وهذه الأحكام التي تتعلق بالآثار المترتبة على الجهاد وفي حالة انتصار المسلمين، أما إذا حدث تقصير من قبل المجاهدين في جانب من الجوانب وأصابهم القرح وحدثت فيهم الهزيمة؛ فإن الإسلام يوجه أتباعه بتوجيهات سبق ذكرها في خلق الجهاد من الثبات والصبر وعدم اليأس ومحاسبة النفس وتدارك التقصير، وجمع الشمل ومواصلة الجهاد.
وأما الجديد الذي يمكن أن يحدث فقد يقع في يد العدو أسرى من المسلمين، وفي هذه الحالة ينبغي أن يبذل الإمام كل الجهد في تخليص الأسرى حتى لا يفتنوا في دينهم، وحتى لا يتعرضوا للأذى وهم في قبضة عدوهم.
قال عمر بن الخطاب ﵁: "لأن أستنقذ رجلًا من المسلمين من أيدي الكفار أحب إلي من جزيرة العرب" (١) .
وقد يكون ذلك الإنقاذ بتبادل الأسرى، أو بالفداء، فإن اقتداه بالمال كان فداؤه من بيت مال المسلمين؛ لأنه كان يدافع عنهم، قال عمر بن الخطاب ﵁: "كل أسير في أيدي المشركين من المسلمين ففكاكه من بيت مال المسلمين " (٢) .
стр. 11447
الفصل الخامس
العلاقات الدولية في الإسلام
إذا كان الإنسان اجتماعيًّا بفطرته ولا يستطيع العيش وحده، فإن الجماعات البشرية التي تأخذ مسميات تدل على حجم كل جماعة من بطن وعشيرة وقبيلة ودولة؛ لا تستطيع كذلك العيش دون روابط تلتقي بها وتتبادل المنافع فيما بينها، فهذه سنة الله في خلقه، ولترشيد هذه العلاقات بين الأفراد والجماعات كانت التوجيهات والأحكام المفصلة في وحي الله لتكون الروابط قوية ولتتكامل المنافع في أحسن صورة.
ولهذا وجدنا عناية الإسلام بالأمة التي استجابت لوحي ربها، وأسلمت وجهها له تصل بالأمة إلى تحقيق الوحدة العضوية التي عبر عنها رسول الله ﷺ أصدق تعبير في قوله: ((مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى)) (١) .
وقامت هذه الوحدة العضوية على الأسس الآتية:
ـ الأخوة في الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ .
وهي أخوة أقوى من أخوة النسب.
ـ ما يصحب هذه الأخوة من حقوق ومظاهر منها الحب في الله، ومنها التراحم والتكافل والتكامل الذي يحقق وحدة الأمة في أحسن صورها: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ (٢) .
وكما جاء في وصفها: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ (٣) .
стр. 11448
وعلى ذلك نقول: "إن الأسس التي جعلها الله تعالى في العلاقة بين الإنسان وغيره لا تمثل كما يزعم المغرضون "تكوين عنصرية جديدة تقوم على أساس العقيدة" ولكن تحقيق مفهوم الوحدة الحقيقية بين المؤمنين يأتي ثمرة طبيعية لاستجابة المؤمنين وليست تكوينًا عنصريًّا، وتتجه الأمة المؤمنة نحو غيرها من الجماعات البشرية الأخرى لتحقق معها علاقات يؤسسها الإسلام على ما يلي: "أسس العلاقات بين الجماعات البشرية".
١ ـ التذكير بالأصل الواحد الذي يرجع إليه البشر جميعا، فعلى الرغم من وجود هذه الحقيقة إلا أن الناس تطغى عليهم نزعات كثيرة نفعية تنسيهم هذا الأصل، ويتعاملون بمنطق العداوة والبغضاء، ولذلك فإن الإسلام يُذكر الناس بأنهم لآدم: ((كلكم بنو آدم وآدم من تراب)) (١) .
ويأتي هذا التذكير مقرونًا بما يجعله تذكيرًا مؤثرًا إيجابيًّا فيصحب بالأمر بتقوى الله التي هي جماع كل خير فيقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنهَا زَوجَهَا وَبَثَّ مِنهُمَا رِجَالا كَثِيرا وَنِسَاء وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيكُمْ رَقِيبًا﴾ (٢) .
فالخطاب ـ هنا ـ للناس جميعًا أن يتقوا الله، وتكرار التقوى مع ما يتبع الأمر بها في الموضعين له دلالة أخرى في أنه لن يستطيع هذا الإنسان أن يفيد من هذا التذكير بالانتماء إلى الأصل الواحد إلا إذا حقق هذه القيمة في نفسه واستجاب لهدي ربه.
فالتذكير الأول بالخلق بنفس واحدة، ومنها ليس بعيدا عنها كان الخلق لزوجها، تأكيدًا لوحدة الأصل، منهما كان البعث والانتشار. ولما كان هذا الانتشار نقيض التفرق المكاني في أرض الله الواسعة كان الأمر الثاني والذي سبق أيضا بتقوى الله أن تبقى الناس قطيعة الأرحام، ويجعل الإسلام صلة الرحم من الفرائض التي لا غنى للمجتمع عنها فيبشر الواصلين لأرحامهم بالوصل من الله لهم، ويحذر من القطيعة ويعدها فسادًا في الأرض قال تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (٢٢) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾ (٣) .
стр. 11449
٢ ـ الحق: فيقيم الإسلام هذه العلاقة على هذا المبدأ العظيم الذي يقوم عليه أمر هذه العلاقة، فلا يسمح للباطل أن يتسرب إليها؛ لأن الباطل يتبعه مفاسد أخرى في علاقة الإنسان بغيره.
فالتصورات الباطلة، والعقيدة الفاسدة تقسم الناس على معايير ظالمة لا أساس لها من الحق والواقع، فمن هذه المعايير الباطلة: أن يميز الفكر البشري إنسانًا على آخر على أساس جنسه ـ مثلًا ـ كما حدث في الفكر الروماني الذي نظر إلى الجنس الروماني على أنه جنس مقدس، وما عداه فليسوا إلا عبيدًا له، وكذلك الحال مع الجنس الآري، وامتد هذا الباطل وهذا الفساد لنجد له صدى لدى ورثة الفكر الروماني واليوناني من الأوروبيين والأمريكيين حيث تقسم الجنسيات تقسيما يتفق مع التقسيم السابق في درجات الجنسيات، ولم تسلم من هذه النظرة الباطلة الديانات التي عبثت فيها أيدي البشر، فاليهود ـ مثلا ـ في مقولاتهم التي ابتدعوها بهذا المنطق الباطل يرون أنهم أبناء الله وأحباؤه وأنهم شعبه المختار، وما عداهم فإنهم من الأميين الذي يستباحون في كل شيء.
ومن العناصر الباطلة كذلك أن يقسم الناس على أساس بيئي أو قومي، فالذي ينتمي إلى أثينا ـ مثلا ـ انتماء أصيلًا كان يمثل العنصر السيد، ومن ينتمي إليها انتماء يقل عن ذلك يعد من الأجانب الذين لا يتمتعون بحقوق الطبقة الأولى.
ومنها اعتبار اللون أساسًا لهذا التقسيم الباطل فلا يسند هذا التقسيم واقع تشريعي، ولا نتائج لبحوث تفيد أن اللون يكسب الإنسان خصائص معينة.. وعلى هذا الأساس الباطل وجدنا من آثار الفكر البشري الوضعي التفرقة بين البيض والسود، بل بين البيض والملونين ـ قديمًا وحديثًا ـ إلى صورة مزرية، يسقط فيها الفكر البشري عندما يغلف بالباطل هذا التقسيم، فيقول "منسكيو": "حاشا لله أن يجعل في هذا البدن الأسود ذي الأنف الأفطس روحًا".
ومن هذه العناصر الظالمة التي لا سند لها ـ كذلك ـ من عقل نجد أرسطو الذي لقب بالمعلم من قبل الفلاسفة يبرر تقسيم البشر تبريرًا يدل على اتباع الهوى في الفكر فيرى: إن الله خلق الناس من فصيلتين: فصيلة مزودة بالعقل والإرادة، وفصيلة مزودة بالأجساد، ومقتضى هذا التقسيم أن الفصيلة الأولى تفكر، والفصيلة الثانية تنفذ، وامتد هذا الفكر السقيم لنجد أثره لدى الأوروبيين الذين يقسمون العالم هذا التقسيم بين عالم متقدم يمثل عالمه، وعالم متخلف، وقد يلقب تواضعا بالعالم النامي، فالعالم المتقدم هو الذي يفكر ويرسم السياسات، ويضع البرامج الاقتصادية، بل يفصل القيم الخلقية، وعلى العالم الآخر أن يستجيب وأن ينفذ وليس له أن يفكر، فضلًا عن أن يصدر فكرا، وهذا النظر الباطل يفسر لنا ظاهرة الإعراض العام من قبل هؤلاء عن التفكير في المبادئ التي يحملها أبناء هذا العالم المتخلف على الرغم من أنها وحي الله تعالى، ولا دخل بها للبشر.
стр. 11450
٣ ـ العدل: وهو من الأسس التي جعلها الإسلام ركيزة العلاقات بين الناس؛ لأن الظلم سبيل الشحناء والبغضاء وتمزيق هذه العلاقات.. وهذا العدل واجب التحقيق في التصور الإسلامي مهما اختلفت الجنسيات أو تباعدت الأماكن، أو اختلفت العقائد، وهذا ما يميز هذا التصور الإسلامي عن غيره من الأفكار البشرية التي تتورط في هذا الظلم نتيجة الوقوع في الباطل الذي سبق ذكره، فإن الظلم نتيجة حتمية للتصورات الباطلة، وتشقى البشرية عندما تصلى نار هذا الظلم , ففي البيئة الجاهلية وجدنا شاعرها زهير بن أبي سلمى يصور هذه القاعدة من الظلم في العلاقات في قوله: "ومن لا يظلم الناس يظلم".
ولذلك تبع هذا الظلم كثير من التجاوزات نحو الضعفاء والفقراء ومن لا ينتمي إلى عصبية تدفع عنه هذا الظلم، والبيئات الأخرى ليست بأسعد حالًا من البيئة العربية في جاهليتها، فالتقسيمات السابقة في المجتمع اليوناني، والمجتمع الروماني، أوقعت هذا الظلم الفادح على طبقة المستضعفين، وقسمت الناس إلى سادة وعبيد، ووصل الأمر إلى حد التحريض من أرسطو على إحكام قبضة السادة على العبيد وألا تأخذهم الرأفة في إطلاق سراحهم إلا إذا حلت الآلة محلهم، كما لا يخفى أن الإنسان الذي يستعيد بسبب لونه أو بسبب انتمائه إلى جنس معين أو بيئة معينة قد وقع عليه ظلم كبير؛ إذ لا حيلة له في اختيار لونه أو جنسيته أو بيئته التي ولد فيها , فكيف يكون هذا أساسًا للتمايز بين البشر؟!
стр. 11451
٤ ـ أساس التفاضل في الإسلام: وأما أساس التفاضل في الإسلام فهو أساس عادل يتمثل فيما يستطيعه الإنسان من أعمال تسعده وتقدمه في حياته، فالإسلام واقعي في نظرته إلى الأشياء؛ لأنه وحي الله فلا يلقى وجود التفاضل والتمايز بين الناس، فالناس في الواقع ليسوا سواء , ولكن لا يجعل التفضيل قائمًا على الأسس السابقة الظالمة التي لا دخل للإنسان فيها، وإنما يجعله في قيمة جامعة لكل خصال الخير والبر ظاهرًا وباطنصا، وهي قيمة التقوى، فيقول جل شأنه: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (١) .
فمن أراد أن يكون فاضلًا فإن فضله ورقيه وقربه من ربه بمقدار ما يحصل من معاني التقوى، ولا شك أن هذا الأساس يدفع البشرية إلى التسابق في الخيرات وترك المنكرات، وهذا في صالحها، وفي الوقت الذي يدعم فيه الإسلام هذه القيمة يرد على الادعاءات الباطلة في التفاضل الظالم , مثال ذلك قوله ﵎: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ (٢) .
ومن مجموعة هذه الأسس وغيرها يتضح لنا كيف يهدف الإسلام في علاقة الإنسان بغيره إلى تحقيق الأمن والسلم والحياة الطيبة للأفراد والجماعات , فيحيل المجتمعات البشرية من العداوة والبغضاء إلى أن يكونوا بنعمة الله إخوانًا.
стр. 11452
السبيل العملي في بيان علاقة الدولة المسلمة بغيرها:
ولقد سلك رسول الله ﷺ السبيل العملي في بيان علاقة الدولة المسلمة بغيره من الدول المخالفة في الدين ليتضح أمام العالمين أن دولة الإسلام تتسع لعلاقات سلمية مع الدول المخالفة، بل وتتسع الدولة الإسلامية نفسها للتعايش مع المخالفين في الدين ما داموا مسالمين قال تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (١) .
وقد كتب رسول الله ﷺ كتابًا بين المهاجرين والأنصار وادع فيه يهودًا وعاهدهم، وأقرهم على دينهم وأموالهم، وشرط لهم واشترط عليهم، وهاذ نص الكتاب:
((بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من محمد النبي ﷺ بين المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب، ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم، إنهم أمة واحدة من دون الناس، المهاجرون من قريش على ربعتهم يتعاقلون بينهم، وهم يفدون عانهيم (٢) . بالمعروف والقسط بين المؤمنين، وبنو ساعدة على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين.
وبنو الحارث على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين.
وبنو جشم على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة منهم تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين.
وبنو النجار على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة منهم تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين.
وبنو عمرو بن عوف على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة منهم تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين.
وبنو النبيت على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة منهم تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين.
وبنو الأوس على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة منهم تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين، وأن المؤمنين لا يتركون مقرحًا (٣) بينهم أن يعطوه بالمعروف في فداء أو عقل، وأن لا يحالف مؤمن قول مؤمن دونه، وأن المؤمنين المتقين على من بغى منهم، أو ابتغى دسيعة (٤) ظلم أو إثم، أو عدوان أو فساد بين المؤمنين وأن أيديهم عليه جميعًا، ولو كان ولد أحدهم، ولا يقتل مؤمن مؤمنا في كافر، ولا ينصر كافر على مؤمن، وأن ذمة الله واحدة , يجير عليهم أدناهم، وأن المؤمنين بعضهم موالي بعض دون الناس، وأنه من تبعنا من يهود فإن له النصر والأسوة غير مظلومين، ولا متناصرين عليهم، وأن سلم المؤمنين واحدة لا يسالم مؤمن دون مؤمن في قتال في سبيل الله، إلا على سواء عدل بينهم، وأن كل غازية غزت معنا يعقب بعضها بعضًا، وأن المؤمنين يبنئ بعضهم على بعض بما نال دماءهم في سبيل الله، وأن المؤمنين المتقين على أحسن هدي وأقومه، وأنه لا يجير مشرك مالًا لقريش ولا نفسًا، ولا يحول دونه على مؤمن، وأنه من اعتبط (٥) مؤمنًا قتلًا عن بينة فإنه قود به إلا أن يرضى ولي المقتول، وأن المؤمنين عليه كافة، ولا يحل لهم القيام عليه، وأنه لا يحل لمؤمن أقر بما في هذه الصحيفة وآمن بالله واليوم الآخر، أن ينصر محدثًا ولا يؤويه، وأنه من نصره أو آواه فإن عليه لعنة الله وغضبه يوم القيامة، ولا يؤخذ منه صرف ولا عدل، وأنكم مهما اختلفتم فيه من شيء فإن مرده إلى الله , وأن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين , لليهود دينهم، وللمسلمين دينهم، مواليهم، وأنسهم، إلا من ظلم وأثم، فإنه لا يوتغ (٦) إلا نفسه، وأهل بيته، وأن ليهود بني النجار مثل ما ليهود بني عوف، وأن ليهود بني الحارث مثل ما ليهود بني عوف , وأن ليهود بني ساعدة مثل ما ليهود بني عوف، وأن ليهود بني جشم مثل ما ليهود بني عوف، وأن ليهود بني الأوس مثل ما ليهود بني عوف، وأن ليهود بني ثعلبة مثل ما ليهود بني عوف، إلا من ظلم وأثم فإنه لا يوتغ إلا نفسه وأهل بيته، وأن حفنة بطن من ثعلبة كأنفسهم، وأن لبني الشطيبة مثل ما ليهود بني عوف، وأن البر دون الإثم، وأن موالي ثعلبة كأنفسهم، وأن بطانة يهود كأنفسهم، وأنه لا يخرج منهم أحد إلا بإذن محمد ﷺ وأنه لا ينحجز على ثأر جرح، وأنه من فتك فبنفسه فتك وأهل بيته، إلا من ظلم، وأن الله على أبر هذا (٧) , وأن على اليهود نفقتهم وعلى المسلمين نفقتهم، وأن بينهم النصر على من حارب هذه الصحيفة، وأن بينهم النصح والنصيحة، والبر دون الإثم، وأنه لم يأثم أمرؤ بحليفه، وأن النصر للمظلوم، وأن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين، وأن يثرب حرام جوفها لأهل هذه الصحيفة، وأن الجار كالنفس غير مضار ولا آثم، وأنه لا تجار حرمة إلا بإذن أهلها، وأنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يخاف فساده، فإن مرده إلى الله وإلى محمد ﷺ وأن الله على أتقى ما في هذه الصحيفة وأبره، وأنه لا تجار قريش ولا مَن نَصَرَها، وأن بينهم النصر على دهم يثرب، وإذا دعوا إلى صلح يصالحونه ويلبسونه فإنهم يصالحونه ويلبسونه، وأنهم إذا دعوا إلى مثل ذلك فإنه لهم على المؤمنين، إلا من حارب في الدين، على كل أناس حصتهم من جانبهم الذي قبلهم، وأن يهود الأوس، مواليهم وأنفسهم على مثل ما لأهل هذا الصحيفة مع البر المحصن من أهل هذه الصحيفة)) .
стр. 11453
قال ابن هشام: ويقال: مع البر المحسن من أهل هذه الصحيفة.
قال ابن إسحاق: "وأن البر دون الإثم، لا يكسب كاسب إلا على نفسه، وأن الله على أصدق ما في هذه الصحيفة وأبره، وأنه لا يحول هذا الكتاب دون ظالم وآثم، وأنه من خرج آمن، ومن قعد بالمدينة، إلامن ظلم أو أثم، وأن الله جار لمن بر واتقى، ومحمد رسول الله ﷺ " (١) .
فهذه الصحيفة التي كتبت عند قدومه ﷺ إلى المدينة المنورة وثيقة تحكم العلاقات بين جميع أفراد الأمة من ناحية، وبين الأمة المسلمة ورعاياها المقيمين داخل الدولة المسلمة، وبين الدولة المسلمة والدول الأخرى من المخالفين في الدين من ناحية أخرى.
لقد حددت الصحيفة عناصر قيام الأمة، وعناصر قيام الدولة، وبينت طبيعة الروابط التي يمكن أن تقوم بينها، وطبيعة العلاقة بين المسلمين وغيرهم ممن يعيشون معهم في المدينة وهم اليهود. كما اهتمت بتنظيم عنصر السلطة والسيادة في الدولة الناشئة وحددت معالم هذه السيادة (٢) .
كما حددت الصحيفة في وقت مبكر العلاقات التي يجب أن تكون بين أهل الصحيفة وبين الوحدات الأخرى ذات الطبيعة الدولية , وأن هذه العلاقات علاقات سلم ما عدا الأعداء من قريش لما كان منهم من محاربة وعداء وإصرار على فتنة المؤمنين عن دينهم، وسلب أموالهم، ولذلك منعت الصحيفة التعامل معهم، أو إجارتهم في المدينة.
стр. 11454
لقد بينت الصحيفة ـ باعتبارها أول وثيقة لتحديد صورة العلاقات بين عناصر الدولة المسلمة في داخلها وعلاقتها بالدول الأخرى ـ المكانة التي يتمتع بها المخالفون في الدين داخل الدولة المسلمة، وبعبارة أخرى مكانة الأقليات داخل المجتمعات المسلمة، فإن نصوص الصحيفة تذكر المؤمنين والمسلمين من قريش وأهل يثرب وتذكر معهم من تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم , وأنهم أمة واحدة من دون الناس. ويفهم من هذا النص أن اللحاق والتبعية تفي الدخول في الإسلام، وتتسع كذلك لتشمل من يلحق بهم ويتبعهم وإن لم يسلم، والدليل على ذلك ما جاء في الصحيفة ـ أيضا ـ من أن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين، لليهود دينهم، وللمسلمين دينهم، مواليهم وأنفسهم، إلا من ظلم وأثم فإنه لا يوتغ إلا نفسه وأهل بيته.
وفصلت النصوص التالية لهذا التقرير المساواة بين فرق اليهود المذكورة ويهود بني عوف في كافة الحقوق.
فالطوائف التي تعيش بالمدينة تلحق بالأمة المسلمة ولها حقوقها وعليها واجباتها فما ذكر في الصحيفة:
ـ من تبعنا من يهود فإن له النصرة والأسوة غير مظلومين ولا متناصر عليهم.
ـ لا يحول هذا الكتاب دون ظالم أو آثم، وأنه من خرج من المدينة آمن، ومن قعد آمن، إلا من ظلم وأثم.
ـ أن بينهم النصر على من دهم يثرب، وأن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة، وأن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين.
فهذه النصوص تدل بصراحة على اتساع الدولة المسلمة للمخالفين لها بهذا البيان ما داموا مسالمين وليسوا ناقضين لما يتفق عليه مما لهم ومما عليهم.
ويبقى هذا الكلام مع ديار الإسلام جميعًا مع مراعاة التفصيل الذي ذكرناه في حكم مكة والمدينة (١) .
وإلى هذه النتيجة التي نقررها يصل الأستاذ عبد المجيد محمود في محاضرة قيمة ألقاها بقسم الثقافة الإسلامية تحت عنوان: تعامل المسلمين مع مخالفيهم في الدين فيقول: " ومن هذا نرى أن الطوائف غير المسلمة تتمتع في الدولة الإسلامية، بما يتمتع المسلمون فيها من الحقوق المدنية، والدينية، يساسون بالعدل والرحمة ما وفوا بعهودهم، ولا تحول مخالفتهم في الدين دون العدل معهم والرحمة بهم، ومنحهم حريتهم الدينية والشخصية.
стр. 11455
وقد روى البخاري ((أن النبي ﷺ عامل يهود خيبر على أن يزرعوها ولهم شطر ما يخرج منها، فأرسل إليهم عبد الله بن رواحة ليخرص النخل، ويقدر الأوساق الواجبة عليهم، فأراد اليهود أن يعطوا عبد الله بن رواحة هدية أو رشوة ليخفف عنهم، ويقلل ما يأخذه من خراج أرضهم فقال عبد الله مستنكرا صنيعهم: تطعمونني السحت؟ والله لقد جئتكم من عند أحب الناس إلي ـ يعني رسول الله ﷺ ولا أنتم أبغض إلي من القردة والخنازير، ولا يحملني بغضي إياكم على ألا أن أعدل فيكم. فقالوا: بهذا قامت السماوات والأرض)) (١) .
ويقول: "ومن هذا يتبين أن الذمي مواطن في الدولة الإسلامية تكفل له الدولة حفظ ماله ونفسه، وتضمن له حريته الدينية والشخصية، وسلامة أماكن العبادة التي يتعبد فيها".
وبلغ من الاهتمام بالمحافظة على حريته الدينية والشخصية أن تقررت بين الفقهاء قاعدة تقول: " أمرنا أن نتركهم وما يدينون ".
كما بلغ من عناية الإسلام بحريتهم الدينية أن ترك لهم نظام الأسرة من زواج وطلاق وميراث يتبعون فيه ما يعتقدونه دينًا لهم، ولو كان مخالفًا لأحكام الإسلام في نظام الأسرة.
لقد كتب الخليفة عمر بن عبد العزيز إلى الحسن البصري مستفتيًا: "ما بال الخلفاء الراشدين تركوا أهل الذمة وما هم عليه من نكاح المحارم واقتناء الخمور والخنازير؟ " فأجابه الحسن البصري: "إنما بذلوا الجزية ليتركوا وما يعتقدونه، وإنما أنت متبع لا مبتدع".
وهذه الميزات التي يتمتع بها الذمي في دولة الإسلام لا يوجد لها نظير في قوانين العالم الحديث فضلًا عن القديم، فالمسلم المقيم في فرنسا أو إنجلترا أو روسيا أو غيرها ويتجنس بجنسيتها، يخضع في الأحوال الشخصية للقانون المحلي ـ هناك ـ فإن تزوج مسلم أكثر من واحدة فزواجه باطل، وقديحاكم على ذلك كمجرم.
والدول المعاصرة جميعًا لا تجعل لأي طائفة من طوائفها ميزة خاصة في تعاملها، وخصوصًا في نظام الأسرة؛ لأن نظم الأسرة فيها تتعلق بالنظام العام، لا يجوز الاتفاق على ما يخالفها، ولكن الدول الإسلامية لا تزال تعطي رعاياها حق التقاضي على مقتضى دينهم بالنسبة للأسرة، وهذه الميزة لا توجد إلا في البلاد الإسلامية والقوانين الإسلامية، ولا تعامل الدولة الإسلامية غيرها بالمثل في هذا الشأن؛ لأن نظامها ينبع من تعاليم الدين وسماحته لا من نزوات النفوس وحماقة العصبية (٢) .
стр. 11456
وأما علاقة الدولة المسلمة بالدول الأخرى فإنها كذلك علاقات تقوم على أساس السلم، وتشهد الصحيفة على ذلك وأما ما ذكر من العداء لقريش فباعتبارها عدوًّا للمسلمين حاربتهم وصادرت أموالهم وتصر على دوام المحاربة، من أجل هذا كان النص في الصحيفة وأنه "لا يجير مشرك مالا لقريش، ولا يحول دونه على مؤمن".
وأما النص الذي في الصحيفة وفيه دلالة على ما نقول لهو: " ... وإذا دعوا إلى صلح يصالحونه ويلبسونه فإنهم يصالحونه ويلبسونه، وأنهم إذا دعوا إلى مثل ذلك فإنه لهم على المؤمنين، إلا من حارب في الدين ".
ومعنى ذلك أن المسلمين عليهم أن يقبلوا التحالف مع اليهود وقبائل من غير المسلمين إذا ما وافق اليهود على محالفة حلفاء المسلمين من غير المسلمين، ولا يكون هذا التحالف إلا إذا كان الإسلام يجيز التعامل مع غير المسلمين ممن لا يقيمون في الدولة الإسلامية (١) .
وقد قبل الرسول ﷺ هدايا من أمراء الدول الكافرة، وبادل المسلمون والكفار الهدايا، فقد روى أحمد والترمذي عن علي ﵁ قال: ((أهدى كسرى لرسول الله ﷺ فقبل منه، وأهدى له قيصر فقبل منه، وأدت له الملوك فقبل منها)) .
وقال النبي ﷺ لبلال فيما رواه أبو داود: ((ألم تر إلى الركائب المناخات الأربع؟ فإن لك رقابهن وما عليهن، فإن عليهن كسوة وطعامًا، أهداهن إلي عظيم فدك فاقبضهن واقض دَيْنَك)) .
وأهدى صاحب أيلة إلى النبي ﷺ بغلة بيضاء.
وأهدى أمير القبط إلى النبي ﷺ جاريتين وبغلة، فكان يركب البغلة بالمدينة، وأخذ إحدى الجاريتين لنفسه فولدت له إبراهيم، ووهب الأخرى لحسان.
وكذلك تبادل المسلمون والكفار الهدايا.
((فقد رأى عمر حلة من حرير تباع، فقال للنبي ﷺ : ابتع هذه الحلة تلبسها يوم الجمعة، وإذا جاءك الوفد. فقال: إنما يلبس هذه من لا خلاق له في الآخرة.
ثم أتى رسول الله ﷺ بحلل فأرسل إلى عمر منها بحلة , فقال عمر: كيف ألبسها وقد قلتَ فيها ما قلت؟ قال: إني لم أكسكها لتبسها، تبيعها أو تكسوها. فأرسل عمر بها إلى أخ له من أهل مكة قبل أن يسلم.)) [رواه البخاري] .
وعن أسماء بنت أبي بكر قالت: ((أتتني أمي راغبة في عهد قريش، وهي مشركة، فسألت النبي ﷺ : أَصِلُها؟ قال: نعم)) متفق عليه.
وجاء في روايات أخرى أن أم أسماء قدمت بهدايا من أقط وخباب، وأن أسماء توقفت عن قبولها حتى تستأذن النبي ﷺ فأذن لها (٢) .
فهذا موقف الإسلام من العلاقات الدولية بين الدول المسلمة وغيرها؛ إنه يجعلها علاقات قائمة على السلم ومحققة للعدل والمساواة؛ لأن الإسلام ينظر إلى المخالفين على أنهم في حاجة إلى هداية وإرشاد وتوجيه، وخير سبيل لهذا التوجيه والإرشاد والدعوة أن تكون العلاقات آمنة وأن يكون السلم قائما.
стр. 11457
موقف الإسلام من المنظمات الدولية:
وإذا كان الإسلام يؤسس العلاقات الدولية على الأسس العادلة السابقة فإنه يرحب ويشجع كل ما يحقق للمجتمعات البشرية أمنها وسلمها الحقيقي فإذا أدرك الناس خطورة الحرب فيما بينهم ووجدوا أن السبيل إلى تحجمها في تكوين منظمات تضم مجموعة الدول التي ترتضي فيما بينها ما يحقق قواعد العدل والحق والمساواة فإن الإسلام يربط على أيديهم ويعينهم على ذلك بمنهجه الرشيد وكماله الذي لا يشوبه الهوى.
وننطلق في تقريرنا لهذه القاعدة من موقف رسول الله ﷺ أمام تجمع تحقق قبل الإسلام ليحقق أغراضًا يقرها الإسلام في نصرة المظلوم والأخذ على يد الظالم، وشارك فيه رسول الله ﷺ وبيّن أنه لو دعي إليه في الإسلام لأجاب، قال رسول الله ﷺ : ((لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفًا، ما أحب أن لي به حمر النعم، ولو أدعى به في الإسلام لأجبت)) (١) .
ويشترط لمثل هذه المنظمات أن تكون في أسس قيامها، وفيما ترتضيه من مبادئ وقيم تسير عليها موافقة لما جاء به الإسلام من مبادئ الحق والعدل والمساواة وما يحقق الأمن الحقيقي والسلم في حياة الناس دون استثناء.
ولهذا فكل عمل تلتقي فيه الجهود لتحقيق السلام العادل والتقدم المتوازن والسعادة للبشرية فإن الإسلام يمد يده إليه ويزيده ترشيدًا بما يحقق الخير في الدنيا والآخرة.
стр. 11458
منظمة الأمم المتحدة:
وإذا كان حلف الفضول نتيجة بما تفشى في العصر الجاهلي من ظلم الأقوياء للضعفاء , وشارك فيه رسول الله ﷺ قبل البعثة , فإن الحروب التي صلى الناسَ نارها في العصر الحديث ومنها الحربان العالميتان جعلت الدول تفكر في إنشاء منظمة دولية عالمية تعمل على حفظ السلم والأمن الدولي، وإنما العلاقات الودية بين الأمم، وتحقيق التعاون الدولي في جميع المجالات، وجعل الأمم المتحدة مركزًا لتنسيق أعمال الأمم. فكانت هذه هي الأهداف التي أنشئت من أجلها منظمة الأمم المتحدة، وبدأ هذا التنظيم من التصريح الذي تم توقيعه في ١٢ يونيو ١٩٤١م في لندن بالمملكة المتحدة وفي أواخر عام ١٩٤١م أصدرت الولايات المتحدة الأمريكية تصريحًا يحمل اسم تصريح الأمم المتحدة في صورة اتفاق دولي قامت بتوقيعه ١٩٤٢م ست وعشرون دولة، وفي ٣١ أكتوبر ١٩٤٧م قررت الجمعية العامة اعتبار ٢٤ أكتوبر من كل عام العيد السنوي لميلاد الأمم المتحدة باسم يوم الأمم المتحدة (١) .
فإذا كانت نشأة الأمم الممتحدة مقترنة بالحروب الدامية، وقامت لتحقق الأهداف السابقة فإنها تجد من الإسلام التأييد والموافقة مع ترشيد عملها، وبيان منهجه الذي يزيد على ذلك ـ كما أشرنا ـ في أن الأخذ به يحقق خيري الدنيا والآخرة.
كما أن الإسلام يحذر من أن تكون المبادئ والأهداف المعلنة منفصلة عن التطبيق العملي فإذا كان من المبادئ المعلنة:
ـ المساواة في السيادة بين الدول.
ـ التسوية السلمية للمنازعات الدولية.
ـ خطر استخدام القوة في العلاقات الدولية.
ـ معاونة الأعضاء للأمم المتحدة.
ـ عدم التدخل في الشؤون التي تكون من السلطان الداخلي للدول الأعضاء (٢) . وإذا كانت هذه المبادئ النظرية فإن الإسلام لا يفصل بين النظرية والتطبيق.
ولما كان واقع الدول البعيدة عن هداية الإسلام تغليب المصالح الخاصة وجدنا قصورًا في التطبيق في كثيرة من القضايا التي تتعلق بتحرير الشعوب الضعيفة والفقيرة من سيطرة الدول المستعمرة مما جعل منظمات دولية أخرى تنشأ لتحقيق مصالح تخص هذه المنظمات.
فمن هذه المنظمات:
١ ـ منظمة المؤتمر الإسلامي.
٢ ـ منظمة الوحدة الأفريقية.
стр. 11459
منظمة المؤتمر الإسلامي:
ولقد نشأ التفكير في إنشاء منظمة تجمع الدول الإسلامية وسط المحاولات الجادة والمغرضة في احتواء العالم الإسلامي, وتكبيله وجعله تابعًا للقوى الكبرى في عالمنا المعاصر، فكانت الأهداف ـ التي جعلت التفكير ينمو حتى تم إنشاء المنظمة يتلخص فيما يلي:
ـ تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء في المجالات المختلفة، والتشاور بين الدول الأعضاء في المنظمات الدولية.
ـ العمل على محو التفرقة العنصرية والقضاء على الاستعمار في جميع أشكاله.
ـ اتخاذ التدابير اللازمة لدعم السلام والأمن الدوليين القائمين على العدل.
ـ تنسيق العمل من أجل الحفاظ على سلامة الأماكن المقدسة وتحريرها ودعم كفاح الشعب الفلسطيني ومساعدته على استرجاع حقوقه وتحرير أراضيه.
ـ دعم كفاح جميع الشعوب الإنسانية.
ـ إيجاد المناخ لتعزيز التعاون والتفاهم بين الدول الأعضاء والدول الأخرى (١) .
وأما المبادئ التي قامت عليها منظمة المؤتمر الإسلامي فتتمثل فيما يلي:
ـ المساواة التامة بين الدول الأعضاء.
ـ احترام حق تقرير المصير وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأعضاء.
ـ احترام سيادة واستقلال ووحدة أراضي كل دولة عضو في المنظمة.
ـ حل ما قد ينشأ من منازعات فيما بين الدول الأعضاء في المنظمة بحلول سلمية.
ـ إقناع الدول الأعضاء في علاقتها عن استخدام القوة ضد وحدة وسلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي لأية دولة عضو.
فهذه الأهداف مع تلك المبادئ تتفق مع توجيهات الإسلام وينقصها الجمع بين النظرية والتطبيق.
وإذا كانت هذه المنظمة قد جمعت الدول الإسلامية على أساس أنها تلتقي جميعًا على الإسلام فكما رأينا ليست الغاية تحقيق عنصرية أو عصبية، ولكن كان من بين الأهداف تعزيز العلاقات بين الدول الإسلامية الأعضاء والدول الأخرى، وأن العلاقة تقوم على أصل السلم وهذا ما يتفق مع ما قررناه من منهج الإسلام في العلاقات الدولية.
стр. 11460
منظمة الوحدة الأفريقية:
وهناك منظمة أخرى تقوم على الرابطة الجغرافية إذ إنها تربط بين دول تقع كلها في قارة واحدة وهي قارة أفريقيا.
وتعود فكرة إنشاء هذه المنظمة إلى كون القارة الأفريقية قد وقعت فريسة للسيطرة الاستعمارية التي طمعت في ثرواتها وفرقت شعوبها، وكان من أهداف هذه المنظمة:
ـ دعم تضامن الشعوب الأفريقية والتشجيع على وحدة الدول الأفريقية.
ـ دعم وتشجيع التعاون في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية ...
ـ الحفاظ على استقلال الدول أعضاء المنظمة وسلامة أراضيها.
ـ التعاون مع الدول غير الأفريقية والمنظمات الدولية الأخرى وبخاصة الأمم المتحدة (١) .
وأما المبادئ التي قامت عليها المنظمة فتتخلص فيما يلي:
ـ المساواة بين الدول الأعضاء.
ـ احترام سيادة كل دولة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأعضاء.
ـ حل المنازعات بين الأعضاء بالطرق السلمية.
ـ دعم الجهود لاستقلال الدول الأفريقية.
ـ رفض أعمال الاغتيال السياسي وصور النشاط الهدام (٢) .
وهكذا نجد أن أي تجمع يحقق مبادئ سليمة ويهدف إلى غايات فيها الخير للإنسان يلقى من الإسلام الموافقة مع ترشيده واكتمال منهجه، وهو يؤيد ـ دائمًا ـ العمل الجماعي , فيد الله مع الجماعة وثمرات العمل الجماعي أعظم وأبقى، ولهذا اتجهت إليها أنظار الناس فقامت لهذا ـ أيضًا ـ جامعة الدول العربية.
كما نشأت المنظمات الدولية المتخصصة بمقتضى اتفاقيات بين الدول بقصد رعاية مصالح مشتركة دائمة بينها في مجال متخصص , ومنها منظمة العمل الدولية لتحسين أحوال العمل ورفع مستوى معيشة العمال واستقرار أحوالهم الاقتصادية والاجتماعية.
стр. 11461
الفصل السادس
شبهات في موضوع السلم والحرب في الإسلام
الحقائق في سرعة انتشار الإسلام:
لقد تناولنا في الفصول السابقة ما يبين حقيقة الإسلام في السلام , وكيف يجعله أصلًا في حياة الناس، وكيف يقاوم من أراد تعكير صفو الناس مع سلمهم وأمنهم، ولو كان ببذل النفس والمال جهادًا في سبيل الله لتكون كلمة الله هي العليا، فإذا ما اضطر أبناء الإسلام إلى القتال لتحقيق هذه الغاية فإنهم يحرصون على أداء هذا الواجب بقدره وحجمه فإذا عاد المحاربون إلى الصواب أسرع المجاهد إلى قاعدة السلام وتوكل على الله. والمجاهد يحرص أثناء القتال على الالتزام بما ألزمه الإسلام من عدم قتل النساء والأطفال والشيوخ، والحرص على العمران والأشجار، فإذا ما انتصر كان لله شاكرًا وللعدل محققًا، وعاش الناس في ظل سيادة الإسلام آمنين, من دخل في الإسلام، ومن بقي على ما كان عليه ليفكر في هدوء ويصل إلى القناعة الكاملة في أن الإسلام هو الحق الذي يتبع.
وهذا المسلك في دعوة الناس إلى الإسلام أثار في نفوس الحاقدين ضغنهم على الإسلام والمسلمين، وعدُّوا هذا المسلك نوعًا من المكر والدهاء يقول الدكتور حسين مؤنس في وصف هذه الحالة: "لقد كان العرب (١) يفتحون البلد من البلاد ويعرضون الإسلام على أهله ثم يدعونهم وشأنهم حتى يقتنعوا بفضائله الإنسانية على هينة، حتى لقد ذهب بعض الشانئين للعرب إلى أنهم لم يكونوا يهتمون بنشر دينهم، وأن الجزية كانت أحب إليهم من الإسلام وما إلى ذلك مما نجده مسطورًا في كتب أعاء الملة. وما كان ذلك من عدم حرص من العرب على نشر الإسلام، وإنما كان سيرًا على أسلوب الدعوة في عهدها الأول: أسلوب عرض الدين على الناس وتركهم بعد ذلك أحرارا إلى أن يهدي الله منهم من يشاء.
ومن غريب ما حدث في بلاد مثل مصر والأندلس أن كان مسلك العرب هذا أدعى إلى دخول الناس في الإسلام؛ لأنهم تعودوا ممن يتغلب على بلادهم أن يكون شديد الحرص على إدخالهم في دينه، فما بال أولئك العرب لا يلحون على الناس في الدخول في الإسلام، ولا يستخدمون القوة في ذلك كما كان رجال دولتي الرومان والروم يفعلون؟ قال "يولوج" الراهب القرطبي المبغض للإسلام: "فكان من مكر العرب أن تظاهروا بأنهم لا يهتمون بدخول الناس في الإسلام، فتطلعت نفوس الناس إلى ذلك الإسلام وودوا لو يتعرفون عليه لعلهم يعرفون السبب في اختصاص العرب أنفسهم به وضنهم به على غيرهم، فما زالوا يفعلون ذلك ويسألون عن الإسلام ويستفسرون حتى وجدوا أنفسهم مسلمين دون أن يدروا".
стр. 11462
ولقد قال الراهب القبطي "يوحنا النقبوس" شيئا من ذلك، وكان متأسفًا؛ لأن العرب لم يلجأوا إلى القوة في فرض الإسلام، إذ لو أنهم فعلوا ذلك لزاد تمسك الأقباط بعقيدتهم ـ على مذهب العقائد ـ وإباء كل ما يفرضه بالقوة، ولما وجد الإسلام هذا الطريق السهل الميسر إلى القلوب في مصر والأندلس وإنك لتحاول أن تدرس كيف أسلم أقباط مصر، وكانوا من أشد الناس استمساكًا بعقيدتهم , لقد استشهدت في سبيلها منهم جماعات بعد جماعات على أيدي عتاة الرومان من أمثال "دقلديانوس" وطغاة الروم من أمثال "قرس"، فلا تجد على تساؤلك جوابًا، لأن التحول إلى الإسلام في هذين البلدين ـ مصر والأندلس - تم في هدوء وسكون: انسابت العقيدة في قلوب الناس كما ينساب الماء في أرض الزرع فتخضر وتزهر وتثمر بإذن ربها.
وفي بلاد المغرب أسلمت قبائل البربر مبهورة بما رأت من روعة إيمان عقبة بن نافع وأصحابه، فهذا الرجل الفريد في بابه، الذي وهب نفسه للإسلام كان يلقى رئيس القبيلة ويحدثه ثم يدعو إلى الإسلام فيسارع إلى الإيمان ليكون من قوم عقبة، ثم يتبعه بعد ذلك قومه.
إن مداخل الإسلام إلى القلوب هي سماحته ويسره وإنسانيته، أنه يقدم للمؤمن به الاطمئنان وهدوء البال، ويفتح له إلى الله سبحانه بابًا واسعًا للمغفرة والأمل وثواب الآخرة، وكل ذلك دون مقابل. وفي أديان أخرى تعرض عليه أموال وهدايا وقرابين، ويلزم بطاعة رهبان وقساوسة، ويراقب ويعاقب ويحرم من نعمة الله بقرار من رئيس الكنيسة , لا شيء من هذا في الإسلام , من هنا كان مدخله إلى النفوس سهلًا ذلولًا (١) .
стр. 11463
شبهة الإكراه والجزية:
وعلى الرغم من وضوح هذه الحقائق نجد الشائنين على الإسلام يثيرون شبهاتهم أمام من لا يعرف هذه الحقائق , ويلبسون ما يثيرونه أثوابا من الخداع الذي يصور الباطل وكأنه شيء، فمن هذه الشبهات التي أثيرت قولهم إن الإسلام انتشر بحد السيف , ويقدمون لتبرير دعواهم قائمة بالحروب التي ذكرت أسماؤها حتى ليخيل للقارئ أو السامع أن الإسلام محب لسفك الدماء وأنه لا يستطيع الانتشار بغير القهر والإكراه.
وهذه الدعوى وتلك الشبهة مردودة بما تنطق به نصوص الإسلام أولا فـ ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ .
ثم من التطبيق العملي في مسيرة الدعوة فلا يستطيع هؤلاء أن يقدموا لنا أسماء من أكرهوا على دخول الإسلام، ولم يسجل لنا التاريخ حالة واحدة تسندهم في دعواهم بل كان العكس هو الذي يقع أن يلقى المسلمون العنت من الكافرين عندما يعلنون إسلامهم، ويواجهون بالفتنة في الأبدان والأموال ويواجهون السخرية والاستهزاء والمساومة والأغراء، وأما ما دار في حروب فقد عرفنا في الصفحات السابقة أهدافها وأخلاق المجاهدين.
ثم إن نتيجة هذه الحروب تكذب هؤلاء الشانئين في دعواهم , فقد رأينا كيف يكون التعامل مع الأسرى، فإذا كان الإسلام ـ كما يزعمون ـ يفرض بالسيف فما كان النص القرآني الحكيم في شأن الأسرى يقول: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ , فالمن أو الفداء رد عليهم (١) .
كما أن وجود أهل الديانات الأخرى واستمرارهم في البلد المفتوحة رد واقعي عليهم كذلك.
стр. 11464
ويذكر ابن كثير ﵀ في تفسير قوله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ : أي لا تكرهوا أحدا على الدخول في دين الإسلام فإنه بين واضح، جلي دلائله وبراهينه، لا يحتاج إلى أن يكره أحد على الدخول فيه , بل من هداه الله للإسلام وشرح صدره ونور بصيرته دخل فيه على بينة، ومن أعمى الله قلبه وختم على سمعه وبصره فإنه لا يفيده الدخول في الدين مُكرهًا مقسورًا. وقد ذكروا أن سبب نزول هذه الآية في قوم من الأنصار، وإن كان حكمها عامًّا.
وقال ابن جرير: حديثنا ابن يسار حديثنا ابن أبي عدي عن شعبة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: كانت المرأة تكون مقلاتًا فتجعل على نفسها إن عاش لها ولدا أن تهوده , فلما أجليت بنو النضير كان فيهم من أبناء الأنصار فقالوا: لا تدع أبناءنا , فأنزل الله : ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ وقد رواه أبو داود والنسائي جميعا عن بندار به ومن وجوه أخر عن شعبة بن نحوه، وقد رواه ابن أبي حاتم، وابن حبان في صحيحه من حديث شعبة به وهكذا ذكر مجاهد وسعيد بن جبير والشعبي والحسن البصري وغيرهم أنها نزلت في ذلك، وقال محمد بن إسحاق عن محمد بن أبي محمد الجرشي عن زيد بن ثابت عن عكرمة أو عن سعيد عن ابن عباس قوله: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ قال: نزلت في رجل من الأنصار من بني سالم بن عوف يقال له الحصيني , كان له ابنان نصرانيان وكان هو رجلًا مسلمًا فقال للنبي ﷺ : ((ألا استكرهما , فإنهما قد أبيا إلا النصرانية)) فأنزل الله فيه ذلك [رواه ابن جرير] .
وروى السدي نحو ذلك، وزاد: وكانا قد تنصرا على أيدي تجار قدموا من الشام يحملون زبيبًا فلما عزما على الذهاب معهم أراد أبوهما أن يستكرههما وطلب من رسول الله ﷺ أن يبعث في آثارهما فنزلت هذه الآية. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا عمرو بن عوف أخبرنا شريك عن أبي هلال عن أسبق، قال: كنت في دينهم مملوكًا نصرانيًّا لعمر بن الخطاب فكان يعرض على الإسلام فآبي فيقول: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ ويقول: يا أسبق لو أسلمت لاستعنا بك في بعض أمور المسلمين.. (١) .
стр. 11465
وأشار ابن كثير إلى ما ذهب إليه طائفة كثيرة من العلماء من أن هذه محمولة على أهل الكتاب، وذكر القرطبي في معنى الآية الكريمة ستة أقوال: (١) يرجح فيها ما رواه أبو داود عن ابن عباس في أنها نزلت في الأنصار، كانت تكون المرأة مقلاتًا فتجعل على نفسها إن عاش لها ولد أن تهوده، فلما أجليت بنو النضير كان فيهم كثير من أبناء الأنصار، قالوا: لا ندع أبناءنا. فأنزل الله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ .
قال أبو داود: والمقلات التي لا يعيش لها ولد. في رواية: إنما فعلنا ما فعلنا ونحن نرى أن دينهم أفضل مما نحن عليه، وأما إذا جاء الله بالإسلام فنكرههم عليه. فنزلت: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ من شاء التحق بهم ومن شاء دخل في الإسلام. وهذا قول سعيد بن جبير والشعبي ومجاهد إلا أنه قال: كان سبب كونهم في بني النضير الاسترضاع.
ودليل ترجيح القرطبي لقول ابن عباس ﵄ إيراده لقول النحاس: "قول ابن عباس في هذه الآية أولى الأقوال لصحة إسناده، وأن مثله لا يؤخذ بالرأي". (٢) .
وذهب إلى هذا ـ أيضا ـ ابن جرير وكذلك الزمخشري في تفسيره والرازي.
стр. 11466
ويرتبط بشبهة الإكراه ما قيل في أمر الجزية , ولقد سبق الكلام عنها ولكن نضع في هذا المقام النقاط على الحروف دفعًا لما أثير فيها من دعاوى.
ليس القدر المالي الذي يؤخذ ممن يتمتع بحقوق الرعوية مع المسلمين الفاتحين مغريًا حتى يكون الغاية من الفتوحات الإسلامية، فمقاديرها ضئيلة ولا تقارن بما يؤخذ من أموال المسلمين من الزكاة.
كما أن هذا القدر الضئيل يراعى فيه قدرة من سيدفع ولذلك فهي على مستويات: أعلاها ٤٨ درهما في السنة على الأغنياء مهما بلغت ثرواتهم (١) .
وقدرت بـ ٢٤٠ قرش مصري تقريبًا.
وأوسطها ٢٤ درهما في السنة على المتوسطين من تجار وزراع.
وأدناها ١٢ درهما في السنة على العمال المحترفين الذين يجدون عملًا.
كما يعفى من دفع الجزية تمامًا الفقير والصبي والمرأة والراهب المنقطع للعبادة والأعمى والمقعد وذوو العاهات (٢) . جاء في عهد خالد لصاحب قس الناطف: "إني عاهدتكم على الجزية والمنعة على كل ذي يد، القوي على قدر قوته والمقل على قدر إقلاله" ويدفع هذا القدر اليسير مع المقدرة عليه ليجد الدافع الحماية في ماله وعقيدته وعرضه وكرامته فقد جاء في عهد خالد بن الوليد لصاحب قس الناطف: " إني عاهدتكم على الجزية والمنعة.. فإن منعناكم فلنا الجزية وإلا فلا حتى نمنعكم" (٣) .
ولذلك رد خالد بن الوليد على أهل حمص، وأبو عبيدة على أهل دمشق، وبقية القادة المسلمين على أهل المدن الشامية المفتوحة ما أخذوه منهم من الجزية حين اضطر المسلمون إلى مغادرتها قبل معركة اليرموك؛ لأن الجزية أخذت منهم على المنعة والحماية فإذا لم تتحقق ردت الأموال.
فإذا قيل: ولماذا لا يكلفون بحماية أنفسهم؟ قلنا: إنه من الإكراه لهم أن نطلب منهم أن ينتظموا في صفوف جيش يدافع عن مبادئ لم يؤمن هذا الإنسان بها.
أما إذا رضي أن يتطوع في الجيش الإسلام قبل ذلك منه وسقطت عنه الجزية (٤) .
стр. 11467
كما أن ما يدفعه الواحد منهم من الجزية يعود عليه عند حاجته , فقد جاء في عهد خالد بن الوليد لأهل الحيرة: "أيما شيخ ضعف عن العمل أو أصابته آفة من الآفات، أو كان غنيًّا فافتقر وصار أهل دينه يتصدقون عليه طرحت جزيته وأعيل من بيت مال المسلمين وعياله (١) .
مر عمر بباب قوم وعليه سائل، شيخ كبير ضرير البصر، يسأل فضرب عضده من خلفه , وقال: من أي أهل الكتاب أنت؟ فقال: يهودي، قال: فما ألجأك إلى ما أرى؟ قال: الجزية والحاجة والسن. قال: فأخذ عمر بيده، وذهب به إلى منزله، فرضخ له بشيء من المنزل، ثم أرسل إلى خازن بيت المال فقال: انظر هذا وضرباءه فوالله ما أنصفناه إن أكلنا شبيبته ثم نخذله عند الهرم". (٢)
كما يجوز للإمام أن يعفى عن الجزية جميعًا، كما فعل أبو عبيدة ﵁ حين أسقط الجزية عن أهل السامرة بالأردن وفلسطين (٣) . وكما أسقط عمر ﵁ الجزية على ملك شهربراز وجماعته لقاء اتفاقه معهم على قتال العدو، وكما أسقط معاوية ﵁ الجزية عن سكان أرمينية ثلاث سنوات.
ويحسن أن ذكر في هذه النقاط المتعلقة بأمر الجزية الفهم الذي يناسب التطبيق العملي الذي تم في أخذ الجزية، فقد فهم أن الجزية تحمل معنى الإذلال في قوله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ .
ولكن الفهم الذي ينسجم مع ما ذكر من حقيقة التطبيق الصحيح لأخذ الجزية هو أن تفسير "يد" في الآية الكريمة يعني ما جاء في عهد خالد ﵁ لصاحب قس الناطف والذي ذكر منذ قليل: "إني عاهدتكم على الجزية والمنعة على كل ذي يد، القوي على قدر قوته والمقل على قدر إقلاله" فاليد ـ هنا ـ تعني القدرة.
وأن تفسير قوله تعالى: ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ .
فإن الصغار ـ هنا ـ بمعنى الخضوع وليس الذلة والمهانة وقد ذكر الشافعي ﵀ في قوله : ﴿عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ : أي يجري عليهم حكم المسلمين" (٤) . فهو يفسرها ـ إذن ـ بمعنى الخضوع لحكم المسلمين. ويذهب إلى هذا الدكتور مصطفى السباعي ﵀ فيقول: "يتحتم تفسير الصغار هنا بالخضوع لا بالذلة والمهانة، ومن معاني الصغار في اللغة الخضوع، ومنه أطلق "الصغير" على الطفل لأنه يخضع لأبويه ولمن هو أكبر منه، والمراد بالخضوع حينئذ الخضوع لسلطان الدولة، بحيث يكون في دفع الجزية معنى الالتزام من قبل أهل الذمة بالولاء للدولة، كما تلتزم الدولة لقاء ذلك بحمايتهم، ورعايتهم واحترام عقائدهم، وليس في الخضوع لقوانين الدولة وسلطانها غضاضة على المواطنين مهما اختلفت عقائدهم (٥) .
وإذا حدث نوع من التجاوز في زمن الأزمان في التطبيق فإن ملابسات التطبيق على مر العصور والتصرفات الخاصة من بعض المنفذين لا تحسب على الإسلام في نظامه العادل، وإنما تحسب على فاعليها.
стр. 11468
شبهة الرق:
وإذا وصلنا إلى تقرير أن الجزية ليست غاية من الجهاد فإننا نقرر كذلك حقيقة أخرى هي أن الرق ليس غاية من الجهاد في الإسلام كما يدعى المبطلون، بل إن هذا القول دليل على عدم الفهم لحقيقة الإسلام وغاياته ووسائله في الوصول على هذه الغايات.
فإن الإسلام هو الذي يقرر كرامة الإنسان وحريته فلا يعرف العبودية إلا لله سبحانه، وقد جاء الإسلام وكان الرق نظامًا متبعًا في العالم كله، ويعامل الرقيق معاملة لا تليق بالإنسان وتكريم الله له فقدم الإسلام للناس ما يعيد صوابهم في نظرتهم إلى الإنسان ليجتث الداء ويعالج المشكلة معالجة واقعية وموضوعية فقدم ما يحقق المساواة بين الناس "بعضكم من بعض" جاء ليقول: ((من قتل عبده قتلناه، ومن جدع عبده جدعناه، ومن أخصى عبده أخصيناه)) جاء ليقرر وحدة الأصل والمنشأ والمصير: ((أنتم بنو آدم، وآدم من تراب)) وأنه لا فضل لسيد على عبد لمجرد أن هذا سيد وهذا عبد وإنما الفضل للتقوى: ((ألا لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لأعجمي على عربي، ولا لأسود على أحمر، ولا أحمر على أسود إلا بالتقوى)) جاء ليأمر السادة أمرًا أن يحسنوا معاملتهم للرقيق: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾ (١) . وليقرر أن العلاقة بين السادة والرقيق ليست علاقة الاستعلاء والاستعباد أو التسخير أو التحقير، وإنما هي علاقة القربى والأخوة، فالسادة (أهل الجارية) يستأذون في زواجها: ﴿فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآَتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (٢) .
وهم إخوة للسادة: ((إخوانكم خولكم.. فمن كان أخوه تحت يديه فليطعمه مما يطعم، وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم فأعينوهم)) وزيادة في رعاية مشاعر الرقيق يقول الرسول الكريم: ((لا يقل أحدكم: هذا عبدي وهذه أمتي وليقل: فتاي وفتاتي)) . ويستند على ذلك أبو هريرة فيقول لرجل ركب وخلفه عبده يجري: "احمله خلفك، فإنه أخوك، وروحه مثل روحك" (٣) .
والإسلام بهذه التوجيهات والتشريعات قد قدم التهيئة الواقعية للتحرير العملي الصحيح.
стр. 11469
ثم دعا وشجع على العتق والمكاتبة فأصبح العتق من كفارات الذنوب وإذا طلب الرقيق منح الحرية مقابل ما يتفق عليه من مال منح ذلك.
وسلك الرسول ﷺ المسلك العملي مع أصحابه في تنفيذ ما سبق أخذًا بيد الناس إلى التحرير الكامل الصحيح , فكان يؤاخي بين بعض الموالي وبعض الأحرار من سادة العرب فآخى بين بلال بن رباح وخالد بن رويحة الخثعمي، وبين مولاه زيد وعمه حمزة، وبين خارجة بن زيد وأبي بكر.
وزوج بنت عمته زينب بنت جحش من مولاه زيد، وأرسل مولاه زيدا على رأس جيش فيه الأنصار والمهاجرون من سادات العرب , فلما استشهد ولي ابنه أسامة بن زيد قيادة الجيش وفيه أبو بكر وعمر , فلم يعط المولى مجرد المساواة الإنسانية بل أعطاه حق القيادة والرئاسة على "الأحرار" (١) .
وهو الذي قال: ((اسمعوا وأطيعوا ولو استعمل علكيم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة ما أقام فيكم كتاب الله ﵎) وعمر بن الخطاب يقول وهو يستخلف: "لو كان سالم مولى أبي حذيفة حيًّا لوليته".
وهكذا كانت الواقعية في التحرير الصحيح الذي تربى فيه فنوس الأرقاء وتهذب فيه نفوس السادة ليكون الجميع بهذه التربية إخوانًا.
والإسلام الذي سلك هذه المسلك حرم كل الصور التي تمثل مصادر الرق، ولكن بقي مصدر يضطر إليه المسلمون اضطرارًا لا يتعلق بهم وحدهم وهو الحرب وما يكون من أسرى الحرب , وقد كان الأسرى المسلمون يسترقون عند أعداء الإسلام فتسلب حرياتهم ويعامل الرجال منهم بالعسف والظلم الذي كان يجري يومئذ على الرقيق، وتنتهك أعراض النساء لكل طالب، يشترك في المرأة الواحدة الرجل وأولاده وأصدقاؤه ممن يبغي الاستمتاع منهم بلا ضابط ولا نظام ولا حترام لإنسانية أولئك النساء أبكارًا كن أو غير أبكار.
أما الأطفال ـ إن وقعوا أسرى، فكانوا ينشأون في ذل العبودية البغيض (٢) .
فكان من باب المعاملة بالمثل أن يظل هذا الباب مفتوحًا ولكن مع فارق المعاملة على ما قدمنا في الصفحات السابقة من معاملة الإسلام للأسرى.
والذي ينبغي أن ننبه إليه مع ما سبق من أن الآية الكريمة التي تعرضت لأسرى الحرب قد ذكرت المن والفداء، ولم تذكر الاسترقاق للأسرى، حتى لا يكون هذا تشريعًا دائمًا للبشرية، وعلى ذلك يكون أخذ المسلمين بمبدأ الاسترقاق في الحروب خضوعًا لضرورة قاهرة لا فكاك فيها.
فالجهاد في سبيل الله سبحانه لم يكن رغبة في استعباد الناس أو أخذ أموالهم، أو التوسع والسيطرة الغاشمة إنما كان جهادا لتكون كلمة الله هي العليا؛ لأن تحقيق هذه الغاية يضمن للمجتمعات البشرية أمنها وسلمها وحريتها وكرامتها وسعادتها في الدنيا والآخرة.
стр. 11470
الخاتمة
وبعد أن عشنا في مباحث هذا الموضع الخطير نبرز أهم نتائجه فيما يلي:
ـ لقد وقفنا على حاجة البشرية إلى تحقيق السلام في حياتها لما تحدثه الحروب من آثار مدمرة لا تستقيم حياة الإنسان بها، وقدمنا الأدلة على حرص الإسلام وضماناته لحفظ الدين والنفس والعقل والعرض والمال. وأن الإسلام يتميز على قوانين البشر في ذلك بأنه يربي الناس على احترام القوانين احترامًا ذاتيًّا دون حاجة إلى رقيب بشري؛ لأن المسلم ينطلق في أعماله كلها من قاعدة الإخلاص لله سبحانه في كل شؤونه.
ـ كما تناولنا مفهوم السلام في الإسلام , وأنه مبدأ من مبادئ التي برزت عناية الإسلام بها في اسمه الدال عليه، وفي مضمونه، وما يدعو إليه, وأنه يشيع هذا المبدأ ليشيع في النفس الإنسانية وفي الأسرة البشرية معاني المودة والرحمة.
وقد جعل الإسلام السلام أصل العلاقات البشرية، وإن ابتعدت عنه تصارعت، وأنه لا بد من إزالة أسباب الصراع لتحقق العودة إليه تحقيقًا للأمن وإرساءً للطمأنينة.
ولقد وعى سلف هذه الأمة هذه الحقائق فانطلق قادة الفتوح الإسلامية يطبقون هذه المبادئ تطبيقًا عمليًّا في ميادين الجهاد، وأن الوثائق التاريخية تشهد لهم بذلك.
ـ كما تناولنا ضمانات الإسلام لتحقيق السلام وجعله واقعًا يعيشه الناس ويجنون ثماره، وهي مجموعة التدابير التي تكفل هذا ووجدناها تنقسم إلى قسمين: ضمانات نفسية، ومعالجة الصراع إذا وقع بين البشر معالجة موضوعية.
فوضع الإسلام أيدينا على بداية الصراع في حياة البشر، وأهم العوامل المؤثرة على السلم في حياة الناس، وتتصل بالعامل النفسي كحب الاستعلاء في الأرض، واستغلال ثروات الآخرين، والنظرات العنصرية، والأثرة، وضعف التربية على الوازع الديني.
وأما العلاج فإن الإسلام يتناوله بمنهج متكامل يعالج المشكلة من جذورها فيعالج الأهواء النفسية كما يعالج الأسس التي تقوم عليها العلاقات الإنسانية في: النظرة الصحيحة إلى الإنسان وإقامة العلاقات الإنسانية على المساواة الإنسانية، والعدل، والتكافل الإنساني، والأساس المنصف للتفاضل بين الناس , والذي يدفع بالإنسانية إلى الخير والتنافس في مجالاته.
стр. 11471
فهذه الضمانات تؤمن الفرد والجماعات وتحول بينهم وبين الصراعات الدموية، فإذا تغلبت نوازع السوء ووقع الصراع فإن الإسلام يتخذ الجهاد سبيلًا لتحقيق هذا السلم الذي يعده أصلًا في حياة الناس.
ـ كما تناولنا مدلولي الجهاد والحرب، وكيف يكون مصطلح الجهاد معبرًا عن المعنى الذي يريده الإسلام من القتال، وأن كتب التراث استعملت مصطلح الجهاد وكذلك المغازي والسير.
ـ ثم تناولنا حكم الجهاد ومراحل تشريعه، فهو فرض على الكفاية إذا قام به قوم سقط عن باقيهم، ولم يأثموا بتركه، ويتعين الجهاد في حالات تضطر فيها الأمة كلها إلى مواجهة العدو، إذا التقى الزحفان وتقابل الصفان، وإذا نزل الكفار ببلد، وإذا استنفر الإمام قومًا لزمهم النفير.
كما وجدنا ابن عبد البر يتفق مع جمهور العلماء في حكم الجهاد والفرض بقسميه , ولكنه يقرر هذه الفرضية بوصف عملي ينظر فيه إلى الأمة المسلمة باعتبارها أمة واحدة في عزتها ومنعتها، وكذلك ينظر في قوله إلى وجود الإمام للأمة والذي يحمل على كتفيه مسؤولية الدعوة , وتبليغها للعاملين , وإنقاذ الناس من الشرك ومظاهره ومن الظلم وآثاره، فيذكر غزوًا أخر يسميه غزو النافلة، ويتمثل في إخراج طائفة بعد طائفة، وبعث الرايات في أوقات العزة.
ووجدنا أن الحكم الذي ذكره العلماء للجهاد مرتبط بغايات الجهاد التي تجعل اللجوء إلى ضرورة وصولًا إلى الحق وتحقيقًا للعدل ودفعًا للفساد وتبليغًا لكل ما يحقق في الناس هذه القيم وهو الإسلام الذي ينقذ العالمين.
ـ كما رأينا كذلك أن حكم الجهاد مرتبط بمسيرة الدعوة حيث عاش المسلمون فترتها الأولى يواجهون تحديات شتى ويفتنون في أبدانهم وأموالهم، ويقابلون هذا بالصبر الجميل والدفع الفردي عند الاستطاعة وبالتحرك عن مواطن الفتنة بالهجرة، ثم الإذن بالقتال وأبيح لهم ردًّا للعدوان مع عدم الاعتداء، ثم فرض القتال تحقيقًا لغاياته.
ـ كما وجدنا ارتباط حكم الجهاد ببواعثه وأهدافه، فالهدف الأسمى من الجهاد والذي يقره الإسلام هو الجهاد لتكون كلمة الله هي العليا؛ لأن تحقيق هذا الهدف يحقق للناس سلمهم الحقيقي ويضمن لهم سلامة أنفسهم وصيانة أعراضهم وحفظ أموالهم، كما أن الجهاد لرد الاعتداء الذي يقع من الظالمين الذين يقفون في طريق الدعاة.
وكذلك لرد العدوان على الديار والعرض والنفس والمال، فإذا أوقف المعتدي اعتداءه وجب وقف قتاله.
стр. 11472
ـ وبعد أن وجدنا هذا السمو في البواعث والأهداف لبيان فضل الجهاد وطلبه فهو تجارة منجية من عذاب الله، وهو من أسباب المغفرة الذنوب، ودخول الجنان والمساكن الطيبة في جنات عدن، وهو الفوز العظيم، وبه يتحقق النصر والفتح القريب، والشهداء أحياء عند ربهم يرزقون، وقد اشترى الله منهم أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة.
ـ كما تناولنا منهج الإسلام في حقن الدماء، فهو يصون النفس الإنسانية ويحرم الاعتداء عليها إلا إذا استوجبت هذه النفس عقوبة تستحقها، كما يعد الإسلام الاعتداء على النفس اعتداء على الناس جميعًا.
ومن حرص الإسلام على سفك الدماء وجدنا توجيهات الإسلام في إعداد ما استطاع المسلمون من قوة لإلقاء الرعب في قلوب الأعداء فلا تحدث مقاتلة.
كما يجعل الإسلام الرد على العدوان بقدره ولا يتمادى في إيقاع المزيد عليه.
كما يقصر القتال على المقاتلة فلا قتل للنساء، أو الشيخ الفاني أو الصبي أو الرهبان.
ومن باب تحجيم سفك الدماء كذلك ما اشترطه الإسلام من توجيه الدعوة أولا قبل القتال.
فإن أصر الأعداء على القتال فإن الإسلام يشرع كتمان الأمر والتورية لتحقيق المفاجأة التي تدعو العدو إلى التسليم دون سفك الدماء، وقد وجدنا التطبيق العملي في حروب المسلمين لهذه الضوابط.
ـ وتناولنا بعد ذلك خلق الجهاد في الإسلام، وكيف جعل الإسلام نظامه الخلقي يتناول السلم والحرب حيث جعل التخلق بمكارم الأخلاق من الغايات التي بعث بها رسول الله ﷺ وكيف تتجلى الصور الخلقية في القادة من رفق القائد بجنده ونصحه لهم ومشاورته لجيشه، وما يتعلق بالجند من الطاعة للقائد في المعروف.
ومن الصور الخلقية للمجاهدين جميعًا الصبر والمصابرة والثبات وعدم الفرار.
ومنها الظهور بالقوة مع عدم الغرور وذلك لإرهاب أعداء الله وتحجيم سفك الدماء.
ومنها الرحمة وما يتبعها من عدم المثلة والتحريق وقطع الأشجار وهدم العمران ومنها الوفاء بالعهود والمواثيق.
ومنها الشكر مع النصر وعدم اليأس عند الهزيمة ومحاسبة النفس ورأينا تطبيقات عملية لهذه الأخلاق في الغزوات.
ومن هذه الأخلاق الجامعة الطاعة لله سبحانه ولرسوله ﷺ والتنزه عن المعاصي التي تكون سببًا في سخط الله وغضبه.
وإذا كان الجهاد في الإسلام ملتزمًا بهذه الأخلاق الكريمة فكيف يقرن بالإرهاب؟!
стр. 11473
ـ كما تناولنا الآثار المترتبة على الجهاد. ووجدنا أن الحرب إذا وضعت أوزارها تنتج مجموعة، من الآثار التي تتصل بالمجاهدين والمحاربين، وتناولنا من هذه الآثار ما يتعلق بدار الإسلام، ودار الحرب، والمعاهدين وما يجب عليهم من واجبات ليستمتعوا بما لهم من حقوق، والهدنة، والأمان الحربي، والصلح، والغنائم، وأحكامها (الأموال المنقولة ـ الأسارى ـ الأرض) وتوجيهات الإسلام في حالة وقوع الهزيمة بالمسلمين.
وقد وجدنا أن الدنيا كلها ـ بحسب الأصل ـ دار واحدة، وأرض الله الواسعة لخلق الله جميعًا واحدة، لا يحظر على أحد مكان منها إلا بسبب يوجب ذلك.
ومن هذه الأسباب قيام الحرب وما يتبعها من آثار فيحظر على المسلم أن يقيم في دار يقوم فيها القتال بينهم وبين المسلمين لما يترتب على ذلك من تعريضهم للمخاطر والقتل.
وتقسيم العلماء للأرض على قسمين نشأ من الآثار المترتبة على وقوع الحرب.
فيقصد من دار الإسلام البلاد التي تحكم بالإسلام تظهر فيها شعائره ويأمن فيها المسلمون.
وأما دار الحرب فهي البلاد التي لا تحكم بالإسلام ولا تظهر فيها شعائره , فالسلطان فيها لغير المسلمين.
كما ينشأ من آثار الحرب دار ثالثة تسمى بدار العهد وهي التي لم يظهر عليها المسلمون ولكن أهلها دخلوا في عقد المسلمين وعهدهم على شرائط تشترط وقواعد تعين فهذه تسمى بدار العهد وهي دليل على الإسلام لا يكره أحدًا على اعتناقه.
стр. 11474
وفي بيان ما للمعاهدين وما عليهم وجدنا:
التحذير من نقض العهود بصورة عامة، كما يعامل المعاهدون الذين قبلوا شروط المسلمين ودخلوا في الطاعة قبل الحرب أو أثناء الحرب، يعاملون طبقا لشروط الصلح التي أبرمت معهم كما قدمنا نماذج من هذه المعاهدات.
فإذا ما نصح المعاهدون ووفوا والتزموا فلهم:
١ ـ حماية النفس والعرض من أي اعتداء سواء من المسلم أو غيره.
٢ ـ إذا غزا العدو بلاد المسلمين فغنم شيئًا من أموال أهل الذمة ثم أظهر الله المسلمين على عدوهم واستردوا هذه الأموال فعليهم إعادتها إلى أصحابها من أهل الذمة دون مقابل.
٣ ـ لهم المحافظة على عقائدهم وعباداتهم، وعلاقاتهم الشخصية.
٤ ـ لهم أن يمارسوا من عاداتهم ما لا يتعارض مع آداب الإسلام العامة.
ـ كما رأينا من الآثار المترتبة على الجهاد كذلك الهدنة وهي أن يطلب الأعداء ترك القتال فترة من الفترات قد تنتهي إلى الصلح وهذا يسمى بعقد الهدنة والموادعة. إذا تم الاتفاق عليه فإذا طلب العدو ذلك فيجب أن يجاب إلى طلبه.
وكذلك إذا كانت الأشهر الحرم فلا يحل فيها البدء بالقتال إلا إذا بدأ فيها العدو بالقتال.
ـ وأما الأمان فهو كذلك من الآثار المترتبة على الجهاد ـ كذلك ـ وهو أن يطلب فرد من الأعداء المحاربين الأمان وعندئذ تقبل منه ولا يجوز الاعتداء عليه.
وطالب الأمان يطلبه لأغراض شتى ويعامل على حسب حاله وهذا الأمان الفردي أعطاه الإسلام للرجال والنساء، فمن حق أي فرد أن يؤمّن مِنَ الأعداء مَنْ يطلب الأمان باستثناء الصبيان والمجانين.
وأما الأمان الذي يعطى للجماعة فإنه من شأن أمير المؤمنين لتحري المصلحة.
ويبقى المستأمن مستمتعًا بحقه في الأمن ما دام محافظًا على الأمن والنظام العام ولم يخرج عليهما بأن يكون عينًا أو جاسوسًا، وتطبق عليه القوانين الإسلامية في المعاملات المالية والعقوبات.
ـ كما أنه يقعد الصلح بين المسلمين وبين أقوام دون حصار.
стр. 11475
ـ ومن الآثار ـ كذلك ـ الغنائم وهي المال المأخوذ من أعداء الإسلام عن طريق الحرب وتشمل:
١ ـ الأموال المنقولة.
٢ ـ الأسارى.
٣ ـ الأرض.
وتسمى كذلك الأنفال.
وقد أحل الله لهذه الأمة الغنائم، وزعت توزيعا يحقق النفع للأمة جميعًا. وعرضنا للتجربة الأولى في تقسيم الغنائم في بدر، ومع تحقيق العدل في التقسيم يأتي التحذير من الغلول.
ومن هذه الغنائم الأسارى وهم المقاتلون الذين يقعون في أيدي المجاهدين أحياء، وقد يكون من الأسرى النساء والصبيان، فأما الرجال المقاتلون فللحاكم أن يتصرف معهم بما هو أنفع وأولى بالحق من المن أو الفداء، أو القتل لمجرمي الحرب, وأما النساء والصبيان فليس عليهم القتل.
وإذا كانت الحروب تتمخض عن وقوع أسرى لدى كل فريق من المتحاربين فإننا رأينا كيف تكون المعاملة الرقيقة الإنسانية الحانية من الإسلام نحو الأسارى رجالًا ونساء وذرية.
ـ وأما ما يتعلق بالأرض فإن الإمام مخير فيها بين أمرين:
الأول: أن يقسمها على المجاهدين.
الثاني: أن تصبح وقفا على المسلمين.
وإذا اختار الحالة الثانية فإنه يضرب على الأرض خراجًا مستمرًا، ويقدر الخارج اجتهادًا بما يناسب المكان والزمان.
هذا من جانب الآثار المترتبة على الجهاد في حالة انتصار المسلمين، أما إذا حدث تقصير من قبل المجاهدين في جانب من الجوانب وأصابهم القرح، وحدثت الهزيمة فإن الإسلام يوجه اتباعه إلى ما سبق ذكره من أخلاق المجاهدين، وإذا وقع في يد العدو أسرى من المسلمين ينبغي أن يبذل الإمام كل الجهد في تخليص الأسرى حتى لا يفتنوا في دينهم وحتى لا يتعرضوا للأذى وهم في قبضة العدو.
ـ وتناولنا في العلاقات الدولية في الإسلام ضرورة الاتصال بين الأفراد والدول وأن الإسلام أقام العلاقات الداخلية بين أفراد الأمة على المودة والرحمة لتتحقق معهم الوحدة العضوية والتي قامت على الأخوة في الله سبحانه، وما يصحب الأخوة من حقوق ومظاهر منها الحب في الله، ومنها التراحم والتكافل والتكامل.
стр. 11476
والأسس التي جعلها الله سبحانه في العلاقة بين الإنسان وغيره لا تمثل ـ كما يزعم المغرضون ـ تكوين عنصرية جديدة تقوم على أساس العقيدة، ولكن تحقيق مفهوم الوحدة الحقيقية بين المؤمنين يأتي ثمرة طبيعية لاستجابة المؤمنين، وليست تكوينًا عنصريًّا، وتتجه الأمة المؤمنة نحو غيرها من الجماعات البشرية الأخرى لتحقق معها علاقات يؤسسها الإسلام على:
١ ـ التذكير بالأصل الواحد.
٢ ـ الحق.
٣ ـ العدل.
٤ ـ أساس التفاضل في الإسلام فيما يستطيعه الإنسان من أعمال تسعده وتقدمه في حياته.
واتضح لنا من تناول هذه الأسس أن الإسلام يهدف في بيان علاقة الإنسان بغيره إلى تحقيق الأمن والسلم والحياة الطيبة للأفراد والجماعات.
ورأينا أن رسول الله ﷺ سلك السبيل العملي في بيان علاقة الدولة المسلمة بغيرها من الدول المخالفة في الكتاب الذي كتبه عند قدومه المدينة بين المهاجرين والأنصار وادع فيه يهود وعاهدهم، وبين العلاقة بين الدول المسلمة، والمخالفين في الدين خارج الدولة، مما يبرهن على أن دولة الإسلام تتسع لعلاقات سليمة مع الدول المخالفة، بل وتتسع الدولة الإسلامية نفسها للتعايش مع المخالفين في الدين ما داموا مسالمين.
ـ كما تناولنا موقف الإسلام من المنظمات الدولية، ووجدنا أنه يرحب ويشجع كل ما يحقق للمجتمعات البشرية أمنها وسلمها الحقيقي فإذا أدرك الناس خطورة الحرب بينهم ووجدوا أن السبيل إلى تحجيمها في تكوين منظمات تضم مجموعة من الدول التي ترضى فيما بينها ما يحقق قواعد العدل والحق والمساواة فإن الإسلام يربط على أيديهم ويعينهم على ذلك بمنهجه الرشيد وكماله الذي لا يشوبه الهوى.
وقد أشاد الرسول الكريم بحلف الفضول وآثاره وأنه لو دعي به في الإسلام لأجاب.
وقد قدمنا الظروف الدولية التي دعت إلى إنشاء المنظمة الدولية العالمية لتعمل على حفظ السلم والأمن الدولي، وإنماء العلاقات الودية بين الأمم، وتحقيق التعاون الدولي في جميع المجالات، وجعل الأمم المتحدة مركزًا لتنسيق أعمال الأمم، كما ذكرنا المبادئ المعلنة لها، وكيف يحذر الإسلام في مبادئه من الفصل بين المبادئ النظرية والتطبيق العملي.
كما بينا الدوافع التي جعلت منظمات دولية أخرى تنشأ لتحقيق مصالح تخص هذه المنظمات، ومنها منظمة المؤتمر الإسلامي، ومنظمة الوحدة الأفريقية، والمبادئ والأهداف لهذه المنظمات.
стр. 11477
ـ كما تناولنا الشبهات في موضوع السلم والحرب في الإسلام وقد بينا كيف كان العرض السابق لمباحث هذا الموضوع هو الرد الموضوعي لما أثير من شبهات مغرضة لا تستند إلى واقع , بل هي من أوهام المشككين وحقد المغرضين على الإسلام والمسلمين.
وذكرنا من هذه الشبهات شبهة الإكراه في الدين ونشره بالسيف وكيف إنها متهافتة بتصريح النصوص في أنه (لا إكراه في الدين) . ومن الواقع العملي في مسيرة الدعوة والفتوحات، واستمرار وجود المعاهدين وأهل الديانات الأخرى إلى الآن في البلدان المفتوحة.
ـ كما تناولنا ما يتصل بهذه الشبهة من شبهة الجزية والرد عليها وهي القدر المالي الذي يؤخذ ممن يتمتع بحقوق الرعوية من المسلمين الفاتحين ولم يكن مغريًّا حتى يكون الغاية ـ كما يزعمون ـ من الفتوحات فأعلاها ٤٨ درهما وأدناها ١٢ درهما وأوسطها ٢٤ درهما , ويعفى منها الفقير والصبي والمرأة والراهب المنقطع للعبادة والأعمى والمقعد وذوو العاهات.
ويدفع هذه القدر اليسير مع القدرة عليه ليدافع عنه في ماله وعقيدته وعرضه وكرامته، وإن لم يستطع الفاتحون تحقيق هذا لسبب من الأسباب وردوا هذا القدر اليسير إليه وما يدفعه الواحد منهم يعود عليهم عند حاجته.
وقد ناقشنا ما معنى الإذلال في إعطاء الجزية وأنه ينصرف إلى معنى الخضوع للنظام وأن تكون عن قدرة.
ـ كما تناولنا شبهة أخرى في اعتبار الرق غاية من الجهاد في الإسلام، وكيف أن هؤلاء لم يفهموا حقيقة الإسلام الذي يقرر كرامة الإنسان وحريته فلا يعرف العبودية إلا لله سبحانه، وكيف عالج الإسلام الرق الذي كان شائعًا معالجة موضوعية صحيحة فقدم ما يحقق المساواة بين الناس وما بين النفوس على القيم والمبادئ التي تحقق للإنسان الشعور بكرامته ثم أغلق جميع المصادر للرق، ووسع طرق العتق، مع استمرار المعاملة الكريمة، معاملة الأخوة بين السادة وإخوانهم، كما آخى بين بعض الأحرار من سادة العرب وبين بعض الموالي ومنحهم الرسول مراكز قيادة لجدارتهم، وأمر بطاعتهم.
وأما المصدر الذي يضطر المسلمون اضطرارًا فهو يتعلق بغيرهم من الأعداء الذين يسترقون الأسرى من المسلمين فيسلبونهم حريتهم ويعاملونهم بالعسف والظلم، ولذلك فإن هذا الباب ظل مفتوحًا مع فارق المعاملة.
كما أن الآية الكريمة التي تحدثت عن الأسرى قد ذكرت المن والفداء فقط حتى لا يكون الاسترقاق للأسرى تشريعًا دائمًا للبشرية.
وعلى ذلك يكون أخذ المسلمين بمبدأ الاسترقاق في الحروب خضوعًا لضرورة قاهرة لا فكاك منها.
فالجهاد في سبيل الله سبحانه لم يكن رغبة في استعباد الناس أو أخذ أموالهم، أو التوسع والسيطرة الغاشمة، إنما كان جهادًا لتكون كلمة الله هي العليا؛ لأن تحقيق هذه الغاية يضمن للمجتمعات البشرية أمنها وسلمها وحريتها وكرامتها وسعادتها في الدنيا والآخرة.
الدكتور محمد رأفت سعيد.
стр. 11478
المصادر والمراجع
١ ـ القرآن الكريم.
٢ ـ أحكام القرآن، للإمام أبي عبد الله بن إرديس الشافعي المتوفى سنة ٢٠٤هـ، جمعه الإمام أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي صاحب السنن الكبرى المتوفى سنة ٤٥٨هـ، عرف الكتاب الشيخ محمد زاهد الكوثري، كتب هوامشه الشيخ عبد الغني عبد الخالق، بيروت، دار الكتب العلمية.
٣ ـ الإسلام الفاتح، للدكتور حسين مؤنس، سلسلة دعوة الحق، رابطة العالم الإسلامي، مكة المكرمة، العدد ٤ سنة ١٤٠١هـ.
٤ ـ الإسلام والمستشرقون، مقال، للدكتور محمود محمد الطنطاوي في مجلة البعث الإسلامي ندوة العلماء (الهند) عدد ممتاز ١٤٠٢هـ ـ ١٩٨٢م.
٥ ـ الإفصاح عن معاني الصحاح، لأبي المظفر يحيى بن هيبرة المتوفى سنة ٥٦٠هـ، المؤسسة السعيدية بالرياض توزيع مكتبة الحرمين بالرياض.
٦ ـ كتاب الأموال، للإمام أبي عبيد القاسم بن سلام المتوفى سنة ٢٢٤هـ، تحقيق دكتور محمد خليل هراس، قام بطبعه ونشره الشيخ عبد الله الأنصاري إدارة إحياء التراث الإسلامي، قطر.
٧ ـ بداية المجتهد ونهاية المقتصد، للإمام محمد بن رشيد القرطبي ٥٢٠ ـ ٥٩٥هـ، طبعة سابق ١٤٠٥هـ ـ ١٩٨٥م.
٨ ـ البداية والنهاية في التاريخ، للإمام ابن كثير المتوفى ٧٧٤هـ، مطبعة المتوسط، بيروت.
٩ ـ تاريخ الأمم والملوك، لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري، طبعة أولى، المطبعة الحسنية المصرية.
стр. 11479
١٠ ـ تأسيس النظر، لأبي زيد الدبوسي، طبعة أولى بالمطبعة الأدبية بمصر.
١١ ـ الترغيب والترهيب من الحديث الشريف، للحافظ المنذري ٥٨١ ـ ٥٥٦هـ، تحقيق محمد محيى الدين عبد الحميد، طبعة أولى ١٣٨١هـ ـ ١٩٦١م.
١٢ ـ تفسير القرآن الكريم، للحافظ ابن كثير، المتوفى ٧٧٤هـ، دار المعرفة، بيروت.
١٣ ـ التنظيم الدولي، دكتور بطرس غالي، القاهرة، ١٩٥٦م.
١٤ ـ الجامع لأحكام القرآن الكريم، لأبي عبد الله القرطبي، مصورة من مطبعة دار الكتب، دار الكاتب العربي، القاهرة ١٣٨٧هـ ـ ١٩٦٧م.
١٥ ـ جمع الفوائد من جامع الأصول ومجمع الزوائد، للإمام محمد بن محمد بن سليمان، طبعة السيد عبد الله هاشم اليماني المدني بالمدينة المنورة.
١٦ ـ الحرب والسلام في الإسلام، للأستاذ عبد الكريم الخطيب، دار نجد للنشر والتوزيع، طبعة أولى ١٣٠١هـ ـ ١٩٨١م.
١٧ ـ الحرب والسلام في الفقه الدولي الإسلامي، د. محمد كمال الدين إمام ـ طبعة أولى ١٣٩٩هـ ـ ١٩٧٩م.
١٨ ـ الخراج، لأبي يوسف يعقوب بن إبراهيم (ضمن موسوعة الخراج) طبعة دار المعرفة ـ بيروت ١٣٩٩هـ ـ ١٩٧٩م.
١٩ ـ الخراج، ليحيى بن آدم القرشي، تحقيق الشيخ أحمد شاكر (ضمن موسوعة الخراج) .
٢٠ ـ الروض الندي شرح كافي المبتدي في فقه إمام السنة أحمد بن حنبل الشيباني، للإمام أحمد بن عبد الله البعلي، منشورات المؤسسة السعودية بالرياض، أشرف على تصحيحه الشيخ عبد الرحمن حسن محمود.
٢١ ـ رياض الصالحين، للإمام أبي زكريا يحيى بن شرف النووي ٦٣١ ـ ٦٧٦هـ، تحقيق عبد العزيز رباح وأحمد يوسف الدقاق، دار المأمون للطباعة، طبعة رابعة ١٤٠١هـ ـ ١٩٨١م.
стр. 11480
٢٢ ـ سنن البيهقي لأحمد حسين، المتوفى سنة ٤٥٨هـ، طبعة الهند ١٣٥٥هـ.
٢٣ ـ السيرة النبوية لابن هشام المتوفى ٢١٣هـ، تعليق طبعة عبد الرؤوف سعد، مكتبة الكليات الأزهرية.
٢٤ ـ شبهات حول الإسلام، للأستاذ محمد قطب، الاتحاد الإسلامي العالمي للمنظمات الطلابية ١٣٩٨هـ ـ ١٩٧٨م.
٢٥ ـ شريعة الإسلام في الجهاد والعلاقات الدولية، للأستاذ أبي الأعلى المودودي، طبعة أولى ١٤٠٦هـ ـ ١٩٨٥م، دار الصحوة، القاهرة.
٢٦ ـ صحيح البخاري (بحاشية السندي) للإمام البخاري، دار إحياء الكتب العربية، مكتبة زهران.
٢٧ ـ صحيح مسلم بشرح النووي، للإمام مسلم، تحقيق وإشراف عبد الله أحمد أبو زينة، من كتاب الشعب.
٢٨ ـ العلاقات الدولية في الإسلام مقارنة بالقانون الدولي الحديث، للدكتور وهبة الزحيلي، طبعة أولى ١٤٠١هـ ـ ١٩٨١م مؤسسة الرسالة.
٢٩ ـ فقه السنة، للأستاذ سيد سابق، دار الكتاب العربي، طبعة ثالثة ١٣٩٧هـ ـ ١٩٧٧م.
٣٠ ـ فقه السيرة، للأستاذ محمد الغزالي، دار الكتب الإسلامية، طبعة ثامنة ١٤٠٢هـ ـ ١٩٨٢م.
٣١ ـ قادة الشام ومصر، اللواء الركن محمود شيت خطاب، دار الفكر.
٣٢ ـ القاموس المحيط، لمجد الدين محمد بن يعقوب الفيروزآبادي، بيروت، المؤسسة العربية للطباعة والنشر.
٣٣ ـ الكافي فقه أهل المدينة المالكي، للحافظ أبو عمر بن عبد البر، المتوفى سنة ٤٦٣هـ، تحقيق د. محمد بن محمد أحيد الموريتاني ١٣٩٩هـ ـ ١٩٧٩م.
стр. 11481
٣٤ ـ اللباب في شرح الكتاب، على كتاب الإمام أبي الحسن القدوري في فقه السادة الحنفية، للعلامة الشيخ عبد الغني الميداني الدمشقي، طبعة ١٣٤٦هـ، سنة ١٩٢٧م.
٣٥ ـ لسان العرب، للإمام ابن منظور، دار صادر، بيروت.
٣٦ ـ المبدع في شرح المقنع، لأبي إسحاق بن مفلح الحنبلي، المتوفى سنة ٨٨٤هـ، المكتب الإسلامي ١٩٨٠م.
٣٧ ـ المجموع شرح مهذب الشيرازي، تحقيق وتكملة محمد نجيب المطيعي، طبعة أولى، توزيع المكتبة العالمية بالفجالة.
٣٨ ـ مجموع المبدع: المطلع على أبواب المقنع ومعه معجم ألفاظ الفقه الحنبلي، للإمام أبي عبد الله محمد أبي الفتح البعلي الحنبلي، المتوفى سنة ٧٠٩هـ، صنع محمد بشير الأدلبي، المكتب الإسلامي ١٤٠١هـ ـ ١٩٨١م.
٣٩ ـ محاضرة: تعامل المسلمين مع مخالفيهم في الدين، للأستاذ الدكتور عبد المجيد محمود، قسم الثقافة الإسلامية بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض ١٤٠٠هـ.
٤٠ ـ المحرر في الفقه على مذهب الإمام أحمد بن حنبل، للإمام مجد الدين أبي البركات، المتوفى سنة ٦٥٢هـ، طبعة ثانية ١٤٠٤هـ ـ ١٩٨٤م.
٤١ ـ المحلى، لابن حزم، المتوفى سنة ٤٥٦هـ، المطبعة المنيرية ١٣٥٢هـ.
стр. 11482
٤٢ ـ المسند، للإمام أحمد بن حنبل، تحقيق أحمد شاكر، دار المعارف بالقاهرة ١٩٤٩م.
٤٣ ـ المصنف، للحافظ عبد الرزاق بن همام الصنعاني، المتوفى سنة ٢١١هـ، تحقيق حبيب الرحمن الأعظمى، طبعة ثانية ١٤٠٣هـ ـ ١٩٨٣م، المكتب الإسلامي، بيروت.
٤٤ ـ المغني، لابن قدامة، المتوفى سنة ٦٢٠هـ، مكتبة الرياض الحديثة بالرياض.
٤٥ ـ المقنع في فقه إمام السنة أحمد بن حنبل الشيباني، ﵁، لابن قدامة، طبعة ثانية، منشورات المؤسسة السعيدية.
٤٦ ـ المنظمات الدولية المتخصصة والإقليمية، د. مصطفى سيد عبد الرحمن، كلية الحقوق، جامعة القاهرة.
٤٧ ـ موسوعة فقه عمر بن الخطاب، للدكتور محمد رواس قلعجي، مكتبة الفلاح، طبعة أولى ١٤٠١هـ ـ ١٩٨١م.
٤٨ ـ الموطأ، للإمام مالك رواية محمد بن الحسن الشيباني، تحقيق عبد الوهاب عبد اللطيف، دار القلم، طبعة أولى.
٤٩ ـ نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار من أحاديث سيد الأخيار، للإمام محمد بن علي الشوكاني، المتوفى ١٢٥٥هـ.
٥٠ ـ هذا هو الإسلام، سلسلة رسائل الدكتور مصطفى السباعي، المكتب الإسلامي، طبعة أولى ١٤٠٠هـ ـ ١٩٧٩م.
٥١ ـ وثيقة إنشاء الدولة الإسلامية في المدينة (بحث) مقدم لمؤتمر السنة والسيرة بالقاهرة، إعداد. جعفر عبد السلام علي، كلية الشريعة والقانون، جامعة الأزهر.
٥٢ ـ الوجيز في فقه الإمام الشافعي، للإمام الغزالي، مطبعة حوش قدم.
стр. 11483
المناقشة
الحقوق الدولية في نظر الإسلام
الرئيس:
بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الحقوق الدولية في نظر الإسلام هي موضوع البحث في هذه الجلسة الصباحية. والعارض له الشيخ محمد علي التسخيري، والمقرر الأستاذ محمد الدسوقي. هل الشيخ محمد رأفت موجود؟ إذن هو المقرر. تفضل يا شيخ علي.
حجة الإسلام محمد علي التسخيري:
بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على سيد الأنبياء محمد وآله الطاهرين وصحبه أجمعين.
اللهم إنا نرغب إليك في مستقبل كريم تعز به الإسلام وأهله، وتذل به النفاق وأهله، وتجعلنا فيه من الدعاة إلى طاعتك والقادة إلى سبيلك وترزقنا به كرامة الدنيا والآخرة، وبعد.
فقد قُدمت في موضوع العلاقات الدولية في الإسلام تسعة بحوث تفاوتت في الطول والقصر إلا أنها والحمد لله بحوث قيمة ومفيدة، أحاول هنا أن أستعرضها بإيجاز شديد متبعًا المنهج المطروح في ورقة العمل.
فالشيخ محمد علي عبد الله ذكر في بحثه عن حقوق الدولة في الإسلام مقدمة استعرض فيها بعض خصائص قادة الأمة في صدر الإسلام، ثم أعطى المفهوم الإسلامي عن الدولة وأنماطها التطبيقية، وانتقل للحديث عن حقوق الدولة وواجباتها على ضوء القانون الدولي ثم على ضوء النظرة الإسلامية، فذكر منها حقوق المساواة، والبقاء، والصيانة، والأمن، والاستقلال، شارحًا إياها مؤكدًا على أن هذه الأمور لم تتحقق دوليًّا، وإنما نادى بها الإسلام بكل صدق وسعى لتطبيقها، وقد امتاز بحثه بذكر بعض المصاديق الحاضرة وتبرير ما حدث أخيرًا من أحداث في المنطقة.
стр. 11484
أما الدكتور محمد الدسوقي في بحثه عن أصول العلاقات الدولية بين الإسلام والتشريعات الوضعية بعد أن قدم مقدمة تحدث فيها عن الصفة الواقعية للإسلام عرض تعريفًا للقانون الدولي العام الذي ينظم العلاقات بين الدول، وآخر للقانون الدولي الخاص والذي يحدد اختصاص محاكم الدولة إزاء محاكم الدول الأخرى، وعرض فكرة تاريخية عن تطور القانون الدولي، ثم أكد على أن كلًّا من العرف والمعاهدات هما المصدران المهمان للقانون الدولي العام، ثم استعرض أهم مواد مشروع إعلان حقوق الدول، وواجباتها الذي قدم إلى الجمعية العمومية للأمم المتحدة سنة ١٩٤٨م، فقررت صلاحيته وأحالته إلى الدول الأعضاء لتبدي رأيها فيه، إلا أن الدول جميعها أمسكت عن الرد عليه، ومن ثم انتقل إلى أصول القانون الدولي في الإسلام وقدم لها بالحديث عن الحرب في الإسلام وأنواع الديار وذكر بعض أحكامها، أما الأصول التي ذكرها فهي المساواة بين الناس، السلام أصل العلاقة بينهم، الحرب من أجل السلام، العدالة، احترام العهود، وأخيرًا قارن بين الإسلام والتشريعات الوضعية مبيِّنًا التفوق الإسلامي في هذا المجال.
أما الأستاذ الدكتور الخياط ذكر بدوره القواعد الإسلامية التي تحكم العلاقات الدولية بما يشمل المساواة، والعدالة، واحترام العهود، والإنذار قبل الحرب، وعدم السماح بإنشاء تكتلات ضد الدول، والمعاقبة بالمثل، وملاحظة مصلحة الأمة، وتقديم حقوق العباد على حقوق الله، واختيار أخف الضررين، والتركيز على الدعوة والتزام القيم الإسلامية العليا، وأن السلام أساس العلاقات، وأن الحرب مشروعة في الإسلام. ثم راح يتحدث عن العلاقات أثناء السلم رادًّا على من أكد أصالة الحرب بذكر الآيات الدالة على جعل السلام هو الأصل شريطة أن يسمح للدعوة الإسلامية أن تطرح رؤيتها بحرية. ثم انتقل حفظه الله إلى المعاهدات والاتفاقيات فبيّن تعريفها، ومشروعيتها، ولزوم الوفاء بها، وأنواعها فهي تجارية وسياسية وعسكرية، وما يترتب على ذلك من أحكام إسلامية مشترطًا أمرين: الأهلية، فلا يملك عقد المعاهدات إلا الإمام أو نائبه إلا لضرورة، ثم الرضا. وتعرّض إلى عقد الأمان الخاص الصادر من آحاد المسلمين، والعام الذي تعطيه الدولة وكنههما وحكمهما, وصفتهما ومدتهما وما يترتب عليهما. ومن أنواع الأمان التي تعرض لها: الموادعة وركنها اللفظ وشرطها الضرورة وحكمها الأمان على لنفوس والأموال والذراري والبلدان.
أما الأستاذ الشيخ رجب التميمي ـ حفظه الله ـ ركز في بحثه على أن الإنسانية أمة واحدة دعاها الإسلام إلى التعاون والتسامح والحرية والتمسك بالفضيلة والعدالة والسلام والوفاء بالعهد، أما المصالح الإنسانية العليا فتكمن في المحافظة على الدين والنفس والنسل والعقل والمال. وقد استعرض الشيخ الآراء الإسلامية في مجالات السلم والحرب وذكر الديار التي عرفها الإسلام. كما تعرض لأحكام الذمة والاستئمان.
стр. 11485
وفي مجال العلاقة بين المسلمين وغيرهم كتب الأستاذ محمد الحاج الناصر بحثه المفصل مقدمًا بذكر نبذة عن كلمات الدولة والأمة والشعب لينتقل لبيان معالم العلاقات السلمية بين المسلمين وغيرهم، وتتمثل في:
أولا: التمييز في التعامل بين حقوق المواطنة وبين مسألة الركون القلبي وله فيه بحث علمي مفصل.
ثانيا: ضبط قواعد ومبيحات للتعامل مع من لا يتعايش معهم مواطنًا أو جارًا.
وقد حدد الفرق بين المواطن والمجاور، وما يترتب عليه من أحكام مع الإشارة إلى الوثيقة التي واثق بها رسول الله ﷺ غداة هجرته إلى المدينة بين سكانها , وأخذ منها أحكام أهل الذمة، وقد تم خلال ذلك البحث التمييز بين المهادنة والمعاهدة والمواثقة. كما جاء الحديث عن قضية الحرب وأنها مما لا يلجأ إليه إلا لرد الاعتداء، وكذلك الحديث عن الديار التي يعرفها الإسلام والعلاقات بين المسلمين وغيرهم. وقد ذكر الأستاذ أن هذا البحث مقدمة لبحث أكثر تفصيلًا له في المستقبل مكانه.
أما الأستاذ محمد رأفت سعيد تحدث أولًا عن قضية السلام في الإسلام واعتبره أصلًا مع ذكر آراء علماء السلف، وتطبيقات القادة، ثم ركز على عنصر الجهاد ومراحله وبواعثه وأهدافه، مارًّا بأخلاق الجهاد ومنتهيًا إلى الآثار المترتبة عليه، ومنتقلا بعد هذا إلى موضوع العلاقات الدولية إذ أكد ضرورة الاتصال بين الأفراد والدول وأن الإسلام أقام العلاقات الداخلية على المودة والرحمة، كما وضع أسسًا للعلاقة بين الدولة المسلمة والدول الأخرى. وأخيرا كتب بحثًا يرد فيه شبهات الإكراه في الدين والجزية والرق.
هذا وقد جاء بحث الأستاذ الشيخ محمد عبده أيضًا مُركِّزًا على العلاقات بين المسلمين وغيرهم أثناء السلام ومؤكدًا على أن السلام في الإسلام هو الأصل، ومبيِّنًا أهداف الإسلام من الحرب والنظرة الإسلامية للمعاهدات على أنها عهد يجب الوفاء به، ومؤكدًا ـ أيضًا ـ على أن الحرب إنما شرعت لدفع الاعتداء وتأمين الدعوة الإسلامية، ومستعرضًا بعض المبادئ والأحكام التي تحكم عملية الحرب هذه ثم أحكام الأسرى بما فيها من جوانب للرحمة.
وهكذا بين الشيخ آدم عبد الله على - أيضًا - أحكام الأسرى كموضوع قتل الأسير وبعض تطبيقاته في عصر الرسول ﵊ حيث لم يقتل من الأسرى إلا من أحدث أمرًا خطيرًا قبل أسره في إيذاء المسلمين، وموضوع المن على الأسير دون مقابل، وتطبيقاته أيضا، وحكم الفداء، وحكم الاسترقاق، وحكم من ادعى الإسلام من الأسرى، وحكم التفريق بين الأم وولدها، والأسير المتزوج، ثم التعامل مع الأسرى.
أما بحثي المتواضع، فقد ركز على هذا الجانب بالخصوص مؤكِّدًا على التوازن الحكيم الذي راعاه الإسلام بين عنصري الرحمة والمصلحة الإسلامية من خلال بيان نوع التعليمات الحربية قبل القتال والتركيز على عنصر الدعوة وعدم الهجوم المباغت ونوع الوسائل التي يختارها والموارد التي يجوز فيها التأسير، وكيفية وعملية إطلاق سراح الأسرى وحقوقهم التي تشمل العطف بهم وإطعامهم وسقيهم وتوفير ألبستهم واحترام مراتبهم وتوفير الدواء لهم والعمل على هدايتهم إلى الحق وعدم قتل الأسير من البغاة وأخذ البيعة من الأسير القوي ثم إطلاق سراحه، وعدم معاملة أسرى البغاة بالمثل، وعدم قتل الأسير إن أسلم قبل النصر. وقد أكدت في الختام على أن الموقف في النهاية يعود إلى قائد الدولة الإسلامية، وهو يتصف فرضًا بأسمى درجات الالتزام بالشريعة. كما لاحظت أن بعض الأحكام التي استنبطها الفقهاء ﵏ ربما لم يراع فيها نوعية الظروف التي جرت الحادثة فيها , وأكدتُ على حقيقة هامة هي أنه متى تم التزاحم بين نزعتي الرحمة والمصلحة فالذي تشير إليه النصوص الإسلامية هو ترجيح النزعة الإنسانية مهما أمكن إلا أن يتوجه خطر كبير للمصلحة العليا وحينئذ فهي المقدمة.