← Фикх общий

Фикх общий · id 8356

مجلة مجمع الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (22 276 стр.). Показаны 11411–11450 · переход к 11416.

стр. 11411

ومن مظاهر هذا التحجيم كذلك قصر القتال على المقاتلة فحسب وعدم التوسع ليشمل غيرهم , فجاء النهي عن قتل النساء إلا إذا باشرن القتال , وكذلك النهي عن قتل الشيخ الفاني الذي لا يقوى على القتال ولا يقوى على المشورة والكيد والتدبير , كما جاء النهي عن قتل الصبيان والرهبان , ومعنى ذلك أن القتل قاصر على من يباشر القتال ويخشى شره، وقد عالج الشوكاني ﵀ هذا الني معالجة موضوعية ذكر فيها ما ورد من النصوص عن النهي والإباحة وخرج بما قررناه ـ هنا ـ في هذه المسألة ـ وذلك في باب الكف عن قصد النساء والصبيان والرهبان والشيخ الفاني بالقتل , فذكر رواية ابن عمر قال: وجدت امرأة مقتولة في بعض مغازي النبي ﷺ فنهى رسول الله ﷺ عن قتل النساء والصبيان. رواه الجماعة إلا النسائي، وعن رباح بن ربيع أنه خرج مع رسول الله ﷺ في غزوة غزاها وعلى المقدمة خالد بن الوليد فمر رباح وأصحاب رسول الله ﷺ على امرأة مقتولة مما أصابت المقدمة فوقفوا ينظرون إليها يعني وهم يتعجبون من خلفها حتى لحقهم رسول الله ﷺ على راحلته فافرجوا عنها , فوقف عليها رسول الله ﷺ فقال: ((ما كانت هذه لتقاتل فقال لأحدهم الحق خالدًا فقل له لا تقتلوا ذرية ولا عسيفًا)) (١) . رواه أحمد وأبو داود وعن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((انطلقوا باسم الله وبالله وعلى ملة رسول الله ﷺ لا تقتلوا شيخًا فانيًا ولا طفلًا صغيرًا ولا امرأة , ولا تغلوا وضحوا غنائمكم , واصلحوا واحسنوا إن الله يحب المحسنين)) [رواه أبو داود] . وعن ابن عباس قال: كان رسول الله ﷺ إذا بعث جيوشه قال: ((اخرجوا باسم الله تعالى تقاتلون في سبيل الله من كفر بالله , لا تغدروا ولا تغلوا ولا تمثلوا ولا تقتلوا الولدان ولا أصحاب الصوامع)) . وعن ابن كعب بن مالك عن عمه ((أن النبي ﷺ حيث بعث إلى ابن أبي الحقيق بخيبر نهى عن قتل النساء والصبيان)) وعن الأسود بن سريع قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا تقتلوا الذرية في الحرب , فقالوا: يا رسول الله أو ليس هم أولاد المشركين؟ قال: أو ليس خياركم أولاد المشركين)) [رواه أحمد] (٢) .

стр. 11412

وبعد ذكر الشوكاني لهذه الروايات يذكر ما يخالفها ثم يوجه الروايات ويستخلص ما يتفق مع ما ذكرناه فيذكر رواية سمرة عن أحمد والترمذي وصححه بلفظ ((اقتلوا شياخ المشركين واستحيوا شرخهم)) ويقول الشوكاني: وأحاديث الباب تدل على أنه لا يجوز قتل النساء والصبيان وإلى ذلك ذهب مالك والأوزاعي فلا يجوز ذلك عندهما بحال من الأحوال حتى لو تترس أهل الحرب بالنساء والصبيان أو تحصنوا بحصن أو سفينة وجعلوا معهم النساء والصبيان لم يجز رميهم ولا تحريقهم، ذهب الشافعي والكوفيون إلى الجمع بين الأحاديث المكذورة , فقالوا: إذا قاتلت المرأة جاز قتلها، وقال ابن حبيب من المالكية: لا يجوز القصد إلى قتلها إذا قاتلت إلا إذا باشرت القتل أو قصدت إليه ويدل على هذا ما رواه أبو داود في المراسيل عن عكرمة ((أن النبي ﷺ مر بامرأة مقتولة يوم حنين , فقال:من قتل هذه؟ فقال رجل: أنا يا رسول الله غنمتها فأردفتها خلفي , فلما رأت الهزيمة فينا أهوت إلى قائم سيفي لتقتلني فقتلتها. فلم ينكر عليه رسول الله)) ﷺ ووصله الطبراني في الكبير وفيه حجاج بن أرطأة وأرسله ابن أبي شيبة عن عبد الرحمن بن يحيى الأنصاري، ونقل ابن بطال أنه اتفق الجميع على المنع من القصد إلى قتل النساء والولدان , إما النساء فلضعفهن وأما الولدان فلقصورهن عن فعل الكبار، ولما في استبقائهم جميعًا من الانتفاع إما بالرق أو الفداء فيمن يجوز أن يفادي به، قال في الفتح: وقد حكى الحازمي قولًا بجواز قتل النساء والصبيان على ظاهر (١) حديث الصعب وزعم أنه ناسخ لأحاديث النهي وهو غريب. كما يذكر الشوكاني ﵀ ما يستخلص من ذكر العسيف في الأحاديث أنه لا يجوز قتل من كان مع القوم أجير أو نحو لأنه من المستضعفين. (٢) ولكن إذا سلك الأعداء في هذه الأيام مسلك استيجار المرتزقة للقتال فإنهم ـ دون شك ـ يخرجون عن هذا الحكم لأنهم يستأجرون لمباشرة القتال.

стр. 11413

ويقول الشوكاني: قوله: لا تقتلوا شيخًا فانيًا؛ ظاهره أنه لا يجوز قتل شيوخ المشركين، ويعارضه حديث: اقتلوا شيوخ المشركين الذي ذكرناه , وقد جمع بين الحدثين بأن الشيخ المنهي عن قتله في الحديث الأول هو الفاني الذي لم يبق فيه نفع للكفار ولا مضرة على المسلمين وقد وقع التصريح بهذا الوصف بقوله ((شيخًا فانيًا)) والشيخ المأمور بقتله في الحديث الثاني هو من بقي فيه نفع للكفار ولو بالرأي كما في دريد بن الصمة , فإن النبي ﷺ لما فرغ من حنين بعث أبا عامر على جيش أوطاس فلقي دريد بن الصمة وقد كان نيف على المائة وقد أحضروه ليدبر لهم الحرب فقتله أبو عامر، ولم ينكر النبي ﷺ ذلك عليه كما ثبت ذلك في الصحيحين من حديث أبي موسى. قال أحمد بن حنبل في تعليل أمره ﷺ بقتل الشيوخ: إن الشيخ لا يكاد يسلم , والصغير أقرب إلى الإسلام. وفي كلام الشوكاني عن أصحاب الصوامع يقول: فيه دليل على أنه لا يجوز قتل من كان متخليًا للعبادة من الكفار كالرهبان لإعراضه عن ضر المسلمين، والحديث وإن كان فيه مقال لكنه معتضد بالقياس على الصبيان والنساء بجامع عدم النفع والضرر وهو المناط ولهذا لم ينكر ﷺ على قاتل المرأة التي أرادت قتله، ويقاس على المنصوص عليهم بذلك الجامع من كان مقعدًا أو أعمى أو نحوهما ممن كان لا يجرى نفعه ولا ضره على الدوام (١) . وعلى ذلك يكون حرص الإسلام على تحجيم سفك الدماء وقصر هذا على الفئة المباشرة للقتال فحسب، وإذا جنحت للسلم جنح المسلمون وتوقف القتال كما سبق ذكره.

стр. 11414

ثالثًا ـ ومن أسباب تحجيم سفك الدماء كذلك وحقن الدماء ما اشترطه الإسلام من توجيه الدعوة أولًا قبل القتال , فإن استجابوا جميعًا أو استجاب بعضهم فقد عصم دمه , ولذلك يذكر ابن رشد القرطبي شرط الحرب وأنه بلوغ الدعوة، ويحكي الاتفاق على هذا، ويفسر ذلك بقوله "أعني أنه لا يجوز حرابتهم حتى يكونوا قد بلغتهم الدعوة، وذلك شيء مجتمع عليه بين المسلمين؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (١) . ودليل ذلك رواية ابن عباس قال: ((ما قاتل رسول الله ﷺ قومًا قط إلا دعاهم)) [رواه أحمد] . وكذلك رواية سليمان بن بريد عن أبيه قال: ((كان رسول الله ﷺ إذا أمّر أميرًا على جيش أو سرية أوصاه في خاصته بتقوى الله، ومن معه من المسلمين خيرًا , ثم قال: اغزوا باسم الله في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليدًا، وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال: أو خلال، فأيهن ما أجابوك فاقبل منهم، وكف عنهم؛ ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين، وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين وعليهم ما على المهاجرين، فإن أبوا أن يتحولوا منها فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين يجري عليهم الذي يجري على المسلمين، ولا يكون لهم في الفيء والغنيمة شيء إلا أن يجاهدوا مع المسلمين، فإنه هم أبوا فلهم الجزية فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، وإن أبوا فاستعن بالله عليهم، وقاتلهم، وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه فلا تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه ولكن اجعل لهم ذمتك وذمة أصحابك، فإنكم إن تخفروا ذمتكم وذمة أصحابكم أهون من أن تخفروا ذمة الله وذمة رسوله، وإذا حاصرت أهل حصن وأرادوك أن تنزلهم على حكم الله، فلا تنزلهم على حكم الله، ولكن أنزلهم على حكمك؛ فإنك لا تدري أتصيب فيهم حكم الله أم لا.)) [رواه أحمد ومسلم وابن ماجه والترمذي وصححه] (٢) .

стр. 11415

ولقد حقق أصحاب رسول الله ﷺ هذا المعنى في سيرهم العملي أخذًا عن رسول الله ﷺ فهذا عمر ﵁ يقول لسلمة بن قيس: "سر باسم الله، فقاتل في سبيل الله من كفر بالله، فإذا لقيتم عدوكم من المشركين فادعوهم إلى ثلاث خصال: ادعوهم إلى الإسلام، فإن أسلموا فاختاروا دارهم فعليهم في أموالهم الزكاة، وليس لهم من فيء المسلمين نصيب، فإن اختاروا أن يكونوا معكم ـ أي في عداد المجاهدين ـ فلهم مثل الذي لكم ـ أي من العطاء ـ وعليهم مثل الذي عليكم، فإن أبوا ـ أي الدخول في الإسلام ـ فادعوهم إلى إعطاء الجزية، فإن أقروا بالجزية فقاتلوا عدوهم من ورائهم، وفرغوهم لخراجهم، ولا تكلفوهم فوق طاقتهم، فإن أبوا ـ أي دفع الجزية ـ فقاتلوهم، فإن الله ناصركم عليهم، وإن تحصنوا منكم في الحصن فسألوكم أن ينزلوا على حكم الله ورسوله فلا تنزلوهم على حكم الله ولا حكم رسوله، فإنكم لا تدرون ما حكم الله ورسوله فيهم، وإن سألوكم أن تنزلوهم على ذمة الله وذمة رسوله فلا تعطوهم ذمة الله وذمة رسوله، واعطوهم ذمم أنفسكم، فإن قاتلوكم فلا تغدروا، ولا تغلوا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدًا ". (١) . وأما ما ذكر من رواية نافع عن ابن عمر ((أن النبي ﷺ أغار على بني المصطلق وهم غارون)) فإنه جعل في المسألة ثلاثة مذاهب يحسن الإشارة إليها: الأولى: أنه يجب تقديم الدعاء للكفار إلى الإسلام من غير فرق بين من بلغته الدعوة منهم ومن لم تبلغه، وبه قال مالك وغيره، وظاهر الحديث معهم. المذهب الثاني: أنه لا يجب مطلقًا ويستدل أصحاب هذا المذهب بحديث نافع عن ابن عمر وغيره (٢) . المذهب الثالث: أنه يجب لمن لم تبلغهم الدعوة ولا يجب إن بلغتهم لكن يستحب، قال ابن المنذر وهو قول جمهور أهل العلم: وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة على معناه , وبه يجمع بين ما ظاهره الاختلاف من الأحاديث (٣) . وعلى كل حال فإن تقديم الدعوة أولًا سواء على جهة الوجوب لمن لم تبلغه أو الاستحباب لمن بلغته يدل على حرص الإسلام على تجنب سفك الدماء بالقتال.

стр. 11416

رابعًا: فإن لم يستجب الأعداء إلى الدعوة وأصروا على القتال فإن الإسلام في هذه الحالة يحجم سفك الدماء بما يشرعه من كتمان الأمر والتورية وغير ذلك من الأمور التي تحقق المفاجأة للعدو ومُسَلِّم أمره بلا إسراف في سفك الدماء؛ لهذا جاء عن كعب بن مالك عن النبي ﷺ : ((أنه كان إذا أراد غزوة ورى بغيرها)) [متفق عليه وهو لأبي داود وزاد: والحرب خدعة] . وعن جابر قال: " قال رسول الله ﷺ : ((الحرب خدعة)) , وعن أبي هريرة قال: ((سمى النبي ﷺ الحرب خدعة)) , وعن جابر قال: ((قال رسول الله ﷺ : من يأتيني بخبر القوم؟ يوم الأحزاب , فقال الزبير: أنا، ثم قال: من يأتني بخبر القوم؟ قال الزبير: أنا، فقال النبي ﷺ : لكل نبي حواري وحواري الزبير)) متفق عليه. وعن أنس قال: ((بعث رسول الله ﷺ بسبسًا (١) عينًا ينظر ما صنعت عير أبي سفيان فجاء فحدثه فخرج رسول الله ﷺ فتكلم فقال: إن لنا طلبة فمن كان ظهره حاضرًا فليركب معنا. فجعل رجال يستأذنون في ظهرهم في علو المدينة , فقال: لا إلا من كان ظهره حاضرًا. فانطلق رسول الله ﷺ وأصحابه حتى سبقوا ركب المشركين إلى بدر)) [رواه أحمد ومسلم] . ولقد أخذ ابن المنير من هذه الأحاديث هذا المعنى فقال: معنى الحرب خدعة أي الحرب الجيدة لصاحبها الكاملة في مقصودها إنما هي المخادعة لا المواجهة وذلك لخطر المواجهة ولحصول الظفر مع المخادعة بغير خطر. (٢) وبهذه العناصر وغيرها يحقق الإسلام غايته في حقن الدماء، فلا سفك منها إلا ما يضطر إليه إحقاقًا للحق وإعلاء لكلمة الله سبحانه.

стр. 11417

الفصل الثالث خلق الجهاد في الإسلام ولقد أقام الإسلام نظامه الخلقي الذي يتناول السلم والحرب حيث جعل التخلق بمكارم الأخلاق غاية من الغايات التي بعث من أجلها رسول الله ﷺ في مثل قوله: ((إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)) فليست الأخلاق في الإسلام أمرًا ثانويًّا بل هي أساس من أسس هذا الدين كما أن الإسلام لم يربط التخلق بمكارم الأخلاق بحصول المنفعة منها , بل التحلي بها واجب في كل وقت وعلى كل حال , ثم حث الإسلام على الترقي في درجات الكمال الخلقي حتى يحسن المسلم الإقتداء برسول الله ﷺ فيها , والذي وصف بقوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤] . وتتجلى في الجهاد مجموعة من الصور الخلقية التي يحتاجها الموقف ومنها ما يتعلق بالقادة ومنها ما يتعلق بالجند وهذه الصورة تنسجم مع نظرة الإسلام للجهاد، واعتبار المجاهدين يقومون بأشرف الأعمال وأعظمها ويقدمون في سبيلها أنفسهم وأموالهم. فمن هذه الصور الخلقية التي تتعلق بالقادة: ـ رفق القائد بجنده ونصحه لهم ومشاورته لجيشه، وهذه الأخلاق تجعل القائد قريبًا من جنده يحبهم ويحبونه ويأمرهم ويطيعونه، كما تعطي صورة حقيقة للعلاقة بين الحاكم والمحكوم في الدعوة التي جاء المجاهدون لإعلائها , وهذا يغري الأعداء بالتفكير في شأن هذا الدين والإقبال عليه ولقد كان رسول الله ﷺ معلمًا بتوجيهاته وسنته العملية في هذا الخلق , فعن أنس ((أن النبي ﷺ شاور حين بلغه إقبال أبي سفيان فتكلم أبو بكر فأعرض عنه ثم تكلم عمر فأعرض عنه , فقام سعد بن عبادة فقال: "إيانا تريد يا رسول الله والذي نفسي بيده لو أمرتنا أن نخيضها البحر لأخضناها، ولو أمرتنا أن نضرب أكبادها إلى برك الغماد لفعلنا. قال: فندب رسول الله ﷺ الناس فانطلقوا)) [رواه أحمد ومسلم] . وعن أبي هريرة قال: ((ما رأيت أحدًا قط أكثر مشورة لأصحابه من رسول الله ﷺ ) [رواه أحمد والشافعي] . ففي هذا تعليم من الرسول الكريم للقادة في المشاورة وعملًا بقوله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾

стр. 11418

وعن معقل بن يسار قال: ((سمعت رسول الله ﷺ يقول: ما من عبد يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة)) [متفق عليه] . فهذا تحذير من رذيلة خلقية وهي الغش للرعية ليكون محلها النصح للرعية. وفي لفظه: ((ما من أمير يلي أمور المسلمين ثم لا يجتهد لهم ولا ينصح لهم إلا لم يدخل الجنة)) [رواه مسلم] . وعن عائشة ﵂ قالت: ((سمعت رسول الله ﷺ يقول: اللهم من ولي من أمر أمتي شيئًا فشق عليهم فاشقق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئًا فرفق بهم فأرفق به)) [رواه أحمد ومسلم] . وفي هذا الدعاء من الرسول ﷺ ترغيب وترهيب في رفق القائد بالأمة وبعده عن المشقة عليهم. وفي السيرة العملية للرسول القائد ﷺ يأتي ما رواه جابر ﵁ قال: ((كان رسول الله ﷺ يتخلف في المسير فيزجي الضعيف ويردف ويدعو لهم)) [رواه أبو داود] . وعن سهل بن معاذ عن أبيه قال: ((غزونا مع النبي ﷺ غزوة كذا وكذا فضيق الناس الطريق فبعث رسول الله ﷺ مناديًّا فنادى من ضيق منزلًا، أو قطع طريقًا فلا جهاد له)) [رواه أحمد وأبو داود] (١) .

стр. 11419

ومن حرص القائد على جنده أن يحافظ عليهم وألا يوردهم موارد الهلكة , وأن يتخذ لكل أمر عدته حتى لا يزج بجيشه فيما يغلب فيه الهلاك. فعن أنس أن عمر سأله: إذا حاصرتم المدينة كيف تصنعون؟ قال: "نبعث الرجل إلى المدينة، ونصنع له هيئة من جلود، قال: أرأيت إن رمى بحجر؟ قال: إذن يقتل، قال: فلا تعقلوا فوالذي نفسي بيده ما يسرني أن تفتحوا مدينة فيها أربعة آلاف مقاتل بتضييع رجل مسلم ". (١) . وروى زيد بن وهب قال: خرج عمر ويداه في أذنيه وهو يقول: يا لبيكاه.. يا لبيكاه.. قال الناس: ماله؟ قال: جاءه بريد من بعض أمرائه أن نهرًا حال بينهم وبين العبور، ولم يجدوا سفنًا، فقال: أميرهم: اطلبوا لنا رجلًا يعلم غور الماء فأتى شيخ , فقال: إني أخاف البرد ـ وذلك في البرد ـ فأكرهه فأدخله الماء، فلم يلبثه البرد فجعل ينادي: يا عمراه يا عمراه.. فغرق، فكتب عمر، إلى القائد فأقبل، فمكث أيامًا معرضًا عنه، وكان إذا وجد على أحد أعرض عنه، ثم قال: ما فعل الرجل الذي قتلته؟ قال: يا أمير المؤمنين ما تعمدت قتله، لم نجد شيئًا نعبر فيه، وأردنا أن نعلم غور الماء ففتحنا كذا.. وكذا.. وأصبنا كذا وكذا.. فقال عمر: "لرجل مسلم أحب إلي من كل شيء جئتَ به". (٢) . ـ ومن رفق القائد بجنده ألا يحبس جنديًّا عن أهله أكثر من أربعة أشهر , ولقد اتخذ عمر هذا الموقف لما سمع امرأة ذات ليلة تنشد: تطاول هذا الليل وازور جانبه وليس إلى جنبي خليل ألاعبه فوالله لولا الله لا شيء غيره لززع من هذا السرير جوانبه مخافة ربي والحياء يكفني وإكرام بعلي أن تنال مراكبه فسأل عمر النساء: كم تصبر المرأة عن الزوج؟ فقلن: شهرين، وفي الثالث يقل الصبر، وفي الرابع ينفذ الصبر. فكتب إلى أمراء الأجناد: لا تحبسوا رجلًا عن امرأته أكثر من أربعة أشهر (٣)

стр. 11420

وإذا كان القائد على هذا المستوى من النصح والرفق والمشورة فإن مما يرتبط بهذا ارتباطًا وثيقًا ما يتعلق بخلق الجند فيما يلي: ـ الطاعة للقائد: وطاعة الجند خلق لا بد منه فيما يحب الجندي وفيما يكره، إلا إذا أمر بمعصية، فإن القاعدة لا تتخلف فلا طاعة لملخوق في معصية الخالق سبحانه. وفي تدعيم هذا الخلق جاء حديث معاذ بن جبل عن رسول الله ﷺ قال: ((الغزو غزوان، فأما من ابتغى وجه الله وأطاع الإمام، وأنفق الكريمة، وياسر الشريك واجتنب الفساد فإن نومه ونبهه أجر كله , وأما من غزا فخرًا ورياء وسمعة وعصى الإمام وأفسد في الأرض فإنه لن يرجع بالكفاف)) [رواه أحمد وأبو داود والنسائي] . وفي تعظيم خلق الطاعة للأمير والقائد يجعل الرسول ﷺ هذا الخلق من طاعته فعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن يطع الأمير فقد أطاعني، ومن يعص الأمير فقد عصاني)) متفق عليه. وعن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ . قال: "نزلت في عبد الله بن حذافة بن قيس بن عدي بعثه رسول الله ﷺ في سرية" [رواه أحمد والنسائي] . ((وعن علي ﵁ قال: بعث رسول الله ﷺ سرية واستعمل عليهم رجلًا من الأنصار , وأمرهم أن يسمعوا له ويطيعوا فعصوه في شيء فقال: اجمعوا لي خطبًا فجمعوا , ثم قال: أوقدوا لي نارًا فأوقدوا، ثم قال: ألم يأمركم رسول الله ﷺ أن تسمعوا وتطيعوا؟ قالوا: بلى، قال: فادخلوها. فنظر بعضهم إلى بعض وقالوا: إنما فررنا إلى رسول الله ﷺ من النار، فكانوا كذلك حتى سكن غضبه، وطفئت النار، فلما رجعوا، ذكروا ذلك لرسول ﷺ فقال: لو دخلوها لم يخرجوا منها أبدًا وقال: لا طاعة في معصية الله، إنما الطاعة في المعروف)) [متفق عليه] (١) .

стр. 11421

ـ الصبر والمصابرة والثبات وعدم الفرار: وهذه من الأخلاق التي لا غنى عنها لدى المجاهدين؛ لأنهم يواجهون عدوًّا قد يكون أكثر عددًا وأقوى , من أجل ذلك كان الأمر الصريح بهذه الأخلاق في كتاب الله تعالى وفي سنة رسوله ﷺ قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (١) . بل إن الإسلام يعد نفاد الصبر والتولي يوم الزحف من الموبقات التي يحذر منها , فعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((اجتنبوا السبع الموبقات قالوا: وما هن يا رسول الله؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات)) متفق عليه. وعن ابن عباس ﵄ لما نزلت: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ ، فكتب عليهم أن لا يفر عشرون من مائتين، ثم نزلت: ﴿الْآَنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾ الآية فكتب أن لا تفر مائة من مائتين [رواه البخاري وأبو داود] . وعن ابن عمر قال: " كنت في سرية من سرايا رسول الله ﷺ فصاص الناس صيصة (٢) . وكنت ممن صاص فقلنا: كيف نصنع وقد فررنا من الزحف وبؤنا بالغضب؟ ثم قلنا: لو دخلنا المدينة فبتنا، ثم قلنا: لو عرضنا نفوسنا على رسول الله ﷺ فإن كانت لنا توبة وإلا ذهبنا، فأتيناه قبل الصلاة الغداة، فخرج فقال: ((من الفرارون؟ فقلنا: نحن الفرارون. قال: بل أنتم العكارون (٣) أنا فئتكم وفئة المسلمين، قال: "فأتيناه حتى قبلنا يدهط)) [رواه أحمد وأبو داود] (٤) . وهذا الشعور من هؤلاء يدل على أن خلق الثبات والصبر وعدم الفرار صار من أخلاق المجاهدين من أصحاب النبي رضوان الله عليهم. وكان عمر بن الخطاب ﵁ يوصي بالصبر والمصابرة فكتب إليه أبو عبيدة بن الجراح يذكر له جموعًا من الروم، وما يتخوف منهم، فكتب إليه عمر: أما بعد: فإنه مهما ينزل بعبد مؤمن من منزل شدة يجعل الله بعده فرجًا، وأنه لن يغلب عسر يسرين، وأن الله يقول في كتابه ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ . وقال عمر: "إذا لقيتم فلا تفروا ". (٥) . وكتب إلى عامل له: ثلاثٌ من الكبائر: الجمع بين الصلاتين إلا من عذر، والفرار من الزحف، والنهي (٦) . ولكن لا يعد من الفرار التحيز إلى فئة، والذي ذكر في قول النبي ﷺ : ((أنا فئتكم)) ، فإذا وجد القائد أو المجاهد أن الانسحاب إلى مكان آخر لمعاودة القتال بصورة أحسن وأقوى فليس هذا من الفرار، وهذا يمثل الاستثناء المذكور في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ زَحْفًا فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفًا لِّقِتَالٍ أو مُتَحَيِّزًا إلى فِئَةٍ فَقَدْ بَاء بِغَضَبٍ مِّنَ اللهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ (٧) . وقد استعمل عمر ﵁ أبا عبيد الثقفي على جيش، فخاض معركة غير متكافئة مع العدو، وظن أن انسحابه منها هو الفرار من الزحف، فاستمر فيها، فقتل هو وجيشه في أرض فارس، فقال عمر: رحم الله أبا عبيد، لو كان تحيز إلي لكنت له فئة. (٨) وقبل ذلك فعل خالد بن الوليد يوم مؤتة فلم يعده الرسول ﷺ فارًّا من الزحف. ـ الظهور بالقوة مع عدم الغرور: وذلك لإرهاب أعداء الله: فعن جابر بن عتيك أن النبي ﷺ قال: ((إن من الغيرة ما يحب الله , ومن الغيرة ما يبغض الله، وإن من الخيلاء ما يحب الله، ومنها ما يبغض الله , فأما الغيرة التي يحبها الله فالغيرة في الريبة، وأما الغيرة التي يبغض الله فالغيرة في غير الريبة، والخيلاء التي يحب الله فاختيال الرجل بنفسه عند القتال، واختياله عند الصدقة، والخيلاء التي يبغض الله فاختيال الرجل في الفخر والبغي)) [رواه أحمد وأبو داود والنسائي] (٩) . فإذا كان الاختيال لتحقيق الرهبة، عند العدو وتنشيط المجاهدين فهذا من الخلق المطلوب في الجهاد، ومنه يقول النبي ﷺ لأبي دجانة ﵁ لما رآه يختال عند القتال: ((إن هذه مشية يبغضها الله ورسوله إلا في هذا الموطن)) (١٠) .

стр. 11422

ـ الرحمة ومظاهرها: والمجاهد الذي خرج لإعلاء كلمة الله تتجلى أخلاقه في كل وقت، وخاصة في أوقات الشدة التي ترتكب فيها الحرمات، فإذا كان القتال مصحوبًا بسفك الدماء، فإن خلق المجاهد في سبيل الله الرحمة؛ لأنه لا يحب سفك الدماء ـ كما سبق ـ بل يضطر إليه اضطرارًا للحفاظ على حياة الآخرين في أمن وسلام. ولذلك لا يتخلى عن الرحمة التي تمثل خلقًا عامًا له في وقت الحرب، ومن مظاهر هذه الرحمة عدم المثلة والتحريق، وقطع الشجر، وهدم العمران إلا لحاجة. فعن صفوان بن عسال قال: ((بعثنا رسول الله ﷺ في سرية , فقال: سيروا باسم الله في سبيل الله قاتلوا من كفر بالله، ولا تمثلوا، ولا تغدروا، ولا تقتلوا وليدًا)) [رواه أحمد وابن ماجه] . وعن أبي هريرة ﵁ قال: ((بعثنا رسول الله ﷺ في بعث فقال: إن وجدتم فلانًا وفلانًا - لرجلين - فاحرقوهما بالنار. ثم قال حين أردنا الخروج: إني كنت أمرتكم أن تحرقوا فلانًا وفلانًا، وإن النار لا يعذب بها إلا الله، فإن وجدتموهما فاقتلوهما)) [رواه أحمد والبخاري وأبو داود والترمذي وصححه] . وعن يحيى بن سعيد أن أبا بكر بعث جيوشًا إلى الشام فخرج جيش مع يزيد بن أبي سفيان، وكان يزيد أمير ربع من تلك الأرباع , فقال: إني موصيك بعشر خلال: لا تقتل امرأة ولا صبيًّا، ولا كبيرًا هرمًا، ولا تقطع شجرًا مثمرًا، ولا تخرب عامرًا، ولا تعقرن شاة ولا بعيرًا إلا لمأكلة، ولا تعقرن نخلًا ولا تحرقه , لا تغلل، ولا تجبن [رواه مالك في الموطأ عنه] (١) .

стр. 11423

ـ الوفاء بالعهود والمواثيق: وإذا أبدى العدو رغبته في الصلح فعلى المجاهدين أن يقبلوا الصلح ـ كما أشرنا ـ وعليهم الوفاء بما تم التعاهد عليه، قال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ (١) . وإذا خاف المجاهدون من عدوهم خيانة فلا ينقضون عهدهم بل عليهم أن يخبروهم بانتهاء العهد الذي بينهم وبين عدوهم قال تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ (٢) . ـ الشكر مع النصر وعدم اليأس عند الهزيمة ومحاسبة النفس فالمجاهد يعلم أن النصر من عند الله عندما يجعل المجاهد نفسه على المستوى الذي يؤهله لنصر الله استجابة لأمره وطاعة له واستغاثة به، وإعلاء لكلمته، وإخلاصًا في توجيهه، فإذا نصره الله شكر ولم يتكبر، وراقب نفسه وحاسبها حتى تظل على نقائها. وإذا ابتلي بالهزيمة لتقصير وقع فيه، فإنه يحاسب نفسه أيضًا، ويستدرك أمره، ويثوب إلى رشده، ويجمع شمله ويتوكل على الله في جولة أخرى. فهكذا يكون خلق المجاهد في الحالتين، وعلى هذا كان أصحاب رسول الله ﷺ ونقدم دليلًا على ذلك ما حدث في بدر وأحد. ففي بدر كانت النتيجة في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (٣) .

стр. 11424

ومع النصر ومع الشكر كان التوجيه القرآني الكريم الذي يعينهم على محاسبة النفس فكشف القرآن الكريم لهم ما كانوا يودونه من الحصول على أموالهم التي أخذها المشركون في مكة قبل الهجرة , والأَوْلَى أن يجردوا خروجهم لكي يكون إعلاء لكلمة الله فحسب، وإحقاق الحق، وقطع دابر الكافرين، قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ﴾ (١) . وكان التوجيه لهم كذلك بعد المعركة في تقسيم الأنفال، فعن عبادة بن الصامت ﵁ قال: ((خرجنا مع النبي ﷺ فشهدت معه بدرًا فالتقى الناس، فهزم الله العدو، فانطلقت طائفة في آثارهم يطاردون ويقتلون , وأكبت طائفة على الغنم يحوزونه ويجمعونه، وأحدقت طائفة برسول الله لا يصيب العدو منه غرة، حتى إذا كان الليل وفاء الناس بعضهم إلى بعض، قال الذين جمعوا الغنائم: نحن حويناها، وليس لأحد فيها نصيب. وقال الذين خرجوا في طلب العدو: لستم أحق بها منا.. نحن نحينا منها العدو وهزمناه. وقال الذين أحدقوا برسول الله: خفنا أن يصيب العدو منه عثرة فاشتغلنا به. فأنزل الله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ قُلِ الأَنفَالُ لِلّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُواْ اللهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ وَأَطِيعُواْ اللهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ ، فقسمها رسول الله بين المسلمين)) (٢) . وفي الموقف من الأسرى ((استشار رسول الله ﷺ أبا بكر وعمر وعليًا فقال أبو بكر: يا رسول الله! هؤلاء بنو العم والعشيرة، والإخوان, وأني أرى أن تأخذ منهم الفدية , فيكون ما أخذناه قوة لنا على الكفار، وعسى أن يهديهم الله فيكونوا لنا عضدًا. فقال رسول الله ﷺ : ما ترى يا ابن الخطاب؟ قال: قلت: والله ما أرى ما رأي أبو بكر ولكن أرى أن تمكنني من فلان ـ قريب لعمر ـ فأضرب عنقه وتمكن عليًّا من عقيل بن أبي طالب، فيضرب عنقه، وتمكن حمزة من فلان ـ أخيه ـ فيضرب عنقه، حتى يعلم الله أنه ليست في قلوبنا هوادة للمشركين، وهؤلاء صناديدهم وأئمتهم وقادتهم. فهوى رسول الله ﷺ ما قال أبو بكر ولهم يهو ما قلت , وأخذ منهم الفداء، فلما كان من الغد قال عمر: فغدوت إلى النبي ﷺ وأبي بكر وهما يبكيان, فقلت: يا رسول الله أخبرني ماذا يبكيك أنت وصاحبك؟ فإن وجدت بكاء بكيت، وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما. فقال رسول الله ﷺ للذي عرض علي أصحابك من أخذهم الفداء قد عرض على عذابكم أدنى من هذه الشجرة ـ شجرة قريبة ـ وأنزل الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٧) لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ )) (٣) . فكانت المحاسبة التي تدعو إلى معاقبة هؤلاء الكفار على أنهم مجرمو حرب لهم من الجرائم ما يستوجب القتل، وليس الفداء.

стр. 11425

وأما أُحد فإن حدوث الإنكار نتيجة المخالفة من الرماة مع ما كان من موقف المنافين جعل المحاسبة مع التماسك النفسي يؤدي إلى معالجة الأمر والنهوض من الكبوة، وعالج القرآن الكريم كذلك هذه الكبوة بما يعينهم على النهوض والانتفاع مما وقع بهم فكان قوله تعالى في ذلك: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١) . وكان ذلك بيانًا لما وقع من الرماة. وقال تعالى: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (١٣٧) هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٨) وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (٢) , فكان مسحًا للأحزان ودفعًا إلى الأمام. وقال تعالى: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ (٣) . ولما عجب المسلمون للكارثة وقد كانوا متقومين كان التنبيه على ما بدر من بعضهم: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٤) . ولذلك بعد أن حدث ما حدث من انكسار رأى رسول الله ﷺ أن يعيد تنظيم رجاله على عجل وأن يتحامل الجريح مع السليم على تكوين جيش جديد يخرج في أعقاب قريش ليطاردها ويمنع ما قد يجد من تكرار عدوانها , فكانت معركة أحد في يوم السبت لخمسة عشر من شوال، وكان خروج هذا الجيش في الأحد لستة عشر منه، وسار رسول الله ﷺ والمسلمون معه حتى بلغوا "حمراء الأسد". وعسكر المسلمون بحمراء الأسد وفكر المشركون في القتال، ولكنهم آثروا النجاة بأنفسهم وعادوا إلى مكة، وعاد المسلمون إلى المدينة ليدخلوها أرفع رؤوسًا وأعز جانبًا (٥) . ونزلت الآيات الكريمة: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٧٢) الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ (٦) .

стр. 11426

ـ ومن الأخلاق الجامعة التي لا غنى للمجاهد عنها الطاعة الكاملة لله ورسوله والتنزه عن المعاصي التي تكون سببًا في سخط الله وغضبه. وقد تنبه القادة المسلمون إلى أهمية هذا الخلق فأوصوا به جيوشهم فهذا عمر بن الخطاب ﵁ يكتب إلى سعد بن أبي وقاص ﵄ ومن معه من الأجناد فيقول: "أما بعد: فإني آمرك ومن معك من الأجناد بتقوى الله على كل حال؛ فإن تقوى الله أفضل العدة على العدو، وأقوى المكيدة في الحرب، وآمرك ومن معك أن تكونوا أشد احتراسًا من المعاصي منكم من عدوكم؛ فإن ذنوب الجيش أخوف عليهم من عدوهم، وإنما ينصر المسلمون بمعصية عدوهم لله، ولولا ذلك لم تكن لنا بهم قوة؛ لأن عددنا ليس كعددهم، ولا عدتنا كعدتهم، فإن استوينا في المعصية كان لهم الفضل علينا في القوة، وإلا ننصر عليهم بفضلنا لم نغلبهم بقوتنا، فاعملوا أن عليكم في سيركم حفظة من الله يعلمون ما تفعلون، فاستحيوا منهم، ولا تعملوا بمعاصي الله وأنتم في سبيل الله، ولا تقولوا إن عدونا شر منا فلن يسلط علينا، فرب قوم سلط عليهم شر منهم، كما سلط على بني إسرائيل لمّا عملوا بمساخط الله كفار المجوس، فجاسوا خلال الديار، وكان وعدًا مفعولًا، اسألوا الله العون على أنفسكم، كما تسألونه النصر على عدوكم , أسأل الله ذلك لنا ولكم" (١) . الجهاد والإرهاب: وإذا كان الجهاد في الإسلام ملتزمًا بهذا الخلق الكريم في الطاعة والرحمة بمظاهرها من عدم المثلة والكف عن المرأة والصبي والراهب ومن لا يباشر القتال، والمحافظة على العمران، وإذا كانت غايته إعلاء كلمة الله التي يتحقق بها الأمن والسلام الحقيقي لجميع البشر , فكيف يقرن الجهاد بالإرهاب بالمعنى الذي يكون معه من التخريب والفساد في الأرض؟! إن الإرهاب المذكور مع إعداد القوة هو ـ كما بينا ـ إرهاب أعداء الله المفسدين في الأرض، وليس الإرهاب الذي يعيث في الأرض فسادًا، ويهلك الحرث والنسل، فإن الله سبحانه لا يحب الفساد، وما شرع الجهاد إلا لدفع الفساد.

стр. 11427

الفصل الرابع الآثار المترتبة على الجهاد وإذا وضعت الحرب أوزارها فإنها تنتج مجموعة من الآثار التي تتصل بالمجاهدين والمحاربين، وسيرًا على قواعد الحق والعدل التي أرساها الإسلام وجدنا فقهاؤنا وعلماءنا قد وضعوا لها المصطلحات المناسبة وعالجوا فيها ما لنا وما علينا، ولذلك سنذكر من هذه الآثار ما يتعلق بالمصطلحات الآتية: دار الإسلام، ودار الحرب. والمعاهدون وما يجب عليهم من واجبات ليستمتعوا بما لهم من حقوق. والهدنة والأمان الحربي والصلح، والغنائم وأحكامها (الأموال المنقولة ـ الأسارى ـ الأرض) ، وتوجيهات الإسلام في حالة وقوع الهزيمة بالمسلمين.

стр. 11428

دار الإسلام ودار الحرب: الدنيا كلها ـ كما يذكر الإمام الشافعي ﵀ بحسب الأصل دار واحدة (١) . وأرض الله الواسعة لخلق الله جميعًا واحدة، لا يحظر على أحد مكان منها إلا بسبب يوجب ذلك ـ على ما فصل في أبواب الفقه. فالكفر من الأسباب التي تجعل من بلاد الإسلام تجاه الكفار ثلاثة أقسام: القسم الأول: الحرم فلا يدخله الكافر ذميًّا كان أو مستأمنًا ودليل ذلك قوله: ﴿يا أيها الذين آمنواْ إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ (٢) وبه قال الشافعي، وأحمد، ومالك. وجوز أبو حنيفة وأهل الكوفة للمعاهد دخول الحرم بإذن الإمام أو الخليفة أو نائبه في الحكم، ويقيم فيه مقام المسافر ولا يستوطنه. ويجوز عند أبي حنيفة دخول الواحد منهم الكعبة (٣) القسم الثاني: الحجاز: ولا يجوز لأحد منهم سكن الحجاز , وبهذا قال مالك والشافعي , إلا أن مالكًا قال: أرى أن يجلوا من أرض العرب كلها؛ لأن رسول الله ﷺ قال: ((لا يجتمع دينان في جزيرة العرب)) . وروى أبو داود بإسناده عن عمر أنه سمع رسول الله ﷺ قال: ((لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب , فلا أترك فيها إلا مسلمًا)) قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح. وعن ابن عباس قال: أوصى رسول الله ﷺ بثلاثة أشياء؛ قال: ((أخرجوا المشركين من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم. وسكت عن الثالث)) [رواه أبو داود] . وجزيرة العرب ما بين الوادي إلى أقصى اليمن قاله سعيد بن عبد العزيز , وقال الأصمعي وأبو عبيد: هي من ريف العراق إلى عدن طولًا، ومن تهامة وما وراءها إلى أطراف الشام عرضًا، وقال أبو عبيدة: هي من حفر أبي موسى إلى اليمن طولًا ومن رمل برين إلى منقطع السماوة عرضًا. قال الخليل: إنما قيل لها جزيرة: لأن بحر الجيش وبحر فارس والفرات قد أحاطت بها ونسبت إلى العرب؛ لأنها أرضها ومسكنها ومعدنها. وقال أحمد: جزيرة العرب المدينة وما والاها. يعني أن الممنوع من سكنى الكفار المدينة وما والاها. وهو مكة واليمامة وخيبر والينبع وفدك ومخاليفها. وما والاها، وهذا قول الشافعي لأنهم لم يجلو من تيماء ولا من اليمن، وقد روي عن أبي عبيدة بن الجراح أنه قال: إن آخر ما تكلم به النبي ﷺ أنه قال: ((أخرجوا اليهود من الحجاز)) فأما إخراج أهل نجران منه فلأن النبي ﷺ صالحهم على ترك الربا فنقضوا عهده، فكأن جزيرة العرب في تلك الأحاديث أريد بها الحجاز، وإنما سمي حجازًا لأنه حجز بين تهامة ونجد , ولا يمنعون ـ أيضًا ـ من أطراف الحجاز كتيماء وفيد ونحوهما؛ لأن عمر لم يمنعهم من ذلك.

стр. 11429

ويجوز لهم دخول الحجاز للتجارة؛ لأن النصارى كانوا يتجرون إلى المدينة في زمن عمر ﵁ وأتاه شيخ بالمدينة فقال: أنا الشيخ النصراني، وإن عاملك عشرني مرتين. فقال عمر: وأنا الشيخ الحنيف. وكتب له عمر أن لا يعشروا في السنة إلا مرة. ولا يأذن لهم في الإقامة أكثر من ثلاثة أيام على ما روي عن عمر ﵁، ثم ينتقل عنه. وقال القاضي: يقيم أربعة أيام حد ما يتم المسافر الصلاة والحكم في دخولهم إلى الحجاز في اعتبار الإذن كالحكم في دخول أهل الحرب دار الإسلام، وإذا مرض بالحجاز جازت له الإقامة؛ لأنه يشق الانتقال على المريض وتجوز الإقامة لمن يمرضه؛ لأنه لا يستغني عنه، وإن كان له دين على أحد وكان حالًا أجبر غريمه على وفائه , فإن تعذر وفاؤه لمطل أو تغيب عنه فينبغي أن يمكن من الإقامة ليستوفي دينه؛ لأن التعدي من غيره، وفي إخراجه ذهاب ماله، وإن كان الدين لم يكن من الإقامة، ويوكل من يستوفيه له؛ لأن التفريط منه، وإن دعت الحاجة إلى الإقامة ليبيع بضاعته، احتمل أن يجوز؛ لأن في تكليفه تركها أو حملها معه ضياع ماله، وذلك مما يمنع من الدخول بالبضائع إلى الحجاز فتفوت مصلحتهم وتلحقهم المضرة بانقطاع الجلب عنهم، ويحتمل أن يمنع من الإقامة؛ لأن له من الإقامة بدًّا، فإن أراد الانتقال إلى مكان آخر من الحجاز جاز، ويقيم فيه أيضًا ثلاثة أيام أو أربعة الخلاف فيه، وكذلك إذا انتقل فيه إلى مكان آخر جاز ولو حصلت الإقامة في الجميع شهرًا , وإذا مات بالحجاز دفن به؛ لأنه يشق نقله، وإذا جازت الإقامة للمريض فدفن الميت أولى. بالمغني لابن قدامة: ٨/ ٥٢٩ و ٥٣١] . ولا يخفى ما في هذه الأحكام من سماحة وحرص على تحقيق المصالح، وتأكيد لإقرار الإسلام لمبادئ الحق في العلاقات بين الناس. القسم الثالث: سائر بلاد الإسلام، ويجوز للكافر أن يقيم فيها بعهد وأمان وذمة، ولكن لا يدخلون المساجد إلا بإذن مسلم عند الشافعي، وقال أبو حنيفة: يجوز دخولها لهم من غير إذن. وقال مالك وأحمد: لا يجوز لهم الدخول بحال (١) . ومن هذه الأسباب قيام الحرب، وما يتبعها من آثار فيحظر على المسلم أن يقيم في دار فيها القتال بينهم وبين المسلمين لما يترتب على ذلك من تعريضهم للمخاطر والقتل، فعن جرير بن عبد الله ((أن رسول الله ﷺ بعث سرية إلى خثعم العقل، وقال: أنا برئ من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين. قالوا يا رسول الله: ولم؟ قال: "لا تتراءى ناراهما")) [رواه أبو داود والترمذي وأخرجه أيضًا ابن ماجه ورجال إسناده ثقات ولكن صحح البخاري وأبو حاتم وأبو داود والترمذي والدارقطني إرساله إلى قيس بن أبي حازم ورواه الطبراني موصولًا] . ومعنى "لا تتراءى نارهما" يعني لا ينبغي أن يكونا بموضع بحيث تكون نار كل واحد منهما في مقابلة الأخرى على وجه لو كانت متمكنة من الأبصار لأبصرت الأخرى (٢) .

стр. 11430

فإذا كان وجود المسلم في دار يكون مستضعفًا فيها أو معرضًا للفتنة، أو معرضًا للقتل حظرت عليه هذه الدار، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ . الآية. فهذا في حق من أسلم في دار الكفر وقدر على الخروج منها. إلا أن الماوردي ﵀ يرى أنه إذا قدر على إظهار الدين في بلد من بلاد الكفر فقد صارت البلد به دار إسلام , فالإقامة فيها أفضل من الرحلة عنها لما يترجى من دخول غيره في الإسلام. (١) . فالماوردي نظر إلى المقيم على أنه من الدعاة وعلى ذلك لم يره مخالفًا للنهي عن الإقامة في دار الكفر. وعلى هذا نجد تقسيم العلماء للأرض على القسمين: دار الإسلام ودار الحرب نشأ من الآثار المترتبة على وقوع الحرب. فأما دار الإسلام فيقصد بها البلاد التي تحكم بالإسلام، وتظهر فيها شعائره ويأمن فيها المسلمون. ومثل هذه الدار يحافظ عليها ويرد العدوان عنها بالجهاد باعتباره فرض كفاية أو فرض عين (٢) . وأما دار الحرب فهي البلاد التي لا تحكم بالإسلام ولا تظهر فيها شعائره , فالسلطان فيها لغير المسلمين. وينشأ كذلك من آثار الحرب وجود دار ثالثة تسمى بدار العهد: وهي الدار التي لم يظهر عليها المسلمون حتى تطبق فيها أحكام الإسلام , ولكن أهلها دخلوا في عقد المسلمين وعهدهم على شرائط تشترط وقواعد تعيّن فهذه تسمى بدار العهد (٣) . وهي دليل على ما قررناه ـ من أن الإسلام لا يكره أحدًا على اعتناقه , وأن الجهاد لإزالة المعوقات التي تقف في طريق نشر الدعوة أمام العالمين وتبليغها.

стр. 11431

والذي ينظر فيما اتجه إليه الإسلام في معاملة المعاهدين يتأكد من هذا المعنى , لقد فصل الإسلام في الحقوق والواجبات التي تتعلق بالمعاهدين على النحو التالي: أولًا: التحذير من نقض العهود بصورة عامة. قال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ (١) . وقال تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ (٢) . وعن أنس عن النبي ﷺ قال: ((لكل غادر لواء يوم القيامة يعرف به)) [متفق عليه] . وعن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : ((لكل غادر لواء يوم القيامة يرفع له بقدر غدرته، ألا ولا غادر أعظم غدرًا من أمير عامة)) [رواه أحمد ومسلم] . يقول الشوكاني معلقًا على الحديثين: "وفي حديث أنس وحديث أبي سعيد دليل على تحريم الغدر وغلظه لا سيما من صاحب الولاية العامة؛ لأن غدره يتعدى ضرره إلى خلق كثير؛ ولأنه غير مضطر إلى الغدر لقدرته على الوفاء، قال القاضي عياض: المشهور أن هذا الحديث ورد في ذم الإمام إذا غدر في عهود لرعيته أو لمقابلته أو للإمامة التي تقلدها والتزم القيام بها فمن حاف فيها أو ترك الرفق فقد غدر بعهده.." (٣) . فالغدر ونقض العهد من الأخلاق المذمومة والتي حذر الإسلام منها بصورة عامة.

стр. 11432

ثانيًا: المعاهدون الذين قبلوا شروط المسلمين ودخلوا في الطاعة قبل الحرب أو أثناء الحرب يعاملون طبقًا لشروط الصلح التي أبرمت معهم , يقول النبي ﷺ : ((لعلكم تقاتلون قومًا فتظاهرون عليهم , فيتقونكم بأموالكم دون أنفسهم وأبنائهم)) . وفي حديث آخر: ((فيصالحونكم على صلح، فلا تصيبوا منهم فوق ذلك , فإنه لا يصلح لكم)) (١) . ويقول النبي ﷺ : ((ألا من ظلم معاهدًا , أو انتقصه , أو كلفه فوق طاقته أو أخذ منه شيئًا بغير طيب نفس فأنا حجيجه يوم القيامة)) [رواه أبو داود] (٢) . وكما يذكر الأستاذ المودودي تعليقًا على الحديثين: "وألفاظ هذين الحديثين ألفاظ عامة تستنبط منها حكم عام , وهو: لا يجوز أبدًا الإخلال بأية شروط تم الاتفاق عليها في المعاهدة المبرمة مع أي معاهد ذمي، ولا يمكن زيادة الضرائب عليه أو الاستيلاء على أرضه، أو سلب داره، ولا يمكن تطبيق قوانين عسكرية عليه، أو التدخل في دينه، أو المساس بشرفه , ولا يمكن ارتكاب أي عمل يدخل في حدود الظلم كالانتقاص من قدره أو تحميله ما لا يطاق" (٣) . وهذه نماذج من المعاهدات التي تبين ما للمعاهدين وما عليهم، فهذه معاهدة نجران وقعت حين دخل العرب جميعًا في الإسلام، وخشي أهل نجران على أنفسهم , فأرسلوا سيدهم يطلب الصلح فعقدت معه تلك المعاهدة، وجاء فيها بعد أن حدد الرسول ﷺ مقدار الخراج: ((ولنجران وحاشيتها جوار الله وذمة محمد رسول الله على أنفسهم وملتهم وأرضهم، وأموالهم وغائبهم وشاهدهم وعيرهم وبعثهم وأمثلتهم (الصلبان والصور وغيرها مما هو موضوع في الكنائس) لا يغير ما كانوا عليه ولا يغير حقًّا من حقوقهم وأمثلتهم، لا يفتن أسقف عن أسقفيته , ولا راهب عن رهبانيته , ولا دهقان عن دهقانيته على ما تحت أيديهم من قليل أو كثير، وليس عليهم رهق ولا دم جاهلية , ولا يحشرون ولا يعشرون، ولا يطأ أرضهم جيش , من سأل منهم حقًّا فبينهم النَّصَف غير ظالمين، ولا مظلومين بنجران , ومن أكل منهم الربا من ذي قبل فذمتي منه بريئة , ولا يؤخذ منهم رجل بظلم آخر، ولهم على ما في هذه الصحيفة جوار الله وذمة محمد النبي أبدًا حتى يأتي أمر الله ما نصحوا وأصلحوا فيما عليهم)) (٤) .

стр. 11433

وهذه المعاهدة في عهد أبي بكر الصديق ﵁ عقدها خالد بن الوليد ﵁ مع أهل الحيرة , قرر فيها خراجًا سنويًّا قدره ستون ألف درهم على جميع السكان , تصرف على المحتاجين والفقراء , ثم عشرة دارهم على كل شخص من بقية السكان , وفي المقابل ذلك تتعهد الحكومة الإسلامية بما يلي:- " لا تهدم لهم بيعة ولا كنيسة ولا قصر من قصورهم التي كانوا يتحصنون فيها إذا نزل بهم عدو لهم، ولا يمنعون من ضرب النواقيس , ولا من إخراج الصلبان في يوم عيدهم". (١) ويقول الإمام أبو يوسف: أن عمر ﵁ قد نفذ هذه المعاهدة (٢) . وهذه المعاهدة أبرمها عمر ﵁ مع أهل القدس؛ أعطاهم أمانًا لأنفسهم وأموالهم ولكنائسهم وصلبانهم سقيمها وبريِّها وسائر ملتها , ألا يسكن كنائسهم , ولا تهدم ولا ينتقص منها , ولا من خيرها , ولا من صلبهم , ولا من شيء من أموالهم , ولا يكرهون على دنيهم , ولا يضر أحد منهم , وهذا نص معاهدة التي أبرمها عمر ﵁ مع أهل دمشق: " أعطاهم أمانًا على أنفسهم وعلى أموالهم وكنائسهم وسور مدينتهم , لا يهدم ولا يسكن شيء من دورهم، ولهم بذلك عهد الله وذمة رسوله ... لا يعرض لهم إلا بخير إذا أعطوا الجزية ". هذه معاهدة أخرى عقدها خالد بن الوليد من أهل عاتات: " لا يهدم لهم بيعة ولا كنيسة , وعلى أن يضربوا نواقيسهم في أي ساعة شاءوا من ليل أو نهار إلا في أوقات الصلاة , وعلى أن يخرجوا الصلبان في أيام عيدهم". والمعاهدة التي عقدها أبو عبيدة مع أهل بعلبك جاء فيها: "هذا كتاب أمان لفلان بن فلان وأهل بعلبك رومها وفرسها وعربها , على أنفسهم وأموالهم وكنائسهم ودورهم , داخل المدينة وخارجها , وعلى أرحامهم.. من أسلم فله ما لنا وعليه ما علينا , ولتجارهم أن يسافروا إلى حيث أرادوا من البلاد التي صالحنا عليها , وعلى من أقام منهم الجزية والخراج ". وكتب حبيب بن مسلمة في معاهدة الصلح مع أهل دبيل: " هذا كتاب من حبيب بن مسلمة لنصارى أهل دبيل ومجوسها ويهودها , شاهدهم وغائبهم؛ أني أمنتكم على أنفسكم وأموالكم , وكنائسكم وبيعكم وسور مدينتكم , فأنتم آمنون , وعلينا الوفاء لكم بالعهد ما وفيتم وأديتم الجزية والخراج ". وكتب حذيفة بن اليمان في معاهدة الصلح مع أهل أذربيحان: (الأمان على أنفسهم وأموالهم وملكهم وشرائعهم) . وكتب حذيفة كذلك ـ في معاهدة الصلح مع أهل جرجان: " مد لهم الأمان على أنفسهم وأموالهم وملكهم وشرائعهم، ولا يغير شيء من ذلك" (٣) .

стр. 11434

فهذه المعاهدات تنطبق بما ألزم الإسلام به أتباعه من الوفاء بالعهد , وأن ما يشترط في المعاهدات هو الحق والعدل والمساواة , وليس فيها إلا ما يغري من به عقل باتباع الحق والدخول في دين الله ليغمر الجميع بعدله وسماحته. ونستطيع أن نجعل ما جعله الإسلام من حقوق المعاهدين إذا نصحوا ووفوا والتزموا فيما يلي: ١ ـ حماية النفس والمال من أي اعتداء سواء من المسلم أو غيره، ووفاء الخليفة المسلم بذلك , فهذا عمر كان بالجابية وأتاه رجل من أهل الذمة يخبره أن الناس قد أسرعوا في عنبه , فخرج عمر حتى لقي رجلًا من أصحابه يحمل ترسًا عليه عنب، فقال عمر: وأنت أيضًا؟! فقال: يا أمير المؤمنين أصابتنا مجاعة، فانصرف عمر، فأمر لصاحب الكرم بقيمة عنبه. (١) ٢ ـ إذا غزا العدو بلاد المسلمين فغنم شيئًا من أموال أهل الذمة ثم أظهر الله المسلمين على عدوهم واستردوا هذه الأموال فعليهم إعادتها إلى أصحابها من أهل الذمة دون مقابل. (٢) ٣ ـ لهم الحق في المحافظة على عقائدهم الدينية وممارسة عباداتهم، وعلاقاتهم الشخصية بينهم كالزواج وغيره حسب دياناتهم (٣) ٤ ـ لهم أن يمارسوا من عاداتهم ما لا يتعارض مع آداب الإسلام العامة , فعن عبد الله بن قيس قال: كنت فيمن تلقى عمر مقدمه من الشام، فبينما عمر يسير إذ لقيه المقلسون ـ وهم الذين يلعبون بلعبة لهم بين يدي الأمراء إذا قدموا إليهم ـ من أهل أذرعات بالسيوف والريحان، فقال عمر: صه، ردوهم وامنعوهم. فقال أبو عبيدة: يا أمير المؤمنين هذه سنة العجم، وإنك إن تمنعهم منا يروا أن في نفسك نقضًا لعهدهم. فقال عمر: دعوهم. (٤) ويظل لهم الوفاء بما كلفه الإسلام من هذه المعاملة الكريمة ما لم ينقضوا عهدهم بأمر من الأمور التي تدل على تمرد ونكوص عن أداء ما يجب عليهم من حق مالي للدولة، أو تنفذ ما يحكم به الحاكم، أو الاجتماع على قتال المسلمين منهم، أو بالتظاهر مع أهل الحرب، أو الغدر، أو انتهاك حرمة أحد من المسلمين، أو الطعن على المسلمين في دينهم أو رسولهم ﷺ أو كتابهم أو ربهم سبحانه، قيل لابن عمر ﵁: "إن راهبًا يشتم النبي ﷺ فقال: لو سمعته لقتلته، إنا لم نعطه الأمان على هذا". (٥)

стр. 11435

الهدنة: ومن الآثار المترتبة على الجهاد كذلك أن يطلب الأعداء ترك القتال فترة من الفترات قد تنتهي إلى صلح، وهذا يسمى بعقد الهدنة , والموادعة إذا تم الاتفاق عليه، بل يضعها الإسلام موضع الوجوب في حالين يدلان على حرص الإسلام على إرساء السلم الدولي ـ كما أشرنا من قبل ـ. أما الحالة الأولى فتكون مع طلب العدو فيجب أن يجاب إلى طلبه عملًا بقوله تعالى: ﴿وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ وَإِن يُرِيدُواْ أَن يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللهُ هُوَ الَّذِيَ أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾ (١) . وقد هادن الرسول ﷺ مشركي مكة ووادعهم مدة عشر سنين في غزوة الحديبية , وكان ذلك حقنًا للدماء، ورغبة في السلم (٢) . فعن البراء ﵁ قال: ((لما أحصر النبي ﷺ عن البيت صالحه أهل مكة على أن يدخلها فيقيم ثلاثًا، ولا يدخلها إلا بجلبان السلاح، السيف وجرابه (٣) , ولا يخرج بأحد معه من أهلها، ولا يمنع أحدًا يمكث بها ممن كان معه)) . قال ((الرسول ﷺ لعلي اكتب الشرط بينا: بسم الله الرحمن الرحيم (٤) : "هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله"، فقال له المشركون: "لو نعلم أنك رسول الله تابعناك، ولكن اكتب: محمد بن عبد الله. فأمر عليًّا أن يمحوها فقال: "لا والله لا أمحوها" فقال رسول الله ﷺ : "أرني مكانها" فأراه مكانها فمحاها وكتب ابن عبد الله، فأقام بها ثلاثة أيام. فلما كان اليوم الثالث، قالوا لعلي: هذا آخر يوم من شرط صاحبك، فمره فليخرج فأخبره بذلك، فقال: "نعم" فخرج)) . وعن المسور بن مخرمة ﵁ أنهم اصطلحوا على وضع الحرب عشر سنين يأمن فيها الناس، وعلى أن بيننا عيبة مكفوفة، وأنه لا أسلال ولا أغلال (٥) . والحالة الثانية التي تجب فيها المهادنة: الأشهر الحرم فلا يحل فيها البدء بالقتال إلا إذا بدأ فيها العدو بالقتال، فإنه يكون دافعًا للاعتداء، أو جاء وقت الأشهر الحرم وكان القتال مستمرًا ولم يستجب العدو لقبول الموادعة فيها، قال تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ (٦) .

стр. 11436

الأمان: ومن الآثار المرتبة على الجهاد ـ كذلك ـ أن يطلب فرد من الأعداء المحاربين الأمان , وعندئذ يقبل منه ويصير آمنًا، لا يجوز الاعتداء عليه في أي صورة من صور الاعتداء. قال تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (١) . فطالب الأمان قد يطلبه لأغراض شتى , يحسن أن نتعرف عليها وكيف عومل فيها، فقد يطلب الأمان ليتعرف على الإسلام، وهذا يبذل له الأمان ويدخل بلاد المسلمين، ويطلع على الإسلام، وإن شاء دخل فيه وأقام في بلاد المسلمين، وإن شاء بقي على دينه وأقام في بلاد المسلمين إقامة دائمة ـ إن وافق إمام المسلمين على ذلك، وعندئذ يعقد له عقد الذمة، الذي سبقت الإشارة إليه ـ ويدفع الجزية، وإن أراد العودة إلى بلاده سهل له ذلك، عملًا بالآية الكريمة السابقة. (٢) . ـ وقد يطلب الأمان ليتمكن من الدخول إلى بلاد المسلمين للتجارة، وهذا متروك الإذن فيه لأمير المؤمنين فإن شاء سمح له بذلك، وعندئذ يلزم بدفع العشر إلى الدولة الإسلامية، كما تحدد مدة إقامته فيها، وقد مر بنا ما قاله شيخ نصراني لأمير المؤمنين عمر بن الخطاب وهو بالمدينة المنورة، فقال له: أنا الشيخ النصراني، وإن عاملك عشرني مرتين. فقال عمر: وأنا الشيخ الحنيف. وكتب إليه عمر أن لا يعشروا في السنة إلا مرة، ولا يؤذن لهم في الإقامة أكثر من ثلاثة أيام. أي في الإقامة في الحجاز.

стр. 11437

ـ وقد يطلب الأمان ليبلغ أمير المؤمنين رسالة يحملها إليه من أمير بلاده، وهذا يعامل معاملة الرسل وقد حدث أن أرسل مسيلمة الكذاب برسولين إلى رسول الله ﷺ يحملان كتابًا منه جاء فيه: من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله، سلام عليك، أما بعد: فإني قد أشركت بالأمر معك، وإن لنا نصف الأرض ولقريش نصف الأرض، ولكن قريشًا قوم يعتدون. فقال رسول الله ﷺ للرسولين حين قرأ الكتاب ((فما تقولان أنتما؟ قالا: نقول كما قال. فقال رسول الله: أما والله لولا أن الرسل لا تقتل لضربت أعناقكما)) [أخرجه أحمد وأبو داود من حديث نعيم بن مسعود] . وأوفدت قريش أبا رافع إلى رسول الله ﷺ فوقع الإيمان في قلبه فقال: يا رسول الله لا أرجع إليهم، وأبقى معكم مسلمًا: فقال الرسول ﷺ : ((إني لا أخيس بالعهد ولا أحبس البرد , فأرجع إليهم آمنًا، فإن وجدت بعد ذلك في قلبك ما فيه ـ الآن ـ فارجع إلينا)) [أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي وابن حبان وصححه] . ـ وقد يطلب الأمان ليحفظ دمه. فإن أعطى الأمان في صورة من هذه الصور وغيرها فقد عصم دمه من أن يراق، وحفظ ماله من أن يسلب، وشخصه من أن ينال بأذى، ودينه من أن يكره على تركه، فإن تعرض له أحد بشيء من ذلك عوقب. فقد روي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه بلغه أن بعض المجاهدين قال لمحارب من الفرس: "لا تخف. ثم قتله، فكتب ﵁ إلى قائد الجيش: أنه بلغني أن رجالًا منكم يطلبون العلج حيًّا , إذا اشتد في الجبل وامتنع يقول له: "لا تخف" فإذا أدركه قتله, وإني والذي نفسي بيده لا يبلغني أن أحدًا فعل ذلك إلا قطعت عنقه". وروى البخاري في التاريخ، والنسائي عن النبي ﷺ قال: ((من أمّن رجلًا على دمه فقتله؛ فأنا بريء من القاتل وإن كان المقتول كافرًا)) . وروى البخاري ومسلم وأحمد عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : ((لكل غادر لواء يعرف به يوم القيامة)) . وهذا الأمان الفردي أعطاه الإسلام للرجال والنساء فمن حق أي فرد أن يؤمن أي فرد من الأعداء يطلب الأمان باستثناء الصبيان والمجانين. روى أحمد وأبو داود والنسائي والحاكم عن علي بن أبي طالب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((ذمة المسلمين واحدة، يسعى بها أدناهم، وهم يد على من سواهم)) , وروى البخاري وأبو داود والترمذي عن أم هانئ بنت أبي طالب ﵂ أنها قالت: ((قلت يا رسول الله, زعم ابن أم يعلي أنه قاتل رجلًا قد أجرته؛ فلان (ابن هبيرة) . فقال رسول الله ﷺ : "قد أجرنا من أجرت يا أم هانيء")) (١)

стр. 11438

وأما الأمان الذي يعطى للجماعة فإنه من شأن أمير المؤمنين لتحري المصلحة , ولو جعل ذلك لآحاد الناس لصار ذريعة إلى إبطال الجهاد (١) . ويتقرر الأمان صورة بأي من الصور التي تدل عليه , بالعبارة، أو الإشارة، فلما حاصر المسلمون " تستر " ونزل الهرمزان على حكم عمر بعث به أبو موسى الأشعري على وفد فيهم أنس بن مالك والأحنف بن قيس إلى عمر بن الخطاب، فقال له عمر: يا هرمزان، كيف رأيت وبال الغدر وعاقبة أمر الله، فقال: يا عمر إنا وإياكم في الجاهلية، كان الله قد خلى بيننا وبينكم، فغلبناكم، إذ لم يكن معنا ولا معكم، فلما كان معكم غلبتمونا. فقال عمر: إنما غلبتمونا في الجاهلية باجتماعكم وتفرقنا.. ثم قال: ما عندك وما حجتك في إنقاضك مرة بعد مرة؟ فقال: أخاف أن تقتلني قبل أن أخبرك، قال: لا تخف ذلك، فاستقى الهرمزان ماء فأتي به في قدح غليظ، فقال: لو مت عطشًا لم أستطع أن أشرب في هذا، فأتي به في قدح آخر يرضاه، فلما أخذه جعلت يداه ترتعد، وقال: إني أخاف أن أقتل وأنا أشرب. فقال عمر: لا بأس عليك حتى تشربه , فأكفأه , فقال عمر: أعيدوه عليه، ولا تجمعوا عليه القتل والعطش. فقال: لا حاجة لي في الماء، إنما أردت أن أستأنس. فقال له عمر: إني قاتلك، فقال: إنك أمنتني. قال: كذبت، فقال أنس: صدق يا أمير المؤمنين. فقال عمر: ويحك يا أنس، أنا أؤمن من قتل مجزأة والبراء؟! قال: قلتَ: لا بأس عليك حتى تخبرني، وقلتَ: لا بأس عيك حتى تشرب. وقال له من حوله مثل ذلك، فامتنع عمر عن قتله , ثم أسلم الهرمزان. (٢) . ويبقى المستأمن مستحقًا بحقه في الأمن ما دام محافظًا على الأمن والنظام العام ولم يخرج عليهما بأن يكون عينًا أو جاسوسًا، وتطبق عليه القوانين الإسلامية في المعاملات المالية، وكذلك العقوبات. (٣) . وإذا عاد إلى دار الحرب فإنه يبطل الأمان بالنسبة لنفسه ويبقى بالنسبة لماله , قال ابن قدامة في المغني: " إذا دخل حربي دار الإسلام بأمان فأودع ماله مسلمًا أو ذميًّا أو أقرضهما إياه، ثم عاد إلى دار الحرب نظرنا فإن دخل تاجرًا، أو رسولًا، أو متنزهًا أو لحاجة يقضيها، ثم يعود إلى دار الإسلام، فهو على أمانه في نفسه، وماله؛ لأنه لم يخرج بذلك عن نية الإقامة في دار الإسلام، فأشبه الذمي لذلك، وإن دخل دار الحرب مستوطنًا، ثبت الأمان لماله، فإذا بطل الأمان في نفسه بدخوله دار الحرب، بقي في ماله، لاختصاص المبطل بنفسه فيختص البطلان به". (٤) . وبعد أن تناولنا المعاهدين، والهدنة والأمان باعتبارها من آثار الجهاد نشير إلى أنه قد نعقد الصلح بين المسلمين وبين أقوام دون حصار، كما صالح عمر بني تغلب، فقد قال له عبادة بن النعمان التغلبي، أو أبوه: يا أمير المؤمنين، إن بني تغلب قد علمت شوكتهم، وأنهم بإزاء العدو، فإن ظاهروا عليك العدو اشتدت مؤونتهم، فإن رأيت أن تعطيهم شيئًا فافعل. فصالحهم عمر على ألا يغمسوا أولادهم في النصرانية، ويضاعف عليهم الصدقة. (٥) كما يجوز أن يتضمن عقد الصلح أمورًا أخرى يتم الاتفاق عليها بين الطرفين.

стр. 11439

الغنائم: ومن الآثار المترتبة على الجهاد كذلك ما يتعلق بالغنائم. والغنائم جمع غنيمة، وهي في اللغة ما يناله الإنسان بسعي، قال الشاعر: وقد طوفت في الآفاق حتى رضيت من الغنيمة بالإياب وشرعًا تطلق الغنيمة على المال المأخوذ من أعداء الإسلام عن طريق الحرب والقتال وتشمل الأنواع الآتية: ١ ـ الأموال المنقولة. ٢ ـ الأسرى. ٣ ـ الأرض. وتسمى ـ كذلك ـ الأنفال ـ جمع نفل ـ لأنها زيادة في أموال المسلمين (١) . والمال المأخوذ من الأعداء كان يقسم من قبل الإسلام على المحاربين على الطريقة التي ذكرها أحد الشعراء بقوله مخاطبًا رئيس القوم: لك المرباع منها والصفايا وحكمك والنشيطة والفضول فإن المرباع وهو الربع من الغنيمة، وما يستحسنه ويصطفيه لنفسه (الصفايا) ، وما يحكم به وما يقع في أيدي المقاتلين قبل الموقعة (النشيطة) ، وما يفضل بعد القسمة (الفضول) . ولكن بعد أن من الله على الناس بالإسلام وأصبح الجهاد محكومًا بأسسه ووسائله وغاياته التي فصلنا القول فيهاـ لإحقاق الحق وإرساء قواعد العدل وإحلال السلام ـ وخاصة أن مرحلة الجهاد الفرض كانت قد سبقت بمصادرة أموال المسلمين في مكة من قِبَل المشركين وحوربوا اقتصاديًّا بالمقاطعة والمغالاة في الأسعار ـ أحل الله لهذه الأمة الغنائم، وقال تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٢) . وروى البخاري ومسلم عن جابر بن عبد الله: أن رسول الله ﷺ قال: ((أعطيت خمسًا لم يعطهن نبي قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي الغنائم، ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وبعثت إلى الناس عامة)) . كما إن الإسلام جعل من توزيعها ما يحقق النفع للأمة جميعًا، ففي أول تجربة مع الغنائم بعد غزوة بدر وقد ترك المشركون المنهزمون وراءهم أموالًا كثيرة , تساءل المسلمون: كيف تكون قسمة هذه الأموال؟ وكانت إجابة القرآن الكريم في أن تقسيم الغنائم يرجع إلى الله سبحانه وإلى رسوله ﷺ قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ (٣) .

стр. 11440

وقال تعالى في بيان هذه القسمة: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آَمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (١) . فخمس الغنيمة يصرف على المصارف التي ذكرت في الآية الكريمة وهي: الله ورسوله وذو القربى، واليتامى، والمساكين، وابن السبيل. فذكر الله في بيان المصارف تنبيه إلى أن ما يخص رسول الله ﷺ سيكون له ولغيره من الأمة فإن الرسول ﷺ يؤثر أمته ـ دائمًا ـ ويتضح هذا المعنى من حديث النبي ﷺ والذي رواه أبو داود والنسائي عن عمرو بن عبسة قال: "صلى بنا الرسول ﷺ إلى بعير من المغنم، ولما سلم أخذ وبرة من جنب البعير، ثم قال: ((لا يحل لي من غنائمكم مثل هذا إلا الخمس، والخمس مردود فيكم)) . ومعنى الرد فيهم أن ينفق منه على الفقراء وفي الإعداد للجهاد. فهذا مصير الخمس في الأصناف المذكورة. وأما الأربعة الأخماس الباقية فتعطى للجيش. ويشترك في العطاء الجميع القوي منهم والضعيف، روى أحمد ﵀ عن سعد بن مالك قال: " قلت: يا رسول الله، الرجل يكون حامية القوم، ويكون سهمه وسهم غيره سواء. قال: ((ثكلتك أمك ابن أم سعيد، وهل ترزقون وتنصرون إلا بضعفائكم)) . ولكن يبقى للأمير أن يقدر من بذل جهدًا أكبر , فالنبي ﷺ كان يسهم للفارس وفرسه ثلاثة أسهم، وللراجل - أي الذي قاتل على رجليه - سهمًا. (٢) . كما أن مَنْ غيبه الأمير في مصلحة كالبريد وغيره وإن لم يحضر الواقعة يستوي مع الحاضرين. فعن ابن عمر ﵄: ((أن النبي ﷺ قام يعني يوم بدر فقال: إن عثمان انطلق في حاجة الله وحاجة رسوله , وأنا أبايع له فضرب له رسول الله ﷺ بسهم، ولم يضرب لأحد غاب غيره)) [رواه أبو داود] . وعن ابن عمر قال: ((لما تغيب عثمان عن بدر فإنه كان تحته بنت رسول الله ﷺ وكانت مريضة، فقال له النبي ﷺ : لك أجر رجل وسهم)) [رواه أحمد والبخاري والترمذي وصححه] (٣) . كما يجوز للإمام أن ينفل بعض الجيش ببعض الغنيمة إذا كان له من العناية والمقاتلة ما لم يكن لغيره (٤) . فعن سعد بن أبي وقاص قال: ((جئت إلى النبي ﷺ يوم بدر بسيف، فقلت: يا رسول الله إن الله قد شفى صدري اليوم من العدو فهب لي هذا السيف، فقال: إن هذا السيف ليس لي ولا لك , فذهبت وأنا أقول يعطاه اليوم من لم يبل بلائي , فبينا أن إذ جاءني رسول رسول الله ﷺ فقال: أجب، فظننت أنه نزل في شيء بكلامي , فجئت, فقال لي النبي ﷺ : إنك سألتني هذا السيف وليس هو لي ولا لك وإن الله جعله لي فهو لك , ثم قرأ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ إلى آخر الآية)) [رواه أحمد وأبو داود] (٥) . وفي الوقت الذي تكون الغنيمة بهذا التقسيم العادل والذي يسع الجميع يأتي التحذير من الغلول وهو السرقة من الغنيمة , قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (٦) . وروى البخاري عن عبد الله بن عمرو قال: ((كان على ثقل ـ أي متاع ـ النبي ﷺ رجل يقال له كركرة، فمات، فقال النبي ﷺ "هو في النار" فذهبوا ينظرون إليه فوجدوا عباءة قد غلها)) (٧) .

стр. 11441

الأسارى: من الغنائم التي تكون كذلك بعد الحرب أن يقع في يد المجاهدين أسرى من المقاتلين أحياء. وقد يكون من هؤلاء الأسرى النساء والصبيان. فأما الرجال المقاتلون فإن الحاكم له الحق في أن يتصرف معهم بما يكون أولى بالحق وأنفع، فله أن يمن أو الفداء أو القتل والمن أن يطلق سراحهم بلا مقابل. والفداء يكون بالمقابل، وقد يكون المقابل مالًا وقد يكون تبادلًا بالأسرى المسلمين. قال تعالى: ﴿فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ (١) . وقد من الرسول ﷺ على أهل مكة يوم الفتح , وقال لهم: ((اذهبوا فأنتم الطلقاء)) . وروى مسلم من حديث أنس ﵁ ((أن النبي ﷺ أطلق سراح الذين أخذهم أسرى، وكان عددهم ثمانين، وكانوا قد هبطوا عليه وعلى أصحابه من جبال التنعيم عند صلاة الفجر ليقتلوهم وفي هذا نزل قول الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ )) (٢) . وقد راعى عمر بن الخطاب ﵁ ما يقدمه بعض الأسرى من أعمال نافعة ومفيدة فعندما بعث أبا موسى الأشعري في بعض الغزوات فأصاب سبيًا قال عمر: "خلوا سبيل كل أكار وزراع" (٣) . وأما شواهد الفداء العملية، فقد ((فدى رسول الله ﷺ في بدر رجلين من أصحابه برجل من المشركين من بني عقيل)) [رواه أحمد والترمذي وصححه] . ومعنى ذلك أن الفداء قد يكون بالمال وقد يكون بغيره ـ أيضًا ـ. وأما القتل فإنه من حق الحاكم باعتبار القتل عقوبة يستحقها مجرمو الحروب الذين لا يناسبهم المن ولا الفداء , وقد قتل النضر بن الحارث وعقبة بن معيط يوم بدر، وقتل أبو عزة الجمحي يوم أحد (٤) وفي هذا يقول الله سبحانه: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٧) لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (٥) .

стр. 11442

هذا ما يخص الرجال المقاتلين وأما النساء والصبيان فليس عليهم القتل الذي يمكن أن يكون وجهًا من الوجوه مع مجرمي الحرب. فقد جاء في الصحاح في شأن أسرى غزوة بني المصطلق ـ وكان من بينهم جويرية بنت الحارث ـ أن أباها الحارث بن أبي ضرار حضر إلى المدينة ومعه كثير من الإبل ليفتدي بها ابنته، وفي ودي العقيق، قبل المدينة بأميال، أخفى اثنين من الجمال أعجباه في شعب بالجبيل، فلما دخل على النبي ﷺ قال له: يا محمد أصبتم ابنتي، وهذا فداؤها. فقال ﵊: ((فأين البعيران اللذان غيبتهما بالعقيق في شعب كذا؟)) فقال الحارث: أشهد أن لا إله إلا الله. وأسلم الحارث وابنان له، وأسلمت ابنته أيضًا، فخطبها رسول الله ﷺ إلى أبيها وتزوجها، فقال الناس: لقد أصبح هؤلاء الأسرى بأيدينا أصهار رسول الله ﷺ فمنوا عليهم بغير فداء. وتقول أم المؤمنين عائشة ﵂ معلقة على هذا الموقف: "فما أعلم أن امرأة كانت أعظم بركة على قومها من جويرية، إذ بتزوج الرسول ﷺ إياها أعتق مائة من أهل بيت بني المصطلق". كما يعلق الأستاذ سيد سابق على هذا بقوله: "ولمثل هذا تزوج النبي ﷺ من جويرية، لا لشهوة يقضيها، بل لمصلحة شرعية يبتغيها، ولو كان يبغي الشهوة لأخذها أسيرة حرب بملك اليمين". (١) . وإذا كانت الحروب تتمخض عن وقوع أسرى لدى كل فريق من المتحاربين , فإننا رأينا كيف تكون المعاملة الرقيقة الإنسانية الحانية من الإسلام نحو الأساري رجالًا ونساء وذرية، وينص على ذلك في كتاب الله تعالى وفي سنة رسول الله ﷺ قال تعالى مبينا على من يكرمهم: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (٨) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾ (٢) . وروى أبو موسى الأشعري ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال ((فكوا العاني (والعاني هو الأسير) وأجيبوا الداعي، وأطعموا الجائع، وعودوا المريض)) .

стр. 11443

وعن أبي هريرة ﵁ قال: ((بعث رسول الله ﷺ خيلا قبل نجد فجاءت برجل من بني حنيفة يقال له: ثمامة بن أثال سيد أهل اليمامة , فربطوه بسارية من سواري المسجد , فخرج إليه رسول الله ﷺ فقال: ماذا عندك يا ثمامة؟ قال: عندي يا محمد خير إن تقتل تقتل ذا دم، وإن تنعم تنعم على شاكر، وإن كنت تريد المال فسل تعط منه ما شئت. فتركه رسول الله ﷺ حتى كان بعد الغد فقال: ما عندك يا ثمامة؟ قال: عندي ما قلت لك , إن تنعم تنعم على شاكر وإن تقتل تقتل ذا دم، وإن كنت تريد المال فسل تعط منه ما شئت. فتركه رسول الله ﷺ حتى كان الغد فقال: ما عندك يا ثمامة؟ قال: عندي ما قلت لك , إن تنعم تنعم على شاكر , وإن تقتل تقتل ذا دم , وإن كنت تريد المال فسل تعط منه ما شئت. فقال رسول الله ﷺ : أطلقوا ثمامة فانطلق إلى نخل قريب من المسجد فاغتسل ثم دخل المسجد فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله , يا محمد والله ما كان على الأرض أبغض علي من وجهك فقد أصبح وجهك أحب الوجوه كلها إلي، والله ما كان من دين إلي أبغض إلي من دينك فأصبح دينك أحب الدين كله إلي، والله ما كان من بلد إلي أبغض إلي من بلدك فأصبح بلدك أحب البلاد كلها إلي , وإن خيلك أخذتني وأنا أريد العمرة , فماذا ترى؟ فبشره رسول الله ﷺ وأمره أن يعتمر , فلما قدم مكة قال له قائل: صبوت، فقال: لا، ولكني أسلمت مع رسول الله ﷺ ولا والله لا تأتيكم من يمامة حبة حنطة حتى يأذن فيها رسول الله ﷺ ) [متفق عليه] . (١) .

стр. 11444

الأرض: وأما القسم الثالث من الغنائم والذي يتمثل في الأرض التي تؤخذ نتيجة الحرب والقتال فإن الإمام مخير فيها بين أمرين: الأول: أن يقسمها على المجاهدين. الثاني: أن تصبح وقفا على المسلمين. وإذا اختار الحالة الثانية فإنه يضرب على الأرض خراجًا مستمرًا يؤخذ ممن هي في يده سواء أكان مسلمًا أو ذميًّا، ويؤخذ هذا الخراج (الأجرة) كل عام ويقدر الخراج اجتهادًا بما يناسب المكان والزمان. وأصل الأمرين السابقين ما كان من فعل النبي ﷺ في خيبر حيث قسمت من المجاهدين بعد أحد ضمها لله وله (١) . عملًا بقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ فهذه آية الغنيمة. وما كان من فعل عمر بن الخطاب ﵁ عملًا بقوله تعالى: ﴿مَّا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاء مِنكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ وهذه آية الفيء. ولذلك فإن عمر تأول الآية حين ذكر الأموال وأصنافها فقال: استوعبت هذه الآية الناس. روى أبو عبيدة في الأموال أن عمر بن الخطاب قدم الجابية فأراد قسمة الأرض بين المسلمين , فقال له معاذ: والله ليكونن ما تكره، إنك لو قسمتها اليوم صار الريع العظيم في أيدي القوم، ثم يبيدون فيصير ذلك إلى الرجل الواحد والمرأة، ثم يأتي بعدهم قوم يسدون من الإسلام مسدًّا، وهم لا يجدون شيئًا، فانظر أمرًا يسع أولهم وآخرهم، فصار عمر إلى قول معاذ (٢) . وذكر أبو يوسف في الخراج أن الذي اشار على عمر بترك قسمة أراضي العراق والشام هو عبد الرحمن بن عوف (٣) . ولا يمنع أن يكون الصحابيان قد أشارا بهذا الرأي السديد والمفيد وأخذ بقوليهما عمر، وهذا دليل على اجتهاد الصحابة رضوان الله عليهم وتحريهم ما ينفع المسلمين في كل عصر، وقد دربهم الرسول الكريم وعلمهم ذلك. وكتب عمر بذلك إلى سعد بن أبي وقاص: انظر ما جلب عليك إلى العسكر من كرائم أو مال فأقسمه بين من حضر من المسلمين، واترك الأرضين والأنهار لعمالها فيكون ذلك من أعطيات المسلمين، فإنك إن قسمتها بين من حضر لم يكن لم نبقي بعدهم شيء. (٤) . ووقف عمر جميع الأراضي التي فتحت عنوة، الشام والعراق، ومصر، وسائر ما فتحه، وقال: "لولا آخر الناس لقسمت الأراضي كما قسم رسول الله ﷺ خيبر ". (٥) واجتهاد عمر والصحابة ـ في هذا الموقف ـ قائم على مراعاة المصلحة وتغير بعض الظروف، وظل مراعيًا لهدي رسول الله ﷺ وسنته فقد ثبت أنه جمع مع هذا الوقف استطابة نفوس القائمين باعتبار أن هذا حقهم كما فعل الرسول ﷺ في خيبر.

стр. 11445

وقد ذهب إلى هذا جماعة منهم ابن حزم فقالوا: إن عمر لم يوقف هذه الأرض إلا بعد أن استطاب نفوس القائمين وأرضاهم، واستدلوا على ذلك بأن جرير بن عبد الله البجلي لما قدم على عمر من قومه يريد الشام وجهه عمر إلى الكوفة بعد مقتل أبي عبيدة، وقال له: هل لك في الكوفة، وانفلك الثلث بعد الخمس، من كل أرض أو شيء؟ قال: نعم، فبعثه. (١) وكانت بجيلة ربع الناس يوم القادسية، فجعل عمر لهم ربع السواد، فأخذوه سنتين أو ثلاثا , فوفد عمار بن ياسر إلى عمر، ومعه جرير بن عبد الله البجلي , فقال عمر لجرير: يا جرير، لولا أني قاسم مسؤول لكنتم على ما جعل لكم، وأرى الناس قد كثروا فأرى أن ترده عليهم، ففعل جرير ذلك، فأجازه عمر بثمانين دينارًا (٢) . وقالت أم كرز البجلية: يا أمير المؤمنين إن أبي هلك وسهمه ثابت في السواد، وإني لن أسلم، فقال لها عمر: يا أم كرز إن قومك قد صنعوا ما قد علمت. فقالت: إن كانوا صنعوا ـ أي سلموا أراضيهم ـ فإني لست أسلم حتى تحملني على ناقة ذلول عليها قطيفة حمراء، وتملأ كفي ذهبًا، ففعل عمر، فكان الذهب الذي أعطاها نحوا من ثمانين دينارا. (٣) . قال ابن حزم: فهذا أصح ما جاء عن عمر في ذلك، وهو قولنا، فإنه لم يوقف حتى استطاب نفوس القائمين وورثة من مات منهم (٤) . وعلى ذلك يكون عمر قد جمع بين الدليلين، ولا يهتم بمخالفته لهدي رسول الله ﷺ . بل روى الإمام أحمد في مسنده وذكر ابن حزم في المحلى رجوع عمر بن الخطاب عن هذا التصرف ـ وهو إيقاف الأراضي ـ وأنه قال: لو عشت إلى هذا العام المقبل، لا تفتح للناس قرية إلا قسمتها بينهم كما قسم رسول الله ﷺ خيبر (٥) . فهذا ما كان من الحكم في الأرض التي تؤخذ أثناء الحرب أو بعده، وأما ما يتبع الآن استرشادا بما ذكر من أحكام فإن المجاهدين يحصلون في البلدان الإسلامية على رواتب ثابتة سواء حاربوا أم لم يحاربوا، وعلى ذلك فإن الغنيمة تدخل بيت المال لتجد طريقها إلى الإنفاق العام على الأمة كلها.

стр. 11446

وهذه الأحكام التي تتعلق بالآثار المترتبة على الجهاد وفي حالة انتصار المسلمين، أما إذا حدث تقصير من قبل المجاهدين في جانب من الجوانب وأصابهم القرح وحدثت فيهم الهزيمة؛ فإن الإسلام يوجه أتباعه بتوجيهات سبق ذكرها في خلق الجهاد من الثبات والصبر وعدم اليأس ومحاسبة النفس وتدارك التقصير، وجمع الشمل ومواصلة الجهاد. وأما الجديد الذي يمكن أن يحدث فقد يقع في يد العدو أسرى من المسلمين، وفي هذه الحالة ينبغي أن يبذل الإمام كل الجهد في تخليص الأسرى حتى لا يفتنوا في دينهم، وحتى لا يتعرضوا للأذى وهم في قبضة عدوهم. قال عمر بن الخطاب ﵁: "لأن أستنقذ رجلًا من المسلمين من أيدي الكفار أحب إلي من جزيرة العرب" (١) . وقد يكون ذلك الإنقاذ بتبادل الأسرى، أو بالفداء، فإن اقتداه بالمال كان فداؤه من بيت مال المسلمين؛ لأنه كان يدافع عنهم، قال عمر بن الخطاب ﵁: "كل أسير في أيدي المشركين من المسلمين ففكاكه من بيت مال المسلمين " (٢) .

стр. 11447

الفصل الخامس العلاقات الدولية في الإسلام إذا كان الإنسان اجتماعيًّا بفطرته ولا يستطيع العيش وحده، فإن الجماعات البشرية التي تأخذ مسميات تدل على حجم كل جماعة من بطن وعشيرة وقبيلة ودولة؛ لا تستطيع كذلك العيش دون روابط تلتقي بها وتتبادل المنافع فيما بينها، فهذه سنة الله في خلقه، ولترشيد هذه العلاقات بين الأفراد والجماعات كانت التوجيهات والأحكام المفصلة في وحي الله لتكون الروابط قوية ولتتكامل المنافع في أحسن صورة. ولهذا وجدنا عناية الإسلام بالأمة التي استجابت لوحي ربها، وأسلمت وجهها له تصل بالأمة إلى تحقيق الوحدة العضوية التي عبر عنها رسول الله ﷺ أصدق تعبير في قوله: ((مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى)) (١) . وقامت هذه الوحدة العضوية على الأسس الآتية: ـ الأخوة في الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ . وهي أخوة أقوى من أخوة النسب. ـ ما يصحب هذه الأخوة من حقوق ومظاهر منها الحب في الله، ومنها التراحم والتكافل والتكامل الذي يحقق وحدة الأمة في أحسن صورها: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ (٢) . وكما جاء في وصفها: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ (٣) .

стр. 11448

وعلى ذلك نقول: "إن الأسس التي جعلها الله تعالى في العلاقة بين الإنسان وغيره لا تمثل كما يزعم المغرضون "تكوين عنصرية جديدة تقوم على أساس العقيدة" ولكن تحقيق مفهوم الوحدة الحقيقية بين المؤمنين يأتي ثمرة طبيعية لاستجابة المؤمنين وليست تكوينًا عنصريًّا، وتتجه الأمة المؤمنة نحو غيرها من الجماعات البشرية الأخرى لتحقق معها علاقات يؤسسها الإسلام على ما يلي: "أسس العلاقات بين الجماعات البشرية". ١ ـ التذكير بالأصل الواحد الذي يرجع إليه البشر جميعا، فعلى الرغم من وجود هذه الحقيقة إلا أن الناس تطغى عليهم نزعات كثيرة نفعية تنسيهم هذا الأصل، ويتعاملون بمنطق العداوة والبغضاء، ولذلك فإن الإسلام يُذكر الناس بأنهم لآدم: ((كلكم بنو آدم وآدم من تراب)) (١) . ويأتي هذا التذكير مقرونًا بما يجعله تذكيرًا مؤثرًا إيجابيًّا فيصحب بالأمر بتقوى الله التي هي جماع كل خير فيقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنهَا زَوجَهَا وَبَثَّ مِنهُمَا رِجَالا كَثِيرا وَنِسَاء وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيكُمْ رَقِيبًا﴾ (٢) . فالخطاب ـ هنا ـ للناس جميعًا أن يتقوا الله، وتكرار التقوى مع ما يتبع الأمر بها في الموضعين له دلالة أخرى في أنه لن يستطيع هذا الإنسان أن يفيد من هذا التذكير بالانتماء إلى الأصل الواحد إلا إذا حقق هذه القيمة في نفسه واستجاب لهدي ربه. فالتذكير الأول بالخلق بنفس واحدة، ومنها ليس بعيدا عنها كان الخلق لزوجها، تأكيدًا لوحدة الأصل، منهما كان البعث والانتشار. ولما كان هذا الانتشار نقيض التفرق المكاني في أرض الله الواسعة كان الأمر الثاني والذي سبق أيضا بتقوى الله أن تبقى الناس قطيعة الأرحام، ويجعل الإسلام صلة الرحم من الفرائض التي لا غنى للمجتمع عنها فيبشر الواصلين لأرحامهم بالوصل من الله لهم، ويحذر من القطيعة ويعدها فسادًا في الأرض قال تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (٢٢) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾ (٣) .

стр. 11449

٢ ـ الحق: فيقيم الإسلام هذه العلاقة على هذا المبدأ العظيم الذي يقوم عليه أمر هذه العلاقة، فلا يسمح للباطل أن يتسرب إليها؛ لأن الباطل يتبعه مفاسد أخرى في علاقة الإنسان بغيره. فالتصورات الباطلة، والعقيدة الفاسدة تقسم الناس على معايير ظالمة لا أساس لها من الحق والواقع، فمن هذه المعايير الباطلة: أن يميز الفكر البشري إنسانًا على آخر على أساس جنسه ـ مثلًا ـ كما حدث في الفكر الروماني الذي نظر إلى الجنس الروماني على أنه جنس مقدس، وما عداه فليسوا إلا عبيدًا له، وكذلك الحال مع الجنس الآري، وامتد هذا الباطل وهذا الفساد لنجد له صدى لدى ورثة الفكر الروماني واليوناني من الأوروبيين والأمريكيين حيث تقسم الجنسيات تقسيما يتفق مع التقسيم السابق في درجات الجنسيات، ولم تسلم من هذه النظرة الباطلة الديانات التي عبثت فيها أيدي البشر، فاليهود ـ مثلا ـ في مقولاتهم التي ابتدعوها بهذا المنطق الباطل يرون أنهم أبناء الله وأحباؤه وأنهم شعبه المختار، وما عداهم فإنهم من الأميين الذي يستباحون في كل شيء. ومن العناصر الباطلة كذلك أن يقسم الناس على أساس بيئي أو قومي، فالذي ينتمي إلى أثينا ـ مثلا ـ انتماء أصيلًا كان يمثل العنصر السيد، ومن ينتمي إليها انتماء يقل عن ذلك يعد من الأجانب الذين لا يتمتعون بحقوق الطبقة الأولى. ومنها اعتبار اللون أساسًا لهذا التقسيم الباطل فلا يسند هذا التقسيم واقع تشريعي، ولا نتائج لبحوث تفيد أن اللون يكسب الإنسان خصائص معينة.. وعلى هذا الأساس الباطل وجدنا من آثار الفكر البشري الوضعي التفرقة بين البيض والسود، بل بين البيض والملونين ـ قديمًا وحديثًا ـ إلى صورة مزرية، يسقط فيها الفكر البشري عندما يغلف بالباطل هذا التقسيم، فيقول "منسكيو": "حاشا لله أن يجعل في هذا البدن الأسود ذي الأنف الأفطس روحًا". ومن هذه العناصر الظالمة التي لا سند لها ـ كذلك ـ من عقل نجد أرسطو الذي لقب بالمعلم من قبل الفلاسفة يبرر تقسيم البشر تبريرًا يدل على اتباع الهوى في الفكر فيرى: إن الله خلق الناس من فصيلتين: فصيلة مزودة بالعقل والإرادة، وفصيلة مزودة بالأجساد، ومقتضى هذا التقسيم أن الفصيلة الأولى تفكر، والفصيلة الثانية تنفذ، وامتد هذا الفكر السقيم لنجد أثره لدى الأوروبيين الذين يقسمون العالم هذا التقسيم بين عالم متقدم يمثل عالمه، وعالم متخلف، وقد يلقب تواضعا بالعالم النامي، فالعالم المتقدم هو الذي يفكر ويرسم السياسات، ويضع البرامج الاقتصادية، بل يفصل القيم الخلقية، وعلى العالم الآخر أن يستجيب وأن ينفذ وليس له أن يفكر، فضلًا عن أن يصدر فكرا، وهذا النظر الباطل يفسر لنا ظاهرة الإعراض العام من قبل هؤلاء عن التفكير في المبادئ التي يحملها أبناء هذا العالم المتخلف على الرغم من أنها وحي الله تعالى، ولا دخل بها للبشر.

стр. 11450

٣ ـ العدل: وهو من الأسس التي جعلها الإسلام ركيزة العلاقات بين الناس؛ لأن الظلم سبيل الشحناء والبغضاء وتمزيق هذه العلاقات.. وهذا العدل واجب التحقيق في التصور الإسلامي مهما اختلفت الجنسيات أو تباعدت الأماكن، أو اختلفت العقائد، وهذا ما يميز هذا التصور الإسلامي عن غيره من الأفكار البشرية التي تتورط في هذا الظلم نتيجة الوقوع في الباطل الذي سبق ذكره، فإن الظلم نتيجة حتمية للتصورات الباطلة، وتشقى البشرية عندما تصلى نار هذا الظلم , ففي البيئة الجاهلية وجدنا شاعرها زهير بن أبي سلمى يصور هذه القاعدة من الظلم في العلاقات في قوله: "ومن لا يظلم الناس يظلم". ولذلك تبع هذا الظلم كثير من التجاوزات نحو الضعفاء والفقراء ومن لا ينتمي إلى عصبية تدفع عنه هذا الظلم، والبيئات الأخرى ليست بأسعد حالًا من البيئة العربية في جاهليتها، فالتقسيمات السابقة في المجتمع اليوناني، والمجتمع الروماني، أوقعت هذا الظلم الفادح على طبقة المستضعفين، وقسمت الناس إلى سادة وعبيد، ووصل الأمر إلى حد التحريض من أرسطو على إحكام قبضة السادة على العبيد وألا تأخذهم الرأفة في إطلاق سراحهم إلا إذا حلت الآلة محلهم، كما لا يخفى أن الإنسان الذي يستعيد بسبب لونه أو بسبب انتمائه إلى جنس معين أو بيئة معينة قد وقع عليه ظلم كبير؛ إذ لا حيلة له في اختيار لونه أو جنسيته أو بيئته التي ولد فيها , فكيف يكون هذا أساسًا للتمايز بين البشر؟!
следующие страницы →