بإجازة المشتري الأول، ثم إن المشتري الثاني خاف أن يتوى حقه على البائع فطلب كفيلًا به فكفله فيه المشتري الأول، فإن هذا الكفيل ليس أجنبيًّا عن عقد الوفاء إذ هو مشتر فيه، ومع ذلك لا تصح كفالته إلا مضافة كالأجنبي (٣) . [وإنما نص على هذا خشية توهم صحة الكفالة ههنا منجزة، لا كالأجنبي] (٤) بشبهة أن الوفاء قد انفسخ بالإجازة، ومتى انفسخ فقد ترتب ماله دينًا على البائع، وحيث ترتب عليه صح تنجيز الكفالة به، ولكنها شبهة واهية لأن هنا وفاءين مرتبين:
أولهما بين البائع والكفيل
[٤١٩] الذي هو المشتري الأول وهو الذي انفسخ بالإجازة وترتب ماله دينًا على البائع لكن الكفالة لم تقع به.
стр. 10998
وثانيهما بين البائع والمكفول له الذي هو المشتري الثاني، وهذا ما (١) انفسخ، ولا صار ماله دينًا، وهو الذي وقعت به الكفالة، فما يغني في صحة الكفالة منجزة ترتب دين لم تقع به الكفالة، والذي وقعت به لم يترتب دينًا بعد.
وأما الحوالة به فتنقسم أيضًا إذا (كان المحال عليه هو المشتري) إلى ما يكون المحال عليه فيها هو المشتري، وإلى ما يكون هو البائع. وقد صورها في الفصول على الوجه الأول فقال: (وسئل ﵀، يعني جده صاحب الهداية، عن رجل باع داره بيعًا جائزًا وأحال بالثمن لغيره على المشتري. ثم استحقت (٢) الدار وقد أدى (٣) بعض الثمن، هل للمحتال (٤) أن يطالبه بالباقي؟
أجاب: إن كانت الحوالة مطلقة له ذلك، وإن كانت مقيدة، (يعني بمال الوفاء) ليس له ذلك (٥) . وله (٦) أن يرجع على بائعه لأنه أدى (عنه دينه) بأمره.
قيل له: وهل له أن يرجع على المحتال [له] بما أدى؟
قال ﵀ في شركة الجامع في الباب الأول إشارة [إلى أن له ذلك] (٧) .
ولم يصورها على الوجه الثاني (٨) ونحن نصورها عليه.
стр. 10999
فنقول: إذا (كان المحال عليه هو البائع) إذا أحيل بمال الوفاء على البائع بأن أحال المشتري غريمًا له عليه، فإما أن تكون الحوالة مطلقة أو مقيدة، وعلى كليهما فإما منجزة أو مضافة لوقت الفسخ. ففي المطلقة تصح مطلقًا، وفي المقيدة تصح مضافة لا منجزة لأنها إذا قيدت بمال الوفاء مع التنجيز فلا بد من وجود ما قيدت به من دين الوفاء على البائع وقت الحوالة، ولا وجود له إذ ذاك، لما علم في مال الوفاء (١) .
(الصلح على مال الوفاء) وأما الصلح عنه
[٤٢٠] ففيها أيضًا نقلًا عن جده:
(وسئل ﵀ عمن إذا ادعى البيع الجائز والآخر البات ادعى على آخر أنه اشترى هذه الدار من فلان بيعًا جائزًا، وصاحب اليد اشتراها باتًّا من ذلك الفلان أيضًا، وادعى سبق البيع (الجائز) ، فصالح المشتري بالبات (معه) على بدل أيجوز؟
قال: إذا كان الصلح عن إنكار ينبغي أن يجوز ويلزم لأنه أمكن تصحيحه لأن صاحب اليد يدفعه لدفع اليمين عن نفسه (٢) ، وهو يقبضه على ظن أنه يقضي دين غريمه (٣) بغير أمره.
وإن كان الصلح عن إقرار ينبغي أن لا يلزم بدل الصلح لأنه لو كان عن مال بعينه يصير بمنزلة الرشوة لإجازة البيع) .
هكذا وقع في نسختي من الفصول (عن مال بعينه) (٤) . والظاهر (بغير عينه) لتظهر مقابلته بقوله:
(وإن كان بشرط أن يكون بدل الصلح من الثمن الذي على البائع يصير [هذا] وعدًا، وأنه غير لازم) (٥) .
فإن هذا هو الذي وقع الصلح فيه عن مال بعينه، وهو خصوص الثمن الذي على البائع. وقد أفاد كلامه صحة دعوى المشتري شراء جائزًا بسبب ذلك الشراء على ذي اليد المدعي شراء باتًّا - كما كنا ذكرناه - من جهة أن ذا اليد يدعي بالشراء البات الملك لنفسه في العين، وأنه لولا الصلح في هاته الصورة لقضي بالعين للخارج حيث تلقيا من واحد وكان تاريخ الخارج أسبق، وإن كان شراؤه جائزًا وشراء ذي اليد باتًّا ولا يرجع ذو اليد عليه بقوة شرائه.
стр. 11000
الفصل التاسع
في فسخ عقد الوفاء ورجوع المشتري على البائع
فيما إذا كان دفع خلاف ما سمي بماذا يكون منهما؟
[٤٢١] أما الفسخ فالمتحصل فيه مما نقله صاحب الفصول عن صاحب الهداية أنه كما يكون بالقول يكون بالفعل، وهو قبض المشتري ثمن الوفاء حقيقة أو حكمًا بالتخلية بينه وبينه، بحيث لو شاء قبضه حسًّا لأمكنه ذلك، لأنه يعد بذلك قابضًا (١)
له حتى ضاع لضاع عليه، لأن ضياعه وقع بعد القبض في هذا الفرض، غير أنه يشترط القبول في الفسخ القولي لا الفعلي لإغناء القبض بنوعيه عنه.
فإن قلت: إذا كان الفسخ يحصل بالقبض، والقبض بالتخلية، وكلاهما يغني عن القبول، فكيف قال: إنه أجاب بلا إذ قيل له فلو أبى المشتري من قبض الثمن هل يجبر؟ وهل ينفسخ بدون القبول؟
قلت: أما عدم انفساخه بدون القبول فلأن فرض المسألة: أن المشتري لما أبى من قبض الثمن رفع البائع دراهمه ولم يتركها بين يديه، وحينئذ يكون القبض قد انتفى بنوعيه. وقد عرفت أنه لا بد ههنا من القبول، ولا قبول مع الإباية فبماذا يقع الفسخ؟ وأما عدم الجبر على القبض فالمراد من القبض فيه القبض الحسي، وإنما لم يجبر عليه لإمكان حصول القبض بالتخلية، وانتفاؤه هنا جاء من قبل البائع حيث رفع دراهمه ولم يتركها.
(إذا قبض المشتري بعض مال الوفاء) ثم إن قبض المشتري مال الوفاء كله انفسخ العقد في المبيع كله، وإن قبض بعضه قال في الفصول: انفسخ بقدره (٢) . فأفاد تجزي الفسخ فيه.
стр. 11001
(على ماذا ينبغي حمل التجزي إن تجزأ الفسخ) وينبغي حمل هذا التجزي على كونه في أحد المقصودين في بيع الوفاء من تصرف المشتري فيه فلا يبقى له تصرف في القدر الذي انفسخ فيه الوفاء من المبيع دون المقصود الآخر وهو
[٤٢٢] حبسه للتوثق به للدين، فيكون له حبسه كله إلى حصول قبض الدين كله، لأنه إذا كان له حبسه كله بعد حصول الفسخ الحقيقي في كله قبل القبض، على ما سيأتي إن شاء الله تعالى في الفصل الذي يلي هذا، إذا (انفسخ عقد الوفاء فللمرتهن الذي هو المشتري الحبس) فكيف لا يكون له حبس كله في الفسخ الحكمي الواقع في بعضه؟ على أن المبيع في عقد الوفاء معطى له في حق الحبس حكم المرهون، (المرهون لا يزال محبوسًا كله إلى تمام قبض الدين) والمرهون لا يزال محبوسًا كله إلى تمام قبض الدين. وحينئذ لا يقال إن الفسخ يتجزأ في الوفاء ولا يتجزأ في الرهن فيكون هذا من المسائل التي اختلفا فيها، لأنك عرفت أن ما ثبت تجزي الفسخ في الوفاء فيه هو التصرف في المبيع الذي هو من خواص الوفاء، ولاحظ للرهن فيه. وأما ما اشتركا فيه من الحبس فهما سواء في عدم تجزي الفسخ بالنسبة إليه، فلا يكون هذا من تلك المسائل بهامش الرضوانية ذكر مسألتين. المسألة الأولى: وصي اليتيم اشترى بمال اليتيم دارًا أو نحوها وفاء، ومات الراهن فقام الوصي يبطل الرهن مع ورثة الراهن، وفسخ القاضي الرهن وأراد الوصي قبض المال، فهل تجب يمين القضاء؟ وهل وجوبها على الوصي الذي دفع المال أولًا ويريد قبضه ثانيًا بحكم الإيصاء، أو على اليتيم ويتأخر للبلوغ؟ أفتى شيخ الإسلام بتونس أحمد ابن الخوجة نقلًا عن والده شيخ الإسلام محمد ابن الخوجة استظهارًا منه: أن اليمين على اليتيم وتتأخر للبلوغ، كما لو مات المرتهن عن أيتام ثم مات الراهن وطلب وصي الأيتام فسخ الرهن، فإن المال يوقف إلى بلوغهم ويحلفون بعده يمين القضاء. اهـ. وأفتى الشيخ حسن عباس أن اليمين في المسألة الأولى على الوصي لأنه الذي فعل العقد ويريد القبض الآن فيحلف يمين القضاء على البات. نعم لو مات الوصي بوقف المال إلى بلوغ اليتيم، فإذا بلغ يحلف كما في المسألة الثانية. والله أعلم. المسألة الثانية: إذا مات المرتهن وله ورثة صغار، وعليهم وصي من قبله أو من قبل القاضي، وطلب الوصي فسخ الرهن مع ورثة الراهن، ووقع الفسخ وأراد ورثة الراهن الدفع إلى وصي الورثة المذكورين فهل تجب على الورثة يمين القضاء؟ وهل يحلف الصغار في هذه الحالة؟ الجواب أن اليمين واجبة، وكون ذلك صار دينًا في ذمة الميت، أعني الراهن أصالة، ويصير دينًا في عين التركة، فتجب يمين القضاء كما في غيرها من المسائل التي تجب فيها اليمين المذكورة. وأما تحليف الصغار في حال الصغر فقد اختلف فيه، والذي أفتى به علماء تونس عدم التحليف إلى أمد البلوغ. فبعد البلوغ يحلفون. اهـ. قاله شيخ الإسلام سيدي محمد ابن الخوجة ﵀. ر.
وأما بماذا يكون رجوع المشتري على البائع بعد الفسخ فيما إذا اختلف المسمى والمقبوض بأن كان المسمى دراهم والمقبوض دنانير بقدر مصارفتها أو العكس؟ فالذي انفصل عليه البزازي في جامعه، بعد طول مباحثة حكاها في ذلك يرجع إليه فيها من رام الوقوف عليها، إن الرجوع بالمسمى لا بالمقبوض أنه يرجع بالمسمى في العقد لا بما وقع عليه قبض اليد.
فعلى هذا ما يقع في ديارنا من عقده باسم الريال المنصرف لريالنا التونسي إذا كان عند الدفع دفع الريال الإفرنجي المسمى بِالدَوْزُو بحسب ما يصرف به من التونسي في ذلك الوقت، وتغيرت مصارفة الدوزو وقت الفسخ عنها
[٤٢٣] وقت العقد بزيادة أو نقص، يكون الرجوع بالمسمى من ريالنا التونسي لا بالمقبوض الإفرنجي (١) . وهكذا لو دفع الذهب المعبر عنه بالسلطاني والعقد باسم الريال وتغيرت فيه المصارفة.
стр. 11002
الفصل العاشر
في حكم المبيع وفاء بعد الفسخ ومطالبة المشتري مال الوفاء
في غير بلده أو بعد ما غصب المبيع من يده
اعلم أن فسخ الوفاء تارة يكون قصدًا بالقول أو بالفعل على ما مر، وأخرى ضمنًا بأن كان وقع في مبيعه من بائعه بيع بات أو وفاء فأجازه مشتري الوفاء منه أولًا، فإن إجازته لأحد البيعين تتضمن فسخ وفائه. وتتعلق بهذين الفسخين مسألتان:
إحداهما إذا كان هذا المشتري الذي انفسخ شراؤه الوفائي بأحد الأمرين لم يكن قبض مال وفائه المفسوخ بعد، فهل له حبس المبيع عن البائع في صورة الفسخ القصدي القولي معه، وعن المشتري في صورة الفسخ الضمني بإجازته لشرائه أم لا؟
ثانيتهما إذا كان له حبسه عن الأول ومات الأول عن غرماء ولم يترك سوى ذلك المبيع فبيع في خلاص ما على الميت من دين، فهل يختص هذا المشتري بقدر مال وفائه من ثمنه من بين الغرماء؟ أم يكون أسوة لهم فيه؟ وإذا لم يكن له حبسه عن المشتري في الصورة الأخرى لمكان إجازته، فهل له أن يأخذ منه الثمن فيحبسه عن البائع؟ وإذا مات على تلك الصفة يختص بقدر وفائه من ذلك الثمن أم لا؟ بهامش الصفحة والتي تليها مسألة مضافة نصها: الحمد لله. وجدت بخط المؤلف على هامش البزازية ما نصه: الحمد لله. قد كنت كتبت على مسألة الزكاة في مال الوفاء ما نصه: اعلم أن مال الوفاء إما أن يبقى بيد البائع حتى يحول عليه الحول أو لا. فإن كان الأول فأما البائع فتلزمه زكاته اعتبرت الوفاء رهنًا أو بيعًا صحيحًا نافذًا أو فاسدًا، ضرورة دخول المال في ملكه في الصور كلها. أما في الرهن والبيع الصحيح فواضح، وأما في الفاسد فبدخول المبيع فيه في ملك المشتري بالقبض، وهو يستلزم خروج الثمن عن ملك المشتري لئلا يجتمع البدلان في ملك شخص واحد. وإذا خرج الثمن عن ملكه دخل في ملك البائع لزومًا تحقيقًا للمساواة بينهما، ولا أثر لوجوب رده عند الفسخ كما لا أثر لوجوب الرد في الرهن في نفي ملكيته فيرد لأن الواجب رد مثله لا عينه لما عرف من قواعدنا أن الدراهم والدنانير لا تتعين في العقود والفسوخ مع التعيين فكيف مع عدمه. وأما المشتري، فأما على اعتباره رهنًا فكذلك لأنه دين له على البائع فيجري على حكم زكاة الدين. وهنا يتمشى قولهم، وليس فيه إيجاب الزكاة على شخصين في مال واحد لأنه ما تقرر من عدم التعيين يكون الإيجاب في مالين إذ أحدهما عين والآخر دين. وأما على اعتباره بيعًا بنوعيه فلا. أما على القول بالصحة واللزوم فظاهر لا غبار عليه. وأما على القول بالفساد فلأن الثمن في البيع الفاسد ليس بدين للمشتري في ذمة البائع في الحال. فكيف وإنما أعطاه للبائع بدلًا عما وجب له عليه من عوض المبيع الذي دخل في ملكه بالقبض. وإنما هو عرضة أن يصير دينًا في المآل، وذلك عند التفاسخ ولهذا صرحوا بعدم صحة الكفالة بمال الوفاء إلا مضافة لوقت الفسخ، لأن صحة الكفالة مشروطة بكون المكفول به دينًا. وهذا لا يكون كذلك إلا عند الفسخ وكأنهم إنما أطلقوا القول بوجوب زكاة مال الوفاء على المشتري الموهم أنه متمش على كل قول فيه مع أنك عرفت أن تمشيته ليست إلا على أنه رهن لأن المختار في بيع الوفاء هو القول بالتركيب وهو العمل بكل قول فيه ولكن في مواضع مختلفة، وتعيين تنزيل كل قول في موطن يتبع المصلحة فيما يظهر، ولا شك أن اعتبار مصلحة الفقراء في موطن الزكاة يقتضي اعتباره هنا لتجب على المشتري. وأما إذا هلك في يد البائع قبل الحول على الوجه المعروف فأما البائع فعدم الوجوب عليه أظهر من أن ينبه عليه، وأما المشتري فتجب عليه بالوجه الذي مرت الإشارة إليه. حرره كاتبه الفقير محمد بن محمد بيرم كان الله تعالى له. ر.
стр. 11003
(إن لمشتري الوفاء بعد فسخه حبس المبيع عن البائع حتى يدفع له ثمنه) أما الأولى فأما عن البائع (١) في الصورة الأولى فله حبسه إلى أن يوفيه بثمن وفائه وإن كان ذلك بعد انفساخ عقده لأن الذي تحصل في الحبس بعد الفسخ من كلام [٤٢٤] العمادية في فصل التصرفات الفاسدة (٢) أنه يثبت للمشتري في البيع الصحيح مطلقًا، وفي البيع الفاسد والرهن صحيحًا كان أو فاسدًا لا مطلقًا، بل إذا لم يبع ولم يرهن بدين كان عليه قبل عقدهما بل بما هو مقابل بهما (٣) .
فإن قلت: وأين هذا مما نحن فيه؟ إذ هذا في حبس المبيع والمرهون صحيحين أو فاسدين بعد الفسخ، وكلامنا في حبس المبيع وفاء بعده.
стр. 11004
قلت: وهل يخرج بيع الوفاء عن كونه بيعًا صحيحًا أو فاسدًا أو رهنًا على ما سمعت من المذاهب فيه. ومال الوفاء ليس بدين سابق على عقده فيما هو الغالب. بل لم يترتب بذمة المشتري إلا بعقده. فللمشتري حبسه بعد الفسخ فيما إذا كان ماله كذلك على سائر الأقوال. (ليس له حبسه عن المشتري بعد الإجازة) وأما (١) عن المشتري الذي أجاز هذا المشتري شراءه فلا، وإلا لم يكن لإجازته معنى، إذ معنى توقف البيع على إجازته هو عدم ترتب مقتضاه الآن عليه من اختصاص مشتريه به لمانع تعلق حق الآخر به قبل شرائه فإذا أجاز زال المانع فعمل المقتضي عمله، فمن أين يكون له حق الحبس بعد ما أسقطه بالإجازة؟
(له أخذ الثمن عن المشتري وحبسه عن البائع) وأما هل له أخذ الثمن من المشتري وحبسه عن البائع؟ فنعم له ذلك ففي اختصار والدنا ﵀ لأنفع الوسائل (٢) المسمى ببغية السائل عند الكلام على مسألة بيع المرهون: وإذا نفذ البيع بإجازة المرتهن ينتقل حقه إلى بدله وهو الصحيح، لأن حقه متعلق بالمالية والبدل له حكم المبدل، فصار كالعبد المأذون إذا بيع برضاء الغرماء ينتقل حقهم إلى البدل، لأنهم رضوا
[٤٢٥] بالانتقال دون السقوط رأسًا فكذا هذا.
(اختصاصه بثمن المبيع) وأما اختصاصه بثمنه في الصورتين فنعم، إذ المفهوم من كلام الفصول أن الاختصاص يتبع حق الحبس (أينما ثبت للشخص حق الحبس يثبت له الاختصاص) فأينما يثبت له حقه يثبت الاختصاص، وأينما ينتفي ذاك ينتفي هذا.
وقد عرفت أنه يثبت للمشتري حق حبس المبيع في الصورة الأولى، وثمنه في الثانية عن البائع فيهما، فيختص بثمن المبيع من بين غرماء البائع.
стр. 11005
وأما مطالبة المشتري للبائع بثمنه في غير بلده، أو بعد غصب المبيع من يده، فالمسألتان في الحكم متعاكستان، إذ تثبت له المطالبة في الأولى، وتنتفي في الثانية على ما ذكره في الفصول من قوله في الأولى نقلًا عن جده: (وسئل ﵀ إذا أخذ (١) البائع المشتري في البيع الجائز في بلد آخر (٢) وقد طلب الثمن بعد الفسخ، هل له ذلك؟
(للمشتري مطالبة البائع بالثمن في غير بلده) أجاب ﵀: له ذلك قياسًا على مسألة الرهن إذا كان له حمل ومؤنة وأخذه في بلد آخر له أن يطالبه بدينه (٣) .
وقوله في الثانية واقعة الفتوى: (رجل باع داره بيعًا جائزًا ثم إن رجلًا آخر غصب الدار من يد المشتري شراء جائزًا، (ليس له طلب مال الوفاء والمبيع في يد غاصبه) والمشتري لا يقدر على استرداد الدار من يد الغاصب [هل للمشتري أن يطالب بائعه بمال الوفاء قبل فسخ البيع واسترداد المبيع من يد الغاصب] ، فعلى (٤) قياس مسألة (غصب) المرهون ينبغي أن لا يملك المطالبة بمال الوفاء بل أولى لما ذكرنا (أن) ههنا مال الوفاء ليس بثابت في ذمة البائع ما دام البيع قائمًا) (٥) .
ويظهر لي أنهما لو تفاسخا الوفاء فنفي مطالبة المشتري البائع بالثمن ما دام المبيع مغصوبًا على حالها لأن قصارى هذا الفسخ أن يصير به مال الوفاء ثابتًا بذمة البائع.
وقد سمعت في الرهن الذي الدين فيه ثابت مع قيام عقده
[٤٢٦] عدم مطالبة المرتهن الراهن بالدين ما دام المرهون مغصوبًا. وهذا لأن قبض الرهن، على ما صرحوا به، قبض استيفاء، فيصير به المرتهن مستوفيًا دينه حكمًا. وفي الاستيفاء الحقيقي لا يملك المطالبة، فكذلك في الحكمي، وقد بلغك غير مرة أن الوفاء له حكم الرهن في غير انتفاع المشتري بالمبيع، وهذا من ذلك الغير.
стр. 11006
الخاتمة
في اختلاف المتعاقدين في العقد الذي بينهما
أهو بيع بات أو بيع وفاء
(١)
ذكر صاحب الفصول: (أن جده سئل إذا ادعى بيعًا جائزًا والمشتري بيعًا باتًّا أو ادعى على العكس، فالقول لمن يكون؟
(و) أجاب: لمن يدعي البات. وقال: وكنت أفتي في الابتداء أن القول قول من يدعي بيعًا جائزًا وله وجه حسن، إلا أن أئمة بخارى هكذا أجابوا فوافقتهم) (٢) .
أقول: لعل الوجه الحسن الذي أشار إليه في كون القول قول من يدعي البيع الجائز هو أن المدعي البتات يدعي خلاف الظاهر.
(أما إذا كان مشتريًا فلأنه يدعي على البائع زوال ملكه عن المبيع وهو ينكر، والأصل عدم الزوال) (٣) .
وإن كان بائعًا فهو يدعي على المشتري لزوم الثمن بذمته والمشتري ينكر، والأصل عدم اللزوم (٤) .
فإن قلت: هذا إنما يظهر فيما إذا كان اختلافهما قبل قبض البائع الثمن من المشتري، إذ هنا يجيء كون البائع طالبًا من المشتري الثمن من دعواه (٥) لزومه عليه بدعواه بتات البيع، والمشتري ينكر اللزوم بادعائه الوفاء الذي هو غير لازم.
أما إذا كان الاختلاف بعد القبض فالبائع هنا لا يدعي على المشتري شيئًا ليكون المشتري بدعوى الوفاء منكرًا له ليجعل القول قوله لإنكاره، وإنما الأمر في ذلك بالعكس: وهو أن المشتري هو الذي يدعي عليه وجوب رد الثمن الذي قبضه منه لكون البيع غير لازم، والبائع ينكر ذلك لكون البيع لازمًا فلا يلزمه رده.
وكان هذا هو وجه رجوع صاحب الهداية عما كان يفتي به من كون القول قول مدعي الجائز إلى ما أفتى به البخاريون من كون القول قول مدعي البتات لا مجرد موافقته لهم في الجواب.
стр. 11007
قلت: لا يصلح هذا وجهًا للرجوع لثبوت مثله في المرجوع إليه، إذ يقال فيه كون القول قول مدعي البتات إنما يظهر فيما إذا كان الاختلاف بعد قبض البائع الثمن، إذ هنا يجيء كون المشتري طالبًا رد الثمن عليه بدعواه لزومه عليه بادعائه كون البيع وفاء، والبائع ينكر هذا اللزوم بادعاء البتات.
أما إذا كان الاختلاف
[٤٢٧] بعد القبض فالمشتري هنا لا يدعي على البائع شيئًا يكون البائع بدعواه البتات منكرًا له ليجعل القول قوله لإنكاره، وإنما الأمر في ذلك بالعكس: وهو أن البائع هو الذي يدعي عليه لزوم دفع الثمن بدعوى البتات والمشتري ينكر هذا اللزوم بادعاء أن العقد وفاء. فالأظهر في وجه الرجوع ما وجه به صاحب الخانية (١) كما نقله عنه في الخيرية (٢) القول بكون القول لمدعي البتات، وهو أن الأصل في البياعات هو البات، والوفاء خلاف الأصل فيها (٣) ، والأصل هو الظاهر، فمدعي البتات هو المدعي للظاهر لتمسكه بالأصل وأبدًا يكون القول قول مدعي الظاهر فيكون القول قول مدعي البتات.
стр. 11008
نعم إذا أقام مدعي الوفاء بينة وفاء تقبل منه لإثباتها
[٤٢٨] خلاف الظاهر، وما شرعت البينة إلا لإثباته، وكذلك ترجح بينته على بينة البتات لذلك.
وهكذا (١) أعني كون القول قول مدعي البتات هو الذي اقتصر عليه قاضيخان مع كثرة اختلاف أصحابنا في هذه المسألة، الراجح أن القول لمدعي البتات وأنه الراجح فيها كما ذكر ذلك كله صاحب الخيرية.
ثم قال: (واعترض بأنه رهن في الحقيقة، وبينة البيع مقدمة على بينة الرهن) .
وأجيب بما حاصله: صورته صورة الرهن (٢) وفيه شرط (٣) زائد بخلاف الرهن (٤) . فاغتنم هذا التحرير (٥) فقد قل من تعرض له. والله أعلم.
وقد تفاءلنا باختتام الكلام بالأمر لهذا التحرير بالاغتنام، لما فيه من الإشارة له بحسن الانتظام. ختم الله تعالى لنا بأحسن الأحوال ولطف بنا في الحال والمآل، بالنبي ﷺ وعلى من تعلق به من صحب وآل. وكان الفراغ من تحريره يوم ٢٣ الجمعة الثالث والعشرين من شهر أشرف الربيعين ثالث شهور عام ١٢٢٨هـ.
انتهى بحمد الله وحسن عونه وتوفيقه. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 11009
الأعلام الواردة في المتن
١- ابن أبي شجاع: ١٩٧/١.
٢- محمد ابن الفضل: ٢٨٠/١؛ ٢٨١/١.
٣- ابن كمال باشا: ٢١١/٤.
٤- أبو شجاع: ١٩٧/١.
٥- (القاضي) الأمير: ١٩٨/١؛ ٢٢٩/٢، ٧.
٦- أميرنا (حمودة باشا) : ٢١٥/١٥.
٧- البخاريون: ٣٠٣/١٥.
٨- برهان الدين المرغيناني (جد العمادي) : ٢١٠/٨؛ ٢١١/١؛ ٢٦٤/٤.
٩- البزازي: ١٩٥/٥؛ ٢١٦/٦؛ ٢٢٣/٥؛ ٢٢٧/١٢؛ ٢٣٥/١؛ ٢٤٩/١٦؛ ٢٦٢/٤، ١٤؛ ٢٦٤/٢، ٨؛ ٢٧٧/٣؛ ٢٩٥/٣.
١٠- حذام: ٢٦٣/١.
١١- الحنفية (المذهب النعماني) : ١٨٩/١؛ ١٩٣/٢؛ ٢١٥/١، ١١؛ ٢١٦/٢.
١٢- الديناري: ٢٥٦/١، ١٣.
١٣- الزيلعي: ١٩٠/١٠؛ ٢٠٤/٧؛ ٢٠٩/١؛ ٢١٠/٧؛ ٢١٣/٣؛ ٢٨٣/١٤.
١٤- السغدي: ١٩٧/١.
١٥- السمرقنديون: ١٩٢/٥؛ ٢٨٤/١٨.
١٦- الشافعية: ٢١٣/٦.
١٧- صاحب التنوير: ٢٠١/٨.
١٨- صاحب الخانية: ٢٤٨/١٣؛ ٣٠٤/١١.
١٩- صاحب الخيرية: ٢٦٧/١٦؛ ٣٠٥/٦.
٢٠- صاحب العدة: ٢٠٨/١؛ ٢٢٢/٥؛ ٢٢٣/٢.
ثبت المراجع
١- القرآن الكريم.
٢- أحمد بن حنبل: المسند. حم، بيروت، ٦ أجزاء.
٣- أحمد الزرقاء: شرح القواعد الفقهية. طبعة دار الغرب الإسلامي، بيروت، ١٤٠٣هـ. جزء واحد.
٤- الأشباه: انظر ابن نجيم.
٥- إعلاء السنن: انظر التهانوي.
٦- الإيضاح: انظر البغدادي (إسماعيل باشا) .
٧- البخاري (أبو عبد الله محمد بن إسماعيل) : خ. الجامع الصحيح.
٨- البزازي (محمد بن محمد بن شهاب الكردي) : البزازية = الفتاوى البزازية، الجامع الوجيز طبعة على هامش الفتاوى الهندية، بيروت، الأجزاء: ٤، ٥، ٦.
٩- البغدادي (إسماعيل باشا بن محمد أمين) : الإيضاح = إيضاح المكنون في الذيل على كشف الفنون على أسامي الكتب والفنون، دار الفكر، جزءان.
١٠- هدية العارفين، أسماء المؤلفين، آثار المصنفين، دار الفكر، جزءان.
١١- البنشانجي (محمد بن) : نور العين في إصلاح جامع الفصولين. مخط. ٢١٦، مكة المكرمة. جزء واحد.
١٢- البهوتي (منصور بن يونس بن إدريس) : كشاف القناع عن متن الإقناع. طبعة مكة، ٦ أجزاء.
١٣- التاتارخانية. انظر ابن العلاء.
١٤- التاودي (أبو عبد الله محمد) : حلي المعاصم لبنت منكر ابن عاصم، دار الفكر، بهامش البهجة، جزءان.
١٥- الترمذي (أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة) : السنن. تحقيق عبد الوهاب عبد اللطيف، وعبد الرحمن محمد عثمان، القاهرة، ٥ أجزاء.
١٦- التسولي (أبو الحسن علي بن عبد السلام) : البهجة في شرح التحفة، دار الفكر، جزءان.
١٧- التهانوي (ظفر أحمد العثماني) : إعلاء السنن. تحقيق محمد تقي العثماني، كراتشي، ٣+١٨ جزءًا.
١٨- الجامع = انظز ابن قاضي سماونة.
١٩- حاجي خليفة. الكشف = كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون. استانبول، ١٩٤٣م، جزءان.
٢٠- ابن حجر الهيثمي (شهاب الدين أحمد) : الفتاوى الكبرى الفقهية، بيروت، ٤ أجزاء.
стр. 11014
٢١- حسن حسني عبد الوهاب: كتاب العمر في المصنفات والمؤلفين التونسيين، مراجعة وإكمال محمد العروسي المطوي وبشير البكوش، بيت الحكمة قرطاج، الجزء الأول، جزءان.
٢٢- حسين خوجة: ذيل بشائر أهل الإيمان بفتوحات آل عثمان. تحقيق د. الطاهر المعموري، الدار العربية للكتاب، تونس، جزء واحد.
٢٣- الحطاب (محمد بن محمد المغربي) : مواهب الجليل لشرح مختصر خليل. طبعة (٢) ، ١٣٦٨هـ، ٦ أجزاء.
٢٤- الحجوي (محمد بن الحسن الثعالبي الفاسي) : الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي. طبعة المدينة المنورة، جزءان.
٢٥- الحميري (أبو عبد الله محمد بن عبد المنعم) : الروض المعطار في خبر الأقطار، القاهرة، جزء واحد.
٢٦- الخانية: انظر قاضيخان.
٢٧- الخصاف (أبو بكر أحمد بن عمرو بن مهير الشيباني) : الحيل. طبعة ١٣١٦هـ، جزء واحد.
٢٨- الخيرية: انظر الرملي.
٢٩- الدارمي (أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن) : دي. تحقيق عبد الله هاشم يماني، القاهرة، ١٩٦٦م، جزءان.
٣٠- الذهبي (شمس الدين محمد) : التذكرة = تذكرة الحفاظ. بيروت، ١٩٥٥م، جزءان.
٣١- رد المحتار: انظر ابن عابدين.
٣٢- الرملي (خير الدين) : الفتاوى الخيرية لنفع البرية. بولاق، ١٣٠٠هـ، جزءان.
٣٣- اللآلىء الدرية في الفوائد الخيرية. حاشية على جامع الفصولين، كراتشي، ١٣٠٢هـ، مجلدان.
٣٤- الزركلي (خير الدين) الأعلام. بيروت، ١٩٨٠. ٨ أجزاء.
٣٥- الزيلعي (جمال الدين أبو محمد عبد الله بن يوسف) : نصب الراية لأحاديث الهداية. بيروت، ١٣٩٣هـ، ٤ أجزاء.
٣٦- الزيلعي (فخر الدين عثمان بن علي) : تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق. بولاق، ١٣١٤هـ، ٦ أجزاء.
٣٧- سجاد حسين: مقدمة التارتارخانية. المجلد الأول.
٣٨- السخاوي (شمس الدين محمد بن عبد الرحمن) : المقاصد = المقاصد الحسنة في بيان كثير من الأحاديث المشتهرة على الألسنة، القاهرة، ١٩٥٦م، جزء واحد.
٣٩- السراج (محمد بن محمد الوزير) : الحلل السندسية في الأخبار التونسية. تقديم وتحقيق د. محمد الحبيب الهيلة. دار الغرب الإسلامي، ١٩٨٤م، ٣ مجلدات.
٤٠- سليم رستم باز: شرح المجلة. دار إحياء التراث العربي، بيروت، جزء واحد.
٤١- السنهوري (عبد الرزاق أحمد) : الوسيط في شرح القانون المدني الجديد، بيروت، ١٠ أجزاء.
٤٢- الشافعي (أبو عبد الله محمد بن إدريس) : الأم. بولاق، ١٣٢١هـ، ٧ أجزاء.
٤٣- شرح المجلة = انظر سليم رستم باز.
٤٤- شلبي: حاشية على تبيين الحقائق للزيلعي. ٦ مجلدات.
٤٥- الشوكاني (محمد بن علي الصنعاني) : نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار عن أحاديث سيد الأخيار، القاهرة، ٨ أجزاء.
стр. 11015
٤٦- الشيرازي (أبو إسحاق) : المهذب. مصر، جزءان.
٤٧- ابن أبي الضياف: الإتحاف = إتحاف أهل الزمان بأخبار ملوك تونس وعهد الأمان. تحقيق محمد شمام، الدار التونسية للنشر، ١٩٩٠م، ٨ أجزاء.
٤٨- الطبراني (أبو القاسم سليمان بن أحمد) : المعجم الأوسط. تحقيق محمود بن أحمد الطحان. الرياض، ١٤٠٥هـ، جزءان.
٤٩- الطرابلسي (علاء الدين علي بن خليل) : معين الحكام فيما يتردد بين الخصمين من الأحكام. طبعة (٢) مصر، ١٣٩٣هـ، جزء واحد.
٥٠- ابن عابدين (محمد أمين) : رد المحتار على الدر المختار. حاشية على شرح تنوير الأبصار للحصكفي، بيروت، ٥ أجزاء.
٥١- عبد الرحمن عبد الله بكير: بيع العهدة بين مؤيديه ومعارضيه. طبعة (١) ، ١٤٠٨هـ، جزء واحد.
٥٢- عبد الرحمن بن محمد بن حسين باعلوي. بغية المسترشدين في تلخيص فتاوى بعض الأئمة من العلماء المتأخرين، جزء واحد.
٥٣- د. عبد الستار أبو غدة: الخيار وأثره في العقود. الكويت (٢) ، ١٣٩٥هـ، جزءان.
٥٤- د. عبد السلام ذهني بك: الحيل المحظور منها والمشروع. القاهرة، ١٩٤٦م، جزء واحد.
٥٥- ابن العلاء (عالم الأنصاري الأندريتي) : الفتاوى التاتارخانية. طبعة كراتشي، صدر منها ٥ أجزاء.
٥٦- علي حيدر: درر الحكام. شرح مجلة الأحكام، تعريب المحامي فهمي الحسيني، بيروت وبغداد، ٤ أجزاء.
٥٧- العمادي (أبو الفتح عبد الرحيم بن أبي بكر المرغيناني) : الفصول العمادية. فصول الأحكام لأصول الأحكام (١) مخط، ١٩٥٢م اليوسفية، دار الكتب الوطنية، تونس، جزءان (٢) مخط، الأحمدية، ٢٤٥٢. دار الكتب الوطنية، تونس، جزءان.
٥٨- العياضي (محمد بن محمد الباجي) . مفاتح النصر في التعريف بعلماء مصر، النشرة العلمية للكلية الزيتونية بتونس، السنة الرابعة ١٩٧٦ - ١٩٧٧، العدد الرابع.
٥٩- العيني (محمد محمود بن أحمد) : البناية في شرح الهداية، بيروت، ١٠ مجلدات.
٦٠- الفتاوى البزازية = انظر البزازي.
стр. 11016
٦١- الفتاوى الهندية = الفتاوى العالمكيدية. جماعة من الفقهاء، طبعة (٣) بيروت، ١٤٠٠هـ، ٦ أجزاء.
٦٢- الفصول = انظر العمادي.
٦٣- قاضيخان (الحسن بن منصور بن محمود الأوزجندي) : فتاوى قاضيخان. طبعة (١) بهامش الفتاوى الهندية الأجزاء الثلاثة، طبعة (٢) لاهور، ٤ أجزاء، مجلدان.
٦٤- ابن قاضي سماونة (بدر الدين محمود بن إسرائيل) : الجامع = جامع الفصولين. كراتشي، ١٣٠٢هـ، جزءان.
٦٥- القرشي (محيي الدين عبد القادر بن محمد) : الجواهر المضية في طبقات الحنفية. تحقيق د. عبد الفتاح محمد الحلو، مصر، ٥ أجزاء.
٦٦- الكاساني (علاء الدين أبو بكر بن مسعود) : البدائع = بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، القاهرة، ١٣٢٨هـ، ٧ أجزاء.
٦٧- كحالة (عمر رضا) . معجم المؤلفين = تراجم مصنفي الكتب العربية، دمشق، ١٥ جزءًا.
٦٨- الكشف = انظر حاجي خليفة.
٦٩- كنز الدقائق = انظر النسفي.
٧٠- اللكنوي (محمد بن عبد الحي الأنصاري) : الفوائد البهية في تراجم الحنفية. دلهي بالهند، ١٩٦٧م، جزء واحد.
٧١- ابن ماجه (أبو عبد الله محمد بن يزيد) : جه. السنن. تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، القاهرة، ١٩٧٢م جزءان.
٧٢- المجلة = مجلة الأحكام العدلية.
٧٣- مجلة العقود والالتزامات التونسية = طبعة الشركة التونسية لفنون الرسم، ١٩٦٠م، جزءان.
٧٤- مجمع الفقه الإسلامي = قرارات وتوصيات، ١٤٠٦هـ - ١٤٠٩هـ، جدة، ١٤١٠هـ.
٧٥- محمد البارودي: مسائل بيع الوفاء. مخط، دار الكتب الوطنية بتونس.
٧٦- محمد البشير النيفر: ترجمة بيرم الثاني. مقال مخطوط.
٧٧- محمد بيرم الثاني: التعريف بالمفتيين الحنفيين بتونس من الفتح العثماني. مخط، دار الكتب الوطنية بتونس: ٥٨، ٥٠٩، ١٨٦٧٦.
٧٨- محمد الحبيب ابن الخوجة: من المخارج الشرعية المعتمدة في المعاملات المالية. أعمال الندوة الفقهية الأولى لبيت التمويل الكويتي، ٧ - ١١ رجب ١٤٠٧هـ/٧ - ١١ مارس ١٩٨٧م، طبعة (١) الكويت ١٤١٠هـ.
٧٩- الحياة الثقافية بأفريقية صدر الدولة الحفصية. بحث مقدم لمجمع اللغة العربية بالقاهرة، مجلة المجمع: ص٣٠٥ - ٣٤٠. مؤتمر الدورة الحادي والأربعين: ١٣ - ٢٧ صفر ١٣٩٥هـ/ ٢٤ فبراير - ١٠ مارس ١٩٧٥م.
٨٠- ديوان الورغي. تونس، جزء واحد.
стр. 11017
٨١- محمد بن الحسن الشيباني: المخارج في الحيل. طبعة ليبسك، ١٩٣٠م، جزء واحد.
٨٢- محمد ابن الخوجة: تاريخ معالم التوحيد في القديم والجديد. تقديم وتحقيق الجيلاني بن الحاج يحيى وحمادي الساحلي، دار الغرب الإسلامي، ١٩٨٥م، جزء واحد.
٨٣- صفحات من تاريخ تونس، تقديم وتحقيق حمادي الساحلي والجيلاني بن الحاج يحيى، دار الغرب الإسلامي، ١٩٨٦م، جزء واحد.
٨٤- محمد رشاد الإمام: سياسة حمودة باشا. منشورات الجامعة التونسية، ١٩٨٠م، جزء واحد.
٨٥- محمد سعادة: قدة العين بنشر فضائل الملك حسين بن علي. مخط، رضوانية ٥٣، الزيتونة، مجلد واحد.
٨٦- محمد السنوسي (أبو عبد الله بن عثمان) : المسامرات = مسامرات الظريف بحسن التعريف، تحقيق محمد الشاذلي النيفر، تونس، ١٩٨٣م، مجلد واحد.
٨٧- محمد الطاهر ابن عاشور: المقاصد = مقاصد الشريعة الإسلامية، تونس، ١٩٨٨م، جزء واحد.
٨٨- محمد مطيع حافظ، مقدمة الأشباه.
٨٩- محمد النيفر: عنوان الأريب عما نشأ بالمملكة التونسية من عالم أديب، تونس، ١٣٥١هـ، جزءان.
٩٠- د. محمد يوسف موسى، البيوع والمعاملات المالية المعاصرة، مصر، ١٣٧٣، جزء واحد.
٩١- محمود مقديش: نزهة الأنظار في عجائب التواريخ والأخبار. تحقيق علي الزواري ومحمد محفوظ، دار الغرب الإسلامي، جزءان.
٩٢- مخلوف (محمد بن محمد) : شجرة النور الزكية في طبقات المالكية، جزءان.
٩٣- مسلم بن الحجاج (القشيري النيسبوري) : م. الصحيح، ٥ أجزاء.
٩٤- المقاصد: انظر محمد الطاهر ابن عاشور.
٩٥- المهذب: انظر الشيرازي.
٩٦- الموسوعة الفقهية الكويتية.
٩٧- ابن نجيم (زين الدين بن إبراهيم) : الأشباه والنظائر. دار الفكر، دمشق، ١٤٠٣هـ، جزء واحد.
٩٨- البحر = البحر الرائق شرح كنز الدقائق. طبعة العربية بباكستان، ٨ أجزاء.
٩٩- النسائي (أحمد بن شعيب) : ن. السنن الكبرى. شرح السيوطي، بيروت، ٤ أجزاء.
١٠٠- النسفي (أبو البركات عبد الله بن أحمد) : كنز الدقائق.
١٠١- الهندية = الفتاوى الهندية.
١٠٢- ياقوت (شهاب الدين بن عبد الله) : معجم البلدان. القاهرة، ١٣٢٣هـ - ١٣٢٤هـ، ٨ أجزاء.
стр. 11018
بيع الوفاء
في الفقه الإسلامي
إعداد
محيي الدين قادي
أستاذ الفقه ومقاصد الشريعة
بجامعة الزيتونة - تونس
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الذي أحل البيع وحرم الربا، والصلاة والسلام على سيدنا محمد مورث هديه للعلماء، وعلى آله وصحبه المتقين للشبهات، ومن تبعهم بإحسان ما دامت الأرض والسموات.
أما بعد، فالإنسان - كما قال العلامة ابن خلدون -: مدني بالطبع، ومحتاج إلى من يتبادل معه المنافع، ويتعامل معه، والمجتمعات يخدم أفرادها بعضهم بعضًا وإن لم يشعروا بذلك أحيانًا كما قال حكيم المعرة:
الناس للناس من بدو وحاضرة
بعض لبعض وإن لم يشعروا خدم
ومن أهم المعاملات المادية البيع الذي لم تحرمه شريعة الإسلام، ولم يرد نهي عنه في القرآن الكريم، أو السنة الشريفة، وأعني به البيع الذي أحله الله ﷻ لعباده في كتابه فقال: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (١) .
ولفظ البيع عام لأنه اسم مفرد دخلت عليه ((أل)) فجعلته عامًّا، واللفظ العام إذا ورد يحمل على عمومه فيندرج في عموم الآية الكريمة الآنفة الذكر كل بيع إلا ما قام البرهان على تخصيصه، كبيوع كثيرة خصت بأدلة شرعية وما خلاها من ضروب البيع وهو باق على أصل الإباحة.
وهنالك من البيوع ما جرى فيه الخلاف بين الأيمة الأعلام، هل هو حلال أم حرام؟ كبيوع الآجال، مذهب إمام دار الهجرة الإمام مالك بن أنس - رحمه الله تعالى - أنها بيوع ظاهرها الصحة، ولكنها ذريعة إلى الربا، ومثل لها ابن رشد في المقدمات بقوله: (مثل أن يبيع الرجل سلعة من رجل بمائة إلى أجل، ثم يبتاعها بخمسين نقدًا فيكونان قد توصلا بما أظهراه من البيع الصحيح إلى اقتراض خمسين دينارًا بمائة دينار إلى أجل وذلك حرام لا يحل ولا يجوز، وأباح الذرائع الشافعي وأبو حنيفة وأصحابهما والصحيح ما ذهب إليه مالك - رحمه الله تعالى - ومن قال بقوله لأن ما جر إلى الحرم وتطرق به إليه حرام مثله (٢) .
стр. 11019
وممن قال بقوله المالكية الحنابلة، قال ابن قدامة في مغنيه في باب الربا والصرف: الحيل كلها محرمة غير جائزة في شيء من الدين وهو أن يظهر عقدًا مباحًا يريد به محرمًا مخادعة وتوسلًا إلى فعل ما حرم الله واستباحة محظوراته، أو إسقاط واجب، أو دفع حق ونحو ذلك ... فمن ذلك ما لو كان مع رجل عشرة صحاح ومع الآخر خمسة عشر مكسرة، فاقترض كل واحد منهما ما مع صاحبه، ثم تباريا وتوصلا إلى بيع الصحاح بالمكسرة متفاضلًا، أو باعه الصحاح بمثلها من المكسرة، ثم وهبه الخمسة الزائدة ... وهكذا لو أقرضه شيئًا أو باعه سلعة بأكثر من قيمتها توصلًا إلى أخذ عوض عن القرض، فكل ما كان من هذا على وجه الحيلة فهو خبيث محرم، وبهذا قال مالك، وقال أبو حنيفة والشافعي: ذلك كله وأشباهه جائز إذا لم يكن مشروطًا في العقد وقال بعض أصحاب الشافعي: يكره أن يدخلا في البيع على ذلك، لأن كل ما لا يجوز شرطه في العقد يكره أن يدخلا عليه (١) .
وقد أقام كل من ابن رشد وابن قدامة الأدلة على عدم جواز ما ذكراه من حيل على الربا ولكن ما ساقاه من أدلة لا يفيد لأنها تدل على اعتبار الشرع سد الذرائع في الجملة وهذا مجمع عليه، وإنما يجري الخلاف في ذرائع خاصة وهي بيوع الآجال ونحوها فالمطلوب في سنن آداب البحث والمناظرة أن تذكر أدلة خاصة بمحل النزاع، وأن قصد القياس على ما ذكراه من أدلة كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ . [الأنعام: ١٠٨]
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ﴾ الآية. [البقرة: ٦٥]
وقوله ﷺ : ((لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا ثمنها)) . وقوله ﷺ : ((من أدخل فرسًا بين فرسين وقد أمن أن يسبق فهو قمار، ومن أدخل فرسًا بين فرسين وهو لا يأمن أن يسبق فليس بقمار)) ، رواه أبو داود وغيره، وبإجماع الأمة على جواز البيع والسلف متفرقين وتحريمهما مجتمعين لذريعة الربا..
стр. 11020
وهي كلها أدلة تحريم ذرائع مجمع عليها، فيستحسن أن يكون استدلالهما بالقياس خاصة، ويتعين عليهما إبداع الجامع، وإبراز العلة المشتركة لعل الخصم يجد فارقًا فيدفع الاحتجاج بالقياس، وكان مما ينبغي أن يذكرا نصوصًا أخر خاصة بذرائع بيوع الآجال ويقتصرا عليها وهو ما فعله الشهاب القرافي حيث ذكر حديثًا (١) نسبه إلى الموطأ وهو أن أم ولد زيد بن أرقم قالت لعائشة ﵂: يا أم المؤمنين: إني بعت من زيد بن أرقم عبدًا بثمانمائة درهم إلى العطاء، واشتريته بستمائة نقدًا فقالت عائشة ﵂: بئسما شريت وبئسما اشتريت، أخبري زيد بن أرقم أنه أبطل جهاده مع رسول الله ﷺ إلا أن يتوب، قالت: أرأيتني إن أخذته برأس مالي؟ فقالت عائشة ﵂: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٧٥] (٢) وقد ساق الحديث نفسه البهوتي في كشاف القناع عن متن الإقناع ولكن رواه عن غندر عن شعبة عن أبي إسحاق السبيعي عن امرأته العالية قالت: دخلت أنا وأم ولد زيد بن أرقم على عائشة فقالت أم ولد زيد بن أرقم: إني بعت غلامًا من زيد بثمانمائة درهم إلى العطاء، ثم اشتريته منه بستمائة درهم نقدًا؟ فقالت لها: (بئسما اشتريت، وبئسما شريت، أبلغي زيدًا أن جهاده مع رسول الله ﷺ بطل إلا أن يتوب) [رواه أحمد وسعيد] .
ثم عقب البهوتي على الحديث بعد أن رواه بقوله: (ولا تقول مثل ذلك إلا توقيفًا) وقد عقب القرافي بما قاله البهوتي لكن بصورة أوضح حيث قال: وهذا التغليظ العظيم لا تقوله ﵂ إلا عن توقيف.
стр. 11021
وقد عقب القرافي بما قاله البهوتي لكن بصورة أوضح حيث قال: وهذا التغليظ العظيم لا تقوله ﵂ إلا عن توقيف (١) .
والذرائع الربوية عند مالك ﵀ كما جاء ضبطها عن ابن رشد الحفيد في البداية: (هي أن يتذرع منها إلى:
١- انظرني أزدك.
٢- أو إلى بيع ما لا يجوز متفاضلًا.
٣- أو إلى بيع ما لا يجوز نساء.
٤- أو إلى بيع وسلف.
٥- أو إلى ذهب وعرض بذهب.
٦- أو إلى ضع وتعجل.
٧- أو بيع الطعام قبل أن يستوفى.
٨- أو بيع وصرف، فإن هذه هي أصول الربا) (٢) .
هذا وبيع الوفاء موضوع البحث لم يكن له وجود في عهد السلف الصالح ولكن باستشراء الفساد، واختلال المرؤات ظهر في الناس هذا النمط من التعامل وهو عبارة عن أن يقول البائع: بعت منك على أن تبيعه مني متى جئت بالثمن؛ تحيلًا على الوصول إلى الربا.
وأظن أن أول ظهوره كان بمسرقند لأن أكثر الكلام فيه للسمرقنديين من فقهاء المذهب النعماني فيما وراء النهر، وكان ذلك في القرن الخامس تقريبًا إذ من الذين تكلموا عليه السيد الإمام، والإمام أبو الحسن الماتريدي فقد نقل القاضي ابن سماوة في جامع الفصولين أن السيد الإمام قال: (قلت للإمام أبي الحسن الماتريدي قد فشا هذا البيع بين الناس وفيه مفسدة عظيمة ... ) (٣) إلخ ما سيأتي - إن شاء الله - والإمام السيد أبو شجاع والقاضي أبو الحسن الماتريدي عاشا في أوائل القرن (٤) وصدرت لهم فتاوى في هذا اللون من التعامل الذي فشا في زمانهم، ثم تكلم فيه كل طود شامخ له في باب الترجيح قدم راسخ كالإمام النسفي الكبير والصدر الشهيد وصاحب الهداية وأبنائه شيوخ الإسلام ...
стр. 11022
وقد عرفه غربنا الإسلامي منذ قرون فتحدثت عنه كتب الفقه المالكي باسم بيع الثنيا فقد عرض له ابن رشد الجد وابن عرفة وابن عاصم وغيرهم ممن سنعرض لأنظارهم، ثم تعورف بقطرنا بيع الوفاء تحت اسم الرهن كما ذكر شيخ الإسلام أبو عبد الله محمد بيرم الثاني - رحمه الله تعالى - وأكبر الظن أنه عرف منذ دخل الأتراك تونس ومعهم المذهب النعماني وقد انضاف إليه من تحيل الناس ما انضاف، وتحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور، ودخلت هذه المعاملات القوانين إلى أن جاء الأمر المؤرخ في ٢٨ شوال ١٣٢٤هـ الموافق لـ ١٥ ديسمبر ١٩٠٦م بجمع النصوص المتعلقة بالالتزامات والعقود في مجلة تعرف بمجلة الالتزامات والعقود فجاءت في الباب الثالث في بعض من أنواع البيوع وفي القسم الأول منه تحت عنوان بيع الثنيا من الفصل ٦٨٤ إلى الفصل ٦٩٩ وصورته أن يلتزم المشتري بعد إتمام البيع بأن يرد المبيع لبائعه عندما يرد له ثمنه، وبشكل أوضح أنهم يعقدونه بلفظ البيع خاليًا عن اقترانه بشرط الرد فيه، ثم يتفقان على رد المشتري للبائع عند رده الثمن إما مطلقًا أو إلى أجل معين على وجه الوعد ويعبر عنه الموثقون بالتطوع بالثنيا أو الشرط الصريح في وجهي الإطلاق والتأجيل وطفق شعبنا التونسي يتعامل بهذا الضرب من البياعات إلى أن صدر القانون عدد ١ لسنة ١٩٥٨ المؤرخ في ٢٨ جانفي ١٩٥٨ في تحجير التعامل ببيع الثنيا وبيع السلم ورهن الانتفاع بالرائد الرسمي المؤرخ في ٣١ جانفي ١٩٥٨ كما أبطلته القوانين المدنية في مصر حسب المادة ٤٦٥ من القانون المدني الجديد، وسورية في المادة ٤٣٣ من القانون المدني السوري في الفقرتين ٢٤٦ و ٢٥٣، وليبيا في المادة ٤٥٤، وأبقى القانون المغربي ما تعورف في الغرب الإسلامي المالكي حسبما جاء في قانون الالتزامات والعقود المغربي في الباب الثالث، وفي الفرع الأول منه تحت عنوان: بيع الثنيا وصورته كما جاء في المادة ٥٨٥ بيع الثنيا هو الذي يلتزم المشتري بمقتضاه بعد تمام انعقاده بأن يرجع المبيع للبائع في مقابل رد الثمن، وتوسط القانون المدني العراقي في المادة ١٣٣٣ فجعل بيع الوفاء رهنًا حيازيًّا.
وبعد هذا التمهيد أسارع إلى الكلام عن المباحث فأقول ومن الله أستمد العون على بلوغ المأمول.
стр. 11023
المبحث الأول
بيع الوفاء عند الحنفية
وينحصر الكلام في هذا المبحث في المسائل الآتية:
١- تعريفه:
رسمه العلامة ابن نجيم ببعض خواصه فقال: وصورته أن يقول البائع للمشتري: بعت منك هذا العين بدين لك علي، على أني متى قضيت الدين فهو لي. أو يقول البائع: بعتك هذا بكذا على أني متى دفعت لك الثمن تدفع الدين إلي، وصوره التمرتاشي فقال: صورته أن يبيعه العين بألف على أنه إذا رد عليه الثمن رد عليه العين. وصوره خاتمة المحققين في المذهب النعماني العلامة ابن عابدين بقوله: أن يقول البائع للمشتري: بعت منك هذا العين بمالك علي من الدين على أني متى قضيته فهو لي.
وبالتدبر في هذه الرسوم نلاحظ أن الخواص التي تضمنتها تشير إلى دوران هذا العقد بين البيع وبين الرهن فرسم ابن نجيم الأول، تضمن: بدين لك علي، وتضمن متى قضيت الدين فهو لي وهما عبارتان مشعرتان بكونه رهنًا، ورسمه الثاني قد دخلا مما يشعر بالرهنية، أما رسم ابن عابدين فكرسم ابن نجيم الأول، ورسم التمرتاشي كرسم ابن نجيم الثاني.
ولعل الاختلاف في رسم بيع الوفاء ناشىء عن الاختلاف في حكمه كما سيأتي أو أنه تكيف بما تعورف به عند الفقهاء، وبما هو حقيقته عند العوام فالبائع وفاء عندما يسأل يقول: رهنت ملكي والمشتري حين يسأل يقول: ارتهنت ملك فلان فوقع الجمع في بعض الرسوم بين البيع وبين الرهن وذلك من باب التكيف مع البيئة في الاجتهاد الفقهي.
стр. 11024
٢- أسماؤه:
اختلفت أسماء هذا البيع باختلاف الأمصار، فبسمرقند سمي ببيع الوفاء، وهو الاسم المشتهر في كتب الفقه الحنفي، وربما سماه السمرقنديون بالبيع الجائز فيشترك عندهم في الإطلاق مع البيع البات الصحيح، لكن أصبح المتعارف بسمرقند أنهم إذا أطلقوا البيع الجائز انصرف إلى بيع الوفاء، كما سموه ببيع المعاملة وسماه عامتهم بالرهن (١) ، وبمصر ذكر الزيلعي أنهم يسمونه بيع الأمانة (٢) .
(وبتونس لدى عامتها، كعامة سمرقند ((الرهن)) فيقولون في مقام طلبه: ارهن لي، وفي مقام الإخبار عنه: رهنت ملكي فلانًا، ورهنت ملك فلان. ولا يعرفون ارتهنت. وكذلك في مقام إنشائه، حتى إذا أرادوا الرهن المحض زادوا بعض توثقه أو ما يقوم مقامه وعند خاصتها من الموثقين: ((التسليم)) ومن قبل كانوا يعبرون عنه بما يعبرون به عن البيع البات. فلما صار بعض شراة الوفاء يدعي في شرائه البت، ويتمسك في الاحتجاج لدعواه بالرسم فيلفي بظاهره شاهدًا له أحدثوا له ذلك الاسم) (٣) .
ويسمى بالشام بيع الإطاعة كما ذكر التمرتاشي في الدر المختار، وحشى العلامة ابن عابدين على كلمة الإطاعة قائلًا: كذا في عامة نسخ الدر، وفي بعضها بيع الطاعة وهو المشهور الآن في بلادنا (الشام) ، وأراد أن يبين أن التسميتين لهما أصل في لغة الضاد فجلب نصًّا من المصباح للفيومي يدعم ذلك فقال: وفي الصباح أطاعه أي انقاد له، وطاعه طوعًا من باب قال لغة، وانطاع له انقاد، قالوا: ولا تكون الطاعة إلا عن أمر كما أن الجواب لا يكون إلا عن قول، يقال أمره فأطاع.
كما عرض ابن عابدين لوجوه تسميته بهذه الأسماء في الفقه الحنفي فبين أن أوجه تسميته ببيع الوفاء هو: ما تضمنه من العهد بالوفاء من المشتري برد المبيع على البائع متى رد عليه الثمن، وأن وجه تسميته بالبيع الجائز مبني على أنه بيع صحيح دفعت إليه الحاجة فوقع التخلص به من الربا حتى يسوغ للمشتري أكل ريعه، وأن وجه تسميته ببيع المعاملة أن المعاملة ربح الدين وهذا المبيع يشتريه الدائن لينتفع به في مقابلة دينه، وأن وجه تسميته ببيع الأمانة أنه أمانة عند المشتري بناء على أنه رهن أي كالأمانة وأن وجه تسميته ببيع الطاعة أن الدائن يأمر المدين ببيع داره مثلًا بالدين فيطيعه فصار معناه بيع الانقياد، لأن الطاعة لا تكون إلا عن أمر (٤) .
стр. 11025
٣- المصطلح المساوي له في المذاهب الأخرى:
سماه المالكية بيع الثنيا كما سموه في العصور المتأخرة بالبيع والإقالة كما سمي عند العامة بالرهن وقد وردت هذه التسميات في كتب الفقه المالكي بتسميته ببيع الثنيا. وردت في تحفة الحكام في نكت العقود والأحكام للقاضي ابن عاصم حيث قال:
والبيع بالثنيا لفسخ داع والخرج بالضمان للمبتاع والشرح للثنيا رجوع ملك من باع اليد عند إحضار الثمن
(١) .
وإن كان ابن رشد عمم هذه التسمية في جميع الشروط المنافية للمقصود (٢) وأما تسميته بالبيع والإقالة فقد نقل التسولي في فتوى عن المجاصي في نوازله وفي نقل عن شرحي التحفة لميارة والتاودي أن العامة عندنا (أي في المغرب) اليوم لا يعرفون معنى الثنيا وإنما يسمون ذلك البيع والإقالة (٣) .
وأما تسميته بالرهن، فقد ذكر التسولي أيضًا أنه في عصره يطلق على الرهن عرفًا ويسمونه بيعًا وإقالة فيبيع الرجل بالإقالة ما يساوي الألف بخمسامائة أو ما يساوي المائة بستين أو بثلاثين ونحو ذلك فلا يختلفون أنها رهن حيث اشترطت الإقالة في العقد إذ لم يسمح البائع بسلعته إلا على ذلك، وتجد البائع إذا سئل عن سلعته أو أرضه يقول: إنها مرهونة.
وسماه الشافعي بالرهن المعاد (٤) ، كما سموه بيع العهدة (٥) .
وسماه بعض فقهاء الأباضية، ومنهم شيوخ جادو بيع الرهن (٦) .
وسماه الحنابلة بيع الأمانة.
مواضع ذكره عند فقهاء الحنفية:
عرض العلامة زين الدين ابن نجيم إلى مواضع ذكر بيع الوفاء عند فقهاء الحنفية فذكر أنها موضع من ثلاثة: فمنهم من ذكره في البيع الفاسد، ومثل لذلك بالبزازي، ومنهم من ذكره عند الكلام على خيار النقد، ومثل له بقاضيخان، وقد سلك ابن نجيم في شرح الكنز نفس المسلك، ومنهم من ذكره في ((الإكراه)) ومثل له بالزيلعي في شرحه على الكنز.
стр. 11026
واختار ابن نجيم ذكره في ((خيار النقد)) معللًا ذلك بأن البيع الوفائي من أفراد خيار النقد (١) لكن أخاه عمر ابن نجيم في شرحه على الكنز الموسوم بالنهر الفائق شرح كنز الدقائق تعقبه فقال: إنما يكون بيع الوفاء من أفراد خيار النقد بناء على القول بأنه بيع فاسد إن زاد على الثلاث، لا على القول بصحته، إذ خيار النقد مقيد بثلاثة أيام، وبيع الوفاء غير مقيد بها وأنى يكون من أفراده (٢) .
ويبدو لي أن ذكره في باب الإكراه كما فعل الزيلعي أنسب إذ من مشايخ بخارى - وهم أول من تكلم فيه على ما يظهر - من جعل حكم بيع الوفاء كحكم بيع المكره (٣) وعقد له في جامع الفصولين ابن قاضي سماوة فصلًا مستقلًّا وهو الفصل الثامن عشر (٤) وآخر ما نختم به هذه المسألة أن الخلاف في حكمه - كما سيأتي - أثر في موضع ذكره، وأن أكثر مواطن ذكره كتب الفتاوى كالبزازية والخانية ونحوهما، والمعلوم أن كتب الفتاوى والواقعات تأتي في الميزان الفقهي الحنفي في الدرجة الثالثة على حسب ما ذكره العلامة ابن عابدين ولا نتصور الكلام عن بيع الوفاء في مسائل الأصول ككتب ظاهر الرواية أو مسائل النوادر كالكيسانيات وإنما مظنة الحديث عنه كتب الواقعات والفتاوى الخانية والبزازية.
стр. 11027
حكم بيع الوفاء عند الحنفية:
بناء على أن بيع الوفاء تحيل على الربا اختلفت في حكمه أنظار فقهاء الأحناف الذين عايشوا فشو هذا التحيل في أعصارهم وأمصارهم، من كل طود شامخ له في باب الترجيح قدم راسخ أنهى البزازي هذا الخلاف إلى تسعة أقوال، ذكر ابن نجيم في البحر منها ثمانية، واقتصر الزيلعي على أربعة منها في شرحه على الكنز وذكر أبو عبد الله محمد بيرم الثاني أنها لا تتجاوز الخمسة وما زاد على الخمسة راجع بقليل التدبر إليها، والأقوال الخمسة هي:
١- أن بيع الوفاء رهن، قال ابن قاضي سماوة في جامع الفصولين: البيع الذي يتعارفه أهل زماننا احتيالًا للربا، وسموه بيع الوفاء، هو رهن في الحقيقة لا يملكه ولا ينتفع به إلا بإذن مالكه، وهو ضامن لما أكل من ثمره، وأتلف من شجره، ويسقط الدين بهلاكه لو يفي ولا يضمن الزيادة، وللبائع استرداده إذا قضى دينه لا فرق عندنا بينه وبين الرهن في حكم من الأحكام، لأن المتعاقدين وإن سمياه بيع الوفاء، ولكن عرفهما الرهن والاستيثاق بالدين، إذ العاقد يقول لكل أحد بعد هذا العقد: رهنت ملكي فلانًا، والمشتري يقول: ارتهنت ملك فلان.
ثم ذكر حجة القائلين بأنه رهن وهي تقوم على أن العبرة في شريعة الإسلام بالمقاصد والمعاني، لا الأشكال والمباني، فإن الحوالة بشرط أن لا يبرأ كفالة، والكفالة بشرط البراءة حوالة، وهبة الحرة نفسها بحضرة الشهود مع تسمية المهر نكاح، والاستصناع الفاسد إذا ضرب فيه الأجل سلم ونظائره كثيرة.
ثم نقل محاورة دارت بين السيد الإمام أبي شجاع وبين الإمام أبي الحسن الماتريدي وهما فقيهان من ثلاثة فقهاء انتهت إليهم في عصرهم رئاسة الحنفية هما والقاضي علي السغدي كما جاء في الفوائد البهية، وقال السيد الإمام (أبو شجاع) : قلت للإمام أبي الحسن الماتريدي قد فشا هذا البيع بين الناس وفيه مفسدة عظيمة، وفتواك أنه رهن وأنا أيضًا على ذلك فالصواب أن نجمع الأيمة ونتفق على هذا ونظهره بين الناس؟ فقال: المعتبر اليوم (أوائل القرن الخامس) فتوانا، وقد ظهر ذلك بين الناس فمن خالفنا فليبرز نفسه، وليقم دليله.
стр. 11028
والحاصل من كلام ابن قاضي سماوة أنه رهن حكمًا، وإن كان بيعًا شكلًا (١) .
وأورد أبو عبد الله محمد بيرم الثاني من فقهاء الحنفية بتونس (٢) أنه قد رد القول برهنيته بأن الانتفاع به مقصود، والاستيثاق به كذلك، ومن هنا تنتفي الرهنية شكلًا ومعنى، ولا وجه لترجيح جانب الاستيثاق على جانب الانتفاع، إن سلمنا بتساويهما لما في ذلك من ترجيح أحد المقصودين من غير مرجح، فكيف لو ادعينا ترجيح جانب قصد الانتفاع على جانب الاستيثاق لأنه المتبادر إلى الذهن مع مساعدة اللفظ له لم يبعد، لا يقال: قصد الانتفاع بل شرطه لفظًا لا يمنع اعتباره رهنًا، إذ كل ما في الأمر أن يكون رهنًا مشروطًا ومحتويًا على شرط فاسد وهو الانتفاع به، فيبطل الشرط ويصح الرهن إذ الرهن لا يبطل بالشروط الفاسدة.
والجواب أن هذا الاعتراض يصح لو عنون بالرهن وكلامنا منصب على المعنون بالبيع (٣) .
٢- أن بيع الوفاء بيع جائز:
قال الزيلعي في شرحه على الكنز: ومن مشائخ سمرقند من جعله (أي بيع الوفاء) بيعًا جائزًا مفيدًا بعض أحكامه، منهم الإمام نجم الدين النسفي فقال: اتفق مسايخنا في هذا الزمان فجعلوه بيعًا جائزًا مفيدًا بعض أحكامه وهو الانتفاع به دون البعض وهو البيع لحاجة الناس إليه وتعاملهم به. قال صاحب النهاية: وعليه الفتوى. وسندهم في ذلك: حاجة الناس إليه، وتعاملهم به، والقواعد قد تترك بالتعامل وجواز الاستصناع لذلك (٤) وسيأتي مزيد بسط لهذه الحجة عند الكلام على القول الخامس وهو أن بيع الوفاء بيع مركب من الرهن والبيع الجائز البات.
стр. 11029
٣ - أن بيع الوفاء بيع جائز لازم:
وقد اختار قاضيخان هذا القول وقال: الصحيح أنه إن وقع بلفظ البيع لا يكون رهنًا ثم إن شرطا فسخه، أو تلفظا بلفظ البيع بشرط الوفاء، أو تلفظا بالبيع وعندهما هذا البيع غير لازم فالبيع فاسد، وإن ذكرا البيع بلا شرط ثم شرطاه على وجه المواعدة جاز البيع ولزم الوفاء.
ثم عرض قاضيخان إلى حجة هذا القول فقال: وقد يلزم الوعد لحاجة الناس فرارًا من الربا فبلخ اعتادوا الدين والإجارة وهي لا تصح في الكروم، وبخارى الإجارة الطويلة ولا يكون ذلك في الأشجار، فاضطروا إلى بيعها وفاء، وما ضاق على الناس أمر إلا اتسع حكمه.
ويدعم ذلك ما نقل عن الإمام أبي حنيفة - رحمه الله تعالى: أن البيع لا يكون تلجئة حتى ينص عليها في العقد وهي والوفاء واحد (١) كما يدعمه أيضًا ما ذكره الزيلعي من أن الوفاء بالمواعيد لازم لقوله ﷺ : ((العدة دين)) (٢) .
وأما إن شرطا الوفاء نصًّا قبل العقد أو أضمراه بقلوبهم عند العقود فكمن ذكرا البيع بلا شرط، ثم شرطاه على وجه المواعدة بناء على أن العبرة في الشرط المفسد مقارنته لعقد ذكرًا باللسان لا أن يتقدم ذكره عليه أو أن يضمر في الجنان ويوضح ذلك أن تزوج المرأة بنية تطليقها أثر الوطء نكاح صحيح لأن النظر فيه منصب على شكله ولفظه لا على المقصود والمراد منه وإلا لقلنا بأنه نكاح متعة وفاسد لا يجوز. وعلى ضوء وجهة النظر هذه أفتى النسفي مستفتيًا قال له: بعت حانوتًا بأربعمائة ثم طلب المشتري إعادة المبيع ورد الثمن وهو يقول: بعتني وفاء، وأنا أقول بعتك باتًّا؟ فأجاب: إن القول قولك. وقال السائل لو حلفني على ذلك، هل ينبغي أن أحلف وكان نيتي أن آخذ الحانوت منه وأرد الثمن إليه بعد زمان وكان قصد المشتري ذلك أيضًا كما هو المعروف إلا أني لا أقدر اليوم على أن أنقد الثمن؟
فأجاب: إنما ذكر ذلك قبل العقد، وما كان في القلب عند العقد لا عبرة لذلك لو لم يذكر عند العقد سوى الإيجاب والقبول، ولك أن تحلف أنك بعته بيعًا باتًّا (٣) .
والملاحظ هنا انبناء الأحكام على اللفظ والشكل دون نظر إلى النية ومقصد الشرع منها، وقاعدة الشريعة - كما قال العلامة ابن القيم - التي لا يجوز هدمها أن المقاصد والاعتقادات معتبرة في التصرفات والعبارات، كما هي معتبرة في التقربات والعبادات (٤) .
стр. 11030
٤ - أن بيع الوفاء بيع فاسد:
واختار القول بفساده ظهير الدين، وإنما يكون فاسدًا إذا اقترن شرط الوفاء بالعقد.
أما إذا التحق شرط الوفاء بالعقد كما إذا عقدا البيع بدون شرط وفاء ثم ذكرا شرط الوفاء، فإن البيع يكون بيع وفاء، إذ الشرط المفسد اللاحق بأصل العقد يلتحق عند أبي حنيفة، ولا يلتحق عند الصاحبين
وهل يشترط لإلحاقه عند أبي حنيفة أن يكون الالتحاق في المجلس أي مجلس البيع أو لا يشترط؟
جرى في ذلك خلاف بين علماء الحنفية في هذه المسألة فذهب السرخسي وأبو اليسر إلى اشتراط المجلس، وذهب صاحب الإيضاح إلى عدم اشتراطه وصححه البزازي في فتاواه.
وجاء في الفتاوى الخيرية ما يلي: صرح علماؤنا بأنهما لو ذكرا البيع بلا شرط ثم ذكرا الشرط على وجه العدة جاز البيع ولزم الوفاء بالوعد.
وأما إذا ذكرا شرط الوفاء قبل العقد ثم عقدا لم يبطل العقد، ولعل من الأمثلة التي توضح ما ذكره فتوى الخير الرملي - وقد سئل عن رجلين تواضعا على بيع الوفاء قبل عقده، وعقدا البيع خاليًا من الشرط؟ فأجاب: بأنه صرح في الخلاصة والفيض والتتارخانية وغيرها بأنه يكون على ما تواضعا بيد أنهما لو اتفقا على بناء العقد على شرط الوفاء فإن العقد يكون فاسدًا (١) .
ومما ينبغي ذكره هنا أن القائلين بأنه بيع فاسد اختلفوا بالنظر إلى ما يترتب عليه من الآثار والنتائج فمنهم من أعطاه أحكام البيع الفاسد كلها حتى فوات فسخه ببيع مشتريه بيعًا باتًّا. ومنهم من استثنى هذا منها وألحقه فيه ببيع المكره، وبيع المكره لا يمتنع حق الفسخ فيه بوجه من الوجوه، وللمكره أن ينقض كل تصرفات المشتري والعلة الجامعة بين الوفاء وبيع المكره عدم الرضا، ومن هنا قال هؤلاء أن بيع الوفاء لا يفوت بالبيع ولو تكرر فيه، ولهذا الإلحاق ذكره الزيلعي في باب الإكراه فقال: ومن مشائخ بخارى من جعل بيع الوفاء كبيع المكره منهم الإمام ظهير الدين والصدر الشهيد حسام الدين، والصدر السعيد تاج الإسلام، وصورته أن يقول البائع للمشتري: بعت منك هذا العين بدين لك عليَّ على أني متى قضيت الدين فهو لي فجعلوه فاسدًا باعتبار شرط الفسخ عند القدرة على إيفاء الدين يفيد الملك عند اتصال القبض به، ونقض بيع المشتري كبيع المكره لأن الفساد باعتبار عدم الرضا فكان حكمه حكم بيع المكره (٢) .