← Фикх общий

Фикх общий · id 8356

مجلة مجمع الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (22 276 стр.). Показаны 11481–11520 · переход к 11486.

стр. 11481

٣٤ ـ اللباب في شرح الكتاب، على كتاب الإمام أبي الحسن القدوري في فقه السادة الحنفية، للعلامة الشيخ عبد الغني الميداني الدمشقي، طبعة ١٣٤٦هـ، سنة ١٩٢٧م. ٣٥ ـ لسان العرب، للإمام ابن منظور، دار صادر، بيروت. ٣٦ ـ المبدع في شرح المقنع، لأبي إسحاق بن مفلح الحنبلي، المتوفى سنة ٨٨٤هـ، المكتب الإسلامي ١٩٨٠م. ٣٧ ـ المجموع شرح مهذب الشيرازي، تحقيق وتكملة محمد نجيب المطيعي، طبعة أولى، توزيع المكتبة العالمية بالفجالة. ٣٨ ـ مجموع المبدع: المطلع على أبواب المقنع ومعه معجم ألفاظ الفقه الحنبلي، للإمام أبي عبد الله محمد أبي الفتح البعلي الحنبلي، المتوفى سنة ٧٠٩هـ، صنع محمد بشير الأدلبي، المكتب الإسلامي ١٤٠١هـ ـ ١٩٨١م. ٣٩ ـ محاضرة: تعامل المسلمين مع مخالفيهم في الدين، للأستاذ الدكتور عبد المجيد محمود، قسم الثقافة الإسلامية بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض ١٤٠٠هـ. ٤٠ ـ المحرر في الفقه على مذهب الإمام أحمد بن حنبل، للإمام مجد الدين أبي البركات، المتوفى سنة ٦٥٢هـ، طبعة ثانية ١٤٠٤هـ ـ ١٩٨٤م. ٤١ ـ المحلى، لابن حزم، المتوفى سنة ٤٥٦هـ، المطبعة المنيرية ١٣٥٢هـ.

стр. 11482

٤٢ ـ المسند، للإمام أحمد بن حنبل، تحقيق أحمد شاكر، دار المعارف بالقاهرة ١٩٤٩م. ٤٣ ـ المصنف، للحافظ عبد الرزاق بن همام الصنعاني، المتوفى سنة ٢١١هـ، تحقيق حبيب الرحمن الأعظمى، طبعة ثانية ١٤٠٣هـ ـ ١٩٨٣م، المكتب الإسلامي، بيروت. ٤٤ ـ المغني، لابن قدامة، المتوفى سنة ٦٢٠هـ، مكتبة الرياض الحديثة بالرياض. ٤٥ ـ المقنع في فقه إمام السنة أحمد بن حنبل الشيباني، ﵁، لابن قدامة، طبعة ثانية، منشورات المؤسسة السعيدية. ٤٦ ـ المنظمات الدولية المتخصصة والإقليمية، د. مصطفى سيد عبد الرحمن، كلية الحقوق، جامعة القاهرة. ٤٧ ـ موسوعة فقه عمر بن الخطاب، للدكتور محمد رواس قلعجي، مكتبة الفلاح، طبعة أولى ١٤٠١هـ ـ ١٩٨١م. ٤٨ ـ الموطأ، للإمام مالك رواية محمد بن الحسن الشيباني، تحقيق عبد الوهاب عبد اللطيف، دار القلم، طبعة أولى. ٤٩ ـ نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار من أحاديث سيد الأخيار، للإمام محمد بن علي الشوكاني، المتوفى ١٢٥٥هـ. ٥٠ ـ هذا هو الإسلام، سلسلة رسائل الدكتور مصطفى السباعي، المكتب الإسلامي، طبعة أولى ١٤٠٠هـ ـ ١٩٧٩م. ٥١ ـ وثيقة إنشاء الدولة الإسلامية في المدينة (بحث) مقدم لمؤتمر السنة والسيرة بالقاهرة، إعداد. جعفر عبد السلام علي، كلية الشريعة والقانون، جامعة الأزهر. ٥٢ ـ الوجيز في فقه الإمام الشافعي، للإمام الغزالي، مطبعة حوش قدم.

стр. 11483

المناقشة الحقوق الدولية في نظر الإسلام الرئيس: بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. الحقوق الدولية في نظر الإسلام هي موضوع البحث في هذه الجلسة الصباحية. والعارض له الشيخ محمد علي التسخيري، والمقرر الأستاذ محمد الدسوقي. هل الشيخ محمد رأفت موجود؟ إذن هو المقرر. تفضل يا شيخ علي. حجة الإسلام محمد علي التسخيري: بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على سيد الأنبياء محمد وآله الطاهرين وصحبه أجمعين. اللهم إنا نرغب إليك في مستقبل كريم تعز به الإسلام وأهله، وتذل به النفاق وأهله، وتجعلنا فيه من الدعاة إلى طاعتك والقادة إلى سبيلك وترزقنا به كرامة الدنيا والآخرة، وبعد. فقد قُدمت في موضوع العلاقات الدولية في الإسلام تسعة بحوث تفاوتت في الطول والقصر إلا أنها والحمد لله بحوث قيمة ومفيدة، أحاول هنا أن أستعرضها بإيجاز شديد متبعًا المنهج المطروح في ورقة العمل. فالشيخ محمد علي عبد الله ذكر في بحثه عن حقوق الدولة في الإسلام مقدمة استعرض فيها بعض خصائص قادة الأمة في صدر الإسلام، ثم أعطى المفهوم الإسلامي عن الدولة وأنماطها التطبيقية، وانتقل للحديث عن حقوق الدولة وواجباتها على ضوء القانون الدولي ثم على ضوء النظرة الإسلامية، فذكر منها حقوق المساواة، والبقاء، والصيانة، والأمن، والاستقلال، شارحًا إياها مؤكدًا على أن هذه الأمور لم تتحقق دوليًّا، وإنما نادى بها الإسلام بكل صدق وسعى لتطبيقها، وقد امتاز بحثه بذكر بعض المصاديق الحاضرة وتبرير ما حدث أخيرًا من أحداث في المنطقة.

стр. 11484

أما الدكتور محمد الدسوقي في بحثه عن أصول العلاقات الدولية بين الإسلام والتشريعات الوضعية بعد أن قدم مقدمة تحدث فيها عن الصفة الواقعية للإسلام عرض تعريفًا للقانون الدولي العام الذي ينظم العلاقات بين الدول، وآخر للقانون الدولي الخاص والذي يحدد اختصاص محاكم الدولة إزاء محاكم الدول الأخرى، وعرض فكرة تاريخية عن تطور القانون الدولي، ثم أكد على أن كلًّا من العرف والمعاهدات هما المصدران المهمان للقانون الدولي العام، ثم استعرض أهم مواد مشروع إعلان حقوق الدول، وواجباتها الذي قدم إلى الجمعية العمومية للأمم المتحدة سنة ١٩٤٨م، فقررت صلاحيته وأحالته إلى الدول الأعضاء لتبدي رأيها فيه، إلا أن الدول جميعها أمسكت عن الرد عليه، ومن ثم انتقل إلى أصول القانون الدولي في الإسلام وقدم لها بالحديث عن الحرب في الإسلام وأنواع الديار وذكر بعض أحكامها، أما الأصول التي ذكرها فهي المساواة بين الناس، السلام أصل العلاقة بينهم، الحرب من أجل السلام، العدالة، احترام العهود، وأخيرًا قارن بين الإسلام والتشريعات الوضعية مبيِّنًا التفوق الإسلامي في هذا المجال. أما الأستاذ الدكتور الخياط ذكر بدوره القواعد الإسلامية التي تحكم العلاقات الدولية بما يشمل المساواة، والعدالة، واحترام العهود، والإنذار قبل الحرب، وعدم السماح بإنشاء تكتلات ضد الدول، والمعاقبة بالمثل، وملاحظة مصلحة الأمة، وتقديم حقوق العباد على حقوق الله، واختيار أخف الضررين، والتركيز على الدعوة والتزام القيم الإسلامية العليا، وأن السلام أساس العلاقات، وأن الحرب مشروعة في الإسلام. ثم راح يتحدث عن العلاقات أثناء السلم رادًّا على من أكد أصالة الحرب بذكر الآيات الدالة على جعل السلام هو الأصل شريطة أن يسمح للدعوة الإسلامية أن تطرح رؤيتها بحرية. ثم انتقل حفظه الله إلى المعاهدات والاتفاقيات فبيّن تعريفها، ومشروعيتها، ولزوم الوفاء بها، وأنواعها فهي تجارية وسياسية وعسكرية، وما يترتب على ذلك من أحكام إسلامية مشترطًا أمرين: الأهلية، فلا يملك عقد المعاهدات إلا الإمام أو نائبه إلا لضرورة، ثم الرضا. وتعرّض إلى عقد الأمان الخاص الصادر من آحاد المسلمين، والعام الذي تعطيه الدولة وكنههما وحكمهما, وصفتهما ومدتهما وما يترتب عليهما. ومن أنواع الأمان التي تعرض لها: الموادعة وركنها اللفظ وشرطها الضرورة وحكمها الأمان على لنفوس والأموال والذراري والبلدان. أما الأستاذ الشيخ رجب التميمي ـ حفظه الله ـ ركز في بحثه على أن الإنسانية أمة واحدة دعاها الإسلام إلى التعاون والتسامح والحرية والتمسك بالفضيلة والعدالة والسلام والوفاء بالعهد، أما المصالح الإنسانية العليا فتكمن في المحافظة على الدين والنفس والنسل والعقل والمال. وقد استعرض الشيخ الآراء الإسلامية في مجالات السلم والحرب وذكر الديار التي عرفها الإسلام. كما تعرض لأحكام الذمة والاستئمان.

стр. 11485

وفي مجال العلاقة بين المسلمين وغيرهم كتب الأستاذ محمد الحاج الناصر بحثه المفصل مقدمًا بذكر نبذة عن كلمات الدولة والأمة والشعب لينتقل لبيان معالم العلاقات السلمية بين المسلمين وغيرهم، وتتمثل في: أولا: التمييز في التعامل بين حقوق المواطنة وبين مسألة الركون القلبي وله فيه بحث علمي مفصل. ثانيا: ضبط قواعد ومبيحات للتعامل مع من لا يتعايش معهم مواطنًا أو جارًا. وقد حدد الفرق بين المواطن والمجاور، وما يترتب عليه من أحكام مع الإشارة إلى الوثيقة التي واثق بها رسول الله ﷺ غداة هجرته إلى المدينة بين سكانها , وأخذ منها أحكام أهل الذمة، وقد تم خلال ذلك البحث التمييز بين المهادنة والمعاهدة والمواثقة. كما جاء الحديث عن قضية الحرب وأنها مما لا يلجأ إليه إلا لرد الاعتداء، وكذلك الحديث عن الديار التي يعرفها الإسلام والعلاقات بين المسلمين وغيرهم. وقد ذكر الأستاذ أن هذا البحث مقدمة لبحث أكثر تفصيلًا له في المستقبل مكانه. أما الأستاذ محمد رأفت سعيد تحدث أولًا عن قضية السلام في الإسلام واعتبره أصلًا مع ذكر آراء علماء السلف، وتطبيقات القادة، ثم ركز على عنصر الجهاد ومراحله وبواعثه وأهدافه، مارًّا بأخلاق الجهاد ومنتهيًا إلى الآثار المترتبة عليه، ومنتقلا بعد هذا إلى موضوع العلاقات الدولية إذ أكد ضرورة الاتصال بين الأفراد والدول وأن الإسلام أقام العلاقات الداخلية على المودة والرحمة، كما وضع أسسًا للعلاقة بين الدولة المسلمة والدول الأخرى. وأخيرا كتب بحثًا يرد فيه شبهات الإكراه في الدين والجزية والرق. هذا وقد جاء بحث الأستاذ الشيخ محمد عبده أيضًا مُركِّزًا على العلاقات بين المسلمين وغيرهم أثناء السلام ومؤكدًا على أن السلام في الإسلام هو الأصل، ومبيِّنًا أهداف الإسلام من الحرب والنظرة الإسلامية للمعاهدات على أنها عهد يجب الوفاء به، ومؤكدًا ـ أيضًا ـ على أن الحرب إنما شرعت لدفع الاعتداء وتأمين الدعوة الإسلامية، ومستعرضًا بعض المبادئ والأحكام التي تحكم عملية الحرب هذه ثم أحكام الأسرى بما فيها من جوانب للرحمة. وهكذا بين الشيخ آدم عبد الله على - أيضًا - أحكام الأسرى كموضوع قتل الأسير وبعض تطبيقاته في عصر الرسول ﵊ حيث لم يقتل من الأسرى إلا من أحدث أمرًا خطيرًا قبل أسره في إيذاء المسلمين، وموضوع المن على الأسير دون مقابل، وتطبيقاته أيضا، وحكم الفداء، وحكم الاسترقاق، وحكم من ادعى الإسلام من الأسرى، وحكم التفريق بين الأم وولدها، والأسير المتزوج، ثم التعامل مع الأسرى. أما بحثي المتواضع، فقد ركز على هذا الجانب بالخصوص مؤكِّدًا على التوازن الحكيم الذي راعاه الإسلام بين عنصري الرحمة والمصلحة الإسلامية من خلال بيان نوع التعليمات الحربية قبل القتال والتركيز على عنصر الدعوة وعدم الهجوم المباغت ونوع الوسائل التي يختارها والموارد التي يجوز فيها التأسير، وكيفية وعملية إطلاق سراح الأسرى وحقوقهم التي تشمل العطف بهم وإطعامهم وسقيهم وتوفير ألبستهم واحترام مراتبهم وتوفير الدواء لهم والعمل على هدايتهم إلى الحق وعدم قتل الأسير من البغاة وأخذ البيعة من الأسير القوي ثم إطلاق سراحه، وعدم معاملة أسرى البغاة بالمثل، وعدم قتل الأسير إن أسلم قبل النصر. وقد أكدت في الختام على أن الموقف في النهاية يعود إلى قائد الدولة الإسلامية، وهو يتصف فرضًا بأسمى درجات الالتزام بالشريعة. كما لاحظت أن بعض الأحكام التي استنبطها الفقهاء ﵏ ربما لم يراع فيها نوعية الظروف التي جرت الحادثة فيها , وأكدتُ على حقيقة هامة هي أنه متى تم التزاحم بين نزعتي الرحمة والمصلحة فالذي تشير إليه النصوص الإسلامية هو ترجيح النزعة الإنسانية مهما أمكن إلا أن يتوجه خطر كبير للمصلحة العليا وحينئذ فهي المقدمة.

стр. 11486

هذا استعراض سريع للبحوث. وختامًا أود أن أبدي الملاحظتين التاليتين مُتْبِعًا ذلك باقتراح عام: أولا: إن هذه البحوث رغم قيمتها العلمية لم تستوف في رأيي جوانب هذا الموضوع المهم، وربما كان ذلك لسعته في نفسه بحيث لا يمكن أن يستوعبه مقام حتى ولو كان ذلك بشكل مفهرس، فموضوع مبدأ تأليف القلوب هذا المبدأ له أثر كبير في العلاقات الدولية، ومبدأ التعامل بالمثل إلا قليل أشير إليه، ومبدأ تعبئة كل الطاقات ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم﴾ ومبدأ الموقف الإسلامي الموحد من القضايا الدولية، لم تجد مكانها اللائق في البحوث. ثانيا: إنها لم تتحدث بشكل نظري عن المفروض في الصورة الإسلامية ثم الواقع القائم حيث تفترض في الأرض دوائر ثلاث هي: دار الحرب، ودار العهد، ودار الإسلام، ثم تنظم العلاقات العامة بينها وبشكل ينطبق والتعبيرات الحديثة والمستجدات , ثم ينتقل بعد هذا إلى الواقع القائم الممزق في عالمنا الإسلامي لتنظم العلاقات بين الحكومات فيه كواقع استثنائي , وهي علاقات تتفاوت عن غيرها. وهنا أقترح تشكيل لجنة تضع لائحة للحقوق الدولية كما يتصورها الإسلام خلال العام الآتي لعرضها على الدورة القادمة بعد أن نرسم لها هنا الخطوط العريضة لعملها أو تقام ندوة متخصصة لذلك، فإذا أمكننا أن نقدم صورة متكاملة كان من الممكن أن نطرحها في مؤتمرات دولية ذلك أن الأمم المتحدة اعتبرت السنوات العشر الأواخر من القرن العشرين عَشْرَ العلاقات والحقوق الدولية , لعلنا نعوض عن النقص الذي عانينا منه طويلًا نتيجة عدم اشتراكنا في تنظيم هذه الحقوق المعمول بها اليوم كأمة إسلامية ونظرية إسلامية إنسانية لها خصائصها. والله الموفق، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 11487

الدكتور معروف الدواليبي: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سيدي الرئيس، إخواني السادة العلماء. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على الذي أنزل عليه القرآن رحمة للعالمين، وبعد: فإنه ليسرني أن تنتدبني الرئاسة الموقرة لأكون العارض الثاني بعد العرض الأول الهام الجامع الشامل من قبل فضيلة الأستاذ الجليل محمد علي التسخيري حول الحقوق الدولية في الإسلام، وأرجو أن يكون عرضي متمًّا لعرضه الأول، وذلك لأنني ألفت فيه النظر إلى الندوة التي أقيمت في الشهر الماضي في واشنطن تحت عنوان " أمريكا والسلام وتحديات التسعينيات" والتي أردت أن يطلع عليها مؤتمركم الآن؛ لأن الحدث كان في الشهر الماضي وهو خطير جدًّا , وإليكم تلخيصه: ففي هذه الندوة التي أقيمت في الشهر الماضي في واشنطن تحت عنوان "أمريكا والإسلام وتحديات التسعينيات" والتي نظمها معهد دراسات الشرق الأوسط الأمريكي في واشنطن، وقد جاء فيها توصيات أعدتها لهذه الندوة لجنة العمل الأمريكية الإسرائيلية (EPC) وهي أعظم منظمة إسرائيلية تهاجم الإسلام والمسلمين في كل مكان, وقد اعتبرت ـ كما نشرت الصحافة هذه التوصيات وفي هذا الوقت بالذات الذي يدعو العالم إلى نظام عالمي جديد ـ اعتبرت تلك التوصيات تصعيدًا جديدًا مقصودًا لتشويه حقائق الإسلام العالمية الإنسانية، وذلك بالزعم بأن الإسلام يهدد الحضارة الغربية وأن الإسلام قد أصبح بعد سقوط الشيوعية هو العدو الأول بل التحدي الوحيد للغرب وليس هذا من عندي وإنما أنقل ما جاء في هذه الأخبار، وكما رفعت نسخة عن هذه النشرة الدولية إلى مقام الرئاسة، ولذلك لست أتكلم من عندي وإنما أنقل ما جاء بالحرف حيث قالوا: إن الإسلام قد أصبح بعد سقوط الشيوعية هو العدو الأول بل التحدي الوحيد للغرب، وقالوا: إن الكثيرين من الأمريكيين قد أصبحوا ينظرون إلى المسلمن كأعداء وأنهم شعوب غير متحضرة وأنهم دمويون وأنهم غير منطقيين، كما نقلت كل ذلك جريدة الشرق الأوسط العربية الدولية بتاريخ الأحد الأسبق تمامًا في الأسبوع الماضي وذلك في اليوم السادس من الشهر الخامس الميلادي (مايو) ١٩٩٢م، وقد جاء في هذه التوصيات الصراحة بالدعوة إلى مواجهة الدعاة المصممين على الدعوة لتطبيق الشريعة الإسلامية، والمصممين على أن الإسلام دين ودولة، وأضافت أيضًا بأنه يجب أن نساند الحركة العلمانية في هذه البلاد. ولذلك فقد سارعت فور وصولي إلى جدة وما كنت أريد أن أتكلم في هذا الموضوع وإنما أكون مستمعًا , ورفعت نسخة إلى الأمانة العامة الموقرة عما جاء في الأخبار العالمية عن هذه الندوة الأمريكية في واشنطن من تشويه حقائق الإسلام وشريعته الدولية الإنسانية العقلانية الخطاب والعلمية الحوار ليتخذ المجمع في دورته هذه ما يراه مناسبًا وحكيمًا تجاه تلك التشويهات والتوصيات المشوهة لحقائق الإسلام، وذلك لا بالرد الصحفي والإعلامي المثير للأحقاد، فالإسلام داعية للسلام وإنما فيما أرى بدعوة معهد الدراسات المذكور الذي أقام هذه الندوة وكذلك بعض الشخصيات الكبرى التي ساهمت في هذا التشويه للإسلام وذلك بدعوتهم جميعًا إلى حوار علني ودي ضمن أدب الحوار القرآني الإسلامي من أجل السلام العالمي الذي أمرنا به الله في القرآن الكريم , حيث قال: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ .

стр. 11488

وحيث قال أيضا: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ . وذلك ـ يا سيدي ـ من أجل التعارف الذي دعا إليه القرآن الكريم بقول الله : ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ . ويقول: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ . وهذه الآية بالذات إنما نزلت بعد صلح الحديبية عندما وجد المسلمون بعد صلح الحديبية أنفسهم مع من سلبوا أموالهم وطردوهم، فكان في قلبهم شيء من الحقد على من أوجب عليهم أن يلتقوا بهم فنزل الله : ﴿وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُواْ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ . فانظروا هذا الجديد في الإسلام أعداء مشركون ولكن بعد إقامة الصلح قال: ﴿وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ﴾ لا يحملنكم ﴿شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُواْ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ . هذا شيء جديد لم يكن قبل الإسلام وحتى الآن غير موجود فيما بين الأديان والأقوام، وندعوهم ـ أيضًا ـ من أجل التعريف بحقائق الإسلام السامية ورسالته العالمية الإنسانية العقلانية الخطاب والعلمية في الحوار والداعية لجميع الأمم والشعوب قبل أربعة عشر قرنًا إلى نظام عالمي جديد إنساني يقوم على التعاون والتكافل في شؤون الحياة الكريمة فيما بين جميع بني الإنسان على اختلاف الأعراق والأجناس والأوطان والأديان وكل ذلك جديد لم تعرفه الحقوق الدولية العالمية لا من قبل ولا حتى الآن. وعلى أساس أن الخلق كلهم عيال الله وأن أحبهم إليه أنفعهم لعياله، كما أعلنه رسول الإسلام ﵊ ما لم يقاتلون في الدين أو يخرجونا من ديارنا. ويسرنا أن نعلن أن كل ما عدا ذلك هو جهل بحقائق الإسلام بل افتئات عليه وداع إلى الإفساد في الأرض وإننا بدعوة معهد دراسات الشرق الأوسط في واشنطن لهذا الحوار لمنتظرون إن كانوا لخير الأسرة البشرية عائدين: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ .

стр. 11489

ويسرني في هذا المقام أن أنوه بالمنهج الذي انتهجته المملكة العربية السعودية وعلماؤها في مثل هذه الحملات أن أذكر بما قد كان من استجابتهم عام ١٩٧٤م. في وفد علمي رأسه المرحوم الشيخ محمد الحركان بعضوية الشيخ محمد بن جبير والشيخ راشد بن خنين وأحد كبار العلماء لا يحضرني الآن اسمه فقد شرفت بمرافقتهم في باريس وجنيف وروما والفاتيكان والمجلس الوزاري الأوروبي في سراسبو للحوار العلمي الهادئ الذي كان له أطيب الأثر في أوروبا كلها حينذاك. ولقد استجاب وفد العلماء لبيان الحقائق حول جميع ما كان لدى الأوروبيين من معلومات خاطئة ومشوهة للإسلام، كما يسرني في هذه الكلمة أن أوجز هنا حقيقة الإسلام وشريعته الإنسانية العالمية العقلانية والعلمية وأنها - في جملة - نقلة من قومية الأديان المتناحرة سابقًا في كل أدوار التاريخ إلى عالمية الإسلام في شريعته التي قامت على دعوة إيمانية وفق مبادئها الإنسانية كما لخصتها صحيفة المدينة النبوية الدستورية والتي جاء فيها الدعوة الصريحة، وهذه صحيفة المدينة بحق أول دستور مكتوب ظهر في العالم لم يكن له مثل من قبل ولم يلحق به فيما بعد. ظهرت الدعوة في هذه الصحيفة إلى التعايش السلمي والتعاون الإنساني ما بين مختلف الأعراق والأجناس والأديان على أساس كلمة سواء ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا , وعلى أساس أنه لا إكراه في الدين وعلى أساس البر بمن يخالفنا في الدين ما لم يقاتلون في الدين أو يخرجونا من ديارنا، وعلى أساس التعاون على البر والتقوى ما بين الجميع، وعلى أساس أنهم كلهم عيال الله وأن أحبهم إليه أنفعهم لعياله , وأن الله كرم بني آدم جميعهم من غير فضل لعربي على أعجمي ولا لأبيض على أسود , وكان الإسلام بذلك وحده الذي أقام السلام في الأرض عملا بمنهاجه ونظامه العالمي الجديد وشريعته التي احترمت حرية العقيدة لجميع من هم تحت راية الإسلام , ولا ننسى صحيفة المدينة حيث جاء في هذه الصحيفة في هذا الموضوع: المسلمون من قريش والمسلمون من أهل يثرب ومن قاتل مع أهل يثرب قتالهم وجاهد جهادهم وعددهم. وكانوا تسع طوائف من اليهود فقال: لليهود دينهم ولنا ديننا، ولهم النَّصَفُ والمساواة بالمسلمين ولا أحد يلتفت إلى معنى النَّصَف هذه الكلمة كانت معروفة في ذلك الوقت ـ وقت البعثة النبوية ـ باعتبار أنني من جملة ما لخصت فيه بعض الدراسات الاختصاصية في الجامعات الغربية حول الحقوق الكنسية التي تتطلب من الدارس التعمق في دراسة الإنجيل والتوراة وتاريخ التشريع الكنسي مدى الأدوار حتى الآن، فكان علي وأنا المسلم ورغبت أن أدرس، فعندما رجعت إلى هذا التشريع فوجدت عجبًا، ففي إنجيل متى ونصه العالمي حيث جاء عن المسيح ﵊ عندما كان يقوم بدعوته لبني إسرائيل وقد كفروا به رغم ما قام به من معجزات لم يشف المرضى بل أحيى أحيانًا الموتى فلحقته امرأة كنعانية عربية وتقول له ـ كما جاء في إنجيل متى ـ إن ابنها يموت وما عندها غيره وتبكي وتطلب منه أن يأتي ويساعدها وينقذ ابنها فلم يرد عليها المسيح ـ كما جاء في الإنجيل لا نقول كما هو الواقع، لا ندري ـ فلم يرد عليها والحواريون وراءه فرقت قلوب الحواريين فأخذوا يستنجدون بالمسيح ﵊ ويقولون: يا سيدنا أجبها، وإذا بالمسيح ـ كما يقولون والعهدة عليهم فيما نقوله ـ يقول: إنما أرسلت لخراف بني إسرائيل الضالة، وإليه الإشارة في القرآن الكريم ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ . وقوله: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ . وقوله: ﴿وَآَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ . أما الإسلام فقد جاء فيه: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ هُدًى لِلنَّاسِ﴾ .

стр. 11490

ولأول مرة تخرج الدعوة في الدين من نطاق قوميتها التي قال عنها المسيح كما نقلوا عنه: إنما أرسلت لخراف بني إسرائيل الضالة، ثم نقلوا عنه الكلمة التالية: إننا لا نعطي خبزًا لأولاد الكلاب. هذه هي الشرائع القومية الدينية المنتشرة حتى الآن , وكلنا نعرف الآن المذابح ما بين الهندوس والمسلمين من أجل هدم المسجد البابري , وكذلك اليهودية من أجل هدم المسجد الأقصى , بينما الإسلام لأول مرة في تاريخ الأديان جاء في نص القرآن الكريم ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ﴾ . لأول مرة ينتصب الإسلام على أساس حرية الأديان ليدافع عن الكنائس وتعلمون عهدة النبي ﷺ لنصارى نجران بالمحافظة على كنيستهم وذلك بعد المحرقة التي عملتها اليهود كما اطلعت عليها في دراستي لتاريخ الكنيسة قامت في نجران وحرقوا ثلاثين ألف شخص فقام العالم المسيحي في الدولة الرومانية عندئذ بطبيعة الحال لم تكن لهذه الأخبار سرعة الفاكس والتلكس اليوم فأخذت سنوات حتى عرفت روما ما فعله اليهود الذين هودوا بعض ملوك اليمن فقتلوا فرقة كانت تؤمن ببشرية المسيح وبأنه رسول الله هاربة من نظام الكثلكة , فحرقوا ولكن روما أرادت أن تنتصر لهم بأنهم مسيحيون ولم تكن تعرف الطريق من فلسطين إلى اليمن والمساحات الشاسعة في الصحراء فانتدبت ـ وكان أيضا في مصر الدولة الرومانية ـ الحبشة فقامت الحبشة وتعاونوا ضد الحبشة وقتلت اليهود , ولكن العرب لم يكونوا كلهم يهودًا فقاموا وتعاونوا ضد الحبشة , فعرفت أن لهم معبدًا وهو في مكة , وأرادت أن تهدمه وإليه الإشارة في سورة الفيل بعد الإشارة الأولى في سورة البروج عن تلك المحرقة: ﴿وَالسَّمَاء ذَاتِ الْبُرُوجِ وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ﴾ الآية.

стр. 11491

فالإشارة الأولى إلى المحرقة المذكورة في القرآن، والإشارة الثانية نتيجة هذه الحرب الدولية اشتركت فيها روما مع الحبشة ضد اليهود فعندئذ جاءوا إلى مكة لهدم الكعبة وردوا عنها بمعجزة أشار إليها في سورة الفيل , ولكن روما لم تقف فعندئذ افتتحت الحرب ما بين روما وما بين فارس التي انتصرت حينذاك لليهود فقامت الحرب ما بين الروم وبين فارس وإليه الإشارة: ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ . فكان أول ما فعل اليهود بعد محرقتهم التي حرقوا فيها المسيحيين في نجران فجميع اليهود الذي كانوا في فلسطين وصلتهم الأخبار قبل أن تصل للحكومة الرومانية فإذا بهم يهربون قبل نحو قرن ونصف من مجيء الرسول ﷺ إلى المدينة ليعتصموا فيها خشية من أن ينتقم منهم بالحريق، لذلك لما دخل الرسول ﷺ وقال: ((المسلمون من قريش والمسلمون من أهل يثرب ومن قاتل قتال أهل يثرب - وعددهم تسعة قبائل بالأسماء - من اليهود. وقال: لليهود دينهم ولنا ديننا ولهم المناصرة والمساواة بالمسلمين)) ، أفيدونا متى كان مثل هذا الاعتقاد في حرية الأديان على المستوى الدولي والإنساني والعالمي من قبل ومن بعد؟ هذه أشرت إليها في دراساتي ولو لم أكن درست حبًّا بالاطلاع على الشرائع المسيحية والعداء القائم بين المسيحية واليهود لما اطلعت على هذه القصة ولما استطعت أن أجد لها التفسير ـ كلمة المناصرة ـ المناصرة على من؟ وإذا بهم هاربون من فلسطين خشية أن ينتقم منهم، وهكذا كان الإسلام في ذلك وحده الذي أقام السلام في الأرض عملًا بمنهاجه ونظامه العالمي الحديث وشريعته التي احترمت حرية العقيدة لجميع من هم تحت راية الإسلام وضمنت لهم المساواة بالمسلمين في الحياة الكريمة فقد حمى نصارى نجران عندما خاف أن تتكرر عليهم المذبحة من اليهود، ولكنه من قبل حمى اليهود أيضًا من غزو الدولة الرومانية إلى المدينة وتقتيلهم، كما قد كان أعلنه رسول الله ﷺ لليهود اللاجئين إلى المدينة هربًا من مذابح دولة الرومان النصرانية في فلسطين حينذاك إذ قال لهم: ((لليهود دينهم وللمسلمين دينهم ولليهود المناصرة والمساواة بالمسلمين)) ، وهكذا يكون الإسلام هو أول نظام عالمي إنساني يقوم على الإيمان وضمان حقوق الإنسان.

стр. 11492

واسمحوا لي أن أختم بكلمة خادم الحرمين الشريفين الذي توجه بها , وأكرر على مسامعكم الكلمة القيمة التي وجهها إلى مجمعكم الكريم حيث قال بجرأة المسؤول والمؤمن الصادق: إن الإسلام يغزى اليوم في كل ميدان - هذه الكلمة جاءت بعدما انتشرت هذه الأخبار في الهجوم على الإسلام في قلب واشنطن - إن الإسلام يغزى اليوم في كل ميدان سياسيًّا وفكريًّا وعداوة أعدائه له عداوة شرسة دائمة لن تنقضي إلى يوم الدين مصداقا لقوله : ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ . ثم يضيف ـ حفظه الله ـ: فلا بد من حشد جميع القوى والطاقات لمواجهة أعداء المسلمين الحقيقيين لا إزهاقها في خلافات جانبية أو فتح جبهات في الصف الإسلامي تذهله عن معركته الكبرى وتغشي بصره عن عدوه الحقيقي الذي لا تغفو عيناه لحظة واحدة. وإلى أن قال: ونخشى أن تشتد ضراوة المسلمين بعضهم على بعض وأن يقسو بأسهم فيما بينهم إذا اختلفوا في رأي أو فتيا بل في أمر ثانويٍّ ليس من أسس العقيدة أو أركانها ونسمع عندئذ صيحات التكفير والتفسيق والتجهيل والتضليل والقذف والتبديع. وكما أشار إلى مثل ذلك أيضا منذ شهر تقريبًا سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز عندما أشار بهذه المناسبة وأذاع بيان ودعا المسلمين إلى أن لا تؤدي السرعة في اختلافات الاجتهاد إلى التكفير والتضليل. وإلى أن ختم خادم الحرمين كلمته: وإنا ندعو على بصيرة إلى ما فيه توحيد الأمة الإسلامية لا تفريق كلمتها وتشتيت رأيها وصدع صفها وندع الكلام فيما اختلف فيه ما دام ليس من جوهر العقيدة ونركز على مواطن الاتفاق أخذًا بقاعدة أولويات الدعوة، نحترم آراء الأئمة الكبار المشهود لهم منذ قرون الإسلام الأولى غير مغلقين باب الاجتهاد متى ما استوفيت شروطه ومؤهلاته. فإلى خادم الحرمين الشرييفين الشكر على هذه الكلمة؛ لأننا لا ننسى أن اختلاف المسلمين في القضايا الثانوية قد كانت نقطة ارتكاز لمهاجمي الإسلام وهذا ما يجب أن يأخذ ويلفت النظر إليه مجمعكم الكريم كما أشار إليه خادم الحرمين الشريفين، واغفروا لي إن أطلت عليكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 11493

الرئيس: وعليكم السلام ورحمة الله. شكرًا، أحب أسأل الشيخ معروف هل الأسس التي تفضلتم بها تضمنت الإيمان بنسخ الإسلام لجميع الأديان وأن الإسلام هو آخرها كما أن محمدًا ﷺ هو خاتم الأنبياء والرسل؟ الدكتور معروف الدواليبي: نعم، حرية الأديان تركت ولكن قلت دعوة إيمانية إلى الإسلام، دعوة الإيمان على أساس حرية العقيدة، لا نكره أحدا. الرئيس: المهم هو خير إن شاء الله تعالى. الدكتور محمد عطا السيد: بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، اللهم صل على محمد عبدك ورسولك وأهل بيته كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد. أريد أن أعبر عن أمر اختلج في نفسي ولا زال يختلج ويهز وجداني كما أراه يهز وجدان كل مسلم مخلص لربه ولدينه ولأمته، ولعل هذه الفرصة المناسبة للتعبير عن ذلك. تعلمون يا سيادة الرئيس ويا أيها الإخوة العلماء ما حصل من محنة أليمة قاسية في خليجنا العربي أصابت أماتنا في الصميم وانتكست محاولات جادة طويلة بذلت من قبل لتوحيد هذه الأمة وجمع شتاتها، هذه الحادثة الأليمة وما تبعها من فرقة وانقسام أحدثت في نفوسنا آثارا سلبية مؤلمة للغاية. كانت الحوادث سريعة وخطيرة للغاية جزعت لها النفوس وتحيرت إزائها الأفكار واختلطت بالمقاييس والمنطلقات والمعايير التي توزن بها الأمور، وهذا التشتت في الأفكار والمواقف أمر طبيعي متوقع إزاء مثل هذه الحوادث الخطيرة لما نعلم من قصور البشر وانفعالاتهم، واختلاف أفهامهم ومنطلقاتهم: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ . إن الوضع الذي تعيشه أمتنا اليوم وضع انقسامي لا يرضي الله بحال من الأحوال، ولم يستفد منه إلا أعداء الله تعالى وهم أعداء هذه الأمة ودينها الذين حذر الله منهم في كتابه الكريم، وذكرهم سمو الأمير ماجد بن عبد العزيز ـ حفظه الله تعالى ـ في خطابه عندما قال: هم الذين لا تنام أعينهم لحظة واحدة عن الكيد للمسلمين. بعد هذه الحادثة المفجعة هان أمرنا عند الأعداء وزالت هيبتنا من نفوسهم زوالًا كاملًا وأصبحوا لا يترددون ولا يتخوفون من الكيد لنا بما شاءوا وصاروا الآن يتناولوننا أمة بعد أمة، دولة بعد دولة، يدعون العالم للكيد لنا والقطيعة. هذا الذي نعيشه اليوم يا سيادة الرئيس ويا أيها الإخوة، أمر محرم من أكبر المحرمات مخالف لما دعانا الله إليه حيث قال: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ . وقال تعالى: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ . ونهانا عن ذلك رسول الله ﷺ : ((إياكم وفساد ذات البين)) . وهي الوحدة التي من الله تعالى بها على نبيه محمد ﵊ حيث قال: ﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ . هذا الأمر، يا سيادة الرئيس، أخطر بكثير جدًّا من المسائل التي تكلمنا فيها وناقشناه باستضافة من خيارات وأسواق مالية والتداوي وما إلى ذلك. ولذلك أرى أنه ليس جديرًا بهذا المجمع أن يخرج من دورته هذه دون أن يبدي رأيه إزاء هذه المحنة ويدعو حكام المسلمين لما هو أحسن، لا أريد أن نلوم أحدًا بخطئه ولا نثني على من أصاب , ولكن أريد أن يخرج هذا المجمع بعبارة جامعة شاملة تدعو حكام المسلمين إلى نبذ الخلاف وراءهم وأن يبدأوا فورا في توحيد الصف , ورأب هذا الصدع الكبير وأن يفوتوا الفرصة على أعداء الله، أعداء الأمة.

стр. 11494

ولذلك أقترح على هذا الجمع الكريم أن يكون لجنة عالية للخروج بصيغة هامة في هذا الأمر كما ذكرت وهذا يكون من صميم واجباتنا وهو تقديم النصح الهادئ، وكذلك تنوير الناس بحكم الله تعالى فيما يجِدّ من مثل هذه النوازل وفيما نحن فيه من فتنة ومحنة، ويقول الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ . كما أرجو من إخواني العلماء عند مناقشتهم ومداخلاتهم في هذا الأمر أن يضعوا وحدة الأمة وما يرضي الله تعالى نصب أعينهم , وأن ينبذوا كل دواعي الهوى والخلاف والأحقاد. ونحن، يا سيادة الرئيس، مع هذا الذي حصل، وحدة المسلمين بعد الذي حصل ليست مستحيلة، فهذه هي أوروبا التي تدعي اليوم أنها قد اتحدت مرت بأسوأ الحروب وأشنع الحروب في تاريخ البشرية , والقرون الوسطى تشهد بأشنع الفعائل وأشنع الحروب , فهذه الكنيسة تشن حملة وحروبًا مئات السنين على الدولة ويتحاربون بينهم قبائل، وجماعات حروبًا تخزي منها جبين البشرية. ولذلك بعد ذلك أمعنوا الفكر والعقل واستطاعوا أن يحققوا درجة من الوحدة. فلذلك، يا سيادة الرئيس، أنا لا أرى أن هذا الذي حصل وأن الوحدة بعده وتماسك المسلمين واتحادهم ليس مستحيلًا، ولذلك أدعو هذا المجمع وأرى أن هذا من واجبنا أن نخرج بصيغة تدعو حكام المسلمين إلى الاجتماع وإلى التشاور وإلى التفكير في هذا الأمر؛ لأننا نحن كأمة مسلمة نتألم الآن أشد الألم وشعوبنا متألمة أشد الألم وتحيط بنا مخاطر لا حد لها. يا سيادة الرئيس، هذه هي مثال ألمانيا الغربية وألمانيا الشرقية، أعداء أشد العداوة وفي حرب شديدة عسكرية وفكرية سنحت لهم الفرصة فإذا بهم يتحدوا ويحققون الوحدة، ما كانت تخطر ببال أحد من الناس. أنا، يا سيادة الرئيس، أقول هذا الحديث وأشهد الله تعالى أن هذا الأمر الذي تكلمت فيه لم تمله على دولة ولا أحد من الناس ولا جماعة من الجماعات , إنما أعبر عنه برأيي كمسلم من المسلمين يحس ما يحسون وأدعو إلى ما يدعون إليه، ولنذكر قول الله تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ . وبالله التوفيق والهداية. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 11495

الدكتور عبد العزيز الخياط: بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. شكرًا فضيلة الرئيس، وبهذه المناسبة فقد قدمت بحثًا عرضه فضيلة أخي الشيخ محمد علي التسخيري مع البحوث الأخرى عرضًا وافيًا يشكر عليه , ولكنني قبل أن أتساءل عن بعض الأسئلة التي لا بد أن أتساءل عنها في هذا المقام ونحن نبحث الحقوق الدولية أرجو أن يأذن لي فضيلة الرئيس وقد أثار دولة الرئيس الأستاذ معروف الدواليبي والأستاذ محمد عطا السيد أثارا في نفسي كوامن وكوامن وبعثا في من العواطف ما لا أستطيع كتمانه، نعم إننا نحن هنا في مجتمع فقهي , ولكن الفقه في الإسلام والفقه الأكبر يقتضي منا أن نستجيب لدعوة الأستاذ محمد عطا فنوافق على أن نشكل لجنة، وبهذه المناسبة ونحن نبحث في الحقوق الدولية في الإسلام والحقوق الدولية الأخرى فأولى بنا أن نبحث في حقوقنا كأمة في وحدة الصف والكلمة واليد وأن نتأسى بما فعله المسلمون فيما مضى فقد اختلفوا ثم اتحدوا وكانوا في وجه العدو يدًا واحدة ولا سيما في أيام الحروب الصليبية التي اتحدت فيها كلمة المسلمين , وقاد فيها نور الدين زنكي ثم صلاح الدين الأيوبي قادا الأمة الإسلامية إلى إنقاذ المسجد الأقصى المبارك. وهذا يدعوني، أيضًا، إلى أن أطلب أن تكون كلمة خادم الحرمين الشريفين الملك فهد حفظه الله والتي ألقاها في هذا المجمع نيابة عنه سمو الأمير ماجد، وثقة لهذا المجمع يحتفظ بها كوثيقة لما فيها من الدعوة الكاملة إلى التناصر وأن تكون يدًا واحدة، وأن نقف صفًّا واحدا أمام الغزو الجديد، أو في ثوبه الجديد، للإسلام كما علمنا وعرفنا وأكد هذا ما ذكره دولة الأستاذ معروف الدواليبي من الندوة التي عقدت في واشنطن وصرحوا فيها في مؤتمر وندوة دولية عامة صرحوا فيها بعداواتهم ضد الإسلام وبتجديد الحرب ضد الإسلام، فأطلب وأقترح أن تكون وثيقة لهذا المجمع الفقهي لما فيها من معنى الفقه والفهم الأكبر للإسلام.

стр. 11496

والأمر الثاني وقد أثار عواطفي وأثلج صدري أن يبادر خادم الحرمين الشريفين إلى تعمير قبة الصخرة، وقبة الصخرة مع المسجد الأقصى هي ثالث الحرمين الشريفين مسرى النبي ﷺ ومعراجه إلى السماء العليا، فالمبادرة في إعمار قبة الصخرة في هذا الوقت الذي نذكر فيه حديث النبي صلى الله عليه سلم: ((لا تشد الرحال إلا إلى ثلاث مساجد، المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى)) . وقد كانت مآثره الكبرى في توسعة الحرمين الشريفين فأضيفت إليها هذا المأثرة أيضا إلى إعمار قبة الصخرة فينضم مع الرعيل العظيم الذي قاموا بإعمارها أولًا ثم بترميمها وتجديدها بعد الحروب الصليبية ثم كذلك في إعمارها في أيام الانتداب البريطاني وفي أيام وحدة الضفة الغربية مع الشرقية، ولذلك تعتبر هذه مأثرة كريمة تمسح عن هلال المسجد الأقصى دمعة الأسى في الشقوق والتصدعات التي أصابت هذه القبة العظيمة درة الدنيا في البناء والمعمار؛ ولأنها قبلة المسلمين الأولى نسأل الله أن يوفق المسلمين دائما إلى الخير.

стр. 11497

ثم بعد ذلك، أرجو وقد عرض الإخوة البحوث وهي بحوث وافية وإن لم تستوف ـ كما قال الأستاذ التسخيري ـ جميع أنواع البحث في هذا الأمر إلا أنني وقد تحدثت عن أن الأصل في الإسلام في العلاقات الدولية السلم لا يعني هذا أن الجهاد غير قائم، وأن الجهاد مطلوب، فنحن مطلوب منا أن نظل نجاهد , وأن نبذل كل غال ونفيس في سبيل الله وفي سبيل مقاومة العدوان المتكرر الجديد، ولا يزال من ورائه الصهيونية العالمية، ولا يمكن أن ننسى كما ذكر الإخوة فيما مضى في البحوث الماضية ما يفعل بالمسلمين في أنحاء العالم لكننا لا يمكن أن ننسى أطفال المسلمين في فلسطين وفي القدس وفي المسجد الأقصى والاعتداء عليهم كما تعلمون بالتكسير والتهشيم، والاعتقال والضرب والأذى ومصادرة الأموال وغير ذلك. هذا لا يمكن أن ننساه واليهود من طبيعة دينهم الموجود في كتبهم - ولا أقول الديانة الأولى - هي قتل الشعوب واستعبادها وأنهم شعب الله المختار، ومن يقرأ التوراة ثم شروح التوراة في التلمود يجد الكثير والكثير في اعتبارهم المتميزين وأن جميع الشعوب هم عبيد لهم وأنه تستباح أموالهم ونساؤهم وأطفالهم وأراضيهم وكل ذلك، ولا سيما عندما يكره الإنسان التوجيهات التي وجهت إلى يوشع في التوراة - وهي ليست طبعًا من دين الله في التوراة - عندما أبيح قتل الناس بقتل الأطفال بقتل الرجال بقتل النساء وباستبعادهم وبأسرهم وبتحريق بيوتهم وبتحريق مركباتهم إلى آخر ذلك. ولذلك ونحن نذكر هذا أيضًا نؤكد أن الإسلام يدعو إلى الجهاد , ولكن العلاقات الدولية تقوم على أساس السلام ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ . غير أني ولا أحب أن أطيل على الإخوة، فالبحوث بين أيديهم، أتساءل وقد تحدثت عن المعاهدات والاتفاقيات والأمان والموادعة، والموادعة تشمل الهدنة كذلك، أحببت أن أسأل عدة أسئلة لعلنا نخرج أيضًا برأي فقهي فيها أو نؤجلها إلى موعد آخر أو جلسة أخرى أو ندوة أخرى، وقد تحدثنا أقول: هل يجب أن تحدد للمعاهدة أيًّا كان نوعها مدة معينة؟ صلح الحديبية حدد بعشر سنوات لكن الفقهاء اختلفوا في تحديد المدة , وبعضهم أشار وذكر كذلك ما يتعلق بالنسبة إلى دوام المعاهدات والصلح الدائم فيها ما فعل النبي ـ صلى لله عليه وسلم ـ مع يهود بني قريظة وبني قينقاع ,وكذلك بني النضير في أنه لم يحدد في عهوده معهم مدة معينة، ثم كذلك صلح النبي ﷺ مع أهل أيلة العقبة وأهل حربة جرباء وأذرع ومقنة في جنوب الأردن أو في جنوب بلاد الشام وكذلك معاهدته مع نصارى نجران وكذلك تجديد العهد من سيدنا أبي بكر ﵁ للنجرانيين، لم يكن هناك مدة معينة للصلح والفقهاء ـ كما ذكرت في البحث وربما ذكر غيري أيضا في هذا كما قرأت لبعضهم ـ قالوا بجواز ذلك وبجواز أن تكون المدة غير محددة. هذا السؤال الأول. وذهب إلى عدم تحديد المدة عدد كبير من العلماء منهم الميرغناني في كتب الحنفية، ومن المحدثين الشيخ محمد أبو زهرة ﵏ جميعا.

стр. 11498

السؤال الثاني: هل تكون معاهدة أو صلح مع من اغتصب أرض المسلمين وأزالهم عنها وشردهم وأخذ أموالهم كاليهود، هل يكون معهم صلح؟ أن أقول هنا الرأي الفقهي ولا أريد أن نخوض في أمر سياسي كما هو حاصل الآن وإن كان هذا ربما يكون للإنسان رأي يستند فيه إلى أدلة، فصلاح الدين الأيوبي ـ مثلًا وليس دليلًا وإنما يستأنس به ـ عمل صلحًا مع ريتشارد قلب الأسد وقد احتل في الحملة الصليبية الثاثة عددًا كبيرا من مدن فلسطين وعمل صلحًا معه على أن يتنازل له عن عكا ويأخذ بدل عكا اللد، وهكذا كان رحمة الله عليه قد دمر عسقلان حتى لا يأخذها ريتشارد تدميرًا كاملًا وأرسل أهلها إلى مصر والسودان وكان عددهم ينوف عن خمسين ألفا من السكان كما أنه غور المياه في طريقه إلى القدس حتى لا يستولي عليها الأعداء ومع ذلك كان رأيه هو عدم الصلح لكن القادة والفقهاء في ذلك الوقت رأوا الصلح لتعب المسلمين وعدم قدرتهم على مواجهة هذه الحملة. على كل حال هذا استئناس لكن نريد رأيًّا في هذا الأمر، هل إذا اغتصبت أراضينا وذهبت أموالنا وشرد أهلنا واستولى اليهود على أرض فلسطين وأقاموا فيها دولة ـ كما تعلمون ـ هل يجوز الصلح معهم أم لا؟ هل يجوز الصلح لمدة مؤقتة؟ أنا أعتقد أنه ليس هناك سلم دائم أبدًا حتى ولو عقدت معاهدات دائمة مع الناس؛ لأن الدنيا تتغير والأحوال تتبدل: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ . والله أخبرنا من طريق نبينا محمد ﵊ حتى في نص القرآن في فهم بعض آيات القرآن أننا سنقاتل اليهود وأننا سندمر اليهود ولكن متى؟ وأين؟ وكيف؟ هذا علمه عند الله ، بعد أن نرجع إلى ديننا والعمل بالجهاد في سبيل الله ومن أجل استرداد المسجد الأقصى.

стр. 11499

السؤال الثالث: هل يجوز أن تعقد اتفاقات مع الدول الأجنبية ضد دولية إسلامية أي بمعنى دولة تطبق الإسلام أما إذا كانت دولة تتظاهر بالإسلام أو لا تطبق الإسلام فالأمر والشأن فيها شأن آخر. السؤال هنا هل يجوز أن تعقد اتفاقات يعني هل يجوز أن نستضيء بنار المشركين ضد المسلمين؟ هل يجوز أن نستعين بهم؟ هذا تعرضت له في بحثي بعض التعرض وفصلت بعض التفصيل في هذا الأمر وإن كانت القاعدة أننا إذا اعتدي على أراضينا وكنا أمة إسلامية واحدة فينبغي أن نتعاون ضد العدو ولكن نرد العدوان بعضنا عن بعض ولا نقبل بالأذى والعدوان من دولة أو من شعب أو من فئة في بلد من بلاد المسلمين على فئة أخرى لغايات ومصالح ليست هذه المصالح مما دعا إليه الإسلام أو أدى إليه الإسلام. هذا هو السؤال الثالث، ويتبعه هل إذا كانت الدولة الإسلامية معتدية يجيز ذلك عقد المعاهدات العسكرية مع الدولة الأجنبية لدفع الاعتداء؟ هذا أيضًا سؤال ينبغي أن نخرج فيه أيضًا برأي واضح وألا نتحرج من ذكر الآراء فنحن في مجمع فقهي وكلكم علماء بارك الله فيكم ولكن النظرة الإسلامية والفقهية في هذا الأمر. أشكر فضيلة الرئيس وأشكركم على حسن استماعكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 11500

الشيخ محمد علي عبد الله: بسم الله الرحمن الرحيم. الصلاة والسلام على أشرف المرسلين وعلى آله وصحبه وسلم. اللهم يسر لي أمري واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي. أيها الجمع الكريم، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، لأول مرة آخذ الكلمة وأشكر سيادة الرئيس لإعطائي هذه الفرصة والمشاركة في هذه الندوة الكريمة. الموضوع المعروض علينا هو موضوع " الحقوق الدولية في الإسلام"، وشخصيًّا اعتبرت أن هذه الحقوق لا تكتفي فقط في النظر الإسلامي لأن الإسلام حاليًا في هذه المدة الأخيرة يتعرض إلى تهديدات عالمية وهجمات من الدول غير الإسلامية يهودية ومسيحية حتى الوثنية، ولهذا أردت في بحثي أن أبلوره في نظر القانون الدولي اعتمادًا على الأصول الإسلامية، ولقد طلب المجمع الكريم ببحث هذا الموضوع منذ سنتين وهذا يدل على قوة النظر في المجمع الكريم؛ لأننا لم نكن ننتظر أن هناك حوادث مؤثرة خلال هاتين السنتين، ولقد هز العالم عدة حوادث تتمثل في المعركة التي دارت بين دولتين إسلاميتين إحداهما الحرب الإيرانية العراقية، وقد خرجت إيران من طغيان عدوان الإمبريالية وعدوان القوة المضادة للإسلام , خرجت وهي ضعيفة مما وقع عليها من اعتداء من طرف دولة إسلامية أخرى. وسيكون جوابي على السؤال الذي طرحه المتحدث السابق وذلك ما يخص الاتفاقات مع دولة إسلامية، بقول الله : ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ . فدستورنا السماوي كافٍ وكل ما نحتاج إليه نجده في كتاب الله العزيز وفي سنة نبيه محمد ﵊ , يقول الرسول ﷺ : ((أمتي، أمتي)) ، ولا شك أنه يقول إلى الآن أمتي أمتي. فإن كان رسول الله ﷺ يخاف علينا فما بالنا فنحن المسلمون، لا ننسى، نحن المسلمون أمة واحدة وإخوة كأسنان المشط وكالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضًا، فإذا اختل سن المشط اختلت العزيمة والتوازن.

стр. 11501

أقول إننا مررنا بقضيتين هما قضية إيران وقضية الكويت ثم مسألة تحرير أفغانستان، لهذا تعرضت في بحثي لمسألة الحرب، وأرى أنه من واجب الدول الإسلامية أولًا فيما يخص الحقوق وحاولت الإبقاء على الاستقلال، الاستقلال لا يتم إلا بأشياء عديدة منها: ألا تكون السياسة الخارجية تحت أي ضغط كان، وأن تكون معاملتنا للشعوب وفقا لما جاء في خطبة الوداع والتي تعتبر أول دستور وتشريع لحقوق الإنسان في الإسلام وأظن أن الدول الأوروبية اقتبست من هذه. ولهذا لا بد أن نشعر بالعزة؛ لأننا أول أمة تنادي بحقوق الإنسان. ولهذا، المسلم دائما لا بد أن يعتز بما أعطاه الله وبما أعطاه إيانا هذا الدين الحنيف من قوة. أقول إن من واجب المسلمين قبل أن نتودد إلى الكفار ـ صحيح أنها دول عظيمة نحتاج إليها من الناحية الاقتصادية ولكن عملًا بما جاء في القرآن الكريم ـ لا بد أن نساعد الدول الإسلامية حتى ولو كان ضعيفة؛ لأن الاتحاد قوة، لا مانع أن نحاول إيجاد ما يجعلنا أن نتحد في منظمة إسلامية حتى نقوم حتى نقوم نحن بحل مشاكلنا الإسلامية , لا عن طريق الدول غير الإسلامية والتي لا تعرف شيئا عن شؤوننا أو أنها تتجاهل ذلك , وبالعكس فإنها تحاول وضع العقبات لكي لا نصل إلى حل؛ لأن هذا يسعدها , وسمعنا ما قيل في هذا الموضوع وما قاله الشيخ الآن من أن أمريكا رغم مساعدتها للدول العربية؛ فإنها لم تتردد ولا دقيقة واحدة في إعلان الحرب صريحًا على الإسلام. ثانيا: أقول لابد للدول الإسلامية من أن تحاول عدم الاعتداء ـ وهذا واجب؛ لأن القرآن صريح في هذا الشأن ـ على الدول الإسلامية الأخرى؛ لأن لنا أعداء من الكفار كثيرون فكيف يكون الاعتداء بيننا؟ ولهذا لا بد أولًا من التسليم بهذه القاعدة فإذا كان هناك مشاكل بين دولتين إسلاميتين فنجد أن الإسلام أعطانا الشورى فعندنا مجلس شورى وعندنا منظمة المؤتمر الإسلامي لكي يتم الاحتكام إليها. فإذن لا بد من تتبع العقبات الناشئة قبل وصول إعلان الحرب.

стр. 11502

الدكتور طه جابر العلواني: بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، نستغفره ونستعينه ونستهديه ونصلي ونسلم على سيدنا محمد خاتم رسل الله وعلى آله وصحبه ومن تبعه واهتدى بهديه إلى يوم الدين، أما بعد. في بداية حديثي هذا أود أن أنوه بطريقة عرض البحوث فلأول مرة يشهد المجمع عارضًا يلخص أبحاث جميع الباحثين ويدرج بحثه ضمن أبحاثهم ويكون عارضًا أمينًا وهو الشيخ التسخيري ـ جزاه الله خيرًا ـ وكنقطة نظام أرجو أن أقترح على مقام الرئاسة أن تنبه سائر العارضين لأن يأخذوا بهذا المنهج فلا يحمل الباحثين الآخرين على أن يقرأوا أبحاثهم كتعليقات؛ لأنهم يشعروا بأن بحوثهم قد غبنت. الأمر الثاني: عرض دولة الدكتور الدواليبي اشتمل على خبر واقتراح وتعليق وملخص محاضرة ولي عليه عودة. أما الكلمة الطيبة التي تفضل بها الدكتور محمد عطا السيد فهي كلمة طيبة تستحق الالتفات وكذلك الأمنية والأسئلة الثلاثة التي تقدم بها معالي الدكتور الخياط. الذي أود أن أشير إليه هنا في نقاط: أن المؤتمر الذي أشار إليه دولة الدكتور الدواليبي هو واحد من سلسلة مؤتمرات تعقد أحيانًا سنويًّا وتعقد أحيانا كل ستة أشهر ويحضرها عدد كبير من أبناء العالم الإسلامي وأساتذة الجامعات فيه، وتقوم المناقشات في الغالب على بحوث ودراسات تعد محاورها مسبقًا من قبل أساتذة وخبراء من الموجودين في الجامعات الأمريكية والمستضافين من الخارج. والغربيون لا تنقصهم معرفة الإسلام والمسلمين إطلاقًا فهم يعرفوننا أكثر بكثير مما نعرف أنفسنا، وأذكر أن الرئيس الأمريكي كارتر حين سمع إلى تعليق من أحد القيادات الإسلامية المشهورة بأن أمريكا تحتاج إلى توبة وما لم تتب أمريكا فإن العالم الإسلامي لن يستطيع الصفح عنها، دعا مجموعة من علماء المسلمين، وأساتذة الدراسات الإسلامية في الجامعات الأمريكية ليقضي معهم يومًا كاملًا يشرحون له فيه مفهوم التوبة في الإسلام، ما هي التوبة؟ ما شروطها؟ كيف تتم؟ ما هو الذنب؟ إلى غير ذلك. فهم من هذه الناحية ليسوا بحاجة إلى محاضرات نقدمها عن الإسلام وفضائل الإسلام وحقوق الإنسان في الإسلام وغير ذلك، هم يعرفوننا معرفة دقيقة جيدة بقدر ما نجهلهم. فيعرفون أن الإسلام دين عالمي لا يمكن أن يحده إقليم، ولا يمكن أن ينحصر في دائرة ضيقة، وأنه عقيدة وشريعة، وإن عقيدته نابذة لشركهم كله وَضْعِيِّهِ والسماوي الذي حرفوه، وخلطوه، ويدركون هذا حق الإدراك وحين يقول لهم عالم مسلم أو باحث شيئًا غير ذلك يستهينون به ويعتبرونه إنسانًا مجاملًا يحاول أن يقدم لهم كلمة مجاملة لا أكثر ولا أقل.

стр. 11503

ثانيا: بالنسبة للشريعة الإسلامية هم يعرفون أنها شريعة ناسخة لغيرها من الشرائع وأنها شريعة مهيمنة لا تقبل غير الهيمنة , وأنها ديانة مهيمنة على ما سبقها من الديانات , وأن الإسلام قد احتضن الديانات الإبراهيمية وحافظ على أصالتها , واعترف بسائر النبوات قبله وحافظ على نقائها وتوحيدها , وهو يريد أن يقدمها من خلال الإسلام الذي لا يقبل سواه التقديم الصحيح. هذه أمور تعتبر بديهية ومدركة إدراكًا تامًّا، فأما أن نخاطبهم بمنطق من يجهلهم ويجهل أنهم يعرفون ونقدم لهم كلمات مجاملة لن تعدو أن تجعلهم يستهينون بنا أكثر ويدركون أننا إنما نتحدث من حالة ضعف ولأننا في حالة ضعف نحاول أن نتحدث بهذا، وهم لديهم بحوث ودراسات في هذا المؤتمر وفي غيره، درسوا قضية ديار الحرب وديار الإسلام، كيف يقسم الفقهاء المسلمون الدار إلى دارين: دار حرب، ودار إسلام، ودار عهد، وهل لدى المسلمين استعداد لأن يتنازلوا عن هذه القسمة ويعترفوا بالنظام العالمي الجديد؟ ثالثا: الشريعة الإسلامية في نظرهم تنافي حقوق الإنسان، هي شريعة فيها حدود وفيها تعازير، وهذه الحدود والتعازير تعتبر مهينة في نظرهم للإنسان المعاصر. هل لدى المسلمين استعداد؛ لأن يتنازلوا عن الشريعة ويعلنوا ذلك صراحة؟ وقد طالبوهم فعلًا بهذا وقد أجابهم بعض من لا خلاق له بأن الإسلام على استعداد لأن يتفاهم حول هذه القضايا كلها وأنه يمكن أن تعاد قراءة الإسلام قراءة جديدة وتقرأ نصوصه قراءة جديدة ويعاد تفسيرها بشكل يجعل المسلمين قادرين على أن ينضموا إلى النظام العالمي الجديد، النظام العالمي الجديد ليس نظامنا إنه نظام الحضارة الغربية المهيمنة المسيطرة التي تريد أن تضم كل شيء تحت جناحيها وتريد أن تنفي كل ثقافة غير ثقافتها وأن تنبذل كل فكر غير فكرها فهي لا تقبل عملية مهادنة ولا تعترف لسواها إلا بأن يكون تابعًا تستفيد منه كما تستفيد من سائر الحضارات والتراث والفلكور الشعبي، هذه حقيقة لا بد من الوعي عليها لكي نتعامل مع الغربيين حين نريد التعامل معهم من منطلقات واضحة مهفومة.

стр. 11504

رابعًا: طبيعة الحضارة الغربية هي طبيعة صراعية تنابذية تقوم على ثنائيات متقابلة لا تفهم إلا الطرد والنبذ للآخر، وإن هي احتوته فإنما تحتويه فردًا، هي على أتم استعداد لأن تتقبل دعاتنا يذرعون أمريكا طولًا وعرضًا بل تدعوهم في بعض الأحيان لإلقاء محارات عن الإسلام في السجون الأمريكية وفي غيرها وتوعية هؤلاء الذين أدمنوا المخدرات وسواهم على القيم الإسلامية , ولا مانع لديها أيضًا بأن يسلموا أو يدخلوا الإسلام، ولكن في هذا الإطار، الإطار الذي يغير من أخلاقهم ومن طبيعتهم بحيث يوظف الإسلام توظيفًا في إطار حضاري شامل يشمل كل وسائل التربية بما فيها الإسلام , فإذا اغتررنا بهذا وشعرنا بأن هذا يعني أننا سوف نحول أمريكا بعد سنوات أو عقود إلى دولة إسلامية كما يحلم البعض فإن ذلك تجاهل لأبسط خصائص الحضارات ولأبسط خصائص الأمم. إن عالمية الغرب المعاصرة لها جذور تاريخية لا يمكن أن تتخلص منها، أهمها: أنها بنيت على الحضارتين الهيلينية والرومانية، الهيلينية قد استوعبت كافة حضارات الشرق التقليدية الإقليمية وشمال المتوسط منذ غزوات الإسكندر المقدوني عام ٣٥٦ إلى ٣٢٢ قبل الميلاد، ثم ورثتها العالمية الرومانية إن صح التعبير والتي بلغ توسعها حوض البحر الأبيض المتوسط وسيطرت على الشرق كله. الحضارتان الهيلينية والرومانية تراثهما الديني تراث وثني غير سماوي , وما دخل إليهم من تراث سماوي حرفوه وطوعوه وحولوه إلى جزء من الوثنية، وهذا النظام العالمي الجديد بحضارته الفكرية وتراثه هو عبارة عن وريث لتلك الحضارات ومشتمل عليها ويقوم على أساس منها، هم قد بدأوا بناء عالميتهم المعاصرة منذ سقوط عالميتنا الإسلامية سواء في بغداد إثر الاجتياح المغولي عام ٦٥٦م، أو في الأندلس إثر الاجتياح الأوروبي لها أو ما تلا ذلك من حروب ونزاعات بيننا وبينهم حتى فرضوا هيمنتهم الجديدة على أرض الإسلام كلها ما بين المحيطين ـ الأطلسي غربًا والهادي شرقًا ـ وانتشروا إلى ما وراء ذلك وسادوا العالم بأكمله فأصبحت الحضارة الغربية المعاصرة ذات الجذور الوثينة الرومانية من بعد الهيلينية هي عالمية العالم الجديد، تكاد تستوعبه في تفاصيله الحياتية والعقائدية، إنها تريده عالمًا على صورتها ـ صورتها الفكرية وصورتها العقائدية وصورتها النظمية ـ وهي تعرف الإسلام وما فيه وتحاول أن تطوعه عقيدة وفكرًا وثقافة وحضارة وشريعة ونظامًا لكي يصبح المسلمون بعد كل ذلك التحول أو لنسميها الردة ليمكن أن يصبحوا جزءًا مما يسمى بهذا النظام العالمي الجديد.

стр. 11505

فأحبذ أن يكون لدينا نوع من الوعي على أن المسألة ليست مسألة حوار نقوله ولا مسألة مديح نكيله إلى الإسلام , وإنما مسألة وعي على الآخر. إن هناك آلاف المستشرقين الذين درسوا كل شيء يتعلق بنا، فكرنا، ديننا، معتقداتنا، عاداتنا، تقاليدنا في كل شيء، وخبروا كل شيء فينا وعرفوا كيف يخاطبوننا، لكن لا نجدد في العالم الإسلامي كله مُسْتَغْرِبًا واحدًا خبر الغرب وعرفه وعرف نواياه واطلع على خططه ويعرف كيف يتعامل معه أو كيف يتخاطب معه في هذه الحالة. إننا في حاجة إلى إدراك لهذا إلى أن يكون عندنا جمع من الخبراء من العلماء الذين يعرفون الخلفية التاريخية والواقع المعاصر وأهداف هذه الحضارة، وأساليبها، وكيف تتعامل مع كل جزئية. إنها بالفعل اليوم لم يعد لها من خصم إلا الإسلام ولم يعد لهم من هدف إلا المسلمون، وهي ماضية في طريق تجريدهم من إسلامهم وإيجاد فصامٍ بينهم وبين الإسلام كاملٍ، وهم يعتمدون في ذلك شتى الوسائل ولديهم هذه الأجهزة العملاقة، هم من خلال الغزو الإعلامي الذي ينتهجونه والذي سوف يدخل إلى بيت كل منا تسعين قناة تلفزيونية تبث كل شيء كالإذاعات التي نستمتع إليها في الراديو، سوف يحولون ويغيرون كل أجهزة التربية والتعليم , وهم ماضون في محاولة إقناع الجميع بقبول برامجهم ونموذجهم في الحياة والتربية والتعليم , هم أحيانًا يعقدون ندوة ويتنادون لمؤتمر فقط لأنهم شاهدوا فتاة قد ارتدت غطاء رأس في حارة من حواري أية مدينة إسلامية , قد يتنادون إلى ندوة لمجرد أنهم رأوا شابًا جامعيًّا قد أطلق لحيته في أي ركن من أركان الأرض، لماذا؟ لأنهم أناس يعرفون من هو العدو ويعرفون حقيقة هذا المنافس الخطر الذي يؤمن كل واحد من حملته بأن الله قد حتم ظهوره على الدين كله، فالله صحيح قد طمأننا في آيات ثلاث إلى حتمية ظهور هذا الدين لكن أن يشرفنا بالجندية لتحقيق هذا الأمر هو ما ينبغي السعي إليه. إن رسول الله ﷺ قد وعد ـ وهو الصادق المصدوق ـ في عشرة أحاديث صحاح بظهور هذا الدين على الدين كله تأييدًا لما في القرآن الكريم وتوضيحًا له، وهذا أمر مسلم لا بد منه ويعرفه الغربيون كذلك ويعرفون أننا نؤمن به ويريدون أن يحطموا هذا الشعور فينا أو هذا الإيمان فينا، ولكن نحن مطالبون بشيء أكثر من هذا، مطالبون بدراسات متعمقة، مطالبون بمراكز أبحاث كثيرة لو أحصينا ما في ثلاثة آلاف جامعة أمريكية في طول أمريكا وعرضها مخصصة في الدراسات الإسلامية لوجدنا أن هناك ما يزيد عن مائتي مركز دراسات إسلامية متخصصة في هذا. فنحن نحتاج إلى هذا النوع من الوعي لكي نتمكن من مواجهة هذا التيار وليست المسألة مسألة حوار وليست المسألة مسألة محاضرات أو شيء نقدمه لهم، إنهم على وعي كامل بنا , فعلينا أن نكون على وعي وإدراك لأنفسنا ولهم. والله هو مولانا، نعم المولى ونعم النصير. الرئيس: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مع تقدير البالغ للمداولات التي حصلت لكن منها ما يتعلق بأكمله في موضوع الغزو الفكري وسيكون الموضوع المسائي ـ إن شاء الله تعالى ـ ومنها ما هي أحاسيس متبادلة لدينا جميعًا ولله الحمد، لكن الذي أرجوه أن يكون طلب الكلمة يتعلق في الموضوع ذاته.

стр. 11506

الشيخ البيهقي: بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أيها الإخوة في الإسلام: نحن في الحقيقة نتحدث عن العلاقات الدولية في الإسلام، ونحن ننظر إلى عالمنا ـ عالم اليوم ـ وأنا شخصيًّا حسب ما ألاحظه أن في هذا العالم ليست فيه علاقات قائمة على القانون ولكن فيما يخص العالم الإسلامي، كل العلاقات الموجهة إلى العالم الإسلامي علاقات قوة وجبروت وقد رأينا دولة كبرى الآن هي التي ترى أنها تسيطر على العالم تقوم بتصرفات لا أظن أن أحدًا في العالم ولا في التاريخ يمكن أن يربطها بالقانون، وقد رأينا في سنة ١٩٨٨م، أو في هذه السنة رأيناها قد هاجمت على دولة عربية إسلامية فقتلت الأبرياء وقتلت حتى الأطفال أنها ادعت أن هذه الدولة وراء تفجير مكان ما في ألمانيا وفيها جنودهم، ثم اتضح بعد ذلك أن هذه الدولة لا علاقة لها بهذه الحادثة التي مات ضحيتها كثير من أبناء تلك الدولة العظيمة، ثم نراها في هذه الأيام تعيد الكرة بنفس الدولة وتحاصرها وتهددها , والشيء الذي يحزنني في هذا الأمر كله أننا نحن المسلمين نرى الأمور كلها ونتفرج عليها وكأن الأمر لا يعنينا. تحدث السيد الرئيس بأن التعليقات التي جرت الآن هي متعلقة بالغزو الثقافي، وهذا في اعتقادي صحيح، ولكن أريد أن أقول شيء واحد هو أن بيننا وبين الغرب صراع حضاري , وهذا الصراع الحضاري لا يقصد دولة معينة وإنما يقصدها باستراتيجية، يريد أن يقضي عليها ثم بعدما تنتهي الضجة يأتي إلى دولة أخرى أيضًا ويقضي عليها. الهدف منها القضاء على العالم الإسلامي, الصراع القائم الآن خصوصا بعد سقوط الشيوعية وما لها من ضلالات الآن من موسكو إلى واشنطن كل هؤلاء ضد الإسلام، وهذا كل ما أريد أن نتنبه له، وأنا أثني على الاقتراح الذي قدمه الأخ محمد عطا السيد من أنه ينبغي تكوين لجنة دائمة للمتابعة، والمسألة في غاية الخطورة، وينبغي عليكم أنتم علماء الإسلام أن تنبهوا المسلمين بما يواجههم من الخطر وهذا الخطر لا يعني دولة واحدة ولا مجموعة دول ولكن يعني كل المسلمين جميعًا. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 11507

الشيخ الشيباني: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أشكر الباحثين على بحوثهم القيمة، كما أشكر رئيس الندوة على حسن إدارته لهذه الجلسات، فجزى الله الجميع خيرًا. موضوع مداخلتي لاأدري هل يدور حول هذا الموضوع وهو أن العلاقات ربما تكون علاقات مسيحية إسلامية، إن هناك حوارًا يقع بين رجال الكنيسة النصرانية وبين رجال المسلمين، وحسب ما علمت أن هذا الحوار لم يستفد منه المسلمون أي نتيجة، إذ لم يبلغنا أن أي أحد من رجال الكنيسة اعتنق الإسلام إثر هذا الحوار بعدما أوضح لهم المسلمون أن الدين الذي ينجي البشرية ويسعدها في الدنيا والآخرة إنما هو دين الإسلام: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ . وإن الكتاب الذي أنزل على سيدنا عيسى ﵇ الذي تعتقد النصرانية أنهم على ملته أخبرهم أن سيدنا عيسى ﵇ مبشر برسول يأتي من بعده اسمه أحمد، فهم يعلمون ذلك وإن كانوا قد بدلوا وحرفوا، ولا يزيدهم الحوار إلا تمسكًا بالنصرانية وبغضًا للإسلام، والإسلام ذكر ذلك. ذكره الله فقال : ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى﴾ . وهذا الحوار قد تستفيد منه النصرانية للتغلغل في بلاد المسلمين لنشر أفكارهم مستعملين جميع الوسائل المادية فيأتون بأموال سخية , لِمَ لا يتم محاربتهم بنفس الطريقة؟ فيطلب من الدول الإسلامية أن تتخذ أموالًا سخية لهذا لغرض , فالتغلغل النصراني - أو التبشير النصراني كما يسمونه هم - أصبح خطرا عظيما يهدد الأمة الإسلامية، ونرجو الله تعالى أن ينجي المسلمين من هذه الكارثة. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 11508

الشيخ محمد الحاج الناصر: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أود بادئ الأمر أن أشكر الصديق العزيز الأخ الغالي فضيلة الأستاذ الشيخ محمد علي التسخيري على المنهج الذي رسمه لمن سيأتي بعده في الدورات المقبلة للمجمع الذي نأمل له عُمْرًا طويلًا حافلًا بالإنجازات ليقتدي به ويهتدي، فذلك الذي صنعه اليوم هو العرض وما كان يصنع من قبل ليس بعرض، فحبذا لو تعلمنا المنهجية ونحن نعمل في عمل علمي وليس في عمل إعلامي. ومن هذه المنهجية أننا إذ نعقب نعقب في الموضوع ولا خارج الموضوع ونعقب ما يقتضيه العلم لا بما يريده الإعلام، إذا كنت أحسن الفهم فهذا مجمع الفقه الإسلامي، والفقه علم وليس إعلامًا، وكم نوفر من وقت لو استطعنا أن نقف عند حدود ما نعقب عليه أو نعقب به. ثم كم نوفر علينا من متاعب عاطفية لو تذكرنا أننا جميعا شركاء في أشجان وشجون لكن ما كان ينبغي ونحن نواجه واقعًا يثير أشجانًا ماضية تنكأ قروحًا في القلب ما تزال تثغب دمًا دون أن يكون من نكثها ما يفيد في الواقع أو في المستقبل. أشياء كثيرة ينبغي أن ننساها أو نتناساها على الأقل، ونواجه مستقبلنا إخوة متضامنين متعاونين، فإن لم نفعل فسنفشل وتذهب ريحنا. وأخرى حيث المجمع مجمع فقهي وموضوع اليوم موضوع العلاقات الدولية في الإسلام أو الإسلام والحقوق الدولية. ومسائل قد تكون قريبة من هذه العلاقات أو الحدود مما تناوله الفقهاء والمجتهدون من قبل بل وفيه نصوص قرآنية وحديثية لكن ليس من الحكمة أن تثار في هذا الواقع , فلماذا نحاول إثارتها وقد جاءت فيها نصوص صريحة حاسمة لا تقبل الاجتهاد وليست بحاجة إلى متفقه؟ فإن يكن قد وقع بعض التجاوز فما كان ينبغي أن يتخذ ذريعة إلى إثارة أشجان، إنما هو السماح، إنما هو العفو بين الإخوة وإلا فلن تعود الوحدة، ثم إن الذي نريده أن نبحثه اليوم هو كيف نواجه بواقعنا الراهن التوفيق بين مقتضيات الأحكام الإسلامية في العلاقات الدولية ومقتضيات ما تقوم عليه العلاقات بين الدول اليوم؟ ينبغي أن ندرك أننا في حالة ضعف صنعناها لأنفسنا لأننا لم نقف حيث يريد الله أن نقف، إنما اندفعنا وراء المحاكاة والتقليد وحسبنا الإسلام هوية سياسية ونسينا أنه صبغة الله، وشتان بين الصبغة والهوية نحن إذن في حالة ضعف وعلينا أن نواجه وضعًا دوليًّا خطيرًا صنعناه بأنفسنا، فعلينا أن نواجه أخطاءنا , وأن نحاول أن نجد من تعاليم الإسلام ما يكيف مسارنا المتطور مع هذه العلاقات أو الأوضاع إلى أن نتبوأ المقام الذي يريده الله إن نصرناه فنصرنا، ولن ينصرنا إن لم ننصره، ليس من نصرنا له أن نخلط الوثنية بالله , فإن جاهدنا في سبيل الله حقًّا نَصَرَنَا , وإن خلطنا بسبيله أخرى فالله أغنى الشركاء عن الشركة. أوضاعنا الضعيفة في الفقه الإسلامي القديم ما يواجهها أوما يوجد فيه مَعْلَم لما نريد أن نتخذه اليوم لمواجهتها.

стр. 11509

لقد أباح بعض الفقهاء أن يعطي إمام المسلمين مالًا كالجزية لمن غلبه إذا كان لا مناص من ذلك، بيد أن عليه أن يستعد ويعمل إلى أن يتحرر من هذه الرقة وأن يصبح نِدًّا ثم أن يعمل بسلم أو بحرب على هيمنة الإسلام. فنحن اليوم في مثل هذه الحالة، لا نعطي الدنية من أنفسنا ولا نرضى الدنية في ديننا، لكن ألم يوقع رسول الله ﷺ اتفاقية الحديبية وفيها الكثير مما جعل مثل عمر ﵁ يوشك أن يرتاب لولا أن رده أبو بكر ﵁ إلى صوابه؟ إن اتفاقية الحديبية باءت بالنصر على الإسلام والمسلمين، فلنا فيها العبرة لنواجه اليوم ما نواجه ونحن في مثل الوضع الذي كان عليه المسلمون محاصرين في الحديبية أو في الخندق حين أراد رسول الله ﷺ أن يعطي نصف تمر المدينة لبعض القبائل، لنواجه اليوم مثل ذلك الموقف، فعلينا أيضًا أن نقتدي برسول الله ﷺ فيما فعل بعد ذلك الموقف والاقتداء به عملًا وليس قولًا. رسول الله ﷺ كان ينشئ الصحابة ويقويهم ولم يكن يبث الدعايات وحدها هنا وهناك عند خصومه من المشركين، بل كان العمل الأول هو صناعة المسلم القوي الذي يستطيع أن يواجه به، أما الدعوة إلى الإسلام فكانت منطلقة من صناعة المسلم القوي الذي إذا بعثه سفيرًا له كان بسلوكه داعية أكثر منه بلسانه. إن الذي يجب أن نعمله اليوم هو أن نصنع أنفسنا، قلوبًا وأرواحًا وتقنية، يجب أن نتعلم كل ما نستطيع وأن نستعين بكل إخواننا المسلمين في كل مكان أيًّا كانت علاقتنا سابقًا بهم وأيًّا كان رأينا سابقا بهم، ما كانت لديهم معارف نحن بحاجة إليها، وأن نعمل بقدر ما يمكننا أن نعمل وأن ننتهز الفرص ونتحين المناسبات، لكن دون أن نعطي الدنية. إن نصالح اليهود اضطرارًا فهم ليسوا بإخوة لنا ولابني عمومة ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ . وإن نصانع غيرهم محالفة أو معاهدة أو تعاونًا فاضطرارًا إن كانوا ممن أخرجونا من ديارنا أو ظاهروا على إخراجنا اضطرارًا إلى أن نستطيع، أما أن نبرهم ونقسط إليهم بقلوبنا، وأن نركن إليهم ونسكن إليهم فذلك ما يجعلنا منهم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ . ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ .

стр. 11510

لا مناص من المواجهة نقولها صريحة جاهرة ساطعة شادخة لبعض القلوب والنفوس، لا مناص من المواجهة بين الإسلام وبين الصليبية والوثنية , وللمواجهة ألوان منها السيف أو ما في مقام السيف , ومنها الدعوة القوية المنطلقة من السلوك ثم من الإقناع. فلنسلك السبيل التي تتيسر، ولنتهيأ لتتيسر تلك التي لم تتيسر لكن دون خنوع أو خضوع ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ . ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾ . أيها الأخوة، هذا منطلقنا إلى علاقات بين المسلمين وغيرهم في هذا الوضع الذي نحن فيه وييسر الله لنا أوضاعًا أحسن إن انطلقنا من كتابه وسنة نبيه. هذه واحدة. وأخرى أرتد بها قليلًا إلى الوراء، ما كان أكثر ما نقوله اعتمادًا على خرافة (الضرورة والاضطرار) واعتمادا على خرافة (عموم البلوى) ، وما كان أكثر ما نعتمد فيما نستنبط على مقالات بشر، وكان حقًّا علينا ولزامًا ألا نعتمد إلا على قول الله وقول رسوله وعلى فعل رسول الله وعلى آله أفضل الصلاة وأزكى السلام، أما مقولات البشر أيًّا كانوا فنستأنس بها ولا نتخذها منطلق الاستنباط. وحكاية الضرورة والاضطرار. وخرافة ما يعتمد عليه البعض من مقولة (الضرورة تبيح المحظورة) فقد بينها الله : ﴿غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ﴾ ، ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ ، وللضرورة حدود ولها أسباب تنطلق منها حتى لقد منعوا التقصير، منع بعض الفقهاء التقصير في السفر والإفطار في السفر والتقوت بالميتة أو الدم أو لحم الخنزير عند الاضطرار على من سافر في معصية، فكيف نلجأ في أقل الأشياء إلى دعوى الضرورة فكيف بدعوى الحاجة؟

стр. 11511

أيها الناس، إننا هنا مسؤولون على كل كلمة نقولها وعلى كل قرار نقرره، فاتقوا الله أن تأتي الأجيال المقبلة فتقرأ ما نتركه أو نقرره وتتخذه أيضا كما اتخذناه نحن أساسًا للاستنباط فنتحمل وزرًا ما كان أغنانا عنه، أخشى أن ينطبق علينا قوله، : ﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ . أيها السادة تذكروا ثقل المسؤولية واتقوا الله في أنفسكم وأجيالكم، وفقنا الله إلى كل خير، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الشيخ محمد الأمين الإسماعيلي: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ عندما ننظر إلى نوع العلاقات الدولية التي ينظمها الإسلام أو القوانين المسنة في ضوء الشريعة الإسلامية نجد قرارات هيئة الأمم المتحدة أمامنا ونجد النظام الذي أسسه العالم ووافق عليه في اجتماعات هيئة الأمم المتحدة، ونجد نظامًا متكاملًا متميزا الذي هو التشريع الإسلامي كذلك في الطرف الآخر، ولكننا نجد قواسم مشتركة ما بين ما وافق عليه هذا العالم وما بين ما هو مثبت في شريعتنا، وإذا نظرنا إلى الأسس الأربعة التي هي أساس التجمع الغربي وما قام عليها أساس تشريعه ونظرنا إلى أساس التشريع في الشريعة الإسلامية نجد في الطرف الآخر أركان أربعة: الأرض، الجنس، اللغة، الآمال المشتركة. هذه الأسس الأربعة تنظر إليها شريعتنا ولكن تجعل من أساس وحيد هو لب تشريعها وهو العقيدة الإسلامية، عقيدتنا الإسلامية عندما تنظر إلى هذه الأسس الأربعة لا تجافيها، ولكنها تنظمها فهي تعترف بالأرض وتعترف بالجنس وتعترف باللغة وتعترف بالآمال المشتركة ولكنها عندما تتحول هذه القضايا الأربع إلى حدود وتتحول هذه الأسس الأربعة إلى سدود آنذاك تتدخل العقيدة الإسلامية لتقف موقفها بالنسة لهذه القضايا. إذن معنى هذا أن هناك أساسًا وحيدًا في شريعتنا الذي هو العقيدة الإسلامية. هذه العقيدة التي هي أساس تكوين الأمة المسلمة وأساس تجمعها , وهي الأساس الذي تنظر به من وراء الحدود وتتعامل مع الناس به.

стр. 11512

إذن هناك أهل الكتاب ومن يدور في فلكهم وهناك العقيدة الإسلامية الصافية البعيدة عن الشوائب التي ترتكز على الكتاب والسنة وترتكز على السماحة وترتكز على القدرات التي أسسها عليها الوحي. إذن نحن أساس تجمعنا الشرعي هو العقيدة الإسلامية وحدها، هو الأساس الذي يجتمع عليه الطرف الآخر هي القواعد الأربع. إذن نحن عندما ننظر إليها ننظرإليها بهذا المنظار، وهذا المنظار هو وحده الذي يمكمن أن يساعدنا في وجود تشريعات تقوم عليها علاقتنا مع النظام العالمي الجديد والذي يمكننا أن نتعامل معه بناء على هذه السماحة العقدية. وقديمًا كان علماء الغرب الإسلامي عندما يكتبون في الفقه يبدأونه بباب التوحيد (باب العقيدة) فكأنهم يريدون أن يقولوا للعالم: إن هذه التشريعات ما لم تخالف هذه العقيدة فهي سليمة وإذا خالفتها فليست سليمة، إذن معنى هذا ينبغي أن ننظر إلى تشريعنا وأن ننظر إلى النظام الدولي من خلال هذه العقيدة , وإذا نظرنا إليه من خلال هذه العقيدة فسوف نجد القواسم المشتركة التي تساعدنا على التفاهم بناء على النظام العالمي الجديد. وشكرًا. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 11513

الشيخ عابد السفياني: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. ما تحدث به كثير من الإخوة الفضلاء كان حديثًا جيدًا، ولي تعليق على بعض البحوث لكنني لا أحدد منها شيئًا وإنما أذكر بعض المسائل التي تحتاج إلى تنبيه. وهذا الموضوع تختلط كثير من أموره بموضوع الغزو الفكري، وذلك ما تحدث به سعادة الدكتور طه جابر العلواني هو في الحقيقة من صميم الموضوع لأن الغزوالفكري قد دخل إلى قضية العلاقات وأفسد جانبًا من التصور الإسلامي الصحيح في هذا الأمر. لعلنا ـ إن شاء الله ـ نخرج في هذه المرحلة الجديدة بالتعاون مع ما يسمى بالنظام العالمي الجديد على الأصول الثابتة العلمية ولذلك ستكون كلمتي مهتمة بالتقعيد الذي ذكره الفقهاء في هذا الباب، ولست أحجز نفسي في الواقع المعاصر فإننا إذا اجتمع أهل العلم والفكر فإنهم إنما يتحدثون عن ثوابت الإسلام وأصوله؛ لأننا نتحدث عن تصحيح مسار هذه الأمة، وأما الحالات الاستثنائية فهي موضع نظر وبحث ولكنها ليست هي الأصل, والحديث عن الحالات الاستثنائية لا يجيز لنا بحال من الأحوال أن نغفل الأصول التي هي الطريق الوحيد لتصحيح مسارنا. المرحلة السابقة وصل الكلام فيها في حرية الأديان ـ كما هو معلوم ـ وفي التقارب بينها وتمكن من ذلك الغزو الفكري حتى صرح كثير من المشتغلين بالدراسات الإسلامية، كما صرح جمال الدين الأفغاني بأن الأديان يكمل بعضها بعضًا مع أن المعلوم من إجماع علماء المسلمين في جميع القرون أن الأديان لا يكمل بعضها بعضًا وإنما فيها شيء منسوخ ومنها شيء مبدل محرف، والغزو الفكري قد تمكن من هذا الباب، ولذلك نحن بحاجة إلى وعي بالغ في هذه القضية حتى نضع للمسائل الاستثنائية حكمها ونثبت القواعد دون تغيير لعل الأجيال القادمة تأتي وتجد قواعد ثابتة لا يحكم علينا فيها بتزييف أو تضييع لها.

стр. 11514

نريد أن نقول دائمًا ـ ومن حقنا أن نقول ـ: إن الإسلام أو نقول: لا إكراه في الدين، ومن حقنا أن نقول: إنما القتال هو لرفع البغي والظلم، ومن حقنا أن نتحدث عن الجهاد وأهدافه السامية، لكن ليس من حقنا أن نتحدث في خارج الأطر الثابتة الشرعية التي قررها علماء الإسلام. القانون الدولي وتحقيق مقاصده العامة كما يراها الذين وضعوه مع الناحية الواقعية التطبيقية لا يحتاج إلى كثير من الكلام، ومقاصد القانون الدولي الوضعي ـ أيضًا ـ لا يحتاج إلى كثير من الكلام فقد صرح أحد الكبار وهو (جب) في كتابه: (وجهة الإسلام) فقال: المقصد من الغزو الفكري هو إبعاد سلطان الدين عن النفوس. والغزو الفكري قد اختلط بالقانون الدولي والقوانين الوضعية. أما مقاصد الشريعة الإسلامية فهي معلومة لدى الجميع، لكن ما هو المدخل الصحيح لدراستها؟ دراسة منهج الفقهاء , وهو موضوع هذه الجلسة يحتاج أن ندخل له أولا بتحديد صحة النقل عنهم. الأمر الثاني: الاستقلال في الانطلاقة وعدم الالتزام أو الخضوع للواقع المرير. الأمر الثالث: ملاحظة مقاصد الإسلام جميعًا دون تفريق. وفي هذه الأطر والثوابت نستطيع أن نتحدث ونخرج الصورة الصحيحة. من هذه الأطر ـ وأشير إليها بإيجاز. أولا: لا ولاء بين الكفار والمسلمين ولا مودة، وهذه قضية أشار لها بعض الإخوان لكنها تختلط عند بعضهم في بعض البحوث فيخلطون المودة بما جاز في الشرع من البر والقسط والتعامل. والفرق بين المودة واضح وبين البر والقسط والتعامل. ولذلك أشار الأستاذ محمد الناصر إلى ملاحظة جيدة في هذا الباب وبينها وبين أنه لا مودة في نصوص الإسلام ولا يمكن أن تكون هناك ـ كما يقال ـ أمور نفسية أو شيء من المودة أو المودة كما تطلق في بعض الأحيان ولا يمكن أن يختلط هذا المصطلح بمصطلح البر والقسط والتعامل. فالبر والقسط والتعامل مع الكفار شيء آخر غير المودة وغير الآمال المشتركة. الأمر الثاني: الإطار الذي بنى عليه الصحابة والفقهاء والأئمة والتابعون ومن بعدهم من أئمة الإسلام أن الجهاد مع كل بر وفاجر خلافًا للقول بأن الجهاد إنما يكون مع العادل أو إنما يكون مع الإمام المعصوم. الأمر الثالث: أن مقصد الجهاد كما ذكر أيضا الشيخ محمد الناصر في بحثه وهو كلام الفقهاء وإنما أشرنا إليه؛ لأنه نبه إلى ذلك، مقصد الجهاد هو إخضاع دور الكفار للإسلام، وقد يتعجب الناس من هذا القول ويقولون: تتكلم في أي واقع أنت؟! فنقول إن الإسلام تحدث عن عالميته وهو في شعاب مكة وتحدث عن قضاياه الأصلية الصحيحة دون تلبيس وكان ذلك أمرًا واضحًا ثم يستطيع المسلمون بمشيئة الله بما يبذلونه من جهد وصدق لتحقيق أصول الإسلام وشرائعه.

стр. 11515

من المقاصد التي نص عليها الفقهاء وهي من خصوص بحثنا ـ في الجهاد ـ قولهم كما نص علماء الحنفية أن الجهاد المقصود به إخلاء العالم من الفساد يساوي قولهم: رفع الفتنة، وقولهم: إن الدين كله لله. الأمر الرابع: الذي ينبغي التنبيه إليه هو أن القرآن من أوله إلى آخره والسنة النبوية ونصوص الفقهاء دالة على أن الأصل والقاعدة أن تقوم هذه الأمة بنصرة الدين وتحكيم الشريعة ونصرة العقيدة وتخيير الكفار عند القدرة في ثلاثة خصال: الإسلام، أو الجزية وهي الخضوع لسلطان الإسلام، أو القتال. الأمر الخامس: الفقهاء تحدثوا عن المهادنة وجعلوا لها شروطًا، وجملة شروطهم تعود أنه لا يجوز أن يكون العهد والمهادنة موجب أو يعود على الجهاد بالإبطال، ونصوص الفقهاء واضحة في هذا ولا يمكن أن يضرب بعضها ببعض ولذلك لم يقولوا بشرط دوام المدة، والقول بعدم تحديد العهد لا يعني دوام المدة، فإن العهد إذا لم يكن محدَّدًا حققت شروطه فلا يعني أنه مؤبد. دع عنك مسائل السلام والتطبيع وغير ذلك. الأمر السادس: وهو إطار مهم جدًّا ونحن نتحدث عن الإسلام والمسلمين ونتحدث للأجيال القادمة أن تقسيم الدور الأصلية ثابت عند الفقهاء ومحل إجماع وليس له علاقة بقضية الحرب والسلم حتى يمكن أن تتغير الأوصاف فإن الأوصاف التي تتغير من الحرب إلى السلم هي الأوصاف التبعية أما الأوصاف الأصلية وهي دار الإسلام ودار الكفر، فلا تزال ما دام هناك مسلمون وهناك كفار. فلا يجوز أن تخلط هذه المفاهيم بعضها ببعض ولا مكان لما يسمى بالنظام العالمي الجديد أمام هذه القسمة الثابتة التي تجعل للمسلمين دارهم وشريعتهم وولاءهم وتميزهم وتوجههم. وأما الحديث عن العمومات من الأمال المشتركة ومعروف أن ضحية ذلك هم المسلمون، والواقع المرير لا يمكن أن نتحدث عنه في هذه العجالة، فالمسلمون هم الضحية، كما أشار الدكتور طه العلواني في مقدمة ضافية ووعي واضح جدًّا أن المسلمين هم الضحية الوحيدة لمسألة ما يقال بالنظام العالمي الجديد. من الأسباب التي أدت إلى اختلاط المصطلحات بعد الغزو الفكري وما أشرنا إليه من ترك المنهجية العلمية الثابتة في هذا الباب وقد استفاد من المنهجية العلمية كثير من الباحثين وثبت هذه الأمور.

стр. 11516

من الأسباب الأخرى الخلط بين كلام الفقهاء في العلة في الجهاد والعلة في القتل، ولذلك لا يجوز أن نضع مكان الجهاد الحرب لأن الحرب جزء من الجهاد فينبغي أن تكون القاعدة هي الجهاد. والجهاد بالثلاثة الأمور التي يخير فيها، وأما الخلط بين قضية مقصد الجهاد عند الفقهاء ومقصد القتل أو العلة في القتل هذا خلط كبير أدى ضياع الصورة الصحيحة ونحن نتحدث وننقل كلام أهل العلم في هذا الباب، فإن العلة في الجهاد هي مقاصد الجهاد التي سبق ذكرها والتي أشرت إليها وقد أشير أيضًا في نهاية حديثي عن شيء منها لم أشر إليه من قبل. وأما تحديد العلة في القتل فهي المقاتلة فنقلت العلة في القتل إلى العلة في الجهاد أو العلة في القتال، وفرق بين العلة في الجهاد ومقاصد الجهاد وبين العلة في القتل؛ لأنه لا يقتل إلا من قاتل وعلى ذلك تخرج نصوص الفقهاء في هذا المجال. ومما ينبغي التنبيه إليه أن هناك رسالة اعتمد عليها بعض الباحثين منسوبة لشيخ الإسلام ابن تيمية اعتمد عليها الدكتور عبد العزيز الخياط، وهذه الرسالة من أولها إلى آخرها مبنية على الفرق بين العلة في القتال والعلة في القتل , والتسوية عدم إدراك الفرق بينها والتسوية بين هذا وهذا حتى قالوا: إن العلة في القتل هي المقاتلة ونقلوا هذه العلة إلى مسألة الجهاد، وبنيت هذه الرسالة على هذا الأساس ومقارنتها بكتب شيخ الإسلام مجتمعة تدل على أن هذه الرسالة لا يصح نسبتها إليه، ولذلك العلة في الجهاد عند شيخ الإسلام ابن تيمية هذه المقاصد الكبرى التي تحدث فيها كثير من الإخوان، وهذه الرسالة بحثها بعض الباحثين وأثبت عدم نسبتها وهو الشيخ سليمان بن حمدان. من الأمور المهمة أيضًا ونحن نتحدث عن العلاقات بين المسلمين والكفار أن نستنقذ المسلمين إلى المفاهيم الصححية؛ لأن هذا هو الحل وهذا هو الصحيح. سنعيش فترة معينة لا ندري كم تطول في حالة التيه والغثاء الذي نحن فيه، لكن لا بد من إبراز الصورة الصحيحة للإسلام والمفاهيم الإسلامية لعلنا ـ إن شاء الله ـ نستطيع أن نخرج من هذا الذي نحن فيه ونسلم للأجيال القادمة تراجم للعلماء الذين يتحدثون عن قضايا الإسلام في هذا العصر الآن فيجدون تراجمهم وهم يتحدثون عن الإسلام بصورته الصحيحة.

стр. 11517

لا بد من حديث مختصر عن مقاصد الشريعة والكليات الإسلامية والعقيدة الصحيحة لنعيش بالحق وللحق، وهو مقصود الإسلام الذي نعيش له وبه. من الأمور المهمة في دراستنا للعلاقات الدولية وفي نظرنا أيضًا إلى أمورنا الداخلية، أولا: أن نثبت المقاصد المشار إليها في العلاقات بين المسلمين وغيرهم. وقد سبق شيء منها. والأمر الثاني: وهو مهم أيضا تبغيض عبادة غير الله للناس عامة. الحديث عن الآمال المشتركة أو ـ كما تفضل الدكتور طه العلواني ـ عدم فهمنا لأعدائنا وما يريدونه منها لا يجعلنا نوقف المسلمين على الإسلام الصحيح تبغيض عبادة غير الله سواء من الأديان المبدلة أو من المظاهر المنحرفة عن الشريعة الإسلامية , ومعلوم أن الأديان منسوخة , وأن الموجود الآن في العالم إما قديم منسوخ وإما قديم مبدل وإما جديد شرع من دون الله، والتشريع من دون الله هو أفة البشرية، فإن التشريع من دون الله هو الذي جعلهم يختارون غير الإسلام أو يبدلون الذي اختار الإسلام يبدل في داخل الإسلام حتى يكون تبديله قد غير حقيقة الإسلام. وخطر التشريع من دون الله يكفي فيه قول الله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ . وهي قضية تتصل بالأمور الإجماعية عند العلماء وهو أنه لا يجوز نقل الحكم المحرم عن صورته المشروع للممنوع ولا الممنوع للمشروع، وشأن التشريع من دون الله هو نقل المشروع ليكون ممنوعًا والممنوع ليكون مشروعًا في جميع المجالات أو في أكثر المجالات سواء ما يتعلق بالأمور الضرورية أو الحاجية أو التحسينية.

стр. 11518

الأمر الثالث: وهو مهم جدًّا، الدعوة إلى تمييز المسلمين عن غيرهم وهذا أمر لا غبار على المسلمين أن يطلبوه, وليست مهمتنا هي إدخال هذه الأمة في الأمم الأخرى حتى كما هو الحال، فالشريعة الإسلامية بدلها القوانين الوضعية ـ والولاء لله ولرسوله والمسلمين واعتصامهم بحبل الله الميتن بدله ـ والعياذ بالله ـ الولاء للكفار والدخول في مناهجهم، ليست مهمتنا هي إدخال هذه الأمة في الأمم الأخرى وإنما مهمتنا هو تثبيت هذه الأمة على أساسياتها العقائدية والتشريعية ثم بعد ذلك الانتقال لدعوة الأمم الأخرى. والدعوة إلى تمييز المسلمين عملًا بقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ . تمييزهم بشريعتهم وولائهم واجتماعهم على ذلك وأخذ حقوقهم وجمعهم على شريعة الله واستقلال توجههم واجتماعهم على كلمة سواء هو الأمر الذي ينبغي أن يعتني به المسلمون ويدرسون من خلاله التأصيل الصحيح للعلاقات الدولية , ويكون للمسائل الاستثنائية كلامها الخاص الذي لا يعود على الأمور الأصلية بالتشويش أو الإبطال. المناهج الموجودة في العالم مناهج محادة لله ولرسوله، فلا يمكن أن يطوع المسلمون ليتعايشوا مع هذه المناهج أو تكون بينهم وبين هذه المناهج آمال مشتركة. لا أطيل في هذا الموضوع ولكنني أعود فأقول: إن المنهجية العلمية وهي التي ينبغي أن تحكم دراستنا لقضايا الإسلام وهي التي ينبغي أن نقدم بها قضايا الإسلام، كما هي واضحة جلية ويكون للأصل حكمه وللاستثناء حكمه ونقدم الإسلام بصورته من خلال مقاصد الشريعة مجتمعة لتصحيح الاعتقاد وإقامة الشريعة وجمع المسلمين على ذلك وتقديم الصورة الصحيحة للإسلام في جميع المجالات سواء في العلاقات الدولية أو غيرها. وألا نكون نهبًا لمبادئ الكفار ونِحَلِهم وضلالاتهم وخططهم التي ما جنى المسلمون منها إلا الشر والفساد. أقول قولي هذا وأستغفر الله وأتوب إليه وأصلي وأسلم على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 11519

الشيخ محمد الزياني: بسم الرحمن الرحيم. أحمدك ربي وأصلي وأسلم على خير خلقك محمد وعلى آله وصحبه. أبدأ بأن أؤكد على ذلك الاقتراح القيم الذي تقدم به الأخ من السودان الشقيق وأتمنى وآمل من الله العلي الكريم أن يشرف مجمع الفقه الإسلامي بأن يكون الباديء في هذه الخطوة الكبيرة التي نراها بداية الطريق لتضميد جراح العالم الإسلامي الذي أصبح يعاني الآن من حالة الفقدان. أيها الأخوة، كان بودي ونحن نتحدث عن الحقوق الدولية في الإسلام أن نستشعر هذه الخطوة التي سار عليها المجمع في طرح هذه القضايا وهذا يدل ـ كما اعتقد ـ على وعي كبير بأهمية هذه القضايا وعلى تقدير لها، وعلى حرص المجمع على أن يناقش العالم الإسلامي في مختلف مستوياتها، كان بودي أن نؤكد على هذا التوجه لهذا المجمع وفي هذا الإطار أشكر كل الشكر القائمين على هذا المجمع لما أثاروا هاتين القضيتين: قضية الغزو الفكري، وقضية الحقوق الدولية في الإسلام. أما ما يخص قضية الحقوق الدولية في الإسلام فإني أقول: إنه هناك الكثير مما يجب أن يقال ولكني شخصيًّا، حرصًا على مهابة هذا المجمع، وحرصًا على توجهاته، فإني سأختصر مداخلتي في بعض النقاط البسيطة. هذه النقاط تتوجه نحو الأبحاث، والسؤال على أي شكل وبأي منهج تم بحث الحقوق الدولية في الإسلام في هذا الوقت؟ أهو من خلال ما تفضل به الشيخ التسخيري من خلال المفترض أم من خلال الواقع؟ أهو من خلال التراث أم من خلال الواقع المعاش؟

стр. 11520

أعتقد أن معظم الأبحاث قد توجهت إلى معالجة هذا الموضوع من خلال التراث، من خلال ما هو موجود في النظام الإسلامي حول الحقوق الدولية أو العلاقات الدولية في الإسلام. وأعتقد ـ كما أنت أعلم ـ أن هذا الموضوع يمثل أنصع نقطة في نظامنا الإسلامي ذلك أن الإسلام شهد مرحلة حياة مزدهرة أدت إلى وجود نظام للعلاقات الدولية يمكن لنا نحن المسلمين أن نفتخر به وأن نقول إننا نملك النظام الأمثل في هذه العلاقات. والصور الكثيرة في التاريخ الإسلامي التي تدل على نصاعة وقوة وعظمة هذا النظام أنتم أعلم بها ولا أريد أن أشوش وقتكم أو آخذ من وقتكم في ذكرها، لكن المشكلة هي أن هذا النظام ظل طوال الوقت رهين مجتمعاتنا الإسلامية وحتى إن تناولته ندواتنا أو مجامعنا أو مؤسساتنا فإنما تتناوله من خلال تقديم ورقات تحاول أن تعيد ما اشتملت عليه الكتب والندوات والأبحاث من علوم ومعارف تفسر هذا النظام ولكن المشكلة لم نتوجه بهذا التراث الناصع الجيد، وبهذا النظام القوي إلى الغرب، لم نحاول أن نترجم ما عندنا ليفهم الغرب ما هو موجود في النظام الإسلامي. وهنا أود أن أشير إلى نقطة اختلف معها مع الدكتور طه جابر العلواني في المعرفة الإسلامية للغرب صحيح أن الغرب يعرف الإسلام أكثر من المسلمين أنفسهم، ولكن هناك مستويين من المعرفة: المستوى الرسمي والمستوى الشعبي، أم المستوى الرسمي فقد سخرت له كل الظروف وكل الإمكانيات من أجل معرفة أشياء دقيقة قد لا تتصورون أن يكون هناك البحث فيها خاصة إذا جئنا للتوجهات البحثية عند النظام الصهيوني لو كشف لنا ما عندهم من توجهات بحثية لرأينا عجبًا أن هناك قضايا دقيقة وجزئية يبحثها هؤلاء حول الإسلام ولا نعير لها اهتمامًا. أما المستوى الآخر من المعرفة الغربية للإسلام وهو المستوى الشعبي فأنا أؤكد وأعتقد جازمًا أن الغرب في مستوياته الشعبية لا يعرف عن الإسلام إلا كل شرٍّ؛ لأن الآلة الإعلامية الغربية قد سخرت لتقديم المسلم في صور متعددة أنتم أعلم بها، ولو وجد إعلام إسلامي بمعنى الكلمة لاستطاع أن يقنع الغربيين في مستوياتهم الشعبية بما هو الإسلام؟ ما هي عظمة الإسلام؟ وفي هذا الإطار يحضرني مثال واحد. فيلم واحد عن جهاد شيخ مجاهد من مجاهدي الإسلام شد أنظار الغربيين لأشهر متعددة وهم يتدافعون حول دول العرض من أجل مشاهدة هذا الفيلم وأثره حتى في أطفالهم، فماذا لو نحن امتلكنا آلة إعلامية غربية تحاول أن تقدم كتابًا أو فيلمًا عن نظام الحقوق في الإسلام، الحقوق الدولية في الإسلام ما هي؟ حقوق الفرد، حقوق المجتمع، حقوق الدولة ما هي؟ الغرب يجهل كل شيء في مستوياته الشعبية. أما المستوى الرسمي فهم صحيح أنهم يعلمون كل شيء. وفي هذا المجال أود أن يقترح على المجمع أن يتبنى فكرة ترجمة كتاب عن الحقوق الدولية في الإسلام، عن حقوق الفرد، عن حقوق المجتمع، عن حقوق الدول في الإسلام وفي تعاملها وفي هذا الإطار أيضًا أرجو أن يتوجه المجمع لنقطة لم تتناولها البحوث على الرغم من أهميتها وهي حقوق الأقليات في النظام الدولي الإسلامي، حقوق الأقليات في المجتمعات الإسلامية تلكم القضية التي أعتقد أنها هي القنبلة الموقوتة التي سيكون محاربة الإسلام من خلالها في الأشهر القريبة القادمة وستعلمون ذلك إن شاء الله، هذه الأقليات ستستخدم ضد الإسلام والمسلمين، وما أحوجنا إلى أن نوجه أنظار العالم إلى أن المجتمع الإسلامي له أمثل النظم في معاملة الأقليات في مجتمعاته الإسلامية.
следующие страницы →