← Фикх общий

Фикх общий · id 8356

مجلة مجمع الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (22 276 стр.). Показаны 11551–11590 · переход к 11556.

стр. 11551

الباب الثاني أساليب الغزو الفكري ومدارسه الفصل الأول: أساليب الغزو الفكري. الفصل الثاني: مدارس الغزو الفكري المشبوهة. الفصل الثالث: طرق محاربة هذه المدارس المشبوهة وفضحها. الفصل الأول أساليب الغزو الفكري يعتمد الغزو الفكري للإسلام منهجين اثنين للوصول إلى غايته في هدم الإسلام وتقويضه من الداخل، وسأذكر هذين المنهجين في مبحثين اثنين، ودونك التفصيل: المبحث الأول التشكيك في النصوص المقدسة في المجال الديني (أ) التشكيك في القرآن الكريم شكك الغزاة في القرآن الكريم من جهة نزوله، ومن جهة موضوعاته، ومن جهة إعجازه، ومن جهة معانيه وأحكامه، ومن جهة لغته، وغير ذلك. وأبرز ذلك كله؛ التشكيك في أمور ثلاثة: ١ ـ في نسبة القرآن إلى الله . ٢ ـ وفي متن الآيات. ٣ ـ وفي شخصية محمد ﵇. أما في نسبة القرآن الكريم إلى الله فقالوا: إن القرآن ليس وحيًّا من عند الله، ولكنه من عند محمد فهو من نوادر الأعمال الإنسانية الرائعة , وأنه مقتبس من التوراة والإنجيل وأنه لذلك ليس معجزًا لا في نظمه، ولا في معانيه. وأما في متن القرآن فقالوا إنه حرف وبدل، وإنه متناقض ومتعارض بعضه مع بعض , وإن في نصه أخطاء كثيرة علمية وتاريخية ولغوية وأخلاقية (١) ، ولا مجال للرد على هذه المفتريات الآن بل العمل على الكتب المتخصصة. وأما في شأن شخص النبي ﷺ فمن أحسن الكتب التي دافعت عن النبي ﷺ كتاب (خاتم النبيين) للأستاذ الشيخ محمد أبو زهرة ﵀. (ب) المطلب الثاني: التشكيك في السنة المشرفة: وأما السنة فلقد صوب إليها الغزاة من السهام أكثر مما صوبوا للقرآن الكريم، ذلك لوجود البعد البشري في السنة، فشككوا في الصحابة الكرام في عدالتهم وضبطهم اعتمادا على بعض الروايات الواهية الساقطة والمقولات الهابطة. وشككوا في بعض الأحاديث النبوية مدعين تناقضها بعضها مع بعض، أو مخالفتها للعلوم الحديثة ومقولاتها الطبيعية، وشككوا كذلك في علم مصطلح الحديث, وفي رجال الحديث وأئمته الجهابذة، ورجال الجرح والتعديل. وانظر في ذلك كتابًا نفيسًا ألفه الدكتور محمد محمد أبو شهبة اسمه: (دفاع عن السنة) تجد طلبتك إن شاء الله تعالى فأحيلك عليه؛ لأن المحل محل اختصار.

стр. 11552

المبحث الثاني اعتماد الروايات المشكوك بها والآراء الشاذة في المجال التاريخي لا يزال الغزاة يتمسكون بالمنهج التاريخي تاركين وراءهم ظهريًّا المنهج الإسلامي العلمي في تنخل الرواية، وهذا هو منهج مدرسة الاستشراق وأذنابها من المأجورين في بلادنا، ولقد تحدثت بما فيه الكفاية عن هذا الموضوع الخطير في كتابي (من ذخائر الفكر الإسلامي) فليرجع إليه (١) .

стр. 11553

المبحث الثالث أساليب أخرى ماكرة للغزو الثقافي ١ ـ الحيلولة بين المسلمين وتمكنهم من التقنية الحديثة، فإذا لم يستطع الغزو الثقافي ذلك عمد إلى تزهيدهم فيها، وإذا فرضت عليه مصلحة تمكين المسلمين من بعض تقنية العصر حرص على تلويثها بما يفقدهم أصالتهم فيصبحون بها قوة مضافة إلى قوته. ٢ ـ ومن أساليبه أيضا إثارة النعرات العرقية باسم إحياء الحضارات القديمة والتراث القومي للشعوب والأمم. ٣ ـ ومن ذلك محاربته اللغة العربية وتشويهه للتاريخ الإسلامي والنيل من عظمائه وعلمائه. ٤ ـ ومن ذلك استغلال وسائل الإعلام لترسيخ القيم الاستهلاكية الغربية في المجتمعات الإسلامية. ٥ ـ ومن ذلك إزالة القدسية عن النصوص الدينية والفكر الإسلامي بتصنيفه ضمن التراث الإنساني العام. ٦ ـ وجعل المسلمين دائمًا في حالة دفاع واستجابة مستمرة للتحدي.

стр. 11554

الفصل الثاني مدارس الغزو الفكري المشبوهة وفضحها أبرز مدارس الغزو الفكري ثلاثة: العلمانية، والحداثة، والاستشراق. المبحث الأول العلمانية (أ) العلمانية في التاريخ: في غمرة صراع مرير وقاس بين بعض حكام أوروبا في القرون الوسطى وبين نظام كنسي اتسم بالطغيان والأنانية والشر والفساد وهو إلى ذلك يضفي على نفسه حلة العصمة والقداسة باسم الدين ويغلو في استغلال الدين استغلالًا شائنًا، ثار العقلاء والأحرار، وأعلنوا فصل الدين عن الدولة هناك، وانطلقوا يسيرون شؤونهم بمنأى عن تلك السلطة القائمة. وجاء الاستكبار الصليبي العسكري والسياسي الحديث للبلاد الإسلامية التي ليس فيها شيء من تلك الأوضاع السيئة التي دعت إلى فصل الدين عن الدولة في أوروبا، فدعت في بلاد المشرق الإسلامي إلى فصل الدين عن الدولة فأبعد الإسلام عن جميع الميادين، وحصلت ازدواجية في كل شيء، حتى حرر المسلمون أنفسهم بالجهاد الإسلامي من ربقة هذا الاستكبار وجدوا أنفسهم أمام تركة ضخمة من القوانين، وجيش جرار من ضحايا الغزو الثقافي في ميدان الفكر، يحرضونه على المحافظة على المستورد من تلك القوانين ولو ناقض دين الأمة وحضارتها بلا أي مبرر. (ب) العلمانية في العصر الحديث: لئن كانت العلمانية ضرورة أو حاجة في أوروبا أمام طغيان سلطان الكنيسة فلا حاجة لنا بها نحن المسلمين لأنه ليس عندنا كهنوت ولا كنيسة، ولا يملك أحد لأحد مغفرة ولا جنة ولا حرمانًا، فالإسلام يختلف عن غيره بهذه البساطة والفطرة. ولكن الغزاة أرادوا إزالة الإسلام من الحلبة، فهم يخشونه ويخافون منه ويحسبون له ألف حساب، ولذلك أقنعوا الناشئة من شبابنا بقضية فصل الدين عن الدولة، واستبقاء الدين للعبادة فحسب وعزله عن مكانته القيادية في المجتمع الإسلامي فأحدثوا فكرة العلمنة وروجوا له بشكل ملحوظ حتى أصبحت لدى أكثر ناشئتنا من المسلمات لأنهم أفاقوا عليها لا يعرفون غيرها , فظنوا أنها هي القاعدة والأصل، ولم يعلموا أنها دواء وصف لمرض في غير بلادنا ولغير أقوامنا..!! (١) .

стр. 11555

المبحث الثاني الحداثة الحداثة أو (تحديث الإسلام) دعوة استكبارية معادية للإسلام ظاهرها جميل براق وحقيقتها سم رعاف تعد رد فعل عنيفًا على الإسلام، ومعنى ذلك (تهجين الإسلام ومسخه) أو (قصره على الأمور شكلية) وتفريغه من محتواه. والأنكى من ذلك ما يقوله هؤلاء: إن تطبيق الشريعة الإسلامية يعد تطرفًا , وهو شعار تردده وسائل الإعلام وأبواق الدعاية الغربية وبعض ما يصدر في البلاد الإسلامية نفسها. ومن دعوة الحداثة الزائفة هذه تفسير النصوص الدينية بالتفاسير الاعتباطية المدسوسة المسمومة مما يفرغ الدين من محتواه الأصلي وجعله جرابًا يوضع فيه ما يريد هؤلاء من الأفكار المستوردة الغربية عن الإسلام باسم الإسلام الحديث أو تحديث الرؤية الدينية، ومن ذلك كتب طبعت ونشرت لكتاب مسلمين عرب ثبت بالدليل القاطع أنهم لم يكتبوا شيئًا من ذلك وإنما كتب في غير بلاد المسليمن ومن دوائر استشراقية بحتة، واستأجروا لها من يكتب اسمه عليها من العرب المسلمين حملة الدرجات العلمية الرفيعة. إننا ندعو إلى تحديث الأساليب في عرض الإسلام من صياغة جديدة وابتكار جذاب، وما شاكل ذلك. أما في جوهر الإسلام وثوابته فلا، وألف لا. وهل دخلت النحل والأديان الزائفة إلى عقول الناس إلا من هذا الباب ... !!

стр. 11556

المبحث الثالث الاستشراق وأما الاستشراق فهو أخطر مدرسة لمحاربة الإسلام بالإسلام فالاستشراق هو تلك الدوائر التي رصدت لها العقول والأموال وتوفرت على دراسة الإسلام دراسة ناقدة لتبحث عن الثغرات، ورجالها غالبًا من اليهود أو من رجال الكنيسة، فالدفاع ليس علميًّا بل ديني بحت. ولقد ظهر من هؤلاء نيكلسون شيخ الاستشراق الذي كتب في التصوف الإسلامي بروح نصرانية فحور وبدل وغير وافترى على الحقيقة العلمية المجردة، وجاء بعده تلاميذه وأتباعه، وهم إلى يومنا هذا لا يفتأون يكذبون على الإسلام ورسول الإسلام , ومن هؤلاء كارل بروكلمان وأضرابه. وأشهد أنه كان منهم منصفون؛ فمنهم من أسلم مثل د. روجيه جارودي وموريس بوكاي، ومنهم من بقي على دينه مع الإنصاف للحق. وبالجملة؛ فالاستشراق في جملته إحدى الوسائل والأساليب المعتمدة للغزو الفكري الثقافي للإسلام في الماضي والحاضر.

стр. 11557

الفصل الثالث طرق محاربة هذه المدارس المشبوهة وفضحها المبحث الأول الوعي الفكري الإسلامي وانتشاره هذا الوعي الفكري أضحى أمرًا ضروريًّا للمسلمين اليوم، ولا يقوم به إلا المفكرون المسلمون من العلماء ذوي الوسطية والاعتدال. والواجب على هؤلاء المفكرين نشر هذا الوعي الفكري بين المسلمين بكل طرق النشر من خطابة وتدريس وكتابة وتأليف، والواجب على المسلمين مساعدة هؤلاء المفكرين في رسالتهم تلك حتى تؤتي أكلها وتعطي ثمراتها. كما ينبغي كتابة الرسائل والردود العلمية وطبعها وتوزيعها، والعمل على ترجمتها للغات الحية.

стр. 11558

المبحث الثاني إقامة المراكز العلمية ودور الدرس والتحصيل هذا؛ ومن أهم طرق محاربة هذه المدارس المشبوهة: (أ) فتح المدارس والمعاهد العلمية الشرعية والكونية مع الإشراف على المناهج. (ب) وإقامة الجامعات والكليات الإسلامية، ودعمها حسيًّا ومعنويًّا. (جـ) وبناء المراكز العلمية وإقامة المحاضرات، وإصدار المجلات الإسلامية الحديثة بأقلام واعية.

стр. 11559

الباب الثالث ظواهر الغزو الفكري الفصل الأول: ظاهرة سوء فهم الإسلام أو سوء توظيفه. الفصل الثاني: ظاهرة البديل عن الإسلام. الفصل الثالث: ظاهرة تهميش دور الإسلام في أهله. الفصل الأول ظاهرة سوء فهم الإسلام أو سوء توظيفه من أبرز ظواهر الغزو الفكري ظاهرة سوء فهم الإسلام بحيث يصبح الإسلام في نظر أهله ومعتنقيه طقوسًا مجردة خاوية لا روح فيها، لا تقدم ولا تؤخر، فهي مبتسرة جوفاء، سرعان ما ينذبها المثقف اللقن لأنه لا يوجد فيها طلبته في هذا العصر. وسوء فهم الإسلام عادة يكون عند كثير من المتدينين ومن لف لفهم، ولذلك يكونون دائمًا مثلًا سيئًا منفرًا، وهو المطلوب. ومثل هؤلاء يحرص أصحاب الغزو الفكري ورجاله على إبرازهم وإعطائهم حجمًا في المجتمع الإسلامي أكبر من حجمهم الحق للتشويه فقط والتنفير من الإسلام. ومثل سوء الفهم سوء التوظيف للإسلام: فهنالك مستغلون من الساسة والتجار ومحترفي السياسة ورجال الأعمال يتخذون من الدين مطية لمآربهم، فهؤلاء وأمثالهم يبرزهم الغزاة على أنهم قادة الفكر الإسلامي وزعماؤه، ليبعدوا الناس عن الإسلام الذين هم هؤلاء المستغلون رجاله والدعاة إليه!!

стр. 11560

الفصل الثاني ظاهرة البديل عن الإسلام هنالك من المفاهيم الوطنية القومية ما يحمده الإسلام ويقره عنصرًا رديفًا مؤيدًا، فلا يصلح لأن يكون عقيدة أو دينًا، وذلك كالقومية العربية، والولاء للوطن، والشهادة في سبيل الله، وما إلى ذلك. ولكن رجال الغزو الفكري يتقصدون أن يبالغوا في هذه القضايا، ويحلو لهم لغاية في أنفسهم أن يجعلوا منها بدائل عن الإسلام. فنصبوا من القومية العربية التي نعتز بها كلنا دينًا بديلًا عن الإسلام، بحيث صار الإسلام من مقومات القومية العربية وليس العكس. ونصبوا من الوطنية وثنًا يعبد من دون الله ـ حاشا لله ـ كما قال شاعرهم: لو بدا لي موطني وثنًا لهممت أعبد ذلك الوثنا!! وقس على ذلك الشهادة والشهداء، والأمة والدولة، ... فهذه المفاهيم على ضرورتها للمجتمعات الإنسانية، لا تصلح دينًا ولا عقيدة ولا فكرًا؛ لأنها تفتقر إلى مقومات ذلك، فكيف تصلح بدائل عن الإسلام؟! والعجب من بعض المسلمين من المفكرين والكتاب والأدباء من يدعو إلى هذه المبالغات الجوفاء التي ظهر عوارها وانكشف زيفها وباطلها وبهرجها.

стр. 11561

الفصل الثالث ظاهرة تهميش دور الإسلام بين أهله بقي من الظواهر تهميش دور الإسلام بين أهله؛ ومعنى ذلك أن يجعل دور الإسلام في الحياة الاجتماعية مقتصرًا على توافه الأمور وصغائرها، فتصغر مساحته فوق خارطة العمل الوطني، وتضعف قيمة كلمته بإفقارهم وتجويعهم، ووضعهم دائما في مؤخرة الركب، وهذه خطة ماكرة وضعها خصوم الإسلام زمن الاحتلال العسكري والسياسي فلما ذهبوا بقيت بيد أذنابهم وتلاميذهم. ألا وإن دور الإسلام دور رائد، فالإسلام ليس قزمًا ودوره ليس هامشيًّا، ولو سعى إلى ذلك خصوم الإسلام وغزاة الفكر الإسلامي وجب أن نسعى إلى ذلك بكل ما نستطيع.

стр. 11562

الباب الرابع أسباب قيام الغزو الفكري والعوامل المساعدة له الفصل الأول: أسباب قيام الغزو الفكري في العالم الإسلامي. الفصل الثاني: العوامل المساعدة لقيام الغزو الفكري. الفصل الأول أسباب قيام الغزو الفكري في العالم الإسلامي تكاد تنحصر هذه الأسباب في ضربين: أسباب خارجية، وأسباب داخلية، ودونك التفصيل: المبحث الأول الأساب الخارجية للغزو الفكري تتجلى هذه الأسباب الخارجية فيما يلي: ١ ـ الطمع في خيرات العالم الإسلامي ونهبها عن طريق استعباد المسلمين. ٢ ـ إذلال المسلمين لشفاء الأحقاد في نفوسهم على الإسلام. ٣ ـ تسخير المسلمين لرغبات السادة المستعبدين. ٤ ـ المكر للمسلمين للعداوة الدينية المتأصلة في نفوس الغزاة. ٥ ـ إضعاف شأن المسلمين وشوكتهم كي لا يفكروا يومًا بمقارعة أعدائهم.

стр. 11563

المبحث الثاني الأسباب الداخلية للغزو الفكري وتتجلى في ما يلي: ١ ـ وجود الاستعداد الواضح في العالم الإسلامي لقبول مقولات الغزو الفكري، فالغزو كالجرثوم لا يفتك في البدن إلا بوجود الاستعداد في البدن لقبوله. ٢ ـ الخواء الفكري عند المسلمين، بحيث قد يوجد العلم ولا يوجد الفهم أي حسن التوظيف لذلك العلم كما قال تعالى: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آَتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ . ٣ ـ الخواء الأخلاقي والتربوي لدى كثير من الناشئة المسلمين لفقدان التربية الحق.

стр. 11564

الفصل الثاني العوامل المساعدة لقيام الغزو الفكري هنالك نوعان من العوامل المساعدة، نوع في الدعاة إلى الإسلام من العلماء، ونوع في الأمة. المبحث الأول العوامل المساعدة في الدعاة إلى الإسلام وتظهر فيما يلي: ١ ـ انعدام الوسطية (١) وظهور كل من طرفي الغلو والانحلال. ٢ ـ فشو الخلاف (٢) المذموم وانتشاره بين الكتاب والعلماء. ٣ ـ عدم التكامل (٣) في شخصية العلماء الدعاة في الأعم الأغلب بحيث ينقص العالم الداعية عنصر من العناصر المهمة في دعوته وهي ثلاثة: العلم الصحيح، والتربية الصحيحة، وشروط الدعوة إلى الله وروحها. وعدم التكامل هذا يورث نقصًا أو ازدواجية في شخصية الداعي تحدث خللًا في دعوته يؤثر ليحدث قابلية لغزو فكري معادٍ.

стр. 11565

المبحث الثاني العوامل المساعدة في الأمة الإسلامية لقيام الغزو الفكري ١ ـ نالت الشعوب الإسلامية استقلالها السياسي ولكن الكثير منها لم تحقق استقلالها الثقافي والتربوي فاحتفظت بنقاط ضعف فيها كثير من الازدواجية والانشطار بين العلم والدين وبين العلم والأخلاق، حتى العلم لم يعد هو المقصود لذاته بين الناشئة بل الشهادات فقط ولو بغير علم وهذا أمر خطير. ٢ ـ وكذلك الفراغ التربوي في كثير من بلاد العالم الإسلامي فنسبة الأمية عالية في معظم البلاد الإسلامية، والكثيرون محرومون من تربية تنمي مواهبهم. ٣ ـ يبقى لدينا عامل مهم جدًّا وهو ربط الحقيقة العلمية بالحقيقة الدينية، فهذا أمر شبه مفقود في العالم الإسلامي إلا في القليل النادر، فالتعليم الصحيح هو الذي يمر على الإيمان والقلب قبل أن يمر على الفكر والعقل.

стр. 11566

الباب الخامس تفتيت الغزو الفكري ورد حملاته الفصل الأول: الوقاية والعلاج للحالة الراهنة. الفصل الثاني: الغزو الفكري المعاكس. الفصل الأول الوقاية والعلاج للحالة الراهنة أرى ـ والله أعلم ـ الوقاية والعلاج لما عليه المسلمون اليوم من آثار الغزو الفكري يكمن في أمرين اثنين: ١ ـ الوسطية بمعناها الإسلامي الشامل في الأمة ومفكريها وعلمائها. ٢ ـ والتكامل في فهم الإسلام. فإذا ألحقنا بهذين الأمرين عنصرًا مساعدًا لهما وهو: ٣ ـ الوعي الإسلامي العام بمفهومه الكلي. نكون قد وضعنا سدًّا منيعًا في وجه أي غزو ثقافي أو فكري مهما كان مصدره، ومهما كانت رجاله وأصحابه.

стр. 11567

الفصل الثاني الغزو الفكري المعاكس ولعل أعظم أسلوب للدفاع هو الهجوم. فلماذا لا نهاجم فكريًّا وثقافيًّا ولدينا الوسائل، والأدوات والقدرات..!! وأجل ما نهاجم به ثلاثة أمور: (أ) افتتاح الجامعات الإسلامية في بلادنا وبلادهم وتخريج أجيال من العلماء الواعين الدعاة معهم العلوم والإجازات مع الشهادات العالية والدرجات الجامعية. (ب) وافتتاح دوائر لدراسة الاستشراق ومقارنة الأديان ويتوفر على هذه الأمور الممهمة برجال من التخصصين بالدراسات الإسلامية. (جـ) وافتتاح مراكز ثقافية متكاملة (جامع وجامعة، ومعهد ومدرسة وقاعات للمحاضرات ومكتبة) كلها في مبنى واحد، في بلاد الإسلام وفي بلاد الغرب تقوم عليها خيرة أهل التخصص في العلوم الإسلامية معهم لغات أجنبية ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله.

стр. 11568

خاتمة خلاصة لكل ما تقدم وفي الختام؛ أستطيع أن أوجز البحث في عناصر: ١ ـ الغزو الفكري حقيقة قائمة لها من يؤيدها، وهي خطر على الأمة الإسلامية إن لم يتدارك، وهو أمر قائم ومنظم وخطر , تخطيطه من خارج البلاد الإسلامية وتنفيذه من داخلها. ٢ ـ أساليب الغزو الفكري التشكيك في الحقائق الإسلامية بينما مدارسه المشبوهة هي العلمانية والحداثة والاستشراق. ٣ ـ ظواهر الغزو الفكري: سوء فهم الإسلام أو سوء توظيفه، وظاهرة البديل، وظاهرة التهميش. ٤ ـ أسباب قيام الغزو الفكري: الاستعداد من الداخل , والمكر من الآخرين. والعوامل المساعدة له: انعدام الوسطية , والخلاف المذموم , وعدم التكامل في اختيار الدعاة. ٥ ـ تفتيت الغزو الفكري ورد حملاته، الواقية والعلاج للحالة الراهنة، والهجوم على الغزو الغربي بغزو فكري معاكس. هذه أبرز القضايا التي بحثت في هذه العجالة المتواضعة , فإن أصبت فمن الله وله الفضل والمنة، وإن أخطأت فمني وأستغفر الله تعالى وأستقيله , فإن أصبت فلي أجران؛ وإن أخطأت فحسبي الأجر الواحد. ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ صدق الله العظيم. الدكتور محمد عبد اللطيف صالح الفرفور

стр. 11569

أبرز مصادر البحث ومراجعه ١ ـ البهي (د. محمد) : الفكر الإسلامي الحديث وصلته بالاستعمار الغربي. ٢ ـ العقاد (عباس محمود) : حقائق الإسلام وأباطيل خصومه. ٣ ـ خالدي وفروخ (د. مصطفى خالدي ود. عمر فروخ) التبشير والاستعمار. ٤ ـ أبو زهرة: (محمد) : خاتم النبيين. ٥ ـ الفرفور (محمد عبد اللطيف) : خصائص الفكر الإسلامي. من ذخائر الفكر الإسلامي.

стр. 11570

الغزو الفكري وأساليب المواجهة إعداد الشيخ محمد علي التسخيري عضو مجمع الفقه الإسلامي بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الفصل الأول الغزو الفكري وأساليب المواجهة في عالم يغص بالانحراف والضياع الفكري والأخلاقي، والظلم، ظهر الإسلام العظيم منحة ربانية ترسم للإنسانية الطريق الخالد الوحيد لتكاملها المطرد، وخلاصها من كل ما يزري بها ويجرها إلى الانحطاط. ورغم أن العوامل الكثيرة كانت ضد مثل هذه الإنطلاقة، إلا أنها كانت تمتلك ـ من جهة أخرى ـ عناصر أهلتها لتحقيق غايتها الكبرى. وأهم هذه العناصر: (أ) طاقات الإسلام الذاتية القادرة على النفوذ إلى الأعماق، نتيجة انسجامها مع البنية الإنسانية، والفطرة. (ب) القيادة الحكيمة للرسول الأعظم ﷺ . (جـ) تأييد الله تعالى، فهو ولي المؤمنين: ﴿وَإِن يُرِيدُوا أَن يَخدَعُوكَ فَإِنَّ حَسبَكَ اللهُ هُوَ الَّذِيَ أَيَّدَكَ بِنَصرِهِ وَبِالمُؤمِنِينَ وَأَلَّفَ بَينَ قُلُوبِهِم لَو أَنفَقتَ مَا فِي الأَرضِ جَمِيعا مَّا أَلَّفَت بَينَ قُلُوبِهِم وَلَكِنَّ اللهَ أَلَّفَ بَينَهُم إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (١) . ولا ننسى أيضًا ـ أن الظروف الزمانية والمكانية ـ رغم ما كانت تتمتع به من عناصر سلبية ـ كانت مهيأة لظهور مثل هذه الدعوة، بل وانتصارها في زمن قصير. وعلى أي حال، فقد ظهر الإسلام وعم نوره الأرض.. إلا أنه ـ وبشكل طبيعي ـ واجه من يومه الأول مقاومة، من كل أولئك الذين جاء للقضاء على ظلمهم، وجهلهم، وتعصبهم، وابتزازهم للحقوق فخططوا له ما شاءوا وقاوموا ما مكنتهم قوتهم من ذلك. وحفل تاريخ العصبة الإسلامية الأولى، بل تاريخ المسلمين على مر العصور، بألوان من الحرب، والمقاومة الكافرة، والتآمر الحاقد لإطفاء هذه النور ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ (٢) .

стр. 11571

وكانت الحرب الثقافية والسلوكية هي أخطر ما ووجه به الإسلام في صدره الأول؛ وخصوصًا بعد أن قويت شوكته العسكرية وتوطدت أركانه، بل راح ينطلق مهاجمًا القوى الكبرى آنذاك، وقاضيًا بالتالي على شوكتها، خلال ربع قرن، وهو عمر لا يعد شيئًا بالمقياس التاريخي. وإذا ركزنا على صدر الإسلام بالخصوص، وجدنا أن نقطة الاختراق الرئيسية ـ تقريبًا ـ والتي نفذ منها العدو الكافر إلى فكر المسلمين، وبالتالي إلى سلوكهم هي (الإسرائيليات) فقد أضفت طابعها ـ مع الأسف ـ في مختلف حقول المعرفة، ونجحت إلى حد كبير في جر الأمة إلى مسارب لا تحمد. هذا وإن كنا لا نتناسى الرواسب الأخلاقية والحضارية التي بقيت كامنة، سواء في نفس بعض العرب الذين أسلموا، أو في نفوس الشعوب التي دخلت الإسلام بعد ذلك، فنقلوها بشكل شبه طبيعي إلى الساحة الإسلامية، وربما صبغوها بالصبغة الإسلامية، بل وقد تكون هذه العملية انطلت على من جاءوا بعدهم، فحسبوها إسلامية أصيلة، وراحوا بها يتعبدون. ولا نريد أن نطيل في هذ الجانب ـ وإن كان مهمًا جدًّا ـ

стр. 11572

نظرة إلى الفترة الفاصلة بين الصدر واليوم: وإذا أردنا أن نلقي نظرة على الفترة الفاصلة بين عصر صدر الإسلام وقرننا الأخير، وجدنا أن الاختراق الثقافي والحضاري والسلوكي المنحرف، قد زاد عنفًا وقوة حتى تحول إلى تيار عرم، وذلك كلما اتسعت النقاط التي ينفذ منها بالتدريج. إن المتتبع لفترة القرنين الثالث والرابع الهجري مثلًا، يجد ـ إلى جانب الثراء العلمي والأدبي وغيرهما ـ حالة منحطة جدًّا على المستويات السياسية والاجتماعية والأخلاقية على الأقل في الطبقات العليا من المجتمع. فههنا صراع عنيف بين العنصريات (العربية والفارسية والتركية وغيرها) ، وهناك تقاتل وتناحر بين الطوائف الإسلامية يذكيه ذوو الأطماع، وهناك اختلاف في المستويات الاقتصادية صارخ، فبين أن تزف عروس للخليفة ببغداد من مصر، وتصرف عليها من الأموال ما يزلزل الخزينة المصرية بكاملها، وبين أن يظل عالم كبير يئن من الجوع والفقر، ولا تنجيه إلا صدقة من حاكم مترف. وعلى أي حال، فلنعبر هذه العصور المتمادية إلى عصرنا الأخير. فكما تجمعت قوى ثلاثة في الصدر الأول ضد الثورة الإسلامية الكبرى الأولى، وهي: (أ) ـ المترفون والمستغلون. (ب) ـ الجاهلون العقائديون المتعصبون. (جـ) الحاقدون على الشعوب. نجد أن هذه القوى تجمعت من جديد ـ وبشكل أكثر ضراوة وأدق تخطيطًا ـ على الأمة الإسلامية اليوم، بل وزادت من قدرتها ونشاطها عندما واجهت الثورة الإسلامية المباركة في إيران، وما تركته من آثار على إيقاظ الشعوب، وتحريك الجيل الإسلامي ـ اليوم ـ نحو تطبيق الإسلام الأصيل، بعيدًا عن التشويه والتحريف.

стр. 11573

لقد تجلت الصيغ الماضية في كل من (الاستعمار، الصليبية، الصهيونية) . وكان هذا التلاحم الحاقد الخطير، وهذا التمهيد المتبادل بينهما، وبالتالي هذا الهجوم الكاسح على العالم الإسلامي. وقد صدقت الثورة الإسلامية أروع الصدق، حين أطلقت على هذا الثالوث عنوان (الاستكبار العالمي) منتبهة إلى علتة وجذوره النفسية. وإذا تجاوزنا ـ أيضًا ـ تفصيلات هذا الهجوم، مستقرئين أهدافه من خلال طبيعة العمل، وتصريحات القائمين به، عرفنا أنه كان يعمل على إطفاء بصيص العقيدة الإسلامية المتبقي في النفوس، ولقد كان هذا البصيص ـ الذي سلم من خلال عصور الغفلة ـ كافيًا في بعث الصلابة والثبات في أبناء هذه الأمة، وشدها بنوع من التماسك، الأمر الذي يعرقل كل مخططات الكفر!! وكان التخطيط عمومًا يسير عبر الأساليب التالية: (أ) إيجاد الخواء الحضاري في الأمة الإسلامية. (ب) بث التعالي الحضاري الغربي، وتأكيده بشتى الأساليب. (جـ) الملء الحضاري بالمطلوب. ورغم أن هناك نوعًا من الطولية بين هذه الأساليب، إلا أن هذا لم يمنع من أن تعمل إلى جنب بعضها البعض وفي عرض واحد. ومن الواضح التالي: أن الكفر إذا استطاع أن ينفذ هذه الأساليب، فإنه سيحقق بغيته من إطفاء الشعلة العقائدية، أو إفراغها من محتواها الثوري، وهذا يعني فناء الشخصية الإسلامية، وتمهيد السبيل لتحقيق حلم القوى الثلاثة الحاقدة الجشعة.

стр. 11574

فلنستعرض ـ إذن ـ تفصيلات كل أسلوب من هذه الأساليب الثلاثة ـ طبعًا باختصار ـ لتتوضح أكثر فأكثر. الأسلوب الأول: خلق الخواء في الشخصية الحضارية الإسلامية، أو فلنعبر عنه بقطع الأواصر السليمة الأصيلة، بين الأمة وإسلامها في شتى الجهات، فإذا انقطعت العلائق خوى الوجود الإسلامي، وماتت الروح المطلوبة، وذوى النشاط والتأثير المفروض. ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ (١) . ونستطيع هنا أن نستعرض قائمة طويلة من تفصيلات هذه الخطة الماكرة إلا أننا سنقتصر على المهم منها , وهي: ١ ـ العمل على تأجيج الخلافات بين المسلمين، لكي ينسوا قضيتهم الكبرى، وينخرطوا في مشاكل جانبية، الكثير منها مصطنع، وهم إذ يفعلون ذلك يمهدون للنفوذ الأجنبي بلا ريب، ولو عن طريق شيء من الانتصار المذهبي الضيق على حساب الطرف الآخر. ولا ننسى في هذا الصدد، ما عمله المستشرقون الحاقدون في هذا المضمار، للإيقاع بين المسلمين، فضلًا عما كان للتركة التاريخية في هذا المجال من أثر محطم، وإلى جانب هذا التأجيج الخبيث، نجد عملية إلهاء المسلمين بقضايا فكرية جانبية، غاية أثرها أنها تصنع مواقف متباينة، من نمط من السلوك الفردي غير الطبيعي. وقد وجدنا نظير ذلك، عندما التهى المسلمون ـ سابقًَا ـ بقضايا (خلق القرآن) وأكلت منهم هذه المسألة الجهد الكثير وربما سالت لأجلها دماء ودماء.

стр. 11575

٢ ـ وعلى هذا الغرار، سعيًا لتمزيق الشخصية الإسلامية الواحدة، عمل الاستكبار العالمي على تفتيت كل عناصر الوحدة الأخر فراح ـ مثلًا ـ يحارب لغة القرآن (اللغة العربية) وذلك لدى غير العرب، في حين راح يروج اللغة العامية لدى المسلمين العرب، وهي عملية ماكرة خبيثة، تعمل على إبعاد الأمة عن مصادر الإشعاع، وتجعلها حِكرًا على جماعة متخصصين فقط، كما راح الاستعمار ـ من خلال عملائه ـ يمزق الأرض الإسلامية إلى دويلات صغيرة ـ بعد أن قضى على الدولة العثمانية ـ بشتى الأساليب الماكرة، وإذا تمزقت هذه الدويلات، راح يزرع مفهومًا ضيقًا للوطن، يتلخص في التراب الإيراني أو العراقي أو الكويتي أو اللبناني وما إلى ذلك، وتأكيدًا لهذا المعنى، راحت كل منطقة تدرس تاريخها الخاص بها، وتوسعة في التآمر، راحت المناطق تؤكد على تاريخها ـ هي ـ ما قبل الإسلام وما أدعته لأنفسها من حضارات سخيفة، وقد ساعدت الاستعمار ـ في ذلك ـ أحزاب قومية ومحلية خبيثة، أنشأها ـ هو ـ لتحقيق مراده في هذا المجال. هذا بالإضافة إلى روح التمزق القومي التي خلقها ـ كأخطر فكرة وأخبثها ـ لتحقيق الهدف نفسه على صعيد آخر. ٣ ـ بث الشبهات العقائدية في أذهان الجيل الناشئ، ولما لم يكونوا بمستوى الرد عليها، فإن الشبهة سوف تتحكم في النفس، وحينئذٍ يتحقق الانفصام المطلوب. ٤ ـ تشجيع العزلة لدى العلماء، سواء العزلة عن البحث في القضايا الاجتماعية المهمة، أو عن المشاركة الاجتماعية الفعالة، واختيار التقوقع والزهد بمفهومه المنحرف، المبعد عن المسيرة الاجتماعية. هذا من جهة، ومن جهة أخرى، العمل على خنق كل صوت علمي حر، يحاول أن يمد الجسور إلى لب العمل الاجتماعي، واتهامه وتجريحه وتحريفه، وتحريك الغوغاء ضده. كل هذا لإيجاد الانفصام بين ورثة الأنبياء ـ وهم العلماء ـ والأمة، فلا تركن إلى ركن ركين، خبير بالأمور. وإذا انسد على الأمة باب الفكر الأصيل، انفتح عليها باب الأوهام أو الفراغ ـ على الأقل ـ وهو المطلوب من قبلهم في هذه المرحلة.

стр. 11576

٥ ـ توسيع الهوة بين الحياة القانونية والشريعة الإسلامية من خلال استيراد القوانين الغربية، وترويج لفكرة العلمانية، والوقوف بوجه أية محاولة تقنينية للشريعة الإسلامية وغير ذلك. مما أدى إلى البعد التدريجي للحياة الاجتماعية عن مخططات الشريعة (١) . ٦ ـ ترويج الفساد الأخلاقي بين أبناء الأمة، وذلك كمقدمة للفساد العقائدي. وقد تم استغلال كل وسائل التمييع لبث الروح الشهوانية، وتحريك الغرائز في الشباب، والشهوة ـ إذا أثيرت ـ ملكت على المجتمع لبه، وهوت به في أحكام كاذبة، حتى غدا الشاب يشعر ـ مع ثور الشهوة ـ أن الإسلام هو الذي وقف سدًّا حائلًا بينه وبين إشباع لذاته المسعورة، متناسيًا كل المقاييس الواقعية النوعية، وكل الأضرار الناتجة عن هذه النظرة الثائرة، الأمر الذي يقوده ـ أحيانًا ـ للانضمام إلى معسكر الشك وربما الكفر في كثير من الأحيان. والخلاصة: إن الاستعمار إذ يشيع هذه المادية الأخلاقية، فإنه يمهد السبيل للمادية العقائدية، إذ غالبًا ما تؤدي الحياة المادية التي يعيشها الإنسان إلى العقيدة المادية، تمامًا كما تؤدي العقيدة المادية إلى السلوك المادي المنحرف. فإذا حدد الإنسان مركزه من الكون على أساس أن هذه الحياة هي كل الشوط وأنه يجب أن يشبع غريزة الذات فيه ـ تمامًا ـ منها، وأن لا شيء وراء المادة، إذا اعتقد ذلك فقد فتح الباب على مصراعيه؛ لأن يعب من اللذات، ويظلم الآخرين، وحينئذ يذوب عنده أي معنى للفضيلة والرذيلة، وسيكون لهؤلاء مستقبل مظلم ـ غالبًا ـ إذ سيفرون إلى المخدرات والمسكرات. أما العكس، فواضح أيضًا، فالأخلاق والعمل، لهما تأثيرهما في تعميق الفكرة وإذابتها، إنهما يحولان الفكرة العقلية إلى أحاسيس وعواطف تصبغ سلوك الإنسان ولا يتأتى لأية فكرة ـ ما لم تتحول إلى هذا المستوى ـ أن تصبغ السلوك الإنساني. إن العلاقة بين الإيمان والعمل علاقة تبادلية. ثم إن المادية الخلقية، وما نعبر عنه ـ نحن ـ بالمعاصي، تبعد النفس عن مقام تلقي اللطف الإلهي، وهكذا يجد المنحرف أخلاقيًّا نفسه ـ في نهاية المطاف ـ مكذبًا بآيات الله: ﴿ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى أَنْ كَذَّبُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ﴾ (٢) . في حين يقوم العمل الصالح بتعميق الفكرة والسمو بها: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ (٣) . وعلى أي حال، فسوف نستعرض بعض الأساليب اللاأخلاقية، التي استخدمها الاستكبار العالمي، ليحقق هذه الغاية، عندما نتحدث عن الاختراق في جانبه الخاص بالشعب الإيراني.

стр. 11577

٧ ـ العمل الحثيث على تسليم أزِمّة الأمور لحكام عملاء، أو جهلة بالإسلام وأحكامه، ليقوموا بالمساعدة على إبعاد الأمة عن جذورها الأصيلة، بشتى الأساليب وليس أقلها خطرًا، أسلوب عرض الإسلام عرضًا رجعيًّا ميتًا، يفقده أي روح تغييرية، ويحوله إلى سلوكات فردية، بعيدة عن القضية الإسلامية الكبرى. وهؤلاء الحكام ـ بطبيعة الحال ـ سيقومون بفصل الحياة الاجتماعية عن الدين وعزل المفكرين الإسلاميين الأصليين، أو ربطهم بركاب الحاكم، ولكي لا يتحركوا إلا وفق هواه , وترويج الفساد الأخلاقي، وفسح المجال للشبهات والتشكيك، وأمثال ذلك. وهكذا تحركت عملية إبعاد الأمة عن منابعها، على محاور متناسقة: ١ ـ المحور الفكري. ٢ ـ المحور التشريعي. ٣ ـ المحور الأخلاقي. ٤ ـ المحور الحضاري (التاريخ، اللغة، التقاليد ... ) . ٥ ـ المحور السياسي. وظنت أنها استطاعت أن تحقق هدفها المنشود، وهو إيجاد الفراغ في الحياة الإسلامية كلها، تمهيدا لخطوة الملء التالية.

стр. 11578

الأسلوب الثاني: يتجسد في عملية فرض التعالي الحضاري للثقافة الغربية، كي تكون هي المثل الأعلى للأمة الإسلامية، فتنساق باتجاه الغرب بشكل طبيعي، خصوصًا بعد أن تنجح عملية التفريغ السالفة. وقد استغلت هذه العملية الثانية مختلف الوسائل لتحقيق هدفها. منها: أولًا: التطور العلمي، ذلك أن المسلمين، بعد أن وضعوا أسس التقدم العلمي، وكانوا هم السباقين في طرح الطريقة التجريبية في الحياة الطبيعية، تخلفوا عن الركب العلمي، في حين راح الغرب ـ وخصوصًا عبر نهضته الصناعية ـ يطور العلوم ويسير بها سجحًا، حتى بلغ بها شأوًا عظيمًا، الأمر الذي أدى من جهة إلى نتائج مادية محسوسة كبرى، ومن جهة أخرى، ترك آثارًا تشكيكية ضخمة أيضًا، على مجموع الأفكار والنظريات حتى تلك التي ما كان الشك ليطاولها من قبل، وعلى أي حال، فقد كان هناك تقدم علمي رائع، وإن لم يواكبه تقدم حضاري مطلوب. وقد واجه الغرب العالم الإسلامي بنتائج نهضته العلمية مع حملة دعائية واسعة، تركز على أن هذا التقدم العلمي، هو في الواقع نتيجة نهضة عقلية وحضارية كبرى، الأمر الذي يستلزم أن يتجه معه العالم الإسلامي، إلى نفس الوجهة الغربية حتى يحصل على نفس النتائج. وراحت الدعاية الغربية تعمل عملها، ونسي أبناء العالم الإسلامي ما صاحب هذا التقدم من وحشية وبربرية، وجشع، وانحطاط خلقي وإنساني مقيت. ثانيًا: الشعارات البراقة: فقد وجد الغرب أن الاحتفاظ بأعماله الوحشية وطرحها على حقيقتها، أمر لا يساعده في تحقيق مآربه، ومن هنا بدأت أكبر عملية ابتزاز وتسابق، في طرح الشعارات المحببة أصلًا إلى القلوب العامة. وهكذا رحنا نجد سوق المزايدات ملأى بشعارات (الحرية، والديمقراطية، والإرادة الإنسانية، والاشتراكية، والعدالة، والتحرر الوطني , والاستقلال، والتقدم، وحقوق الإنسان، وأمثال ذلك ... ) . وقد ساعده على الإغراء، أن هذه الشعارات وجدت لها ـ أحيانًا ـ بعض المصاديق، الأمر الذي خدع الكثير من أبناء الأمة، وجعل الغرب في عينيه المثل الأعلى. هذا في حين كان الواقع الغربي مليئًا بالعنصرية، والوحشية، والجشع، والسعي لبسط النفوذ وقهر الشعوب الضعيفة، وامتصاص دمائها. وثالثًا: تسخير شتى الإمكانات العسكرية، والاقتصادية، والإعلامية والمالية، والثقافية لتأكيد هذا التعالي بشتى السبل. وهذا ما سنراه بعد قليل، عند حديثنا عن الأسلوب الثالث. ولكن قبل الانتقال إلى الحديث عنها، يجب القول إن العوامل التاريخية، وحالة الانحطاط التي أصابت أبناء الأمة، وما شاع فيها من أخلاق العزلة، والبعد عن الواقع، والتفكك، هذه العوامل شكلت عاملًا مساعدا قويًّا في مجال الانخداع بالأحابيل الغربية. وإلا فأي فكر سليم، وأي استقرار للتاريخ العربي والشرقي، وأي تمعن في طاقات الإسلام وثروته الموروثة، يوضح الأمر بشكل جلي ليس عليه غبار؟ ! ورحم الله من قال: إن القابلية للاستعمار هي أشد ضررًا من الاستعمار نفسه.

стр. 11579

أما الأسلوب الثالث: فهو عملية ملء الفراغ الفكري والفراغ في الشخصية بالنتاج الغربي، أو قل النتاج الذي يضمن للغرب أن يحقق مآربه دون عائق أو مانع. هذا وقد شملت عملية الملء ـ هذه ـ مختلف الجوانب في حياتنا الاجتماعية، فعلى الصعيد الفكري: راحت الأفكار الغربية ـ الغريبة على ثقافتنا ـ تروج وتعكس روحها هنا وهناك، وراح الناس ينقسمون إلى مجاميع، تناصر هذه الفكرة الغربية أو تلك وكلتاهما غربية تقيأهما الغرب، والتقمهما هؤلاء، فهنا فكرة القومية، وهناك الوطنية، وهنا الديمقراطية، وهنا أيضا فكرة فصل الدين عن السياسة، وهذا يحلل الحياة الاجتماعية على أساس أنها بنى فوقية للوضع الاقتصادي، وهذا يتبنى الفكر الليبرالي معالجًا القضايا الاجتماعية والدينية وحتى الغيبية ـ إن كان يؤمن بها ـ على ضوئه، وهكذا اقتصرت الثقافة على تلقي الفكر الغربي، والتأمل فيه، بل وتقليده فكريًّا. وهذا المعنى نفسه انعكس على الفن والأعمال الفنية، كما ترك بصماته المؤثرة على الأدب والشعر. أما الملء في المجال الخلقي، فحدث عنه ولا حرج، حتى لقد عادت الصفة الغربية للعادة أو السلوك معيارًا للأخلاق الفاضلة، وهكذا شملت عملية الملء المجال التشريعي، والنفسي، وأمثالهما. وهذا وقد أشرنا إلى أن الاستكبار العالمي استخدم شتى إمكاناته، في مجال فرض التعالي الحضاري الغربي، والواقع أنه استخدم تلك الوسائل ـ بشكل أقوى ـ في مجال ملء الفراغ الفكري، والفراغ الاجتماعي، وهذه الوسائل كثيرة منها: هذا الأسطول الإعلامي الضخم، الذي تشرف عليه عقول جشعة مفكرة، في كيفية تقديم الغذاء المناسب، وتحريف الحقائق، وتزويق الأكاذيب، إلى الحد الذي يقل نظيره في التاريخ. كما أن منها عملية الاستشراق الضخمة، التي عبرت بكل وضوح عن التلاحم الثلاثي الآنف، في دفع هذه الحملة الثقافية الاستعمارية للاطلاع على ما لدى المسلمين، واكتشاف نقاط ضعفهم، وضربهم من خلال تلك النقاط، واكتساب شخصية علمية لدى المسلمين وتحريف الحقائق، وتقديم الطبخات الغربية للأذواق الإسلامية، وتشويه الحضارة.

стр. 11580

ومن تلك الأساليب: أسلوب البعثات الثقافية، وإنشاء الجامعات في الأرض الإسلامية، أو تربية الطلاب المبعوثين منها إلى الغرب وإشباعهم بالأفكار المادية، وتحويلهم بالتالي إلى عملاء فكريين، يرجعون إلى بلادهم فيبشرون بالحضارة والفكر الغربيين، ويعملون على إنقاذ شعوبهم من جهلها وتخلفها. كما أن منها أيضًا: الاستفادة من الحكام العملاء، الذين أمسكوا أَزِمَّة الأمور في تمرير المخططات المختلفة. ويعد أسلوب الاستفادة من الأحزاب العميلة من أخطر الأساليب في هذا المجال. والواقع: إنه لولا ما يحمله الفكر الغربي من نقص ذاتي وانحراف ونبو من قبل الفطرة تجاهه من جهة، وما تملكه الأمة من نور عقائدي حتى على مستوى (البصيص المتبقي) ، ووجود بعض العلماء والمفكرين الواعين الذين انتبهوا للخطر من أول الأمر، لأمكن لتلك الحملة الظالمة أن تحطم الشخصية الإسلامية بالكامل، وتترك الإسلام محطمًا، منعزلًا، بعيدًا عن الحياة الاجتماعية، في حين تترك الأمة مكبلة إلى الأبد بالقيود الفكرية والحضارية الغربية الغريبة عليها.

стр. 11581

الفصل الثاني الاختراق الحضاري الثقافي للمجتمع الإيراني والواقع؛ إننا نستطيع أن نمثل لكل ما سبق عبر ملاحظة واقع المجتمع الإيراني، قبل الثورة الإسلامية. فلقد كانت الخطة الاستكبارية ماكرة ومركزة جدًّا، باعتبار ما لإيران من مميزات حضارية، وجغرافية، وتاريخية، وخصائص أخرى. وقد شملت الحملة المحاور التالية: المحور السياسي، المحور الثقافي، المحور الأخلاقي، والمحاور الأخرى أيضًا. أما على المحور السياسي: فلا نود إطالة الحديث فيه، لوضوحه وانكشافه. فلقد كان النظام المسلط على إيران، قبل الثورة، يحكي جبروت التسلط الغربي، ويعكس ماهيته أشد انعكاس , وكان التراب الإيراني مركز القواعد الغربية، كما كان النظام الشاهنشاهي محور التآمر الغربي على المنطقة العربية والإسلامية، بل ومنطقة جنوب آسيا إلى حد كبير، وكان قد أحكم قبضته على الشعب ـ أو هكذا ظن ـ حتى عدت إيران جزيرة الأمان في تصورهم. وقد قام هذا النظام بكل المهام الملقاة على عاتقه من قبل الاستكبار، ونفذ مخططات الاختراق على مختلف الأصعدة، ولكن كم لشاه إيران بالأمس من نظير اليوم في العالم الإسلامي؟ !

стр. 11582

أما على صعيد المحور الثقافي: فنود أن نقف عنده قليلًا، ونورد له بعض الأمثلة، التي تبين عمق المأساة الثقافية، التي ابتلي بها الشعب الإيراني. وقبل كل شيء، يجب أن نتذكر أن المطبوعات والكتب والصحف كانت حكرًا على النظام، ومن يسمح لهم النظام بنشر كتبهم، اللهم إلا ما شذ وندر ـ وقد عاث العملاء الفكريون في إيران فسادًا ما له نظير ـ. فلنركز على الحقبة الأخيرة من تاريخ إيران، لنقف مجملًا على بعض الخطوط الفكرية التي طرحت نفسها على الساحة باسم المثقفين، أو منوري الفكر ـ كما كانوا يطلقون على أنفسهم ـ لنعرف أنهم كانوا أهم مسرب للفكر والثقافة الغربية إلى الساحة الإيرانية. والملحوظ في الأمر أن هذه الحركة طرحت شعارات أخاذة تستهوي إليها القلوب. وقد مر بنا، أن هذا يعد من أهم أساليب الاستكبار، في عملية الاختراق، نحو جسم الأمة. فمن هذه العناوين: فكرة (البروتستانتية الإسلامية!!) . وكان الأرمني الميرزا يعقوب خان ـ وهو عميل إنكليزي معروف ـ في طليعة من طرحوا هذه الفكرة. فهو يكتب من حدود سنة ١٢٩٠هـ إلى الشاه ناصر الدين، متحدثًا عن (لزوم المزج بين الإسلام والعلوم الغربية) ، فيقول: "إن انطلاقة الرقي، وضرورة الإصلاحات، يمكن الاستجابة لها بكل سهولة، من خلال خلق نوع من الانسجام بين المقررات والمناسبات القديمة، والمناسبات ومقتضيات المقررات الحديثة في هذا العصر". ويستطرد قائلًا: "لقد انمحت ـ الآن ـ ضرورة الجهاد في المجال الديني ـ تمامًا ـ وما علينا بعد هذا إلا تعميم الجهاد في الأمور الدنيوية هذه". (١) ويبدو ـ من هذا النص ـ كيف حاول هذا الأرمني الحاقد أن يبقى لفظ الجهاد، مبعدًا إياه عن موضع الخطر على العدو المهاجم. إلا أن الأخطر من هذا الميرزا كان ولده الميرزا ملكم خان، هذا العقل المفكر للماسونية في إيران، والمعتبر أبا للمثقفين الإيرانيين. يكتب الميرزا ملكم خان عن نفسه: "لقد صممت أطروحة أمزج فيها بين عقل السياسة الغربية، وحكمة الديانة الشرقية، وقد علمت أن تغيير إيران إلى الشكل الأوروبي سعي لا نفع فيه، ومن هنا عرضت فكرة التطور المادي في إطار ديني، ليدرك المواطنون تلك المعاني جيدًّا، وقد دعوت أحبة وأناسًا معتبرين وفي محفل خاص، تحدثت عن لزوم (تهذيب الإسلام) " (٢) . وقد جاءت على لسان هذا العميل ألفاظ، من قبيل: (إسلام العلم) ، (إسلام الحب) ، (إسلام العقل) وأمثالها، محاولًا ـ بذلك ـ تعميق ما يريد من هدف خبيث. وعلى هذا الغرار جرى الميرزا يوسف خان، فهو يقول: "نعم، إن على الإنسان ـ دائمًا ـ أن يقوم بعملية تكميل وتغيير لقوانين الماضين، وفقًا لمقتضيات عصره واحتياجاته.. ومن بين الغربيين نجد دولة الإنكليز مدافعة دائمًا عنا، وإني لسعيد أن تفقد الدولة العثمانية عدة الولايات، ولا تفقد الدعم والتأييد من قبل الشعب الإنكليزي". وهكذا نصل إلى الميرزا فتح على أخوند زاده، الذي يعلن بكل صراحة؛ لأنه إنسان تحميه روسيا (عميل روسي) وأنه جاء لهدم الدين والرجعية، وإيقاظ شعوب آسيا من نوم الغفلة والجهل، وإثبات وجوب البروتستانتية الإسلامية.

стр. 11583

وأخيرًا نجد عبد الرحيم طالبوف يكتب حول (تحديث الإسلام) ، فيقول: "إن أحكامنا الشرعية كانت جيدة لما قبل ألف سنة، ولكنها في عصرنا ـ نحن ـ يجب أن تضاف إليها ٣٠ ألف مسألة جديدة". وعلى هذا الغرار، يأتي أمثال كسروي، ليعلن فكرة (الدين النظيف) وشريعت سنكلجي، ليطرح فكرة (الإصلاح الديني) بعد أن دعمته دكتاتورية رضا خان المقبور. هذا وقد ألف الإمام القائد كتابه (كشف الأسرار) للرد على أمثال هذين المنحرفين العميلين. وهكذا استمر هذا الأخطبوط الخبيث، واستطاع أن يؤثر على بعض المفكرين المنتسبين للإسلام وبعض الشباب، مما أوجد خطين مقلدين للغرب ـ وإن كانا متعارضين ظاهرًا ـ وهما: خط الاشتراكية الإسلامية، وخط الليبرالية الإسلامية، وهما: أخطر الخطوط، وأشدها انحرافًا، بل وعمالة. الأمر الذي عانت منه الأمة الأمرين، كما عانت منه الثورة الإسلامية ـ وخصوصًا بعد نجاحها ـ حتى استطاعت أن تكشف حقيقة عمالتهما معًا للدول الغربية إذ التحما إلى جانب قوى الاستكبار العالمي، لضرب الثورة الإسلامية وعرقلة مسيرتها الظافرة. ولا ننسى أن نشير ـ هنا ـ إلى تفصيلات هذه الحركة، من عملها على فصل الأمة عن تاريخها الإسلامي، واعتبار الفتح الإسلامي نوعًا من الاستعمار، وعلى ما أسمته بتطهير الفارسية من اللغة العربية، بل وحتى على تغيير الحروف الفارسية على غرار تغيير الحروف التركية، وغير ذلك مما لا يستوعبه صدر هذا البحث الموجز.

стр. 11584

ولننتقل ـ بعد هذا ـ إلى مجال الفساد الأخلاقي لنجد الحملة ـ هنا ـ أكثر ضراوة وإمعانًا. إذا شئنا أن نستوعب كل المساحة الثقافية ـ من خلال المنظور الإنساني الإسلامي ـ كان من المحتم القول بأنها ـ أي المساحة الثقافية ـ تمتد إلى حيث تمتد التركيبة الإنسانية نفسها، وهذا يعني شمولها للجوانب الإنسانية الثلاثة التالية: ١ ـ الجانب التصوري والعقائدي، بما يشمل كل المفاهيم التي يملكها الإنسان عن الكون والحياة والإنسان، وبالشكل الذي تناول السنن التاريخية والقوانين الحاكمة كلها. ٢ ـ الجانب الإحساسي العاطفي: بما يشمل الغرائز والميول الأصيلة والمعدلة تبعًا للتربية الخاصة، وتكوين المصاديق المتعالية، كتحويل حب الذات الضيقة إلى حب الذات المتسعة الخالدة، من خلال الإيمان بالآخرة. ٣ ـ الجانب السلوكي العملي: وهو بطبيعة الحال يسري لكل موقف يتخذه الإنسان، حتى فيما بينه وبين نفسه، كما أنه متأثر بالجانبين السابقين تمام التأثر، وخصوصًا بالجانب الثاني، بعد أن فسر المحللون النفسيون الإرادة الإنسانية بالشوق المؤكد، رغم أن الشوق المؤكد هو المرحلة الأخيرة التي تسبق تصميم الإنسان على العمل ـ كما نعتقد ـ فإن الإنسان يبقى يمتلك الحرية في أحرج الضغوط العاطفية.

стр. 11585

الترابط بين المساحات الثلاث: وإذا قبلنا الحقيقة الماضية كان علينا أن نؤمن بالكل الثقافي المترابط، وأن نعتبر أي انفصال بين الأجزاء عملية مؤقتة، وأي قول بالفصل الدائم بين المساحات مجازفة يكذبها الوجدان والنصوص الشريفة، كما أن هذا الإيمان والقبول يفتح أمامنا بابًا تربويًّا وإعلاميًّا واسعًا، ننفذ من خلاله إلى المقصود أولًا، ونكتشف أيضًا ـ عبره ـ التآمر الإعلامي على الوجود الثقافي ثانيًا. وإننا إذ تأملنا واقعنا الوجداني رأينا حقيقتين مهمتين: الأولى: هي هذا الترابط المحكم بين أبعاد الكل الثقافي الإنساني بما يمكن أن يرجع كل الإنسان إلى المحور الواحد المسيطر وهو النفس الإنسانية، فهي التي تتثقف في الواقع، وإن كانت المسارب أو المظاهر متفاوتة. الثانية: أنه ونتيجة لهذا الترابط وهذه الوحدة الوجدانية فإن أي تنافر بين جزئين منها يعد أمرًا طارئًا على التركيبة الطبيعية الإنسانية سرعان ما تتغلب عليه لتحقيق الانسجام الكامل. ومن هنا نستطيع أن نفسر الكثير من النصوص القرآنية من قبيل: قوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (١) فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ﴾ (١) . وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى أَنْ كَذَّبُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ﴾ (٢) . وقوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ الآية (٣) . وغيرها من النصوص الشريفة. وعلى ضوء هاتين الحقيقتين، علينا أن نعالج ثقافتنا على كل الأصعدة، ونلاحظ مدى النفوذ الغربي فيها.

стр. 11586

العدو يستهدف كل الجوانب: ويبدو أن العدو ـ في حملته الثقافية ـ استهدف الجوانب الثلاثة بشكل عرضي وفي آن واحد، إدراكًا منه لهذا الترابط، وتحقيقًا لمهمته الرئيسة، وهي قتل الشخصية الإسلامية في وجود الفرد والأمة، وبالتالي تحقيق الأرضية السهلة لعملية الاستغلال الكبرى. فعلى الصعيد التصوري: عمل الإعلام الغريب "واسمحوا لي أن أسميه بالإعلام الاستكباري العالمي نظرا لطبيعته ودوافعه الحقيقية الكامنة في طغيان الحيوانية والمادية في وجوده" عمل هذا الإعلام على التغريب الثقافي عن العقيدة والتصورات الأصيلة مستغلًا فترات الجهل، والاتجاهات القشرية الخالية من روح الإسلام، والمركزة على جوانب جزئية عابرة، مكبرة إياها، وجاعلة هذه الجوانب هي محور الصراع وتضارب الآراء عاملة ـ بالتالي ـ على نسيان التصورات الإسلامية التغييرية الكبرى، وترك الميدان الاجتماعي لكل المبادئ المدعية للعدالة والإصلاح، وهي في الواقع ضد ذلك. ومن هنا رأينا اتجاه الكثير الكثير من جيلنا الشاب نحو المبادئ المادية التي احتلت زورًا موقع البطولة الثورية، والمطالبة بالقضاء على الظلم بعد أن أخلته هذه الآراء القشرية وأبعدت المسلمين عنه ـ لسبب أو لآخر ـ متغافلة أن الإسلام هو دين الصراع ضد التفرعن والفراعنة والطغاة، وهو دين الجهاد المتواصل ضد أي نمط من أنماط الظلم والاستبداد والاستغلال. ثم إن العدو- وتأكيدا لعملية التغريب الآنفة - راح يزرع الشبهات تلو الشبهات في النفوس تجاه الإسلام عقيدة ونظامًا، وتجاه إمكان تطبيق الإسلام، وهو دين المجتمع القبلي ـ كما يدعون ـ فكيف يمكن تطبيقه في مجتمع القرن العشرين؟! ولم تكن الشبهات عادية وإنما هي تشمل الحقول الفلسفية والمنطقية تمامًا كما تشمل الجوانب العملية، وهذه الشبهات عندما تصب في روح الشباب الفارغ فإنها تعصف برؤيته ومفاهيمه، وإذا تم ذلك ضمن الاستكبار انحرف الإحساس فالعمل بلا ريب. وإذا تمهد السبيل للنفوذ الغريب جاء دور الفكر الإلحادي المسموم لتحقيق المرحلة النهائية من العملية، ليصوغ الإنسان المسلم مبشرًا للماركسية بقيمها الواطئة أو الرأسمالية بجشعها ولؤمها، وعلى أي حال، يغدو عدوًّا للأمة وعميلًا للأجانب الأعداء. وأما على الصعيد العاطفي: فإن خطته الخبيثة يمكن أن تتلخص بعمليتين: الأولى عملية إضعاف الروح الأخوية الإسلامية، روح إحساس المسلم أينما كان بألم المسلم الآخر، وإحلال الروح المحلية، والقطرية، والقومية، وحتى الوطنية الضيقة وغيرها. أما العملية الثانية فهي عملية توجيه العواطف والدوافع نحو المادية السلوكية، الأمر الذي يترك أثره على الجانبين العقائدي والعمل بكل قوة، فتحول المادية العاطفية إلى مادية عقائدية.

стр. 11587

وقد استغل الاستكبار الغربي لتحقيق هذا الهدف كل الوسائل وما زال يستخدمها حتى يومنا هذا في أرضنا الإسلامية ونذكر منها النماذج الخلقية المنحطة، والمجلات والصحف الخليعة، والإذاعة المسموعة والمرئية، والسينما والمسارح، ومحلات الدعارة وبيوتها، والملاهي والمراقص والحفلات الماجنة، ومعسكرات الشباب ومنظماته، و (البلاجات) والمسابح المشتركة والرياضة وتعاطي الخمور، والتشجيع على استهلاك وسائل التجميل، والتشجيع على ارتكاب الجريمة، ودفع المجتمع نحو المخدرات واستغلال الإبداعات والأعمال الفنية لهذا الغرض، ومن تلك الفنون المستغلة: الزخرفة والرسم والموسيقى، واستغلال النتاجات الأدبية كالقصة والشعر، وتربية الشعب على تقليد الغرب الخليع في مختلف الشؤون كاللباس والسكن والسلوك، وفسح المجال للجمعيات والعناصر المدنسة من الصهاينة والبهائية والماسونية، ورواد نوادي الروتاري والملحدين، ليساعدوا في إذكاء نار الفساد، ونشر أفلام الخلاعة (والفيديو) وإشاعة عملية المراسلة غير النزيهة بين الجنسين، وتشجيع عمليات المقامرة في (الكازينوهات) العامة الكبيرة منها والصغيرة، وفي المسابقات الرياضية، وسباق الخيل من قبل المتفرجين وغير ذلك الكثير والكثير من الأساليب الرخيصة، ونؤكد هنا أن الكثير من هذه الوسائل الإعلامية اكتسبت ضعتها من أهدافها الوضيعة لا من طبيعتها كوسائل إعلامية مجردة.

стр. 11588

وبالتالي فعلى الصعيد العملي: كان هدفه المرحلي هو إبعاد النظام الإسلامي عن توجيه الحياة الإنسانية، وإحلال النظام الغربية المادية محله، بشكل كلي، أو في غالب الأحوال، وهنا أيضًا تنوعت الأفكار التي مهد بها لهذه العملية، فشملت: ـ فكرة فصل الدين عن السياسة، وقصر الحياة الدينية على الشؤون الشخصية والعبادية، وترك الشؤون الاجتماعية للفكر التنظيمي الغربي. ـ وترويج الاتجاه الليبرالي المتحرر من التقيد بالتوجيهات الدينية. ـ وتحبيذ العلمانية في الحكم بكل صراحة، أو بشيء من غطاء دستوري يذكر الإسلام كدين الدولة تمويهًا، في حين يحجر عليه أن يصوغ مجمل الحياة الاجتماعية إلا بما لا يتعارض مع المصالح الغربية والشخصية الضيقة. وقد مهدت لهذه الفكرة أفكار أخرى مخادعة من قبيل: (فكرة تعقد الحياة، ولزوم التطوير في كل مجالاتها، وعدم قدرة النظم الدينية على مواكبة هذا التطور، باعتبارها تؤمن بالمطلقات التشريعية، وهذه المطلقات لا تنسجم مع عملية التغيير المستمر، وكذلك فكرة التخويف من الحكومة الدينية، أو ما يسمونه بالاستبداد الديني، مذكرين بما جرى في القرون الوسطى من الظلم الكنسي، وكيف وقفت الكنيسة إلى جانب الإقطاع المستبد، وأن هذا لا ينسجم مع الدولة الديمقراطية (الحديثة) ، وغير ذلك من الأفكار التي مهدت ـ كما قلنا ـ للعلمانية، فإذا بنا نجد الأرض الإسلامية تضج من وجود الحكم العلماني المغلف، دون أن يشعر أكثر الأفراد بمدى الجريمة التي ترتكب عبر ذلك. والأنكى من ذلك، إن البعض من علماء الغرب ووسائله الإعلامية المحلية العميلة راحت تدعو لإعادة النظر في الإسلام نفسه!! فهناك من يدعي أن الإسلام قد استنفذ أغراضه التاريخية. وهناك من يرفع نداءه طارحًا فكرة (البروتسستانتية الإسلامية) . وهناك من يطرح النظم الغربية أساسًا يجب أن يحور الإسلام نفسه بحيث ينسجم معها، فنجد شيوع تعبيرات: (الديمقراطية الإسلامية، والاشتراكية الإسلامية..إلخ) . ولما لم يجد أذنًا صاغية راح البعض يطرح الأفكار التلفيقية التي تأخذ من هذا ضغثًا ومن ذاك ضغثًا وتقدمه على أساس أنه الإسلام المواكب لمسيرة التطور!! وهذا القسم الأخير هو أشد الأقسام خطورة على جيلنا الإسلامي الناشئ "واذكر أننا عانينا في إيران من كل الأفكار الماضية كثيرًا، إلا أن الاتجاه التلفيقي بشكله الغربي أو الشرقي كان يشكل عقبة كأداء في عملية أسلمة الحياة الاجتماعية أسلمة كاملة، الأمر الذي اضطرت الثورة الإسلامية معه إلى الضرب بيد من حديد بعد أن تآمر على كل المكاسب الإسلامية".

стр. 11589

الفصل الثالث خطوط المواجهة الإعلامية للغزو الثقافي ونستطيع أن نميز في مجال مواجهة الغزو الثقافي الآنف على الصعيد الثقافي والإعلامي خطوطًا، أهمها خطان: أولًا ـ الخط الإعلامي الثوري البناء, وقد امتاز هذا الخط بميزات منها: (أ) وعيه للإسلام وعيًا نافذًا، وإدراكه العميق الأصيل لنظرته الحياتية التغييرية الشاملة. (ب) إدراكه لأبعاد الغزو الثقافي ومساربه ومظاهره. (جـ) تركيزه على محور المشكلة دون إهمال لجوانبها وفروعها وتفصيلاتها، وبالتالي دعوته للتغيير الثوري والإصلاحي في آن واحد. (د) تقديمه الطروحات الإسلامية للجيل، وبعث حركة ثقافية جديدة. (هـ) تحريك الحس الإسلامي الحماسي المطلوب وعدم الاكتفاء بالتنظير الفكري الجاف وهذا النوع هو الذي استطاع أن يقدم خدمات جلية على صعيد المواجهة وينقذ الأمة من وهدتها. ثانيًا ـ الخط الإعلامي السطحي: والذي تميز بما يلي: (أ) بطرح الإسلام شعارًا براقًا، والتذكير بالأمجاد دونما عمل على تقديم الطروحات الحياتية. (ب) بتحبيذ الإصلاحات الجانبية والغض عن الكثير منها خوفًا من الانفلات. (جـ) باتباع أسلوب المساومة السياسية مع الحكام المرتبطين، مهما بلغ بهم الارتباط، والاكتفاء منهم ببعض الظواهر الكاذبة. ولهذا نجد جماهيرنا المسلمة تمج هذا الأسلوب، وترفض التعامل معه كإعلام إسلامي، مما أفقده تأثيره، لا على صعيد المواجهة فحسب، بل وحتى على صعيد التأثير الجزئي، فلم يعد يحقق حتى ما يقصده العلماء ـ من خلال تسخيره ـ من تخدير وتغطية، وأمامنا تجارب حديثة جدًّا حاول فيها أمثال هؤلاء التمويه وتشويه الإرادة الإسلامية من خلال إعلام واسع الأبعاد وعلى الصعيد العالمي، فكذبتها الجماهير المسلمة وأسقطتها من على عروشها العاجية.

стр. 11590

الإعلام القرآني جوهر النهوض: وإذا أردنا أن ننهض في مجال الإعلام المواجه والمربي في آن واحد، لم يكن لنا من سبيل إلا سبيل القرآن والدعوة القرآنية، إننا مسلمون قبل كل شيء، لنا تصوراتنا ونماذجنا الخاصة بنا، والمستقاة من خالق الكون العليم بما يصلحه، والقرآن هو نموذجنا الأسمى في شتى المجالات، فهو: (الكتاب المسطور، والنور الساطع، والضياء اللامع) وهو: (ناطق لا يعيى لسانه، وبيت لا تهدم أركانه، وعز لا تهزم أعوانه) وهو: (كتاب الله؛ تبصرون به وتنطقون به، وتسمعون به) ؛ فعلينا أن نعطف الرأي على القرآن إذا عطفوا القرآن على الرأي، فهو: (البحر الذي لا يدرك قعره) (١) . إنه كتاب التوعية، والتوعية في الإسلام تسبق أية خطوة أخرى. الإسلام دين التوعية والتربية.. وهو بمقتضى واقعيته وفطريته يقرر لزوم القيام بتوعية أي إنسان يراد له أن ينضم إلى معسكره، وأي مجتمع يراد للإسلام أن ينفذ إلى عمقه.. إنه يعرض جوهرته الثمينة، لأنه يعلم أن قيمتها ستنكشف بكل وضوح للجميع.. ولذا فهو يرفض أي تقليد في العقيدة، ويدعو للبحث والبرهنة: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾ . وهو يرفض أي عملية إكراه عقائدي ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ . كما يريد من الأمة أن تكون من أولي الأيدي والأبصار، قوية في بصرها وبصيرتها.. وفي مجال التعامل مع الآخرين يأمر بالدعوة البينة الواضحة قبل كل شيء يقول القرآن الكريم. ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [النحل: ١٢٥] . ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [الشورى: ١٥] . ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت: ٣٣] ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف: ١٠٨] . وفي هذا يقول آية الله السيد الصدر في كتابه (اقتصادنا) : "والأمر الآخر: أن يبدأ الدعاة الإسلاميون ـ قبل كل شيء ـ بالإعلان عن رسالتهم الإسلامية، وإيضاح معالمها الرئيسية، معززة بالحجج والبراهين، حتى إذا تمت للإسلام حجته، ولم يبق للآخرين مجال للنقاش المنطقي السليم، وظلوا بالرغم من ذلك مصرين على رفض النور..، عند ذلك لا يوجد أمام الدعوة الإسلامية ـ بصفتها دعوة عالمية تتبنى المصالح الحقيقية للإنسانية ـ إلا أن تشق طرقها بالقوى المادية، بالجهاد المسلح" [١/ ٢٧٥] .
следующие страницы →