العدو يستهدف كل الجوانب:
ويبدو أن العدو ـ في حملته الثقافية ـ استهدف الجوانب الثلاثة بشكل عرضي وفي آن واحد، إدراكًا منه لهذا الترابط، وتحقيقًا لمهمته الرئيسة، وهي قتل الشخصية الإسلامية في وجود الفرد والأمة، وبالتالي تحقيق الأرضية السهلة لعملية الاستغلال الكبرى.
فعلى الصعيد التصوري: عمل الإعلام الغريب "واسمحوا لي أن أسميه بالإعلام الاستكباري العالمي نظرا لطبيعته ودوافعه الحقيقية الكامنة في طغيان الحيوانية والمادية في وجوده" عمل هذا الإعلام على التغريب الثقافي عن العقيدة والتصورات الأصيلة مستغلًا فترات الجهل، والاتجاهات القشرية الخالية من روح الإسلام، والمركزة على جوانب جزئية عابرة، مكبرة إياها، وجاعلة هذه الجوانب هي محور الصراع وتضارب الآراء عاملة ـ بالتالي ـ على نسيان التصورات الإسلامية التغييرية الكبرى، وترك الميدان الاجتماعي لكل المبادئ المدعية للعدالة والإصلاح، وهي في الواقع ضد ذلك.
ومن هنا رأينا اتجاه الكثير الكثير من جيلنا الشاب نحو المبادئ المادية التي احتلت زورًا موقع البطولة الثورية، والمطالبة بالقضاء على الظلم بعد أن أخلته هذه الآراء القشرية وأبعدت المسلمين عنه ـ لسبب أو لآخر ـ متغافلة أن الإسلام هو دين الصراع ضد التفرعن والفراعنة والطغاة، وهو دين الجهاد المتواصل ضد أي نمط من أنماط الظلم والاستبداد والاستغلال.
ثم إن العدو- وتأكيدا لعملية التغريب الآنفة - راح يزرع الشبهات تلو الشبهات في النفوس تجاه الإسلام عقيدة ونظامًا، وتجاه إمكان تطبيق الإسلام، وهو دين المجتمع القبلي ـ كما يدعون ـ فكيف يمكن تطبيقه في مجتمع القرن العشرين؟!
ولم تكن الشبهات عادية وإنما هي تشمل الحقول الفلسفية والمنطقية تمامًا كما تشمل الجوانب العملية، وهذه الشبهات عندما تصب في روح الشباب الفارغ فإنها تعصف برؤيته ومفاهيمه، وإذا تم ذلك ضمن الاستكبار انحرف الإحساس فالعمل بلا ريب. وإذا تمهد السبيل للنفوذ الغريب جاء دور الفكر الإلحادي المسموم لتحقيق المرحلة النهائية من العملية، ليصوغ الإنسان المسلم مبشرًا للماركسية بقيمها الواطئة أو الرأسمالية بجشعها ولؤمها، وعلى أي حال، يغدو عدوًّا للأمة وعميلًا للأجانب الأعداء.
وأما على الصعيد العاطفي: فإن خطته الخبيثة يمكن أن تتلخص بعمليتين: الأولى عملية إضعاف الروح الأخوية الإسلامية، روح إحساس المسلم أينما كان بألم المسلم الآخر، وإحلال الروح المحلية، والقطرية، والقومية، وحتى الوطنية الضيقة وغيرها. أما العملية الثانية فهي عملية توجيه العواطف والدوافع نحو المادية السلوكية، الأمر الذي يترك أثره على الجانبين العقائدي والعمل بكل قوة، فتحول المادية العاطفية إلى مادية عقائدية.
стр. 11587
وقد استغل الاستكبار الغربي لتحقيق هذا الهدف كل الوسائل وما زال يستخدمها حتى يومنا هذا في أرضنا الإسلامية ونذكر منها النماذج الخلقية المنحطة، والمجلات والصحف الخليعة، والإذاعة المسموعة والمرئية، والسينما والمسارح، ومحلات الدعارة وبيوتها، والملاهي والمراقص والحفلات الماجنة، ومعسكرات الشباب ومنظماته، و (البلاجات) والمسابح المشتركة والرياضة وتعاطي الخمور، والتشجيع على استهلاك وسائل التجميل، والتشجيع على ارتكاب الجريمة، ودفع المجتمع نحو المخدرات واستغلال الإبداعات والأعمال الفنية لهذا الغرض، ومن تلك الفنون المستغلة: الزخرفة والرسم والموسيقى، واستغلال النتاجات الأدبية كالقصة والشعر، وتربية الشعب على تقليد الغرب الخليع في مختلف الشؤون كاللباس والسكن والسلوك، وفسح المجال للجمعيات والعناصر المدنسة من الصهاينة والبهائية والماسونية، ورواد نوادي الروتاري والملحدين، ليساعدوا في إذكاء نار الفساد، ونشر أفلام الخلاعة (والفيديو) وإشاعة عملية المراسلة غير النزيهة بين الجنسين، وتشجيع عمليات المقامرة في (الكازينوهات) العامة الكبيرة منها والصغيرة، وفي المسابقات الرياضية، وسباق الخيل من قبل المتفرجين وغير ذلك الكثير والكثير من الأساليب الرخيصة، ونؤكد هنا أن الكثير من هذه الوسائل الإعلامية اكتسبت ضعتها من أهدافها الوضيعة لا من طبيعتها كوسائل إعلامية مجردة.
стр. 11588
وبالتالي فعلى الصعيد العملي: كان هدفه المرحلي هو إبعاد النظام الإسلامي عن توجيه الحياة الإنسانية، وإحلال النظام الغربية المادية محله، بشكل كلي، أو في غالب الأحوال، وهنا أيضًا تنوعت الأفكار التي مهد بها لهذه العملية، فشملت:
ـ فكرة فصل الدين عن السياسة، وقصر الحياة الدينية على الشؤون الشخصية والعبادية، وترك الشؤون الاجتماعية للفكر التنظيمي الغربي.
ـ وترويج الاتجاه الليبرالي المتحرر من التقيد بالتوجيهات الدينية.
ـ وتحبيذ العلمانية في الحكم بكل صراحة، أو بشيء من غطاء دستوري يذكر الإسلام كدين الدولة تمويهًا، في حين يحجر عليه أن يصوغ مجمل الحياة الاجتماعية إلا بما لا يتعارض مع المصالح الغربية والشخصية الضيقة.
وقد مهدت لهذه الفكرة أفكار أخرى مخادعة من قبيل: (فكرة تعقد الحياة، ولزوم التطوير في كل مجالاتها، وعدم قدرة النظم الدينية على مواكبة هذا التطور، باعتبارها تؤمن بالمطلقات التشريعية، وهذه المطلقات لا تنسجم مع عملية التغيير المستمر، وكذلك فكرة التخويف من الحكومة الدينية، أو ما يسمونه بالاستبداد الديني، مذكرين بما جرى في القرون الوسطى من الظلم الكنسي، وكيف وقفت الكنيسة إلى جانب الإقطاع المستبد، وأن هذا لا ينسجم مع الدولة الديمقراطية (الحديثة) ، وغير ذلك من الأفكار التي مهدت ـ كما قلنا ـ للعلمانية، فإذا بنا نجد الأرض الإسلامية تضج من وجود الحكم العلماني المغلف، دون أن يشعر أكثر الأفراد بمدى الجريمة التي ترتكب عبر ذلك.
والأنكى من ذلك، إن البعض من علماء الغرب ووسائله الإعلامية المحلية العميلة راحت تدعو لإعادة النظر في الإسلام نفسه!!
فهناك من يدعي أن الإسلام قد استنفذ أغراضه التاريخية.
وهناك من يرفع نداءه طارحًا فكرة (البروتسستانتية الإسلامية) .
وهناك من يطرح النظم الغربية أساسًا يجب أن يحور الإسلام نفسه بحيث ينسجم معها، فنجد شيوع تعبيرات: (الديمقراطية الإسلامية، والاشتراكية الإسلامية..إلخ) .
ولما لم يجد أذنًا صاغية راح البعض يطرح الأفكار التلفيقية التي تأخذ من هذا ضغثًا ومن ذاك ضغثًا وتقدمه على أساس أنه الإسلام المواكب لمسيرة التطور!! وهذا القسم الأخير هو أشد الأقسام خطورة على جيلنا الإسلامي الناشئ "واذكر أننا عانينا في إيران من كل الأفكار الماضية كثيرًا، إلا أن الاتجاه التلفيقي بشكله الغربي أو الشرقي كان يشكل عقبة كأداء في عملية أسلمة الحياة الاجتماعية أسلمة كاملة، الأمر الذي اضطرت الثورة الإسلامية معه إلى الضرب بيد من حديد بعد أن تآمر على كل المكاسب الإسلامية".
стр. 11589
الفصل الثالث
خطوط المواجهة الإعلامية للغزو الثقافي
ونستطيع أن نميز في مجال مواجهة الغزو الثقافي الآنف على الصعيد الثقافي والإعلامي خطوطًا، أهمها خطان:
أولًا ـ الخط الإعلامي الثوري البناء, وقد امتاز هذا الخط بميزات منها:
(أ) وعيه للإسلام وعيًا نافذًا، وإدراكه العميق الأصيل لنظرته الحياتية التغييرية الشاملة.
(ب) إدراكه لأبعاد الغزو الثقافي ومساربه ومظاهره.
(جـ) تركيزه على محور المشكلة دون إهمال لجوانبها وفروعها وتفصيلاتها، وبالتالي دعوته للتغيير الثوري والإصلاحي في آن واحد.
(د) تقديمه الطروحات الإسلامية للجيل، وبعث حركة ثقافية جديدة.
(هـ) تحريك الحس الإسلامي الحماسي المطلوب وعدم الاكتفاء بالتنظير الفكري الجاف وهذا النوع هو الذي استطاع أن يقدم خدمات جلية على صعيد المواجهة وينقذ الأمة من وهدتها.
ثانيًا ـ الخط الإعلامي السطحي: والذي تميز بما يلي:
(أ) بطرح الإسلام شعارًا براقًا، والتذكير بالأمجاد دونما عمل على تقديم الطروحات الحياتية.
(ب) بتحبيذ الإصلاحات الجانبية والغض عن الكثير منها خوفًا من الانفلات.
(جـ) باتباع أسلوب المساومة السياسية مع الحكام المرتبطين، مهما بلغ بهم الارتباط، والاكتفاء منهم ببعض الظواهر الكاذبة.
ولهذا نجد جماهيرنا المسلمة تمج هذا الأسلوب، وترفض التعامل معه كإعلام إسلامي، مما أفقده تأثيره، لا على صعيد المواجهة فحسب، بل وحتى على صعيد التأثير الجزئي، فلم يعد يحقق حتى ما يقصده العلماء ـ من خلال تسخيره ـ من تخدير وتغطية، وأمامنا تجارب حديثة جدًّا حاول فيها أمثال هؤلاء التمويه وتشويه الإرادة الإسلامية من خلال إعلام واسع الأبعاد وعلى الصعيد العالمي، فكذبتها الجماهير المسلمة وأسقطتها من على عروشها العاجية.
стр. 11590
الإعلام القرآني جوهر النهوض:
وإذا أردنا أن ننهض في مجال الإعلام المواجه والمربي في آن واحد، لم يكن لنا من سبيل إلا سبيل القرآن والدعوة القرآنية، إننا مسلمون قبل كل شيء، لنا تصوراتنا ونماذجنا الخاصة بنا، والمستقاة من خالق الكون العليم بما يصلحه، والقرآن هو نموذجنا الأسمى في شتى المجالات، فهو: (الكتاب المسطور، والنور الساطع، والضياء اللامع) وهو: (ناطق لا يعيى لسانه، وبيت لا تهدم أركانه، وعز لا تهزم أعوانه) وهو: (كتاب الله؛ تبصرون به وتنطقون به، وتسمعون به) ؛ فعلينا أن نعطف الرأي على القرآن إذا عطفوا القرآن على الرأي، فهو: (البحر الذي لا يدرك قعره) (١) .
إنه كتاب التوعية، والتوعية في الإسلام تسبق أية خطوة أخرى.
الإسلام دين التوعية والتربية.. وهو بمقتضى واقعيته وفطريته يقرر لزوم القيام بتوعية أي إنسان يراد له أن ينضم إلى معسكره، وأي مجتمع يراد للإسلام أن ينفذ إلى عمقه.. إنه يعرض جوهرته الثمينة، لأنه يعلم أن قيمتها ستنكشف بكل وضوح للجميع.. ولذا فهو يرفض أي تقليد في العقيدة، ويدعو للبحث والبرهنة: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾ .
وهو يرفض أي عملية إكراه عقائدي ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ .
كما يريد من الأمة أن تكون من أولي الأيدي والأبصار، قوية في بصرها وبصيرتها.. وفي مجال التعامل مع الآخرين يأمر بالدعوة البينة الواضحة قبل كل شيء يقول القرآن الكريم.
﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [النحل: ١٢٥] .
﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [الشورى: ١٥] .
﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت: ٣٣]
﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف: ١٠٨] .
وفي هذا يقول آية الله السيد الصدر في كتابه (اقتصادنا) :
"والأمر الآخر: أن يبدأ الدعاة الإسلاميون ـ قبل كل شيء ـ بالإعلان عن رسالتهم الإسلامية، وإيضاح معالمها الرئيسية، معززة بالحجج والبراهين، حتى إذا تمت للإسلام حجته، ولم يبق للآخرين مجال للنقاش المنطقي السليم، وظلوا بالرغم من ذلك مصرين على رفض النور..، عند ذلك لا يوجد أمام الدعوة الإسلامية ـ بصفتها دعوة عالمية تتبنى المصالح الحقيقية للإنسانية ـ إلا أن تشق طرقها بالقوى المادية، بالجهاد المسلح" [١/ ٢٧٥] .
стр. 11591
وقد جاء في كتاب (الكافي) للمرحوم الكليني عن الصادق (ع) قوله:
((قال أمير المؤمنين (ع) : بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن، فقال: "يا علي لا تقاتلن أحدًا حتى تدعوه إلى الإسلام، وأيم الله لئن يهدي الله على يديك رجلًا خير لك مما طعلت عليه الشمس وغربت، ولك ولاؤه يا علي)) [وسائل الشيعة: ١١/ ٣٠]
إنه أسلوب القرآن قبل كل شيء، الذي علمه الله لموسى وهارون (ع) : ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (٤٣) فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: ٤٣ ـ ٤٤] .
إنها الدعوة ـ حتى عند مواجهة الطواغيت ـ عسى أن يهتدوا إلى الحق.
وها نحن نجد الرسول العظيم يكرر عبارة: ((أدعوك بدعاية الإسلام)) في رسالته إلى كسرى أنوشيروان، وقيصر إمبراطور الروم، تطبيقًا لهذا التعليم الإسلامي السامي.
وهكذا راح الدعاة يبثون الدعوة إلى الأقطار. وقد ذكرت أسماء بعض الدعاة الأوائل الذين أرسلوا لتحقيق واجب الدعوة إلى الله، ومنهم:
عبد الله بن حذافة السهمي ـ مبعوث الرسول إلى إيران.
حاطب بن أبي بلتعة ـ مبعوث الرسول إلى مصر لدعوة المقوقس.
دحية الكلبي ـ مبعوث الرسول إلى روما.
عمرو بن أمية ـ مبعوث الرسول إلى اليمامة.
عمرو بن العاص ـ معبوث الرسول إلى عمان.
حرملة بن زيد ـ مع وفد معه إلى مدينة (أيلة) الواقعة على ساحل البحر الأحمر.
المهاجر بن أبي أمية ـ مبعوث الرسول إلى ملوك حمير.
خالد بن الوليد ـ مبعوث الرسول إلى همدان (مدينة قرب بحر عمان) .
علي بن أبي طالب (ع) ـ مبعوثه الثاني إلى هذه المدينة.
حذيفة بن اليمان ـ مبعوث الإسلام إلى الهند.
عبد الله بن عوسجة ـ مبعوث الرسول إلى قبيلة حارثة بن قريظ.
جرير بن عبد الله البجلي ـ مبعوث الرسول إلى قبائل ذي الكلاع الحميري.
وغيرهم ممن حمل مهمة الدعوة إلى الشعوب.
وإذا أردنا أن نجد التطبيقيات السياسية لهذا الأصل في التعامل الدولي، أمكننا أن نلحظها في بعثات الإيضاح المرسلة من هنا إلى هناك، وفي أساليب توضيح الحقيقية عبر الوسائل السماعية والبصرية، وفي مذكرات الإيضاح الموجهة، والمذكرات التفسيرية المقدمة إلى المؤتمرات الدولية.
ومما تميز به العلاقات الدولية الإسلامية: أنها تنظر لعملية التوعية والإيضاح ـ كرسالة إلهية ومبدأ ضروري ـ يجب الالتزام به قبل القيام بأية خطوة عكسرية أو سياسية أو غيرها تجاه الدول الأخرى.
أما ما نجده من السياسة الماكرة القائمة ـ بالفعل ـ فهو اعتماد هذه السياسة التوضيحية ـ باعتبارها مناورة سياسية ـ فإذا لزم الأمر، قلبت الحقائق وتغيرت الموازين.
стр. 11592
الهدف الرئيس والأهداف المرحلية للإعلام:
الهدف الرئيس ـ بكل اختصار ـ هو تعبيد الأرض لله تعالى، وإيجاد المجتمع المؤمن العابد المحقق لخلافة الله في الأرض، وإذا وجد مثل هذا المجتمع، فإنه سيكون الأمة الوسط التي تطمح الأمم للوصول إلى مستواها، والأمة الشاهدة على البشرية جمعاء، باعتبار ما لها من علو حضاري، نفسي ومادي، وحينئذ سيكون الدين كله لله، ويتحقق هدف الخلقة الإنسانية ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] .
ويجب أن تصب كل التشريعات والسلوكيات والأقوال والأفعال وتتسمر كل الأحداق بهذا الهدف الكبير الكبير، وتسترخص الغوالي لتحقيقه، إنه عظيم ترخص في قباله دماء الأنبياء والطاهرين، وجهود الصالحين عبر التاريخ.
إلا أن هناك أهدافًا مرحلية (تنتهي إلى ذلك الهدف الكبير) يعمل الإعلام القرآني على الوصول إليها بشتى الوسائل الممكنة فما هي؟
نستطيع أن نذكر أهم هذه الأهداف المرحلية في النقاط التالية:
الأولى: ترشيد إنسانية الإنسان: ذلك أن للإنسانية خصائص ومعالم إذا رشدت ونميت ضمنت للإنسان مسيرة متوازنة، أما إذا تلاشت من على سطح الوجود الإنساني، فحينئذ يكون الفسق على السبيل القويم، وحينئذ تكون المسيرة المكبة على وجهها، وعندئذ يتوقع الإجرام كله، وهذه المعالم باختصار هي: (التعقل السليم، والإرادة الحرة، والخلقية الفطرية، والدوافع المنضبطة) وإذا لم نكن هنا بصدد عرض البرنامج الإسلامي، الواسع الأبعاد لترشيد هذه الجوانب فإن من الطبيعي الإشارة إلى بعض مكوناته حينما نتحدث عن الأساليب الإعلامية.
الثانية: التوعية بالإسلام عقيدة ومفاهيم وتشريعًا، باعتباره السبيل الوحيد للوصول إلى ذلك الهدف الكبير، وكلما تعمق وعي الأفراد لهذه الرسالة، وطروحاتها وخططها وحلولها للمشاكل الإنسانية، واتضحت معالم الفرق بينها وبين المبادئ الوضعية وبانت خصائصها الرئيسية، استطاع المجتمع المسلم أن يخطو على طريق الهدف الكبير خطًى أسرع وأثبت في نفس الوقت.
الثالثة: التوعية بكل ما يحيط بالأمة من أحداث وظواهر ومؤامرات وتفاعلات لها كلها أثرها على تعيين المواقف المبدئية والمتحركة.
الرابعة: إيجاد الأرضية الصالحة لتطبيق الإسلام، في كل الأرض الإسلامية، وبالتالي في شتى أنحاء العالم، ويشمل هذا الجانب أمورًا نتحدث عنها في الأساليب التفصيلية.
الخامسة: تحقيق معالم الفرد المسلم والأمة المسلمة.
стр. 11593
العدة المطلوبة والأسلوب الأمثل:
أما العدة المطلوبة للإعلام الإسلامي العامل على النهوض والمقاومة فيمكن تلخيصها فيما يلي:
الأول: القدرة العلمية والثقافية إلى الحد المستوعب لكل جوانب الإسلام وأهدافه العامة. فليس من المعقول أن يطلب من الإعلام تحقيق الأهداف السالفة دون أن يكون مزودًا بمثل هذه القدرة، ويمكننا أن نرد الكثير من نقاط الضعف الإعلامية إلى افتقادها، وتواجد السطحية في الفهم.
الثاني: الاستيعاب اللازم للفهم الاجتماعي العام، ومعرفة التحرك العالمي السياسي والاجتماعي وأساليبه، ومحاوره، وتوفر الخبراء الهادفين والمحققين بكل جدارة.
الثالث: معرفة أساليب العرض، أو ما يمكن أن نطلق عليه بفن الإعلام المناسب، وهو بالضبط ما كان قدماؤنا يطلقون عليه اسم: (معرفة حال المخاطب) ، فيجب أن نعرف من نخاطب، وكيف نخاطب، وأنى يتم ذلك؟ وهذا هو مضمون التحلي بالحكمة في مجال الدعوة إلى الله.
الرابع: الإيمان العميق الواعي بالإسلام وأهدافه الكبرى، وتأصل ذلك في نفوس الإعلاميين إلى الحد الذي يحملهم على التضحية بكل غالٍ ورخيص في سبيل الهدف السامي.
стр. 11594
الخامس: التخلص من كل تبعية، أو ضيق أفق، أو مصلحة شخصية، والتجرد من كل ذلك لصالح الحقيقة.
والواقع أننا نعتقد أنه يكمن في هذه النقطة أحد أهم شروط النهضة الإعلامية، وإن إعلامنا الإسلامي اليوم مبتلى في الكثير الكثير من مقولاته بالتبعية للحكومات المتسلطة على شعوبها بالحديد والنار، فهو لا يعدو أن يكون دمية تتحرك بإرادة الحاكم القزم، وباتجاه تحقيق مصالحه.
وإلا فبماذا تسمي إعلامًا ينتسب للإسلام، وهو يسكت عن كل أنماط الخيانة الأخلاقية، أو الخيانة الاقتصادية، أو الانحراف السياسي والعمالة المفضوحة، أو الاستسلام للعدو الصهيوني الغاشم، أو يردد نفس تهم الاستكبار العالمي ضد أبطال المقاومة الإسلامية، أو يدعو للتستر على الجرائم؟ ! وربما بلغ من النذالة إلى الحد الذي يعلن فيه أن فكرة الحكم الإسلامي فكرة لا إسلامية، لا لشيء، إلا ليرضي الحكم المسلط على رقاب الشعب، وإلا ليبارك قبضة الجلاد التي تشدد الخناقة على رقبة الجيل المسلم المتوثب. أو قد يبلغ بهم الأمر إلى مهاجمة الأنبياء كداود وسليمان ﵉ لأغراض قومية وما إلى ذلك. أو ربما اتجهوا إلى التأكيد على اللغات غير العربية مع إهمال العربية نفسها أو المحلية العامية تنفيذا للمآرب الاستعمارية.
السادس: ملاحظة الأرضية الإيمانية المتوفرة في أوساط الأمة الإسلامية، فإنها خير مساعد وعدة على انطلاق الإعلامي في مسبحه المناسب، وتتجلى لنا أهمية هذا العنصر حينما ندرك أنه بنفسه شكل سد المقاومة الرئيس أمام الهجوم الإعلامي الغريب حيث تخلى عن الساحة حتى أولياؤها الفكريون والسياسيون.
стр. 11595
السابع: التمتع بالخصائص القرآنية الإعلامية: وهذه الخصائص واسعة الأبعاد قد لا يمكن الإحاطة بها إلا لدراسة تحقيقية عميقة، ومن هنا فإننا نكتفي بالإشارة للبعض منها بما يتناسب وحجم هذا الحديث، وما نذكره منها يتلخص فيما يلي:
أولًا ـ استحضار النظرة الغيبية إلى جانب الحسابات المادية، وذلك في كل تحليل أو توقع مستقبلي والابتعاد عن النظرة المادية الحسابية الجافة فإن التصورات القرآنية المعطاة تؤكد أن المسيرة المنسجمة مع العدل تنسجم معها القوى الطبيعية القائمة في خلقتها على الأساس نفسه، في حين لا يتوفر الانسجام المطلوب مع الانحراف، وهو ما يلخصه المقطعان القرآنيان الكريمان:
﴿فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ (١٢) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ﴾ (١) .
﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (١١) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾ (٢) .
وكذلك كل النظرات الإسلامية في التاريخ والحياة والإنسان، ومن ذلك ما قلناه من الترابط بين أجزاء التركيبة الإنسانية.
ثانيًا ـ الموضوعية: والاتصاف بروح التبعية للحقيقة ـ أيًّا كانت ـ وحتى لو خالفت مصلحة شخصية، أو استدعت التضحية الغالية، ويبالغ القرآن في تحقيق الروح الموضوعية، وعدم النظر إلى الواقع الموضوعي من خلال رؤية مسبقة إلى الحد الذي يدعو فيه الخصم إلى افتراض نقطة الصفر في الحوار، وعدم الإيمان بشيء والانطلاق منها إلى الحقيقة الموضوعية فيقول مخاطبًا الكفار: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ (٣) .
ثالثًا ـ الهدفية في كل خطوة: ذلك أن الهدفية لا تتنافى مطلقًا مع الموضوعية في التصور الإسلامي؛ لأن المؤمن مطمئن تمام الاطمئنان أن الحقيقة الموضوعية ـ مهما كانت ـ تشكل آية من آيات الله تعالى وهدى إليه سبحانه.
وإذا انعكست الهدفية على حياة الداعية العامل، صرف النظر عن كل أنماط اللهو السخيف، والتضييع الوقتي فيما لا طائل تحته، وبالتالي لا تجد في نماذجنا الإعلامية ما يهدر هذا الوقت الثمين.
إن الهدفية القرآنية نلحظها في كل قصة، وفي كل مثل، وفي كل عبارة، ففي كل موضوع عبرة، ومع كل حديث اعتبار، وكل شيء يعبر عن مادة للدراسة وخدمة الهدف من خلالها: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ (٤)
ويكفي أن نتابع آية قصة قرآنية لنكتشف الهدفية التي تتجلى أروع تجل.
стр. 11596
رابعًا ـ التنسيق والانسجام بين كل الخطوات والجوانب: وذلك انعكاسًا للتنسيق القرآني فإذا الصورة المتشعبة تسودها روح واحدة، وهذه الخصيصة نتيجة طبيعية للخصائص السابقة وخصوصًا الهدفية بعد افتراض وحدة الهدف وشموله لكل جوانب التصور وأي اختلال لها يعني الانقلاب على الهدف: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ (١) .
في حين تتضاعف السرعة إلى الهدف عند التناسق: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ (٢) .
وإذا لاحظنا ضرورة هذه الخصيصة للتأثير المطلوب أدركنا سر ضياع الكثير من الأفكار الصحيحة المطروحة في إعلامنا اليوم بعد أن كانت تكذبها الأعمال والأطر المنافقة والمساومة، والأقوال الأخرى من صاحب الفكرة نفسه.
خامسًا ـ الواقعية والتفاعل المستمر مع الأحداث الاجتماعية: وعدم الغرق في تصورات طوبائية، فإن من خصائص القرآن الكريم أنه رغم كونه دستورًا عامًّا لكل المسيرة البشرية، فهو ينسجم مع ما يبدو من ظواهر، ويعالجها على ضوء تلك التصورات العامة الأصيلة: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا﴾ (٣) .
﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ﴾ (٤) .
وينبغي هنا أن نذكر بأننا نقصد بالواقعية هنا: ملاحظة الواقع والعمل على تطويره إلى المفروض، لا ما يبدو أحيانًا من تفسيرات تتجه بالواقعية إلى عملية الإذعان للواقع، والتلون وفق متطلباته إذعانًا واستسلامًا له.
والواقعية تتطلب أن تطرح الأساليب البديلة الصحيحة عند العمل لإصلاح ظاهرة منحرفة، وذلك نظير ما نلحظه في الآية الكريمة على لسان لوط (ع) : ﴿هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ (٥) .
وما نجده في تعبير الإمام علي ﵇ حين يعمل على محو التعصب القبلي الممقوت، يطرح التعصب لمكارم الخلال حين يقول:
"وأما الأغنياء من مترفة الأمم، فتعصبوا لآثار مواقع النعم فقالوا: ﴿نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ فإن كان لا بد من العصبية فليكن تعصبكم لمكارم الخصال، ومحامد الأفعال، ومحاسن الأمور التي تفاضلت فيها المجداء والنجداء من بيوتات العرب، ويعاسيب القبائل ... " [نهج البلاغة: ص ٢٩٥] .
стр. 11597
سادسًا ـ المنطقية في العرض والابتعاد عن السطحية: إن القرآن يربي المسلم على التأمل والبرهنة والتعقل واستقراء الأدلة القوية ومن ثم إصدار الحكم: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (١) .
أما الاتهامات الواهية، أو حتى التوقعات التي تمتلك دليلًا من الواقع، وطرح الآراء ونسبتها إلى الإسلام فهو الانحراف الكبير: ﴿قُلْ آَللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ (٢) .
ومن هنا يتخلص الإعلام الإسلامي من ركام المقالات والتحليلات الواهية، التي تترك أثرها السلبي على الأفكار، وتلقي بتبعاتها على كواهل هؤلاء الكتاب والمحللين، ولا أستطيع هنا تحديد المساحة التي يجب أن تحذف من الإعلام المتداول في مناطقنا الإسلامية ـ حين تطبيق هذا الشرط ـ إلا أنني متأكد من لزوم حذف المساحة الكبيرة مما ينشر بلا ريب.
سابعًا ـ التفاعل الوجداني الحراري العاطفي مع الهدف وحمل هم الرسالة للعمل على زرع الحماس الإسلامي للقضية الإسلامية من خلال ذلك.
إن كلام الداعية يجب أن يكشف للسامعين عن تألمه لقضيته وحماسه لأهدافه، وخشوعه أمام ربه وكلماته العليا، وتفاعله معها، وهو أمر يريبه القرآن في نفوس أتباعه: ﴿كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ . [سورة الزمر: الآية ٢٣]
﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ (٣) .
стр. 11598
ثامنًا ـ الأخلاقية الإعلامية: ونعني بها الالتزام الكامل بالأخلاق الإسلامية في المجال الإعلامي، فلا يلقى القول على عواهنه، ولا تشاع الفاحشة، ولا يتهم المؤمن، ولا يرد على القضاء، ولا تنمى روح التحاسد والتباغض والتحاقد، ولا تستخدم الألفاظ التي تمجها الأخلاقية الإسلامية. وإنما يعمل الإعلام الإسلامي على توفير البيئة الصالحة التي تتفتح فيها الفطرة عن طاقاتها المبدعة، وبالتالي: تسير بالإنسان نحو أهدافه الأصيلة.
يقول القرآن الكريم واصفًا المؤمنين: ﴿وَعِبَادُ الرَّحمَنِ الَّذِينَ يَمشُونَ عَلَى الأَرضِ هَونًا وإذا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاما وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِم سُجَّدا وَقِيَاما وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصرِف عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاما إِنَّهَا سَاءت مُستَقَرّا وَمُقَاما وَالَّذِينَ إذا أَنفَقُوا لَم يُسرِفُوا وَلَم يَقتُرُوا وَكَانَ بَينَ ذَلِكَ قَوَاما وَالَّذِينَ لَا يَدعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَها آخَرَ وَلَا يَقتُلُونَ النَّفسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالحَقِّ وَلَا يَزنُونَ وَمَن يَفعَل ذَلِكَ يَلقَ أَثَاما يُضَاعَف لَهُ العَذَابُ يَومَ القِيَامَةِ وَيَخلُد فِيهِ مُهَانا إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلا صَالِحا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِم حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورا رَّحِيما وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَالِحا فإنه يَتُوبُ إلى اللَّهِ مَتَابا وَالَّذِينَ لَا يَشهَدُونَ الزُّورَ وإذا مَرُّوا بِاللَّغوِ مَرُّوا كِرَاما وَالَّذِينَ إذا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِم لَم يَخِرُّوا عَلَيهَا صُمّا وَعُميَانا وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَب لَنَا مِن أَزوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعيُنٍ وَاجعَلنَا لِلمُتَّقِينَ إِمَاما﴾ (١) .
تاسعًا ـ تنويع الأساليب الإعلامية: وهو ـ في الواقع ـ مقتضى تطبيق مبدأي، الحكمة، والموعظة الحسنة.
والحديث عن تنوع الأساليب القرآنية بالذات حديث واسع، فالقرآن بأساليبه الرائعة استطاع أن يصوغ أمة هي في طليعة البشر من شراذم متخلفة، كانت تتعثر خلف المسيرة البشرية ... ، ويكفي هنا أن نشير ـ مثلًا ـ إلى روعة الاستفادة من أسلوب الجمل المعترضة أو العبارات المعترضة في الحديث لتحقيق الهدف المطلوب، وتبدو لنا هذه الروعة إذا تأملنا كلمة "سبحانه" في الآية القرآنية الشريفة: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ﴾ (٢) .
والحديث هنا كما قلنا واسع الأبعاد.
стр. 11599
عاشرًا ـ العالمية في الاهتمام: وذلك انطلاقًا من عالمية الإسلام نفسه، وسعيه لحل المشكلات الإنسانية جمعاء، ومن هنا فإن أي دراسة أو اهتمام محلي يجب أن يتم في هذا الإطار العالمي العام، وعلى هذا الضوء يجب أن يهتم الإعلام الإسلامي بقضايا المظلومين والمحرومين والمستضعفين، ويتفاعل معها بكل حرارة، في حين يقف أمام كل حركة استكبارية يقوم بها الطغاة المجرمون.
حادي عشر ـ رصد التحركات التآمرية للشياطين على وجود الأمة الإسلامية، والعمل على توعية الأمة بها بشكل دائم. إنها إذن المرابطة الدائمة في هذا المجال، والمرابطة عمل جهادي يندب القرآن الأمة إليه، وإنه الحذر الدائم: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ﴾ (١) .
وهي مهمة جسيمة يجب أن ينهض بها الإعلام الإسلامي.
ثاني عشر ـ التأكيد على النقاط المشتركة الجامعة، ومن ثم الاتجاه لحل الخلافات في النقاط المختلف عليها، وهذا أحد أساليب الحكمة في الدعوة.
﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ (٢) .
وأخيرًا؛ فإن ما أشرنا إليه من خصائص لا يستوعب حتى الجزء الأكبر من الخصائص الإعلامية للمعجزة الإسلامية الإعلامية (القرآن الكريم) وإنما ذكرنا ما يفتح الأبواب أمام دراسة موسعة في هذا المجال.
стр. 11600
الفصل الرابع
التشكيك في أهم مصدرين
للتصور والأحكام الإسلامية
والمقصود بهما القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة فهما في الواقع مصدرا الشريعة والمنبعان الرئيسان لكل التصورات والمفاهيم والأحكام الإسلامية.
وإن الإسلام ليفتخر بهذه الميزة وهي أنه وضع لكل الأجيال إلى يوم القيامة هذين المنبعين الأصيلين الخالدين.
والإنسان الطبيعي يستطيع أن يدرك بأقل تأمل فيهما هذه الصفة (صفة المنبعية) التامة فلا يحتاج للاستدلال بهما إلى دليل للحجية ولا للعمل بظواهرهما إلى مستند برهاني كبير , وإنما هو ينطلق من المسلمات العرفية لدى المسلمين بل لدى العقلاء جميعًا.
إلا أن هناك أمرين أوجدا بعض العقبات في الاستدلال بهذين المنبعين الكريمين الأمر الذي قد يترك أكبر الآثار السلبية ويخلق الفراغ الفكري الهائل الذي ينفذ منه الفكر الغريب المعادي.
стр. 11601
وسوف نبحث هذه العقبات في مرحلتين:
القرآن الكريم والشبه المثارة حول الاستدلال به:
والقرآن الكريم هو خصوص ما بين الدفتين دونما زيادة أو نقيصة ولقد أُحصيت آياته فبلغت (ستة آلاف وثلاثمائة واثنين وأربعين آية) (١) .
"والحديث حول حجيته موقوف على تمام مقدمتين أولاهما ثبوت تواتره الموجب للقطع بصدوره، وهذا ما لا يشك فيه مسلم امتحن الله قلبه للإيمان، والثانية ثبوت نسبته لله وعقيدة المسلمين قائمة على ذلك وحسبهم حجة ثبوت إعجازه بأسلوبه ومضامينه وتحديه لبلغاء عصره ونكولهم عن مجارته , وإخباره بالمغيبات التي ثبت بعد ذلك صدقها ومطابقتها لما أخبر به كما ورد في سورة الروم وغيرها وارتفاعه عن مستوى عصره بدقة تشريعاته إلى ما هناك مما يوجب القطع بسموه عن قابليات البشر مهما كان لهم من الشأن".
الحكمة في وجود المتشابه في القرآن الكريم:
يصرح القرآن الكريم في الآية السابعة من سورة آل عمران بوجود آيات محكمات هن أم الكتاب، وآخر متشابهات فيقول تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آَيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آَمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (٢) .
وقد اختلف المفسرون في المراد من المحكم والمتشابه، وترددت نظرياتهم بين كون التشابه قائمًا على أساس علاقة اللفظ بالمعنى ومدى دلالته وظهوره فيه وكونه أي التشابه في مجال تطبيق المعنى المفهوم على مصاديقه وتجسيداته الخارجية. فالمتشابه: هو ما حصل تردد في دلالته على المعنى المراد ـ على رأي ـ أو ما حصل معه التردد في أفراد المعنى الذي يدل عليه، والمحكم ما يقابله.
ولسنا نريد هنا الدخول في مجال عرض الاتجاهات الرئيسة في هذا المجال وترجيح أحدها على الآخر.
وإنما نقصد أن نعرض إلى مسوغات احتواء القرآن الكريم على آيات وألفاظ متشابهة يحصل التردد في فهم تطبيقاته , وهل يتنافى ذلك مع كونه كتاب الهداية العامة للبشرية؟
وسنحاول فيما يلي التعرض إلى ما قيل في هذا المجال وتوضيحه أولًا ثم نحاول التعقيب على ما ذكر إما بالرد أو بالتكميل.
стр. 11602
الآراء في هذا المجال:
نستطيع أن نحصر أهم ما قيل في توضيح الحكمة من مجيء كل الآيات المتشابهة أو بعضها وذلك في نقاط كما يلي:
١ ـ الامتحان والتربية على الاستسلام والخضوع:
فقد ذكر الشيخ محمد عبده: "إن الله سبحانه أنزل المتشابه ليمتحن قلوبنا في التصديق به فإنه لو كان كل ما ورد في الكتاب واضحًا لا شبهة فيه عند أحد من الأذكياء ولا من البلداء لما كان في الإيمان به شيء من معنى الخضوع لما أنزل الله تعالى والتسليم لما جاءت به رسله" (١) .
ويؤكد هذا بالالتفات إلى ما قالته الآية: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آَمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ في حين ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾ (٢) .
وقد أكد هذا الرأي صاحب (مناهل العرفان) فقال في مجال تعداد حكم بعض أنواع المتشابه: "ثانيتهما الابتلاء والاختبار أيؤمن البشر بالغيب ثقة بخبر الصادق أم لا؟ فالذين اهتدوا يقولون: آمنا , وإن لم يعرفوا على التعيين , والذين في قلوبهم زيغ يكفرون به وهو الحق من ربهم، ويتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة والخروج من الدين جملة" (٣) .
ونقل السيوطي عن بعضهم أنه ذكر فوائد للمتشابه الذي استأثر الله بعلمه ومنها: "ابتلاء العباد بالوقوف عنده والتوقف فيه والتفويض والتسليم ... " (٤) .
ثم قال: "ورابعتها إقامة دليل على عجز الإنسان وجهالته مهما عظم استعداده وغزر علمه، وإقامة شاهد على قدرةالله الخارقة، وأنه وحده هو الذي أحاط بكل شيء علما وأن الخلق جميعًا لا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء، وهناك يخضع العبد ويخشع ويطأ من كبريائه ويخضع" (٥) .
ومما لا ريب فيه أن الامتحان والابتلاء يشكل نوعًا أساسًا من أنواع تربية الإنسان المسلم على أن يتحلى بالصفات التي يريد الله أن تتقوم شخصيته بها , وأهم هذه الصفات بل الملكات المتأصلة صفة التعبد والاستسلام لله تعالى في كل شيء يثبت أنه منه تعالى عرف الحكمة فيه أم لم يعرف، وقد وضع الإسلام لغرس هذه الملكة في أعماق المسلم برنامجًا واسعًا وأساليب مختلفة يمكن أن يذكر منها ما نحن بصدده، كما يمكن أن يذكر منها أسلوب عرض قصص المستسلمين الأطهار (كإبراهيم وإسماعيل) وكذلك القصص التي تحكي الإلهية الواسعة التي هي فوق ما يتصوره الإنسان الحبيس في سجن ضعفه وإمكانه حتى لو كان ذلك الإنسان موسى (ع) .
ومنها نظام العبادات.. إلى غير ذلك مما ليس هناك محل ذكره.
وعليه فيقف الممتحن أمام هذه الآيات المتشابهة موقفين تبعًا لمسبقاته وتصوراته واستسلامه فإما الاغترار واتباع الرأي ابتغاء الفتنة وإما الاستسلام لله تعالى وإرجاع الأمر إليه.
стр. 11603
٢ ـ الدفع نحو التعمق والتوسع الفكري:
وقد ذكر عبده أيضًا أن وجود المتشابه "كان حافزا للعقل المؤمن إلى النظر كي لا يضعف فيموت فإن السهل الجلي جدًّا لا عمل للعقل فيه، والعقل أعز القوى الإنسانية التي يجب تربيتها، والدين أعز شيء على الإنسان فإذا لم يجد العقل مجالًا للبحث في الدين يموت عامل العقل فيه، وإذا مات فيه لا يكون حيًّا بغيره" (١) .
وذكر العلامة الطبرسي ذلك باختصار حيث قال: "فإن قيل لم أنزل الله تعالى القرآن المتشابه؟ وهلا جعله محكمًا؟ فالجواب: أنه لو جعل جميعه محكمًا لاتكل الناس كلهم على الخبر واستغنوا عن النظر...." (٢) .
كما أن الفخر الرازي ذكر ما يقرب من هذا المعنى حيث قال في هذا الصدد: "باشتمال القرآن على المحكم والمتشابه، يضطر الناظر فيه إلى تحصيل علوم كثيرة مثل اللغة والنحو وأصول الفقه مما يعينه على النظر والاستدلال" ثم يقول:"باشتمال القرآن على المحكم والمتشابه يضطر الناظر فيه إلى الاستعانة بالأدلة العقلية فيتخلص من ظلمة التقليد، وفي ذلك تنويه بشأن العقل والتعويل عليه، ولو كان كله محكمًا لما احتاج إلى الدلائل العقلية، ولظل العقل مهملا.." وأخذ هذا المعنى الشيخ صبحي الصالح فقال: "لعل اشتمال القرآن على المتشابه وعدم اقتصاره على المحكم وحده، أن يكون حافزًا للمؤمنين على الاشتغال بالعلوم الكثيرة التي تقودهم على فهم الآيات المتشابهات فيتخلصون من ظلمة التقليد، ويقرأون القرآن متدبرين خاشعين" (٣) .
ولربما عبر عن هذا المعنى بلسان آخر وهو حصول الثواب بإعمال النظر في القرآن الكريم وهو ما قاله المرحوم الطبرسي من أنه: "لولا وجود المتشابه لكان لا يحصل لهم ثواب النظر واتعاب الخواطر في استنباط المعاني" (٤) .
стр. 11604
وقال الفخر الرازي أيضا: "متى كانت المتشابهات موجودة كان الوصول إلى الحق أصعب وأشق، وزيادة المشقة توجب مزيد الثواب".
كما أنه قد يعبر عنه بلسان آخر هو: "لسان ظهور التفاضل وتفاوت الدرجات العلمية".
وهذا ما جاء في المجمع حيث يقول: "ولكان لا يتبين فضل العلماء على غيرهم" (١) .
ونقل السيوطي عن بعضهم قوله: "ومنها ظهور التفاضل وتفاوت الدرجات، إذ لو كان كله محكمًا لا يحتاج إلى تأويل ونظر لاستوت منازل الخلق ولم يظهر فضل العالم على غيره" (٢) .
ويرى السيد الحكيم: "أن نوعا من المتشابه وهو الذي لا يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم إنما ورد في القرآن الكريم بهذا الأسلوب كبعض المسائل الكونية وغيرها لينطلق في تدبر حقيقتها واكتشاف ظلماتها المجهولة" (٣) .
هذا ومما لا ريب فيه أن القرآن الكريم أوجد بنزوله مرحلة فكرية جديدة ونقل المجتمع من حضيض التفكير الجامد الضيق إلى سمو فكري متفتح ونضج بلغ في مراحله التالية إلى مستوى فلسفي لاتصله أية فلسفة ومستوى علمي جوال قاد العالم خلال قرون ومستويات فكرية تشريعية وأخلاقية ما رأى الكون لها مثيلًا.
يقول الدكتور محمد يوسف موسى: "إن القرآن كان من أهم العوامل التي دفعت المسلمين إلى التفلسف ثم بيان ما اشتمل عليه من فلسفة، سواء ما يتعلق منها بالإنسان، وما يتعلق بالله وصلته جل وعلا بالإنسان، ومن الحق أن القرآن قبل كل شيء هو كتاب العقيدة الحقة، والشريعة الصالحة لكل زمان ومكان , والأخلاق التي لا يقوم مجمع سليم إلا بها" (٤) .
ويقول السيد الأستاذ الخوئي: "لأنه الكتاب الذي يضمن إصلاح البشر ويتكفل بسعادتهم وإسعادهم، والقرآن مرجع اللغوي ودليل النحوي، وحجة الفقيه، ومثل الأديب، وضالة الحكيم، ومرشد الواعظ، وهدف الخلقي، وعنه تؤخذ علوم الاجتماع والسياسة المدنية وعليه تؤسس علوم الدين، ومن إرشاداته تكتشف أسرار الكون ونواميس التكوين".. (٥) .
ويقول الأستاذ المطهري: "إن الفلاسفة المسلمين استطاعوا بإلهام من القرآن الكريم وكلمات الرسول الأكرم ﷺ والأئمة الأطهار (ع) أن يوجدوا مدرسة فلسفية تعتمد الاستدلال المنطقي المتقن" (٦) .
ولعل من أهم الدوافع نحو الفلسفة بالخصوص والتوسع الفكري على العموم وجود هذه الآيات المتشابهة على اختلاف أصعدتها الفلسفية والعلمية والاجتماعية والتي تدفع المسلم المتأمل في القرآن بحكم تطلعه إلى فهم معناها، تدفعه لذلك التوسع.
стр. 11605
٣ ـ تقريب الأمور العميقة إلى الأفهام:
ويتوضح ملخص ما ذكره العلامة الطباطبائي في هذه الحكمة بمتابعة الخطوات التالية:
أولًا: إن الارتباط بالله تعالى والمعاد وما إلى ذلك من تفصيلات العالم الغيبي أمر ضروري للإنسان بل هو روح التصور الإسلامي عن الواقع.. وهذا يستدعي أن يعرف المسلمون القدر الضروري عن نوعية هذه العلاقة.
ثانيًا: إن الإنسان حبيس ضعفه وتصوراته الخاصة الحسية والعقلية التي توفرت له خلال حياته.. ومختلف مراتب الناس على ضوء كمية التصورات التي لديهم.
ثالثًا: وعلى ضوء مما سبق ولأجل الكشف عن القدر الضروري لنوعية العلاقات الآنفة لجميع الإنسانية فقد اتبع القرآن أسلوب التمثيل والتشبيه ليقرب تلك المعاني العالية إلى الإذهان فيقرب الأمر المعنوي المجرد إلى الأذهان المختلفة عبر ذلك التمثيل بحقائق حسية.
رابعًا: إلا أن من الواضح أن الممثل قد لا يتوافق مع الممثل به في مختلف الجوانب والخصائص خصوصًا وهما من عالمين مختلفي القوانين والأحكام (عالم المجردات وعالم الماديات)
وعدم التوافق هذا قد يجر إلى محذورين يخالفان الغرض الأساس لهذا التمثيل وهو الهداية القرآنية:
(أ) نقل الخصائص الحسية للممثل به إلى الممثل وهذا يعني تغير الحقيقة وانقلاب الغرض.
(ب) وقد يلتفت الإنسان إلى الفرق بين الممثل والممثل به فيبدأ بعملية تجريد الممثل به من الخصوصيات مما قد يؤثر في تشويه الصورة المطلوبة إعطاؤها إما بزيادة أو نقصان.
خامسًا: وتخلصًا من هذه المحاذير يلجأ القرآن إلى توزيع المعاني التي يريد إعطاءها إلى أمثال مختلفة وإعطاءها صيغًا مختلفة حتى يفسر بعضها بعضًا وينتهي الأمر إلى تصفية عامة تنتج ما يلي:
(أ) إدراك القارئ للقرآن أن هذه الصور هي مجرد أمثال لا تعبر عن كل الحقيقة ولا تكسب الواقع العيني كل خصائصها.
(ب) بجمع هذه الأمثال إلى بعضها ينفي بكل واحد منها الخصوصيات الحسية الموجودة في المثال الآخر.
وبذلك تتحقق الهداية القرآنية العامة ويتخلص من نقائص هذا الأسلوب الذي لا مفر منه (١) .
стр. 11606
وقد عبر ابن اللبان في كتابه "رد الآيات المتشابهات إلى الآيات المحكمات" عن رأي أخص من هذا فقال بتلخيص من صاحب المناهل: "ليس في الوجود فاعل إلا الله، وأفعال العباد منسوبة الوجود إليه تعالى بلا شريك ولا معين فهي في الحقيقة فعله وله بها عليهم الحجة لا يسأل عما يفعل وهم يسألون".
ومن المعلوم أن أفعال العباد لا بد فيها من توسط الجوارح مع أنها منسوبة إليه تعالى وبذلك يعلم أن لصفاته تعالى في تجلياتها مظهرين: مظهرًا عباديًّا منسوبًا لعباده وهو الصور والجوارح الجثمانية، ومظهرًا حقيقيًّا منسوبًا إليه، وقد أجرى عليه أسماء المظاهر العبادية المنسوبة لعباده على سبيل التقريب لإفهامهم والتأنيس لقلوبهم , ولقد نبه تعالى على قسمين، وأنه منزه عن الجوارح في الحالين، فنبه على الأول بقوله: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ﴾ (١) .
فهذا يفيد أن كل ما يظهر على أيدي العباد فهو منسوب إليه تعالى، ونبه على الثاني بقوله فيما أخبر عنه نبيه ﷺ في صحيح مسلم ((ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها)) وقد حقق الله ذلك لنبيه بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ (٢) . وبقوله: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ (٣) وبهذا يفهم ما جاء من الجوارح منسوبًا إليه تعالى فلا يفهم من نسبته إليه تشبيه ولا تجسيم، ولكن الغرض من ذلك التقريب للأفهام والتأنيس للقلوب ... " (٤) .
стр. 11607
٤ ـ إعطاء الكل والتركيز على البعض:
ذكر الفخر الرازي رأيًّا يقرب من الرأي السابق فقال: إن القرآن يشتمل على دعوة الخواص والعوام، وطبائع العوام تنبو في أكثر الأمور عن إدراك الحقائق , فمن سمع من العوام في أول الأمر إثبات موجود ليس بجسم ولا متحيز ولا مشار إليه ظن أن هذا عدم ونفي محض، فيقع في التعطيل , فكان الأصلح أن يخاطبوا بألفاظ دالة على بعض ما يناسب ما تخيلوه وما توهموه، ويكون ذلك مخلوطًا بما يدل على الحق الصريح.
فالقسم الأول: وهو الذي يخاطبون به في أول الأمر من باب المتشابه.
والقسم الثاني: "وهو الذي يكشف عن الحق الصريح هو المحكم".
وعبر عنه الشيخ عبده بتعبير آخر فقال:
"إن الأنبياء بعثوا إلى جميع الأصناف من عامة الناس وخاصتهم وفيهم العالم والجاهل والذكي والبليد، وهناك من المعاني ما لا يمكن التعبير عنه بعبارة تكشف عن حقيقته وتشرح كنهه بحيث يفهمه الجميع على السواء، وإنما يفهمه الخاصة منهم عن طريق الكناية والتعريض ويؤمر العامة بتفويض الأمر فيه إلى الله تعالى والوقوف عند حد المحكم فيكون لكل نصيبه على قدر استعداده" (١) .
ويعلق السيد الحكيم على هذا النص بعد رد إشكال العلامة عليه فيقول: "إذا عرفنا دور المحكم والمتشابه أمكننا أن نتصور بسهولة أن بعض المعاني لا يدركها إلا الراسخون في العلم دون العامة خصوصًا المعاني التي ترتبط ببعض المعلومات الكونية الطبيعية كجريان الشمس ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ أو تلقيح الرياح ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾ أو جعل الماء مصدرًا للحياة ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ فإن كل هذه المعلومات حين تتكشف لدى العلماء تكون من المعلومات التي أشار إليها القرآن الكريم ويعرفها الخاصة دون غيرهم" (٢) .
ومما يؤكده أن الراغب الأصفهاني في مفرداته ذكر أن من المتشابه ما "يجوز يختص بمعرفة حقيقته بعض الراسخين في العلم ويخفي على من دونهم وهو الضرب المشار إليه بقوله ﵊ في علي ﵁: ((اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل)) " (٣) .
فتكون بعض الآيات متوجهة إلى القادة الفكريين بالخصوص على أساس أنهم سيعرفون الواقع المراد بالتفصيل للأمة ككل.
ولعله إلى مثل هذا الرأي يشير الزرقاني فيقول: في مجال تعدد الحكم من "وجود المتشابه".
"أولاهما: رحمة الله بهذا الإنسان الذي لا يطيق معرفة كل شيء، وإذا كان الجبل حين تجلى له ربه جعله دكًّا وخر موسى صعقًا فكيف لو تجلى سبحانه بذاته وحقائق صفاته للإنسان؟ ومن هذا القبيل أخفى الله على الناس معرفة الساعة رحمة بهم كي لا يتكاسلوا ويقعدوا عن الاستعداد لها، وكي لا يفتك بهم الخوف والهلع أو أدركوا بالتحديد شدة قربها منهم ولمثل هذا حجب الله عن العباد معرفة آجالهم، ليعيشوا في بحبوحة أعمارهم" (٤) .
وواضح أن هذا النص غير دقيق في تعبيره وإلا فلا معنى لتصور إمكان تجلي الله تعالى بذاته وحقائق صفاته وإنما يقصد أن النفس والتصور الإنساني يكلّ غالبًا عن تصور أقصى ما يمكن تصوره في الساحة الآلهية.
كما أن من الواضح أنه يجمع إلى صف هذه الحكمة (حكمة إعطاء الناس على قدر إمكاناتهم) حكمة بث الأمن والأمل بإخفاء بعض الأمور عنهم جامعًا الحكمتين تحت عنوان رحمة الله بالإنسانية.
стр. 11608
٥ ـ تحقيق بعض جوانب الإعجاز:
فإن في هذا التشابه بعض ضروب الإعجاز ففيه الإعجاز البلاغي حيث يقول الزرقاني:
"لأن كل ما استتبع فيه شيئًا من الخفاء المؤدي إلى التشابه، له مدخل عظيم في بلاغته وبلوغه الطرف الأعلى في البيان، ولو أخذنا في شرح هذا لضاق بنا المقام، وخرجنا جملة من هذا الميدان، إلى ميدان علوم البلاغة وما حوت من خواطر وأسرار، للإيجاز والإطناب والمساواة ... " (١) .
وفيه الإعجاز العلمي حيث تنكشف على الزمن حقيقة ما رمى إليه القرآن من الآيات التي تشكل نوعًا متشابهًا لدى من لم يكونوا مطلعين على حقيقتها في حين يكشف العلم عن الواقع بعد قرون مما يؤكد النسب السماوي للقرآن.
وكذا يمكن إدخال بعض الآيات المخبرة بالغيب، وإن كان ذلك يحوي نوعًا من الأشكال.
стр. 11609
٦ ـ القرآن دستور يحوي بعض الإجمال ولا يمكن التفصيل فيه:
ويقصد بهذا أن يقال: إن القرآن لو أراد أن يبين كل جوانب الحقيقة ويعين المصاديق الصحيحة وينفي الباطل منها لكان ذلك يستدعي مجلدات ضخمة ولم يكن من الممكن إنزاله على ذلك النمط.
ويتضح هذا عند ملاحظة قصر فترة حياة الرسول ﷺ وانشغاله بالمشاكل الهائلة، وعدم قدرة المسلمين على استيعاب تلك المجلدات الضخمة، وحفظها من الضياع وأمثاله.
ولهذا يشير الزرقاني ـ بنوع من الإجمال ـ فيقول:
"ثانيتها: تيسير حفظ القرآن والمحافظة عليه؛ لأن كل ما احتواه من تلك الوجوه المستلزمة للخفاء دال على معانٍ كثيرة زائدة على ما يستفاد من أصل الكلام لو عبر عن هذه المعاني الثانوية الكثيرة بألفاظ، لخرج القرآن في مجلدات واسعة ضخمة، يتعذر معها حفظه والمحافظة عليه: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ (١) .
٧ ـ التعبير العام الذي لا ينفر المذاهب عنه:
ويقول الفخرالرازي في تقريب هذا الوجه إنه "لو كان آي القرآن كله محكمًا بالكلية، لما كان مطابقًا إلا لمذهب واحد، وكان بصريحه مبطلًا لجميع المذاهب المخالفة وذلك منفر لأرباب المذاهب الأخرى عن النظر فيه، أما وجود المتشابه والمحكم فيطمع فيه كل مذهب أن يجد فيه كل ما يؤيد مذهبه، فيضطر إلى النظر فيه، وقد يتخلص المبطل من باطله إذا أمعن فيه النظر فيصل إلى الحق".
стр. 11610
ملاحظات حول الوجوه السابقة:
الملاحظة الأولى:
هي أنه يلزمنا أن نلحظ هذه الوجوه كلها أو أكثرها ـ لو تمت في نفسها ـ ونعتبرها ردًّا على سؤال: لم ورد المتشابه في القرآن الكريم؟
وذلك لأن البعض منها إنما يصح في بعض الآيات المتشابهة دون غيرها، وقد التفت إلى هذه النقطة بعض الباحثين.
الملاحظة الثانية:
إن بعض الوجوه السابقة لا يمكن المساعدة عليه، وخصوصًا الوجه الأخير، فإن القرآن هو الفارق بين الحق والباطل وهو المقياس الحق ولا يمكن لهذا المقياس أن يكون عامًا مضللًا يُمَكّن كلًّا من تصحيح مذهبه والتمسك به ضد الآخرين.
وكذا بالنسبة للوجه الخامس في قسمه البلاغي، فإن البلاغة تركز أول ما تركز على إيصال المعنى بالدقة وبإطار لفظي جميل إلى السامع، أما الإبهام والتشابه فقد يتنافى والغرض البلاغي اللهم إلا إذا كان هناك غرض آخر يستدعيه.. فلا يمكن أن يكون التشابه معللًا بأنه ضرب من ضروب البلاغة أو ناتج لها.
الملاحظة الثالثة:
إن أكثر ما ورد من وجوه قد تعتبر تسويغات لما وقع ولذا فإن روح المسألة تتركز في الحكم الثلاث (الثالثة، والرابعة، والسادسة) والتي يمكن جمعها تحت عنوان: "عدم إمكان خلو القرآن من المتشابه" وذلك بعد ملاحظة دور القرآن كموضح لأعمق الحقائق، وكدستور عام، وكهادٍ يمنح كلًّا بمقدار ما يستطيع تقبله.
هذا هو روح الجواب وما ذكره من وجوه أخرى فهي ترتبط به وتدور حوله.
الملاحظة الرابعة:
إن أهم إشكال يمكن أن يورد على وجود المتشابه يلخص في تعبيرين:
الأول: أن القرآن الكريم هدى، ونور، وذكر، وفرقان، وحكيم، وما شابه ذلك في حين أن التشابه لا ينسجم مع هذه الصفات؛ لأنه يوقع الإنسان في حيرة من معرفة الحقيقة وربما كان بعض ما فيه لا يمكن معرفته مطلقًا.
الثاني: ما ذكره الفخر الرازي من أن وجود المتشابه في القرآن كان سببًا لاختلاف المذاهب والآراء وتمسك كل واحد منها بشيء من القرآن بالشكل الذي ينسجم مع مذهبهم ونضيف على هذا فنقول:
إن بعض الآيات التي يشير إليها المستشكلون قد تُجعل ـ بل جُعِلت ـ ذريعة للتمسك بعقائد تتناقض تمام التناقض مع العقيدة الإلهية بل تقضي عليها من الأساس وهذا يعني نقض الغرض الذي جاءت من أجله الرسالة.. وهذا من مثل عقيدة التجسيم الذي يساوق تقديم صورة هزيلة عن الله تعالى مما ينتهي إلى إنكاره في الواقع وكذا من مثل عقيدة الجبر التي تنفي المسؤولية الأخلاقية وتوجد مشاكل كبرى، وعقيدة نفي العصمة عن الأنبياء التي تنتهي إلى التشكيك في أقوالهم وغير ذلك.
وعليه فإن هذا الإشكال ـ بهذين التعبيرين ـ لا يمكن أن يدفع بهذه الوجوه التي مهما تصاعدت قيمتها فإنها قد لا تعادل هذا الخسران الأساس الكبير الذي يجر الأمة إلى الضياع والتمزق ويقضي على العقيدة ويفقد القرآن ـ والعياذ بالله ـ صفته الهادية، أو أن يقال بتعادل الربح والخسران.
стр. 11611
وهذا يدعونا لأن نتطلب وجود ما يعصم الأمة عن التفرق والتمزق والعقيدة من الانقلاب على أهدافها فما هو هذا المرجع الذي يجب الرجوع إليه؟
ما يبدو من الآية والروايات الشريفة أمران هما:
(أ) الآيات المحكمات:
ويفهم الإرجاع إليها من جعلها أمًّا للكتاب، والأمية لا ريب تعني المرجعية فهي التي تنفي إدخال صور باطلة في تصور الإنسان عن الآية أو إدخال مصاديق باطلة للمفهوم منها، ويحتاج هذا إلى رسوخ علمي في نفسه.. ويبقى مجال كبيرة للتشابه خصوصًا لأولئك الذين في قلوبهم مرض ليغروا به الآخرين.
(ب) الراسخون في العلم:
وهم المرجع الثاني والأكثر عمومية لحل التشابه، فهم الذين يفسرون الدستور الإلهي، ويعطون تفصيلاته ولهم يرجع في الفصل بين الحق والباطل، فهم محور وحدة الأمة وملجأ العلم ومنتهى السبل. ولكن من هم هؤلاء الراسخون في العلم؟ إن الروايات المتواترة معنى عن النبي ﷺ لتركز بصورة عامة على مرجعية النبي ﷺ وأهل البيت للأمة في كل ما يبدو لها من غموض في كل شيء ومن جوانب الغموض هذا التشابه الذي يلاحظ في بعض الآيات القرآنية وأهم هذه الأحاديث حديث الثقلين الذي سلمت به الفرق الإسلامية.
والذي أكد اقتران العترة بالكتاب ولزوم التمسك بهما معًا وأن الرجوع إليهما معًا عاصم من الضلال , وأنهما لن يفترقا إلى يوم القيامة , وهكذا الأحاديث النبوية المختلفة في علم الإمام (ع) مثل حديث ((أنا مدينة العلم وعلي بابها)) ولقد أكد أهل البيت على مرجعيتهم في كل الأمور , فهذا نهج البلاغة يصفهم بأنهم: موضع سر النبي، وملجأ أمره، وأنهم أساس الدين وعماد اليقين إليهم يفيء الغالي، وبهم يلحق التالي، وهم أزمّة الحق، وأعلام الدين، وألسنة الصدق، وهم كمثل نجوم السماء إذا خوى نجم طلع نجم، وهم شجرة النبوة ومحط الرسالة، ومختلف الملائكة، ومعادن العلم، وينابيع الحكم وعندهم أبواب الحكم وضياء الأمر، وإن نطقوا صدقوا، وإن صمتوا لم يسبقوا، وهم عيش العلم وموت الجهل وإن بهم عاد الحق إلى نصابه، وانزاح الباطل عن مقامه (١) .
ويقول الإمام في نص رائع يعين المرجع في الشبهة "فلا تنفروا من الحق نفار الصحيح من الأجرب، والباري من ذي السقم، واعملوا أنكم لن تعرفوا الرشد حتى تعرفوا الذي تركه، ولن تأخذوا بميثاق الكتاب حتى تعرفوا الذي نقضه، ولن تمسكوا به حتى تعرفوا الذي نبذه , فالتمسوا ذلك من عند أهله فإنهم عيش العلم وموت الجهل. هم الذين يخبركم حكمهم عن علمهم وصمتهم عن منطقهم وظاهرهم عن باطنهم , لا يخالفون الدين ولا يختلفون فيه، فهو بينهم شاهد صادق، وصامت ناطق" (٢) .
стр. 11612
منابع التشكيك في الحجية:
حجية الظواهر القرآنية من الأمور المسلمة رغم ما حدث من تشكيك ويمكننا أن نحصر هذه المنابع في أمرين طرحهما بعض الجامدين أو الموتورين وربما تبعهم آخرون وهما:
أولا: ما نسب إلى بعض الإخباريين من دعوى التوقف عن العمل بظاهر القرآن لأحد أمرين:
الأول: حصول علم إجمالي بطرق مخصصات من السنة وهذا العلم الإجمالي منجز لمتعلقه ومانع من جريان الأصول في أطرافه وحتى لو جرت هذه الأصول لتعارضت وسقطت عن الحجية وهكذا يسري الإجمال لكل الظواهر ويتم التوقف عن العمل.
إلا أن جوابه واضح تمامًا ذلك أن هذا العلم الإجمالي ـ بعد الفحص والعثور على المخصصات ـ ينحل إلى علم تفصيلي بالعمومات المخصصة والمطلقات المقيدة، وشبهات ابتدائية في غير هذه الموارد تجري فيها الأصول.
الثاني: ما ورد من الأحاديث الناهية عن تفسير القرآن بالرأي إلا أن الواضح أن العمل بالظاهر ليس تفسيرًا بالرأي، فالتفسير إنما هو للأمور الغامضة لا الظاهرة.
стр. 11613
ثانيًا: ما ذكر من شبهة التحريف بالنقيصة في بعض آياته الأمر الذي لا يفسح المجال للعمل بالظواهر القرآنية لاحتمال فقدان القرائن.
ومنبع هذه الشبهة بعض الروايات التي ربما يستدل بها لهذا الغرض وهي واردة في مختلف كتب الحديث السنية والشيعية.
إلا أن المسلمين عموما من كلا الفريقين لم يرتضوا مطلقًا هذا الاستدلال استنادًا للأدلة القاطعة الحاكمة بعدم تحريف القرآن في طليعتها الآيات القرآنية الدالة على حفظ القرآن من أي باطل.
وقد ذكر المحقق الكركي وهو من أكابر علماء الإمامية: " أن ما دل على الروايات على النقيصة لا بد من تأويلها أو طرحها فإن الحديث إذا جاء على خلاف الدليل من الكتاب والسنة المتواترة، والإجماع، ولم يمكن تأويله ولا حمله على بعض الوجوه وجب طرحه ".
وعلق السيد الخوئي على هذا بقوله: (١) .
"أشار المحقق الكركي بكلامه هذا إلى ما أشرنا إليه سابقًا، من أن الروايات المتواترة قد دلت على أن الروايات إذا خالفت القرآن لا بد من طرحها فمن تلك الروايات إذا خالفت القرآن لا بد من طرحها فمن تلك الروايات ما رواه الشيخ الصدوق محمد بن علي بن الحسين بسنده الصحيح عن الصادق ﵇ (الوقوف عند الشبهة خير من الاقتحام في الهلكة) . إن على كل حق حقيقة وعلى كل صواب نورًا، فما وافق كتاب الله فخذوه وما خالف كتاب الله فدعوه" (٢) .
وهكذا تندفع هذه الشبهة بعد حصول الإجماع الإسلامي على سلامة القرآن من التحريف بالزيادة أو النقصان ولا مجال لما يبدو أحيانًا من التهاتر الرخيص والذي يمهد السبيل لأعداء الإسلام كي يشككوا بالاستدلال بكتاب الله العزيز.
стр. 11614
السنة النبوية ودفع الشبهات عنها:
ربما أمكن القول بأنه لم تواجه أي رسالة أو عقيدة ما واجهه المبدأ الإسلامي من هجوم شرس على مختلف الصعد، وبشتى الأساليب الممكنة خلال تاريخه الطويل. السيف، والعذاب، والتهم، والإشاعات، والتشويه، والتشريد، واللغو والتحريق، والتشكيك في كل شيء.
وكل ذلك أمر توقعه الإسلام وأعد له عدته، ومن ورائه مدد الله وعونه.
وكذلك يجب أن يتوقعه كل عامل لصالح الإسلام وإعادته إلى واقع الحياة اليوم ويعد له عدته، على أساس إن ذلك سنة تاريخية:
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ (١) .
ولعل أخطر ما في الحملات التشكيك بالمنابع الأساس لهذا المبدأ السامي وإضعاف الثقة به. ومن ثم إذابة كل ما يتوقع من خير تضيفه هذه لمنابع لأحكام الصورة الإسلامية الأصيلة، وتعميقها في النفوس، ومنحها أصالتها التي بها تقارع وتقاوم ثم تبني وتتقدم.
ولسنا هنا بصدد عرض تاريخي بقدر ما نحن بسبيل مواجهة فعلية مع المشككين اليوم.
لقد واجه المنبع الرئيس الأول للتصورات والتشريعات الإسلامية (القرآن) سيل التشكيك في نسبه السماوي أولًا، وفي مضامينه ثانيًا، وفي حجية هذه المضامين ودورها وغير ذلك , ولكنه كان أقوى من أي هجوم، وتقهقر التشكيك وصدق وعد الله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ .
ولم نعد نسمع التشكيك في كتاب الله إلا حسيسًا لا قيمة له.
ومن ثم استعرت الحملة ـ وإلى يومك هذا ـ ضد المنبع الرئيس الثاني (وهو السنة النبوية المباركة) لكي تنال منها، ومن قدرتها على إعطاء الصورة الأصيلة عبر الدس أولًا والتشكيك بعد ذلك في مجموع الأحاديث التي تتحدث عن السنة ووصفها بعدم الجدية لوجود الدس والتعارض وأمثال ذلك.
والواقع ـ أيها السادة ـ أن المسألة خطيرة مصيرية يجب أن لا نمر بها مرور الكرام، بل نقف عندها وقفة واع فقيه بالأبعاد الخطيرة لها.
وقد آثرت في هذه الفرصة التعرض للشبه المثارة بشيء من التفصيل بما يسمح لي الوقت راجيًّا أن يكون حديثي هذا منطلقًا للاستيعاب الأكثر لجوانب الموضوع.
стр. 11615
اتباع السنة والعمل بالحديث من الضرورة:
لا أغالي إذا ادعيت أن الضرورة العلمية بين المسلمين قائمة على لزوم اتباع سنة الرسول ﷺ إلى يوم القيامة، بل والعمل بها من خلال مضامين الأحاديث الواصلة إلينا.. ومن هنا فكل تشكيك بذلك إنما هو مجرد شبهة في قبال ضرورة. وقد انصب التشكيك في الواقع على الوعاء الموصل للسنة الشريفة، وهو الخبر وخصوصًا لخبر غير المفيد للعلم ويدعى اصطلاحًا بخبر الواحد. ولكن التأمل في المستندات المطروحة المنبهة على هذه الضرورة ينفي كل تشكيك فالتأمل في الآية الكريمة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ (١) .
وملاحظة مفهومها من عدم لزوم التبين إذا كان المخبر غير فاسق يؤدي إلى حجية قول هذا المخبر.
وكذا التأمل في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ (٢) .
وغير ذلك من الآيات، ولو لم يكن قولهم حجة لم يكن مجال للحذر.
وكذا التأمل في التواتر المعنوي الذي تشع به الروايات الكثيرة وأخيرًا التركيز على السيرة الإسلامية القطعية على العمل بخبر الثقة وإن لم يفد علمًا كل ذلك ينبهنا لهذه الضرورة والبديهة.
стр. 11616
دوافع المشككين:
يمكننا أن نلخص دوافع المشككين على اختلافها بما يلي:
١ ـ فسح المجال للاقتباس الفكري:
ذلك أن السنة إذا كانت محكمة في التشريع والمفاهيم إلى جنب القرآن الكريم أعطتنا صورة كاملة مفصلة عن النظام الكامل الشامل للحياة , وبالتالي لم يكن هناك أي مبرر للتوجه إلى النظم الأخرى لاستجدائها وتطبيقها، أما إذا أقصيت فقد انفتح الباب على مصراعيه، للآراء والأهواء المستوردة من قبل عملاء الغرب والشرق وهذه هي الطامة الكبرى التي ابتلي بها من يسمون بالمثقفين اليوم، وقد واجهت ثورتنا الإسلامية الفتية منهم أشد الضربات وكانوا أعظم الممهدين للعدو.
٢ ـ العجز والضحالة في الفهم:
فقد يؤدي هذا العجز، وقلة الثقافة وعدم التعمق، إلى تبني مثل هذا الرأي لئلا يبتلى بالعواقب، وربما كان للشبهات المثارة دورها في تعميق هذا الاتجاه.
٣ ـ توحيد الموقف:
فقد أغرى حب توحيد الموقف الإسلامي بعضهم للرضوخ لهذا الرأي ظانًّا أنه به يستطيع أن يوحد الموقف بإرجاع الجميع إلى القرآن الكريم وحده ولكنه لا يدري أنه كالمستجير من الرمضاء بالنار، إذ سيمزق الوحدة بشكل فظيع. ويمكننا أن نذكر هنا بعض العوامل الأخرى.
стр. 11617
بعض الشبهات المطروحة وأجوبتها: ونحن هنا نذكر بعض الشبهات المثارة ليقف الإخوة على مدى ضحالتها، ويندفعوا للتعمق في الإجابة عن أمثالها:
أولا: ذكروا أن هناك بعض الروايات التي تتحدث عن الاكتفاء بكتاب الله عن غيره أو تنهى عن كتابة الحديث وأمثال ذلك.
ولكن المرء يكاد يجزم بأن هذه الروايات ـ لو صحت أسانيدها ـ إنما هي بصدد بيان فضل كتاب الله وعظمته، وأن لا وحشة على من كان معه القرآن، فهو خير أنيس للمؤمنين لا أن تكون بصدد جعله المصدر الوحيد للتشريع، كيف والقرآن نفسه يدعو إلى الاقتداء والتأسي والطاعة لرسول الله والأخذ بما يخبر به المخبرون عن الإسلام وسيرة الرسول ﷺ .
أما الروايات التي ادعي فيها أن بعض الصحابة نهوا عن كتابة الحديث فلا علاقة لها بنفي العمل بالروايات وإنما كانت ـ فيما أعتقد ـ تعبر عن تحوط من قبلهم لئلا يقع الخلط بين الحديث والقرآن. وبغض النظر عن صحة هذا التحوط وعدمها فإنها لا دلالة فيها على ما يطلبه المشككون هؤلاء.
ثانيًا: ذكروا أن في الروايات ما هو معارض لغيره من الروايات نفسها ولما لم يكن من الممكن أن تتناقض السنة فيجب التوقف في المجموع.
ومن الواضح سخف هذا الاستدلال ذلك أن الروايات المتعارضة لها مساحة قليلة فإذا أريد التوقف فليكن في هذه الدائرة لا غير.
ثم إنه كثيرًا ما يكون التعارض ابتدائيًّا ـ أي بالنظرة الأولي ـ ولكن بمجرد التأمل ينحل ذلك التعارض بحصول جمع عرفي ظاهر بين التعارضين، أو بتخصيص أو تقييد أو تقدم لأحدهما على الآخر باعتباره قرينة والقرينة مقدمة على ذي القرينة أو باعتباره يرفع الموضوع أو يتصرف في الحكم مثل تقدم حديث ((لا ضرر ولا ضرار)) على غيره من الأحكام الأولية.
نعم إذا استحكم التعارض توقفنا عن العمل بهما معًا.
ويجب أن نلاحظ هنا أن التعارض طبيعي الوقوع فقد يكون في الأصل ناشئًا من عملية تدرج في إعطاء الأحكام، أو من سقوط شيء وغيابه عن الراوي مما يغير المدلول، أو من وجود خبر مدسوس لا نعلم بدسه فنتصوره حجة علينا.
стр. 11618
ثالثًا: راح بعض الأشخاص يتحدث عن روايات تتنافى مع القرآن الكريم، ولكنه لم يستطع أن يذكر إلا بعض الروايات. على أن الكثير مما يذكر كمصداق لذلك يرجع إلى تخصيص أو تقييد لمطلق قرآني وهو أمر واقع بشروطه المذكروة في محلها. نعم إذا رأينا الخبر منافياً تمامًا لمضمون القرآن ضربنا به عرض الجدار ولم يكن إلا زخرفًا.
رابعًا: راح بعض الناس يذكر أن الأحاديث كانت موجهة للمخاطبين بها بالفعل فلا تشمل غير عصرهم من العصور.
وهذه الشبهة هي من أوهى الشبهات؛ ذلك أن المسلم به الواضح في خلد جميع المسلمين والموحى به من تعليمات القرآن أنه ﷺ كان يتحدث لا مع عصره فحسب , بل مع كل العصور، وأن حلاله حلال إلى يوم القيامة، وحرامه حرام إلى يوم القيامة، وأنه أسوة حسنة لكل المؤمنين عبر التاريخ.. مما أوجد لدى المسلمين آنذاك قاعدة الاشتراك، أي اشتراك غيرهم معهم في الأحكام، فمتى ما شك في اختصاصهم هم بحكم، أو حتى اختصاص الرسول بحكم دونهم جاءت قاعدة الاشتراك حاكمة في البين.
خامسًا: وراح هؤلاء يسوقون الأمثلة على تغير المصطلحات عبر الفترات الزمانية فمصطلحات (الوطن) و (الاشتراكية) و (الرعية) وغير ذلك قد تغيرت رأسًا على عقب، ومن هنا فما أدرانا أن ما نفهمه من الروايات هو المقصود الواقعي منها.
ونحن لا نشك في أن بعض ظواهر اللغة والكلام متطورة عبر مؤثرات مختلفة لغوية وفكرية وإشراطات تاريخية معينة، فيختلف المعنى الظاهر في عصر الصدور عن ما يظهر في عصر آخر. والمعول عليه هو الظهور في عصر الصدور لا غيره.
إلا أن هناك أصلًا عقلانيًّا ممضى حتمًا من قبل الشارع المقدس بالإقرار يسمى بـ (أصل عدم النقل) أو كما يسميه العالم الشهيد السيد الصدر بـ (أصالة الثبات في اللغة) يحل المشكلة موضحًا أن العقلاء يبنون على هذا الأصل باعتبار البطء في حدوث أي تغيير في المفهوم من اللفظ مما يجعله في نظرهم أمرًا استثنائيًّا، فمتى ما شككنا في تغير ما بنينا على عدمه فلا مشكلة في البين مطلقًا.
стр. 11619
سادسًا: وذكروا أن هناك الكثير من الروايات المفتراة فكيف نتأكد من الصدور والحال هذه؟
والجواب على هذا واضح بعد الذي قدمناه , إذ أننا بعد التجاوز عما يؤدي إلى العلم بالمضمون من الروايات قلنا: إن الشارع عبدنا بمضمون أخبار الآحاد التي يرويها الثقات , وأكمل كشفها الناقص تعبدًا لا وجدانًا فنحن معذورون إذا عملنا بها وخالفت الواقع وهي منجزة علينا فليس لنا المخالفة فما علينا إذن إلا الفحص والتمحيص الدقيق في السند والمتن والمداليل، ومتى ما انتهى البحث فنحن معذورون أمامه تعالى.
سابعًا: وربما طرح بعضهم شبهة تقول إن تعليمات الرسول خصوصًا في المجال الاجتماعي كانت تقتضي كونه وليًّا للأمر لا مخبرًا عن الشارع المقدس، أو على الأقل يقال بوقوع الخلط بين ما يصدر بصفة الولي وما يصدر بصفة المشرع.
ولكن الواقع هو أنه كانت تصدر منه ﷺ تلك التعليمات باعتباره حاكمًا لها جانب مؤقت ولكن كل تلك التعليمات كانت تحمل معها قرائنها اللفظية والحالية وهي أمور متميزة عند العلماء , ولو من قياس حالها إلى الحالة السارية عمومًا، وهل يشك أحد بأن الأمر بحفر الخندق مثلًا كان أمرًا وقتيًّا متناسبًا مع تلك الحرب بظروفها؟
ثامنًا: وقد طرحت فكرة اجتهاد النبي ﷺ في الأمور الأمر الذي لا يعبر عن تشريع خالد والذي نعتقده أنه ﷺ كان لا يعدو بيان الواقع التشريعي الخالد من خلال وصوله إليه بالوحي أو بيان التعليم الاجتماعي اليومي بصفته ولي الأمر، وفي المجال الثاني هذا كان يتم التشاور والعزم لا في المجال الأول، والفرق بين المجالين واضح للمتأملين، أنه ﷺ كان ملتزمًا تمام الالتزام بعرض الواقع التشريعي قبل كل شيء وعدم إبداء أي رأي من عنده، بل لقد كان ﷺ قد التحم بالوحي والحقيقة فلا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى.
تاسعًا: ولما لم يجدوا ما ذكروه راحوا يركزون على أن خبر الواحد لا يفيد إلا ظنًّا وأن الظن لا يغني من الحق شيئًا غافلين عن أن الأدلة القطعية التي سبقت لحجية خبر الواحد استثنت هذا الظن وأمثاله من عموم النهي عن اتباع الظن وأنزلته منزلة العلم باعتباره السبيل العقلاني الطبيعي للوصول إلى الشريعة، وأنه لا يمكن تكليف الناس جميعًا بتحصيل العلم بكل موارد الإسلام وأحكامه.
فالظن المنهي عنه هو الظن الذي لم يقم على اعتباره دليل قطعي.
عاشرًا: وأخيرًا راح بعض الأشخاص يستعرض بعض الروايات التي ادعى أنها تخالف العقل والعلم ولأجل التقليل من أهمية المجموع الروائي العام، ونحن نسمع كثيرًا عن مخالفة العقل هذه وعند التأمل نجدها تخالف ذوقًا عقلانيًا مثلًا أو ميلًا عامًا دون أن تصل إلى مستوى المخالفة القطعية. نعم لو وصلت إلى هذا الحد ـ وذلك بعيدٌ جدًّا ـ فقدت الوثوق المطلوب. أما قصة مخالفة البحوث العلمية فيجب فيها أن نتذكر التغييرات الكبيرة التي تطرأ على هذه البحوث وعدم قطعيتها وأنها فرضيات متغيرة.
стр. 11620
وخلاصة القول: إن كل ما طرح من شبهات حول الأحاديث والسنة لا يمكنه أن يصمد للنقد والاعتراض.
نقطتان هامتان: وهنا نود أن ننبه إلى نقطتين هامتين في ختام هذا البحث هما:
النقطة الأولى: أننا إذا رفضنا هذا الاتجاه الخطر فإن ذلك لا يعني مطلقًا أن نتجه إلى قبول كل ما يرد عنه ﷺ من دون تمحيص وتحقيق في المتون والأسانيد، بل حتى إننا لا نجيز أن يعتمد العلماء على استنتاجات غيرهم من العلماء في هذا السبيل إلا أن تكون شهادة، كلا وإنما تجب ملاحظة الأسانيد والرواة فردًا فردًا، والتحقق من توفر الوثوق المطلوب، وعدم التنافي الثابت مع القرآن الكريم والسنة المقطوع بها، وإننا لنرى من المناسب أن ننقل نصًّا جاء عن علي (ع) تلميذ رسول الله ﷺ في جواب من سأله عن أحاديث البدع، وعما في أيدي الناس من اختلاف الخبر , فقال: إن في أيدي الناس حقًّا وباطلًا، وصدقًا وكذبًا وناسخًا ومنسوخاً، وعامًّا وخاصًّا، ومحكمًا ومتشابهًا، وحفظًا ووهمًا، ولقد كذب على رسول الله ﷺ على عهده حتى قام خطيبا فقال: ((من كذب علي متعمدًا فليبتوأ مقعده من النار)) وإنما أتاك بالحديث أربعة رجال ليس لهم خامس:
رجل منافق مظهر للإيمان متصنع بالإسلام، لا يتأثم، ولا يتحرج.. فهذا أحد الأربعة.
ورجل سمع من رسول الله شيئًا لم يحفظه على وجهه فوهم فيه ولم يتعمد كذبًا فهو في يديه ويرويه، ويعمل به ويقول أنا سمعته من رسول الله ﷺ فلو علم المسلمون أنه وهم فيه لم يقبلوه منه ولو علم أنه كذلك لرفضه.
ورجل ثالث سمع من رسول الله ﷺ شيئًا يأمر به، ثم إنه نهى عنه وهو لا يعلم، أو سمعه ينهى عن شيء ثم أمر به وهو لا يعلم، فحفظ المنسوخ ولم يحفظ الناسخ , فلو علم أنه منسوخ لرفضه، ولو علم المسلمون إذ سمعوه منه إنه منسوخ لرفضوه.
وآخر رابع لم يكذب على الله ولا على رسوله، مبغض للكذب خوفًا من الله، وتعظيمًا لرسول الله ﵌ ولم يَهِمْ بل حفظ ما سمع على وجهه فجاء به على ما سمعه لم يزد فيه ولم ينقص منه، فهو حفظ الناسخ فعمل به وحفظ المنسوخ فجنب عنه، وعرف الخاص والعام، والمحكم والمتشابه فوضع كل شيء موضعه.. [نهج البلاغة، صبحي الصالح: ص ٣٢٥ ـ ٣٢٧] .
بهذه الدقة يتعرض تلميذ رسول الله ﷺ إلى الرواة في عصره وهو ألصق ما يكون بعصر الرسول فكيف بنا ونحن نعيش هذا الفاصل الزمني البعيد؟ إن الأمر يتطلب ـ لا محالة ـ جهدًا وبذلًا للوسع في هذا المجال. وهذا ما يقودنا إلى التأكيد على النقطة الثانية.
стр. 11621
النقطة الثانية: وهي نقطة هامة جدًّا يجب التركيز عليها وملخصها:
إننا إذ نرفض الشبهات الماضية ونرفض القبول المطلق لكل ما جاء، نمتنع ـ في نفس الوقت ـ عن تسليم السنة ـ حتى الموثوق بها ـ إلى كل فرد مهما كان مستواه، وفسح المجال له ليفهم منها ما يشاء وينسبه إلى الإسلام، فإن هذا المنحى خطر جدًّا وإن كان دعاته اليوم كثر في عالمنا الإسلامي متذرعين بأن الإسلام لكل الناس , فلماذا تحصرونه بأيدي عدة قليلة، خالطين بذلك بين هذا وبين كيفية فهم الواقع الإسلامي واستنباطه من النصوص. مثلهم في هذا مثل من يدعو لتسليم الذرة لكل من يطلبها ليستخدمها كيف يشاء بحجة أنها وجدت لصالح الجميع!
إن ملاحظة ما سبق، وإدراك احتياج فهم الواقع الإسلامي من الكتاب والسنة الشريفة إلى دراسات تخصصية معمقة في المجالات اللغوية والفقهية (أصولًا وفروعًا فقهية) والتفسيرية والرجالية وغيرها لهو مما يمنع بتاتًا من نفي التخصص والخبرة وعدم الركون إليهما.
وإننا لننبه أمثال هؤلاء إلى الآثار الخطيرة التي تنجم عن رأيهم هذا من:
شيوع الفهم القاصر للإسلام، وفقدان العمق والأصالة التي تميزه عن غيره، وفسح المجال للأهواء أن تتلاعب بالمقدرات الإسلامية، وعدم قدرة الصور الناتجة على الصمود أمام الإشكالات والشبهات.
هذا بالإضافة إلى أنه يجعل المذاهب بعد الأفراد فويل للأمة من مثل هذا اليوم الرهيب.. يوم يفتي فيه العسكري، ويدلي فيه هذا الموظف برأيه في الإسلام وذاك الملك وهذا الرئيس وهم لا يمكلون مستوى فهمه واستنباطه.
إننا نسأل هؤلاء:
هل تستطيعون أيها السادة أن ترونا مبدأ فيه بعض ما في الإسلام ولا تخصص فيه؟
إننا نؤكد لزوم الحاجة إلى الأخصائيين الإسلاميين ونسميهم بـ (الفقهاء) ، ولزوم أن يكونوا عدولًا لا يذعنون لهوى نفسي، ولا يركعون أمام ظالم أو طاغوت، ويتجلى هذا اللزوم في الميادين التالية:
(أ) ميدان فهم الأحكام والنظم الإسلامية للحياة الإنسانية، واستنباطها من منابعها الرئيسة.
(ب) مجال القضاء وفصل الخصومات.
(جـ) مجال قيادة الأمة، فلا يمكن تسليمها لجاهل بالإسلام غير إخصائي فيه. إذ الإسلام تجربة حياتية بشرية كبرى لا يمكن أن تقوم عليها إلا القيادة الواعية لها المؤمنة بها المطبقة لأحكامها المتشبعة بروحها.
وهذا بالضبط ما اصطلحنا عليه بمبدأ (ولاية الفقيه) والذي يعتبر تطبيقه في نظامنا الإسلامي الميزة الإسلامية الكبرى له والأساس الأول الذي أتحفنا بالوصول إليه ثورتنا الإسلامية الكبرى بتوجيهات وقيادة القائد الفقيه الكبير الإمام الخميني.
ومن هنا تؤكد المادة الخامسة من دستورنا الإسلامي ضرورة تسليم ولاية الأمر والأمة للفقيه العادل التقي، العارف بالعصر، الشجاع المدير المدبر الذي تميل إليه أكثرية الجماهير المسلمة وتذعن لقيادته.
стр. 11622
الفصل الخامس
حول الحكم والدولة
تعريف الحكومة والدولة ونظام الحكم:
الدولة: ويراد بها (المجموع الكلي المكون من شعب ونظام يسير عليه الشعب وحكومة تدير هذه المسيرة) .
الحكومة: يعرفها رسو بأنها: (هيئة وسيطة بين الرعايا وصاحب السيادة من أجل الاتصال المتبادل بينهما، مكلفة بتنفيذ القوانين وبالمحافظة على الحرية المدنية والسياسية على السواء لأوامر رئيس الدولة) .
وواضح أنه يعبر بها عن الهيئة التنفيذية لأوامر رئيس الدولة التي يريد تطبيقها على رعاياه، على اختلاف في نوعية صاحب السيادة هذا.
ولا ريب في أن تعريفه هذا إنما يصدق على بعض الحكومات لا كلها، أما ما نقصده من الحكومة، فهو: (الهيئة الكلية التي تشرف على إدارة الشؤون العامة في مجتمع ما) .
فالشيخ والرئيس والأمير والملك جزء من هذه الهيئة، كما أنها تقوم بتمشية الأمور في "الشؤون العامة". و "الشؤون العامة" هذه تختلف باختلاف المجتمعات، والاجتهادات، فقد لا تتجاوز في مجتمع ما، تعيين أوقات الخروج للصيد وتقسيم الناتج، وقد تشمل ـ كما في المجتمعات الحاضرة ـ أغلب المجالات فلا يخرج عنها إلا بعض القضايا الشخصية جدًّا.
وعندما نطلق تعبير "نظام الحكم" فإننا نعني به المبادئ العامة التي تحدد كيفية الحكم والحاكم وعلاقة الشعب بالحكومة وعلى ضوء ذلك يعرف دورها.
стр. 11623
ضرورة الحكومة على ضوء وظيفتها:
وتوجد هنا بعض النظريات:
يرى آدم سميث أن أهداف الحكومة هي:
١ ـ حماية المجتمع من الفوضى على المجتمعات المستقلة الأخرى.
٢ ـ حماية كل عضو في المجتمع ـ بقدر الإمكان ـ من فقدان العدل، أو كبت أي عضو منه، وتطبيق العدالة بدقة.
٣ ـ إنشاء منظمات عامة لا تنشد مصلحة فرد أو مجموعة من الأفراد بل تسعى لمصلحة المجتمع بأسره.
стр. 11624
ويرى بركس أن هدف الحكومة المباشر هو: تأمين سيادة القانون والأمن العام، ونشر النظام. فإذا حصلت على ذلك وجب عليها أن تحدد حدود الحرية الفردية، ويضع هدفًا أساسًا لها وهو العمل لنشر الفكرة الإنسانية والحضارة في العالم. أما ويلنبي فيضع أهدافًا عامة لكل حكومة وهي:
(أ) تحقيق النظام في بلادها وحفظ استقلالها من بين الدول الأخرى.
(ب) العمل للحصول على أوسع نطاق من الحرية، ويرتبط بالحرية تقوية الجهاز الحاكم لأجل الحفاظ عليها كما يرتبط بها تثقيف المواطنين كي يكونوا قادرين على ممارسة الحرية.
(جـ) العمل لتحقيق الرفاهية العامة ورفع المستوى الاقتصادي والفكري والخلقي.
ويحدد لاسكي أهدافها في: (قيامها بتمكين مجموع الأفراد من تحقيق مستوى اجتماعي طيب بأعلى مستوى ممكن، وتنحصر واجباتها في تنظيم مجموعة من الأعمال المنسقة، ومن الطبيعي أن ذلك التنظيم يزداد ويقل حسب الظروف القائمة، وليس للحكومة أن تقوم بالسيطرة على جميع فعاليات الإنسان وإنما عليها أن تصنع مفتاح التنظيم الاجتماعي وعليها أن تحقق ما يدور في خلد الرعية من نظام أفضل) .
ويرى جاكوبسن وليمان: إن الأهداف هي كما يلي:
١ ـ تأمين الحرية من الانتهاك، وتأمين العدل الداخلي للشعب فلا يكون للحكومة مسوغ إلا نجاحها في ذلك.
٢ ـ تحقيق سعادة الفرد.
٣ ـ تحقيق الرفاهية العامة.
٤ ـ حماية الأخلاق.
وهكذا رأينا اختلاف الآراء في أهداف الدولة مما يعين مقدار ضرورتها , وإذا أردنا أن نختار أجمع ما ذكر اخترنا ما قاله "لاسكي" مع بعض التوضيح أو التعديل.
والواقع: إن التجمع الإنساني ضرورة لا بد منها لأفراد الإنسان وذلك على اختلاف في دواعي التجمع، أهي الغريزة الداعية للتجمع مباشرة أو غريزة الاستخدام التي تدفع كل فرد لاستخدام الفرد الآخر أو ما إلى ذلك؟
стр. 11625
ولا بد للمجتمع من نظام يعين المسير ويحل التناقض في النزعات ووجهات النظر، كما لا بد لهذا النظام من معين ومنفذ له على ضوء مصلحة معينة، ومن هنا تنشأ فكرة "نظام الحكم".
وواضح أن أهداف هذا النظام تختلف باختلاف تصور الإنسان لوجوده ومركزه من الكون من جهة وبمقدار بساطته وتعقيده من جهة أخرى.
فالمجتمع الذي ينظر للإنسان كفرد حيواني يريد أن ينعم بالراحة والسعادة، تختلف متطلباته عن المجتمع الذي ينظر للإنسان كموجود استخلفه الله العظيم ليعمر الأرض ويتكامل بالتدريج، فيصنع مجتمع الأرض العادل العابد الذي لا يشرك بالله.
وبتعبير آخر فإن اختلاف إيديولوجية المجتمع تؤثر بشكل أساسي على الأهداف التي يتوخاها من التجمع.
من هنا رأينا الحكومات في بعض المجتمعات تؤكد على الجانب العسكري مثلًا؛ لأن الاتجاه العام هو بناء المجتمع القوي صافحة عن تحقيق السعادة بالمعنى الذي نفهمه. كما رأينا الحكومات الأخرى تركز على جانب الثقافة؛ لأن وجهة النظر الاجتماعية كانت تعينها هدفًا لها.
هذا وتختلف وظيفة الحكومة على ضوء تعقد المجتمع وبساطته فبينما لم نكن في السابق إلا هيئة أو فردًا يدير القبيلة أو المجموعة ويحل نزاعاتها نجد أنها تطورت إلى فرد تعينه هيئة كبرى تخطط للدفاع عن المجتمع، وتنظم وضع الأمن في داخله، وتشرف على وضع القوانين التي تسد بها بعض الفراغات الاجتماعية رأيناها في هذا العصر وهي تقوم بمهمة سن القوانين المختلفة وإدارة شؤون المجتمع الدفاعية والخارجية والداخلية والمالية والثقافية والفنية والصحية وشؤون المواصلات والزراعة والصناعة وأمثال ذلك.
ذلك أن تعقد الحياة الاجتماعية يغير كثيرًا من الشؤون الشخصية إلى شؤون عامة مما يلقي بعهدتها على الدولة، كما أن تعقد المجتمع يخلق ترابطًا قويًّا بين شؤونه مما لا يدع مناصًا من السيطرة على مختلف الجوانب لتحقيق السيطرة العامة والإدارة الاجتماعية.
فاختلاف الإيديولوجيات وتعقد المجتمع هما العاملان الرئيسان في تطوير وظائف الحكومة.