قال ابن قدامة في المغني: "وإذا دخل حربي دار الإسلام بأمان فأودع ماله مسلمًا أو ذميًّا أو أقرضهما إياه، ثم عاد إلى دار الحرب، نظرنا فإن دخل تاجرًا أو رسولًا أو متنزهًا أو لحاجة يقضيها ثم يعود إلى دار الإسلام فهو على أمانه في نفسه وماله؛ لأنه لم يخرج عن نية الإقامة في دار الإسلام فأشبه الذمي لذلك، وإن دخل مستوطنًا بطل الأمان في نفسه وبقي في ماله؛ لأنه بدخوله دار الإسلام بأمان ثبت الأمان في ماله الذي معه، فإذا بطل الأمان في نفسه بدخوله دار الحرب بقي في ماله، لاختصاص المبطل بنفسه فيختص البطلان به" (١) .
وإذا كان هذا هو موقف الفقه الإسلامي من المستأمن وماله فإن التشريعات الدولية الوضعية كانت قبل القرن الثامن عشر تبيح للدول اعتقال رعايا العدو الموجودين في إقليمها بمجرد قيام الحرب، وتحجزهم كأسرى حرب، كما كانت تصادر أموالهم، ثم جنحت تلك التشريعات إلى منع أسر رعايا العدو، وكذلك إلى منع مصادرة أمولهم، ولكن ظل القانون الدولي يجيز طرد رعايا العدو من إقليم الدولة بمجرد نشوب الحرب، وإن لم تكن هناك جريرة منهم. (٢) .
والمستأمن الذي يتمتع بحريته في التنقل في دار الإسلام، وممارسة نشاطه الذي وفد من أجله، كما يتمتع بحرمة ماله يخضع لأحكام الشريعة فيما يتعلق بالمعاملات المالية، سواء جرت هذه المعاملات بينه وبين مسلم أو بينه وبين ذمي، أو مستأمن مثله، وهذا لا خلاف فيه بين الفقهاء.
أما ما يتعلق بالحدود فقد اختلف فيه الفقهاء، فيرى بعضهم إقامة جميع الحدود عليه (٣) . ويذهب الإمام أبو حنيفة إلى أنه لا يقام من الحدود على المستأمن إلا ما فيه من حق العباد، وذلك لأنا ندبنا إلى معاملته معاملة تحمله على الدخول في دارنا ليرى محاسن الإسلام فيسلم، وهو بالأمان التزام حقوق العباد، فالتزم أن يُنْصِفَهم كما يُنْصَف وأن لا يُؤْذِيَ أحدًا كما لا يُؤْذَى.
وأما حقوق الله فلا تلزم؛ لأنه لم يلتزمها، ألا ترى أنه لم يضرب عليه الجزية، ولم يمنع من رجوعه إلى دار الحرب (٤) .
والرأي الذي أخذ به جمهور الفقهاء هو عدم التفريق بين حقوق الله وحقوق العباد وأن المستأمن يخضع لأحكام الشريعة في جميع الحدود، وهذا الرأي أكثر اتساقًا مع المبادئ الإسلامية، لأنه يتفق مع ما ينبغي أن تكون أمور الدولة من منع الفساد وكمال السيادة على كل من يقيم في ربوعها. (٥) .
على أن رأي أبي حنيفة في عدم تطبيق الحدود الشرعية على المستأمن والمستأمنة إلا حد القذف كان سندًا للامتيازات الخاصة للأجانب في عصر الاحتلال، وكم جرت هذه الامتيازات على المسلمين من نكبات (٦) .
стр. 11377
ومن المستأمنين طائفة تتمتع ببعض المزايا الخاصة التي تكفل لها القيام بمهمتها التي وفدت من أجلها، وهي طائفة الممثلين السياسيين، أو ما كان يطلق عليهم قديمًا الرسل.
هذه الطائفة أعطاها القانون الدولي المعاصر حصانة في أمور ثلاثة:
أولها: الحصانة لشخص الممثل فلا يتعرض له، ولا يعتدى عليه، حتى يستطيع أداء عمله السياسي من غير حرج، ولا يتعرض لسكنه أو أمتعته الشخصية.
ثانيها: حصانة تتعلق بالمال فيعفى من الضرائب والرسوم في حدود معينة.
ثالثها: الحصانة القضائية، ومن شأنها حماية المبعوث من الملاحقات الجنائية ومن الملاحقات المدنية الخاصة بعمله الرسمي. (١) .
فهل هذه الأمور الثلاثة التي أعطاها القانون الدولي المعاصر للممثلين السياسيين يقبلها الإسلام أو يرفضها؟
إن تقرير العرف في الشرع في استنباط الأحكام يقضي بأن كل ما يتعارف عليه المجتمع الدولي من وسائل التعاون والتآلف لا يرفضها الفكر القانوني الإسلامي ما لم تعارض نصًّا أو قاعدة، فالحصانة الشخصية والمالية ما دامت تقوم على أساس المعاملة بالمثل ولا يوجد من أحكام الشريعة ما يعارضها فإن تطبيقها على الممثلين السياسيين لا حرج فيه.
ولكن الحصانة القضائية ليست كالحصانة الشخصية والمالية، فكل من يرتكب حدًّا في دار الإسلام ينبغي أن يعاقب، وفقًا للأحكام الشرعية، ولا يجوز أن يحاكم على أساس قانون آخر، ففي هذا تعطيل لأحكام الله في أرض الإسلام.
стр. 11378
أما الذين يرتكبون ما يوجب عقوبة تعزيرية، وهي العقوبة غير المقدرة في الكتاب والسنة، ويتولى ولي الأمر تقدير العقاب فيها، أو يترك تقديرها للقاضي المختص، فهذه العقوبة في نظر بعض المعاصرين يصح أن تدخل في ضمن حصانة الممثلين السياسيين، وحجته أن تقديرها من حق ولي الأمر، فيجوز له أن يدع العقاب عليها لدولة الممثل أو الرسول. ولكن ما الذي يضمن أن تطبق دولة المممثل هذه العقوبة، وهل تطبيقها سيكون وفقًا لأحكام الله؟
إن التفاوت بين القوانين وكذلك التفاوت في النظر إلى أنواع الجرائم والعقوبات يمكن أن يجعل ما هو جريمة في دار الإسلام ليس بجريمة في غير هذه الدار، وأن يكون العقاب مختلفًا في حالة وحدة الجريمة في الإسلام والقوانين الوضعية، ولهذا أرجح الرأي الذي يذهب إلى أن الحصانة القضائية لا ينبغي أن تكون على حساب شرع الله، وأن العرف الدولي لا ينبغي أن يكون حاكمًا على هذا الشرع، وإنما يجب أن يكون محكومًا به. (١)
ويبدو من الحديث عن غير المسلمين في دار الإسلام أنهم جميعًا سواء لا فرق بين ذمي ومستأمن في وجوب تطبيق أحكام الشريعة عليهم فيما يتعلق بالمعاملات المالية والحدود، والفرق بينهما أن الذمي أمانه مؤبد أو يحمل جنسية الدولة الإسلامية على حين أن المستأمن أمانه مؤقت وليس رعية إسلامية، وبديهي أن هذا كالذمي في التمتع بالحرية الكاملة فيما يدين به دون أن يكون في هذا فتنة للمسلمين.
هذا ما يتعلق بالعلاقات الإسلامية بالنسبة لغير المسلمين في دار الإسلام.
أما دار العهد أو الموادعة فإن أول فقيه إسلامي تحدث عنها هو الإمام محمد بن الحسن الشيباني (ت: ١٨٩هـ) الذي كتب في العلاقات الدولية الإسلامية كتابة علمية جامعة لم يُسبق بها، وذلك أن كل من كتب قبله من الفقهاء في موضوع السير كانوا يتحدثون عن دار الإسلام ودار الحرب فقط، وكانت العهود تبرم إما بين المسلمين وأهل الذمة الخاضعين لهم، أو بينهم وبين الحربيين المستأمنين، ولكن الإمام الشيباني تحدث (٢) عن دار لا تخضع لحكم المسلمين فأهلها إذن ليسوا بأهل ذمة، ثم هم دخلوا مع المسلمين في عهود موادعة ومسالمة فخرجوا بهذا عن أن يكونوا حربيين.
стр. 11379
وإذا كان بين الفقهاء اختلاف حول الأسباب التي تدعوا إلى موادعة غير المسلمين فإنه مهما تكن الظروف التي تدفع بالمسلمين إلى مسالمة سواهم فإن العلاقة بينهم وبين أهل دار الموادعة تقوم على احترام العهود المكتوبة وغير المكتوبة إلى أقصى حد، وعدم الغدر والخيانة مطلقًا، والتعاون المتبادل في كل شيء إلا فيما يكون سببًا لتقوية غير المسلمين من السلاح ونحوه فإن على المسلمين ألا يمكنوا غيرهم موادعين أو حربيين من الحصول على ما يزيدهم قوة وبأسًا (١) .
والكلام في وجوب احترام العهود والتحرز عن الغدر مع الموادعين ذو شجون، وتكفي الإشارة إلى أن الفكر الإسلامي الدولي قد شقق القول في هذا الموضوع على نحو إنساني (٢) بديع أبرز سمو النظرة الإسلامية في معاملة غير المسلمين، وأن هذه النظرة تفردت بقيم الأخوة والمساواة والعدالة والفضيلة.
وأما غير الموادعين الذين ليست بينهم وبين المسلمين حرب فعلية ولا تربطهم بالمسلمين رابطة ما فإنهم ما داموا لا يؤذون المسلمين ولا يحرضون على إيذائهم فإن العلاقة التي تربط المسلمين بهم تقوم على نفس الأسس التي تقوم عليها العلاقة بين المسلمين والموادعين من الإحسان إليهم والبر بهم، وتبادل المنافع معهم إلا فيما يكسبهم قوة ومنعة، وإذا أردنا السير إليهم لتبليغهم دعوة الإسلام فلا بد من إعلامهم وعدم الاعتداء عليهم أو الغدر بهم وأخذهم على غرة (٣) . وقد بينت في الكلام عن الحرب في الإسلام ما يجب على المسلمين من القيام به نحو هؤلاء الذين ساروا إليهم قبل أن يشهروا السلاح عليهم، ويدخلوا معهم في قتال وجهاد.
стр. 11380
(ج) أصول العلاقات الدولية الإسلامية:
يتضح بجلاء من الحديث عن الحرب في الإسلام وأنواع الديار أن نظرة الإسلام إلى غير المسلمين لا تعرف العداء والتعصب والاستعلاء، وإنما تقوم على التسامح والتعاون والإخاء واحترام العهود والوفاء بها مهما تكن الظروف والأسباب , وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٨) إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (١) .
فهاتان الآيتان تلخصان الدستور الإسلامي في العلاقات الدولية. وهو دستور يقوم على السلم ويؤثر المودة على العداوة، حتى مع من عادوه ما ضمن كفهم من الاعتداء، استحياء للمودة الإنسانية، وتوثيقًا للروابط البشرية، فقبل الآيتين قوله تعالى: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ .
والحاصل أن أصول العلاقات الدولية الإسلامية تقوم على ما يلي:
أولًا ـ المساواة بين الناس:
يقرر الإسلام أن الناس جميعًا أمة واحدة وأن المساواة بينهم في الكرامة الإنسانية وفي المسؤولية، مصدرها وحدة النشأة ووحدة المصير: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (٢) .
وما دامت المساواة حقيقة لا مراء فيها؛ لأنها ترجع إلى هذا المصدر الواحد، ((فكلكم لآدم وآدم من تراب)) .
فإن كل الأبحاث والدراسات التي يقوم بها علماء الاجتماع والأجناس وغيرهم ممن يصنفون الناس تصنيفًا عرقيًّا، وما يتمخض عن هذا التصنيف من أن يكون لبعض الناس من الامتيازات ما ليس لغيرهم، ليست عملًا علميًّا صحيحًا، لأنه غفل عن الأصل الذي يرجع إليه الجميع، وأن ما بينهم من تفاوت أيًّا كان لونه لا يعني على الإطلاق تقسيمًا عرقيًّا يجعل منهم طبقات يستعبد بعضها بعضًا.
إن النزاعات العرقية، أو ما يسمى بالتفرقة العنصرية قد جلبت على البشرية في الماضي والحاضر الويلات والمشكلات، والإسلام بمبادئه التي تقرر المساواة في الإنسانية بين الناس جاء لإنقاذ البشرية من تلك النزاعات الفاسدة، وبين أن التفاوت في الألوان والألسن والطاقات ليس سبيلًا لاستعلاء الأقوياء، وامتهان الضعفاء، فهذا التفاوت آية من آيات الله في خلقه، ومظهر من مظاهر حكمته في كونه، ووسيلة من وسائل الابتلاء لعباده، ﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ﴾ (٣) .
ثانيًا ـ السلم أصل العلاقة بين الناس:
يتفرع على تقرير مبدأ المساواة، وأنه لا طائفية ولا عنصرية ولا مفاضلة بالألوان والأجناس والأوطان وإنما بتقوى الله والعمل الصالح، قيام العلاقة بين الناس على المحبة والمودة والسلام والوئام، لأن معنى المساواة يفقد مدلوله إذا لم يلغ كل أسباب الاستغلال والامتهان لكرامة الإنسانية.
إن خلق الناس من ذكر وأنثى وجعلهم شعوبًا وقبائل من أجل أن يتعارفوا ويتعاطفوا ويتعاونوا ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (٤) .
وبذلك كان السلم هو العلاقة الطبيعية بين الشعوب ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ (٥) .
стр. 11381
ثالثًا ـ الحرب من أجل السلام:
إذا كان الإسلام قد قرر أن أصل العلاقة بين الناس السلم، فإن هذا لا يتعارض مع إذنه بالحرب وحضه على الجهاد، فالحرب التي أباحها أو التي شرعها هي في جوهرها حماية للسلم، وتمكين له في دنيا الناس، إنها حرب إنسانية لا تقر إذلال الشعوب، ولا تسعى لنهب الأموال؛ لأنها حرب في سبيل الله، حرب تدافع عن العقيدة والحرية والسلم.
وبون شاسع بين حرب تنصر الحق، وتقاوم الشر، وبين حرب تبغي الفساد في الأرض ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُواْ أَوْلِيَاء الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ (١) .
ولأن الحرب الإسلامية حرب حقٍّ وخيرٍ كانت لهما قيمها ومبادئها التي تلتقي مع مهمتها في تحقيق السلام والذود عنه.
رابعًا ـ العدالة:
يحرم الإسلام الظلم في كل صوره وأشكاله ويأمر بالعدل مع الأصدقاء والأعداء في كل الأحوال ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ (٢) .
فالعدل في الإسلام حق لكل إنسان بوصفه إنسانًا دون تفرقه بين مؤمن وكافر وصديق وعدو وقريب وغير قريب ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ (٣) .
فالقرابة قد تضعف الإنسان حين يقف موقف الشاهد أو القاضي فلا يعدل في قوله أو حكمه، ولذا ينبه القرآن إلى هذا مؤكدًا دعوته إلى قول الحق والعدل ومراقبة الله وحده، فهو أقرب إلى المرء من حبل الوريد.
وإذا كان من العدل أن نرد الاعتداء بمثله: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ (٤) .
فإن الإسلام كما تنص الآية الكريمة لا يجعل رد الاعتداء بمثله أمرًا مطلقًا، بل يقرن به تقوى الله، ومن هنا يكون العدل في الإسلام عدلًا إنسانيًّا رحيمًا لا يعرف التشفي، ولا يمتهن الكرامة والفضيلة، ولا ينزل إلى مستوى الهمجية والوحشية، ولو كان غيرنا قد هبط إلى هذا المستوى، ومن أجل ذلك كان الإسلام دين القوة، قوة الإيمان، والأبدان، والإنتاج، والإعداد للجهاد حتى نرهب أعداء الله، وأعداء الحياة، ونكون دائمًا أباة حماة، أذلة على أنفسنا أعزة على غيرنا.
стр. 11382
خامسًا ـ احترام العهود والوفاء بها:
للعهود والمواثيق في الإسلام حرمة مقدسة، يجب احترامها، وعدم التفريط فيها، والنصوص في ذلك كثيرة يمكن الاجتزاء منها بقوله تعالى: ﴿وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ اللهِ إذا عَاهَدتُّمْ وَلاَ تَنقُضُواْ الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ (١) .
هذا النص القرآني الكريم يحتم الوفاء بالعهد وعدم نقضه، ويحذر من الخديعة والدخل في المواثيق، أي اتخاذها ذريعة للغش والغدر والمكر، ويشبه الذين يعقدون العهد ثم ينقضونه بالحمقاء التي تغزل غزلًا محكمًا وبعد ذلك تنقضه، وفي هذا إشارة إلى أن نقض العهد لا يفعله إلا الحمقى ويومئ النص إلى أن الرغبة في زيادة الأرض أو القوة لا يصح أن يكون شيء من هذا سببًا لنقض العهد، فالعدالة الإسلامية لا تجعل مصلحة الدولة سبيلًا لنقض العهد ما دامت شروطه مصونة من قبل الأعداء، ولذلك يحذر القرآن الكريم من نقض العهد حين يستنصر المسلمون إخوانهم ليجاهدوا معهم في الدين فإن عليهم أن يحترموا ما بينهم وبين غيرهم من مواثيق ﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ (٢) .
ولم تكن هذه المبادئ القومية في رعاية العهود مُثلًا نظرية، وإنما كانت سلوكًا واقعيًا في حياة المسلمين وفي صِلاتهم الدولية، ومن ذلك ما جاء عن حذيفة بن اليمان قال: ما منعني أن أشهد بدرًا إلا أنني خرجت أنا وأبو الحسيل، فأخذنا كفار قريش، فقالوا: إنكم تريدون محمدًا، فقلنا ما نريده وما نريد إلا المدينة فأخذوا منا عهد الله وميثاقه لننطلق إلى المدينة ولا نقاتل مع محمد فأتينا رسول الله ﷺ فأخبرناه الخبر فقال: ((انصرفا..نفي بعهودهم ونستعين بالله عليهم)) .
قال أبو رافع مولى رسول الله: ((بعثتني قريش إلى النبي، فلما رأيت النبي وقع في قلبي الإسلام فقلت، يا رسول الله لا أرجع إليهم، قال: إني لا أخيس العهد ولا أحبس البرد ولكن ارجع إليهم فإن كان في قلبك الذي فيه الآن فارجع)) (٣) .
وبعد، فهذه في إجمال أصول العلاقات الدولية في الإسلام، وهي أصول لُحمتها وسداها الإخاء الإنساني، والسلام العالمي، والتعاون الدولي وهي وحدها التي تكفل للبشرية الحياة الآمنة المطمئنة، الحياة التي تجدر بالإنسان الذي كرمه خالقه، وجعله خليفة في الأرض، واسبغ عليه نعمه ظاهرة وباطنة.
стр. 11383
ثالثًا
بين الإسلام والتشريعات الوضعية
إن الموازنة العلمية بين أصول العلاقات الدولية في الإسلام والتشريعات الوضعية من خلال الحديث عنها فيما سبق يمكن أن تعطي النتائج التالية:
أولًا: إن أصول هذه العلاقات في الإسلام بعيدة كل البعد عن الطائفية والعنصرية وتحترم الإنسان لذاته لا لجنسه أو لغته أو عقيدته، فالناس جميعًا أمة واحدة، متساوون في الحقوق والواجبات، وواجب القوي نحو الضعيف المعاونة والمساعدة لا التحكم والإذلال، ومن ثَمَّ كانت أصولًا تحقق السلام العالمي بين البشر تحقيقًا عادلًا لا يعرف المحاباة وعدم الإنصاف.
أما قواعد القانون الدولي في صورته الراهنة ـ على الرغم من تطور الفكر القانوني، وتطلعه نحو أفق رحب من الإنسانية والعالمية ـ فإنها لا تستجيب لمبادئ المساواة بين مختلف البشر من غير تمييز بين أديانها وأجناسها وألوانها.
ويلاحظ أن انقسام العالم انقسامًا سياسيًّا بين المذاهب الرأسمالية والشيوعية والحيادية قد ساعد من جديد على ظهور الطائفية في نطاق القانون الدولي، وبدأت ظواهر هذه الطائفية في التكتلات الدولية الحديثة (١) .
ثانيًا: أصل العلاقة بين الناس هو الأخوة والسلم والألفة والمودة والتعاون على البر والتقوى، هذا ما قرره الإسلام ودعا إليه وحذر من التفريط فيه. وإذا كان هذا الدين قد أباح الحرب فإنه أباحها فقط لدفع الظلم ورد العدوان وتأمين البلاغ إلى الله، فهي لذلك حرب إنسانية لا تعرف الهمجية أو الوحشية ولا تقوم من أجل استغلال الشعوب وامتهان كرامتها.
أما قواعد القانون الدولي فقد انتهى أخيرًا إلى نبذ الحرب في فض المنازعات الدولية وقد كان هذا بسبب الدمار المروع الذي تعرضت له البشرية في الحرب العالمية الثانية، ومع هذا فإن ما انتهى إليه القانون لا يعبأ به ولا يلقى من الدول الرعاية والتقدير، وما زالت الحرب القانون الذي يلجأ إليه في المشكلات الدولية، وما زالت القاعدة التي تعيش عليها وهي: القوة، تخلق الحق وتحميه وتضع حدًّا لكل نزاع هي المُعَوِّل عليها في إنهاء الخلافات بين الأمم على الرغم من وجود المنظمة الدولية وجمعيتها العامة، وما تصدره من قرارات.
стр. 11384
ثالثًا: ترتبط أصول العلاقات الدولية الإسلامية ارتباطًا وثيقًا، فهي جزء منها لا يكمل الإيمان إلا بها، ومن هنا تلقى من الدولة والأفراد في المجتمع الإسلامي كل الاحترام والإقناع الذاتي بها.
أما القوانين الوضعية ـ ومنها القانون الدولي ـ فإنها مبتوتة الصلة بعقائد الأفراد والدول، ولا تلقى الاحترام غالبًا بدافع ذاتي، ويزداد الأمر بالنسبة للقانون الدولي أنه غير ملزم في رأي بعض الفقهاء (١) ، وأنه يحول بين أطماع الدول السياسية والاقتصادية، وهي أطماع لا يردعها غير القوة الحربية، وليس ما يجري في العالم في العصر الحاضر من عدوان على الضعفاء إلا دليلًا ملموسًا على أن القانون الدولي لا يلقى ـ مع قصوره ـ الاحترام والصدق في تطبيق قواعده.
وإذا نظرنا إلى المعاهدات بين الدول فإننا نجد أن الإسلام يدعو إلى الوفاء بها ورعاية شروطها، ويحذر أبلغ الحذر من الغدر والدخل فيها، وينهى عن الأخذ بمبدأ مصلحة الدولة في نكث العهود، وذلك كله تحقيقًا لمبادئ العدالة ونشر السلام بين الناس.
ولكن الأمر بالنسبة للعرف الدولي يختلف كل الاختلاف، فالمعاهدات لدى هذا العرف وسيلة القوي ينال بها من الضعيف، وهي لا تعدو أن تكون قصاصة ورق يمكن نكثها قبل أن يجف مُداها، ففي مطلع القرن الميلادي الحالي اتفقت بعض الدول على حياد بلجيكا، وأرادت ألمانيا أن تمر بجيوشها من الأراضي البلجيكية حتى تحارب فرنسا، ورفضت بلجيكا ذلك، واحتجت إنجلترا على تصرف ألمانيا وأنذرتها بالحرب إذا لم تعدل عن خرق حياد بلجيكا، وقال المستشار الألماني في رده على إنجلترا: " إنه من الهول ما تنويه حكومة جلالة الملك البريطاني، ومما يعز علي أن أتصور جلالته قابلًا دخول حرب مراعاة لقصاصة ورق يسمونها معاهدة، واتفقا على حياد أرض". (٢) .
فالمعاهدات قصاصات ورق لا قيمة لها إذا تعارضت مع مصلحة الدولة والمصلحة هنا تشمل الغزو والاحتلال، وهذا يؤكد أن قواعد القانون الدولي ـ وهي تحض على المحافظة على المعاهدات ـ مبتوتة الصلة بضمائر الأفراد والجماعات.
стр. 11385
رابعًا: إن أصول العلاقات الدولية في الإسلام تعرف ما يسمى اليوم بشخصية القانون، فغير المسلم في دار الإسلام يلتزم بأحكام الشريعة الإسلامية في المعاملات والحدود دون غيرها مما يتصل بعقيدته الدينية فلا يخضع فيها لأحكام الإسلام وهذا باب الحرية الدينية التي كفلها الإسلام للجميع.
ويتحدث فقهاء القانون الدولي الخاص عن وجوب مراعاة شخصية القانون في بعض الحالات، ولكن الدول حتى الآن لم تتفق على وجوب هذا، وقد استغلت الدول الاستعمارية نظرية شخصية القانون فتحولت إلى امتيازات باسم القانون تسلب الدولة سيادتها وكرامتها كما حدث في عهد الاحتلال الإنجليزي بمصر.
خامسًا: سبق الإسلام القانون الدولي في تقريره لأصول العلاقات الدولية فما عرفت البشرية هذا القانون إلا حديثًا، وإن كانت له بعض الجذور القديمة، بيد أنها لا تمثل في الواقع تفكيرًا قانونيًّا صحيحًا.
لقد ظهر الإسلام والناس فوضى لا يحتكمون إلى قانون، وكانت في وقت ظهور الإسلام ـ وبقيت بعده فترة طويلة ـ تعيش في ظلمات الفكر والتشريعات والسياسة فكان الإسلام المنهج الإلهي الذي أعاد للبشرية كرامتها وحريتها وأمنها واستقرارها وسعادتها في الدارين.
ومن هذه الموازنة الموجزة يبدو الفارق جليًّا بين تشريع الله وقانون البشر، وأن هذا التشريع دون سواه هو الصراط المستقيم للناس في كل زمان ومكان، وأنهم إن حادوا عنه ضلوا طريق الحياة الإنسانية واكتنفتهم الأخطار من كل جانب، وعاشوا في صراع نفسي ومادي يسلبهم السلام والأمن: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (١) .
стр. 11386
خاتمة
وأخيرًا ما أهم ما انتهت إليه هذه الدراسة الموجزة من نتائج، وماذا ترشد إليه من توجيهات؟
إن أهم هذه النتائج ما يلي:
١ ـ إذا الإنسان في تفكيره ما لم يكن محكومًا بتشريع إلهي يسدد خطاه فإنه يزل ويضل، ولا يكون لما يصل إليه من آراء ـ وإن جاءت صحيحة ـ جدوى في مجال التطبيق العملي.
٢ ـ وهذا بيّن في مجال الفكر القانوني الدولي، فقد تعثر هذا الفكر عبر رحلته التاريخية الطويلة؛ لأنه فقد الغاية المقدسة، ولهذا لم ينته إلى تشريع يدرأ الظلم، ويحمي العدل، ويحقق الأمن والرخاء، وما زالت البشرية حتى الآن تعيش في دياجير القلق والاضطراب والأطماع الدولية المختلفة.
٣ ـ إن الإسلام ـ وهو منهج إلهي متكامل ـ جاء بالتشريعات في كل المجالات، وهذه التشريعات دون سواها تصون الحياة من عبث الطغاة وترسي دعائم السلام على أسس من الأخوة والمساواة، وستظل البشرية تعاني مما تعاني منه ما لم تعتصم تلك التشريعات وتستجيب لحكم الله في كل شيء ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ (١) .
٤ ـ إذا كان الأوروبيون يعدون جروتيوس الهولندي مؤسس القانون الدولي فإن هذا خطأ علمي تاريخي؛ لأن الإمام محمد بن الحسن الشيباني وقد سبق جروتيوس بأكثر من ثمانمائة عام قد كتب في القانون الدولي الإسلامي في تفصيل وشمول لم يسبق به، ومن ثم يعد هذا الإمام مؤسسًا للقانون الدولي في العالم كله.
على أن هناك من الباحثين (٢) من يرى أن جيروتيوس قرأ ما كتبه الشيباني في كتابه "السير الصغير" و "السير الكبير" ونقل منهما ما عزاه إلى نفسه.
стр. 11387
٥ ـ وليس فضل الشيباني في أنه أول من كتب في العلاقات الدولية فحسب وإنما يظهر فضله أيضًا في مجال الفكر القانوني أن القانون الدولي المعاصر لم يأت بجديد بالنسبة لما كتبه الإمام محمد.
٦ ـ وقد تنبه إلى هذه الحقيقة العلمية والتاريخية فقهاء فرنسا، فأنشأوا في سنة ١٩٣٢م، جمعية الشيباني للقانون الدولي، ثم حذا حذوهم فقهاء ألمانيا، فأسست في غوتنجن جمعية شيباني للقانون الدولي، وضمت هذه الجمعية علماء القانون الدولي والمشتغلين به في مختلف أنحاء العالم وانتخب رئيسًا لها الفقيه المصري، أحد أعلام القانون الدولي المعاصرين الأستاذ عبد الحميد بدوي (ت: ١٩٦٥م) ﵀.
وأما ما ترشد إليه الدراسة من توجيهات فيتخلص في أن كل فكر مهما يكن صالحًا للحياة وأولى من سواه في التطبيق إذا لم يكن له حماة يؤمنون به ويذودون عنه فإنه يظل كصرخة في واد. والمسلمون أصحاب عقيدة وشريعة وفكر لا نظير له، ولكن يبقى ما لدى المسلمين من مبادئ وقيم وفكر بعيدًا عن التأثير الفعلي في واقع الحياة ما دام أهله لا يلتزمون به التزامًا كاملًا أولًا، وما داموا ثانيًا لا يملكون القدرة على التمكين له والدفاع عنه، ولهذا كانت دعوة الإسلام إلى إعداد القوة بمفهومها الشامل، فهذا الإعداد هو السبيل لأن يصبح الفكر النظري واقعًا مطبقًا. فقوة المسلمين عقيدة وإعدادًا هي مناط إرهاب أعداء الله وتطبيق شرعه وإعلاء كلمته، فالضعف دائمًا يقود إلى الهزيمة المعنوية والمادية.
الدكتور محمد الدسوقي
стр. 11388
السلم، والحرب، والعلاقات الدولية
في الإسلام
إعداد
الدكتور محمد رأفت سعيد
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة:
نحمدك اللهم ونستعينك ونستهديك، ونصلي ونسلم على خاتم أنبيائك ورسلك سيدنا محمد، وبعد.
فإن موضوع السلم والحرب والعلاقات الدولية في الإسلام من الموضوعات الجديرة بالعناية والدراسة، لإبراز الحقائق التي تعمد خصوم الإسلام إخفاءها في هذا الموضوع، حتى ألبسوا الباطل ثوب الحق، وقدموا الإسلام في المجال الدولي على أنه دعوة إلى الإرهاب وسفك الدماء، وأن المسلمين لا يستريحون في إقامة علاقات دولية سامية مع غيرهم؛ لأنهم دعاة حرب وعصبية.
فكان لا بد من تناول هذا الموضوع تناولًا علميًّا موثقًا يقدم الحق مدعمًا بدليله ليدحض الشبهات والمفتريات التي لا أساس لها، ولبيان حاجة البشرية إلى السلام لما تجنيه من آثارالحروب المدمرة؛ ولأن التقدم البشري مرتبط بأمن الإنسان وسلامه، كما أن سلامه النفسي مرتبط بسلامه الاجتماعي والاقتصادي، وكل ذلك يمثل في عالمنا المعاصر وحدة مترابطة في التأثير والتأثر ومن إحقاق الحق فإن الإسلام ـ كما يعرفه المنصفون، وكما سنتبينه بالدليل في المباحث الآتية ـ هو السبيل الوحيد لتحقيق السلم الدولي في عالمنا المعاصر.
إنه شرع الله لخلقه، ورحمة الله للعالمين، به تحمى مقومات الحياة فلا يمس الدين أو النسل أو العقل أو النفس أو المال في ظل توجيهاته وتشريعه.
واتخاذ الإسلام بعقائده وأخلاقه وعبادته ومعاملاته، وتوجيهاته جميعًا، سبيلًا لتحقيق السلم الدولي له ما يميزه عن قرارات المنظمات الدولية في أن الاستجابة لأوامره تكون دينًا ملزمًا لا مجال فيه للتحايل في التطبيق، ولا المخادعة؛ لأن الله شهيد على عباده؛ ولأن أحكامه تهدف خير عباده جميعًا دون ميل أو هوى، فعند التطبيق الصحيح يجد الجميع السلم والأمن المؤسس على الحق والعدل والمساواة بين الجميع.
ولذلك فإننا سنلتزم في موضوعنا ما يجلي حقيقة الإسلام في نصوصه التي تمس سلم الناس وحربهم وعلاقاتهم الدولية في ستة فصول وخاتمة.
стр. 11389
الفصل الأول: السلام في الإسلام:
وسنتناول فيه ـ إن شاء الله تعالى ـ مفهوم السلام، وتقرير مبدأ السلام في الكتاب والسنة واعتباره الأصل، وآراء علماء السلف في حقيقة السلام، وتطبيقات الخلفاء والقادة لمفهوم السلام من واقع التاريخ الإسلامي، وضمانات الإسلام لتحقيق السلام.
الفصل الثاني: الجهاد في الإسلام:
وسنتناول فيه ـ إن شاء الله تعالى ـ مدلولي الجهاد والحرب، وحكم الجهاد ومراحل تشريعه، وبواعثه وأهدافه، وفضله، ومنهج الإسالم في حقن الدماء، والدعوة أولًا، والإعداد للجهاد (ماديًّا ومعنويًّا) .
الفصل الثالث: خلق الجهاد في الإسلام:
وسنتناول فيه ـ إن شاء الله تعالى ـ نظام الإسلام الخلقي الذي يتناول السلم والحرب، وأخلاق القائد من الرفق بالجند والنصح لهم والمشاورة، وأخلاق الجند من الطاعة للقائد في المعروف.
وخلق الصبر والمصابرة والثبات وعدم الفرار.
والظهور بالقوة مع عدم الغرور، والرحمة ومظاهرها والوفاء بالعهود والمواثيق، والشكر مع النصر وعدم اليأس عند الهزيمة ومحاسبة النفس، والطاعة لله سبحانه ولرسوله ﷺ والتنزه عن المعاصي.
стр. 11390
الفصل الرابع: الآثار المترتبة على الجهاد:
وسنتناول فيه ـ إن شاء الله تعالى ـ المصطلحات الآتية وما يتعلق بها: دارالإسلام ـ دار الحرب ـ المعاهدون حقوقهم وما يجب عليهم، الهدنة والأمان، والصلح، والغنائم وأحكامها (الأموال المنقولة ـ الأسارى ـ الأرض) .
وتوجيهات الإسلام في حالة وقوع الهزيمة بالمسلمين.
الفصل الخامس: العلاقات الدولية في الإسلام:
وسنتناول فيه ـ إن شاء الله تعالى ـ ضرورة الاتصال بين الأفراد والدول، وأن الإسلام أقام العلاقات الداخلية بين أفراد الأمة على المودة والرحمة، الأسس التي تقوم عليها علاقة الدولة المسلمة بالدول الأخرى.
السبيل العملي في بيان العلاقتين ـ الكتاب الذي وادع فيه الرسول ﷺ اليهود وعاهدهم ـ موقف الإسلام من المنظمات الدولية.
الفصل السادس: شبهات في موضوع السلم والحرب في الإسلام:
وسنتناول فيه ـ إن شاء الله تعالى ـ:
ـ الغرض من إثارة الشبهات.
ـ الرد الموضوعي على الشبهات.
ـ شبهة الإكراه في الدين ونشره بالسيف.
ـ شبهة الجزية وما يتعلق بها.
ـ شبهة اعتبار الرق غاية من الجهاد.
الخاتمة:
وسنبرز فيها ـ إن شاء الله أهم النتائج التي نتوصل إليها من تناولنا لهذه المباحث:
والله ولي التوفيق وهو حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 11391
الفصل الأول
السلام في الإسلام
مفهوم السلام:
السلام مبدأ من المبادئ التي عنى بها الإسلام عناية واضحة في اسمه الدال عليه، وفي مضمونه وما يدعو إليه، فالإسلام والسلام يشتركان في مادة "سلم" وهي مادة تعني في اللغة الخلوص والنجاة من الآفات، وتعني الصلح (١) ، وهذه المادة مثل مادة "أمن" وزنًا ومعنى، وما يتضمن هذا من سكون القلب (٢) ، والطمأنينة والسكينة.
من أجل هذا وجدنا احتفاء الإسلام بالسلام، وما يشيعه في النفس الإنسانية في الأسرة البشرية من معاني المودة والرحمة، ووجدنا تعميق الإسلام لهذا المبدأ المحقق لهذه المعاني في توجيهات القرآن الكريم وفيما وجه إليه النبي ﷺ واعتبار هذا المبدأ أصل العلاقات البشرية فعليه تقوم، وإن ابتعدت عنه تصارعت، ولا بد من إزالة أسباب الصراع للعودة إليه تحقيقًا للأمن وإرساء للطمأنينة، وهذا معنى الصلح الذي تدل عليه المادة "سلم".
فأما تقرير السلام لهذا المبدأ وتعميقه وإزالة ما يعكر صفوه فنجده في الكتاب والسنة على ما يلي:
أولًا: الدين الذي ارتضاه الله لنا جعل عنوانه من مادة السلام فسماه الإسلام قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (٣) .
ثانيًا: والله سبحانه الذي أكمل لنا الدين وأتم علينا النعمة ورضي لنا الإسلام دينًا من أسمائه الحسنى السلام. قال تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (٤) .
ثالثًا: وإذا كان السلام ـ كما مر بنا في بيان مفهومه ـ قرين الأمن والسكينة والطمأنينة، وأن هذه المعاني قرينة الرحمة فإن رسول الله ﷺ يوصف بأنه للعالمين رحمة مهداة فيقول الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (٥) .
ويقول الله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ (٦) .
رابعًا: وإذا كان هذه صفة الرسول ﷺ مع أمته فإن الله تعالى جعل مفتاح المعاملات بين الناس، وبداية العلاقات واللقاءات فيما بينهم في لفظة السلام فتحية الإسلام السلام.
стр. 11392
خامسًا: الذين يعيشون مستجيبين لهدي ربهم في حياتهم الدنيا فيتحقق لهم الأمن والسلام سيحظون يوم القيامة بتحية الله لهم وهي السلام. قال تعالى: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ﴾ (١) .
وسيحظون كذلك بتحية الملائكة لهم في الآخرة وهي السلام قال تعالى: ﴿وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ، سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ (٢) .
سادسًا: سمى الله الدار التي ينعم فيها المؤمنون المستجيبون لله وللرسول بدار السلام وهي الجنة، قال تعالى: ﴿لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ (٣) .
سابعًا: وأحلى ما يسمع أهل الجنة في دار السلام كلمة السلام، قال جل شأنه: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا (٢٥) إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا﴾ (٤) .
ثامنًا: ولترغيب المؤمنين للدخول في السلم دعاهم ربهم إلى دار السلام، قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ﴾ (٥) .
تاسعًا: ويجعل النبي ﷺ ارتباط دخول دار الإسلام بإفشاء السلام فيما بين المؤمنين فيقول ﷺ : ((لن تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولن تؤمنوا حتى تحابوا، ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم أفشوا السلام بينكم)) (٦) .
عاشرًا: ويجعل الإسلام لكلمة السلام قوة لا تدع في النفس مجالًا للظن أو الوهم، فيقول تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ (٧) .
وبذلك تكون كلمة السلام التي أرسى دعائمها الإسلام للمسلمين وينال من خيرها كذلك غيرهم، وهكذا نرى تضافر الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية في إفشاء روح السلام بين العالمين، وأن هذا ما ينبغي أن تكون عليه الحياة وأول من يستجيب لهذا الروح بين المؤمنين، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ (٨) .
وإن أصيبت هذه الروح بما يعكر صفوها بنزاع أو قتال وجد الناس خطره وذاقوا مرارته وبدأ فيهم ميل للعودة إلى الأصل وهو السلام فإن المؤمنين أسرع الناس استجابة إلى هذا حتى ولو كان الميل ميل مخادعة , فإن الله حسبهم ويكفيهم شر خداعهم، قال تعالى: ﴿وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ وَإِن يُرِيدُواْ أَن يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللهُ هُوَ الَّذِيَ أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾ (٩) .
стр. 11393
بهذه الروح الواعية لمبدأ السلام والمحققة له في حياة الناس انطلق قادة الفتوح الإسلامية فمع مواجهتهم لأقوام استعبدوا الناس بالباطل، وطغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد كان تطبيقهم العملي في ميادين الجهاد محافظًا على مبدأ السلام وآثاره في حياة الناس ونستطيع أن نقدم دليلًا على ذلك من واقع التاريخ الإسلامي ومن تطبيقات الخلفاء الراشدين وهم خير سلف هذه الأمة وأصفاهم فهمًا لحقيقة ما قرره الإسلام من مبادئ.
فهذا أبو بكر الصديق ﵁ وهو خليفة الرسول ﷺ وقف في جيش أسامة خطيبًا فقال: "أيها الناس، أوصيكم بعشر فاحفظوها عني: لا تخونوا، ولا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا طفلًا صغيرًا ولا شيخًا كبيرًا ولا امرأة، ولا تعقروا نخلًا ولا تحرقوه ولا تقطعوا شجرة مثمرة، ولا تذبحوا شاة ولا بقرة ولا بعيرًا إلا لمأكلة، وسوف تمرون بأقوام قد فرغوا أنفسهم في الصوامع، فدعوهم وما فرغوا أنفسهم له وسوف تقدمون على قوم يأتونكم بآنية فيها ألوان الطعام، فإذا أكتلم شيئًا بعد الشيء فاذكروا اسم الله عليه، وتلقون أقوامًا قد فحصوا أوساط رؤسهم وتركوا حولها مثل العصائب فاخفقوهم بالسيف خفقًا.. اندفعوا باسم الله". (١) .
والاستشهاد بأقوال القادة وقت الحرب خير دليل على فهم هؤلاء القادة لمفهوم السلام، فقد يكون التعبير عن مفهوم السلام من غير وقت اللقاء مع الأعداء مشوبًا بكثير من الادعاء والظهور في صورة مثالية، أما الوصية من القائد إلى جنده عند اللقاء، وامثال الجند لمجموعة من المبادئ والقيم التي تمثل مفهوم السلم في أحلى صوره فإنه دليل على عمق هذا المفهوم وتأصله في النفوس. ومن هنا نقول أن القادة المسلمين يجعلون مبادئ السلام وثيقة الارتباط بدينهم فلا تنازل عنها في أي وقت من الأوقات، وأن القتال في الإسلام ـ كما سينجلي لنا في مباحثه ـ ليس إلا تدعيمًا لهذا الأصل العظيم الذي أسس الإسلام حياة الناس عليه. فالفاتحون دعاة إلى الله يستهدفون هداية الناس إلى الحق ويزيحون العوائق من طريق الشعوب، ويخرجون الناس من عبادة الحكام إلى عبادة الرحمن، ومن ظلم الحكام إلى عدل الإسلام، ويبذلون في سبيل ذلك أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة، ولذلك فإن صلاحهم مستمر في لقائهم مع عدوهم فلا خيانة، ولا غلول ولا غدر، ولا يقاتلون إلا المقاتلة فلا قتل لطفل صغير ولا لشيخ كبير ولا امرأة. وإذا قوتل المقاتلة فلا تمثيل. وفتحهم للعمارة والنماء فلا عقر لنخل ولا إحراقه ولا قطع لشجرة مثمرة ولا ذبح لشاة ولا بقرة ولا بعير إلا للأكل. وهكذا يتجلى في توجيهات أبي بكر ﵁ لجيش أسامة ﵁ امتداد مفهوم السلم ليكون مستمرًا في جميع الأحوال ,وأن هذا المعنى إذا كان يحقق عند لقاء العدو فإنما لكونه مرتبطًا بعقيدة المسلم الذي ينطلق في أمره كله باسم الله سبحانه واستجابة لأمره ونهيه، وأما لدى غير المسلمين فإن أوقات الحروب تستباح فيها الأنفس ويمتهن معها كل معنى كريم.
ويمتد هذا المعنى للسلام ليجد التطبيق لدى القادة المسلمين قديمًا وحديثًا وإذا كنا أعطينا مثالًا لتوجيهات أول الخلفاء الراشدين فهذا ـ كذلك ـ القائد المسلم صلاح الدين الأيوبي يحقق هذا المفهوم بعد أن استعاد بيت المقدس من أيدي الصليبيين بعد تسعين سنة من مجزرة الصليبيين الذين استولوا على بيت المقدس في ١٥/ ٧/ ١٠٩٩م فذبحوا سبعين ألف مسلم ولم يرحموا الشيوخ ولا الأطفال ولا النساء في مذبحة استمرت ثلاثة أيام، ولم تنته إلا بعد إجهادهم من القتل، وحطموا رؤوس الصبيان على الجدران، وألقوا الأطفال الرضع من أسوار المعاقل والحصون، وشووا الرجال على النار، وبقروا بطون الحوامل ليروا هل ابتلع أهلها الذهب؟
ـ بعد هذه المجزرة لم يعامل صلاح الدين الصليبيين بالمثل. فلما سلمت له الحامية النصرانية أمنهم على حياتهم، وكانوا أكثر من مائة ألف وأعطاهم مهلة للخروج في سلام، لم يقتل أحد منهم بعد أن بذل لهم وعده بالأمان، ولم يفعل كما فعل "ريكاردوس" الإنجليزي الذي قتل أمام معسكر المسلمين ثلاثة آلاف سلموا أنفسهم إليه بعد أن قطع على نفسه العهد بحقن دمائهم (٢) .
стр. 11394
ضمانات الإسلام لتحقيق السلام:
وليجعل الإسلام مفهوم السلام واقعًا يعيشه الناس ويجنون ثماره ويستمتعون من وضع الإسلام أمام الناس بمجموعة من التدابير والضمانات التي تكفل تحقيق السلام في حياة الناس، ويمكن أن نقسم هذه الضمانات والتدابير إلى قسمين:
الأول: ضمانات نفسية.
الثاني: معالجة الصراع إذا وقع بين البشر معالجة موضوعية.
فأما الضمانات النفسية فقد بسط القرآن الكريم أمام الناس قصة الصراع بين ابني آدم لتجنب الأسباب التي أدت إليه، فحكى لنا القرآن الكريم ما حدث بين ابني آدم حيث تفوق أحدهما بتقواه وحظي بقبول عمله، وأما الآخر فبدلًا من أن يشغل نفسه بإصلاح شأنها ليقبل عمله مثل أخيه شغل نفسه بالحقد عليه، والحسد له، وتهديده بالقتل، وطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله، ويبصرنا القرآن الكريم بأثر هذا الصنيع من الندم الذي أصاب القاتل، والمظلمة الشديدة التي وقع فيها بهذه الخبائث النفسية وبتزيين الشيطان للإنسان عمل السوء ومقارفة المظالم، كما يضع الناس بعد هذه القصة أمام القاعدة المستخلصة منها في أن من قتل نفسًا بغير حق فكأنما قتل الناس جميعًا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعًا، قال تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِن أحدهما وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لَأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ إِنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاء الظَّالِمِينَ فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ فَبَعَثَ اللهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أو فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاء تْهُمْ رُسُلُنَا بِالبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم بَعْدَ ذَلِكَ فِي الأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ﴾ . (١)
стр. 11395
فمن هذه البداية التي نضع أيدينا عليها وما تبعها من صراعات، نستطيع أن نستخلص أهم العوامل المؤثرة على السلم في حياة الناس، والتي يهتم بها كثير من الباحثين، والتي تتصل بالعامل النفسي، والذي نبرز أوضح مظاهره فيما يأتي:
(أ) حب الاستعلاء في الأرض بالتسلط على الآخرين.
(ب) استغلال ثروات الآخرين.
(جـ) سرور النفس بالشبع مع وجود الجوع عند الآخرين.
(د) ترتيب الناس ورفع بعضهم على بعض باعتبارات لا صلة لهم فيها.
(هـ) استيفاء النفس لحظوظها ولو كان ذلك على حساب الآخرين.
(و) إهمال النفس الإنسانية في التهذيب الصحيح والتقويم المستمر.
هذه مجموعة العوامل النفسية وراء الصراعات الفردية التي بدأت بابني آدم، والصراعات الدولية التي تصحب بدم بشري دافق يصرخ في وجه الإنسانية يطلب الإيقاف ليسري في عروق بانية، وليؤدي وظيفته في بشرية سوية ترفرف عليها رايات الحب والسلام.
وأما الضمان الثاني: والذي يتمثل في معالجة الصراع إذا وقع بين البشر فإن الإسلام يعالج قضايا الصراع معالجة موضوعية متكاملة تأخذ بالمنهج المتكامل الذي يعالج المشكلة من جذورها فيبدأ بمعالجة الأهواء النفسية التي أشرنا إليها من قبل.
كما يعالج الأسس التي تقوم عليها العلاقات الإنسانية ويتمثل ذلك فيما يلي:
(أ) النظرة الصحيحة إلى الإنسان لاعتباره مخلوقًا لله سبحانه وقد كرمه الله وفضله على كثير ممن خلق وجعله مسؤولًا ومحاسبًا ومجزيًّا عن عمله، وأقام الإسلام كيان الإنسان على حسن الصلة بخالقه وواهب النعم له، وتنمية مكوناته الروحية والبدنية والعقلية، وصيانة نفسه ودينه وعقله وماله وعرضه.
(ب) النظرة الصحيحة إلى العلاقات الإنسانية وإقامتها على الأسس التالية:
١ ـ المساواة الإنسانية.
٢ ـ العدل.
٣ ـ التكافل الإنساني.
٤ ـ الأساس المتصف للتفاصيل بين الناس والذي يدفع بالإنسانية إلى الخير والتنافس في مجالاته.
٥ ـ السلم النفسي والسلم العالمي.
ومجموع هذه الضمانات تؤمن الفرد والجماعات وتحول بينهم وبين الصراعات الدموية، فإذا ما تغلبت نوازع السوء ودفع الصراع فإن المعالجة تأخذ بالمشكلة من جذورها فإن لم يستجيب الأفراد والجماعات لهذه الضمانات السابقة، فإن للإسلام نظرته في اتخاذ الجهاد سبيلًا لتحقيق هذا السلم الذي يعده أصلًا في حياة الناس، وهذا ما سنتناوله إن شاء الله في الفصل الثاني.
стр. 11396
الفصل الثاني
الجهاد في الإسلام
مدلولا الجهاد والحرب:
وإذا كانت كلمة الحب تحمل ظلالًا قاتمة من المعاني التي تثير الإنسان وينفعل بها الأدباء شعرًا ونثرًا قديمًا وحديثًا، لما تحدثه من مظاهر التدمير والتخريب والقتل، وفي هذا نجد قول زهير بن أبي سلمى:
وما الحرب إلا ما علمتم وذقتم وما هو عنها بالحديث المرجم
متى تبعثوها تبعثوها ذميمة وتضر إذا ضريتموها فتضرم
فتعرككم عرك الرحى بثفالها وتلقح كشافًا ثم تنتج فتتئم
فتنتج لكم غلمان أشأم كلهم كأحمر عاد ثم ترضع فتفطم
إذا كانت الحرب ـ كذلكـ في سوآتها فإن القرآن الكريم يذكر الحرب بهذه الآثار الثقيلة في مثل قوله تعالى: ﴿حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ (١) .
ولما كانت الحرب بين الناس تقوم على أسس باطلة ـ سبق الإشارة إليها ـ ويتعرض الناس مع الحرب لظلم الظالمين المحاربين، ووقوف المعاندين في وجه الحق، وتسلطهم على غيرهم والوقوف في طريق دعوتهم إلى الحق والخير كان الإذن من الله سبحانه بمقاتلة هؤلاء الظالمين، والوعد من الله بنصرهم قال تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ (٢) .
وقال تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ (٣) .
стр. 11397
ولكي يبقى معنى القتال الذي أذن فيه واضحًا في أهدافه، وفي أبعاده، وفيما يلتزم فيه من مبادئ وقيم، وجدنا في الإسلام مصطلحات أخرى لتؤدي المعنى المراد مصحوبًا بالمفاهيم الإسلامية كمصطلح الجهاد وكذلك المغازي والسيرة , فالجهاد: مصدر جاهد جهادًا ومجاهدة، وجاهد: فاعل، مِنْ جهد: إذا بالغ في قتل عدوه وغيره، ويقال: جهده المرض وأجهده، إذا بلغ من المشقة، وجهدت الفرس وأجهدته: إذا استخرجت جهده، والجهد بالفتح: المشقة، وبالضم: الطاقة: وقيل: يقال: بالضم وبالفتح في كل واحد منهما. فمادة "ج. هـ. د" حيث وجدت ففيها معنى المبالغة. وهو في الشرع: عبارة عن قتال الكفار خاصة (١) بالوجه الذي سنبينه في هذا لموضوع، والمعنى اللغوي للجهد من استفراغ الوسع وبذل الطاقة وتحمل المشاق في مقاتلة العدو ومدافعته هو ما يعبر عنه بالحرب في العرف الحديث فالحرب هي القتال المسلح بين دولتين فأكثر (٢) .
وإذا كان البشر قد خاضوا الحروب ظلمًا واستعلاء في الأرض فإن الإسلام قد جعل الجهاد لوقف هذا الظلم والاستعلاء , فالجهاد كما سيتضح من مفهومه في الإسلام لتحقيق السلام والوقوف في وجه كارهي هذا السلام، والعجيب أن تجد المفهوم المخرب للحريات لدى من ينتسب إلى دين عبثت به نفوسهم الشريرة فحرفوا وبدلوا ووضعوا ما لم يأذن به الله في العلاقات بين خلقه فنجد في أسفار التوراة التي يتدالوها اليهود تقرير شريعة الحرب والقتال في أبشع صورة من صور التخريب والتدمير والإهلاك والسبي فقد جاء في سفر التثنية ... في الإصحاح العشرين عدد ١٠ وما بعده: "حين تقرب من مدينة لكي تحاربها استدعها إلى الصلح فإن أجابتك إلى الصلح وفتحت لك، فكل الشعب الموجود فيه يكون لك بالتسخير، وسيتعبد لك، وإن لم تسالمك، بل عملت معك حربًا، فحاصرها، وإذا دفعها الرب إلهك إلى يدك فاضرب جميع ذكورها بحد السيف وأما النساء، والأطفال، والبهائم، وكل ما في المدينة، كل غنيمتها فتغنمها لنفسك، وتأكل غنيمة أعدائك التي أعطاك الرب إلهك، هكذا تفعل بجميع المدن البعيدة منك جدًّا، التي ليست من مدن هؤلاء الأمم هنا، وأما مدن هؤلاء الشعوب التي يعطيك الرب إلهك نصيبًا فلا تبق منها نسمة ما، بل تحرمها تحريمًا؛ الحيثيين والأموريين، والكنعانيين، والفرزيين، والجويين، واليوبوسيين، كما أمرك الرب إلهك".
стр. 11398
وفي إنجيل متى المتداول بأيدي النصارى في الإصحاح العاشر عدد ٢٤ وما بعده يقول: "لا تظنوا إني جئت لألقي سلامًا على الأرض، ما جئت لألقي سلامًا، بل سيفًا، فإنني جئت لأفرق الإنسان ضد أبيه والابنة ضد أمها، والكنة ضد حماتها، وأعداء الإنسان أهل بيته , مَنْ أحب أبًا أو أمًّا أكثر مني فلا يستحقني، ومن أحب ابنًا أو ابنة أكثر مني فلا يستحقني، ومن لا يأخذ صليبه ويتبعني فلا يستحقني، ومن وجد حياته يضيعها، ومن أضاع حياته من أجلي يجدها" (١) .
فهكذا يكون التسلط البشري المخرب الذي يلبس ثوب دين فصله الهوى للتخريب والاستعلاء في الأرض بغير الحق.
ولكن المسلم الذي يلتزم مفهوم الجهاد في الإسلام يبذل الوسع والطاقة في سبيل الله بالنفس واليد واللسان (٢) .
ويتضمن هذا المعنى عناصر الجهاد في المقاتل من جهة إعداده معنويًّا وماديًّا , والعدد , وما يبذل فيها , والخطط وما يرسم لها من أفكار , وغير ذلك مما يرتبط بهذه العناصر والتي تقتضي جهاد النفس في مدافعة الجبن والبخل والتربية على الشجاعة والإقدام وحسن التدريب، والسهر لمعرفة ما يكون لدى العدو حتى لا يكون المؤمن دونه.
وأما المغازي والسير فإنها ترتبط كذلك بالمعاني السابقة في معنى الجهاد , واستعملت بهذا المفهوم , جاء في الحديث: ((الغزو غزوان: فأما من ابتغى وجه الله وأطاع الإمام وأنفق الكرمية واجتنب الفساد فإن نومه ونبهته أجر كله، وأما من غزا رياء وسمعة وعصى الإمام وأفسد في الأرض فإنه لم يرجع بالكفاف)) (٣) .
ولذلك ارتبطت المغزي بالمعارك التي خاضها رسول الله ﷺ وأصحابه ـ رضوان الله عليهم ـ لإعلاء كلمة لله. واستعملت كتب التفسير والحديث والفقه مصطلحات الجهاد والمغازي والسير لمعالجة ما يتصل بالقتال والحرب، بل ألفت كتب تحمل هذه العناوين مثال ذلك:
ـ المغازي والسير لابن عبد البر.
ـ السير للأوزاعي.
ـ والمغازي للواقدي.
ولذلك وجدنا الفقهاء يتناولون موضوع الجهاد فيتكلمون عن حكمه وفضله، ومراحل تشريعه، وبواعثه وأهدافه، ومنهج الإسلام في حقن الدماء، والدعوة قبل الدخول فيه، والإعداد له ماديًّا ومعنويًّا. وسنتناول في هذا الفصل ـ إن شاء الله ـ هذا المباحث.
стр. 11399
حكم الجهاد ومراحل تشريعه:
يتفق علماء الأمة على أن الجهاد فرض على الكفاية إذا قام به قوم سقط عن باقيهم ولم يأثموا بتركه (١) .
وقال صاحب المجموع: "والجاهد فرض , والدليل عليه قوله : ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ .
وهو فرض على الكفاية إذا قام به من فيه كفاية سقط الفرض عن الباقين لقوله : ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ , ولو كان فرضًا على الجميع لما فاضل بين من فعل وبين من ترك؛ ولأنه وعد الجميع بالحسنى فدل على أنه ليس بفرض على الجميع، وروى أبو سعيد الخدري ﵁: ((أن رسول الله ﷺ بعث إلى بني لحيان وقال: ليخرج من كل رجلين رجل ثم قال للقاعدين: أيكم خلف الخارج في أهله وماله بخير كان له مثل نصف أجر الخارج؛ ولأنه لوجعل فرضًا على الأعيان لاشتغل الناس به عن العمارة وطلب المعاش فيؤدي ذلك إلى خراب الأرض وهلاك الخلق)) (٢) .
ولكن يتعين الجهاد - أي يصبح فرض عين - في حالات تضطر فيها الأمة كلها إلى مواجهة العدو ذكر منها ابن قدامة ثلاثة مواضع:
أحدها: إذا التقى الزحفان وتقابل الصفان حرم على من حضر الانصراف , وتعين عليه المقام لقوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ . وقوله: ﴿وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَابِرِينَ﴾ وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾
الثاني: إذا نزل الكفار ببلد تعين على أهله قتاله ودفعهم.
الثالث: إذا استنفر الإمام قومًا لزمهم النفير معه لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآَخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ .
وقال النبي ﷺ : ((إذا استنفرتم فانفروا)) (٣) .
стр. 11400
وأما ابن عبد البر في كتابه الكافي في فقه أهل المدينة المالكي فيقسم الجهاد تقسيمًا آخر يشمل ما ذكر من الفرضية بنوعيها (فرض الكفاية وفرض العين) ولكنه يضيف إلى الفرضية فرضًا آخر يجعله على الإمام، ويذكر في تقسيمه كذلك جهاد النافلة فيقول:"الغزو غزوان: غزو فرض، وغزو نافلة"، والفرض في الجهاد ينقسم أيضًا قسمين:
أحدهما: فرض عام متعين على كل أحد ممن يستطيع المدافعة والقتال وحمل السلاح من البالغين الأحرار وذلك أن يحل العدو بدار الإسلام محاربًا لهم فإذا كان ذلك وجب على جميع أهل تلك الدار أن ينفروا ويخرجوا إليه خفافًا وثقالًا وشبابًا وشيوخًا ولا يتخلف أحد يقدر على الخروج من مقاتل أو مكثر، وإن عجز أهل تلك البلدة عن القيام بعددهم كان على من قاربهم وجاورهم أن يخرجوا قلوا أو كثروا على حسب ما لزم أهل تلك البلدة حتى يعلموا أن فيهم طاقة على القيام بهم ومدافعتهم، وكذلك كل من علم بضعفهم عن عددهم وعلم أنه يذكرهم ويمكنه غياثهم لزمه أيضًا الخروج إليهم، فالمسلمون كلهم يد على من سواهم حتى إذا قام بدفع العدو أهل البلد التي نزل العدو عليها واحتل بها سقط الفرض عن الآخرين، ولو قارب العدو دار الإسلام ولم يدخلوها لزمهم أيضًا الخروج إليه.
والقسم الثاني: من واجب الجهاد فرض أيضًا على الإمام إغراء طائفة إلى العدو، وكل سنة مرة يخرج معهم بنفسه أو يخرج من يثق به ليدعوهم إلى الإسلام ويرغبهم ويكف أذاهم ويظهر دين الله عليهم ويقاتلهم حتى يدخلوا في الإسلام أو يعطوا الجزية فإن أعطوها قبلها منهم وإن أبوا قاتلهم وفرض على الناس بأموالهم وأنفسهم الخروج المذكور حتى يعلم أن في الخارجين من فيه كفاية بالعدد، وقام به، وفإذا كان ذلك سقط الفرض عن الباقين وكان الفضل للقائمين على القاعدين أجرًا عظيمًا وليس عليهم أن ينفروا كافة". (١) .
стр. 11401
وابن عبد البر يتفق مع جمهور العلماء في حكم الجهاد الفرض بقسميه ولكنه يقرر هذه الفرضية بوصف عملي ينظر فيه إلى الأمة المسلمة باعتبارها أمة واحدة في عزتها ومنعتها، وكذلك ينظر في قوله إلى وجود الإمام للأمة والذي يحمل على كتفيه مسؤولية الدعوة وتبليغها للعالمين وإنقاذ الناس من الشرك ومظاهره، ومن الظلم وآثاره، وهو يذكر واجب الإمام في هذا يطبق معه كذلك حكم الجهاد العين وجهاد الكفاية، ليذكر بعد ذلك النوع الثاني من الغزو وهو غزو النافلة فيقول: وأما النافلة من الجهاد: فإخراج طائفة بعد طائفة وبعث الرايات في أوقات العزة وعند إمكان الفرصة والإرصاد لهم بالرباط في مواضع الخوف، وسأل العمري العابد وهو عبد الله بن عبد العزيز بن عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵁ مالك بن أنس فقال: يا أبا عبد الله، أيضًا التخلف عن قتال من خرج عن أحكام الله وحكم بغيرها؟ فقال مالك: الأمر في ذلك إلى الكثرة والقلة، قال أبوعمر: جواب مالك هذا ـ وإن كان في جهاد غير المشركين ـ فإنه يشمل ويجمع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كأنه يقول: من علم أنه إذا بارز العدو قتلوه ولم ينل منهم شيئًا جاز له الانصراف عنهم إلى فئة من المسلمين ولم يجز له إباحة دمه لمن لا يقوى عليه ولا يمكنه ولا ينفع المسلمين بما يحاوله فيه، وقول مالك هذا يشبه عندي ما رواه سفيان بن عيينة عن ابن أبي نجحي عن عطاء عن ابن عباس قال: من فر من رجلين فقد فر ومن فر من ثلاثة فلم يفر , يعني في القتال. قال سفيان: فحدثت به ابن شبرمة فقال: هكذا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقال ابن وهب: سمعت مالكًا يسأل عن القوم يلقون العدو أو يكونون في محرس يحرسون فيأتيهم العدو وهم يسير أيقاتلون أو ينصرفون فيؤذنون أصحابهم؟ قال: إن كانوا يقوون على قتالهم قاتلوهم وإلا انصرفوا إلى أصحابهم فأذنوهم (١) .
فهذا هو حكم الجهاد لدى جمهور العلماء فرض كافية إلا إذا تعين بأسباب تجعله على كل مستطيع نفسًا ومالًا، وقد ذكر ابن عبد البر تطبيق هذا الحكم عمليًّا على الأمة كلها بإمامها وارتباط حكم الجهاد بالقوة والضعف والقلة والكثرة على ما ذكره (٢) .
стр. 11402
ويقول مجد الدين أبو البركات في المحرر: "وأقل ما يفعل مرة في كل عام، إلا أن تدعو الحاجة إلى تأخيره لضعف المسلمين ... وللإمام تأخيره ـ أيضًا - مع القوة والاستظهار لمصلحة رجاء إسلام العدو ونحوها (١)
ومعنى ذلك أن الحكم مرتبط كذلك بغايات الجهاد التي تجعل اللجوء إلى القتال ضرورة وصولًا إلى الحق، وتحقيقًا للعدل ودفعًا للفساد وتبليغًا لكل ما يحقق في الناس هذه القيم وهو الإسلام الذي ينقذ العالمين.
وقد نبه علماؤنا إلى هذا وقضوا عليه وهم يذكرون حكم الجهاد فيقول صاحب كتاب اللباب في شرح الكتاب الشيخ عبد الغني الميداني الدمشقي: "الجهاد فرض على الكفاية لأنه لم يفرض لعينه إذ هو فساد في نفسه , وإنما فرض لإعزاز دين الله ودفع الفساد عن العباد , وكل ما هو كذلك فهو فرض كفاية إذا حصل المقصود بالبعض وإلا ففرض عين". (٢) .
ويتضح هذا المعنى لدى الباحثين المعاصرين ـ أيضًا ـ في اعتبار الحرب في الإسلام شرًّا ولكن لا بد منه لدفع الفساد فيقول الأستاذ عبد الكريم الخطيب: "إن الحرب في الإسلام شر وبلاء فلا يدخل المسلمون الحرب إلا دفعًا للشر والعدوان، وعندئذ يكون هذا الشر خيرًا، ويصبح البلاء عافية.. وفي هذا يقول الشاعر:
والشر إن تللاقه بالخير ضيقت به ذرعًا وإن تلقه بالشر ينحسم
ويقول الآخر:
وفي الشر نجاة حين لا ينجيك إحسان
إن الشر الذي يدفع به الشر، هو في غايته خير، إذ لو ترك الشر دون أن يؤخذ على يد فاعليه، لاستشرى، ولأتى على كل خير في هذه الحياة , والله تعالى يقول: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ (٣) .
فمن فضل الله تعالى على الناس، ورحمته بهم أنه أقام من عباده الصالحين المحسنين من يتصدى للشر وأهله، وحتى يقضي على هذا البلاء، الذي لو ترك لأهلك الحرث والنسل.
ويقول سبحانه: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (٤) .
стр. 11403
مراحل تشريعه:
ويرتبط حكم الجهاد كذلك بسيرة الدعوة حيث عاش المسلمون فترتها الأولى يواجهون تحديات شتى , ويفتنون في أبدانهم وأموالهم , ويقابلون هذا بالصبر الجميل والرد الفردي عند الاستطاعة ممن كانت له قوة أو يأوي إلى ركن شديد، وكذلك بالتحرك بعيدًا عن مواطن الفتنة بالهجرة إلى الحبشة ثم الهجرة إلى المدينة المنورة، ثم أذن للمسلمين بالقتال , وأبيح لهم ردًّا للعدوان مع عدم الاعتداء، ثم فرض القتال تحقيقًا للغايات التي سنفصل القول فيها إن شاء الله بعد ذلك.
وقد أجاد الشافعي ﵀ في وصف هذه المراحل بأدلتها في كتابه أحكام القرآن , فقال ﵀: "ففرض عليه إبلاغهم، وعبادتهم، ولم يفرض عليه قتالهم، وأبان ذلك في غير آية من كتابه، ولم يأمره بعزلتهم، وأنزل عليه: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٣) وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (٤) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٥) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون] .
وقوله: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾
وقوله: ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾ مع أشياء ذكرت في القرآن في غير موضع في مثل هذا المعنى.
وأمرهم الله بأن لا يسبوا أندادهم , فقال: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ الآية، مع ما يشبهها.
ثم أنزل جل ثناؤه ـ بعد هذا ـ في الحال الذي فرض فيها عزلة المشركين فقال: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آَيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ .
وأبان لمن تبعه ما فرض عليهم بما فرض عليه قال: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آَيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ الآية (١) .
стр. 11404
ثم يقول الشافعي: "وكان المسلمون مستضعفين بمكة زمانًا لم يؤذن لهم فيه بالهجرة منها، ثم أذن الله لهم بالهجرة، وجعل لهم مخرجًا , فيقال: نزلت ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ .
فأعلمهم رسول الله ﷺ أن قد جعل الله لهم بالهجرة مخرجًا , قال: ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً﴾ وأمرهم ببلاد الحبشة فهاجرت إليها منهم طائفة.
ثم دخل أهل المدينة في الإسلام فأمر رسول الله ﷺ طائفة هاجرت إليهم ـ غير محرم على من بقى وترك الهجرة. وذكر الله أهل الهجرة فقال: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾ .
وقال: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾ .
وقال: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ .
قال: ثم أذن الله لرسوله ﷺ بالهجرة منها فهاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة.
ولم يحرم في هذا على من بقي بمكة المقام بها ـ وهي دار شرك ـ وإن قالوا بأن يفتنوا ولم يأذن لهم بجهاد.
ثم أذن الله لهم بالجهاد، ثم فرض بعد هذا عليهم أن يهاجروا من دار الشرك.
ثم يقول ﵀: "فأذن لهم بأحد الجهادين: بالهجرة، قبل أن يؤذن لهم بأن يبتدئوا مشركًا بقتال".
ثم أذن لهم بأن يبتدئوا المشركين بقتال , قال الله : ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ .
وأباح لهم القتال بمعنى أبانه في كتابه فقال: ﴿وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ .
إلى: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾ .
стр. 11405
قال الشافعي ﵀ يقال: "نزل هذا في أهل مكة وهم كانوا أشد العدو على المسلمين ـ ففرض عليهم في قتالهم ما ذكر الله ".
ثم يقال: نسخ هذا كله، والنهي عن القتال حتى يقاتلوا، والنهي عن القتال في الشهر الحرام بقول الله : ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ ونزول هذه الآية بعد فرض الجهاد.
ثم يقول: "ولما فرض الله الجهاد على رسوله ﷺ جهاد المشركين، بعد إذ كان أباحه، وأثخن رسول الله ﷺ في أهل مكة ورأوا كثرة من دخل في دين الله اشتدوا على من أسلم منهم ففتنوهم عن دينهم ... ".
فعذر الله من لم يقدر على الهجرة من المفتونين فقال ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ .
ثم يقول: "ولما مضت لرسول الله ﷺ مدة من هجرته، أنعم الله فيها على جماعات باتباعه ـ حدثت لهم بها مع عون الله قوة بالعدد لم يكن قبلها، ففرض الله عليهم الجهاد بعد إذ كان أباحه لا فرضًا , فقال ﵎: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾ (١) الآية.
وقال جل ثناؤه: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ .
وقال ﵎: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ .
وقال: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ .
وقال تعالى: ﴿فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ﴾ .
وقال تعالى: ﴿مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ﴾ إلى ﴿وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ .
وقال تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (٢) .
стр. 11406
وهكذا تتبع الإمام الشافعي ﵀ بهذه الأدلة القرآنية أصل فرض الجهاد ومراحل تشريعه حتى استقرت فرضيته بالصورة التي ذكرت، وارتبط حكمه ببواعثه وأهدافه والتي أشير إليها في كلامنا السابق والذي نبرزه في النقاط الآتية:
بواعثه وأهدافه:
إن الهدف الأسمى من الجهاد الذي يقره الإسلام هو الجهاد لتكون كلمة الله هي العليا؛ لأن تحقيق هذا الهدف يحقق للناس سلمهم الحقيقي ويضمن لهم سلامة أنفسهم وصيانة أعراضهم وحفظ أموالهم، ولذلك فإن هذه الغاية هي التي تجعل الجهاد في سبيل الله، فعن أبي موسى ﵁ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: الرجل يقاتل للمغنم، والرجل يقاتل للذكر ,والرجل يقاتل ليرى مكانه، فمن في سبيل الله؟.
فقال: ((من قاتل لتكون كلمة الله العليا، فهو في سبيل الله)) .
وإذا قلنا إن إعلاء كملة الله هو هدف المؤمن، والأمة المؤمنة فإن الذي يبعث الأمة على الجهد هو كل سبيل يحقق هذا الهدف، وإزاحة كل معوق في هذا السبيل. ومن هذه السبل:
ـ إخراج المؤمنين من الفتنة ونصرة المستضعفين، قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ (١) .
وقال تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾ . (٢) .
ـ ومن هذه الصور الباعثة على الجهاد رد الاعتداء الذي يقع من الظالمين الذين يقفون في طريق الدعاة فإن الأمة المسلمة أمة تحمل رسالة ربها وتدعو الناس أجمعين إليها فقيام الأمة بواجب الدعوة أمر لا بد منه، فإذا تعرض أحد المخالفين للدعاة إلى الله على بصيرة ووقف في سبيل الدعوة فعذب الداعي أو من آمن وصده عن الدخول فيها فإن هذه الصورة أنواع من الاعتداء على الناس يجب دفعه حتى يرتفع الظلم والإكراه من الظالمين ولتكون كلمة الله هي العليا.
وهذه الصورة هي التي تجعل الباحثين يقررون أن الجهاد في مثل هذه الحالات جهاد دفاعي لرد الاعتداء. قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاء الْكَافِرِينَ﴾ [سور البقرة الآيات ١٩٠ ـ ١٩١] .
стр. 11407
ـ ومن هذه الصورة الدفاعية كذلك رد العدوان على الديار والعرض والنفس والمال. قال تعالى: ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا﴾ (١) .
وقد روى أبو داود والترمذي والنسائي عن سعيد بن زيد ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((من قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون دمه فهو شهيد، ومن قتل دون دينه فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد)) (٢) .
والذي يؤكد ما قررناه من أن بواعث الجهاد تمثل صورا دفاعية لا يكون معها اعتداء أن المعتدي إذا أوقف اعتداءه وجب وقف قتاله , قال تعالى: ﴿فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾ (٣) .
وقال تعالى: ﴿وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ وَإِن يُرِيدُواْ أَن يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللهُ هُوَ الَّذِيَ أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾ (٤) .
والذي يضبط هذا ما ذكرناه من هدف الجهاد في سبيل الله وهو إعلاء كلمة الله تعالى فبها يتحقق السلم والأمن ويقاوم الفساد في الأرض.
والذي يدعم ما ذهبنا إليه من ذكر أهداف الجهاد وبواعثه التطبيق العملي الذي كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه، ولذلك فإن البواعث والأهداف ـ كما قلنا ـ ترتبط ارتباطًا وثيقًا بمراحل تشريع الجهاد.
стр. 11408
وإذا كانت البواعث والأهداف بهذا النبل والسمو في تحقيق السلم الدولي الصحيح فإن لهذا الجهاد فضله الذي يقدر الإسلام على النحو التالي:
فضل الجهاد:
لقد تنوعت الأساليب القرآن الكريمة في بيان فضل الجهاد في سبييل الله ففي استفهام يغري ويحث على الطلب يأتي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١) .
فالجهاد في سبيل الله بالمال والنفس من المنجيات من العذاب الأليم ومن أسباب مغفرة الذنوب ودخول الجنات والمساكن الطيبة في جنات عدن وهذا فوز عظيم في الأخرى.
وبالجهاد في سبيل الله يتحقق نصر الله والفتح القريب والبشرى للمؤمنين، قال تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ﴾ (٢) .
وفي عدم التسوية بين الجهاد وغيره من الأعمال وبيان أن الجهاد في سبيل الله أعظم يقول الله تعالى: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٩) الَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ (٣) .
وفي تهديد ووعيد لمن يسوي بين حب الله ورسوله مع الجهاد في سبيله وأقرب الناس إلى الإنسان من الآباء والأبناء والإخوة والأزواج والأقارب والأموال قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ (٤) .
فإذا ما صحب هذا الجهاد بحصول الشهادة كان بيان الفضل من الله على الشهداء في أنهم أحياء عند ربهم يرزقون , وأن الله سبحانه اشترى منهم أنفسهم وأموالهم ومنحهم الجنة قال تعالى: ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٥) .
وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآَنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (٦) .
стр. 11409
فهذا بعض ما ورد من فضل الجهاد في سبيل الله في كتاب الله تعالى، وأما ما ورد في حديث النبي ﷺ فإنه كما يقول الإمام الشوكاني ﵀ في نيل الأوطار: "والأحاديث في فضل الجهاد كثيرة جدًّا لا يتسع لبسطها إلا مؤلَّف مستقل ". (١) .
ولكن يكفي أن نذكر بعضها على سبيل المثال:
عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((لَغَدوة أو روحة في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها)) متفق عليه (٢) .
وعن أبي عيسى الحارثي قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((من اغبرت قدماه في سبيل الله حرمه الله على النار)) [رواه أحمد والبخاري والنسائي والترمذي] (٣) .
وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((من قاتل في سبيل الله فواق ناقة وجبت له الجنة)) [رواه أحمد والترمذي] .
وعن أبي موسى قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن أبواب الجنة تحت ظلال السيوف)) رواه أحمد ومسلم والترمذي , وعن سهل بن سعد قال رسول الله ﷺ : ((رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها، وموضع سوط أحدكم من الجنة خير من الدنيا وما عليها والروحة يروحها العبد أو الغدوة خير من الدنيا وما عليها)) متفق عليه. (٤)
والأحاديث في فضل الجهاد ـ كما ذكر ـ كثيرة تبين ما ذكره القرآن الكريم من فضل الجهاد والمجاهدين في سبيل الله، ويرتبط هذا الفضل بأهمية الجهاد في سبيل الله في حماية الدين الذي هو عصمة أمر الإنسان والأمة وسبب نهضتها وسعادتها وسبب الأمن والسلم والرخاء العالم، وهو الطريق إلى إرساء مبادئ الحق والعدل في العالمين.
стр. 11410
منهج الإسلام في حقن الدماء:
إن الإسلام يصون النفس الإنسانية ويحرم الاعتداء عليها إلا إذا استوجبت هذه النفس عقوبة تستحقها، كما يعد الإسلام الاعتداء على النفس اعتداء على الناس جميعًا تبشيعًا وتنفيرًا ومن باب بيان خطورة سفك دم نفس واحدة والذي يؤدي إلى مزيد من سفك الدماء قال تعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ (١) .
وفي تفصيل نبوي كريم يحدد الرسول ﷺ بعض هذه الموجبات لقتل النفس والتي تمثل اعتداء من هذه النفس على غيرها كالقتل أو ارتكاب جريمة الزنا أو الردة ومفارقة الجماعة التي تمثل معنى الخيانة العظمى قال رسول الله ﷺ : ((لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والتارك لدينه المفارق للجماعة)) .
فإذا علم ذلك رأينا حرص الإسلام على عدم سفك الدماء وبذلك كل السبل التي تحول بين المجاهد في سبيل الله وسفك دماء العدو وذلك يتمثل فيما يلي:
أولًا: يطلب الإسلام من أتباعه أن يعدوا ما استطاعوا من القوة (ماديًّا ومعنويًّا) لإلقاء الرعب في قلوب الأعداء فلا يجرؤون على المقاتلة. والنص على الغاية من الإعداد وأنه لتحقيق هذه الرهبة بيان لحرص الإسلام على عدم الدخول في حرب تسفك فيها الدماء فإن الرهبة ستمنع العدو من الهجوم والدخول في القتال قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ (٢) .
وعلى ذلك فإن الخطوة الأولى يستطيعها المؤمنون، ويحققون به جانبًا من منهج الإسلام في حقن الدماء.
ثانيًا: إن كان العدو قد بلغت به الجرأة إلى الهجوم والاعتداء فإن الإسلام يحجم الحرب حتى لا يتوسع في سفك الدماء فيكون الرد على قدر العدوان فحسب ولا يتمادى في إيقاع المزيد عليه قال تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ (٣) .
стр. 11411
ومن مظاهر هذا التحجيم كذلك قصر القتال على المقاتلة فحسب وعدم التوسع ليشمل غيرهم , فجاء النهي عن قتل النساء إلا إذا باشرن القتال , وكذلك النهي عن قتل الشيخ الفاني الذي لا يقوى على القتال ولا يقوى على المشورة والكيد والتدبير , كما جاء النهي عن قتل الصبيان والرهبان , ومعنى ذلك أن القتل قاصر على من يباشر القتال ويخشى شره، وقد عالج الشوكاني ﵀ هذا الني معالجة موضوعية ذكر فيها ما ورد من النصوص عن النهي والإباحة وخرج بما قررناه ـ هنا ـ في هذه المسألة ـ وذلك في باب الكف عن قصد النساء والصبيان والرهبان والشيخ الفاني بالقتل , فذكر رواية ابن عمر قال: وجدت امرأة مقتولة في بعض مغازي النبي ﷺ فنهى رسول الله ﷺ عن قتل النساء والصبيان. رواه الجماعة إلا النسائي، وعن رباح بن ربيع أنه خرج مع رسول الله ﷺ في غزوة غزاها وعلى المقدمة خالد بن الوليد فمر رباح وأصحاب رسول الله ﷺ على امرأة مقتولة مما أصابت المقدمة فوقفوا ينظرون إليها يعني وهم يتعجبون من خلفها حتى لحقهم رسول الله ﷺ على راحلته فافرجوا عنها , فوقف عليها رسول الله ﷺ فقال: ((ما كانت هذه لتقاتل فقال لأحدهم الحق خالدًا فقل له لا تقتلوا ذرية ولا عسيفًا)) (١) . رواه أحمد وأبو داود وعن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((انطلقوا باسم الله وبالله وعلى ملة رسول الله ﷺ لا تقتلوا شيخًا فانيًا ولا طفلًا صغيرًا ولا امرأة , ولا تغلوا وضحوا غنائمكم , واصلحوا واحسنوا إن الله يحب المحسنين)) [رواه أبو داود] .
وعن ابن عباس قال: كان رسول الله ﷺ إذا بعث جيوشه قال: ((اخرجوا باسم الله تعالى تقاتلون في سبيل الله من كفر بالله , لا تغدروا ولا تغلوا ولا تمثلوا ولا تقتلوا الولدان ولا أصحاب الصوامع)) .
وعن ابن كعب بن مالك عن عمه ((أن النبي ﷺ حيث بعث إلى ابن أبي الحقيق بخيبر نهى عن قتل النساء والصبيان)) وعن الأسود بن سريع قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا تقتلوا الذرية في الحرب , فقالوا: يا رسول الله أو ليس هم أولاد المشركين؟ قال: أو ليس خياركم أولاد المشركين)) [رواه أحمد] (٢) .
стр. 11412
وبعد ذكر الشوكاني لهذه الروايات يذكر ما يخالفها ثم يوجه الروايات ويستخلص ما يتفق مع ما ذكرناه فيذكر رواية سمرة عن أحمد والترمذي وصححه بلفظ ((اقتلوا شياخ المشركين واستحيوا شرخهم)) ويقول الشوكاني: وأحاديث الباب تدل على أنه لا يجوز قتل النساء والصبيان وإلى ذلك ذهب مالك والأوزاعي فلا يجوز ذلك عندهما بحال من الأحوال حتى لو تترس أهل الحرب بالنساء والصبيان أو تحصنوا بحصن أو سفينة وجعلوا معهم النساء والصبيان لم يجز رميهم ولا تحريقهم، ذهب الشافعي والكوفيون إلى الجمع بين الأحاديث المكذورة , فقالوا: إذا قاتلت المرأة جاز قتلها، وقال ابن حبيب من المالكية: لا يجوز القصد إلى قتلها إذا قاتلت إلا إذا باشرت القتل أو قصدت إليه ويدل على هذا ما رواه أبو داود في المراسيل عن عكرمة ((أن النبي ﷺ مر بامرأة مقتولة يوم حنين , فقال:من قتل هذه؟ فقال رجل: أنا يا رسول الله غنمتها فأردفتها خلفي , فلما رأت الهزيمة فينا أهوت إلى قائم سيفي لتقتلني فقتلتها. فلم ينكر عليه رسول الله)) ﷺ ووصله الطبراني في الكبير وفيه حجاج بن أرطأة وأرسله ابن أبي شيبة عن عبد الرحمن بن يحيى الأنصاري، ونقل ابن بطال أنه اتفق الجميع على المنع من القصد إلى قتل النساء والولدان , إما النساء فلضعفهن وأما الولدان فلقصورهن عن فعل الكبار، ولما في استبقائهم جميعًا من الانتفاع إما بالرق أو الفداء فيمن يجوز أن يفادي به، قال في الفتح: وقد حكى الحازمي قولًا بجواز قتل النساء والصبيان على ظاهر (١) حديث الصعب وزعم أنه ناسخ لأحاديث النهي وهو غريب.
كما يذكر الشوكاني ﵀ ما يستخلص من ذكر العسيف في الأحاديث أنه لا يجوز قتل من كان مع القوم أجير أو نحو لأنه من المستضعفين. (٢) ولكن إذا سلك الأعداء في هذه الأيام مسلك استيجار المرتزقة للقتال فإنهم ـ دون شك ـ يخرجون عن هذا الحكم لأنهم يستأجرون لمباشرة القتال.
стр. 11413
ويقول الشوكاني: قوله: لا تقتلوا شيخًا فانيًا؛ ظاهره أنه لا يجوز قتل شيوخ المشركين، ويعارضه حديث: اقتلوا شيوخ المشركين الذي ذكرناه , وقد جمع بين الحدثين بأن الشيخ المنهي عن قتله في الحديث الأول هو الفاني الذي لم يبق فيه نفع للكفار ولا مضرة على المسلمين وقد وقع التصريح بهذا الوصف بقوله ((شيخًا فانيًا)) والشيخ المأمور بقتله في الحديث الثاني هو من بقي فيه نفع للكفار ولو بالرأي كما في دريد بن الصمة , فإن النبي ﷺ لما فرغ من حنين بعث أبا عامر على جيش أوطاس فلقي دريد بن الصمة وقد كان نيف على المائة وقد أحضروه ليدبر لهم الحرب فقتله أبو عامر، ولم ينكر النبي ﷺ ذلك عليه كما ثبت ذلك في الصحيحين من حديث أبي موسى.
قال أحمد بن حنبل في تعليل أمره ﷺ بقتل الشيوخ: إن الشيخ لا يكاد يسلم , والصغير أقرب إلى الإسلام.
وفي كلام الشوكاني عن أصحاب الصوامع يقول: فيه دليل على أنه لا يجوز قتل من كان متخليًا للعبادة من الكفار كالرهبان لإعراضه عن ضر المسلمين، والحديث وإن كان فيه مقال لكنه معتضد بالقياس على الصبيان والنساء بجامع عدم النفع والضرر وهو المناط ولهذا لم ينكر ﷺ على قاتل المرأة التي أرادت قتله، ويقاس على المنصوص عليهم بذلك الجامع من كان مقعدًا أو أعمى أو نحوهما ممن كان لا يجرى نفعه ولا ضره على الدوام (١) .
وعلى ذلك يكون حرص الإسلام على تحجيم سفك الدماء وقصر هذا على الفئة المباشرة للقتال فحسب، وإذا جنحت للسلم جنح المسلمون وتوقف القتال كما سبق ذكره.
стр. 11414
ثالثًا ـ ومن أسباب تحجيم سفك الدماء كذلك وحقن الدماء ما اشترطه الإسلام من توجيه الدعوة أولًا قبل القتال , فإن استجابوا جميعًا أو استجاب بعضهم فقد عصم دمه , ولذلك يذكر ابن رشد القرطبي شرط الحرب وأنه بلوغ الدعوة، ويحكي الاتفاق على هذا، ويفسر ذلك بقوله "أعني أنه لا يجوز حرابتهم حتى يكونوا قد بلغتهم الدعوة، وذلك شيء مجتمع عليه بين المسلمين؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (١) .
ودليل ذلك رواية ابن عباس قال: ((ما قاتل رسول الله ﷺ قومًا قط إلا دعاهم)) [رواه أحمد] .
وكذلك رواية سليمان بن بريد عن أبيه قال: ((كان رسول الله ﷺ إذا أمّر أميرًا على جيش أو سرية أوصاه في خاصته بتقوى الله، ومن معه من المسلمين خيرًا , ثم قال: اغزوا باسم الله في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليدًا، وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال: أو خلال، فأيهن ما أجابوك فاقبل منهم، وكف عنهم؛ ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين، وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين وعليهم ما على المهاجرين، فإن أبوا أن يتحولوا منها فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين يجري عليهم الذي يجري على المسلمين، ولا يكون لهم في الفيء والغنيمة شيء إلا أن يجاهدوا مع المسلمين، فإنه هم أبوا فلهم الجزية فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، وإن أبوا فاستعن بالله عليهم، وقاتلهم، وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه فلا تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه ولكن اجعل لهم ذمتك وذمة أصحابك، فإنكم إن تخفروا ذمتكم وذمة أصحابكم أهون من أن تخفروا ذمة الله وذمة رسوله، وإذا حاصرت أهل حصن وأرادوك أن تنزلهم على حكم الله، فلا تنزلهم على حكم الله، ولكن أنزلهم على حكمك؛ فإنك لا تدري أتصيب فيهم حكم الله أم لا.)) [رواه أحمد ومسلم وابن ماجه والترمذي وصححه] (٢) .
стр. 11415
ولقد حقق أصحاب رسول الله ﷺ هذا المعنى في سيرهم العملي أخذًا عن رسول الله ﷺ فهذا عمر ﵁ يقول لسلمة بن قيس: "سر باسم الله، فقاتل في سبيل الله من كفر بالله، فإذا لقيتم عدوكم من المشركين فادعوهم إلى ثلاث خصال: ادعوهم إلى الإسلام، فإن أسلموا فاختاروا دارهم فعليهم في أموالهم الزكاة، وليس لهم من فيء المسلمين نصيب، فإن اختاروا أن يكونوا معكم ـ أي في عداد المجاهدين ـ فلهم مثل الذي لكم ـ أي من العطاء ـ وعليهم مثل الذي عليكم، فإن أبوا ـ أي الدخول في الإسلام ـ فادعوهم إلى إعطاء الجزية، فإن أقروا بالجزية فقاتلوا عدوهم من ورائهم، وفرغوهم لخراجهم، ولا تكلفوهم فوق طاقتهم، فإن أبوا ـ أي دفع الجزية ـ فقاتلوهم، فإن الله ناصركم عليهم، وإن تحصنوا منكم في الحصن فسألوكم أن ينزلوا على حكم الله ورسوله فلا تنزلوهم على حكم الله ولا حكم رسوله، فإنكم لا تدرون ما حكم الله ورسوله فيهم، وإن سألوكم أن تنزلوهم على ذمة الله وذمة رسوله فلا تعطوهم ذمة الله وذمة رسوله، واعطوهم ذمم أنفسكم، فإن قاتلوكم فلا تغدروا، ولا تغلوا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدًا ". (١) .
وأما ما ذكر من رواية نافع عن ابن عمر ((أن النبي ﷺ أغار على بني المصطلق وهم غارون)) فإنه جعل في المسألة ثلاثة مذاهب يحسن الإشارة إليها:
الأولى: أنه يجب تقديم الدعاء للكفار إلى الإسلام من غير فرق بين من بلغته الدعوة منهم ومن لم تبلغه، وبه قال مالك وغيره، وظاهر الحديث معهم.
المذهب الثاني: أنه لا يجب مطلقًا ويستدل أصحاب هذا المذهب بحديث نافع عن ابن عمر وغيره (٢) .
المذهب الثالث: أنه يجب لمن لم تبلغهم الدعوة ولا يجب إن بلغتهم لكن يستحب، قال ابن المنذر وهو قول جمهور أهل العلم: وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة على معناه , وبه يجمع بين ما ظاهره الاختلاف من الأحاديث (٣) .
وعلى كل حال فإن تقديم الدعوة أولًا سواء على جهة الوجوب لمن لم تبلغه أو الاستحباب لمن بلغته يدل على حرص الإسلام على تجنب سفك الدماء بالقتال.