من الأسباب الأخرى الخلط بين كلام الفقهاء في العلة في الجهاد والعلة في القتل، ولذلك لا يجوز أن نضع مكان الجهاد الحرب لأن الحرب جزء من الجهاد فينبغي أن تكون القاعدة هي الجهاد. والجهاد بالثلاثة الأمور التي يخير فيها، وأما الخلط بين قضية مقصد الجهاد عند الفقهاء ومقصد القتل أو العلة في القتل هذا خلط كبير أدى ضياع الصورة الصحيحة ونحن نتحدث وننقل كلام أهل العلم في هذا الباب، فإن العلة في الجهاد هي مقاصد الجهاد التي سبق ذكرها والتي أشرت إليها وقد أشير أيضًا في نهاية حديثي عن شيء منها لم أشر إليه من قبل. وأما تحديد العلة في القتل فهي المقاتلة فنقلت العلة في القتل إلى العلة في الجهاد أو العلة في القتال، وفرق بين العلة في الجهاد ومقاصد الجهاد وبين العلة في القتل؛ لأنه لا يقتل إلا من قاتل وعلى ذلك تخرج نصوص الفقهاء في هذا المجال. ومما ينبغي التنبيه إليه أن هناك رسالة اعتمد عليها بعض الباحثين منسوبة لشيخ الإسلام ابن تيمية اعتمد عليها الدكتور عبد العزيز الخياط، وهذه الرسالة من أولها إلى آخرها مبنية على الفرق بين العلة في القتال والعلة في القتل , والتسوية عدم إدراك الفرق بينها والتسوية بين هذا وهذا حتى قالوا: إن العلة في القتل هي المقاتلة ونقلوا هذه العلة إلى مسألة الجهاد، وبنيت هذه الرسالة على هذا الأساس ومقارنتها بكتب شيخ الإسلام مجتمعة تدل على أن هذه الرسالة لا يصح نسبتها إليه، ولذلك العلة في الجهاد عند شيخ الإسلام ابن تيمية هذه المقاصد الكبرى التي تحدث فيها كثير من الإخوان، وهذه الرسالة بحثها بعض الباحثين وأثبت عدم نسبتها وهو الشيخ سليمان بن حمدان.
من الأمور المهمة أيضًا ونحن نتحدث عن العلاقات بين المسلمين والكفار أن نستنقذ المسلمين إلى المفاهيم الصححية؛ لأن هذا هو الحل وهذا هو الصحيح. سنعيش فترة معينة لا ندري كم تطول في حالة التيه والغثاء الذي نحن فيه، لكن لا بد من إبراز الصورة الصحيحة للإسلام والمفاهيم الإسلامية لعلنا ـ إن شاء الله ـ نستطيع أن نخرج من هذا الذي نحن فيه ونسلم للأجيال القادمة تراجم للعلماء الذين يتحدثون عن قضايا الإسلام في هذا العصر الآن فيجدون تراجمهم وهم يتحدثون عن الإسلام بصورته الصحيحة.
стр. 11517
لا بد من حديث مختصر عن مقاصد الشريعة والكليات الإسلامية والعقيدة الصحيحة لنعيش بالحق وللحق، وهو مقصود الإسلام الذي نعيش له وبه.
من الأمور المهمة في دراستنا للعلاقات الدولية وفي نظرنا أيضًا إلى أمورنا الداخلية، أولا: أن نثبت المقاصد المشار إليها في العلاقات بين المسلمين وغيرهم. وقد سبق شيء منها.
والأمر الثاني: وهو مهم أيضا تبغيض عبادة غير الله للناس عامة.
الحديث عن الآمال المشتركة أو ـ كما تفضل الدكتور طه العلواني ـ عدم فهمنا لأعدائنا وما يريدونه منها لا يجعلنا نوقف المسلمين على الإسلام الصحيح تبغيض عبادة غير الله سواء من الأديان المبدلة أو من المظاهر المنحرفة عن الشريعة الإسلامية , ومعلوم أن الأديان منسوخة , وأن الموجود الآن في العالم إما قديم منسوخ وإما قديم مبدل وإما جديد شرع من دون الله، والتشريع من دون الله هو أفة البشرية، فإن التشريع من دون الله هو الذي جعلهم يختارون غير الإسلام أو يبدلون الذي اختار الإسلام يبدل في داخل الإسلام حتى يكون تبديله قد غير حقيقة الإسلام. وخطر التشريع من دون الله يكفي فيه قول الله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ .
وهي قضية تتصل بالأمور الإجماعية عند العلماء وهو أنه لا يجوز نقل الحكم المحرم عن صورته المشروع للممنوع ولا الممنوع للمشروع، وشأن التشريع من دون الله هو نقل المشروع ليكون ممنوعًا والممنوع ليكون مشروعًا في جميع المجالات أو في أكثر المجالات سواء ما يتعلق بالأمور الضرورية أو الحاجية أو التحسينية.
стр. 11518
الأمر الثالث: وهو مهم جدًّا، الدعوة إلى تمييز المسلمين عن غيرهم وهذا أمر لا غبار على المسلمين أن يطلبوه, وليست مهمتنا هي إدخال هذه الأمة في الأمم الأخرى حتى كما هو الحال، فالشريعة الإسلامية بدلها القوانين الوضعية ـ والولاء لله ولرسوله والمسلمين واعتصامهم بحبل الله الميتن بدله ـ والعياذ بالله ـ الولاء للكفار والدخول في مناهجهم، ليست مهمتنا هي إدخال هذه الأمة في الأمم الأخرى وإنما مهمتنا هو تثبيت هذه الأمة على أساسياتها العقائدية والتشريعية ثم بعد ذلك الانتقال لدعوة الأمم الأخرى.
والدعوة إلى تمييز المسلمين عملًا بقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ .
تمييزهم بشريعتهم وولائهم واجتماعهم على ذلك وأخذ حقوقهم وجمعهم على شريعة الله واستقلال توجههم واجتماعهم على كلمة سواء هو الأمر الذي ينبغي أن يعتني به المسلمون ويدرسون من خلاله التأصيل الصحيح للعلاقات الدولية , ويكون للمسائل الاستثنائية كلامها الخاص الذي لا يعود على الأمور الأصلية بالتشويش أو الإبطال.
المناهج الموجودة في العالم مناهج محادة لله ولرسوله، فلا يمكن أن يطوع المسلمون ليتعايشوا مع هذه المناهج أو تكون بينهم وبين هذه المناهج آمال مشتركة.
لا أطيل في هذا الموضوع ولكنني أعود فأقول: إن المنهجية العلمية وهي التي ينبغي أن تحكم دراستنا لقضايا الإسلام وهي التي ينبغي أن نقدم بها قضايا الإسلام، كما هي واضحة جلية ويكون للأصل حكمه وللاستثناء حكمه ونقدم الإسلام بصورته من خلال مقاصد الشريعة مجتمعة لتصحيح الاعتقاد وإقامة الشريعة وجمع المسلمين على ذلك وتقديم الصورة الصحيحة للإسلام في جميع المجالات سواء في العلاقات الدولية أو غيرها. وألا نكون نهبًا لمبادئ الكفار ونِحَلِهم وضلالاتهم وخططهم التي ما جنى المسلمون منها إلا الشر والفساد.
أقول قولي هذا وأستغفر الله وأتوب إليه وأصلي وأسلم على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 11519
الشيخ محمد الزياني:
بسم الرحمن الرحيم. أحمدك ربي وأصلي وأسلم على خير خلقك محمد وعلى آله وصحبه.
أبدأ بأن أؤكد على ذلك الاقتراح القيم الذي تقدم به الأخ من السودان الشقيق وأتمنى وآمل من الله العلي الكريم أن يشرف مجمع الفقه الإسلامي بأن يكون الباديء في هذه الخطوة الكبيرة التي نراها بداية الطريق لتضميد جراح العالم الإسلامي الذي أصبح يعاني الآن من حالة الفقدان.
أيها الأخوة، كان بودي ونحن نتحدث عن الحقوق الدولية في الإسلام أن نستشعر هذه الخطوة التي سار عليها المجمع في طرح هذه القضايا وهذا يدل ـ كما اعتقد ـ على وعي كبير بأهمية هذه القضايا وعلى تقدير لها، وعلى حرص المجمع على أن يناقش العالم الإسلامي في مختلف مستوياتها، كان بودي أن نؤكد على هذا التوجه لهذا المجمع وفي هذا الإطار أشكر كل الشكر القائمين على هذا المجمع لما أثاروا هاتين القضيتين: قضية الغزو الفكري، وقضية الحقوق الدولية في الإسلام.
أما ما يخص قضية الحقوق الدولية في الإسلام فإني أقول: إنه هناك الكثير مما يجب أن يقال ولكني شخصيًّا، حرصًا على مهابة هذا المجمع، وحرصًا على توجهاته، فإني سأختصر مداخلتي في بعض النقاط البسيطة. هذه النقاط تتوجه نحو الأبحاث، والسؤال على أي شكل وبأي منهج تم بحث الحقوق الدولية في الإسلام في هذا الوقت؟ أهو من خلال ما تفضل به الشيخ التسخيري من خلال المفترض أم من خلال الواقع؟ أهو من خلال التراث أم من خلال الواقع المعاش؟
стр. 11520
أعتقد أن معظم الأبحاث قد توجهت إلى معالجة هذا الموضوع من خلال التراث، من خلال ما هو موجود في النظام الإسلامي حول الحقوق الدولية أو العلاقات الدولية في الإسلام. وأعتقد ـ كما أنت أعلم ـ أن هذا الموضوع يمثل أنصع نقطة في نظامنا الإسلامي ذلك أن الإسلام شهد مرحلة حياة مزدهرة أدت إلى وجود نظام للعلاقات الدولية يمكن لنا نحن المسلمين أن نفتخر به وأن نقول إننا نملك النظام الأمثل في هذه العلاقات. والصور الكثيرة في التاريخ الإسلامي التي تدل على نصاعة وقوة وعظمة هذا النظام أنتم أعلم بها ولا أريد أن أشوش وقتكم أو آخذ من وقتكم في ذكرها، لكن المشكلة هي أن هذا النظام ظل طوال الوقت رهين مجتمعاتنا الإسلامية وحتى إن تناولته ندواتنا أو مجامعنا أو مؤسساتنا فإنما تتناوله من خلال تقديم ورقات تحاول أن تعيد ما اشتملت عليه الكتب والندوات والأبحاث من علوم ومعارف تفسر هذا النظام ولكن المشكلة لم نتوجه بهذا التراث الناصع الجيد، وبهذا النظام القوي إلى الغرب، لم نحاول أن نترجم ما عندنا ليفهم الغرب ما هو موجود في النظام الإسلامي. وهنا أود أن أشير إلى نقطة اختلف معها مع الدكتور طه جابر العلواني في المعرفة الإسلامية للغرب صحيح أن الغرب يعرف الإسلام أكثر من المسلمين أنفسهم، ولكن هناك مستويين من المعرفة: المستوى الرسمي والمستوى الشعبي، أم المستوى الرسمي فقد سخرت له كل الظروف وكل الإمكانيات من أجل معرفة أشياء دقيقة قد لا تتصورون أن يكون هناك البحث فيها خاصة إذا جئنا للتوجهات البحثية عند النظام الصهيوني لو كشف لنا ما عندهم من توجهات بحثية لرأينا عجبًا أن هناك قضايا دقيقة وجزئية يبحثها هؤلاء حول الإسلام ولا نعير لها اهتمامًا. أما المستوى الآخر من المعرفة الغربية للإسلام وهو المستوى الشعبي فأنا أؤكد وأعتقد جازمًا أن الغرب في مستوياته الشعبية لا يعرف عن الإسلام إلا كل شرٍّ؛ لأن الآلة الإعلامية الغربية قد سخرت لتقديم المسلم في صور متعددة أنتم أعلم بها، ولو وجد إعلام إسلامي بمعنى الكلمة لاستطاع أن يقنع الغربيين في مستوياتهم الشعبية بما هو الإسلام؟ ما هي عظمة الإسلام؟ وفي هذا الإطار يحضرني مثال واحد. فيلم واحد عن جهاد شيخ مجاهد من مجاهدي الإسلام شد أنظار الغربيين لأشهر متعددة وهم يتدافعون حول دول العرض من أجل مشاهدة هذا الفيلم وأثره حتى في أطفالهم، فماذا لو نحن امتلكنا آلة إعلامية غربية تحاول أن تقدم كتابًا أو فيلمًا عن نظام الحقوق في الإسلام، الحقوق الدولية في الإسلام ما هي؟ حقوق الفرد، حقوق المجتمع، حقوق الدولة ما هي؟ الغرب يجهل كل شيء في مستوياته الشعبية. أما المستوى الرسمي فهم صحيح أنهم يعلمون كل شيء. وفي هذا المجال أود أن يقترح على المجمع أن يتبنى فكرة ترجمة كتاب عن الحقوق الدولية في الإسلام، عن حقوق الفرد، عن حقوق المجتمع، عن حقوق الدول في الإسلام وفي تعاملها وفي هذا الإطار أيضًا أرجو أن يتوجه المجمع لنقطة لم تتناولها البحوث على الرغم من أهميتها وهي حقوق الأقليات في النظام الدولي الإسلامي، حقوق الأقليات في المجتمعات الإسلامية تلكم القضية التي أعتقد أنها هي القنبلة الموقوتة التي سيكون محاربة الإسلام من خلالها في الأشهر القريبة القادمة وستعلمون ذلك إن شاء الله، هذه الأقليات ستستخدم ضد الإسلام والمسلمين، وما أحوجنا إلى أن نوجه أنظار العالم إلى أن المجتمع الإسلامي له أمثل النظم في معاملة الأقليات في مجتمعاته الإسلامية.
стр. 11521
أما على صعيد ما توجهت إليه الأبحاث من ناحية الواقع ـ ذلك من خلال التراث ـ أما من خلال الواقع فلا أعتقد أن الأبحاث قد تناولت ذلك باستفاضة , ولعلي ربما لم أطلع عليها ولكنني سمعتها من خلال العرض الذي تفضل به الشيخ محمد علي التسخيري.
هل هناك حقوق دولية معاصرة الآن؟ هذا سؤال يجب أن نتوقف عنده. ومن وضع هذه الحقوق الدولية؟ وله نحن المسلمون لنا مساهمة في وضع هذه القوانين؟ من الذي يمثل هذا القانون الدولي؟ هل هي الأمم المتحدة أم مجلس الأمن، أم من؟ بمعنى ما هو الإطار الذي نجد فيه الحقوق الدولية في المجتمع المعاصر وخاصة في ظل هذا الوضع الذي نحن فيه الآن، في ظل انهيار الشيوعية وانحسار الحكم في العالم إلى قطبية آحادية نتج عنها شرعية دولية تغيرت فيها المفاهيم وتغيرت فيها الأوضاع رأسًا على عقب وأصبحنا نحن المسلمين ـ كما تفضل بعض الإخوان ـ بأننا المستهدف الوحيد في النظام العالمي الجديد؟ ثم هل ترك النظام العالمي الجديد إمكانية لأن نتحدث نحن المسلمين على الأقل على حقوق دولية؟ هذه بعض أسئلتي كان بودي لو تناولها الباحثون وفي هذا المجال وكنت أود وكنت حريصًا جدًّا على ألا أثير أي قضية تتعلق ببلدي ولكني ومن خلال ما سمعت من آراء برز في ذهني الآن تساؤل وفق الحقوق الدولية في الإسلام، ووفق المعاصرة للحقوق الدولية وفق الشرعية الدولية الجديدة، نطالب الآن بتسليم مسلمين اتهما على فرض أنهما أذنبنا، فهل يجوز لنا شرعًا أن نقدم هذين المسلمين إلى بلد كافر ليحاكما فيه وفق قانون بعيد عن شريعتنا؟ طولبنا ـ وهذا كلام بعيد عن أزمة الخليج هو معاصر ـ طولبنا بأن ندمر أسلحتنا فهل هذا مشروع لنا وفق حقوقنا الدولية في الإسلام؟ هل هذا يتوافق مع قول الله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ .
هل يصح لنا شرعًا أن ندمر أسلحتنا؟ هذه بعض الملاحظات وددت أن أتوجه بها إلى البحاث لا إلى المجمع. ولكن الشكر كل الشكر وللمجمع كل التقدير.
стр. 11522
الشيخ محمد المختار السلامي:
بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا.
لعل جلستنا اليوم كانت جلسة متميزة كما أحس كلنا بذلك إذ أنها تناولت قضايا يحس بها كل واحد منا إحساسا ذاتيًّا، إحساسًا خاصًّا، وتناولت جلستنا هذه مواضيع وبحوثًا مؤصلة ومركزة ليست شخصية وإنما هي أصلية. وكلمتي مع تقديري لكل ما استمعت هي موجهة للأمانة العامة ثم لرئاسة المجلس هو أن هذا المجلس نتكلم فيه بكل حرية في كل ما يختلج في نفوسنا ولكنه من ناحية أخرى هو مضبوط بقواعد وبأطر وبأسس في إنشائه، وفي أهدافه ويحدد له غاياته ووسائل بلوغ تلك الغايات، ولذا فإني أريد فقط بالنسبة للذين سيتولون صياغة القرارات أو التوصيات أن يلائموا دومًا بين هذه المبادئ التي قام عليها المجمع والتي هي خط لا يجوز الخروج عنه وبين القرارات المتخذة. وشكرًا.
الرئيس:
بسم الله الرحمن الرحيم:
نظرًا لانتهاء الوقت بل لتجاوزه نأتي على اختتام هذه الجلسة ونقول: إنه في الدورة الخامسة لهاذا المجمع صدر قرار بشأن النظام للجنة الإسلامية للقانون الدولي الإسلامي وأنه يكون من مهام هذا المجمع حسب ما أحالته إليه المؤتمر الإسلامي لوزراء الخارجية. وقد ترون مناسبًا أن تتألف لجنة من كل من: الشيخ طه العلواني، الشيخ عابد السفياني، الشيخ معروف الدواليبي، الشيخ محمد على التسخيري، والمقرر الشيخ رأفت سعيد لصياغة قرار ويكون من مشمولاته أن يعهد للأمانة العامة لمجمع الفقه الإسلامي بأن تؤلف لجنة على مستوى الإدراك والفقه والعلم والتخصص في مجال الحقوق الدولية لتضع صياغة معينة ومحاور رئيسة تعدها إعدادًا وصياغة للحقوق الدولية في الإسلام ثم تعرض على المؤتمر في دورة لاحقة ـ إن شاء الله تعالى ـ موافقون؟
وبهذا نرفع الجلسة والشيخ الحبيب له كلمة.
الدكتور محمد عطا السيد:
سيدي الرئيس أنا تقدمت باقتراح لتكوين لجنة معينة وأظن ثُنِّي هذا الاقتراح ولا أدري لماذا تجاهلت الرئاسة هذا الاقتراح؟
الرئيس:
ليس اقتراحك هو الوحيد وإنما هناك مجموعة اقتراحات والمقرر يكتب يا شيخ عطا جميع الاقتراحات ولجنة الصياغة تعد ـ إن شاء الله تعالى ـ ما يمكن التوصل إليه.
стр. 11523
القرار
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه.
قرار رقم: ٧٠/ ٦ / ٧
بشأن
الحقوق الدولية في نظر الإسلام
إن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره السابع بجدة في المملكة العربية السعودية من ٧ إلى ١٢ ذو القعدة ١٤١٢هـ الموافق ٩ ـ ١٤ مايو ١٩٩٢م.
بعد اطلاعه على البحوث الواردة إلى المجمع بخصوص موضوع: " الحقوق الدولية في نظر الإسلام".
وبعد استماعه إلى المناقشات التي دارت حوله، رأى ما يلي:
أولا:
يثني المجلس على الجهود المشكورة التي بذلت في البحوث التي قدمت ونوقشت في دورته السابعة حول هذا الموضوع، وقد رأى أن الموضوع من الأهمية والسعة بحيث يدعو إلى مزيد من البحث والدراسة في الجوانب المتعددة التي ما زال الموضوع في حاجة إليها.
ثانيًا:
يتقرح المجلس تشكيل لجنة تحضيرية لإعداد ورقة عمل لندوة متخصصة تعقد لمعالجة تفاصيل هذا الموضوع والخروج بمشروع لائحة للحقوق الدولية في الإسلام تعرض على المجلس في دورته القادمة.
ثالثًا:
يقترح المجلس أيضًا أن يكون من محاور ورقة العمل ما يلي:
١ ـ مصادر القانون الدولي الإسلامي والعلاقات الدولية وهي: القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة والتطبيقات العملية عند الخلفاء الراشدين، كما يستفاد من اجتهادات الفقهاء في هذا.
٢ ـ المقاصد والخصائص العامة للشريعة الإسلامية، والتي تترك أثرها العملي على المواقف كلها:
(أ) المقاصد الشرعية.
(ب) الخصائص العامة.
٣ ـ مفهوم الأمة ووحدتها في الإسلام.
٤ ـ مذاهب الفقهاء في أقسام الديار.
٥ ـ الجذور التاريخية للحالة القائمة في العالم الإسلامي.
٦ ـ علاقات الدولة الإسلامية في داخلها (الشعب والأقليات) .
٧ ـ علاقات الدول الإسلامية بالدول الأخرى.
٨ ـ موقف الدولة الإسلامية من المواثيق والمعاهدات والمنظمات الدولية.
رابعا:
يقترح المجلس على اللجنة التحضيرية أن تقوم بوضوع أوراق شارحة يسترشد بها الباحثون في تفصيل هذه المحاور وأن يكون ذلك في خلال الأشهر القادمة.
والله ولي التوفيق.
стр. 11524
رسالة
معالي الدكتور محمد معروف الدواليبي
حول
الغزو الفكري
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
إلى معالي الأمين العام لمجمع الفقه الإسلامي في منظمة المؤتمر الإسلامي، سيادة الدكتور محمد الحبيب بن الخوجة، حفظه الله:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. وبعد:
فإنني حين استجبت لدعوتكم الكريمة لحضور هذه الدورة السابعة لمجلس مجمع الفقه الإسلامي في جدة، لم أكن أنوي أن أقدم كلمة لي في أحد موضوعات هذه الدورة.. غير أنني في الأسبوع الماضي، وبتاريخ ٣/ ٥/ ١٩٩٢، حين كنت أعد الحجز للقدوم إليكم، حملت إلينا الأخبار العالمية خبر ندوة " أمريكا والإسلام وتحديات التسعينات" التي قد نظمها قبل أيام "معهد دراسات الشرق الأوسط الأمريكي في واشنطن "، وما قد جاء فيها من توصيات أعدتها لهذه الندوة "لجنة العمل الأمريكية الإسرائيلية المعروفة ـ إيباك ـ"، والتي اعتبرت في هذا الوقت تصعيدًا جديدًا مقصودًا لتشويه حقائق الإسلام، والزعم بأنه يهدد الحضارة الغربية!! وأن الإسلام قد أصبح بعد سقوط الشيوعية هو العدو الأول، والتحدي الوحيد للغرب!! كما قد نشرته جريدة الشرق الأوسط العربية الدولية بتاريخ ٣/ ٥/ ١٩٩٢م على الصفحة (١٦) منها.
ويؤسفنا جدًّا أن هذه التوصيات الإسرائيلية قد جاءت اليوم ونحن في مرحلة يسعى فيها العالم إلى إقامة نظام عالمي جديد يدعو إلى التعايش فيه بين جميع الأمم والشعوب في أجواء تسود فيها الدعوة إلى التعاون والعمل المشترك لخير المجمع الإنساني كله، بعيدًا عن الأحقاد والعصبيات والصراعات العقائدية والإيديولوجية.
стр. 11525
كما يؤسفنا أن هذه المخاوف قد عبرت عنها اليوم عدة مراجع وشخصيات عالمية سياسية في الغرب من قبل ومن بعد.. ومنها "مجلة الشؤون الدولية" بتاريخ يناير (كانون الثاني) ١٩٩٠م، التي تصدر من كمبردج في إنكلترا، وهي من أهم المجلات الأكاديمية المتخصصة. وكذلك فعل الرئيس الأمريكي السابق ريتشارد نيكسون في كتابه "الفرصة السانحة"، وخاصة ما قد جاء فيه من أن الكثيرين من الأمريكيين قد أصبحوا ينظرون إلى المسلمين كأعداء وإنهم شعوب غير متحضرة، ودمويون، وغير منطقيين!! وكذلك ما قد جاء فيه من الدعوة إلى مواجهة "الأصولية الإسلامية" المصممة على العمل لتطبيق الشريعة الإسلامية!! وعلى أن الإسلام دين ودولة.. مع شكواه أخيرًا من أن بعض زعماء المسلمين يسيطرون بالمصادفة على ثلثي البترول في العالم. ويضاف إلى ذلك كله أيضًا ما قد نشرته أخيرًا مجلة "نيوزويك" الأمريكية في عدد ٢ يوليو (تموز) ١٩٩٠م من حديث لوزير خارجية إيطاليا "جياني ديمكنس"، وكان حينذاك يشغل رئاسة المجلس الأوروبي للمجموعة الأوروبية، حيث قال: بلزوم "بقاء الحلف الأطلسي" بعد انهيار الشيوعية، وذلك: "لأن المواجهة بعد الشيوعية يمكن أن تكون مع العالم الإسلامي".
стр. 11526
ولذلك كله، فقد رأيت أن أسارع إلى لفت نظر السادة أعضاء "مجلس الفقه الإسلامي" في جدة إلى تلك التوصيات الإسرائيلية الخطيرة الصادرة من ندوة "معهد دراسات الشرق الأوسط الأمريكي في واشنطن ". وكذلك أيضًا إلى تلك التشويهات لحقائق الإسلام الإنسانية من قبل شخصيات سياسية كنا نجلهم أن يقعوا فيها، راجيًا من مجمع الفقه الإسلامي الكريم أن يتخذ ما يراه مناسبًا وحكيمًا تجاه تلك التشويهات والتوصيات، لا بالرد الصحفي والإعلامي المثير، وإنما فيما أرى بدعوة "معهد الدراسات" المذكور، وكذلك تلك الشخصيات الكبرى إلى حوار علني ودي لديهم ضمن أدب الحوار القرآني الإسلامي من أجل السلام العالمي الذي أمر به الله حيث قال: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ ، وحيث قال: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ وذلك من أجل التعارف الذي أمر به الله فيما بين الشعوب. ومن أجل التعريف بحقائق الإسلام السلمية، ورسالته العالمية الإنسانية: العقلانية الخطاب، والعلمية في الحوار، والداعية لجميع الأمم والشعوب قبل أربعة عشر قرنًا إلى نظام عالمي جديد إنساني، يقوم على التعاون والتكافل في شؤون الحياة الكريمة فيما بين جميع بني الإنسان على اختلاف الأعراق، والأجناس والأوطان، والأديان، وعلى أساس: "إن الخلق كلهم عيال الله، وإن أحبهم إليه أنفعهم لعياله" كما أعلنه رسول الإسلام ﵊، ما لم يقاتلونا في الدين أو يخرجونا من ديارنا.. ويسرنا أن نعلن أن كل ما عدا ذلك هو جهل بحقائق الإسلام، بل افتئات عليه، وداع إلى الإفساد في الأرض، وإننا لدعوة "معهد دراسات الشرق الأوسط في واشنطن" للحوار لمنتظرون، إن كانوا لخير الأسرة البشرية عاملين وفي ذلك فليتنافس المتنافسون..
الدكتور محمد معروف الدواليبي
стр. 11527
دراسة حول الغزو الثقافي للعالم الإسلامي
بداياته، دوافعه، أبعاده، سبل مواجهته
إعداد
الدكتور عبد السلام داود العبادي
ممثل المملكة الأردنية الهاشمية
في مجلس المجمع
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على رسوله الكريم وبعد.. فهذه دراسة عامة حول الغزو الثقافي للعالم الإسلامي تعرض بإيجاز لبداياته ودوافعه وأبعاده والنتائج التي حقها في بلاد المسلمين مع عرض موجز لسبيل مواجهته، أقدمها للدورة السابعة لمجمع الفقه الإسلامي راجيًا أن ينفع بها وأن تساعد في تكوين تصور شامل للخطة اللازمة لمواجهة هذا الغزو ليس في العالم الإسلامي فحسب إنما في كشف تجنيه على الإسلام وعمله على تشويه مبادئه وقيمه في جميع أنحاء العالم، وفاء بواجب الدعوة إلى هذا الدين الذي شاء الله سبحانه أن يكون خاتمة الرسالات الإلهية وللناس كافة وحرصًا على إحقاق الحق ووضع الأمور في نصابها العلمي الصحيح وبخاصة أن عصرنا هذا يدعي بأنه عصر الموضوعية والأمانة في مجالات العلوم والمعرفة.
والواقع أن المواجهة الفكرية التي يتعرض لها الإسلام مواجهة شاملة وشرسة تتطلب الإعداد والتخطيط وبذل للجهود الواسعة المضنية في مجالات التأليف والبحث والنشر والإعلام والاستفادة من كل وسيلة متاحة لعرض المواقف الإسلامية بأمانة وموضوعية ورد كل الشبهات والمطاعن التي افتعلها ويفتعلها أعداء الإسلام حوله.
وإني أسأل الله أن يكون في هذه الدراسة مشاركة في هذا الواجب الكبير.
стр. 11528
بدايات الغزو الثقافي:
بدأت ملامح الغزو الثقافي تظهر بوضوح عقب الاتصال الذي تم بين الإسلام والغرب في الأندلس، فهنالك اطلع الغرب على حقيقة الإسلام فأخذ ينتشر بينهم في أوروبا انتشارًا سريعًا فأراد المستنفذون فيه من حكام ورجال دين أن يوقفوا انتشاره، فندبوا الكثيرين لدراسة الإسلام: دراسة المفتعل للمطاعن والمدعي لها هادفين شرحه إلى قومهم شرحًا منحرفًا وذلك حتى يوقفوا انتشاره الذي أخذ يكتسح أوروبا اكتساحًا يسهل عليه ذلك ما كانت تعيشه أوروبا من اضطهادات من الكنيسة ورجالها ومن الحكام وأعوانهم (١) ، يقول سيرت أرنولد: " ولقد بلغ من تأثير الإسلام في نفوس معظم الذين تحولوا إليه من مسيحي أسبانيا مبلغًا عظيمًا حتى سحرهم بهذه المدنية الباهرة واستهوى أفئدتهم بشعره وفلسفته، وفنه الذي استولى على عقولهم وبهر خيالهم، كما وجدوا في الفروسية العربية الرفعية مجالًا فسيحًا لإظهار بأسهم وما تكشف عنه هذه الفروسية من قصد نبيل وخلق قويم. أضف إلى ذلك أن علوم المسيحيين وأدابهم لا بد أن تكون قد بدت فقيرة ضئيلة إذا ما قيست بعلوم المسلمين وأدابهم التي لا يبعد أن تكون دراستها في حد ذاتها باعثًا على الدخول في دينهم" ويقول أيضا: "ولما كان أشهر رجال الدين قد تأثروا تأثرًا عميقًا من جراء اتصالهم بالمسلمين جاز لنا أن نحكم بأن تأثير الإسلام في مسيحي أوروبا كان عظيمًا وليس أدل على صحة هذا القول من التفكر في عقد ذلك المجمع بمدينة طليطلة سنة ٩٣٦م للبحث في أحسن الوسائل التي تحول دون أن تفسد هذه العلاقات من صفاء الدين المسيحي ونقائه (هكذا!!) .
ويقول: " من ذلك نستطيع أن ندرك بسهولة كيف أن عوامل التأثير في الآراء وإقامة الشعائر الإسلامية بالإضافة إلى هذه الجهود الواضحة التي بذلت في سبيل تحول هؤلاء المسيحيين قد
أدت إلى ما هو أكثر من مجرد التقارب والاتصال بل إنها سرعان ما عملت على زيادة الداخلين في الإسلام" (٢)
стр. 11529
فالإسلام دين الفطرة والعقل تتقبله العقول السليمة البعيدة عن التعصب بكل يسر وهو دين السهولة والبعد عن الخرافات والتعقيد، وهو الدين المنظم لكل ناحي الحياة الإنسانية، فحقيقة الإسلام وأنظمته هي التي يسرت لها هذا الانتشار السريع في كل مكان يقول الفيلسوف الإنكليزي الشهير كارليل: "وما كاد يظهر الإسلام حتى احترقت فيه وثنيات العرب وجدل النصرانية وكل ما لم يكن بحق كان حطبًا ميتًا أكلته نار الإسلام" (١) .
ويرى المستشرق الألماني كارل بكر أن السبب في الحروب الصليبية هو أن الإسلام لما انبسط في العصور الوسطى أقام سدًّا في وجه انتشار النصرانية ثم امتد إلى البلاد التي كانت خاضعة لصولجانها (٢) .
لذلك اقتنع رجال الكنيسة وملوك أوروبا بأن مد الإسلام يهددهم في عقر دارهم فسلكوا في مواجهته سبيلين: سبيل الحرب العادية، وسبيل الحرب الفكرية المتجنية، وكثيرًا ما تلاقى هذان السبيلان.
стр. 11530
سبيل الحرب العادية:
فالسبيل الأول فشلت فيه أوروبا كثيرًا، فلقد استطاع الإسلام في سنتين أن يثبت أقدامه في أوروبا لمدة ثمانية قرون، هذا في غرب أوروبا، وفي شرقها استطاع أن يستولي على مركز الكنيسة الشرقية في القسطنطينية. واستطاع الإسلام أيضًا أن يقضي على الحملات الصليبية الأولى قضاء مبرمًا وهو في هذه الأيام يقضي على الحملات الصليبية الثانية الواحدة تلو الأخرى.
فهو حطم صليبية فرنسا في الشمال الأفريقي وغيره من المناطق، وصليبية بريطانيا في دول إسلامية عديدة، وها هو قد بدأ يعود إلى صفوف اتباعه كلهم روحًا دافعة تعيدهم إلى رحاب الحق وتنشر بهم كل خير. وإن وصف هذه الاحتلالات الاستعمارية الحديثة بالصليبية ليس تجنيًا من غير دليل , بل يكفي دليلا على ذلك:
ـ القول المشهور الذي قاله الجنرال الفرنسي غورو قائد القوات الفرنسية التي دخلت دمشق بعد الحرب العالمية الأولى عندما زار قبر صلاح الدين الأيوبي "ها قد عدنا يا صلاح الدين" (١) .
ـ قول الجنرال اللنبي عندما دخل القدس في فترة الحرب العالمية الأولى سنة ١٩١٨م "اليوم انتهت الحروب الصليبية" (٢) .
ـ ما قاله جورج بيدو الذي تولى وزارة الخارجية الفرنسية سنة ١٩٦٣م: "أنه لن يترك الهلال يتغلب على الصليب" (٣) .
ـ ما اعترف به الفرنسيون من أن الإسلام هو الذي يخيفهم في أفريقيا مثل قول "غي موليه رئيس الوزراء الفرنسي الأسبق": "إن الحركة الإسلامية التي تتسع في أفريقيا هي التي تهدد الإمبراطورية الفرنسية في المغرب " (٤) .
ـ ما فعله هؤلاء المحتلون من اضطهادات للمسلمين ومحاربة للإسلام في جميع المناطق التي احتلوها وذلك ليسهل عليهم البقاء فيها.
ـ يقول زايير: "إن شعوبنا هي الوحيدة التي أرادت أن تحمل إلى الشرق عقائدنا وآراءنا كما تحمل إليه تجارتنا فكأننا نريد أن نستعمره في كل شيء" (٥) .
ـ تشجيع هؤلاء المحتلين للمبشرين تشجعًا كبيرًا مما هو معروف على مستوى العالم الإسلامي، بل ظل تشجيعهم حتى بعد أن استقلت البلاد الإسلامية بحجج الثقافة ونشر العلوم والمساعدة في الإغاثة وعون المحتاجين وعلاج المرضى وغير ذلك من الحجج.
стр. 11531
سبيل الحرب الفكرية المتجنية:
وأما السبيل الثاني والذي هو سبيل الحرب الفكرية المتجنية فقد كان فرسانها الأوائل الرهبان الذي كان العلم مقتصرًا عليهم في أوروبا، فأخذ هؤلاء يشوهون حقائق الإسلام ويعرضونها عرضًا منفرًا على الأوروبيين، وألفوا ودبجوا في ذلك المقالات والكتب والصحف فأغروا قلوب المسيحيين على الإسلام وزرعوا فيهم حقدًا وضغينة أصبح فيما بعد من البدهيات عندهم والذي نرى أثره حتى إلى هذه الأيام، فلقد بلدوا الشعور الغربي نحو المسلمين فأصبحوا لا يتحركون لما يصيب المسلمين من كوارث ومصائب وذلك لما ترسخ في نفوسهم من حقد ورغبة في انقراض المسلمين.
وسائلهم:
ثم تبع هؤلاء الرهبان في عملهم هذا خلق كثير تخصص في ذلك ووقف حياته عليه، ويدلل على مدى الجهد الذي بذلوه في حربهم هذه عدد الكتب والمؤلفات التي أصدروها لهذه الغاية , فإن خيال الإنسان قد لا يطيق تصور عدد الكتب التي ألفوها والنشرات الي طبعوها والمجلات والجرائد التي أصدروها طاعنين ومتهكمين ومستهزئين بكل مظاهر الإسلام , حتى أن القارئ لكثير مما كتبوا لا يستطيع منع نفسه من الضحك على جهلهم بل تجاهلهم لحقائق الإسلام.
ومثال ذلك الكتاب الذي ألفه بوديه سنة ١٦٢٥م مؤرخًا عن الإسلام وهو الكتاب الفرنسي الأول عن الإسلام والذي منه وقف الفرنسيون على حقيقة الإسلام ولقد اعتمد مؤلفه على الكهنة البيزنطيين والأسبان , وهؤلاء هم الذين احتقروا الإسلام والمسلمين احتقارًا وأسفروا لهم عن حقد وضغينة (١) ، ولا أريد أن أمثل على هذه الكتب التي نهجت هذا النهج فالأمثلة على ذلك كثيرة لا تحصى (٢) .
فإننا لا نكاد نمسك ونقرأ أي كتاب غربي يتكلم عن الإسلام أو الشرق "فإننا سنجد فيه أشياء كثيرة مبعثها التحامل، لا يقرها منطق ولا عقل بل تشنيع خال من الحق والعدل تتجلى فيه سوء النية تجليًا لا يقبل الرد" (٣) .
وقد قاد هذه الحرب الفكرية المتجنية فريقان، رجال الكنيسة، وملوك أوروبا وأمراؤها خوفًا من الإسلام الذي أصبح يهددهم في عقر دارهم وذلك بما امتاز به الإسلام من سرعة الانتشار في البلاد التي صل إليها وهذا ما نبه إليه الكثيرون منهم، يقول غاردنو: "إن القوة التي تكمن في الإسلام هي التي تخيف أوروبا" (٤) .
ـ فقام الفريق الأول (قادة الكنيسة ورجالها) بتشجيع حركة التبشير والاستشراق , ووقف أعداد كبيرة من الرهبان عليها فقد ورد في كتاب المستشرقون البريطانيون: فبينما كان التاجر يسعى في تحصيل النفع المادي من علاقاته بالشعوب الشرقية إذ المبشر الإنجيلي يسبقه تارة أويتبعه حثيثًا تارة أخرى وقد امتلأ حماسة شريفة أن يحقق أمر معلمه المسيح بالذهاب إلى كل العالم والتبشير بالإنجيل إلى كل مخلوق، وقد وجد أن مما يساعده على تحقيق ما يرمي إليه من الخلاص الروحي أن يتعلم ما للجماعة التي سيلقاها من لغة وطرق تفكير، وقد ازداد هذا التعليم لزومًا حين وجد الداعي المسيحي نفسه وجهًا لوجه أمام دين تبشيري آخر، هو الإسلام وأمام دعاة قاموا بدعوتهم، مستندين إلى ثقافة ناضجة وفلسفة لاهوتية دقيقة (٥) .
وذلك ليقوموا بكل ما يستطيعون من تشويه وتزييف يهدفون منه هدفين:
الأول: حماية الكنيسة والمكاسب التي حصلت عليها من الزوال بانتشار الإسلام.
والثاني: غزو الشرق بهذه الأفكار محاولين نشر دينهم وثقافتهم وأفكارهم، وتظهر نتائج هذه المحاولة بما قامت به أوروبا من حروب صليبية أشعلها وزاد في جذوتها ما اطلع عليه الأوروبيون من الإسلام عن طريق هؤلاء الرهبان ومن تبعهم (٦) .
يقول البابا: "أوربنانيوس الثاني في مجمع كليرمون ١٠٩٥م وذلك عندما دعا للحروب الصليبية: "إن أهل الإسلام رجال ضعفاء تعوزهم الشجاعة للقتال وجهًا لوجه فيعمدون إلى الهرب واستعمال السهام السامة" هكذا تشويههم وتهميشهم شمل حتى الحقائق المسلمة للمسلمين في سبيل الحروب الصليبية.
стр. 11532
واستمرت هذه الحروب ما يقرب من قرنين فساعدت هي بدورها على ترسيخ هذه العداوة وتقويتها فلم تَخْبُ جذوتها من تلك الأيام، فبهذا الاتصال عرف المسيحيون قوة الإسلام وحقيقته واطلعوا على مظاهر القدرة ومكامن العطاء عند المسلمين والتي تتجلى بفهمهم للإسلام وتطبيقه، واطلعوا أيضًا على خيرات البلاد الإسلامية فطمعوا بها وعزموا من تلك الأيام على احتلال هذه البلاد بكل الوسائل وعلى الاستمرار في حرب الإسلام بكل ما يستطيعون.
وأما الفريق الثاني (ملوك أوروبا وأمراؤها) فقد شجعوا المستشرقين الأوائل والمبشرين تشجيعًا قويًّا , وذلك أولًا: للوقوف في وجه الإسلام الذي أصبح يدق عليهم الأبواب.
وثانيا: للهجوم في المستقبل عليه واستعادة ما أخذ منهم بل والقضاء عليه تمامًا وذلك لأن هؤلاء المستشرقين (١) والمبشرين قد ساعدوا ملوكهم وولاتهم في استيلائهم على الشرق، يقول ذلك نجيب العقيقي في كتابه المستشرقون ومن ثم يمجدهم تمجيدًا واضحًا ويقر لهم بالفضل الواسع علينا فيقول مثلا: "في سبيل هذه الثمار التي يقتطفها الغرب من الشرق أحسن ملوكه صلات المستشرقين فضموهم إلى حاشيتهم أمناء أسرار لهم وانتدبوهم سفراء وقناصل وتراجمة وموظفين في سلكي الجيش والسياسة إلى بلدان الشرق، ومنحوهم ألقاب الشرف الفخمة كبارون وكونت وكراسي التدريس....." (٢) .
وواضح أن المسيحية الروحانية لا تقر مثل هذه التصرفات كما لا يقرها المسيحيون المتنورون.
стр. 11533
ومضت الأيام وتعددت اتصالات الغرب بالشرق المسلم من اتصال الأندلس إلى اتصال صقلية إلى الاتصال الذي تم بالحروب الصليبية إلى الاتصلات التجارية التي بدأت بشكل قوي في نهاية القرن السادس عشر واستفاد الغرب من هذه الاتصالات الشيء الكثير باعتراف الكثير من مفكريه وفلاسفته، فلقد أخذ الغرب مظاهر الحضارة المادية عن الإسلام فقوى وأبدع في مجالات العلوم والتكنولوجيا، وفي هذه الفترة أخذ المجتمع الإسلامي يبتعد عن الإسلام بمفهومه الحضاري الشامل، فضعفت شوكته وتفرقت بلاده فاستطاع الغرب احتلال أكثر بلاد الإسلام بعد أن استطاع افتعال المبررات والوصول إلى بعض مراكز القوة فيه وبعد خدعة حكام هذه البلاد وعقده معهم المعاهدات الزائفة الخادعة، وكان يدفعه إلى هذا الاحتلال رغبته الأولى في محاربة الإسلام والقضاء عليه في عقر داره، والثانية رغبته في السيطرة على خيرات العالم الإسلامي وكنوزه التي يتصور أن المسلمين ليسوا أهلًا لها. هكذا استطاع العدو السيطرة على بلاد المسلمين لفترات طويلة، فأخذ يفكر في كيفية استمرار هذا الاحتلال وفي كيفية التنفيس عن حقده على الإسلام، وفي كيفية الإبقاء على التخلف والضعف بين أظهر المسلمين , فانصب تفكيره على الإسلام وعلى الوحدة التي ينشئها الإسلام بين متبعيه، الإسلام الذي انتشر في هذه البلاد وخلق من أهلها قوة تهدد كل شر، فالإسلام هو عدوهم الأول والأخير فيجب أن يكون هو الهدف الأول لمخططاتهم العدائية التي تهدف إلى القضاء عليه تمامًا , وقد شملت هذه المخططات التشويه والتزييف لكل قيمة من قيم هذا الإسلام الخالد , وشملت أيضًا محاولة التبشير بالمسيحية بين المسلمين عسى أن يكون بذلك القضاء النهائي على الإسلام , وقد استعانوا على ذلك بحالة الضعف التي يعيشها المجتمع الإسلامي. وحالة القوة والرقي المادي التي يعيشها الغربيون فصوروا للمسلمين أن الإسلام هو دين الضعفاء , وأن المسيحية هي دين الأقوياء , فما على المسلمين إذا أرادوا القوة والتقدم إلا ترك الإسلام إلى غير رجعة.
ومن هنا قوى وضع اتجاه المبشرين والمستشرقين الذين كانوا أهم وسيلة من وسائل المستعمرين في هذه الحرب الفكرية، والتبشير سلك لهدفه هذا طرقًا عدة منها التعليم المدرسي في دور الحضانة ورياض الأطفال والمدارس الابتدائية والثانوية للذكور والإناث والجامعات والعمل الخيري في المستشفيات والملاجئ والعيادات (١) . وتميز الاستشراق بصورة الأكاديمي فألفوا الكتب وكتبوا المقالات في المجلات والصحف وأخذوا ينشرون أفكارهم من فوق كراسي الجامعات وفي أجواء المؤتمرات التي يدعون إليها.
стр. 11534
والأدلة على هذا الهدف الاستعماري الخبيث يستطيع كل متجرد عاقل أن يتصيدها من كتاباتهم وأعمالهم فمثلًا يقول الرئيس فيليب فونداسي رئيس المكتب الخاص الفرنسي أي مصلحة التجسس الفرنسي في كتاب صدر سنة ١٩٥١م ناصحًا الحكومة الفرنسية بمحاربة الإسلام في أفريقيا السوداء فيقول: "فإننا إذا ما نظرنا إلى الإسلام تحت تأثير العطف المجرد أو تحت دافع رد الفعل بعد نظرتنا إلى المعتقدات الوثنية، فإننا نسر برؤيتنا هذا الدين ضعيفًا جدًّا وقد طرأ عليه ذلك التغيير الكبير وأصبح ذا شكل كبير الاختلاف عن أصله. ولكن الإسلام يمكن أن يكون خاصًّا (كما في أفريقيا السوداء) ولكنه لا يكون أبدًا هادئًا جامدًا فهو في رقي دائم يجمع شتات قواه وذلك بتطهير عقيدته تدريجيًّا ويؤلف كتلة طبيعية بالرغم من شوائبه ومن أشكاله المختلفة ... " (١) .
ويقول سيكارد: "إنه يجب التقليل من الإسلام بين الشعوب الخاضعة لنا لأنه ضد مصلحتنا" (٢) .
ويقول القس سيمون في كتاب له: "إن الوحدة الإسلامية تجمع آمال الشعوب السمر وتساعدهم على التملص من السيطرة الأوروبية" (٣) .
ويقول لورانس براون: "إذا اتحد المسلمون في إمبراطورية عربية أمكن أن يصبحوا لعنة على العالم وخطرًا أو أمكن أن يصبحوا أيضا نعمة له، أما إذا بقوا مفترقين فإنهم يظلون حينئذ بلا وزن ولا تأثير" (٤) .
وتقول مجلة العالم الإسلامي الإنكليزية: "إن شيئًا من الخوف يجب أن يسيطر على العالم الغربي ولهذا الخوف أسبابه منها أن الإسلام منذ أن ظهر في مكة لم يضعف عدديا بل دائمًا في ازدياد واتساع ثم إن الإسلام ليس دينا فحسب بل إن من أركانه الجهاد ولم يتفق شعبًا دخل في الإسلام ثم عاد نصرانيًّا" (٥) .
وقال مجلة مراكش الكاثوليكية التي يصدرها الفرنسيسكان: "إن فرنسا لا يمكنها أن تنجح في إخضاع أهالي المغرب إلا بإبعادهم عن الديانة الإسلامية" (٦) .
ولا ننسى في هذا المجال قول غلادستون رئيس وزراء بريطانيا الأسبق بأنه لا يمكن السيطرة على المسلمين إلا بنزع القرآن من ما بينهم.
стр. 11535
هكذا قرر الغربيون حرب الإسلام حربًا فكرية متجنية فأخذوا يشوهون الإسلام في أذهان الناس وكانت حربهم هذه على الإسلام من جهات ونواح مختلفة , وفي ذلك يقول أحد كرادلة الإفرنج في حفلة تدشين كنيسة الإسماعيلية "لا يمكننا القضاء عليه ـ أي الإسلام ـ إلا إذا قوضه كلٌّ من جهته حتى نصل إلى محوره" (١) .
وقد خرجوا على الناس بأفكار جديدة حاولوا أن يلبسوها أثواب الحقائق المسلمة وهي بعيدة عن ذلك كل البعد ومنها:
١ ـ القرآن كتاب مسيحي يهودي كتبه محمد، فالإسلام دين مخترع ملفق من الأديان السابقة , ولم يقتصر الأمر على ذلك بل يقول جون تاكلي: "يجب أن نُري هؤلاء الناس أن الصحيح في القرآن ليس جديدًا وأن الجديد ليس صحيحًا" (٢) . فليس للمسلمين أصالة فكرية أو ثقافية، فلا قيمة ذاتية لهم فيجب عليهم أن يندمجوا في الحضارة الأوروبية القائمة.
٢ ـ الإسلام دين مادي لا روحية فيه مطلقًا فلا مجال للصفاء النفسي والمحبة فيه.
٣ ـ الإسلام دين الحيوانية والاستغراق في الملذات.
٤ ـ هاجموا شخصية الرسول ووصفوه بكثير من الأوصاف السيئة كما هاجموا القواد المسلمين في كل العصور.
٥ ـ القول بأن الفلسفة الإسلامية فلسفة فكر يوناني بأحرف عربية ,وأن الفقه الإسلامي هو قانون روماني بأحرف عربية.
٦ ـ مهاجمة اللغة العربية والدعوة إلى العامية ومهاجمة , الأحرف العربية والدعوة إلى الكتابة بالأحرف اللاتينية.
٧ ـ إثارة النعرات القومية في مختلف نواحي العالم الإسلامي ليتم تفريقه إلى دويلات متنازعة متصارعة , وهكذا تتعدد مقولات الطعن والتجني , وقد ركزوا على ربط تأخر المسلمين في هذه الأيام بالإسلام: فالمسلمون يتأخرون في هذه الأيام لأنهم يتمسكون بالإسلام فعليهم أن يتركوا الإسلام إذا أرادوا التقدم، يقول هنري جب: "المسلمون لا يفهمون الأديان ولا يقدورنها قدرها , إنهم لصوص وقتلة ومتأخرون , وإن التبشير سيعمل على تقديمهم" (٣) .
стр. 11536
والمهم أن من غاياتهم:
١ ـ إخراج المسلمين من دينهم ليمكن غزوهم فكريًّا ودينيًّا واقتصاديًّا وعسكريًّا، والدعوة للتنصير بالتبشير بالمسيحية ما هي إلا وسيلة لا أكثر ولا أقل.
٢ ـ محاولة إيجاد أناس بأسماء وطنية وبعقليات ونفسيات وثقافات وعادات أوروبية لا يثقون بالثقافة الإسلامية مطلقًا , وهؤلاء هم من الذين يتخرجون على كتبهم أو في جامعاتهم سواء في الشرق أو الغرب , وهؤلاء هم الذين أعدوهم ليكونوا متنفذين في بلاد المسلمين بحجة حصولهم على الشهادات ووصولهم للمراكز العلمية والمادية.
وهؤلاء هم الذين دعوا إلى التجديد في الإسلام ومثلوا الاتجاه الذي يمالئ الاستعمار في دعواته ويسير في طريق اتباع الغرب في كل شيء.
٣ ـ وإذا لم يتولد الإخراج من الدين يتولد التشكيك وزعزعة العقيدة، وبعد ذلك تعرض الحضارة الغربية وتبين بأنها هي الأفضل، فيحدث الانضمام إليها والتبني لبعض فلسفاتها ونظمها.
٤ ـ تجميد كل فعاليات المسلمين وتقطيع العلاقات بين الشعوب الإسلامية بأي وسيلة ممكنة.
٥ ـ إفساد الخصائص الدينية في النفوس والمجتمعات وإيجاد جماعات متدينة متزمة ومتعصبة للإسلام تظهر بمظهر التأخر والجهل بكل مظاهر الحضارة , فينفر الجيل الجديد من الإسلام لأنهم صوروا له أن هذه الفئة هي التي تمثل الإسلام.
والهدف من كل ما مر هو السيطرة على البلاد الإسلامية والقضاء على الإسلام تمامًا.
стр. 11537
ونال هؤلاء النتائج التالية:
(أ) ما نالوه في الغرب:
١ ـ لقد استطاعوا تشويه الإسلام والمسلمين في نظر شعوب الغرب فلقد صوروا لهم الدين الإسلامي بصورة سيئة وبأن المسلمين أبطال التعصب والتزمت حتى كره الغرب المسلمين. يلاحظ هذه الناحية كل من يتعمق في موقف الأوروبيين فيما يجري من مذابح على الأرض الإسلامية دون تحريك ساكن في الغرب بينما إذا قتل إنسان غير مسلم في أي مكان في العالم تقوم قيامة أوروبا مطالبة بالعدل والرحمة والسلام. يقول محمد أسد في كتابه الإسلام على مفترق الطرق: "لا تجد موقف الأوروبي موقف كره في غير مبالاة فحسب ـ كما هي الحال في موقفه لسائر الأديان والثقافات عدا الإسلام ـ بل هو كره عميق الجذور يقوم في الأكثر على صور من التعصب الشديد. وهذا الكره ليس عقليًّا فقط، ولكنه أيضا يصطبغ بصبغةعاطفية قوية ,لا تقبل أوروبا تعاليم الفلسفة البوذية أو الهندوكية ولكنها تحتفظ دائما في ما يتعلق بهذين المذهبين بموقف عقلي متزن مبني على التفكير , إلا أنها حالما تتجه إلى الإسلام يختل التوازن ويأخذ الميل العاطفي بالتسرب". (١) .
٢ ـ استطاعوا بخلقهم هذا الشعور في الغرب تشجيع الغربيين على غزو المسلمين والقضاء عليهم وكأنهم وهم يقومون بهذا العمل يشعرون أنهم يحققون عملًا إنسانيًّا رفيعًا وذلك بتخليص الإنسانية من الخطر على التقدم والحضارة الإنسانية.
стр. 11538
(ب) ما نالوه في العالم الإسلامي:
١ ـ جعلوا كثيرا من المسلمين يتشككون بكل القيم الإسلامية وينظرون إلى الإسلام وكأنه متهم في قفص وجعلوا أيضا كتاب المسلمين يعتمدون على أقوالهم في بحوثهم وكتبهم حتى في ما يتعلق بتاريخ الإسلام والمسلمين.
٢ ـ ولدوا بهذا رغبة عند كثير من المسلمين لترك دينهم، ولكنهم بقوا منتسبين إليه شكلًا، وذلك عندما صور الغرب لهم بأنه مركز الخير. ولما كانت القيم الغربية مختلفة وقد أخذ المسلمون باعتناقها اختلف المسلمون في ما بينهم فسهل استعمارهم، وذلك لأن الفكرة هي أهم ما يحرك البشر فهي مادة التوجيه، فالاستعمار الفكري أشد أنواع الاستعمار وأطوله , ولذلك حرر الإسلام أتباعه فحرك طاقاتهم وأطلقها نحو خير الإنسانية وتحقيق سعادة الأفراد والجماعات.
٣ ـ استطاعوا تقسيم المسلمين إلى أعراق وقوميات، وإن نظرة إلى العالم الإسلامي في هذه الأيام توضح المدى الذي وصلوه في ذلك.
٤ ـ استطاعوا تجميد فعاليات المسلمين تمامًا فضعفوا وطال استعمارهم فانتشر بينهم المرض والجهل والفقر ومظاهر التخلف , ومن حيث لا يشعرون ولدوا بهجومهم هذا رد فعل قوي عند المسلمين، فأخذ علماء المسلمين يعيدون غرس القيم الإسلامية في نفوس المسلمين، فالمتهم الذي وضع في القفص ظلمًا وعدوانًا لم يعدم ممن يثبت براءته من كل ما اتهم به , ويضع مكانه من اتهموه ظلمًا وعدوانًا , وقوي رد الفعل هذا حتى استطاع بما عمله أن يعيد الروح الإسلامية من جديد إلى المجتمعات الإسلامية , فأخذت هذه المجتمعات تدحر المعتدين في المعركة تلو المعركة , وتبدأ بإعادة بناء حياتها على قيم الإسلام وقواعده.
٥ ـ شغل المسلمين عن الجهاد والدعوة إلى الإسلام بالحكمة والموعظة الحسنة بإحدام النقاش والجدال بينهم في الأمور الخلافية البسيطة , ومحاولتهم تطوير هذا الاختلاف بالفكرة إلى عداوة وبغضاء بين المسلمين؛ فقد قام المستشرقون وتلامذتهم بإثارة الأمور البسيطة التي كان المسلمون قد اختلفوا فيها من جديد , وذلك حتى يشغلوا المسلمين ويفرقوا كلمتهم مثل الخلافات المذهبية في العبادات والمعاملات , وكذلك بإثارة أمور لا علاقة لها بتبليغ الرسالة وإنما هي ترف فكري لشغل المسلمين عن هذا التبليغ كالجبر والاختيار، بل إثارة خلافات في منتهى البساطة وعدم الاهمية كالخلافات في ضم اليدين أو إسبالهما في الصلاة.
стр. 11539
هكذا قصد المعتدون إلى إشغال المسلمين عن دينهم والجهاد في سبيله وتبليغه إلى جميع البشر بخلافات سفسطائية لا طائل تحتها كان المسلمون الأوائل يأبون التحدث فيها فلما سئل مالك عن الاستواء وكيفيته قال: "الاستواء معلوم والكيف مجهول والسؤال عنه بدعة" وطرد السائل لأنه لا يريد شغل المسلمين بهذه الأمور التي تضيع وقتهم الذي يجب أن يصرفوه في تبليغ الدعوة والجهاد في سبيلها تنفيذًا لأمر الله ورسوله.
ويظهر هذا السلوك الاستعماري بوضوح في ما قامت به القاديانية من إثارة موضوع المسيح ﵇: "هل قتل وصلب أم لا، وهل رفع إلى السماء أم لم يرفع، ثم هل رفع وهو ميت أم وهو حي، ثم بإثارة موضوع نبوة ميرزا غلام أحمد، فبهذا يشغل المسلمون بغير الأمور الهامة بالنسبة لهذا العصر عصر الإعداد والقوة والعمل والكفاح , يقول أبو الحسن الندوي عن القاديانية: إنها بقيت مقتصرة على إثارة المناقشات الدينية والمباحثات حول موت المسيح وحياته ونزوله ونبوة ميرزا غلام أحمد مما لا اتصال له بالحياة العامة والمسائل الإسلامية والحركات التي كانت مظهرا للغيرة الإسلامية، والشعور السياسي في هذه البلاد" (١) .
فهم يريدون بإبراز هذه الأمور الخلافية إضاعة جهودهم في معارك جانبية بعيدة عن معركة الإسلام الكبرى معهم أنفسهم.
يقول الأستاذ محمد المبارك في رسالته ذاتية الإسلام أمام المذاهب والعقائد: "ومن هنا يتبين خطأ من يصرفون همهم إلى أمر قد يكون في ذاته مطلوبًا أو ممنوعًا في الإسلام، ولكن في مقابلة أمر أخطر منه بكثير , فالبلاد الإسلامية مبتلاة في هذا العصر بخطرين عظيمين هما الاستعمار والإلحاد، أي الاستيلاء على الأرض والاستيلاء على العقيدة , أي إتلاف ثرواتها المادية والمعنوية وسلبها. ولو تم الاستيلاء على البلاد وتهديم العقيدة واستمر لما أمكن إقامة شعائر الدين ولا القيام بأوامره وتطبيق أحكامه. ولذلك فإن صرف أذهان الناس إلى قضايا أخرى وجعلها محور النضال الإسلامي إلهاء عن أهم القضايا الأساسية التي هي الاستيلاء على البلاد الإسلامية أو السيطرة عليها بطريقة مباشرة أو غير مباشرة. فهل يجوز في مثل هذه الحال تقسيم المسلمين إلى من يقولون بأن التراويح ثمانية ومن يقولون بأنها عشرون وإلى القائلين بتكرار الجماعة أو عدمها أو احتدام معركة السنة والبدعة في أمور لا تمس العقيدة، أنا لا أقول إنه لا تبحث هذه الأمور بحثًا علميًّا بل أقول إنه يجب التنبيه حينما يكون الأمر ماسًّا بالعقيدة ويحسن التنبيه إلى الطريقة الصحيحة في العبادات لأن العبادات توقيفية فلا زيادة ولا نقصان فيها عمَّا أمر النبي ـ صلوات الله عليه ـ أو فعله ومع ذلك فإذا كان ذلك يحدث فتنة أو يحدث خصومة بين فئتين من المسلمين وجب ترك ذلك لما يترتب عليه من منكر أعظم , ولما ينشأ عنه من تقسيم المسلمين إلى فئات متعددة في ظروف وأحوال لا يجوز فيها تفتيت القوى ولا الاشتغال إلا بالقضايا الأساسية الكبرى". (٢)
стр. 11540
٦ ـ تمجيد القيم المسيحية والدعوة للدعوات الإنسانية المتعددة وإشغال المسلمين بها وتبين أن الأديان كلها قد جاءت للرحمة والسلام والجهاد ليس فيه أي معنى من معاني الرحمة فهو ليس من الإسلام دين الرحمة والسلام.
إن الأوروبيين قد سلكوا كل سبيل في تشويه القيم الإسلامية والصرف عنها , وقد نال الجهاد الشيء الكثير من هذا، ولا أريد هنا أن أذكر الشبه التي افتعلوها على نظام الجهاد - فهي محل بحث مستقل - ليصوروا الجهاد في أنظار المسلمين بأنه أمر يجب التخلص منه بدون تردد.
ومع تصويرهم لنظام الجهاد بهذا الشكل يأخذون في تمجيد القيم المسيحية الغربية والتدليل على أنها دعوة للسلام ورسالة المحبة , ويربطون بين هذا وبين رقي الغرب المادي في كل مجال من مجالات الرقي والتقدم، ثم يقارنون ذلك مع تأخر المسلمين في كل مجال من مجالات الحياة , ويعللون ذلك بأن الإسلام هو سبب تأخرهم. ويصفون من يسير وإياهم في هذا الطريق ويؤمن بما يقولون بالتقدمية والتسامح , بينما يوصف من يرفض ذلك ويتهم بالرجعية والتزمت.
ومع كل ما مر يشجعون بل وينشرون الدعوات التي تدعي الإنسانية والتعاون بين كل البشر والتي تقول أيضًا: إن الأديان جاءت للرحمة والسلام والمحبة، ولهذا نرى الحركات الإنسانية المختلفة الأشكال والأساليب تنتشر في أغلب مناطق الإسلام، ولقد أصبحت الدعوات الإنسانية ستارًا لكثير من الدعوات الهدامة المنحرفة.
ويسير مع هذا تشجيعهم للدعوات الجديدة والمذاهب الحديثة كالوجودية والشيوعية وتكوين أحزاب تتبنى آراء غربية في السياسة والاقتصاد. ويشابه هذه الدعوات في أهدافها دعوى أن الإسلام دين لا دولة , ففي هذه الدعوات قصر للإسلام على الأفراد دون الجماعة، ففيه إلغاء للشخصية الإسلامية بشكلها الجماعي , وبالتالي يؤدي ذلك إلى إلغاء الجهاد الذي يقوم على أكتاف الجماعة.
ولتشجيعهم هذا وجه آخر وهو ترجمة الكتب الأجنبية الفكرية التي تبحث فيها الدعوات المختلفة والنظريات المتعددة , فهم يحاولون قصر الترجمة على هذا الشكل بهدف إبعاد ما يفيد المسلمين في حياتهم المادية (١) .
ومما عجلوا به نشر الفوضى الأخلاقية بين المسلمين، فالأمم بأخلاقها فإذا ذهبت أخلاقها ذهبت هذه الأمم، فشجعوا الانحرافات الجنسية , وروجوا بضاعة الجنس ترويجًا تامًّا في السينما والإذاعة والتلفزيون والمسارح والمجلات والكتب والصحف.
ولا أريد أن أطيل في هذا فهو معروف تمامًا , وهو من أخطر ما يمكن أن يصرف المسلمين عن دينهم وجهادهم وحتى أوطانهم وبلادهم، وأثره فيما نراه من جيوش الشباب الضائعين الذين يتكالبون على هذه الشهوات.
стр. 11541
٧ ـ ولكي ينجحوا في دعواتهم السابقة أصر هؤلاء على أن يبقى المسلمون متأخرين فكريًّا , فالجهل هو سبب كل بلاء , وإنني لا أجزم أن قضية دعاة الإسلام ليست في عدم عمل الناس به مع علمهم إياه , بل قضيتهم عدم علمهم به؛ لأنهم لا يعلمونه حق العلم، لهذا كان تأخير التعليم الديني في المدارس هو خطوة من خطوات التي سلكها المستعمرون في سبيل صرف الناس عن الإسلام، وكذلك أن في تأخير المسلمين اقتصاديًّا وجعل بلادهم في التخطيط الاقتصادي مقصورة على الزراعة البدائية وإبعادهم عن المجال الصناعي المتقدم هو من أهدافهم في إبعاد مظاهر القوة عن المسلمين.
وهناك تأخير لفئة خاصة من المسلمين عملوا له بكل اندفاع وتخطيط وهو تأخير الفئات التي تمثل الإسلام حتى يبتعد الناس عن الإسلام عندما يرون مظهره في دعاته وحملته , وهذا واضح مما نلاحظه في مختلف بقاع الإسلام ومجتمعاته.
هذا عدا عن محاولة دعم جماعات توصف بأنها حاملة للإسلام وممثلة له , وهي أبعد ما تكون عن روح الإسلام وذلك بتزمتها ومحاربتها التقدم المادي في كل ناحية , مما يكره الناس بها وبما تمثل.
стр. 11542
سبل المواجهة:
بعد هذا الاستعراض لبدايات الغزو الثقافي وأبعاده وما حققه من نتائج في بلاد العرب والمسلمين وغيرها من بلاد الدنيا , كيف تكون المواجهة؟ ليست القضية بهذه السهولة، ومما يمكن معالجته في بحث عاجل ولا في دراسة محدودة، إنما هو أمر في غاية الأهمية , ويتطلب تكاتف الجهود وإعداد الخطط والبرامج والدراسات والبحوث، وإنني أقترح نقاطًا للبحث في هذه القضية الكبرى:
١ ـ الحرص على بيان سماحة الإسلام وأنه جاء لخير الإنسان وسعادته في الدنيا والآخرة. وبحيث يكون ذلك على المستوى العالمي وباللغات الحية جميعها.
٢ ـ الاستفادة الفاعلة والمدروسة من أساليب العصر في البيان وبخاصة في مجالات الإذاعة والتلفزيون وعبر الأقمار الصناعية والتي لا تعرف الحدود مما يمكن من إيصال كلمة الحق والخير إلى جميع أنحاء الدنيا دون إهمال لكل وسيلة متاحة مثل الصحف والمجلات وكتب التعريف وعقد المؤتمرات والندوات وإقامة المراكز والمساجد.
٣ ـ الاستفادة من انتشار أفكار الحرية والديمقراطية في المجتمعات الإنسانية لنشر الفكر الإسلامي والتعريف به بعلمية وموضوعية.
٤ ـ الاهتمام بمواجهة القضايا المعاصرة بحلول إسلامية والعمل على نقل حلول الإسلام لهذه المشكلات إلى التنفيذ والممارسة لأن التطبيق الناجح هو أفعل طرق الدعوة والبيان.
٥ ـ العمل على تأكيد مظاهر وحدة المسلمين وتكاملهم على كل الأصعدة وحل خلافاتهم ومنازعاتهم فيما بينهم بالطرق السلمية وفق أحكام الشريعة المعروفة إفسادًا لمخططات الغزو الثقافي في تفتيت وحدة المسلمين وزرع الخلافات والمنازعات بينهم.
٦ ـ العمل على بناء قوة المسلمين واكتفائهم الذاتي اقتصاديا وعسكريًّا.
٧ ـ الحرص على النهوض بمناهج التربية والتعليم بهدف إعداد الأجيال الإعداد المناسب الذي يحصنهم من كل مظاهر الغزو الثقافي.
٨ ـ تطوير مناهج إعداد الدعاة بهدف التأكد من إدراكهم لروح الإسلام ومنهجه في بناء الحياة الإنسانية بالإضافة إلى اطلاعهم على ثقافة العصر ليكون تعاملهم مع المجتمعات المعاصرة عن وعي وبصيرة.
٩ ـ الاهتمام بخطب الجمعة وتطوير الأداء فيها لمواجهة كل مظاهر الغزو الثقافي وآثاره وتعريف المسلمين بدينهم التعريف السليم المتكامل.
١٠ ـ رد كل الشبهات التي أثارها أعداء الإسلام بثقة وقوة ودون اللجوء إلى أساليب الدفاع التبريري مما يصلح لبيان مستقل ليس هنا مجال الحديث عنه.
١١ ـ الاهتمام بدراسة الأفكار الوافدة والمبادئ المستوردة والتعريف بمظاهر قصورها ونقصها بأمانة وموضوعية.
١٢ ـ ترشيد الصحوة الإسلامية ومعالجة كل مظاهر التزمت والانغلاق وبناء الشخصية الإسلامية السوية التي تقدم للمجتمع الإنساني صورة مشرقة للتطبيق الإسلامي على المستوى الفردي والجماعي وفي كل مجالات الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
الدكتور عبد السلام داود العبادي
стр. 11543
الغزو الفكري
في المعيار العلمي الموضوعي
إعداد
الدكتور محمد عبد اللطيف صالح الفرفور
عضو مجمع الفقه الإسلامي بجدة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
خطبة المؤلف:
اتسمت أكثر كتابات الكاتبين الإسلاميين في العصور الحديثة حين يكتبون عن الغزو الفكري بالمعالجة العاطفية والروح الخطابية، وتغلب المنهج القديم الذي كان المسلمون يكتبون كثيرًا بمقتضاه وينظرون إلى الأمور من منظوره، وهو منهج خيالي موغل في رؤية الذات، مجانف للغة الواقع، عقيم غير منتج، طالما مشى عليه المسلمون من قبل فلم يجنوا إلا الخسارة بالرغم من أنهم على حق وأن أعداءهم على باطل، ولكن صاحب الحق إذا صرخ وبكى وغضب وزمجر لن يصل إلى ما يريد من إنصاف الناس إياه، من حيث يتقن خصمه المبطل لغة الحوار الهادئ والأغاليط، وفن الحديث فيربح الحلبة ويكسب الرهان، ويدفع المحق الثمن..، وما أتي إلا من أسلوبه العقيم القديم البالي الأهوج، وعقله الأرعن..
الواقع أن الحق شيء، والدفاع عنه شيء آخر.. الوقوف في وجه الخصم فن لا يتقنه إلا جهابذة الحكماء من العلماء الموفقين ذوي البصيرة النافذة, أولئك الذين يعتمدون دائمًا المنهج العلمي الموضوعي الهادئ، وينصفون الناس من أنفسهم، فلسنا اليوم في ساحة وغى نذكي الجنود بحماس الحرب، ولكننا في صراع فكري رهيب ومصيري، سلاحنا فيه العقل الذكي المنظم، ومنطلقنا الحق الذي نحمله وندفع عنه كيد الكائدين، ومعيارنا دائمًا المنهج العلمي المجرد.
стр. 11544
ولقد والله يؤلمني جدّا ما أسمعه في أروقة المنتديات العلمية والمراكز الثقافية في العالم العربي الإسلامي؛ من سخرية من الكتاب المسلمين بالغمز واللمز من أسلوبهم الخطابي وطنطناتهم ومبالغاتهم ومجافاتهم مناهج البحث في هذا العصر، وبعدهم عن الموضوعية، وروح البحث العلمي المجرد، وكل ذلك سببه فيما أحسب ضيق العَطَنى وقصر النظر، وقلة الثقافة المعاصرة، والبعد عن معرفة الآخرين، وأفكارهم وأنماط سلوكهم وحياتهم، والتقوقع على الذات، والاكتفاء بالتشهير والتحقير للغير، من حيث يتخذ ذلك الغير هذا كله سلاحًا ضد المسلمين، يقول زورًا وبهتانا للناس: انظروا, أنا إنسان باحث موضوعي أريد الوصول إلى الحقيقة المجردة، وهؤلاء الكتاب المسلمون حاقدون شانئون، لا يريدون إلا محاربتي ومناصبتي العداء ... !! فاحكموا أنتم بيننا ... !!
أنا لا أريد للمسلم ولا سيما إذا كان كاتبًا أو عالمًا أو داعية أن يكون أسلوبه أسلوبًا سوقيًّا رخيصًا في معالجة القضايا المصيرية، فيكون قد جنى على دينه وقومه قبل كل شيء، بل أريد له أن يتأدب بأدب القرآن , قال تعالى مخاطبًا نبيه ﵊ ومعلما إياه أدب المناظرة مع المشركين الأعداء: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ .
فما أعظم أسلوب القرآن، وما أبعد الكتاب الإسلاميين اليوم في الأعم الأغلب عن أدب هذا الوحي الأعلى؟ !
стр. 11545
قرأت كثيرًا مما كتب في هذا الشأن الخطير مما كتبه الإسلاميون وخصومهم. فما وجدت من انطلق من قاعدة المنهج العلمي الموضوعي المجرد، بل وجدت خطبًا بليغة، وكلمات إنشائية جميلة، وقطعًا أدبية مونقة، ولكن لم أجد العقل المتزن الهادئ الحكيم الذي يعالج الأمور من جميع أطرافها فينصف الطرف الآخر قبل أن ينصف نفسه، فالكل يتصور الطرف الآخر بل ويصوره عدوًّا، ويصور عمله غارة أو إغارة، فلماذا لا نتصوره في مجال النقاش والمناظرة خصمًا كما يقول العلماء على الأقل؟! ولا والله ما وجدت الغارة ولا الإغارة على العالم الإسلامي إلا من المسلمين أنفسهم، ولا فعل أعداؤهم بهم من الغزو الثقافي وغيره قدر ما فعلوا هم بأنفسهم.
صحيح أن هنالك دوائر للاستكبار العالمي تمكر للمسلمين وتكيد لهم، وعلى رأسها اليهودية العالمية والفكر الاستشراقي، ودوائر التبشير وغيرها، ولكن هذه الجراثيم والميكروبات لا تعمل في جسم إنسان حتى يكون فيه قابلية واستعداد لها من ضعف مقاومة أو هزال أو هشاشة وغير ذلك، فإذا كان هنالك من يكيد للمسلمين وهذا حق لا مرية فيه , فإن هؤلاء ما بلغوا ولن يبلغوا من المسلمين ما بلغ المسلمون هم من أنفسهم، ولن يفتك الجرثوم في جسد حتى يكون الجسد مؤهلًا لذلك، مستعدًّا له.
стр. 11546
أنا لا أدعو إلى مهادنة أعداء الإسلام وخصومه الأشداء، معاذ الإيمان، وما يكون لي ذلك!! ولكن أدعو إلى سحب البساط من تحت أرجلهم وإلى تعريتهم أمام الناس لينكشف عوارهم وزيفهم وضلالهم واللغة التي بها يتكلمون مغالطين ومخادعين، لغة العلم والمنطق والعقل.
ولا يذهبن بك الوهم قارئي الكريم فتظن أننا في طريقنا إلى وفاق أو وئام أو أنصاف حلول، لا، ولكن الشيء الذي نسعى إليه وحده هو إقامة الحجة عليهم فقط دون طمع بشيء آخر من تصديق أو ولاء.
إن الإغارة والغزو الفكري والثقافي للعالم الإسلامي ليس بجديد بل ولد مع ولادة الرسالة الإسلامية المحمدية، ولكن المسلمين كانوا من داخلهم في عافية فلم يتأثروا بالمكر والكيد الذي نفث فيهم، حتى إذا ما ضعفت النفوس، واضمحلت من الداخل روح المقاومة، وانهزم المسلم في ذاته، ظهر أثر هذا الغزو الثقافي وخطره وعقابيله.
إننا بحاجة أيها الناس إلى إصلاح البيت من الداخل، إلى إصلاح الإنسان المسلم والجماعة المسلمة، إلى لغة العقل والمنطق، إلى صفاء السريرة، وطهارة النفس الإنسانية من داخلها، وبعد ذلك لا يهمنا ألف غزو ثقافي وألف وألف، ولو غزانا أهل الأرض كلهم بكل أنواع الغزو، ومكروا بنا بكل ضروب المكر وأصنافه.
﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ صدق الله العظيم.
أما بعد فهذه صفحات من الغزو الفكري أضعها في ميزان المنهج العلمي الموضوعي، أقدمها للدورة السابعة لمجمع الفقه الإسلامي بجدة، لعلها تحظى بالاهتمام والدراسة المستوعبة لتصبح ورقة عمل إن شاء الله.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ صدق الله العظيم.
стр. 11547
خطة البحث
أقمت البحث على مدخل وأربعة أبواب وخاتمة، ودونك التفصيل:
المدخل: التعريف بالغزو الفكري، وشواهد وجوده في العالم الإسلامي، وخطره، وأهدافه.
الباب الأول:
التيارات المعاصرة لدى المفكرين الإسلاميين في مواجهة مشكلة الغزو الفكري؛ وفيه فصلان:
١ ـ الفصل الأول: التيارات المطروحة في الساحة.
٢ ـ الفصل الثاني: التيار الموضوعي المقترح.
الباب الثاني:
أساليب الغزو الفكري ومدارسه؛ وفيه فصلان:
١ ـ الفصل الأول: أساليب الغزو الفكري؛ وفيه مباحث ثلاثة:
ـ المبحث الأول: التشكيك في النصوص الدينية.
ـ المبحث الثاني: اعتماد الروايات المشكوك بها والآراء الشاذة.
ـ المبحث الثالث: أساليب أخرى في المجال التاريخي.
٢ ـ الفصل الثاني: مدارس الغزو الفكري المشبوهة وفضحها؛ وفيه مبحثان:
ـ المبحث الأول: أبرز مدارس الغزو الفكري.
ـ المبحث الثاني: طرق محاربة هذه المدارس المشبوهة وفضحها.
الباب الثالث:
ظواهر الغزو الفكري، وفيه فصول ثلاثة:
١ ـ الفصل الأول: ظاهرة سوء فهم الإسلام أو سوء تعظيمه.
٢ ـ الفصل الثاني: ظاهرة البديل عن الإسلام.
٣ ـ الفصل الثالث: ظاهرة تهميش دور الإسلام في أهله.
الباب الرابع:
أسباب قيام الغزو الفكري والعوامل المساعدة له؛ وفيه فصلان:
١ ـ الفصل الأول: أسباب قيام الغزو الفكري في العالم الإسلامي.
٢ ـ الفصل الثاني: العوامل المساعدة لقيام الغزو الفكري.
الباب الخامس:
تفتيت الغزو الفكري ورد حملاته؛ وفيه فصلان:
١ ـ الفصل الأول: الوقاية والعلاج للحالة الراهنة.
٢ ـ الفصل الثاني: الغزو الفكري المعاكس.
خاتمة:
خلاصة لكل ما سبق
стр. 11548
المدخل إلى البحث
التعريف بالغزو الفكري، وشواهد وجوده
في العالم الإسلامي، وخطره، وأهدافه
المطلب الأول: التعريف بالغزو الفكري:
الغزو الفكري هو: "مجموعة من الشبهات والأغاليط مصوغة صياغة علمية متقنة، توجه إلى عقول المسلمين بطرق مختلفة وبأيد شتى، يراد منها تشكيك المسلمين في دينهم وحضارتهم، ورجالاتهم بغية الوصول إلى تسخيرهم لمآرب عدوهم وغاياته".
المطلب الثاني: شواهد وجوده في العالم الإسلامي:
الغزو الفكري ليس جديدا في العالم الإسلامي، بل هو موجود منذ وجد الإسلام، ولكن اشتد أواره بعيد الحروب الصليبية وعلى وجه الخصوص بعد واقعة المنصورة حيث أسر لويس الرابع عشر ثم فدى نفسه ورجع إلى وطنه ,فنصح لرجاله أن يبتعدوا منذ ذلك اليوم عن المواجهة المسلحة وأن يدرسوا الإسلام وأحوال المسلمين ليصلوا إلى ثغرات ينفذون منها إلى هذا الدين وأهله، ومنذ ذلك اليوم ولد الاستشراق وداء التبشير وما يتبع ذلك من الصراع الحضاري الرهيب إلى يومنا هذا.
وشواهد وجود هذا الغزو في العالم الإسلامي لائحة واضحة، وآثاره ظاهرة للعيان تتجلى في محاولاتهم الدائبة لهزيمة المسلم من داخل كيانه بشتى الأساليب والمكر، فهم لا يطمعون في مهاجمة المسلمين بقدر ما يطمعون في تشكيكهم وتأليبهم على دينهم وأمتهم وتاريخهم ليكونوا هم معاول هدم لهذا الدين من الداخل بأيدي أهله.
والذي يدل على نيلهم بعض النجاح في بغيتهم تلك؛ إنهم تواصلوا بأساليبهم الخبيثة الماكرة إلى توظيف عقول بعد غسلها، عقول كانت من قبل يرجى أن تمتلئ بالحق، ملؤوها بالأغاليط والشبهات ثم وظفوها ضد أمتها ودينها وحضارتها من حيث استراحوا هم وربحوا الرهان، وأضحى المسلمون معهم كما قال الشاعر:
لو بغير الماء حلقي شرق كنت كالغصان بالماء اعتصاري
فليس أنكى على الأمة أن تختلس أبناءها، ثم تجندهم ضدها، وتدمرها بأيديهم , وهم عن ذلك غافلون بالأباطيل والمغالطات يخدعون بها أنفسهم وما يشعرون.
المطلب الثالث: خطر الغزو الفكري وأهدافه:
يكمن خطر الغزو الفكري في أنه أسلم عاقبة لمن يستخدمه من الغزو المباشر العسكري أو الاقتصادي، وأقل مؤنة، وأشد نكاية وتأثيرا في المغزو، فهو يستخدم دائما الأسلوب العلمي الهادئ والحوار المفتوح، وإرادة الخير والنهضة بالآخرين، مغالطة وكذبًا وتزويرًا وتزييفًا للحقائق من باب "كلمة حق أريد بها باطل" وذلك من أجل الخديعة والمكر بالمسلمين، لذلك لا يتنبه لهذا الغزو العامة من المثقفين والبسطاء والسذج من الناس، لشدة تلبسه وخفائه ومن هنا يأتي الخطر، ثم هو أي التحدي الثقافي آخر خط للدفاع عن الإسلام والأمة الإسلامية فإذا سقط انتهى كل شيء.
لكن.. ترى؛ ما هي أهداف هذا الغزو الثقافي الخطير؟!
ليس المراد كما يتوهم البعض ويحلو لهم أن يحلقوا في الخيال الشعري، أن يُنَصِّروا المسلمين أو يهودوهم، فذلك قد انتهى زمانه وولى، وكان المراد أن يردوهم عن دينهم ما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا إلى أي شيء من إلحاد أو علمنة أو وجودية أو دهرية أو ما شابه ذلك كي يصبحوا بلا إسلام.
إذن ليست المشكلة أن يزداد النصارى أو اليهود، لا، فهم راضون بما هم فيه، بل المشكلة أن ينقص المسملون ويقل عددهم وتضمحل مقاومتهم، ليضحوا عبيدًا لغيرهم من الأمم القوية بعد أن يرجعوا ضعفاء مزرعة لغيرهم خدمًا للآخرين.
فإذا كان الإسلام يعطي أتباعه معنى السيادة والعزة والكرامة، فلينته الإسلام من المسلمين وبأيدي المسلمين أنفسهم بشتى السبل حتى يصل الأسياد إلى ما يحلمون به من السيطرة والاستعباد والإذلال.
стр. 11549
الباب الأول
التيارات المعاصرة
لدى المفكرين الإسلاميين
في مواجهة مشكلة الغزو الفكري
الفصل الأول: التيارات المطروحة في الساحة.
الفصل الثاني: التيار الموضوعي المقترح.
الفصل الأول
التيارات المطروحة في الساحة
ليس موضوع وجود الغزو الفكري وخطره أمرًا متفقًا عليه بين الكتاب والمفكرين المسلمين في هذا العصر، فهذه مسألة تقديرية تخضع لعوامل شتى، فضلًا عن مواجهة المشكلة؛ وسأتكلم عن التيارات الفكرية في هذا الموضوع تلك المطروحة في الساحة ودونك التفصيل:
التيارات المطروحة في الساحة:
هنالك ثلاثة تيارات لدى الكتاب المسلمين في الاعتراف بهذه المشكلة ومواجهتها:
١ ـ التيار الأول: التيار العلماني (١) ؛ وهو المعجب بالفكر الغربي المنذهل به الذي يعمل لتسود مقولات هذا الفكر فيما بين أبناء قومه، فهو إذن يرى في مقولات هذا الفكر بركة وإقبالًا، فلا يرى فيها شيئا يقال له غزو فكري بل هو تلقيح فكري جاء من قوم ذوي حضارة إلى قوم متخلفين، وسبب تخلفهم في زعمهم الدين الذي يسمونه (غيبيات) .
وهؤلاء قوم من أبناء جلدتنا ينتمون إلى العروبة، وبعضهم ينتمي شكليًّا إلى الإسلام، والجدير بالذكر أن كثير منهم من أصحاب الكلمة النافذة في أقوامهم ومن رجال الفكر والقلم!!!
فهؤلاء لا يعترفون بوجود شيء يقال له غزو فكري فضلًا عن معالجته أو مواجهته، لأنهم من أصبحوا دمى في أيدي أرباب الغزو الفكري وأدوات ووسائل، يرون في هذا الغزو ما يراه المريد الصادق من بركات شيخه لا يرى فيها أي غزو، بل يراها يمنًا وبركة وسعدًا، يشرف بها ويتسعد!!!
٢ ـ التيار الثاني: وهو التيار الساذج الأبله؛ الذي يقوم في عقول السوقة والعامة وأشباه العامة، وأنصاف المثقفين وهو الذي يجنح إلى أنه يوجد غزو فكري للمسلمين، ولكنه تافه ولا قيمة له؛ لأنه مجموعة جهالات وأكاذيب سرعان ما يكتشف المسلمون زيفها وعوارها فيبتعدون عنها. ومثل هذه المقولة سببها ضيق أفق هؤلاء وغفلتهم عما يحيط بهم، وعدم تقديرهم حجم خصمهم وقوته، وهؤلاء أقرب الناس لأن يقعوا في براثن هذا الغزو الثقافي الخطير.
٣ ـ التيار الثالث: وهو قريب من التيار الثاني ولكنه مصحوب بكثير من التساهل والتواكل وترك العمل بالأسباب اعتمادًا على قوة الإسلام، فهم يقولون: إنه يوجد غزو فكري ماكر وقوي، ولكن لن يضرنا ما دمنا مع الله، والإسلام دين الله وهو الحق، فلن يؤثر فيه مكر الماكرين، وكيد الكائدين، وغزو الغزاة المارقين!!
والحق أن هؤلاء لن يضرونا بشيء إذا كشفنا أغاليطهم وضلالاتهم، وإلا فلماذا هاجم القرآن الكريم مقولات خصومه، وفندها ورد عليها، فلو كان الأمر كما يقولون لتجاهلها القرآن الكريم وأعرض عنها (٢) .
стр. 11550
الفصل الثاني
التيار الموضوعي
يتمثل هذا التيار عند بعض المفكرين الإسلاميين ـ وهم قلة ـ في قيام غزو فكري للعالم الإسلامي قوي ماكر ومنظم وخطر، له رجاله ومخططوه ومدارسه وأساليبه وطرقه وأهدافه وغاياته.
تخطيطه غالبا من خارج العالم الإسلامي وتمويله، بينما تنفيذه من داخل المسلمين بأيديهم وأيدي أهله وأبنائه من الذين هزموا من الداخل وفقدوا الهوية الإسلامية، وفقدوا ذواتهم أولًا ففقدوا بعدها كل شيء.
والمفروض لدى هؤلاء المفكرين وصاحب السطور منهم أن لا يترك الأمر على عواهنه، بل أن يعد للأمر عدته وأن يبحث بتأن وترو عن أسباب هذا الغزو ووسائله، وأن يدرس الدارسة العلمية المتأنية المستوعبة ليصار إلى مواجهته بأساليبه وأدواته التي غزانا بها، فنقابل الغزو الفكري بدفاع متين ثم بغزو فكري معاكس.
стр. 11551
الباب الثاني
أساليب الغزو الفكري ومدارسه
الفصل الأول: أساليب الغزو الفكري.
الفصل الثاني: مدارس الغزو الفكري المشبوهة.
الفصل الثالث: طرق محاربة هذه المدارس المشبوهة وفضحها.
الفصل الأول
أساليب الغزو الفكري
يعتمد الغزو الفكري للإسلام منهجين اثنين للوصول إلى غايته في هدم الإسلام وتقويضه من الداخل، وسأذكر هذين المنهجين في مبحثين اثنين، ودونك التفصيل:
المبحث الأول
التشكيك في النصوص المقدسة في المجال الديني
(أ) التشكيك في القرآن الكريم
شكك الغزاة في القرآن الكريم من جهة نزوله، ومن جهة موضوعاته، ومن جهة إعجازه، ومن جهة معانيه وأحكامه، ومن جهة لغته، وغير ذلك.
وأبرز ذلك كله؛ التشكيك في أمور ثلاثة:
١ ـ في نسبة القرآن إلى الله .
٢ ـ وفي متن الآيات.
٣ ـ وفي شخصية محمد ﵇.
أما في نسبة القرآن الكريم إلى الله فقالوا: إن القرآن ليس وحيًّا من عند الله، ولكنه من عند محمد فهو من نوادر الأعمال الإنسانية الرائعة , وأنه مقتبس من التوراة والإنجيل وأنه لذلك ليس معجزًا لا في نظمه، ولا في معانيه.
وأما في متن القرآن فقالوا إنه حرف وبدل، وإنه متناقض ومتعارض بعضه مع بعض , وإن في نصه أخطاء كثيرة علمية وتاريخية ولغوية وأخلاقية (١) ، ولا مجال للرد على هذه المفتريات الآن بل العمل على الكتب المتخصصة.
وأما في شأن شخص النبي ﷺ فمن أحسن الكتب التي دافعت عن النبي ﷺ كتاب (خاتم النبيين) للأستاذ الشيخ محمد أبو زهرة ﵀.
(ب) المطلب الثاني: التشكيك في السنة المشرفة:
وأما السنة فلقد صوب إليها الغزاة من السهام أكثر مما صوبوا للقرآن الكريم، ذلك لوجود البعد البشري في السنة، فشككوا في الصحابة الكرام في عدالتهم وضبطهم اعتمادا على بعض الروايات الواهية الساقطة والمقولات الهابطة. وشككوا في بعض الأحاديث النبوية مدعين تناقضها بعضها مع بعض، أو مخالفتها للعلوم الحديثة ومقولاتها الطبيعية، وشككوا كذلك في علم مصطلح الحديث, وفي رجال الحديث وأئمته الجهابذة، ورجال الجرح والتعديل.
وانظر في ذلك كتابًا نفيسًا ألفه الدكتور محمد محمد أبو شهبة اسمه: (دفاع عن السنة) تجد طلبتك إن شاء الله تعالى فأحيلك عليه؛ لأن المحل محل اختصار.
стр. 11552
المبحث الثاني
اعتماد الروايات المشكوك بها والآراء الشاذة في المجال التاريخي
لا يزال الغزاة يتمسكون بالمنهج التاريخي تاركين وراءهم ظهريًّا المنهج الإسلامي العلمي في تنخل الرواية، وهذا هو منهج مدرسة الاستشراق وأذنابها من المأجورين في بلادنا، ولقد تحدثت بما فيه الكفاية عن هذا الموضوع الخطير في كتابي (من ذخائر الفكر الإسلامي) فليرجع إليه (١) .
стр. 11553
المبحث الثالث
أساليب أخرى ماكرة للغزو الثقافي
١ ـ الحيلولة بين المسلمين وتمكنهم من التقنية الحديثة، فإذا لم يستطع الغزو الثقافي ذلك عمد إلى تزهيدهم فيها، وإذا فرضت عليه مصلحة تمكين المسلمين من بعض تقنية العصر حرص على تلويثها بما يفقدهم أصالتهم فيصبحون بها قوة مضافة إلى قوته.
٢ ـ ومن أساليبه أيضا إثارة النعرات العرقية باسم إحياء الحضارات القديمة والتراث القومي للشعوب والأمم.
٣ ـ ومن ذلك محاربته اللغة العربية وتشويهه للتاريخ الإسلامي والنيل من عظمائه وعلمائه.
٤ ـ ومن ذلك استغلال وسائل الإعلام لترسيخ القيم الاستهلاكية الغربية في المجتمعات الإسلامية.
٥ ـ ومن ذلك إزالة القدسية عن النصوص الدينية والفكر الإسلامي بتصنيفه ضمن التراث الإنساني العام.
٦ ـ وجعل المسلمين دائمًا في حالة دفاع واستجابة مستمرة للتحدي.
стр. 11554
الفصل الثاني
مدارس الغزو الفكري المشبوهة وفضحها
أبرز مدارس الغزو الفكري ثلاثة: العلمانية، والحداثة، والاستشراق.
المبحث الأول
العلمانية
(أ) العلمانية في التاريخ:
في غمرة صراع مرير وقاس بين بعض حكام أوروبا في القرون الوسطى وبين نظام كنسي اتسم بالطغيان والأنانية والشر والفساد وهو إلى ذلك يضفي على نفسه حلة العصمة والقداسة باسم الدين ويغلو في استغلال الدين استغلالًا شائنًا، ثار العقلاء والأحرار، وأعلنوا فصل الدين عن الدولة هناك، وانطلقوا يسيرون شؤونهم بمنأى عن تلك السلطة القائمة.
وجاء الاستكبار الصليبي العسكري والسياسي الحديث للبلاد الإسلامية التي ليس فيها شيء من تلك الأوضاع السيئة التي دعت إلى فصل الدين عن الدولة في أوروبا، فدعت في بلاد المشرق الإسلامي إلى فصل الدين عن الدولة فأبعد الإسلام عن جميع الميادين، وحصلت ازدواجية في كل شيء، حتى حرر المسلمون أنفسهم بالجهاد الإسلامي من ربقة هذا الاستكبار وجدوا أنفسهم أمام تركة ضخمة من القوانين، وجيش جرار من ضحايا الغزو الثقافي في ميدان الفكر، يحرضونه على المحافظة على المستورد من تلك القوانين ولو ناقض دين الأمة وحضارتها بلا أي مبرر.
(ب) العلمانية في العصر الحديث:
لئن كانت العلمانية ضرورة أو حاجة في أوروبا أمام طغيان سلطان الكنيسة فلا حاجة لنا بها نحن المسلمين لأنه ليس عندنا كهنوت ولا كنيسة، ولا يملك أحد لأحد مغفرة ولا جنة ولا حرمانًا، فالإسلام يختلف عن غيره بهذه البساطة والفطرة.
ولكن الغزاة أرادوا إزالة الإسلام من الحلبة، فهم يخشونه ويخافون منه ويحسبون له ألف حساب، ولذلك أقنعوا الناشئة من شبابنا بقضية فصل الدين عن الدولة، واستبقاء الدين للعبادة فحسب وعزله عن مكانته القيادية في المجتمع الإسلامي فأحدثوا فكرة العلمنة وروجوا له بشكل ملحوظ حتى أصبحت لدى أكثر ناشئتنا من المسلمات لأنهم أفاقوا عليها لا يعرفون غيرها , فظنوا أنها هي القاعدة والأصل، ولم يعلموا أنها دواء وصف لمرض في غير بلادنا ولغير أقوامنا..!! (١) .
стр. 11555
المبحث الثاني
الحداثة
الحداثة أو (تحديث الإسلام) دعوة استكبارية معادية للإسلام ظاهرها جميل براق وحقيقتها سم رعاف تعد رد فعل عنيفًا على الإسلام، ومعنى ذلك (تهجين الإسلام ومسخه) أو (قصره على الأمور شكلية) وتفريغه من محتواه.
والأنكى من ذلك ما يقوله هؤلاء: إن تطبيق الشريعة الإسلامية يعد تطرفًا , وهو شعار تردده وسائل الإعلام وأبواق الدعاية الغربية وبعض ما يصدر في البلاد الإسلامية نفسها.
ومن دعوة الحداثة الزائفة هذه تفسير النصوص الدينية بالتفاسير الاعتباطية المدسوسة المسمومة مما يفرغ الدين من محتواه الأصلي وجعله جرابًا يوضع فيه ما يريد هؤلاء من الأفكار المستوردة الغربية عن الإسلام باسم الإسلام الحديث أو تحديث الرؤية الدينية، ومن ذلك كتب طبعت ونشرت لكتاب مسلمين عرب ثبت بالدليل القاطع أنهم لم يكتبوا شيئًا من ذلك وإنما كتب في غير بلاد المسليمن ومن دوائر استشراقية بحتة، واستأجروا لها من يكتب اسمه عليها من العرب المسلمين حملة الدرجات العلمية الرفيعة.
إننا ندعو إلى تحديث الأساليب في عرض الإسلام من صياغة جديدة وابتكار جذاب، وما شاكل ذلك. أما في جوهر الإسلام وثوابته فلا، وألف لا.
وهل دخلت النحل والأديان الزائفة إلى عقول الناس إلا من هذا الباب ... !!