← Фикх общий

Фикх общий · id 8356

مجلة مجمع الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (22 276 стр.). Показаны 11026–11065 · переход к 11031.

стр. 11026

واختار ابن نجيم ذكره في ((خيار النقد)) معللًا ذلك بأن البيع الوفائي من أفراد خيار النقد (١) لكن أخاه عمر ابن نجيم في شرحه على الكنز الموسوم بالنهر الفائق شرح كنز الدقائق تعقبه فقال: إنما يكون بيع الوفاء من أفراد خيار النقد بناء على القول بأنه بيع فاسد إن زاد على الثلاث، لا على القول بصحته، إذ خيار النقد مقيد بثلاثة أيام، وبيع الوفاء غير مقيد بها وأنى يكون من أفراده (٢) . ويبدو لي أن ذكره في باب الإكراه كما فعل الزيلعي أنسب إذ من مشايخ بخارى - وهم أول من تكلم فيه على ما يظهر - من جعل حكم بيع الوفاء كحكم بيع المكره (٣) وعقد له في جامع الفصولين ابن قاضي سماوة فصلًا مستقلًّا وهو الفصل الثامن عشر (٤) وآخر ما نختم به هذه المسألة أن الخلاف في حكمه - كما سيأتي - أثر في موضع ذكره، وأن أكثر مواطن ذكره كتب الفتاوى كالبزازية والخانية ونحوهما، والمعلوم أن كتب الفتاوى والواقعات تأتي في الميزان الفقهي الحنفي في الدرجة الثالثة على حسب ما ذكره العلامة ابن عابدين ولا نتصور الكلام عن بيع الوفاء في مسائل الأصول ككتب ظاهر الرواية أو مسائل النوادر كالكيسانيات وإنما مظنة الحديث عنه كتب الواقعات والفتاوى الخانية والبزازية.

стр. 11027

حكم بيع الوفاء عند الحنفية: بناء على أن بيع الوفاء تحيل على الربا اختلفت في حكمه أنظار فقهاء الأحناف الذين عايشوا فشو هذا التحيل في أعصارهم وأمصارهم، من كل طود شامخ له في باب الترجيح قدم راسخ أنهى البزازي هذا الخلاف إلى تسعة أقوال، ذكر ابن نجيم في البحر منها ثمانية، واقتصر الزيلعي على أربعة منها في شرحه على الكنز وذكر أبو عبد الله محمد بيرم الثاني أنها لا تتجاوز الخمسة وما زاد على الخمسة راجع بقليل التدبر إليها، والأقوال الخمسة هي: ١- أن بيع الوفاء رهن، قال ابن قاضي سماوة في جامع الفصولين: البيع الذي يتعارفه أهل زماننا احتيالًا للربا، وسموه بيع الوفاء، هو رهن في الحقيقة لا يملكه ولا ينتفع به إلا بإذن مالكه، وهو ضامن لما أكل من ثمره، وأتلف من شجره، ويسقط الدين بهلاكه لو يفي ولا يضمن الزيادة، وللبائع استرداده إذا قضى دينه لا فرق عندنا بينه وبين الرهن في حكم من الأحكام، لأن المتعاقدين وإن سمياه بيع الوفاء، ولكن عرفهما الرهن والاستيثاق بالدين، إذ العاقد يقول لكل أحد بعد هذا العقد: رهنت ملكي فلانًا، والمشتري يقول: ارتهنت ملك فلان. ثم ذكر حجة القائلين بأنه رهن وهي تقوم على أن العبرة في شريعة الإسلام بالمقاصد والمعاني، لا الأشكال والمباني، فإن الحوالة بشرط أن لا يبرأ كفالة، والكفالة بشرط البراءة حوالة، وهبة الحرة نفسها بحضرة الشهود مع تسمية المهر نكاح، والاستصناع الفاسد إذا ضرب فيه الأجل سلم ونظائره كثيرة. ثم نقل محاورة دارت بين السيد الإمام أبي شجاع وبين الإمام أبي الحسن الماتريدي وهما فقيهان من ثلاثة فقهاء انتهت إليهم في عصرهم رئاسة الحنفية هما والقاضي علي السغدي كما جاء في الفوائد البهية، وقال السيد الإمام (أبو شجاع) : قلت للإمام أبي الحسن الماتريدي قد فشا هذا البيع بين الناس وفيه مفسدة عظيمة، وفتواك أنه رهن وأنا أيضًا على ذلك فالصواب أن نجمع الأيمة ونتفق على هذا ونظهره بين الناس؟ فقال: المعتبر اليوم (أوائل القرن الخامس) فتوانا، وقد ظهر ذلك بين الناس فمن خالفنا فليبرز نفسه، وليقم دليله.

стр. 11028

والحاصل من كلام ابن قاضي سماوة أنه رهن حكمًا، وإن كان بيعًا شكلًا (١) . وأورد أبو عبد الله محمد بيرم الثاني من فقهاء الحنفية بتونس (٢) أنه قد رد القول برهنيته بأن الانتفاع به مقصود، والاستيثاق به كذلك، ومن هنا تنتفي الرهنية شكلًا ومعنى، ولا وجه لترجيح جانب الاستيثاق على جانب الانتفاع، إن سلمنا بتساويهما لما في ذلك من ترجيح أحد المقصودين من غير مرجح، فكيف لو ادعينا ترجيح جانب قصد الانتفاع على جانب الاستيثاق لأنه المتبادر إلى الذهن مع مساعدة اللفظ له لم يبعد، لا يقال: قصد الانتفاع بل شرطه لفظًا لا يمنع اعتباره رهنًا، إذ كل ما في الأمر أن يكون رهنًا مشروطًا ومحتويًا على شرط فاسد وهو الانتفاع به، فيبطل الشرط ويصح الرهن إذ الرهن لا يبطل بالشروط الفاسدة. والجواب أن هذا الاعتراض يصح لو عنون بالرهن وكلامنا منصب على المعنون بالبيع (٣) . ٢- أن بيع الوفاء بيع جائز: قال الزيلعي في شرحه على الكنز: ومن مشائخ سمرقند من جعله (أي بيع الوفاء) بيعًا جائزًا مفيدًا بعض أحكامه، منهم الإمام نجم الدين النسفي فقال: اتفق مسايخنا في هذا الزمان فجعلوه بيعًا جائزًا مفيدًا بعض أحكامه وهو الانتفاع به دون البعض وهو البيع لحاجة الناس إليه وتعاملهم به. قال صاحب النهاية: وعليه الفتوى. وسندهم في ذلك: حاجة الناس إليه، وتعاملهم به، والقواعد قد تترك بالتعامل وجواز الاستصناع لذلك (٤) وسيأتي مزيد بسط لهذه الحجة عند الكلام على القول الخامس وهو أن بيع الوفاء بيع مركب من الرهن والبيع الجائز البات.

стр. 11029

٣ - أن بيع الوفاء بيع جائز لازم: وقد اختار قاضيخان هذا القول وقال: الصحيح أنه إن وقع بلفظ البيع لا يكون رهنًا ثم إن شرطا فسخه، أو تلفظا بلفظ البيع بشرط الوفاء، أو تلفظا بالبيع وعندهما هذا البيع غير لازم فالبيع فاسد، وإن ذكرا البيع بلا شرط ثم شرطاه على وجه المواعدة جاز البيع ولزم الوفاء. ثم عرض قاضيخان إلى حجة هذا القول فقال: وقد يلزم الوعد لحاجة الناس فرارًا من الربا فبلخ اعتادوا الدين والإجارة وهي لا تصح في الكروم، وبخارى الإجارة الطويلة ولا يكون ذلك في الأشجار، فاضطروا إلى بيعها وفاء، وما ضاق على الناس أمر إلا اتسع حكمه. ويدعم ذلك ما نقل عن الإمام أبي حنيفة - رحمه الله تعالى: أن البيع لا يكون تلجئة حتى ينص عليها في العقد وهي والوفاء واحد (١) كما يدعمه أيضًا ما ذكره الزيلعي من أن الوفاء بالمواعيد لازم لقوله ﷺ : ((العدة دين)) (٢) . وأما إن شرطا الوفاء نصًّا قبل العقد أو أضمراه بقلوبهم عند العقود فكمن ذكرا البيع بلا شرط، ثم شرطاه على وجه المواعدة بناء على أن العبرة في الشرط المفسد مقارنته لعقد ذكرًا باللسان لا أن يتقدم ذكره عليه أو أن يضمر في الجنان ويوضح ذلك أن تزوج المرأة بنية تطليقها أثر الوطء نكاح صحيح لأن النظر فيه منصب على شكله ولفظه لا على المقصود والمراد منه وإلا لقلنا بأنه نكاح متعة وفاسد لا يجوز. وعلى ضوء وجهة النظر هذه أفتى النسفي مستفتيًا قال له: بعت حانوتًا بأربعمائة ثم طلب المشتري إعادة المبيع ورد الثمن وهو يقول: بعتني وفاء، وأنا أقول بعتك باتًّا؟ فأجاب: إن القول قولك. وقال السائل لو حلفني على ذلك، هل ينبغي أن أحلف وكان نيتي أن آخذ الحانوت منه وأرد الثمن إليه بعد زمان وكان قصد المشتري ذلك أيضًا كما هو المعروف إلا أني لا أقدر اليوم على أن أنقد الثمن؟ فأجاب: إنما ذكر ذلك قبل العقد، وما كان في القلب عند العقد لا عبرة لذلك لو لم يذكر عند العقد سوى الإيجاب والقبول، ولك أن تحلف أنك بعته بيعًا باتًّا (٣) . والملاحظ هنا انبناء الأحكام على اللفظ والشكل دون نظر إلى النية ومقصد الشرع منها، وقاعدة الشريعة - كما قال العلامة ابن القيم - التي لا يجوز هدمها أن المقاصد والاعتقادات معتبرة في التصرفات والعبارات، كما هي معتبرة في التقربات والعبادات (٤) .

стр. 11030

٤ - أن بيع الوفاء بيع فاسد: واختار القول بفساده ظهير الدين، وإنما يكون فاسدًا إذا اقترن شرط الوفاء بالعقد. أما إذا التحق شرط الوفاء بالعقد كما إذا عقدا البيع بدون شرط وفاء ثم ذكرا شرط الوفاء، فإن البيع يكون بيع وفاء، إذ الشرط المفسد اللاحق بأصل العقد يلتحق عند أبي حنيفة، ولا يلتحق عند الصاحبين وهل يشترط لإلحاقه عند أبي حنيفة أن يكون الالتحاق في المجلس أي مجلس البيع أو لا يشترط؟ جرى في ذلك خلاف بين علماء الحنفية في هذه المسألة فذهب السرخسي وأبو اليسر إلى اشتراط المجلس، وذهب صاحب الإيضاح إلى عدم اشتراطه وصححه البزازي في فتاواه. وجاء في الفتاوى الخيرية ما يلي: صرح علماؤنا بأنهما لو ذكرا البيع بلا شرط ثم ذكرا الشرط على وجه العدة جاز البيع ولزم الوفاء بالوعد. وأما إذا ذكرا شرط الوفاء قبل العقد ثم عقدا لم يبطل العقد، ولعل من الأمثلة التي توضح ما ذكره فتوى الخير الرملي - وقد سئل عن رجلين تواضعا على بيع الوفاء قبل عقده، وعقدا البيع خاليًا من الشرط؟ فأجاب: بأنه صرح في الخلاصة والفيض والتتارخانية وغيرها بأنه يكون على ما تواضعا بيد أنهما لو اتفقا على بناء العقد على شرط الوفاء فإن العقد يكون فاسدًا (١) . ومما ينبغي ذكره هنا أن القائلين بأنه بيع فاسد اختلفوا بالنظر إلى ما يترتب عليه من الآثار والنتائج فمنهم من أعطاه أحكام البيع الفاسد كلها حتى فوات فسخه ببيع مشتريه بيعًا باتًّا. ومنهم من استثنى هذا منها وألحقه فيه ببيع المكره، وبيع المكره لا يمتنع حق الفسخ فيه بوجه من الوجوه، وللمكره أن ينقض كل تصرفات المشتري والعلة الجامعة بين الوفاء وبيع المكره عدم الرضا، ومن هنا قال هؤلاء أن بيع الوفاء لا يفوت بالبيع ولو تكرر فيه، ولهذا الإلحاق ذكره الزيلعي في باب الإكراه فقال: ومن مشائخ بخارى من جعل بيع الوفاء كبيع المكره منهم الإمام ظهير الدين والصدر الشهيد حسام الدين، والصدر السعيد تاج الإسلام، وصورته أن يقول البائع للمشتري: بعت منك هذا العين بدين لك عليَّ على أني متى قضيت الدين فهو لي فجعلوه فاسدًا باعتبار شرط الفسخ عند القدرة على إيفاء الدين يفيد الملك عند اتصال القبض به، ونقض بيع المشتري كبيع المكره لأن الفساد باعتبار عدم الرضا فكان حكمه حكم بيع المكره (٢) .

стр. 11031

٥- القول بأن بيع الوفاء بيع مركب من الرهن والبيع الجائز البات، فهو رهن بالنظر إلى البائع، يسترد المبيع عند قضاء ما عليه من دين، ويجبر المشتري إن امتنع من ذلك كما يضمن المشتري المبيع للبائع بالهلاك والانتقاص ضمان الرهن، وهو بيع جائز بات بالنظر إلى المشتري في حق نزله، ومنافعه حتى يطيب له أكل ثمره، والانتفاع به سكنى وزراعة وإيجارًا. وعلى هذا القول بتركب بيع الوفاء من الرهن والبيع الجائز البات جرى عمل شيوخ النسفي، قال العمادي: وفتوى جدي شيخ الإسلام برهان الدين وأولاده ومشائخ زمانهم على أن الملك يثبت للمشتري شراء جائزًا في زوائد المبيع ولا يغرم لو استهلكها وعليه استقر قول أيمة زماننا وأساتذتنا ﵏ ومراد العمادي بجده البرهان: علي بن أبي بكر بن عبد الجليل المرغيناني صاحب الهداية وهو معدود في طبقة أهل الترجيح كما ذكره العلامة ابن كمال باشا (١) . وحجة من قال بهذا القول: احتياج الناس إلى التعامل ببيع الوفاء، والقاعدة الفقهية أن القواعد تترك بالتعامل، وعملًا بهذه القاعدة جاز الاستصناع، ولو طبقنا قاعدة امتناع بيع المعدوم لما أبيح، و (ما ضاق على الناس أمر إلا اتسع) . واحتياج الناس إلى الشيء، وتعاملهم به قاعدتان أساسيتان في المذهب النعماني يعلم ذلك كل من سبر خلجات أغوار هذا المذهب، وعلى ذلك يخرج ما جاء عن فقهاء المذهب الحنفي من أن المسلم إذا وقع في حرج وضيق، واضطر إلى المال، ولم يجد من يتعامل معه إلا بالربا ارتفعت عنه الحرمة، ويبقى تعلقها بالمقرض بالربا، وللضرورة والحاجة أحكام مقررة في الفقه الإسلامي قال في المحبية: وجاز أن يستقرض المحتاج بالربح إن كان له احتياج وذكر العلامة ابن نجيم في البحر الرائق حين عرض لبسط الكلام في القول بتركب بيع الوفاء من البيع الصحيح والرهن أنه جعل ذلك لحاجة الناس إليه فرارًا من الربا (٢) ، وذكر في الأشباه والنظائر في القاعدة الخامسة: ((الضرر يزال)) حين عرض لقاعدة: ((الحاجة تنزل منزلة الضرورة)) ، وهي إحدى القواعد الستة المتعلقة بقاعدة: ((الضرر يزال)) ، فقال: (وفي القنية والبغية: يجوز للمحتاج الاستقراض بالربح) (٣) .

стр. 11032

هذا ما قاله الزاهدي الغرميني في القنية والبغية في القرن السابع للهجرة وهو صاحب اليد الباسطة في الخلاف والمذهب، ولو أن ابن وهبان صرح بأنه معتزلي العقائد حنفي الفروع وتصانيفه غير معتبرة ما لم يوجد مطابقتها لغيرها (١) . وقد سبق أن أشرت إلى بيت المحبية وهي من المتون المعتمدة في الفقه الحنفي: وجاز أن يستقرض المحتاج بالربح إن كان له احتياج وهذا يدعم ما ذهب إليه الزاهدي ويكون التعامل ببيع الوفاء أخف وطأة من التعامل بالربا عند الحاجة، قال أبو عبد الله محمد بيرم الثاني: ومما لا ريب فيه أن الناس إذا كانت لهم حاجة إلى التعامل ببيع الوفاء في تلك الأعصار (أي أوائل القرن الخامس تقريبًا) على فضلها فهم إليه في هذا العصر (القرن الثالث عشر) على وضوح اختلافه أحوج وقد فشا به التعامل في ديارنا فشوًا خارجًا عن الحد، وبرزت به الفتاوى والأحكام ممن أدركناهم من فقهاء الحنفية، ومنهم والدي (أبو عبد الله محمد بيرم الأول) رحمه الله تعالى منذ تصدر للإفتاء إلى أن لحق بربه (يوم الأربعاء آخر شوال عام أربعة عشر بعد المائتين والألف) وذلك خمس وأربعون سنة، ممن لم ندركه بالبلاغ عنه، فلا يفتي الآن أو يقضي فيه بغير هذا إلا من قصد الإضرار بالناس وأما منعهم من التعامل به جملة بعد هذا الفشو والحاجة الشديدة إليه فحامل لهم على الهجوم على الربا المجمع على تحريمه جهارًا لأن المضطر إذا أغلقت في وجهه الأبواب ارتكب المشاق الصعاب: إذا لم تكن إلا الأسنة مركبًا فلا يسع المضطر إلا ركوبها (٢) ويبدو لي من كلام فقهاء الحنفية أن أول ظهور بيع الوفاء كان بسمرقند وهذا يعتبر عرفًا خاصًّا، وجاء في الأشباه والنظائر للعلامة ابن نجيم: هل يعتبر في بناء الأحكام العرف العام، أو مطلق العرف ولو كان خاصًّا؟ المذهب الأول، قال في البزازية معزيًا إلى الإمام البخاري الذي ختم به الفقه: الحكم العام لا يثبت بالعرف الخاص، وقيل: يثبت ... وفي البزازية من البيع الفاسد في الكلام على بيع الوفاء في القول السادس من أنه صحيح قالوا: لحاجة الناس إليه فرارًا من الربا، فأهل بلخ اعتادوا الدين والإجارة وهي لا تصح في الكرم، وأهل بخارى اعتادوا الإجارة الطويلة ولا تمكن في الأشجار فاضطروا إلى بيعها وفاء وما ضاق على الناس أمر إلا اتسع حكمه. وختم كلامه في هذه المسألة: (اعتبار العرف الخاص في بناء الأحكام العامة عليه أو عدم اعتباره) فقال: (والحاصل أن المذهب عدم اعتبار العرف الخاص، ولكن أفتى كثير من المشايخ باعتباره) (٣) . ومن المعلوم أن الفتاوى تأتي في الدرجة الثالثة في ترتيب مسائل الفقه الحنفي كما سلف. وجاء في رد المحتار للعلامة ابن عابدين: أن مشايخ الحنفية أهل الاختيار اختلفوا في اعتبار العرف الخاص وعدم اعتباره في بناء الأحكام العامة عليه فقال أبو الليث: النسج بالثلث والربع لا يجوز عند علمائنا لكن مشايخ بلخ استحسنوه وأجازوه لتعامل الناس به.

стр. 11033

قال: وبه نأخذ، وقال السيد الإمام الشهيد: لا نأخذ باستحسان مشايخ بلخ وإنما نأخذ بقول أصحابنا المتقدمين لأن التعامل في بلد لا يدل على الجواز ما لم يكن على الاستمرار من الصدر الأول فيكون ذلك دليلًا على تقرير النبي ﷺ إياهم على ذلك فيكون شرعًا منه، فإذا لم يكن كذلك لم يكن فعلهم حجة إلا إذا كان كذلك من الناس كافة في البلدان كلها فيكون إجماعًا والإجماع حجة. ألا ترى أنهم لو تعاملوا على بيع الخمر والربا لا يفتى بالحل (١) . هذا ما تصورته أن يذكر من الخلاف داخل المذهب الحنفي في حكم بيع الوفاء وقد حاولت أن أذكر الدليل لكل قول من الأقوال الخمسة لكن لا يفوتني هنا أن أذكر أن مجلة الأحكام العدلية ذهبت على القول بأنه بيع مركب، لكن من ثلاثة أشياء: البيع الجائز، والبيع الفاسد، والرهن وهو قول من الأقوال التي لم أذكرها لأنه لا يختلف من حيث الآثار والنتائج عن القول بأنه بيع مركب من بيع جائز ورهن. ونص المجلة ما يلي: (المادة: ١١٨ بيع الوفاء هو بيع المال بشرط أن البائع متى رد الثمن يرد إليه المشتري المبيع، وهو في حكم البيع الجائز بالنظر إلى أن المشتري لا يقدر على بيع المبيع من الغير) (٢) . والقول الذي ذهبت إليه المجلة هو الذي قال عنه خاتمة المحققين في المذهب النعماني ابن عابدين: القول الجامع لبعض المحققين أنه فاسد في حق بعض الأحكام حتى ملك كل منهما الفسخ، صحيح في حق بعض الأحكام كحل الإنزال ومنافع المبيع، ورهن في حق البعض حتى لم يملك المشتري بيعه من آخر ولا رهنه وسقط الدين بهلاكه فهو مركب من العقود الثلاثة كالزرافة فيها صفة البعير والبقر والنمر) (٣) . هذا ولا بدع في تركب هذا البيع فهناك أنماط من المعاملات مركبة كالهبة بشرط العوض، والهبة في حال المرض أعطي كل منهما حكم الهبة من اشتراط القبض، وعدم كونها في مشاع قابل للقسمة وأعطي للأولى حكم البيع عند القبض حتى تثبت فيها الشفعة والثانية حكم الوصية حتى كان خروجها من الثلث (٤) . وبعد الإلمام بحكم بيع الوفاء عند السادة فقهاء الحنفية، وما ذكرته من الأقوال الستة فعلى أيها يصح أن يكون مخرجًا من الربا؟ وعلى أيها لا يصح؟ والجواب أن بيع الوفاء يكون مخرجًا من الربا على القول بأنه بيع جائز غير لازم أو على القولين بالتركيب لاشتراك القولين في حل الانتفاع به، وفسخه بطلب أحدهما وفائدته على القولين للبائع والمشتري واضحة، فهو صالح للبائع في التمكن من استرداد مبيعه، وصالح لصاحب المال في الانتفاع بالمبيع مدة غيبة ماله عنه. وأما على القول بأنه رهن فهو إن حصل غرض الراهن لم يحصل غرض المرتهن والقول بأنه بيع فاسد كذلك. وأما على القول بأنه بيع بات فهو إن حصل غرض المشتري لم يحصل غرض البائع (٥) .

стр. 11034

المبحث الثاني ما يجوز فيه بيع الوفاء وما لا يجوز القائلون بأن بيع الوفاء بيع جائز قالوا: لا يخلو المبيع من أن يكون عقارًا أو منقولًا. فإذا كان عقارًا فلا يخلو من كونه لمكلف، أو صبي أو مجنون، فإذا كان لمكلف فالاتفاق على صحة عقده فيه. وأما إذا كان لصبي فيقول العلامة بيرم الثاني: ذهب العلاء العلامة وغيره من أيمة سمرقند إلى القول بعدم صحته فيه لما فيه من تمليك الولي منافع عقار المولى عليه للمشتري بلا عوض لأن المال المدفوع ثمنًا لبيع الوفاء والذي انتفع به المولي عليه سيرد بتمامه إلى المشتري الوفائي عند استرداد المبيع وفسخ العقدة، فكأن انتفاع المشتري بغلته قبل فسخه تبرع من طرف الولي وهو لا يملك حق التبرع بمال مولاه. وأجازه صاحب العدة في حالة اضطرار المولى عليه إلى ثمن المبيع وفاء كاحتياجه للنفقة على نفسه أو ماله بانهدام في عقاره تخشى الزيادة فيه إذا لم يسرع إلى ترميمه وهو عديم المال حالًّا وله مال مرجو الحصول مآلًا. وبالقول الثاني جرى العمل عندنا بشرطه من الضرورة إليه، وينبغي للوصي المبادرة إلى الفسخ ما وجد إليه سبيلًا، والمجنون مثل الصبي (١) . هذا وأشكل على تعبير شيخ الإسلام مرة بالولي وأخرى بالوصي، والفرق بَيِّنٌ بينهما جلي وتعبير البزازية بالوصي ونصها: (اختلفت أيمة سمرقند في أن الوصي هل يملك بيع عقار الصبي وفاء، فأكثرهم على أنه لا يملك، وفتوى صاحب الهداية على أنه يملك) وكذلك ابن قاضي سماوة في جامع الفصولين للوصي بيع العقار بالوفاء وقيل لا. ولم أعثر فيما بين يدي من مصادر الفقه الحنفي على من أعطى هذا الحق لمجرد الولي وهو قل من كثر وغيض من فيض وليس هذا من باب الاعتراض على شيخ الإسلام وهو من هو في غزارة علمه وسعة اطلاعه على دقائق مذهبه فأني يدرك الضالع شأو الضليع، لكنه طرح الإشكال على من له سعة اطلاع تنور الأبصار، وترد المحتار (٢) .

стр. 11035

وأما المنقول فالظاهر من كلام الفتاوى البزازية أنه لا يصح عقده فيه، ونصها: (وإذا جمع في البيع الجائز بين العقار والمنقول الذي لا يجوز فيه البيع الجائز بأن لم يكن تبعًا للعقار حتى فسد في المنقول لا يتعدى إلى العقار بل يجوز فيه، وهذا إشارة إلى أنه لا يجوز الوفاء في المنقول) . والنص المنقول عن الفتاوى البزازية يحتوي على نقل من إجارات ((العدة)) ، وعلى تعليق محمد البزازي عليه بقوله: (وهذا إشارة إلى أنه لا يجوز الوفاء بالمنقول) . وهذه التفرقة مبناها وأساسها استحسان بعض المتأخرين كما ذكر ذلك البزازي ولكنه نقل عقب النص السالف أنه جاء في النوازل جواز الوفاء في المنقول (١) واستظهر ابن عابدين أن الخلاف جار في المنقول على القول بأن بيع الوفاء بيع جائز، أما على القول بأنه رهن فينبغي عدم الخلاف في صحته (٢) . وعلل المنع بأن الوفاء يستلزم سلامة البدلين عند التفاسخ، والمنقول يضمحل قبله فلا يجد البائع وقت الفسخ ما يسلم له. هذا وقد ذكر أبو عبد الله بيرم الثاني هذه العلة ولم يسلمها من كل الوجوه فقال: وأنت خبير بأن عدم السلامة إذ ذاك لا تعم سائر أنواعه بل تخص ما لا ينتفع به إلا باستهلاك عينه كالثمر والخبز واللحم دون ما ينتفع به من بقائها كالعبد والدابة فينبغي أن يخص المنع النوع الأول ولا يعم الثاني ولا يطلق القول فيها بجواز ولا منع. وعلى هذا التفصيل يكون من النوع الثاني السيارات والشاحنات والسفن وأثاث البيوت ونحوها فلا يجري فيها المنع بل يجوز فيها الوفاء. ولكن هل يدخل في المنقول من النوع الثاني ما يعبر عنه بالسكنى لدى فقهاء الحنفية؟ الذي يبدو لأول وهلة جواز ذلك لأن فقه الأحناف يصرح بأن ما عبر عنه بالسكنى نقلي إذا كان شرط الوفاء غير مقترن بالعقد كما يجرون العقد البات عليها. لكن بعد التدبر في هذه المسألة يتضح بالعكس وهو عدم جواز جريان عقد الوفاء فيما يعبر عنه بالسكنى ولو مع عدم شرط القران، وذلك لأن السكنى مدخول فيها على شرط القران فصار معروفًا، والقاعدة الفقهية تقول: المعروف عرفًا كالمشروط شرطًا. لكن سبق لنا أن النسفي يقول لمن استفتاه لا عبرة بالشرط المفسد إذا لم يذكر عند إبرام العقد باللسان وإن أضمر في الجنان وزور في النفس فهل لنا أن نجوز جريان الوفاء في السكنى تخريجًا على ما قاله النسفي؟ الجواب أن ما قاله النسفي نفسه مقيد بغير المعروف عرفًا وإنما هو أمر متعلق بالعاقدين وأما المعروف عرفًا فهو مذكور في العقد حكمًا. الكفالة بمال الوفاء: يتسنى للمتدبر في كتب الفقه الحنفي التي تناولت بالدراسة أو الإشارة ((بيع الوفاء)) أن يتصور المسألة بصورتين: ١- أن يضمن المشتري مال الوفاء للبائع. ٢- أن يضمن البائع مال الوفاء للمشتري. وحكم الصورة الأولى أن الضمان صحيح، لأن الوفاء يترتب دينًا للبائع بذمة المشتري لمجرد العقد. وأما حكم الصورة الثانية فالصحة أيضًا بشرط إضافة لزمن الفسخ، لا منجزة. وعلة ذلك أن مال الوفاء ليس دينًا بذمة البائع للمشتري مدة قيام بيع الوفاء بينهما، وقبل فسخه، وإنما يصبح دينًا للبائع على المشتري بعد الفسخ لأن بيع الوفاء بالنسبة إلى المشتري يعتبر بيعًا باتًّا من أجل أن يباح له نزله ومنافعه، وما دام الأمر كذلك فما دفعه المشتري للبائع يعتبر ثمنًا للمبيع، وثمن المبيع لا يجوز بحال أن يكون دينًا للمشتري على البائع، وعقد البيع قائم بينهما، لأن المشتري ملك عوضًا عما دفع من الثمن وهو المبيع، فلو كان ما دفعه من ثمن مملوكًا له للزم من ذلك ملكه للمثمن والثمن الذي دفعه، وذلك غير جائز. أما إذا فسخ العقد الوفائي بينهما فإن ما دفعه المشتري من ثمن يصبح دينًا على البائع كثمن المبيع بيعًا باتًّا بعد إقالة فإن المشتري يصبح دائنًا بثمن المبيع والبائع يصبح مدينًا بثمنه (٣) . وأما بقية المسائل المتعلقة بأحكام الضمان في بيع الوفاء فقد وقعت الإشارة إليها فيما سبق.

стр. 11036

ما يعتبر فوتًا للمبيع وما لا يعتبر: إن هذه المسألة تعود على ما يبدو إلى أصل الخلاف داخل المذهب الحنفي في حكم بيع الوفاء في كثير من تفريعاتها. فمن قال بأنه رهن قال: (لا يفوت المبيع، ولا يملكه المشتري وفاء ولا ينتفع به إلا بإذن مالكه وهو ضامن لما أكل من ثمره وأتلف من شجره، ويسقط الدين بهلاكه لو يفي ولا يضمن الزيادة، وللبائع استرداده إذا قضى دينه لا فرق بينه وبين الرهن في حكم من الأحكام) . ولا يفوت على المشتري وفاء مال الوفاء قبل القبض فمن اشترى حقلًا ولم يحزه وشب فيه حريق هلك على البائع ولا يسقط من الدين شيء. ومن قال بأنه بيع جائز فلا يفوت أصل المبيع بهذا البيع لأن معناه البيع النافذ الذي فيه أحد الخيارات، قال النسفي: اتفق مشايخنا في هذا الزمان فجعلوه بيعًا جائزًا مفيدًا بعض أحكامه وهو الانتفاع به، دون البعض وهو البيع لحاجة الناس إليه وتعاملهم به. وعلى القول بأنه بيع جائز لازم كذلك، وكذلك الشأن في القول بأنه بيع مركب من الرهن والبيع الجائز. وأما على القول بأنه بيع فاسد فقد سبق أن القائلين به اختلفوا بالنظر إلى ما يترتب عليه من الآثار والنتائج فمنهم من أعطاه أحكام البيع الفاسد كلها حتى فوات فسخه ببيع مشتريه بيعًا باتًّا، ومنهم من استثنى هذا منها وألحقه فيه ببيع المكره، وبيع المكره لا يمتنع حق الفسخ فيه بوجه من الوجوه، وللمكره أن ينقض كل تصرفات المشتري والعلة الجامعة بين بيع الوفاء وبين بيع المكره عدم الرضا ومن قال هؤلاء: إن بيع الوفاء لا يفوت بالبيع ولو تكرر فيه، ولهذا الإلحاق ذكره الزيلعي في باب الإكراه قال: (ومن مشايخ بخارى من جعل بيع الوفاء كبيع المكره) إلى آخر ما سلف. بقي أن من قال بأنه بيع بات وهو البيع القطعي فلا إشكال بأن المبيع يفوت بمجرد تمام عقد بيع الوفاء، ولعل ذلك ما يوحي به قول أبي عبد الله محمد بيرم الثاني في بيان متى يصلح بيع الوفاء طريقًا للتحيل على حل الربح ومتى لا يصلح فبين أنه على القول بأنه بيع بات فإنه يحصل غرض المشتري ولا يحصل غرض البائع. والظاهر أنه يعني فواته عليه بالبيع.

стр. 11037

ومن هنا نعلم أن ما يعتبر فواتًا ومالًا في أكثر فروعه يعود إلى الخلاف في حكم بيع الوفاء كما يعود إلى تكرر البيع له من طرف بائعه وفاء ويتأتى تصور ذلك بما يلي: (أ) إذا باعه إلى المشتري الأول وفاء بيعًا باتًّا لأنه بمجرد تمام عقد البات فسخ العقد الوفائي وصح البات. (ب) إذا باعه لغير المشتري وفاء الأول باتًّا أو وفاء قبل فسخ عقد الوفاء مع المشتري الأول توقف البيع الثاني وفاء أو باتًّا على إجازة المشتري وفاء الأول فإن أجاز انبرم البيع الثاني مطلقًا، وإن لم يجز بقي موقوفًا، ولكن يجب أن يعلم أن له - كما قال البارودي - الإجازة وليس فسخ البيع، لأن حقه في حبس العين المبيعة له وفاء بعدم الإجازة ولا يضطر إلى أجله لفسخ البيع فليس له. وإجازة المشتري وفاء الأول للمشتري الثاني باتًّا أو وفاء تكون: ١- بالقول: وأمرها جلي كما إذا جاء البائع وفاء إلى المشتري وفاء الأول وقال له بعت مبيعك الوفائي بيعًا وفائيًا أو بيعًا باتًّا فأجزني فقال له: أجزتك، أو لك ذلك، أو رد علي ثمني أو ما شاكل ما ذكر. ٢- بالفعل: كما إذا جاء البائع وفاء إلى المشتري وفاء وقال له: بعت مبيعك الوفائي وجئتك بمالك فتسلمه فأخذه، فتسلمه إياه إجازة فعلية يفوت المبيع الوفائي بها عن المشتري وفاء الأول، وكذلك الحكم إن أتاه بماله المشتري الثاني وفاء أو باتًّا وقال له: اشتريت مبيعك الوفائي وجئتك بمالك فخذه، فأخذه منه اعتبر أخذه للمال إجازة فعلية للبيع الثاني مطلقًا باتًّا أو وفاء.

стр. 11038

بقي إذا باع البائع وفاء المبيع وفاء إلى مشتر ثان وجاء إلى المشتري الأول وسلمه مال الوفاء فتسلمه ولم يحطه خبرًا بالبيع فما الحكم؟ الحكم بالتسلم لمال الوفاء انفسخ بيع الوفاء بينهما، ولم يبق له حق في الإجازة ويبطل البيع الثاني لتمامه - وعقد الوفاء منبرم - ولم تقم إجازة من المشتري الأول وفاء. ثم إن تعدد البيوعات من البائع وفاء قبل فسخ عقد بيع الوفاء توقف جميعها - كما قال البارودي - على إجازة المشتري وفاء سواء كانت كلها بيوعات باتة أو كلها وفاء أو تنوعت فكان بعضها باتًّا وبعضها وفاء، وله أن يجيز أيها شاء، وما أجازه منها مضى وما لم يجزه لم يمض، ولا فرق فيما أجازه منها بين أن يكون الأول أو الوسط أو الآخر وبين أن يكون باتًّا أو وفاء (١) . هذا ما تيسر في هذا المبحث بالاعتماد على ما قلت فإن كان صوابًا فمن فضل الله تعالى علي وإن كان خطأ فمني ومن الشيطان. وقبل أن أختم المبحث فقد لفت نظري أن الإمام الأكبر محمود شلتوت رحمة الله عليه وهو الذي أفتى في جواز أخذ النصيب من أرباح صندوق التوفير للمسلم يمنع رهن الانتفاع، والحنفية يجوزونه ويقول في هذه الفتوى: (وفي الحق أنه إذا دار الأمر بين الانتفاع بالرهن على هذا الوجه وبين الفائدة للدين التي يسمح بها القانون كانت تلك الفائدة أقل ضررًا وحرمة من هذا الرهن الذي يجب منعه قطعًا لأطماع المستغلين لضرورات الناس، ومحافظة على بيوت المضطرين من الخراب) (٢) .

стр. 11039

المبحث الثالث بيع الثنيا عند المالكية إن بيع الثنيا عند المالكية مجانس لبيع الوفاء عند الحنفية. وكلامنا في هذا المبحث ينحصر في المسائل الآتية: ١- تعريفه: لم يحده الإمام ابن عرفة - رحمه الله تعالى - بحد خاص لكن جاء في شرح الرصاع لحدود ابن عرفة عند الكلام على تعريف ((بيع الخيار)) وهو قوله: (بيع وقف بته أولًا على إمضاء يتوقع) فقال: هل يرد على الشيخ في بيع الخيار صورة بيع الثنيا بعد العقد إذا قال للمشتري: إن أتيتني بالثمن فالسلعة رد عليك أيها البائع، وقد نص على جوازها أصبغ فيصدق فيها أنها بيع وقف بته أولًا على إمضاء يتوقع لأن الخيار للبائع في إمضاء ما وقع من المشتري ... إلخ (١) . وعرفها ابن عاصم في متنه الموسوم بتحفة الحكام في نكت العقود والأحكام بقوله: والشرح للثنيا رجوع ملك من باع إليه عند إحضار الثمن (٢) ٢- مواضع ذكره: أصل بيع الثنايا في كتاب بيوع الآجال من المدونة قال فيه: من ابتاع سلعة على أن البائع متى رد الثمن فالسلعة له لم يجز لأنه بيع وسلف (٣) . وذكره العتبي في المستخرجة في جامع البيوع الثاني (٤) . وذكره ابن رشد في المقدمات في ((بيع الشروط)) إلا أنه عمم التسمية في سائر الشروط، واقتفى ابن عاصم أثره في ذكره في بيع الشروط إلا أنه ميزه فقال: والبيع بالثنيا لفسخ داع والخرج بالضمان للمبتاع إلخ الفصل الذي عنونه بقوله: (فصل في بيع الخيار والثنيا) كما ذكره الحطاب في الالتزام المعلق الذي فيه مصلحة للملتزم بكسر الزاي في الوجه الرابع من وجوهه.

стр. 11040

المسألة الأول - حكم بيع الثنيا: ((الثنيا)) : خيار في الحقيقة إلا أنه شرط فيه النقد، وشرط فيه أنه متى أتاه بالثمن فمبيعه مردود عليه. وهذا المعنى هو الذي خصه الأكثر بالثنيا وإن كان ابن رشد عممه في جميع الشروط المنافية للمقصود. والبيع بشرط الثنيا في صلب العقد كأن يقول زيد لعمرو: أبيعك أرضي هذه على أني متى جئت بالثمن فهي مردودة علي غير جائز. وتعليل منعه فيما رواه سحنون عن ابن القاسم أن ذلك غير جائز لأنه بيع وسلف، ونص الأم في بيوع الآجال هو التالي: (قلت) : أرأيت لو أن رجلًا اشترى جارية على أن البائع متى جاء بالثمن فهو أحق بالجارية أيجوز هذا في قول مالك؟ قال: لا. (قلت) : لم؟ قال: لأن هذا يصير كأنه بيع وسلف. وروى أصبغ عن ابن القاسم فيمن باع أرضًا على أنه متى ما جاء بالثمن فهي مردودة عليه أنه بيع فاسد يردان فيه إلى القيمة إن كانت قد فاتت ببناء أو هدم أو غرس قال مالك ﵁: وبيع المشتري إياها يفوتها. قال ابن القاسم: وطول الزمن في ذلك ليس بفوت عندي، وكذلك اختلاف الأسواق. وقيد أصبغ قول ابن القاسم: بأن لا يطول الزمن مثل عشرة أعوام وشبهها، فإنه لا بد أن تتغير ببعض وجوه البلاد وغيره فأراه فوتًا وإن كانت قائمة ... وقال سحنون: هو سلف جر منفعة، قال سحنون: فإن وقع البيع على هذه الصفة فهل يكون كالرهن؟ أو كالبيع الفاسد؟ قال: (أ) إن ضربا لذلك أجلًا فالمنصوص لمالك وأصحابه أنه كالبيع الفاسد، وقال أبو الحسن بن القابسي وأبو القاسم بن الكاتب: يضمن ضمان الرهان ونحوه لابن حبيب وسبب الخلاف هو: ١- الالتفات للبيع ومضمنه أنه لم يأت بالثمن. ٢- الالتفات إلى كونها محبوسة في الأجل الثاني. فمن التفت إلى الأول أجراه مجرى البيع الفاسد، ومن التفت إلى الثاني أجراه مجرى الرهان. (ب) وإن لم يضربا لذلك أجلًا فحكمه حكم البيع الفاسد. (ج) نقل كثر من الأشياخ عن أبي الحسن بن القابسي أنه كالرهن من غير تفرقة بين ضرب أجل وعدمه.

стр. 11041

ونقل ابن عبد الغفور أن بيع الثنيا إذا وقع في الصفقة مردود أبدًا فات أو لم يفت لأنه حرام وهو باب من أبواب الربا ترد فيه البياعات والصدقات والأحباس فإن وقع إلى أجل كان فيه الكراء لأنه كالرهن وبه كان يفتي ابن وهب. قال يحيى بن يحيى: وإن كان إلى غير أجل كان فيه الكراء أيضًا إذ كأنه قال له: انتفع به حتى أرد عليك مالك وقاله ابن الماجشون والعتبي وفي المجالس (للمكناسي) : إذا لم يقبضه المبتاع وترك عند البائع فهو كالرهن إذا لم يقبض وهو أسوة الغرماء، وإن قبض وأخر فذلك فسخ، وبيع في الحق إن لم يكن معه ما يؤدي منه وهو قول شيوخ الفتيا عندهم. وذهب كثير من خيار العلماء من أصحاب مالك وغيرهم أن بيع الثنيا إذا وقع إلى أجل فلا كراء فيه. وقول مالك: أنه لا كراء فيه كان لأجل أو غير أجل لأنه بيع فاسد ((عندهما)) (١) وقول ابن عاصم: (والخرج بالضمان للمبتاع) ظاهره ضرب لذلك أجل أم لا؟ لا يرد إلى المشتري الغلة التي حدثت عنده، ولا كراء عليه في مقابل الانتفاع بالمبيع لأنه بيع فاسد ينتقل ضمانه بالقبض ومن عليه الضمان فله الغلة. لكن إذا اشترى حائطًا مشجرًا نخيلًا مثلًا وفيه ثمار مأبورة يوم الشراء فإنها ليست بغلة لأن لها حصة من الثمن فيلزم ردها مع المبيع إن كانت قائمة ورد مثلها أو قيمتها إن جهلت أو جذت رطبًا. ومحل فوز المشتري بالثمرة يحصل بالزهو وهو ظهور الحمرة والصفرة في النخل وإن ظهر ذلك في نخلة واحدة من نخل كثير على المقرر في مذهب إمام دار الهجرة في ظفر المبتاع بالغلة في البيع الفاسد. وإذا طاب فمن باب أولى وأحرى. وهذا الذي ذهب إليه ابن عاصم هو قول مالك وابن القاسم وعليه أكثر المالكية وهو الذي عليه القضاء في عصره كما ذكر ذلك المتيطي من فقهاء المالكية في عصر ابن عاصم.

стр. 11042

ومقابله أنه رهن لأنه سلف بمنفعة فالغلة للبائع لا للمشتري، نقله زروق وهو المشهور وعلله عبد الباقي بأنه ظاهر مما حصل بين البائع والمشتري من الاتفاق على رد المشتري المبيع للبائع كما علل أيضًا بأن الغلة ثمن للسلف وذلك محظور. وجاء في وثائق ابن مغيث عن القابسي: التفرقة بين حكم ما قبل انقضاء أجل الثنيا، وبين حكم ما بعد أجل الثنيا فالحكم في الصورة الأولى أي ما قبل انقضاء أجل الثنيا حكم البيع الصحيح الغلة فيه للبائع إذ هو كالرهن. وفي الصورة الثانية أي ما بعد انقضاء أجل الثنيا بيع فاسد الغلة فيه للمشتري. إذا تقرر هذا فحري بنا أن نقيد ما جرى من خلاف في هذه المسألة بعدم جريان عرف في شعب من الشعوب بالرهنية لأن البيع في هذه الحالة يقع بأقل من الثمن المتعارف عليه فيباع العقار الذي ثمنه مائة ألف دينار بخمسين ألف دينار أو سبعين ألف دينار ولا يختلفون في كون العقدة رهنًا ولو سموها بيعًا فأنت إذا سألت البائع عن عقاره قال: إنه مرهون ويطلب زيادة الثمن ويعرضه للبيع وهو بيد المشتري بيع ثنيا وإذا سئل المشتري عن العقار المباع قال: إنه مرهون عندي أو هو عندي بيع ثنيا فبيع الثنيا عندهم مرادف للرهن يطلق كل منهما مكان الآخر وفي الرهن الحكم برد الغلة للراهن وعدم الفوات باتفاق وذلك كما أسلفته في التمهيد لهذا البحث من أن قاعدة الشريعة أن المقاصد والاعتقادات معتبرة في التصرفات والاعتبارات كما هي معتبرة في التصرفات والعبادات، وكما قال الشهاب القرافي: إن حمل الناس على أعرافهم ومقاصدهم واجب والحكم عليهم بخلاف ذلك من الزيغ والجور ولهذا لما سئل عيسى السجستاني حسبما جاء في نوازله عن بيع الثنيا في هذا الزمان هل يفوت بأنواع التفويت لأنه فاسد وكيف إذا جهل قصد المفوت.

стр. 11043

فقال الذي أفتي به في بياعات نواحي سوس وجبال درن أنها رهون لأنهم يعتقدون أنها على ملك بائعها ويطلبون فيها زيادة الأثمان والمبيع بيد مشتريه وإذا كان هكذا فلا يفوت بشيء بل هي على ملك الأول إلا أن يرضى بإمضاء البيع فيها والسلام. اهـ. بلفظه. وبعد أن أورد التسولي هذه الفتيا عقب عليها بقوله: ولا يخفى أنها في نواحي فاس وجبالها كذلك ولا يشك منصف فيه والله أعلم (١) . هذا قيد أول قيد به الخلاف، وهناك قيد ثان وهو أن الغلة إنما تكون للمشتري على القول بأنه بيع فاسد إذا قبض ملك المبيع لأن الضمان إنما ينتقل للمشتري في البيع الفاسد بالقبض. قال خليل: (وإنما ينتقل ضمان الفاسد بالقبض ورد ولا غلة) (٢) . وأما إذا لم يقبضه المشتري كما إذا اشترى منه حائطه بالثنيا وتركه بيده مساقاة أو إجارة أو ما شاكل ذلك لتكون له غلته فلا غلة للمشتري قولًا واحدًا وذلك لعدم انتقال ضمانه إليه وسواء اشتراه المشتري بثمنه المتعارف أو بأقل من ذلك بقليل أو كثير ولو قبضه المشتري ورده البائع بمساقاة ونحوها لم تكن للمشتري الغلة لأن ما خرج من اليد وعاد إليها لغو كما هو مبحوث في بيوع الآجال. هذا ولا بد من ملاحظة أنه على القول بأنه بيع فاسد إذا وقع أن أمضاه البائع للمشتري قبل فسخه فلا يصح لأنه بناء على فاسد والمبني على الفاسد فاسد ولعل ما ساقه الونشريسي في المعيار من فتوى لأبي الحسن الصغير شارح المدونة ترينا تطبيق ما ذكرت بوضوح حيث قال: وسئل عن إخوة باعوا فدادين لهم بيع ثنيا واشترطوا إن لم يأتوا بالثمن إلى أجل ذكروه فالبيع ماض ثم بعد ذلك مات أحدهم وترك ابنًا وبنتًا فلما مضى الأجل أمضى الأخوان الحيان البيع في المبيع للمشتري وتمموه له من غير أن يفسخ العقد الأول الفاسد ولا عرضوا له، ثم غرس المشتري المذكور فدانًا واحدًا من الفدادين وبقي في يده عشرين سنة وقام الابن والبنت ولدا الميت بعد العقدة الفاسدة الأولى وقبل عقدة الإمضاء الثاني فطلبوا حصتهم فما الحكم؟

стр. 11044

فأجاب: لا شك في فساد الأول لأنه مثل غلق الرهن وأما الإمضاء الثاني فلا يصح أيضًا لأن المنصوص في كل موضع أن البيع الفاسد لا يصح إمضاء البيع فيه إلا بعد فسخ العقدة الفاسدة وإذا فسد هذا الآخر بقي على الفساد إلى الآن إلا أنه ما غرس منه يفوت على الأخوين اللذين أمضيا وعلى ورثة الأخ الميت لأنه عقد العقدة الفاسدة وهو حي وإذا فات نظرت فإن كان وجه الصفقة المغروس أو وجه الصفقة الذي لم يغرس، أو تساويا فعلى عاقده ما إذا انفسخ البيع، وفات بعض المبيع، وحكم اللذين أمضيا حكم اللذين لم يمضيا لاشتراك جميعهم في العقد الفاسد الأول حين عقده مورثهم (١) . المسألة الثانية - التطوع بالثنيا بعد العقد: وتنحل هذه المسألة إلى نقاط: (أ) جواز التطوع بالثنيا بعد العقد: ولا فرق في ذلك بين أن يكون هذا التطوع محدودًا بأجل، أو غير محدود بأجل، ومثال التطوع بالثنيا غير المحدود بأجل كقول المشتري بعد انبرام العقدة وتمامها: متى جئتني بثمن ما اشتريته رددته عليك، أو كقول البائع للمشتري بعد انبرام العقد: متى جئتك بثمن ما اشتريته منك رددت علي مبيعي فوافق على ذلك، ومثل التطوع بالثنيا إلى أجل محدود كقول المشتري للبائع بعد انبرام العقد وتمامه: متى جئتني بالثمن لسنة أو لعشرين سنة مثلًا فمبيعك مردود عليك.

стр. 11045

وحكم المطلقة أو غير المحدودة أنه متى جاء بالثمن يجب على المشتري أن يرد المبيع إلى البائع كما يجوز للمشتري أن يفوت في المبيع ببيع أو غيره كالهبة ولا مقال للبائع ما لم يفوته على الفور مما يوحي بأنه ندم على معروفه وأراد قطع ما أوجبه على نفسه من معروف، والمعروف عند إمام دار السنة واجب على من أوجبه على نفسه. وإذا قام عليه البائع حين أراد التفويت في المبيع لدى القضاء وأحضر الثمن فإن باع المشتري المبيع بعد ذلك فإن صدر عليه حكم بالمنع من البيع قبل التفويت رد بنيته وإن باعه قبل صدور الحكم عليه بذلك نفذ البيع. وأما حكم المقيدة أو المحدودة بأجل فإنه لا يجوز للمشتري التفويت في المبيع، فإن فوت فيه ببيع أو هبة رد وجوبًا واشترط الباجي في المقيدة بأن لا يبعد أجلها بنحو العشرين سنة، فإن بعد بنحو ذلك اتفقت مع المطلقة في فوات المبيع على البائع وعدم رده وإذا جاءه البائع بالثمن في خلال الأجل أو في نهايته أو بعده بيوم ونحوه وجب على المشتري قبول الثمن ورد المبيع، وإذا زاد على ما ذكر وهو اليومان فات المبيع على البائع ولا يقبل منه الثمن. وإذا أراد البائع القيام بالغبن وقد جاء بالثمن بعد انقضاء الأجل بيوم ونحوه هل تعتبر السنة من يوم البيع؟ أو من يوم انقضاء الأجل؟ والظاهر الثاني لأنه اليوم الذي اكتمل فيه البيع نهائيًا (١) . بقي التنبيه على أن التطوع بالثنيا بعد انبرام عقد البيع يكتب عند الموثقين في العصور المتأخرة في عقد البيع على انفراد وواضح الاستقلالية قال ابن مغيث: لأنه أبعد من المظنة وإن وقع ذلك في عقد الابتياع أي قبل تقييد الإشهاد وبعد وصف البيع بانه لا شرط فيه ولا ثنيا ولا خيار جاز ذلك لكن الأفضل كتابته في عقد مستقل وإلى كل ما سبق أشار العلامة القاضي ابن عاصم في تحفة الحكام بقوله: وجاز إن وقع بعد العقد طوعًا بحد وبغير حد وحيثما شرط على الطوع جعل فالأحسن الكتب بعقد مستقل

стр. 11046

المسألة الثالثة - التنازع في عقد الثنيا: إذا اختلف المتبايعان بالثنيا في العقد المنبرم بينهما فقال أحدهما: وقعت على الطوع بعد تمام العقد وانبرامه وقال الآخر: بل وقعت شرطًا في أصل العقد ولولا وقوعها شرطًا في أصل العقد ما وقع البيع، وإنما كتبت طوعًا خوفًا من الفساد فالقول قول من؟ نقل ابن عرفة عن ابن فتحون: إذا ادعى أحدهما في الثنيا المنعقدة بالطوع أنها كانت شرطًا في العقد حلف الآخر على نفسه لما عرف بين الناس من العقد في الظاهر بخلاف الباطن، ولا يسقط حلفه إلا ببينة حضرت ابتياعه. وعقب نقادة المذهب ابن عرفة على قول ابن فتحون: (ولا يسقط حلفه ... ) إلخ أن مجرد ذكره في وثيقة البيع لا يسقط هذه اليمين، وظاهر قول المتيطي أن ذكره في الوثيقة يسقطها والصواب الأول (١) . كما نقل ذلك قاضي الجماعة بتونس في عهد الدولة الحفصية ابن عبد الرفيع في ((معين الحكام)) ، وعن ابن سلمون: فإن ادعى أحدهما أن ذلك كان شرطًا في نفس البيع والآخر أنه كان طوعًا ففي وثائق ابن العطار: القول قول مدعي الطوع مع يمينه، وقيل لا يمين عليه مع البينة التي قامت له بالطوع، وقال سحنون: إن كان متهمًا بمثل هذا فعليه اليمين وإلا فلا، وفي كتاب الاستغناء قال المشاور: ومن ادعى منهما أن ذلك كان شرطًا في نفس الصفقة حلف وفسخ البيع لما جرى من عرف الناس وبذلك الفتوى عندنا (٢) . وقد درج ابن عاصم على أن القول قول مدعي الطوع بعد تمام العقد تبعًا لغيره فقال: والقول قول مدع للطوع لا مدعي الشرط بنفس البيع ولم يجر عليه عمل والذي جرى عليه العمل أن القول لمدعي الشرطية لضعف الوازع الديني وغلبة الفساد في العقود وقد اعترض ابن ناظم تحفة الحكام على والده قائلًا: إن ابن العطار وقف مع قولهم أن القول لمدعي الصحة دون ما قيد من قولهم: إلا حيث يغلب الفساد يريد: وهذه المسألة مما يغلب فيها الفساد فيجب أن يكون القول فيها لمدعيه كما قال ابن الفخار، ومما يدعمه ما قاله ابن فرحون في تبصرة الحكام إذا اختلف المتبايعان في صحة العقد وفساده فالقول لمدعي الصحة إلا أن يكون جل أهل ذلك البلد أن معاملتهم على المكروه والحرام فالقول قول مدعي ذلك مع يمينه لأن استفاضة ذلك وشهرته في البلد صار كالبينة القاطعة والشهادة التامة وعلى مدعي الحلال البينة وهو قول خليل: (والقول لمدعي الصحة إلا أن يغلب الفساد) .

стр. 11047

واستظهر التسولي أن الخلاف في هذه المسألة جار ولو نص في عقد البيع أن البيع وقع بلا شرط ولا ثنيا ولا خيار ودعم استظهاره بما جاء في نوازل البرزلي ونقله عنه العلمي (١) حيث قال: وهو كذلك في البرزلي ونقله عنه العلمي. ولعله يعني قوله: (وفي أحكام ابن سهل من مسائل ابن زرب: من ابتاع شيئًا وذكر في عقد ابتياعه أنه طاع البائع إن أتاه بالثمن إلى عام أو مدة ذكرها فالبيع عليه رد فانقضت المدة ولم يأت البائع بالثمن فأراد المبتاع تملك ذلك وقطع ما التزمه البائع إن لم يأته بالثمن للمدة، فقال له البائع إنما كان رهنًا، وعقدناه ثنيا تحيلًا لإسقاط الحيازة التي لا يتم الرهن إلا بها أن اليمين على المبتاع أن ابتياعه كان صحيحًا وأنه طاع بالثنيا بعد العقد فإن نكل عن اليمين حلف البائع وأدى إليه الثمن ورجع فيما باعه. قال: ومثل ذلك الذي يبتاع المال الموضف ويعقد فالوضيف تبرأ ويذكر فيه أنه تبرأ إليه بعد انعقاد صفقة التبايع متى ادعى أحدهما أنهما علما بالوضيف قبل البيع ويدعو إلى يمين صاحبه فإن اليمين واجبة في هذا وإن قامت بينة على ما شهدا به على أنفسهما من التبري بعد العقد، قال: وإنما وجبت اليمين في المسألتين للعرف أنهم يتحيلون في الارتهان بالثنيا ومعرفة المبتاع بأنه لا يبتاع ملكًا حتى يعرف ما عليه من الوضيف قيل له: فهل ترى لموثق يطلع على معرفتهما قبل انعقاد البيع أن يعقد لهما عقد التبايع والتبري قال: لا) (٢) . وبعد تقرير ما ذكر فلا معول على ما جاء في المتيطية أن وثيقة بيع الثنيا إذا تضمنت عبارة: ((دون شرط ولا ثنيا ولا خيار)) بالاتفاق على أن القول قول مدعي الطوع وذلك لأن الخلاف موجود فقد ذكر الونشريسي في المعيار أن ابن رشد الجد سئل عما يكتب من الشروط على الطوع والعادة الجارية بين الناس تستلزم الشرطية فأجاب إذا اقتضى العرف الشرطية فالعمل عمل العرف ولا نظر للمكتوب لأن الموثقين يتساهلون فيه وهو خطأ ممن فعله، وأجاب ابن الحاج بأن العمل على ما في الوثيقة، وعلى فتوى ابن رشد في هذه المسألة عول الزقاق في اللامية فقال: وشرط نكاح إن نزاع بطوعه جرى مطلقًا فاعمل على الشرط واعدل

стр. 11048

ونقل التسولي عن المجاصي في نوازله أنه سئل في هذه المسألة فأجاب: قد تكرر جواب بعد جواب غير ما مرة ولا أدري ما هذا ورأيي فيها تابع لرأي بعض شيوخنا ﵏ وأنه متى ثبت رسم الإقالة ولو بصورة التطوع فهو محمول على أنه شرط في نفس العقد، وقول المتيطي: ما لم يقل: ولا ثنيا ولا خيار ... إلخ ذلك عرف وقته إذ لا تعرف عامة زماننا الثنيا بل يسمونه بيعًا وإقالة، والشهود يجرون المساطير من غير تحقيق لمعنى ما يكتبون (١) . قال ميارة في شرحه على تحفة ابن عاصم: (وهذه المسألة مما يغلب فيها الفساد مع يمينه ... ومما يدل على الدخول على الفساد كون البيع يقع بأقل من القيمة بكثير مما يتحققه المتبايعان ولولا الدخول على ذلك واعتقاد البائع أن ذلك بيد المشتري كالرهن ما رضي البائع بذلك الثمن ولا بما يقرب منه) . كما نبه هنا إلى أن الموثقين يكتبون الوثيقة على المسطرة الجارية من غير تعرض لفهم بعض فصولها، هذا في الكاتب فما بالك في العامي الذي يشهد عليه على أن العامة عندنا اليوم لا يعرفون معنى الثنيا وإنما يسمون ذلك البيع والإقالة (٢) وقد قال أبو محمد صالح وهو الذي في زمنه يمثل به العدل المبرز: إذا كتب الموثق طاع فقد عصى (٣) . وإذا وجب جمل ما يبرم من عقود بيع الثنيا على الرهن جرى في ذلك على أحكام بيوع الرهان من إباحة بيعه بيد المرتهن بشروطه وعدم إضرار السكوت عنه السنين الطويلة مراعاة لحاضر البشر وشيوع الفساد فيه والله لا يحب الفساد لكن لا بد من التنبيه على أن القول لمدعي الشرط والفساد محله إذا لم يشهد في عقد الطوع بالثنيا بإسقاط دعوى الفساد وإلا فلا التفات لدعواه لأنه قد كذبها وكذلك محله أيضًا إذا لم يبعد ما بين التطوع بها وبين البيع كالأربعة الأشهر ونحوها وإلا فينبغي حملها على التطوع حقيقة إذا كان الثمن يساوي قيمة المبيع أو ما يقرب منها. وجرى الخلاف بين فقهاء المالكية فيمن باع عقارًا أو غيره وطلب من المشتري الإقالة فأبدى له المشتري خوفه من بيعه لغيره عندما يقيله، فقال له البائع الطالب للإقالة: إن بعته غيرك فهو لك بالثمن الأول أو بالثمن الذي يساويه عند بيعه فأقاله المشتري على هذا الشرط، فباعها المقال فأراد المقيل فسخ هذا البيع والأخذ بشرطه فهل له ذلك؟.

стр. 11049

سئل الإمام المازري عن هذه المسألة فأجاب: اختلف المذهب في المشتري إذا أقال البائع من أرضه، واشترط عليه في الإقالة أنه إن باعها فهو أحق بها بالثمن الأول هل للمشتري شرطه متى وقع. أو لا يكون له شرط، والإقالة فاسدة والبيع فوت لها؟. ففي العتبية: إثبات الشرط للمقيل عند حدوث البيع في الإقالة لأنها معروف، والمشهور من المذهب فسادها لما في ذلك من التحجير، وهي بيع من البيوع، فإن نزلت فسخت الإقالة، وإن طال ذلك وفاتت الأرض بالبيع مضى البيع وفاتت الإقالة به لأنه صحيح (١) . وقرر التسولي المسألة على الوجه التالي: إن باع عقب الإقالة أو بالقرب منها فالبائع على شرطه، وإن باع بعد طول أو لوجود داع من الدواعي إلى البيع مضى البيع. وبتقرير المسألة على هذا الوجه احتج خليل في شرحه على جامع الأمهات الموسوم بالتوضيح على أن المرأة إذا وضعت شيئًا من صداقها خوف طلاقها فإن طلقها بالقرب رجعت بما وضعت وإلا فلا كمن باع عقب الإقالة ... إلخ ومثل قول خليل لابن عبد السلام، والمتعارف أنه لا يقع الاحتجاج بالمختلف فيه فكأن خليلًا وابن عبد السلام نزلا القول بالمنع وهو الذي شهره الإمام المازري - منزلة العدم ولو كان مشهورًا ما صح لهما الاحتجاج. والقول الذي نقله المازري عن العتبية ولم يشهره هو الذي في سماع محمد بن خالد ومثله لسحنون في سماعه عن ابن القاسم أيضًا، وأنه قول مالك في سماع أشهب وابن القاسم أيضًا مستدلًّا على جواز الإقالة المذكورة بمسألة الوضيعة للطلاق، وصحح استدلاله ابن رشد، ومجموع ما ذكرته يدل على رجحانيته ولذلك اقتصر عليه ابن عاصم في تحفة الحكام في مسائل التداعي والأحكام (٢) . في باب الإقالة فقال: ومشتر أقال مهما اشترطا أخذ المبيع إن بيع تغبطا بالثمن الأول فهو جائز والمشتري به المبيع جائز (٣) كما اقتصر عليه غير واحد من الموثقين ولا يخفى أن الاقتصار من طرف الفقهاء الأثبات من أمارات التشهير.

стр. 11050

المسألة الرابعة - هل يورث بيع الثنيا: نقل أبو الحسن الصغير في تقييداته على المدونة عن أبي محمد صالح أن الثنيا الجائزة تورث إذا مات البائع المتطوع له بها. وأما إذا مات المشتري وهو المتطوع بالثنيا فقد جرى في ذلك الخلاف. ١- فقال أبو إبراهيم الورياغلي: يلزم ذلك ورثته. ٢- وقال أبو الفضل راشد: لا يلزم ذلك ورثته، واختار هذا القول أبو الحسن الصغير. واحتج الورياغلي على ما ذهب إليه بما نقله ابن يونس عن الموازية في الذي يقول لجاريته: إن جئتني بألف درهم فأنت حرة فمات أن العتق يلزم ورثته إن جاءتهم بألف. ورد أبو الحسن الصغير ما احتج به الورياغلي بأنه لا حجة فيه لأن هذه قطاعة وهي من ناحية الكتابة وهي لازمة، وفي المستخرجة للعتبي أن العتق لا يلزمهم كما دعم ما اختاره بما ذكره ابن الهندي فيمن باع سلعة إلى أجل على أن يبقى الدين إلى أجله وإن فلس المطلوب أو مات، فمات المطلوب ثم مات الطالب بعده، أن ورثة الطالب لا يلزمهم التأخير وهو يدل على أن الثنيا لا تلزم ورثة المشتري وقد صرح عجوز المذهب ابن رشد بأن الثنيا إذا كانت على الطوع فهي من المعروف والمعروف يبطل بالموت والفلس (١) . وهذا كله في الثنيا الجائزة كما ذكرت ذلك في أول هذا المبحث وأما الفاسدة فيفسخ البيع كما تقدم. وإلى هذه المسألة أشار محمد بن أحمد ميارة الفاسي في بستان فكر المهج في تذييل المنهج بقوله: إن مات بائع بثنيا انتقلت لوارث والعكس قالوا بطلت إذ بائع فيه كموهوب له ومشتر كواهب ع أصله وذاك في الطوع بها أما إذا كانت بشرط الفساد انبذا

стр. 11051

المبحث الرابع بيع العهدة عند الشافعية وهو ما سماه الحنفية بيع الوفاء وسماه المالكية بيع الثنيا ما حكمه عند الشافعية؟ جاء في الموسوعة الفقهية الكويتية نقلًا عن بغية المسترشدين بتصرف ما نصه: بيع العهدة صحيح جائز وتثبت به الحجة شرعًا وعرفًا على قول القائلين به ولم أر من صرح بكراهته وقد جرى عليه العمل في غالب جهات المسلمين من زمن قديم وحكمت بمقتضاه الحكام، وأقره من يقول به من علماء الإسلام مع أنه ليس من مذهب الشافعي وإنما اختاره ولفقه من مذاهب للضرورة الماسة إليه، ومع ذلك فالاختلاف في صحته من أصله وفي التفريع عليه لا يخفى على من له إلمام بالفقه (١) . ولعل ذلك يرجع إلى ما أسلفت الكلام عليه في التمهيد من أن الشافعي يرى جواز الذرائع في بيوع الآجال ولا يهتم بالنيات والمقاصد.

стр. 11052

المبحث الخامس بيع الأمانة عند الحنابلة المقرر عند الحنابلة منعه قال منصور بن يونس البهوتي في كتابه كشاف القناع عن متن الإقناع: بيع الأمانة وهو الذي مضمونه اتفاق البائع مع المشتري على أنه متى جاءه بالثمن أعاد إليه ما اشتراه منه. وهو عقد باطل بكل حال إذ المقصود منه إنما هو الربا بإعطاء دراهم إلى أجل، ومنفعة الدار أو نحوها هي الربح فهو في المعنى قرض بعوض. والواجب رد المبيع إلى البائع، ورد البائع إلى المشتري ما قبضه منه كما يرد المشتري ما قبضه أجرة للدار وإن كان هو الذي سكن فيها حسب عليه أجرة المثل فتحصل المقاصة بقدر أجرة المثل ويرد الفضل (١) . وسئل العلامة ابن تيمية عن رجل باع زوجته دارًا بيع أمانة بأربعمائة درهم وقد استوفت الدراهم من الأجرة، فهل يجوز لها أخذ شيء آخر وقد أخذت الأربعمائة فهل يحرم عليها؟. فأجاب: الحمد لله وحده المقصود بهذا وأمثاله أن يعطيه المال ويستغل العقار عن منفعة المال فما دام المال في ذمة الآخذ فإنه يستغل العقار، وإذا رد عليه المال أخذ العقار، وهذا على هذا الوجه لا يجوز باتفاق المسلمين، وإن قصد ذلك وأظهر صورة بيع لم يجز على أصح قولي العلماء أيضًا، ومن صحح ذلك فلا أرى أن يكون بيعه شرعيًّا فإذا شرط أنه إذا جاء بالثمن أعاد إليه العقار كان هذا بيعًا باطلًا، والشرط المتقدم على العقد كالمقارن له في أصح قولي العلماء. وحينئذ فما حصل للمرأة من الأجرة بعد أن علمت التحريم تحسبه من رأس المال وما قبضته قبل ذلك فهو على الخلاف المذكور. وإن اصطلحا على ذلك فهو أحسن، وما قبضته بعقد مختلف تعتقد صحته لم يجب عليها رده في أصح القولين (٢) .

стр. 11053

المبحث السادس بيع الرهن عند الإباضية الوهبية هو بيع الوفاء ذكر الشيخ أطفيش في شرح كتاب النيل وشفاء العليل تجويز بعض الفقهاء بيع مقام الرهن وهبة مقام الرهن كما ذكر أن شيوخ جادو قالوا بهذا القول وأقاموا البيع والهبة مقام الرهن وإنما أقيما مقام الرهن ليكون للشيء المبيع أو الموهوب أجل كالرهن، وإنما جعلوه بيعًا أو هبة لينتفع به المرتهن، ويحتمل أن المراد بهذا البيع هو البيع المسمى عند غيرنا بيع العهدة وبيع الوفاء، وببيع وإقالة، ولهم عهدة ووفاء وبيع وإقالة فلا بناء على دين فيكون على أجله بل بيع مستقل (١) . محيي الدين قادي

стр. 11054

بيع الوفاء إعداد د. عبد الله محمد عبد الله الكويت - محكمة التمييز بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله والصلاة والسلام على خير الخلق سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه. توطئة: ظهر بيع الوفاء بصورته المعهودة إثر الكساد والديون التي تراكمت على التجار في بخارى وفي بعض البلاد الأخرى، فأظهروا التعاقدية تحت ضغط الحاجة وفي العصر الحديث مر بثلاثة أدوار تشريعية: الدور الأول: كان القانون المدني المصري القديم قبل سنة ١٩٢٣ تنقسم بعض أحكامه فقسمته باعتبار القرض المقصود منه إلى نوعين: الأول - ما يكون الغرض منه الرهن الحيازي. الثاني - ما يكون الغرض منه البيع الوفائي. وتجري في كل نوع أحكامه. الدور الثاني: عندما استغله المتعاملون بالربا أسوأ استغلال وأخذوا يتقاضون عن طريقه فوائد فاحشة أدخل المشرع بعض التعديل عليه يقضي بأنه متى اتضح أن بيع الوفاء يخفي رهنًا حيازيًّا عقاريًّا فإنه يكون باطلًا ولا ينتج أي أثر سواء باعتباره بيعًا أو باعتباره رهنًا غاية الأمر أنه يصلح سندًا بدين عادي. أما الدور الثالث: فهو عهد التقنين المدني الجديد الذي نص على منع بيع الوفاء وتحريم التعامل به فقد نصت المادة ٤٦٥ على أنه إذا احتفظ البائع عند البيع بحق استرداد المبيع خلال مدة معينة وقع البيع وقالت لجنة القانون المدني في تعليل ذلك (إن هذا النوع من البيع لم يعد يستجيب لحاجة جدية في التعامل إنما هو وسيلة ملتوية من وسائل الضمان قيد أستار الرهن وينتهي الرهن إلى تجريد البائع من ملكه بثمن بخس ... إلخ) . وهذا القول فيه إجحاف بالمشتري الذي ترك ماله في ذمة البائع دون توثيق. ولكن اعتباره رهنًا يحقق مصلحة البائع في الاحتفاظ بملكه للمبيع ومنافعه ويحقق مصلحة المشتري يحفظ ما دفعه ثمنًا للبائع باستيفائه عند الأجل من المبيع. ولهذا أحسنت المجلة صنعًا عندما أخذت بالقول الذي يجعل بيع الوفاء صحيحًا في بعض الأحكام فاسدًا في بعضها الآخر ورهنًا في حق البعض من الأحكام على نحو ما ذكره الأتاسي عند كلامه على المادة ٣٩٨ من المجلة، التي نصت على أنه إذا شرط في بيع الوفاء أن يكون قدر من منافع المبيع للمشتري صح ذلك) . ويترتب على هذا القول أنه يملك كل من البائع والمشتري الحق في فسخ البيع باعتبار العقد فاسدًا وحل الريع ومنافع المبيع باعتباره بيعًا صحيحًا وحفظ المبيع لصاحبه فلا يتسطيع المشتري بيعه من آخر ولا رهنه باعتباره رهنًا (١) . هذا وسنتناول الكلام على هذا العقد حسب الخطة الواردة إليه وبالله التوفيق وهو حسبي عليه توكلت وإليه أنيب.

стр. 11055

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ المحور الأول تعريفه عند الحنفية عرفته مجلة الأحكام العدلية في المادة ١١٨ بقولها: بيع الوفاء هو البيع بشرط أن البائع متى رد الثمن يرد المشتري إليه المبيع. قال منير القاضي في شرحه لهذه المادة: هو أن يبيع شخص عينًا لشخص آخر بثمن معين أو بالدين الذي عليه له بشرط أنه متى رد البائع الثمن على المشتري أو أدى دينه يرد إليه المبيع. ثم قال: ولبيع الوفاء نوع آخر. وهو البيع بالوجه المذكور على أن يستأجر البائع المبيع من المشتري ويسمى هذا النوع البيع بالاستقلال. وقد عرفت المجلة في المادة ١١٩ هذا النوع بقولها: بيع الاستغلال هو بيع المال وفاء على أن يستأجره البائع. قال الأستاذ المحاسني في شرحه للمجلة: وهو بحكم البيع بالوفاء وأخص منه ويجوز إيجار المبيع للبائع ولغيره وهذا البيع مؤلف من البيع الوفائي والاستئجار (١) . المصطلح المساوي له في المذاهب الأخرى: أولًا - المالكية: عبَّروا عنه ببيع الثنيا. قال في تحفة الحكام: والبيع بالثنيا لفسخ داع والخرج بالضمان للمبتاع والبيع بالثنيا لفسخ داع والخرج بالضمان للمبتاع ولا كراء فيه هبه لأجل أولا وذا الذي به جرى العمل قال شارحه أبو الحسن علي بن عبد السلام التسولي: بأن يقول في صلب العقد أبيعك هذه السلعة على شرط أني إن أتيتك بثمنها وقت كذا، أو مهما أتيتك بثمنها فهي مردودة علي (٢) . ثانيًا - الشافعية: أطلق الشافعية على بيع الوفاء بيع العهدة قال صاحب قلائد الخرائد وفرائد الفوائد: بيع العهدة المعروفة بحضرموت وغيرها: وهي أن يتفق المتبايعان أن البائع متى أراد رجوع المبيع له أتى بمثل الثمن المعقود به وفسخ البيع، أو يفسخ عليه رضي المشتري أو لا، وكذا إن اتفقا أنه إن أراد فك البعض فله ذلك (٣) . كما يسمونه أيضًا الرهن المعاد (٤) .

стр. 11056

ثالثًا - ويسميه الحنابلة بيع الأمانة: قال في كشاف القناع: بيع الأمانة هو الذي مضمونه اتفاقهما أي اتفاق البائع والمشتري على أن البائع إذا جاء بالثمن أعاد إليه المشتري ملك ذلك ينتفع به أي بالملك المبيع المشتري بالإجارة والسكنى ونحو ذلك كركوب ما يركبه أو حلبه (١) . وقال في رد المحتار: سماه الشافعية بالرهن المعاد، ويسمى في مصر بيع الأمانة وبالشام بيع الإطاعة (٢) . حكمه: اختلف الفقهاء في حكم بيع الوفاء اختلافًا كثيرًا حتى بلغت في المذهب الحنفي تسعة أقوال وخلاصة ما ذكر فيه: أولًا: إن بيع الوفاء بيع باطل وهو رهن حقيقة يأخذ أحكام الرهن، قال في درر الحكام لملا خسرو: قال الشيخ الإمام نجم الدين النسفي في فتاواه: البيع الذي تعارفه أهل زماننا احتيالًا للربا وسموه بيع الوفاء هو في الحقيقة رهن وهذا المبيع في يد المشتري كالرهن في يد المرتهن لا يملكه ولا يطلق له في الانتفاع إلا بإذن مالكه وهو ضامن لما أكل من ثمره واستهلكه من شجره والدين يسقط بهلاكه إذا كان به وفاء بالدين ولا ضمان عليه بالزيادة إذا هلك عن غير صنعه وللبائع استرداده إذا قضى دينه لا فرق عندنا بينه وبين الرهن في حكم من الأحكام نقل ابن عابدين في حاشيته عن الخيرية: والذي عليه الأكثر أنه رهن لا يفترق عن الرهن في حكم من الأحكام. قال السيد الإمام: قلت للإمام الحسن الماتريدي: قد فشا هذا البيع بين الناس، وفيه مفسدة عظيمة. وفتواك أنه رهن وأنا أيضًا على ذلك فالصواب أن نجمع الأئمة ونتفق على هذا ونظهره بين الناس. فقال: المعتبر اليوم فتوانا وقد ظهر بين الناس فمن خالفنا فليبرز نفسه وليقم دليله، واستدلوا عليه بأن المتعاقدين وإن سمياه بيعًا لكن غرضهما الرهن والاستيثاق بالدين، فإن البائع يقول لكل أحد بعد هذا العقد: رهنت ملكي لفلان، والمشتري يقول: ارتهنت ملك فلان والعبرة في التصرفات للمقاصد والمعاني لا للألفاظ والمباني فإن أصحابنا قالوا: الكفالة بشرط براءة الأصيل حوالة، والحوالة بشرط أن لا يبرأ كفالة والاستصناع الفاسد إذا ضرب فيه الأجل سلم ونظائره كثيرة.

стр. 11057

قال وكان الإمام السيد أبو شجاع على هذا وهو قول أبي الحسن الماتريدي (١) : وهذا وجه من أطلق عليه بيع الأمانة لأنه أمانة عند المشتري بناء على أنه رهن أي الأمانة (٢) . القول الثاني: أنه بيع فاسد إن شرطا الفسخ في البيع أو تلفظا بلفظ البيع بشرط الوفاء، أو تلفظا بالبيع الجائز وعندهما هذا البيع عبارة عن بيع غير لازم (٣) لأن كلا منهما عقد مستقل شرعًا لكل منهما أحكام مستقلة ويوجب الملك إن اتصل به القبض. القول الثالث: هو بيع جائز صحيح إن ذكرا البيع من غير شرط ثم ذكرا الشرط على وجه المواعدة ويلزم الوفاء بالوعد لأن المواعيد قد تكون لازمة وتجعل لازمة لحاجة الناس (٤) . قال في درر الحكام نقلًا عن مجموع النوازل: اتفق مشايخنا في هذا الزمان على صحته بيعًا على ما كان عليه بعض السلف لأنهما تلفظا بلفظ البيع من غير ذكر شرط فيه والعبرة للملفوظ نصًّا دون المقصود فإن من تزوج امرأة ومن نيته أن يطلقها بعدما جامعها صح العقد وهذا القول لقاضيخان، قال ابن عابدين: والظاهر أنه مبني على قولهما بأن ذكر الشرط الفاسد بعد العقد لا يفسد العقد (٥) . وقال في اللآلئ الدرية في الفوائد الخيرية على جامع الفصولين: أقول: ذكر في الحاوي الزاهدي ما لفظه: فصل: فيما يتعلق ببيع الوفاء الفتوى على أن البيع إذا أطلق ولم يذكر فيه الوفاء إلا أن المشتري وَكِّلَ بعد العقد وكيلًا يَنْسَخَهُ مع البائع عند أداء مثل الثمن فهو بيع بات لا رهن إذا كان البيع بمثل الثمن أو بغبن يسير وإن كان بغبن فاحش فهو رهن، وشرط بعضهم أن يعلم البائع بالغبن وقت البيع، فأما إذا ظن وقت البيع بعشرين أن قيمته عشرون وهو يساوي أربعين فهو بيع بات لأنه إنما نجعل البيع بنقصان فاحش رهنًا بظاهر حاله إنه لا يقصر البيع البات مع علمه بالغبن الفاحش وإذا لم يعلم فظاهر حاله لا ينفي ذلك.

стр. 11058

القول الرابع: نقله الشرنبلالي في حاشيته المسمى غنية ذوي الأحكام في بغية درر الحكام (١) ، ومن الأقوال التسعة قول جامع لبعض المحققين إنه فاسد في بعض الأحكام حتى ملك كل منهما الفسخ وصحيح في حق بعض الأحكام كحل الإنزال ومنافع المبيع ورهن في حق البعض حتى لم يملك المشتري بيعه من آخر ولا رهنه ولا يملك قطع الشجر ولا هدم البناء وسقط الدين بهلاكه وانقسم الثمن إن دخله نقصان كما في الرهن، قال صاحب البحر بعد نقله عن البزازية: وينبغي أن لا يعدل في الإفتاء عن القول الجامع. قال ابن عابدين في حاشيته: فهو مركب من العقود الثلاثة كالزرافة فيها صفة البعير والبقر والنمر، قال في البحر: ينبغي أن لا يعده في الإفتاء، عن القول الجامع. والقولان الثالث والرابع عبر عنهما صاحب الرد المختار. وقيل: إن بلفظ البيع لم يكن رضا. قال ابن عابدين في حاشية رد المختار: هذا محتمل لأحد قولين: الأول: أنه بيع صحيح مفيد لبعض أحكامه من حل الانتفاع به إلا أنه لا يملك بيعه. قال الزيلعي في الإكراه وعليه الفتوى. الثاني: القول الجامع لبعض المحققين أنه فاسد في حق بعض الأحكام حتى ملك كل منهما الفسخ صحيح في حق بعض الأحكام ... إلخ. قال في الدرر: وصح بيع الوفاء في العقار استحسانًا للتعامل، واختلف في المنقول قيل: يصح لعموم الحاجة، وقيل: لا يصح لخصوص التعامل (٢) . نكتفي بهذا القدر من أقوال أئمة الحنفية في هذا البيع، ونوجز القول في موقف المذاهب الأخرى من هذا العقد.

стр. 11059

أولًا - مذهب المالكية: قالوا في أحد القولين أنه بيع فاسد يفسخ ولو أسقط الشرط على المذهب ما لم يفت فيمضي بالقيمة، قال: ويفهم من قول الناظم (والخرج بالضمان) إن الغلة إنما تكون للمشتري على القول بأنها بيع فاسد إذا قبض ذلك المبيع، لأن الضمان إنما ينتقل للمشتري في الفاسد بالقبض، وأما إذا لم يقبض المشتري ذلك المبيع بل تركه بيد البائع بإيجاره أو اشترى منه البستان ونحوه بالثنيا وتركه بيده بمساقاة ونحوها ليأتيه بغلة، فإنه لا غلة للمشتري قولًا واحدًا لأنه لم ينتقل ضمانه إليه وسواء كان الشراء بالثمن المعتاد أو بأقل بكثير أو قليل بدليل التعليل بل لو قبضه ثم رده إليه عقد إجارة أو مساقاة ونحوها لم تكن له غلة لأن ما خرج من اليد وعاد إليها لغو كما هو مقرر في بيوع الآجال. ويترتب على القول بأنه بيع فاسد إذا وقع الإمضاء قبل فسخ العقد الفاسد فإنه لا يصح لأنه تتميم للفساد. قال أبو الحسن: المنصوص في كل موضع أن البيع الفاسد لا يصح إمضاء البيع فيه بعد فسخ العقدة الفاسدة وإذا لم يتعرض لفسخها فسخت الثانية وبقيت الأولى على فسادها (١) . القول الثاني: إنه رهن قاله الشيخ أحمد زروق وهو المشهور قال عبد الباقي: وهو ظاهر من جهة المعنى وهو توافقه مع المشتري على أن يرد له المبيع (٢) . ونقل عن وثائق ابن مغيث عن القابسي: أن حكمه قبل انقضاء أجل الثنيا حكم البيع الصحيح فالغلة فيه للبائع لأنه بمنزلة الرهن، وهو بعد انقضاء الأجل بمنزلة البيوع الفاسدة، أي: فالغلة فيه للمشتري. ثم نبه على أنه يجب أن يقيد الخلاف المذكور بما إذا لم يجر العرف بالرهنية كما عندنا اليوم ولذا يقع بأقل من الثمن المعتاد بكثير ويسمونه بيعًا وإقالة، فيبيع الرجل بالإقالة ما يساوي الألف بخمسمائة أو ما يساوي المائة بستين أو بثلاثين ونحو ذلك فلا يختلفون أنها رهن حيث اشترطت الإقالة في العقد إذا لم يسمح البائع بسلعته إلا على ذلك، وتجد البائع إذا سئل عن سلعته أو أرضه يقول: إنها مرهونة ويطلب زيادة الثمن فيها ويعرضها للبيع وهي بيد مشتريها، وإذا سئل المشتري عنها أيضًا قال: إنها مرهونة عندي أو عندي فيها بيع وإقالة وإن البائع لم يكمل البيع فيها ونحو ذلك فالبيع والإقالة عندهم مرادف للرهن يعبر بأحدهما عن الآخر. مفرق الناس اليوم ومقصودهم في هذا البيع إنما هو الرهنية كما هو مشاهد بالعيان وإذا كان العرف فيها الرهنية فيتفق على رد الغلة وعدم الفوات لأن الأحكام تدور مع الأعراف ومقاصد الناس، ومن أدل دليل الرهنية كونه بأقل من الثمن المعتاد بكثير إلى غير ذلك. وقد قالوا: كما للقرافي وغيره إن حمل الناس على أعرافهم ومقاصدهم واجب والحكم عليهم بخلاف ذلك من الزيغ الجور (٣) .

стр. 11060

ثانيًا - مذهب الشافعية: قال صاحب قلائد الخرائد: بيع العهدة المعروفة بحضرموت وغيرها، وهي أن يتفق المتبايعان أن البائع متى أراد رجوع المبيع له أتى بمثل المعقود به وفسخ البيع، أو يفسخ عليه، رضي المشتري أو لا، وكذا إن اتفقا أنه إن أراد فك البعض فله ذلك كما صرح به بعض الفقهاء، وهو فاسد إن وقع الشرط في نفس العقد أو بعده في زمن الخيار. فإن وقع قبل العقد بالمواطأة، ثم عقدا مضمرين ذلك فهو وعد لا يلزم على مذهب الشافعي ﵀، ولكن رأى جماعة من أهل العلم تنفيذه بناء على وجوب الوفاء بالوعد، كما هو مذهب مالك وغيره، وأقاموا ذلك مقام الحقوق اللازمة حتى ينوب الحاكم في الفسخ أو قبوله حيث غاب المشتري أو امتنع فلو شرطا أنه لا يفك إلا بعد سنتين أو أقل أو أكثر: فلم أر من ذكرها، غير أن من المعلوم أن الوعد يكون مطلقًا ومقيدًا بشرط أو بزمن. وعلى ذلك عمل أهل الجهة من غير نكير أعني أنه إذا شرط أنه لا يفك المعهد إلا بعد مدة معينة اعتبر نصبها للزوم الفكاك. ومثل ذلك لو شرط أن لا يفك إلا بعد أن يستغل المتعهد طريقًا أو موسمًا في الزرع أو أكثر (١) . وقال صاحب بغية المسترشدين: لم أر من صرح بكراهة بيع العهدة المعروف بين الناس فإن نَصَّ أحد على الكراهة فلا يبعد أن يكون وجهها إما إخلاف الوعد إن عزم عليه لأنه مكروه أو الاستظهار على المشتري لغير ما عللوه به كراهة بيع العهدة. ثم قال: بيع العهدة المعروف صحيح جائز وتثبت به الحجة شرعًا وعزمًا على قول القائلين به، وقد جرى عليه العمل في غالب جهات المسلمين من زمن قديم وحكمت بمقتضاه الحُكَّام وأقره من يقول به من علماء الإسلام مع أنه ليس من مذهب الشافعي وإنما اختاره من اختاره ولفق من مذاهب للضرورة الماسة إليه ومع ذلك فالاختلاف في صحته من أصله وفي التفريع عليه لا يخفى على من له إلمام باللفق. ثم قال: وصورته أن يتفق المتبايعان على أن البائع متى أراد رجوع المبيع إليه أتى بمثل الثَّمن المعقود عليه، وله أن يقيد الرجوع بمدة فليس له الفك إلا بعد مضيها ثم بعد المواطأة يعقدان عقدًا صحيحًا بلا شرط إذ لو وقع شرط العهدة المذكور في صلب العقد أو بعده في زمن الخيار أفسده، فليتنبه لذلك فإنه مما يغفل عنه (٢) . قال في نهاية المحتاج: والحاصل من كلامهم: إن كل شرط مناف لمقتضى العقد إنما يبطله إذا وقع في صلبه أو بعده قبل لزومه من خلاف ما لو تقدم عليه ولو في مجلسه (٣) .

стр. 11061

ثالثًا - مذهب الحنابلة: جاء في كشاف القناع: بيع الأمانة هو الذي مضمونه اتفاقهما أي البائع والمشتري على أن البائع إن جاء بالثمن أعاد المشترى إليه ملكه ذلك ينتفع أي بالملك المبيع المشتري بالإجارة والسكنى ونحو ذلك كركوب ما يركبه أو حلبه وهو أي البيع عقد باطل بكل حادث. ومقصودهما إنما هو الربا بإعطاء دراهم إلى أجل ومنفعة الدار ونحوها هي الريع فهو في المعنى قرض بعوض. والواجب رد المبيع إلى البائع وأن يرد البائع إلى المشتري ما قبضه منه لكن يحسب للبائع في ما قبضه المشتري من المال الذي سموه أجرة وإن كان المشتري هو الذي سكن حسب عليه أجرة المثل فتحصل المقاصة بقدره (١) . الأصل المستند إليه في التحليل أو المنع: ذكر الأستاذ المحاسني في شرحه على المجلة: إن بيع الوفاء حدث اعتباره والقول به بين العصر الخامس والسادس في ديار بخارى، وقد جوز للاحتياج في تلك الديار التي تراكمت فيها الديون على أصحاب العقارات بدرجة كادت تذهب بها، وقد تعامل عليه أهل اليمن وسموه بيع الرجاء وكذلك أهل طرابلس الغرب وسمونه بيع الوعدة (٢) . وقال ابن عابدين: جوز لحاجة الناس إليه بشرط سلامة البدلين لصاحبهما كما علل آخرون الجواز بأنه من قبيل المواعدة وأنه يلزم الوفاء بالوعد (٣) . هذه وجهة من قال بالتحليل أما من قال بالمنع قال في البهجة واختلف في علة الفساد فعلله في بيوع الآجال منها بالبيع والسلف أبو الحسن معناه تارة يكون بيعًا وتارة يكون سلفًا أي لأنه خيار بشرط النقد، وجعلا مدته أكثر من مدة الخيار إن حداه بأجل أو لمدة مجهولة إن لم يحداه. وعلله سحنون وابن الماجشون وغيرهما بأنه سلف جر نفعًا وبه عللت المدونة بنصها المنقول عند قوله (والثنيا) (٤) . ثم قال فهو بيع فاسد يفسخ ولو أسقط الشرط على المذهب ... وعلى الثاني فهو رهن يفسخ أبدًا ولا يفوت بشيء بهدم ولا غيره ويرد المشتري فيه الغلة ولو طال الزمان (٥) . وقال في فتاويه الأنقروية: وذكر في فتاوى مشايخ سمرقند أن بيع الوفاء فاسد وأنه بيع بشرط (٦) . قال والصحيح أن العقد الذي جرى بينهما إن كان بلفظ البيع لا يكون رهنًا ثم ينظر إن ذكرا شرط الفسخ في البيع فسد البيع، وإن لم يذكرا ذلك في البيع وتلفظا بلفظ البيع بشرط الوفاء أو تلفظا بالبيع الجائز وعندهما هذا البيع عبارة عن بيع غير لازم فكذلك (٧) ونحوه في الفتاوى الهندية وكذلك علل الشافعية من قال بفساده. قال في بغية المسترشدين: إذ لو وقع شرط العهدة المذكور في صلب العقد أو بعده في زمن الخيار أفسده فليتنبه لذلك (٨) .

стр. 11062

وعلل الحنابلة المنع بقولهم هو عقد باطل بكل حال ومقصودهما: إنما هو الربا بإعطاء دراهم إلى أجل ومنفعة الدار أو نحوها هي الربح فهو في المعنى قرض بعوض (١) . قال ابن رشد: وأما من قال له البائع: متى جئتك بالثمن رددت عَلَيَّ المبيع فإنه لا يجوز عند مالك لأنه يكون مترددًا بين البيع والسلف. إن جاء بالثمن كان سلفًا، وإن لم يجئ كان بيعًا. واختلف في المذهب، هل يجوز ذلك في الإقالة أم لا؟ فمن رأى أن الإقالة بيع فسخها عندما يفسخ سائر البيوع، ومن رأى أنها فسخ فرق بينهما وبين البيوع. واختلف أيضًا فيمن باع شيئًا بشرط أن لا يبيعه حتى ينتصف من الثمن فقيل عن مالك، يجوز ذلك، لأن حكمه حكم الرهن ولا فرق في ذلك بين أن يكون الرهن هو المبيع أو غيره. وقيل عن ابن القاسم لا يجوز ذلك لأنه شرط يمنع المبتاع التصرف في المبيع المدة البعيدة التي لا يجوز للبائع اشتراط المنفعة فيها فوجب أن يمنح صحة البيع، ولذلك قال ابن المواز: إنه جائز في الأمد القصير (٢) . (أثر فوت المبيع ما يعتبر فوتًا وما لا يعتبر) : فوات المبيع قد يكون بهلاكه أو بعضه أو بالتصرف فيه: فإن كان الفوات بسبب الهلاك: فقد نصت مجلة الأحكام العدلية في المادة ٣٩٩ على أنه إذا كانت قيمة المال المبيع بالوفاء مساوية للدين وهلك المال في يد المشتري سقط الدين في مقابلته. قال شارحه علي حيدر: يعني إذا هلك المال في يد المشتري أو أتلفه سقط من الدين بقدر قيمة المال الهالك أو المتلف.

стр. 11063

فإن لم يتلف المال بل طرأ عليه عيب أوجب نقصان قيمته قسمت قيمة الباقي منه على قيمة ما هلك منه، فيسقط الدين الذي يصيب الحصة التي تلفت ويبقى ما يلحق الحصة الباقية منه. مثلًا - إذا اشترى إنسان دارًا قيمتها ألف قرش بمئة قرش وفاء وتسلمها فطرأ عليها خراب أنزل قيمتها إلى خمسمائة قرش فيسقط من ذلك الدين خمسون قرشًا. قال: وقد قيدت القيمة في هذه المادة وفي المادتين الآتيتين بالقيمة يوم القبض، لأن سبب الضمان هو القبض فيجب أن تعتبر القيمة وقت القبض (١) . وقال الأتاسي في شرحه عند كلامه على المادة ٣٩٩ هذه المادة وما بعدها إلى آخر الفصل مفرعة على كون المبيع وفاء له حكم الرهن. لكنه ذكر أن بيع الوفاء يخالف الرهن في الأحكام التالية: ١ - القبض شرط جواز الرهن في الأصح حتى لا يصح الارتهان ولا يترتب عليه حكم بمجرد الإيجاب والقبول، كما في الأنقروية وغيرها. بخلاف بيع الوفاء فإنه لا يشترط لجوازه قبض المبيع، حتى صَحَّتْ إجارته قبل قبضه عند البعض. ٢ - رهن المشاع غير صحيح ولو من الشريك سواء احتمل القسمة أو لا، بخلاف المبيع وفاء، فإن بيعه صحيح إذا كان مشاعًا مطلقًا كما صرحوا به. ٣ - من حيث التأجيل فإن الأجل في الرهن مفسد له، لأن حكمه حبس مستدام، بخلاف الأجل في بيع الوفاء، فإنه صحيح فإن بيع الوفاء بالنسبة لهذه الأحكام ملحق بالبيع الصحيح (٢) . ونصت المادة ٤٠٠ على ما إذا كانت قيمة المال المبيع ناقصة عن الدين وهلك المبيع في يد المشتري، فإنه يسقط من الدين بقدر قيمته واسترد المشتري الباقي وأخذه من البائع. ونصت المادة ٤٠١ على ما إذا كانت قيمة المال من المبيع وفاء زائدة عن مقدار الدين وهلك المبيع في يد المشتري سقط من قيمته قدر ما يقابل الدين وضمن المشتري الزيادة إن كان هلاكه بالتعدي، وأما إن كان بلا تعد فلا يلزم المشتري إذًا تلك الزيادة. جاء في شرح الأتاسي تعليقًا على المواد سالفة البيان أنه إذا باع وفاء ما قيمته عشرة بعشرة فهلك عند المشتري سقط الدين، ولو قيمته خمسة رجع على البائع بخمسة أخرى. ولو خمسة عشر، فالفضل أمانة لا يضمن إلا بالتعدي. ثم إن قيمته تعتبر يوم القبض لا يوم الهلاك لكن إذا كان هلاكه بالتعدي من المشتري تعتبر قيمته يوم الهلاك لا يوم القبض لوروده على العين المودعة. أما لو أتلفه أجنبي فيضمن قيمته يوم هلك باستهلاكه وتكون القيمة في يد المشتري إلى أن يأخذ دينه (٣) .

стр. 11064

أما فواته عن طريق التصرف فيه: فقد نصت المادة ٣٩٧ من مجلة الأحكام العدلية: على أنه ليس للبائع ولا للمشتري بيع مبيع الوفاء لشخص آخر. قال الأتاسي في شرحه: لكن لو صدر من أحدهما لا ينفذ بل يتوقف على إجازة الآخر لكونه في حكم الرهن، أما البائع فلأن المرهون وإن يكن ملكه لكن تعلق به حق للدائن وهو الحبس الدائم إلى أن يستوفي دينه، والرهن وثيقة في الدين فيتوقف على إجازة المرتهن أو إبرائه من الدين، فإن أجاز صار ثمنًا رهنًا، وإن لم يجز وفسخ لا ينفسخ بفسخه في الأصح بل يبقى موقوفًا، والمشتري بالخيار إن شاء صبر إلى فكاك الرهن أو رفع الأمر إلى القاضي ليفسخ البيع، وأما الدائن فلأنه ليس مالكًا للرقبة فيتوقف على إجازة المديون المالك، فإن باعه المديون فأجازه المشتري الدائن وله حق الشفعة بطلت شفعته بخلاف إجازة المستأجر (١) . وعند المالكية كما في المقدمات الممهدات لابن رشد الجد المتوفى سنة ٥٢٠هـ، القسم الرابع وهي بيوع الشروط التي يسميها أهل العلم بيوع الغنيا ... فهذا النوع من البيوع اختلف فيه إذا وقع شيء منها على قولين: أحدهما: أنه يفسخ ما دام البائع متمسكًا بشرطه وإن ترك الشرط صح البيع وإن فاتت السلعة كان فيها الأكثر من القيمة أو الثمن. وقيل: إنه يرجع البائع على المشتري إذا فاتت بمقدار ما نقص من الثمن بسبب الشرط على كل حال ولا ينظر في ذلك على هذا القول أن تقوم السلعة بشرط وما كان بين القيمتين من الأجزاء رجع البائع على المبتاع بذلك من الثمن فهذا الباب: على هذا القول وهو المشهور في المذهب إلا في مسألة واحدة وهي شراء الرجل السلعة على أن فيها بالخيار إلى أجل بعيد لا يجوز الخيار إليه فإنه يفسخ فيها البيع على كل حال ولا يمضي ولو رضي مشترط الخيار بترك الشرط لأن رضاه بذلك ليس تركًا منه للشرط وإنما هو مختار للبيع على الخيار الفاسد الذي اشترط.

стр. 11065

القول الثاني: إن حكم هذه البيوع كلها حكم ما فسد من البيوع للإخلال بشروط ضمنها فتفسخ على كل حال كانت قائمة أو فائتة شاء المتبايعان أو أبيا ولا خيار في ذلك لواحد منهما، فإن كانت السلعة قائمة ردت بعينها وإن كانت فائتة ردت قيمتها على البائع بالغةً ما بلغت ورد الثمن على المشتري (١) . وقال في البهجة: على اعتباره بيعًا فهو بيع فاسد يفسخ ولو أسقط الشرط على المذهب ما لم يفت فيمضي بالقيمة، وفوات الأصول بالهدم والبناء والغرس لا بحوالة الأسواق، وهل يفوت بطول الزمان كالعشرين سنة؟ قولان: أرجحها على ما قاله في (تحفة الإخوان) فواته بذلك وقال في المهذب الرائق: ولا يفوت الأصول حوالة الأسواق ولا طول الزمان، وبه القضاء، قال ابن زفين: إلا ما كان مثل عشرين عامًا ونحوها. وعلى اعتباره سلفًا فهو رهن يفسخ أبدًا ولا يفوت بشيء ولا غيره ويرد المشتري فيه الغلة ولو طال الزمان، والناظم درج على الأول لأنه المشهور المعمول به في وقته ولذا قال (والخرج ... البيت) (٢) . الشافعية: قال صاحب الخرائد: إذا تلف المال المعهد بيد المشتري بلا سبب من جهته ولو من غيره سقط حق العهدة فيه، ولا يلزم المشتري بذلك شيء لأنه إنما وعد بقبوله الفكاك ما لم تغب عينه أو بدلها، وإن كان بسبب منه أو من غيره. فالظاهر تعلق الحق ببدله، فإذا أراد البائع الفك بذل الثمن ورجع إلى بدل المبيع. وإن تلف بعضه أخذ الباقي وبدل المتلف إذ لا أرش هنا، كما هو قضية قواعدهم أما إذا تغيب بنفسه أو بفعل فسيأتي في المسألة ٣٩٦ (٣) . وإن باع المشتري عهدة ما اشتراه فأبطل جمع البيع الثاني، ومثله: لو وقفه أو أعتقه أو وهبه ونحوه (٤) . قال: وجوزه الأكثر وهو الأصح الذي أفتى به غير واحد، وعليه عمل الناس لتمام ملكه من غير حجر، وليست كل علقة مانعة من التصرف، كحق الشفعة وحق الرد بالعيب ثم اختلفوا، فمنهم من قال: له أن ينقضه وإن كان وقفًا أو عتقًا. وإذا قبض الثمن العائد بالفسخ كان كثمن الشفعي المشفوع إذا فك بعد أن بيع أو وقف. ويشترى به في الوقف شيء يجعل مكانه. وقال بعضهم في الوقف تعود القيمة للمتعهد ملكًا إن شاء (٥) .
следующие страницы →