النقطة الثانية: وهي نقطة هامة جدًّا يجب التركيز عليها وملخصها:
إننا إذ نرفض الشبهات الماضية ونرفض القبول المطلق لكل ما جاء، نمتنع ـ في نفس الوقت ـ عن تسليم السنة ـ حتى الموثوق بها ـ إلى كل فرد مهما كان مستواه، وفسح المجال له ليفهم منها ما يشاء وينسبه إلى الإسلام، فإن هذا المنحى خطر جدًّا وإن كان دعاته اليوم كثر في عالمنا الإسلامي متذرعين بأن الإسلام لكل الناس , فلماذا تحصرونه بأيدي عدة قليلة، خالطين بذلك بين هذا وبين كيفية فهم الواقع الإسلامي واستنباطه من النصوص. مثلهم في هذا مثل من يدعو لتسليم الذرة لكل من يطلبها ليستخدمها كيف يشاء بحجة أنها وجدت لصالح الجميع!
إن ملاحظة ما سبق، وإدراك احتياج فهم الواقع الإسلامي من الكتاب والسنة الشريفة إلى دراسات تخصصية معمقة في المجالات اللغوية والفقهية (أصولًا وفروعًا فقهية) والتفسيرية والرجالية وغيرها لهو مما يمنع بتاتًا من نفي التخصص والخبرة وعدم الركون إليهما.
وإننا لننبه أمثال هؤلاء إلى الآثار الخطيرة التي تنجم عن رأيهم هذا من:
شيوع الفهم القاصر للإسلام، وفقدان العمق والأصالة التي تميزه عن غيره، وفسح المجال للأهواء أن تتلاعب بالمقدرات الإسلامية، وعدم قدرة الصور الناتجة على الصمود أمام الإشكالات والشبهات.
هذا بالإضافة إلى أنه يجعل المذاهب بعد الأفراد فويل للأمة من مثل هذا اليوم الرهيب.. يوم يفتي فيه العسكري، ويدلي فيه هذا الموظف برأيه في الإسلام وذاك الملك وهذا الرئيس وهم لا يمكلون مستوى فهمه واستنباطه.
إننا نسأل هؤلاء:
هل تستطيعون أيها السادة أن ترونا مبدأ فيه بعض ما في الإسلام ولا تخصص فيه؟
إننا نؤكد لزوم الحاجة إلى الأخصائيين الإسلاميين ونسميهم بـ (الفقهاء) ، ولزوم أن يكونوا عدولًا لا يذعنون لهوى نفسي، ولا يركعون أمام ظالم أو طاغوت، ويتجلى هذا اللزوم في الميادين التالية:
(أ) ميدان فهم الأحكام والنظم الإسلامية للحياة الإنسانية، واستنباطها من منابعها الرئيسة.
(ب) مجال القضاء وفصل الخصومات.
(جـ) مجال قيادة الأمة، فلا يمكن تسليمها لجاهل بالإسلام غير إخصائي فيه. إذ الإسلام تجربة حياتية بشرية كبرى لا يمكن أن تقوم عليها إلا القيادة الواعية لها المؤمنة بها المطبقة لأحكامها المتشبعة بروحها.
وهذا بالضبط ما اصطلحنا عليه بمبدأ (ولاية الفقيه) والذي يعتبر تطبيقه في نظامنا الإسلامي الميزة الإسلامية الكبرى له والأساس الأول الذي أتحفنا بالوصول إليه ثورتنا الإسلامية الكبرى بتوجيهات وقيادة القائد الفقيه الكبير الإمام الخميني.
ومن هنا تؤكد المادة الخامسة من دستورنا الإسلامي ضرورة تسليم ولاية الأمر والأمة للفقيه العادل التقي، العارف بالعصر، الشجاع المدير المدبر الذي تميل إليه أكثرية الجماهير المسلمة وتذعن لقيادته.
стр. 11622
الفصل الخامس
حول الحكم والدولة
تعريف الحكومة والدولة ونظام الحكم:
الدولة: ويراد بها (المجموع الكلي المكون من شعب ونظام يسير عليه الشعب وحكومة تدير هذه المسيرة) .
الحكومة: يعرفها رسو بأنها: (هيئة وسيطة بين الرعايا وصاحب السيادة من أجل الاتصال المتبادل بينهما، مكلفة بتنفيذ القوانين وبالمحافظة على الحرية المدنية والسياسية على السواء لأوامر رئيس الدولة) .
وواضح أنه يعبر بها عن الهيئة التنفيذية لأوامر رئيس الدولة التي يريد تطبيقها على رعاياه، على اختلاف في نوعية صاحب السيادة هذا.
ولا ريب في أن تعريفه هذا إنما يصدق على بعض الحكومات لا كلها، أما ما نقصده من الحكومة، فهو: (الهيئة الكلية التي تشرف على إدارة الشؤون العامة في مجتمع ما) .
فالشيخ والرئيس والأمير والملك جزء من هذه الهيئة، كما أنها تقوم بتمشية الأمور في "الشؤون العامة". و "الشؤون العامة" هذه تختلف باختلاف المجتمعات، والاجتهادات، فقد لا تتجاوز في مجتمع ما، تعيين أوقات الخروج للصيد وتقسيم الناتج، وقد تشمل ـ كما في المجتمعات الحاضرة ـ أغلب المجالات فلا يخرج عنها إلا بعض القضايا الشخصية جدًّا.
وعندما نطلق تعبير "نظام الحكم" فإننا نعني به المبادئ العامة التي تحدد كيفية الحكم والحاكم وعلاقة الشعب بالحكومة وعلى ضوء ذلك يعرف دورها.
стр. 11623
ضرورة الحكومة على ضوء وظيفتها:
وتوجد هنا بعض النظريات:
يرى آدم سميث أن أهداف الحكومة هي:
١ ـ حماية المجتمع من الفوضى على المجتمعات المستقلة الأخرى.
٢ ـ حماية كل عضو في المجتمع ـ بقدر الإمكان ـ من فقدان العدل، أو كبت أي عضو منه، وتطبيق العدالة بدقة.
٣ ـ إنشاء منظمات عامة لا تنشد مصلحة فرد أو مجموعة من الأفراد بل تسعى لمصلحة المجتمع بأسره.
стр. 11624
ويرى بركس أن هدف الحكومة المباشر هو: تأمين سيادة القانون والأمن العام، ونشر النظام. فإذا حصلت على ذلك وجب عليها أن تحدد حدود الحرية الفردية، ويضع هدفًا أساسًا لها وهو العمل لنشر الفكرة الإنسانية والحضارة في العالم. أما ويلنبي فيضع أهدافًا عامة لكل حكومة وهي:
(أ) تحقيق النظام في بلادها وحفظ استقلالها من بين الدول الأخرى.
(ب) العمل للحصول على أوسع نطاق من الحرية، ويرتبط بالحرية تقوية الجهاز الحاكم لأجل الحفاظ عليها كما يرتبط بها تثقيف المواطنين كي يكونوا قادرين على ممارسة الحرية.
(جـ) العمل لتحقيق الرفاهية العامة ورفع المستوى الاقتصادي والفكري والخلقي.
ويحدد لاسكي أهدافها في: (قيامها بتمكين مجموع الأفراد من تحقيق مستوى اجتماعي طيب بأعلى مستوى ممكن، وتنحصر واجباتها في تنظيم مجموعة من الأعمال المنسقة، ومن الطبيعي أن ذلك التنظيم يزداد ويقل حسب الظروف القائمة، وليس للحكومة أن تقوم بالسيطرة على جميع فعاليات الإنسان وإنما عليها أن تصنع مفتاح التنظيم الاجتماعي وعليها أن تحقق ما يدور في خلد الرعية من نظام أفضل) .
ويرى جاكوبسن وليمان: إن الأهداف هي كما يلي:
١ ـ تأمين الحرية من الانتهاك، وتأمين العدل الداخلي للشعب فلا يكون للحكومة مسوغ إلا نجاحها في ذلك.
٢ ـ تحقيق سعادة الفرد.
٣ ـ تحقيق الرفاهية العامة.
٤ ـ حماية الأخلاق.
وهكذا رأينا اختلاف الآراء في أهداف الدولة مما يعين مقدار ضرورتها , وإذا أردنا أن نختار أجمع ما ذكر اخترنا ما قاله "لاسكي" مع بعض التوضيح أو التعديل.
والواقع: إن التجمع الإنساني ضرورة لا بد منها لأفراد الإنسان وذلك على اختلاف في دواعي التجمع، أهي الغريزة الداعية للتجمع مباشرة أو غريزة الاستخدام التي تدفع كل فرد لاستخدام الفرد الآخر أو ما إلى ذلك؟
стр. 11625
ولا بد للمجتمع من نظام يعين المسير ويحل التناقض في النزعات ووجهات النظر، كما لا بد لهذا النظام من معين ومنفذ له على ضوء مصلحة معينة، ومن هنا تنشأ فكرة "نظام الحكم".
وواضح أن أهداف هذا النظام تختلف باختلاف تصور الإنسان لوجوده ومركزه من الكون من جهة وبمقدار بساطته وتعقيده من جهة أخرى.
فالمجتمع الذي ينظر للإنسان كفرد حيواني يريد أن ينعم بالراحة والسعادة، تختلف متطلباته عن المجتمع الذي ينظر للإنسان كموجود استخلفه الله العظيم ليعمر الأرض ويتكامل بالتدريج، فيصنع مجتمع الأرض العادل العابد الذي لا يشرك بالله.
وبتعبير آخر فإن اختلاف إيديولوجية المجتمع تؤثر بشكل أساسي على الأهداف التي يتوخاها من التجمع.
من هنا رأينا الحكومات في بعض المجتمعات تؤكد على الجانب العسكري مثلًا؛ لأن الاتجاه العام هو بناء المجتمع القوي صافحة عن تحقيق السعادة بالمعنى الذي نفهمه. كما رأينا الحكومات الأخرى تركز على جانب الثقافة؛ لأن وجهة النظر الاجتماعية كانت تعينها هدفًا لها.
هذا وتختلف وظيفة الحكومة على ضوء تعقد المجتمع وبساطته فبينما لم نكن في السابق إلا هيئة أو فردًا يدير القبيلة أو المجموعة ويحل نزاعاتها نجد أنها تطورت إلى فرد تعينه هيئة كبرى تخطط للدفاع عن المجتمع، وتنظم وضع الأمن في داخله، وتشرف على وضع القوانين التي تسد بها بعض الفراغات الاجتماعية رأيناها في هذا العصر وهي تقوم بمهمة سن القوانين المختلفة وإدارة شؤون المجتمع الدفاعية والخارجية والداخلية والمالية والثقافية والفنية والصحية وشؤون المواصلات والزراعة والصناعة وأمثال ذلك.
ذلك أن تعقد الحياة الاجتماعية يغير كثيرًا من الشؤون الشخصية إلى شؤون عامة مما يلقي بعهدتها على الدولة، كما أن تعقد المجتمع يخلق ترابطًا قويًّا بين شؤونه مما لا يدع مناصًا من السيطرة على مختلف الجوانب لتحقيق السيطرة العامة والإدارة الاجتماعية.
فاختلاف الإيديولوجيات وتعقد المجتمع هما العاملان الرئيسان في تطوير وظائف الحكومة.
стр. 11626
تنبيه مهم:
يكاد يجمع الذين عينوا وظيفة الحكومة على أن عليها أن تحقق سعادة الإنسان وتؤمن راحته وحتى الذين نادوا بنظم الحكم التي تعمل لصالح المجتمع أرادوا من خلال ذلك أن يوضحوا أن راحة الفرد تكمن في تحقيق الاحتياجات الاجتماعية.
وكل هذا التركيز على سعادة الفرد وراحته يكمن في أنه حق طبيعي له ـ كما يعبر جون لوك ـ وعندما نركز على الحق نفسه ونتساءل عن علة كونه حقًّا لا نجد لذلك موضحًا إلا أن نقول:
إن الإنسان يمتلك في أعماق وجوده طاقات فطرية تهيئه لأن يسير مسيرة كمالية بملء إرادته وشعوره، وهذا يعني أنه يستحق أن يفسح له المجال للوصول إلى كماله، مثلًا الإنسان له أن يعرف، وفي أعماقه دوافع للمعرفة , فإذا منع من ذلك فقد منع من حقه، وفي الإنسان دوافع خلقية ووجدان عملي يعين له الحسن والقبيح , فإذا منع من السير الطبيعي وِفْقَه فَقَدَ من حقه، ومن هنا ركز الفلاسفة على أن كل موجود يولد وقد وصل إلى كماله النفسي فعلًا إلا الإنسان فإنه يولد موجودًا يحمل الاستعدادات النفسية الهائلة التي يسير إليها طبق نظام منسجم مع أهدافه الكمالية.
فإذا كانت الإيديولوجية التي يحملها المجتمع بهذا وترى أن لمجموع الإنسانية غاية عظمى فإن حق الإنسانية على ضوء هذا سوف يوجب على الدولة أن تنظر في أمر تنظيم شؤون الفرد الحاضر والمجتمع الحاضر في مسيرتها نحو الكمال كما تخطط لئلا تغلق على الأجيال الآتية أبوابًا تسير من خلالها إلى الكمال. وعلى أساس من هذا تكون مسؤولية الحكومة كبيرة جدًّا ومسؤولية وضع النظام تعمل عليه الحكومة أكبر من ذلك. وللحديث عن رأي الإسلام في وظيفة الحكومة مجال واسع.
إن التربية العقائدية والتخطيط لمستقبل الأجيال يعد أهم وظيفة تقوم بها الحكومة.
стр. 11627
ضرورة الحكومة في رأي الماركسية:
ترى الماركسية أن الإنسانية حتى مع فرض تجمعها لا تحتاج بالضرورة إلى الحكومة ومن هنا كانت المجتمعات في المرحلة البدائية الشيوعية لا تدار من قبل حكومة، وإنما بدأ الاحتياج لها بعد تشريع الملكية الذي غرس في نفسية الإنسان حب الذات , وعند نشوء الطبقية المقيتة احتيج لحكومة كمنسق لمتطلبات الوضع الاقتصادي ومعبر عن احتياج الطبقة الحاكمة إلى إعمال نفوذها على الطبقة المحكومة , أما إذا وصل المجتمع إلى الشيوعية الأصيلة وهي المرحلة العليا من التطور الاجتماعي الإنساني فلن يحتاج إلى مثل هذه الهيئة الحاكمة بعد زوال مبررها وهو التناقض الطبقي.
وهنا يقول الإمام الصدر:
"ومن حقنا أن نتساءل عن هذا التحول الذي ينقل التاريخ من مجتمع الدولة إلى مجتمع متحرر منها، من المرحلة الاشتراكية إلى المرحلة الشيوعية، كيف يتم هذا التحول الاجتماعي؟ وهل يحصل بطريقة ثورية وانقلابية فينتقل المجتمع من الاشتراكية إلى الشيوعية في لحظة حاسمة، كما انتقل من الرأسمالية إلى الاشتراكية؟ أو أن التحول يحصل بطريقة تدريجية فتذبل الدولة وتتقلص حتى تضمحل وتتلاشى؟
فإذا كان التحول ثوريًّا آنيًّا، وكان القضاء على حكومة البروليتاريا سيتم عن طريق الثورة، فمن هذه الطبقة الثائرة التي سيتم على يدها هذا التحول؟ في حين تقول الماركسية: إن الثورة الاجتماعية على حكومة، إنما تنبثق دائما من الطبقة التي لا تمتلكها تلك الحكومة، فلا بد إذن في هذا الضوء أن يتم التحول الثوري إلى الشيوعية على أيدي غير الطبقة التي تمثلها الحكومة الاشتراكية، وهي طبقة البروليتاريا، فهل تريد الماركسية أن تقول لنا إن الثورة الشيوعية تحصل على أيدي رأسماليين مثلًا؟
стр. 11628
وإذا كان التحول من الاشتراكية وزوال الحكومة تدريجيًّا.. فهذا يناقض ـ قبل كل شيء ـ قوانين الديالكتيك التي ترتكز عليها الماركسية , فإن قانون الكمية والكيفية في الديالكتيك يؤكد: إن التغيرات الكيفية ليست تدريجية بل تحصل بصورة فجائية، وتحدث بقفزة من حالة إلى أخرى، وعلى أساس هذا القانون آمنت الماركسية بضرورة الثورة في مطلع كل مرحلة تاريخية بوصفها تحولًا آنيًّا. فكيف بطل هذا القانون عند تحول المجتمع من الاشتراكية إلى الشيوعية.
والتحول التدريجي السلمي من المرحلة الاشتراكية إلى الشيوعية كما يناقض قوانين الديالكتيك كذلك يناقض الأشياء. إذن كيف يمكن أن نتصور أن الحكومة في المجتمع الاشتراكي تتنازل بالتدريج عن السلطة وتقلص ظلها حتى تقضي بنفسها على نفسها، بينما كانت كل حكوم أخرى على وجه الأرض تتمسك بمركزها وتدافع عن وجودها السياسي إلى آخر لحظة من حياتها؟ فهل هناك أغرب من هذا التقليص التدريجي الذي تتبرع بتحقيقه الحكومة نفسها فتسخو بحياتها في سبيل تطوير المجتمع؟ بل هل هناك ما هو أبعد من هذا عن طبيعة المرحلة الاشتراكية والتجربة الواقعية التي تجسدها اليوم في العالم؟ فقد عرفنا إن من ضرورات المرحلة الاشتراكية قيام حكومة دكتاتورية مطلقة السلطان، فكيف تصبح هذه الدكتاتورية المطلقة مقدمة لتلاشي الحكومة واضمحلالها نهائيًّا؟ وكيف يمهد استفحال السلطة واستبدالها إلى زوالها واختفائها؟
وأخيرًا فلنجنح مع الماركسية في أخيلتها، ولنفترض أن المعجزة قد تحققت، وأن المجتمع الشيوعي قد وجد، وأصبح كل شخص يعمل حسب طاقته، ويأخذ حسب حاجته أفلا يحتاج المجتمع إلى سلطة تحدد هذه الحاجة، وتوفق بين الحاجات المتناقضة فيما إذا تزاحمت على سلعة واحدة، وتنظم العمل وتوزعه على فروع الإنتاج؟ (١) .
وهذه النقطة الأخيرة أمر مهم يوضح ضرورة الدولة في أي مجتمع حتى المجتمع الخيالي الشيوعي الذي يفترض فيه ذوبان غريزة حب الذات من الإنسان ـ وهو أمر ينكره وجدان الإنسان ـ وعمق هذه الغريزة الضارب في وجود أي إنسان. نعم حتى في ذات المجتمع توجد فراغات وشؤون عامة تحتاج فيها إلى سلطة تقوم على ملئها وتسييرها.
ويتوضح هذا عندما ندرك وظائف الحكومة اليوم وتعقدها وأنها ليست كلها قائمة على أساس تناقض المصالح الطبقية.
стр. 11629
على أننا لو آمنا بما قلناه في التنبيه الماضي من وجود هدف إنساني عام وهو الكمال وبناء المجتمع العابد، ولاحظنا أنه ليس لهذا الهدف حد ومجال متصور، عرفنا أن الحكومة تحتفظ بدورها في مختلف مراحل الوجود الاجتماعي للإنسان.
على أن ما يمكن تصوره من عوامل نقلت المجتمع من الشيوعية البدائية إلى المرحلة التي عملت الملكية فيها عملها في التقسيم الطبقي يمكن تصور وجوده في المرحلة الشيوعية أيضًا وبشكل أشد خطرًا. ومعه ألا نحتاج للهيئة المسلطة التي تمنع من هذا السير التحولي؟
وعلى أي حال فإن الواقعية تقتضي تكذيب الماركسية والتأكيد على ضرورة الحكومة في كل عصر إنساني خصوصًا مع ملاحظة الوظائف المتشعبة التي تقوم بها في هذا العصر كما في التخطيط الصناعي والزراعي والصحي وأمثال ذلك.
وقد أكد المفكرون هذه الضرورة ومنهم أرسطو الذي اعتبرها من عمل الطبع و"إن الإنسان بالطبع كائن اجتماعي وإن الذي يبقى متوحشًا ـ بحكم النظام لا بحكم المصادفة ـ هو على التحقيق إنسان ساقط أو إنسان أدنى من النوع الإنساني" (١) .
هذا ونقل عن "المذهب الفوضوي" قوله بعدم ضرورة الحكومة مستدلين بأن طبيعة الإنسان خيرة وعاقلة فلا حاجة للحكومة , وأنها تجر المصالح لطبقة خاصة وتهمل مصالح الأفراد، وأنها تقيد الحرية الفردية وأمثال ذلك.
وهذه أمور لا نرى حاجة في تفنيدها أو تفنيد تسويغها لعدم الحكومة. أما رأي الإسلام فسوف نستعرضه إن شاء الله.
стр. 11630
نشوء الحكومة:
ولا يهمنا إلا التعرض باختصار لبعض الآراء في نشوء الحكومة، فقد ذهب "بودان" الفرنسي إلى أن أصل الحكومة هو التكوين الأسري وذهب "فريزر" إلى أن أصل تشكيل الحكومة هو الدين الذي جمع العائلات ووضع القانون. ويرى "أوبنهمير" الألماني أن أصلها هو القوة. في حين ذهب بعض الفلاسفة إلى الأصل الفطري لتشكل الحكومة باعتباره نتيجة حتمية للتجمع وهو أمر فطري، وهم من مثل (أرسطو والفارابي وابن خلدون) أو تعتبر الحكومة فطرية باعتبار نشوئها على أساس نزعة سياسية في الإنسان تدعو للسيطرة على الآخرين.
وهناك نظرية العقد الاجتماعي التي تدعي نشوء الحكومة على أساس اتفاق اجتماعي للدخول تحت قانون وحكومة.
وأخيرًا لا بد وأن نشير إلى النظرية الماركسية القائلة بنشوء الحكومة على أساس التناقض الطبقي حيث تقوم الطبقة الغالبة بإنشاء القدرة السياسية التي تحمي مصالحها الاقتصادية.
وقد ادعت الماركسية أن تفسيرها هنا كباقي تفسيراتها يقوم على أساس من بحوث حولت التاريخ إلى علم بعد أن كان ضربًا من التخيل والمصادفة.
ولكن الواقع أن الماركسيين لا يستطيعون ـ كما لا يستطيع غيرهم ممن فسروا نشوء الدولة وغيرها على أساس من العامل الواحد ـ أن يقيموا دليلًا علميًّا قاطعًا ينفون به كل الاحتمالات الأخرى ما عدا احتمالًا واحدًا وذلك لاختلاف التجارب الطبيعية التي يقوم بها العلماء الفيزيائيون , فيثبتون بها انحسار العامل في شيء معين، عن التجارب الاجتماعية التاريخية التي هي أكبر من عمر الفرد حتمًا، فلا بد أن يعتمد فيها على الأخبار والحدس وربما الفرض المحض أحيانًا.
وللتفصيل في هذا المجال يراجع الكتاب القيم (اقتصادنا) ص ٥٨ ـ ٦٧.
وعليه فلا نستطيع أن نجزم بعامل معين لنشوء الحكومة وبالتالي مجموع عناصر الدولة وربما اجتمعت عوامل في ذلك. وإذا كانت قد نشأت على أساس عامل واحد أول الأمر فلا يعني ذلك أنه العامل الوحيد لنشوء الحكومات بعد ذلك، والذي ترتبط به الحكومة وجودًا وعدمًا.
стр. 11631
احتياج الحكومة إلى مبرر وجداني للحكم:
إذا شئنا طرح البحث في مجال إنساني منطقي عام يمكن أن يكون مقبولًا من قبل كل إنسان ذي فكر سليم، وجب أن نلتزم بمقياس إنساني عام مقبول لدى الجميع.
وإذا فتشنا عن هذا المقياس العام الذي يجب التحاكم إليه في كل أمر أريد معرفة منطقيته وإنسانيته فسوف لن نجد لأول وهلة ـ وبغض النظر عن كل نزعة أو ميل فكري ـ إلا الوجدان الأخلاقي في الإنسان، وهوجانب فطري أصيل لا يختلف في روحه، ولا يختفي اختفاء تامًا عن حياة الإنسان , وإن أمكن أن نتصور طغيان بعض الشبهات وتغير تطبيقاته فحتى الذين أنكروا الفطرة وأنكروا في ضمنها الوجدان لم يستتطيعوا أن يتخلصوا ـ عفويًّا ـ من أحكامه. وإلا فما معنى أن نتصور ادعاء الإنسانية والتكامل في نظرية لا تؤمن بالفطرة وهذا يعني أنها لا تؤمن بوجود سبيل فطري وإمكانات أصيلة هيئ لها الإنسان، ومن حقه أن يسير نحوها ومع عدم وجوده لا معنى لأن يكون هذا المبدأ إنسانيًّا دون ذاك، ولا معنى لسير هذا نحو التكامل دون ذلك.
فنفس التصاق المبادئ بالإنسانية والكمال له تأثير وجداني عميق.
وعليه فإن الوجدان الإنساني سوف يكون هو الحاكم الأصيل بمنطقية المبدأ وإنسانيته أو عدمها.
стр. 11632
وعندما نراجع الوجدان نجد أنه يتطلب في كل حكومة وجود عاملين رئيسين هما:
الأول: استمداد حق الحكم من مصدر مؤهل لذلك وبتعبير آخر استمداد حق التصرف وتقييد الحريات ممن له ذلك.
الثاني: قيام الحكم على أساس المصلحة الاجتماعية والفردية، فإذا استطاع الحكم أن يوفر هذين العاملين معًا، فقد وفر صيغة منطقية وجدانية له، وإلا عاد ظلمًا وجبروتًا.
وتوضيح الأمر: أنه يمكن تصور عمل الحكومة في المجالات التالية:
١ ـ قيامها بتحديد الحريات الشخصية بتوجيه السير ومنع التجول في أماكن خاصة، وأمثال ذلك، ويشمل هذا قيام الدولة بفرض بعض الوظائف الاجتماعية على أفراد لا يرون لها ضرورة.
٢ ـ قيامها بتحديد الحريات الاقتصادية بمنع بعض الأفراد من إشباع غريزة حب الذات والسيطرة على بعض الأموال من طرق معينة، وفرض الضرائب وغير ذلك.
٣ ـ قيامها بحل النزاعات والضرب على يد المعتدي ومنع الظالم من ظلمه وأمثال هذه المجالات.
ومن الواضح أن الوجدان إذا كان يكتفي في المجال الثالث بكون تدخل الحكومة هو لمصلحة المجتمع والفرد بمنع الظلم والضرب على يد الظالم ظلمًا وجدانيًّا لا ظلمًا تراه الدولة كذلك لمصلحتها الخاصة، إذا كان يكتفي هنا بالمصلحة فهو لا يكتفي بها في المجالين الآخرين، وإنما يتطلب مع ذلك وجود تولية أو توكيل ممن له الحق في هذا التحديد. رغم أن الإنسان يمتلك في الأصل حريته الطبيعية الأخلاقية في أن يفعل ما يحلو له، وكان ذلك انعكاس لكونه مخلوقًا إراديًّا له الحق أن يفعل وأن لا يفعل في كثير من الأمور والمجالات.
стр. 11633
أشكال الحكم الرئيسة:
وإذا أردنا أن نستعرض أشكال الحكم الرئيسة أمكننا تصنيفها كما يلي:
١ ـ الحكم الإسلامي بكلا أطروحتيه "أطروحة الشورى وأطروحة الإمامة ونياباتها".
٢ ـ الحكم الاستبدادي "الفردي، أو الفئوي، أو الحزبي".
٣ ـ الحكم الديمقراطي " الملكية الدستورية، الجمهورية ".
هذه هي الأقسام الرئيسة المفروضة.
هذا وقد يتحول بعض هذه الأنماط إلى النمط الآخر نتيجة سوء التطبيق أو نتيجة نقص في النظام نفسه أو اقتباس النظام شيئًا من النظام الآخر.
وذلك كأن يمنح الشعب مثلًا رئيس الجمهورية حق الحكم المطلق فيصبح مستبدًّا تمامًا، أو أن يمتلك الحكم الاستبدادي الحزبي نوعًا من الديمقراطية في إطاره الحزبي وإن كان مستبدًّا على الشعب، أو أن يرى الحاكم الإسلامي في نظام الإمامة وجوب العمل برأي الأكثرية مثلًا في أمر ما، وأمثال ذلك.
ونرى أن هذه الأقسام الثلاثة تختلف عن بعضها اختلافًا جوهريًّا.
стр. 11634
موقف الإسلام من مسألة الحكم والسيادة:
وفيه فروع مترابطة:
الفرع الأول ـ الإسلام والحكم:
وبسط الحديث إلى حد ما في هذا الموضوع يستدعي مراجعة بعض الأقوال الشاذة التي نفت أن يكون الإسلام قد جاء ليعطي نظامًا للحكم , ثم التعقيب عليها بالنظرة المخالفة وبيان الحق والواقع.
ولعل "علي عبد الرازق" مؤلف كتاب "الإسلام وأصول الحكم" هو الذي أثار هذه الضجة، وإن كنا نستطيع أن نجد الشواذ ممن أيده كخالد محمد خالد , وبعض الكتاب الآخرين وبعض المستشرقين أيضًا. وتتلخص نظريته في أن الإسلام لم يخطط نظامًا ـ ولو بنحو المبادئ العامة للنظام ـ في مجالات الحكم وأنه ليس إلا دعوة دينية خالصة لا تشوبها نزعة ملك ولا دعوة لدولة، وإذا كان الرسول زعيمًا فليست زعامته زعامة حكم وسلطان بل هي زعامة دينية لا ربط لها بالزعامة السياسية.
وقد استند في نفيه هذا لتخطيط الإسلام للحكم إلى الأمور التالية:
أولًا ـ القرآن: كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾ (١) .
﴿إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾ (٢) .
﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ (٣) .
و ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ (٤) .
وخلاصة الاستدلال أن من لم يكن مسيطرًا ولا وكيلًا وإنما هو مجرد مبلغ ومبشر ونذير ليس حاكمًا أيضًا (٥) .
ثانيًا ـ السنة الشريفة: ويستند فيها إلى أحاديث ووقائع من مثل ما يلي:
(أ) جاء رجل إلى النبي ﷺ فأصابته رعدة شديدة , فقال له الرسول ﷺ : ((هون عليك فإني لست بملك ولا جبارًا , وإنما أنا ابن امرأة من قريش تأكل القديد بمكة)) .
(ب) قول الرسول ﷺ : ((أنتم أعلم بشؤون دنياكم)) .
ثالثًا ـ الدليل العقلي: ويتلخص في ادعاءات ثلاثة:
(أ) أن من المعقول أن ينظم العالم في وحدة دينية ولكن ليس من المعقول أن ينظم العالم في حكومة واحدة فذلك يوشك أن يكون خارجًا عن طبيعة البشرية.
(ب) أن مسألة الحكم غرض دنيوي خلى الله بينها وبين عقولنا.
وأخيرًا فإن دولة الرسول خلت من كثير من أركان الدولة.
وهو يقول: "ولماذا لم يتحدث إلى رعيته في نظام الملك وفي قواعد الشورى، ولماذا ترك العلماء في حيرة واضطراب من أمر النظام الحكومي في زمنه؟ " (٦) .
هذا وقد نقل الأستاذ عبد الحميد متولي بعض الاستنادات الأخرى لبعض العلماء والمحدثين تدعيمًا لوجهة النظر هذه وهيك
أولًا: أن المؤسس الحقيقي للدولة الإسلامية هو أبو بكر.
ثانيًا: أن الدين حقائق ثابتة لا تتغير والدولة نظام متغير.
ثالثًا: فشل الحكومات الدينية واستبدادها وعدم القبول للتطوير، و "القوة تحتل من طبيعة الحكومة الدينية مساحة واسعة.. وهي تستمد تبرير قسوتها وبطشها من نفس الغموض الذي تستمد منه سلطتها" كما يقول خالد محمد خالد في كتابه: " (من هنا نبدأ) .
стр. 11635
دوافع القول بهذه النظرية:
يختلف الباحثون حول دوافع القول بها، فبينما يعتبرها بعضهم نظرية قائمة على البحث النزيه، يرى البعض الآخر إنها جزء من مخططات الاستعمار.
ولكن الأستاذ متولي يرى أن الطرفين جانبا الحق وأن الدوافع تكمن في ما يلي بتلخيص:
١ ـ إن علي عبد الرازق كان يريد أن يثبت هدفه الأساسي، وهو أن الخلافة ليست أصلًا من أصول الحكم في الإسلام، وذلك ليضرب به هدف الملك فؤاد ملك مصر الذي أراد الاحتلال البريطاني أن يجعله خليفة للمسلمين بعد أن قام أتاتورك بعزل الخليفة العثماني وإقامة النظام الجمهوري في تركيا.
٢ ـ خشية بعضهم من أن يسيطر الفقهاء على شؤون الدولة وبث روح الجمود فيها وهو ما أصيب به الفقه الإسلامي بعد سد باب الاجتهاد.
وقد ناقشه بقوله: "ولقد فات أصحاب هذا الرأي أنه إذا كان مما لا يمكن إنكاره أن الأخذ بالرأي الآخر (القائل بأن الإسلام دين ودولة) مما يؤدي بلا ريب إلى الإعلاء من مقام رجال الفقه الإسلامي، فليس من شأنه أن يؤدي حتمًا إلى أن يكون رجال الفقه أو الدين من الحكام، فلم يكن هذا هو الشأن حتى في صدر الإسلام فمعاوية ويزيد وعمرو بن العاص (وكثير غيرهم من رجال الحكم في ذلك العهد) لم يكونوا من علماء الفقه والدين".
٣ ـ التأثر بالفكرة الغربية "فصل الدين عن الدولة".
ويمكننا أن نكون الرأي الحق بملاحظة نقاط ثلاث:
النقطة الأولى:
إن النظر المنصف إلى الإسلام ونصوصه وتاريخه وضروراته لا يدع مجالًا للمكابرة في أنه يجعل مسألة الحكم في إعداد أهم المسائل التي يعالجها ويضع مبادئها.
стр. 11636
فلنلاحظ هذا بشيء من التفصيل:
(أ) طبيعة الإسلام:
وإذا تصفحنا خصائص الإسلام عرفنا أن أهم الخصائص وأبعدها غورًا في وجوده هي الواقعية، فالإسلام دين واقعي ينسجم مع الفطرة الإنسانية والواقع التكويني الذي يعيشه الإنسان، ولا يتناقض مع نفسه ومع هدفه السامي مطلقًا.
وهذه الواقعية هي التي تفرض أن يهتم الإسلام بمسألة الحكم تمام الاهتمام وذلك:
أولًا: لأن الإسلام جاء دينًا شاملًا لكل نواحي الحياة الإنسانية، مخططًا لكل سلوك، ومعينًا لكل نظام , وليس هناك في حياة الإنسان سلوك ولا فرضية لا يدخل تحت نظام خاص وحكم خاص.
وهذا ما نستكشفه من عمل الإسلام على إعطاء رأيه في كل مجال، ومن روايات متعددة تؤكد هذا المبدأ من مثل:
١ ـ الرواية الصحيحة التي رواها الكافي عن علي بن إبراهيم عن محمد بن عيسى عن يونس عن حماد عن أبي عبد الله الصادق (ع) قال سمعته يقول:
"ما من شيء إلا وفيه كتاب وسنة " (١) .
٢ ـ وما رواه الكافي أيضًا عن عدة من أصحابنا عن أحمد بن محمد عن ابن فضال عن عاصم بن حميد عن أبي حمزة الثمالي عن أبي جعفر الباقر (ع) قال: ((خطب رسول الله ﷺ في حجة الوداع فقال: يا أيها الناس والله ما من شيء يقربكم من الجنة ويباعدكم عن النار إلا قد أمرتكم به، وما من شيء يقربكم من النار ويباعدكم من الجنة إلا قد نهيتكم عنه)) .
والرواية صحيحة أيضًا.
وغيرهما من الروايات التي تؤكد رأي الإسلام حتى في "أرش الخدش".
ولعل وجود مفهومي " الحلال والحرام " اللذين لا يخرج عنهما أي فعل أكبر موضح لأن الإسلام أعطى رأيه بالعموم أو بالخصوص في كل سلوك إنساني وعين مذاهبه السياسية والاقتصادية والتربوية وغيرها وقام نظمه فيها على أساس من مذاهبه العامة.
ولا يمكن مع هذا أن نفترض الإسلام غافلًا عن مسألة الحكم أو تاركًا إياها للظروف والتطورات والتقلبات التي تفرض نفسها على المجتمع الإسلامي وتحكمه وتفرض سيطرتها عليه دون أن تستمد منه ولايتها ومبادئها العامة على الأقل.
стр. 11637
وثانيًا: فإنا حتى لو غضضنا النظر عن مسألة الشمول التي اقتضتها الواقعية الإسلامية، نجد أن الإسلام بلا ريب أعطى الأمة نظامًا اقتصاديًّا كاملًا يقوم على مذهب محدد، كما أعطانا نظامًا للعقوبات وآخر للشؤون الشخصية , ورابعًا للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وغير ذلك، وكل هذه النظم يمتلك الحكم فيها مساحة مهمة بحيث لا يتصور قيام كل منها كنظام إلا بافتراض وجود الدولة الإسلامية التي تحتل ذلك الموقع وتسير على هدى الإسلام وتعيينه لوظيفتها.
يقول الأستذا المرحوم محمد المبارك: "إن مجموع هذه الأحكام الجنائية والمالية والدولية والدستورية لا يمكن أن يعقل إيرادها والالتزام بها التزامًا يعتقد المؤمن بالإسلام بوجوبه والإثم بتركه إلا إذا كان القرآن يفرض على المسلمين تنظيم الحكم وإقامة الدولة.
ولا يعقل أن يقدم الإسلام في قرآنه هذه الأحكام لدولة لا تؤمن أو لا تقوم على أساس عقيدته ومبادئه، ولا يقول بهذا إلا من فقد رشده أو غالط نفسه أو قصد المراوغة والخداع". (١)
والطريف أن نجد جاك روسو يسوغ رفضه الدين العالمي الذي يتدخل في الشؤون المدنية بأن ذلك يؤدي إلى الاعتراف برئيسين وسلطانين وقانونين وهو ما لا ريب في سخفه وعدم إمكانه فيقول: "قد ينقسم الدين على ضوء علاقته بالمجتمع التي تكون إما علاقة عامة أو خاصة إلى نوعين: وهما دين الإنسان ودين الوطن.
الأول: وهو بلا معابد ولا هياكل ولا طقوس، مقتصر على العبادة الداخلية المحضة لله الأعلى، وعلى الواجبات الأخلاقية الأبدية يكون دين الإنجيل النقي والبسيط، التوحيد الحقيقي وهو ما يمكن أن نسميه: القانون الإلهي الطبيعي.
الثاني: وهو مدون في بلد وحيد يمنحه آلهته وشفعاؤه الخاصون وحماته وله عقائده وطقوسه وعبادته الخارجية المفروضة بالقوانين وفيما عدا الأمة التي تعتنقه، يكون كل إنسان بالنسبة له كافرًا، أجنبيًّا، بربريًّا، وهو لا يمد واجبات الإنسان وحقوقه خارج حدود هياكله. كانت هذه هي أديان الشعوب الأولى جميعها التي يمكن أن نطلق عليها اسم القانون الإلهي المدني أو الوضعي.
стр. 11638
ثمة نوع ثالث من الأديان أكثر غرابة، إذ إنه بتقديمه للبشر تشريعين وطنيين يخضعهم لواجبات متناقضة ويمنعهم من أن يكونوا في آن واحد مؤمنين ومواطنين. ذلك هو دين اللامين، ودين اليانيين والمسيحية الرومانية، ويمكن تسمية هذا الدين بدين الكاهن، وينشأ عنه نوع من القانون المختلط والانطوائي لا اسم له إطلاقًا.
وإذا ما نظرنا سياسيًّا إلى هذه الأنواع الثلاثة من الأديان وجدنا أنها تنطوي على أخطاء.
فالثالث واضح كل الوضوح أنه سيء، ومن العبث إضاعة الوقت في البرهان على ذلك، إذ إن كل ما يفرق الوحدة الاجتماعية لا قيمة له، وجميع المؤسسات التي تضع الإنسان في تناقض مع نفسه لا قيمة لها" (١) .
وروسو هنا ينظر للدين نظرة المشرع الوضعي المؤمن بالديمقراطية والنظام المدني وهو يحاسب الدين على ضوء خدمته لهذا النظام. فيقسم الدين إلى دين روحاني عالمي لا ربط له بالحياة، وآخر إقليمي ذي هياكل وهو يسند القانون الوضعي، وثالث عالمي متدخل في شؤون الإنسان ويرى أن الثالث واضح البطلان.
والواقع أن الدين العالمي المتدخل لو كان يعترف بقانونين وسلطانين ووطنين أحدهما للدين والآخر للدولة، فما أسخفه وما أبعده عن الواقع.
ولكن الإسلام هو الدين العالمي المنظم لشؤون الإنسان على ضوء علم وحكمة إلهيين واسعين لا يسمح بقيام نظام وسلطة أخرى إلى جنب سلطته وحكومته وإلا ألقى الإنسان في تناقض مع نفسه كما فعلت المسيحية المحرفة بتدخلها القليل في شؤون الإنسان واعترافها بالنظم المدنية.
إن الإسلام يعتبر نفسه هو الحاكم وهو المسيطر وهو المطاع وهو الموجه لشؤون الحياة، كما ستأتي بعض النصوص في ذلك. وهو الذي يربط بين شؤون الدنيا والآخرة ربطًا تامًّا حتى أنه دعا لأن تكون الحياة بمفهومها الواسع عبادة وقربة إلى الله، فلا معنى للقول بعد ذلك، بأن هذا من أمور الدنيا وذاك من أمور الآخرة وهذا من أمور الدين وذلك من أمور الدولة والدنيا وأمثال ذلك.
стр. 11639
وثالثًا: لأن القرآن والإسلام دعوة انقلابية تربوية تريد أن تربي الإنسانية العابدة تنفي كل بذور الجاهلية في العقيدة والنظام والأخلاق والتقاليد وغيرها.
والتربية تعني أول ما تعني مسك أَزِمّة الأمور ثم وضع برنامج تربوي عام وخلق التلاؤم بين مختلف نواحي الحياة ونظمها خدمة لذلك الهدف التربوي العام الذي بينته الآية الكريمة ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (١) .
تحقيقًا لمدارج التكامل الإنساني ومن هنا يتغير هدف الحكومة في الإسلام ويختلف عن أهداف الحكومة في المجتمعات الوضعية ـ كما قلناه ـ حيث ركزت على تحقيق رفاهية المواطنين وراحتهم في حين يطلب الإسلام من (الإمام) وهو عنوان الدولة الإسلامية أن يراقب تحولات المجتمع ويسوقه نحو كماله في مختلف الجوانب. كما سيأتي مزيد توضيح لهذه النطقة.
رابعًا: فإن طبيعة العقيدة الإسلامية تقضي أن تستمد الحكومة ولايتها وقدرتها ومبادئها من الإسلام فإن أساس الإسلام هو التوحيد الخالص وولاية الله الحقيقية ومالكيته للكون والإنسان ولن يملك أي إنسان ولاية على آخر إلا بسماح الله له وقد رأينا من قبل أن الحكومة بطبيعتها تحتاج إلى من يمنحها هذه الولاية ووفقًا للعقيدة الإسلامية وأساسها التوحيدي الحنيف لا يملك حتى الناس أنفسهم سلطة تولية الآخرين عليهم إلا بإذن إلهي.
ومن هنا كان النبي ﷺ أولى بالمؤمنين من أنفسهم كما في حديث الغدير المتواتر , وكان الإمام أولى بالمؤمنين كما سيأتي:
هذا بيان موجزة عن اقتضاء طبيعة الإسلام وواقعيته لأن يضع الإسلام أسس دولته الخالدة خلود رسالته.
стр. 11640
(ب) النصوص الإسلامية:
والنصوص الإسلامية التي تشير من قرب أو بعد إلى التحام مسألة الحكم بالإسلام كثيرة نلاحظ منها ما يلي: يقول تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ (١) .
و ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (٢) .
و ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٣) .
﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (٤) .
وروي عن الرسول ﷺ قول المقطوع به: ((من مات وليس في عنقه بيعة لإمام فقد مات في جاهلية)) وحديث الغدير الذي أكد فيه ﷺ أنه أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وأمثال ذلك.
بل إذا لاحظنا الأدلة القاطعة التي تؤيد وجهة النظر هذه التي استقي بعضها من الروايات، عرفنا أن مسألة الحكم تشكل معلمًا بارزًا من معالم الإسلام وبدونها لا يكمل الدين، بل يشكل نظام الإمامة امتدادًا للنبوة مع فوارق بينهما.
ولكنا نكتفي هنا بذكر نص واحد عن الإمام الرضا (ع) يقول فيه:
"يا عبد العزيز، جهل القوم، وخدعوا عن أديانهم، إن الله ﵎ لم يقبض نبيه ﷺ حتى أكمل له الدين، وأنزل عليه القرآن فيه تفصيل كل شيء، بين فيه الحلال والحرام، والحدود والأحكام وجميع ما حتاج إليه الأمة فقال : ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ (٥) .
وأنزل في حجة الوداع وهي آخر عمره: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (٦) .
وأمر الإمامة من تمام الدين، ولم يرحل ﷺ حتى بين لأمته معالم دينهم وأوضح لهم سبلهم" (٧) .
стр. 11641
(ج) التاريخ الإسلامي:
ولا نجدنا بحاجة إلى استعراضه لوضوح قيادة النبي ﷺ والصحابة والأئمة لشؤون الحكم، وما كان الهدف المعلن للإمام الحسين (ع) إلا استلام الحكم من يزيد، وإقامة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
(د) الضرورة الإسلامية:
فإن مسألة الحكم وارتباطها بالإسلام لم يختلف فيها أحد، فحتى الخوارج الذين رفضوا حكام عصرهم نسبوا الحكم إلى الله غافلين عن أن الله لا بد وأن يعين من يطبق شريعته على الأرض ويقود عملية التربية الكبرى.
النقطة الثانية:
بالنسبة إلى الدوافع التي ذكرت للقول بفصل الإسلام عن مسألة الحكم نود أن نقول:
إن علائم التعمد والتحريف واضحة في كتاب "الإسلام وأصول الحكم" ولعل مؤلفه كان أدرى بأن ما يستدل به لا يتجاوز ما لا تستقيم دلالته على مدلوله أو ما لا يعدو كونه قصة تاريخية لا تملك سندًا شرعيًّا أو ظنًّا لا يغني عن الحق شيئًا.
أما الدوافع التي ذكرت بعد ذلك، فالدافع الأول منها سياسي محض وفرض وهم، إذ كيف يمكن أن نتصور بريطانيا تعمل على إرجاع الخلافة الإسلامية ولو في شخص رجل منحرف مثل الملك فؤاد، وهي التي عملت المستحيل وتوسلت بكل السبل لإفناء الخلافة العثمانية بفعل تحريك العميل الصهيوني الكبير أتاتورك وتحريك العرب وإثارة الروح القومية فيهم؟ وأمثال ذلك فلا يعدو هذا إلا وهمًا. نعم يمكن أن نتصور الاستعمار البريطاني نفسه يدفع أمثال "علي عبد الرازق" لفصل الإسلام عن مسألة الحكم وبالتالي خلق روحية الحكم المدني وجعل الدين ذا دور غير أساسي في التشريع وهو ما طبقه الاستعمار فعلًا في الدويلات التي شكلها بشكل غير مباشر وصاغ قوانينها الوضعية معطيًا للإسلام بعض المجالات القليلة كالشؤون الشخصية من زواج وطلاق وأمثالهما.
وأما الدافع الثاني: وهو التخوف من سيطرة الفقهاء على الدولة وتجميدها فقد رأينا الدكتور متولي يرده بأن الحكم الإسلامي يعزز مكانة الفقيه ولكنه لا يجعله رجل الدولة الوحيد ثم يذكر مثلًا للحاكم الإسلامي مجسدًا حكامًا مثل يزيد , ولم يكن يزيد بن معاوية من الفقهاء.
стр. 11642
والرد قد يمكن توجيهه إلى حد ما طبق الأطروحة التي تعتمد الشورى أساسًا , وإن أمكن القول بأن أهل الحل والعقد المتدينين سوف يميلون بالطبع إلى رجال الفقه والدين، فإذا افترضنا هؤلاء ممن ابتلوا بالجمود كان من المتوقع للدولة الجمود على وضعها وعدم تطورها وهذا ما يرفضه المنطق الاجتماعي ولكن النقص الأساسي في الرد يكمن في تمثيله بحكام امتلكوا الأمر بالجور والقهر والقتل وشوهوا وجه التاريخ الإسلامي بالظلم والهتك والمكر , فهل يرضى الدكتور أن يمتلك أمر الأمة أمثال يزيد؟ إنها والله الداهية الدهياء , على أن الرد لا ينسجم مع النظرية التي تعطي الفقيه الدور الأساسي في الأطروحة ضمن شروط خاصة كما سنبين.
وأم الدافع الثالث: فهو دافع متوقع جدًّا بعد نفوذ الغرب وتصوره عن الدين وتشبع المثقفين العرب بذلك , وبهر الغرب لهم بنظامه الديمقراطي الذي يفصل بين الدين والسلطة , وهو أمر ينسجم مع الدين المسيحي المنحرف , والذي لم يعد سوى دين ينظم جوانب العبادة الشكلية لا غير، وسنوضح هذه النقطة في البحث التالي عن العلمانية.
والشيء الهام الذي نود التنبيه عليه في هذا المجال هو أن نقاط الضعف الكبرى الموجودة في بعض التصورات لنظام الحكم في الإسلام، كان لها أكبر الأثر في موقف هؤلاء إن لم تكن هي الدافع الرئيس لذلك.
ولكن هنا نلخص بعضها المحتمل قويًّا تأثيره في هذا الموقف:
(أ) ضعف الأدلة المقامة على نوعية نظام الحكم " الشورى " المستقل عن عنصر الولاية وقبوله كلها للمناقشة الدلالية وبعضها للمناقشة السندية، ولعل كلمة خالد محمد خالد تشير إلى ذلك.
(ب) غموض نظام الشورى وعدم احتوائه ـ على الأقل ـ على المبادئ الضرورية لتكوين أي نظام.
(ج) تأرجح تطبيق هذا النظام بين تطبيقات مختلفة.
(د) تعميم عنوان (ولي الأمر) لكل من مسك بأزمة الأمور، وتعيين وجوب طاعته حتى ولو كان فاسقًا.
(هـ) وجود نقاط ضعف ولعل أهمها ما جاء في تفسير حديث (أنتم أعلم بشؤون دنياكم) .
فإذا ضممنا إلى ما تقدم المستوى الفكري غير المتحول الذي وصل إليه بعض الفقهاء في العصور الأخيرة , والجمود الذي ابتلوا به على أثر إغلاق باب الاجتهاد والتبعية المطلقة للرئاسة الدينية للدولة القائمة , وحدوث الكثير من العقبات في وجه الفقيه غير المجتهد. إذا ضممنا إليه كل ذلك عرفنا جانبًا هامًّا من جوانب هذه الدعوة الخطيرة.
стр. 11643
النقطة الثالثة: مناقشة أدلة هذا الاتجاه.
وهنا لا بأس بالتعرض للرد الموجز على الأدلة المذكورة:
أولًا ـ الآيات القرآنية:
من قبيل ﴿لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾ ومن الواضح لكل من لاحظ هذه الآيات أنها آيات مكية إلا الآية الكريمة: ﴿وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ (١) , ولاحظ أسباب نزولها وأنها كانت تطيب من خاطر النبي ﷺ الذي كان يتألم كثيرا لإعراض بعض المشركين ووقوفهم بوجه دعوتهم الكبرى، فتخبره أن لا يبخع نفسه على أن لا يكونوا مؤمنين , فليس عليه إلا البلاغ , أما إذا رفضوا الإسلام فليس هو بوكيل حفيظ عليهم، أنها لا تدل على المدعّى المذكور وليست بهذا الصدد.
ويوضح هذا ـ بالإضافة لملاحظة سباق الآيات وأسباب نزولها ـ الآيات الكثيرة التي ذكرنا بعضها , والتي تؤكد أن الرسول هو الشهيد على هذه الأمة , وتوجب طاعته وقيادته ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ (٢)
و ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (٣) و ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ (٤) .
وكلها تتحدث عن قيادته ومسؤوليته تجاه أمته وأنه أولى بها من نفسها.
أما الكافرون المكذبون فليس هو بمسؤول عن تكذيبهم وإنما سيجزون بما كفروا يوم القيامة.
وكذلك يوضح ذلك موقف الرسول العملي وقيادته للحياة العامة وعدم اقتصاره على مجرد التبليغ والإنذار بالضرورة.
стр. 11644
ثانيًا ـ الأحاديث النبوية:
فلو غضضنا النظر عن أسانيدها ولم نناقش رواتها واحدًا واحدًا ـ وهو طبيعي ـ فإن الحديث الأول واضح الدلالة على أن الحاكم الإسلامي حتى ولو كان هو النبي ﷺ ليس ملكًا جبارًا مستبدًا يحكم بهواه ويقتل بغير حساب، ويقهر رعيته بالرهبة والجبروت , وإنما ينبغي أن يكون الرحيم العطوف الودود برعيته كما كان النبي ﷺ وكما كان الخلفاء وها هو على تراه في أصحابه كأحدهم وهو يكتب إلى عامله على مصر (مالك الأشتر) كتابًا رائعًا يقول فيه من جملة ما يقول: "وأشعر قلبك الرحمة للرعية، والمحبة لهم واللطف بهم، ولا تكونن عليهم سبعًا ضاريًا تغتنم أكلهم , فإنهم صنفان إما أخ لك في الدين، أو نظير لك في الخلق.." [نهج البلاغة، صبحي الصالح ص ٤٢٧] .
أما حديث ((أنتم أعلم بشؤون دنياكم ... )) فإنه أقوى دلالة على المطلوب لو صح وإن كان من الممكن النقاش فيه على أساس أن المقصود من أمور الدنيا الأمور التجريبية التي يدركها الإنسان بالممارسة وليست مسألة الحكم أمرًا من هذا القبيل بل هي العمود الرئيسي للمجتمع الذي يعمل الإسلام على بنائه , وخصوصًا بالنسبة لفترة ما بعد الرسول ﷺ .
ولكن الكلام كل الكلام في صحة هذا الحديث وذلك:
(أ) كيف يعقل أن لا يعلم النبي ﷺ وهو الذي يعيش في مجتمع أهم زراعة فيه هو زراعة النخل , إن تأبيره ضروري لإنتاجه حتى لو فرضناه غير متصل بالسماء في هذه الأمور على الأقل؟ وكيف لم يرد عليه الفلاحون؟
(ب) إن الإسلام كما قلنا أعطى رأيه في مختلف الشؤون الدنيوية بعد أن ضبط كل تصرفات الإنسان تحت عنوان الحلال والحرام كما مر، وقد تدخل النبي ﷺ في مختلف شؤونهم الحياتية حتى بصفته ولي الأمر , فقاد الجيوش ووجههم في مختلف الأمور كما في المجال الصحي وفي المجال الاقتصادي وأمثال ذلك.
(ج) وقد قام بعض العلماء بمناقشة هذا الحديث سندًا ودلالة فاغنونا عن البحث فيه.
стр. 11645
ثالثًا ـ الأدلة العقلية:
وكلها لا تصلح دليلًا على المدعي.
أما استبعاد إمكان الحكومة العالمية، فهو قائم على أساس أنه يفرض على الجميع نمطًا واحدًا من السلوك رغم اختلاف المناطق بينهم. المفروض هو أن يكون الموجه الواحد للعالم والحكومة الواحدة متمثلًا بحكومة الإسلام والإمام , ولا يوجد أي مانع عقلي أو واقعي من ذلك، بل إن بعض كبار المفكرين والسياسيين في العصر الحديث يعدون ذلك إحدى الضرورات التي لا غنى عنها للبشرية، على أنه لا يهمنا رأي هؤلاء بعد أن وعد الله المؤمنين بالدولة العالمية التي تملأ الأرض قسطًا وعدلًا: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ﴾ (١) .
إن الإسلام كما هو واضح من مختلف جهاته يريد أن ينسق مسيرة الأرض الواحدة نحو تكاملها، وهذا لا يفرض إلا وحدة عامة , ولا مانع فيه من الاختلاف في بعض التطبيقات مراعاة للظروف.
وأما مدعاه في أن مسألة الحكم أمر دنيوي خلى فيه الرسول بيننا وبين عقولنا فقد توضح أمره بما سبق.
وأما المدعى الثالث في أن الرسول لم يبن الدولة ولا وضع مبادئ الحكم ولم يوص بشيء، ولا عين تفصيلات الشورى، فالواقع فيه أن الرسول لاحظ كل ما يتعلق بهذا الأمر فخطط لإقامة الدولة الإسلامية أروع تخطيط يتناسب ـ طبعًا ـ ومستوى الاحتياجات في عصره , ثم بين أهم مبدأ في نظام الحكم بأن جعل الحاكم الأول في الدولة هو المعصوم العالم السائر على خط الإسلام الذي يعين شكل التنظيم الإداري وهو يختلف باختلاف الظروف.
وأما ما ذكره البعض تأييدًا له فهو أيضًا غير صحيح، إذا المؤسس الحقيقي لنظام الحكم الإسلامي هو النبي ﷺ .
стр. 11646
وأما ما قيل من أن الدين نظام ثابت والدولة نظام متغير فهو أمر يخلط فيه بين جوانب الدين الثابتة التي تعالج أمورًا ثابتة وجوانب الدين المرنة التي تعالج أمورًا متغيرة كمسألة نوعية التنظيم والإدارة , فإن الجوانب المتغيرة من الحياة كعلاقة الإنسان بالطبيعة أو كبعض العلاقات الاجتماعية تحكمها ضوابط عامة يكون تطبيقها مرنًا يختلف باختلاف الظروف مثل قواعد (منع الضرر) و (التزاحم بين الأهم والمهم) و (نمو الإنتاج) وأمثال ذلك.
ومن تلك الجوانب أسلوب الإدارة المختلف باختلاف الظروف , ولذا شكل منطقة فراغ يملأها الإمام وربما عمد إلى الشورى في ذلك، أما الشكل العام الذي ينسجم مع الضوابط العامة فهو أمر ثابت لا يتغير , وسيأتي مزيد حديث عن هذا البحث التالي.
أما مسألة فشل الحكومات الدينية فليس يعني أن كل حكومة دينية فاشلة مطلقًا خصوصًا بعد أن نجد الحكومات المذكورة لا تتبع النظام الإسلامي الكامل , وتحيد عن الصيغة الإسلامية بأي شكل تصورناها , وهل يتحمل الإسلام وزر عمل الطاغية يزيد والحجاج وباقي حكام الجور وبعض الخلفاء العثمانيين وأمثالهم.
وربما يحلو لبعض الكتاب مثل (طه حسين) أن يجعل الزمان غير مناسب للحكومة الإسلامية التي أرادها علي (ع) ولذلك لم ينجح في إنشاء دولة العدل بعد أن مال الناس إلى ملكية معاوية , فيقول: "كان علي (ع) يدير خلافة وكان معاوية يدير ملكًا , وكان عصر الخلافة قد انقضى وكان عصر الملك قد أطل".
ولكن طه حسين لم يلتفت إلى أن وجود العقبات في وجه أمير المؤمنين لم يكن من مقتضيات التطور الاجتماعي , وإنما هي حالة طارئة وجدت بفعل عوامل معينة ولم تكن لتستطيع الثبات بوجه العدل العلوي لو فقدت أحد مقوماتها صدفة , كأن لم يخدع بعض الناس فيعلن الثورة على أمير المؤمنين مما خلق الضعف الكبير في الدولة الإسلامية التي يقودها , وأفشل التطبيق الإسلامي النظيف وحرمنا الكثير من الخيرات.
ورغم كل هذا فإن الفرص التي أتيحت للحكم الديني كي يشمل المجتمع شكلت أروع تجربة بشرية على الإطلاق.
بل أن هناك أنماطًا من التطبيق المنحرف لنظام الحكم الإسلامي هي أفضل بكثير من تطبيق أي نظام لا إسلامي بشهادة التاريخ.
стр. 11647
الفرع الثاني ـ العلمانية الغربية وآثارها على العالم الإسلامي:
والمقصود بالعلمانية ـ المأخوذة من كلمة (العالم) أي (الزمان) ـ أن يكون الحكم بيد قادة زمنيين لا يلتزمون بالدين تشريعًا وتنفيذًا.
ومن الخطأ تفسيرها بأنها مذهب يدعو للاستفادة من العلم الحديث مثلًا أو أنها مجرد مذهب يدعو لإقامة التنظيم الإداري والاجتماعي على أسس عملية مدروسة وأمثال ذلك.
وقد نشأ هذا المذهب من خلال إرهاصات عديدة وصراعات بين السلطة الدينية والسلطة المدنية في الغرب. وهو ما اعترفت به المسيحية بادئ الأمر.
مما خلق هذا التناقض المرير وأدى في النهاية إلى هذا المذهب.
وقد ذكر بعض الكتاب أن دعاة العلمانية يسوقون الحجج التالية لضرورة بناء الدولة العلمانية واستمداد التشريع والتنفيذ من غير الدين بل وعدم إعطائه محلًا لائقًا في المجتمع، وهي:
١ ـ أن الدولة الدينية تعني سيطرة رجال الدين مما يعني تحكمهم بمصائر الناس.
٢ ـ أن قوانين الدولة الدينية ثابتة كنظرتها إلى الحقييقة وهي تؤدي بالتالي إلى بقاء المجتمع وعدم تطوره، وهذا شبيه بما قاله الماركسيون لرد الفلسفة المثالية، والقول بتطور الحقيقة نفسها.
٣ ـ من النادر وجود دولة ينتسب جميع مواطنيها إلى دين واحد فإذا كانت دينية وقع التمييز بين المواطنين.
٤ ـ إن الدين له تصورات معينة عن الكون والحياة والإنسان والتاريخ، والدولة الدينية تتبع تلك التصورات مما يعوق التقدم العلمي ويقود إلى فجائع حفل بها التاريخ.
٥ ـ جاء في تصريحات بعض القادة العلمانيين، أن المناداة بدولة دينية تعني إعطاء إسرائيل مسوغًا لقيامها واعتدائها، وهي بالتالي خدمة للصهيونية العالمية.
هذا في حين تتمتع الدولة العلمانية بالخصائص التالية:
١ ـ الحركية والاستمرار والتطور الاجتماعي.
٢ ـ مركز حقوق متساو لجميع المواطنين على اختلاف انتماءاتهم الدينية.
٣ ـ سيطرة الشعب على الحكم وكونه مصدر السلطات.
٤ ـ فسح المجال لحركة التقدم العلمي.
стр. 11648
العلمانية والإسلام:
لا ريب في أن المسيحية قنعت بنصيب ما منحتها إياه بعض العلمانيات المعتدلة , بحيث تقوم بنشاط معين في إطار الدولة العلمانية في قبالة العلمانية الماركسية التي رفضت أي نشاط متصور لها. وهذا ما حدث أخيرًا في إيطاليا مثلًا.
ولكن ما هو موقف الإسلام منها؟ وهل تمتلك مسوغاتها في الحقل الإسلامي؟
إننا نرى أن الإسلام لم يدع منذ البدء مجالًا لحدوث هذه النتيجة بعد أن قرر:
أولًا: وحدة السلطتين الدينية والسياسية بل جعل تعيين الإمام (وهو القائد السياسي والديني في آن واحد) إتمامًا للدين وإكمالًا للنعمة السماوية على الأرض كلها , ولم يسمح بأي انفصال جوهري بينهما، وأي انفصال رئي بعد ذلك فإنما كان يعبر عن تطبيق غير سليم للإسلام.
وإذا رجعنا إلى ملاحظة صفات الإمام أو الحاكم في الإسلام لم يبق مجال مطلقًا لتصور عملية تكريس للذات ومصالحها، بعد فرض علمه الفقهي الواسع والتزامه الكامل بتطبيق الشريعة الإسلامية المقررة. هذا والتاريخ يشهد على السيرة الممتازة التي سار فيها قادة المسلمين، بغض النظر عن بعض الذين تحدوا وطغوا. وإذا نظرنا إلى نظام (نيابة الفقيه عن الإمام) وولايته وجدنا أن الفقيه لا يمتلك هذا المقام إلا بعد توفر شروط أهمها (الكفاءة، والعدالة، والفقه العميق) ويفقد أي قدرة بفقدان أي منها، والأمة المشبعة بروح هذه الشروط هي المراقبة لسير هذا الفقيه كما أن مجلس الفقهاء العدول الأكفاء هو الحارس الأمين على السير الصحيح (١) .
وحتى إذا نظرنا لنظام الشورى ـ بدون ولاية لشخص ما ـ نجد أنه أفضل بكثير من أي نظام زمني يسلم أموره كلها لآراء الشعب لأنه يسير وفق تشريع سماوي مسبق وطبق ضوابط شرعية.
وعلى أي حال فإن الإسلام لم يفسح المجال مطلقًا لظهور هذه الثنائية بين السلطة المدنية والسلطة الدينية وهي من أفدح الأخطاء التي تفقد السلطة السياسية دورها الحقيقي في نفس الوقت الذي تشوه حقيقة الدين وتوجيهه للحياة.
ثانيًا: خطط الإسلام للجانب المتغير من الحياة فوضع القواعد العامة والأحكام الظاهرية والاضطرارية وفتح مناطق فراغ يملأها الحاكم الإسلامي الفقيه العادل على ضوء مشورته ومتطلبات الظروف إلى جانب إشباعه للجانب الثابت في الحياة الإنسانية ـ وهو الجانب الفطري الأصيل ـ بقوانين ثابتة. فلا مجال إذن للجمود وأمثال ذلك.
وقد تصور هؤلاء أن الدولة الدينية لما كانت تقوم على الإيمان بحقائق فلسفية مطلقة ثابتة بل وتؤمن بلزوم الإطلاق في الحقيقة بمعنى (مطابقة الفكرة للواقع الخارجي) فهذا يعني الإيمان بقوانين اجتماعية ثابتة لا تتغير مطلقًا وهو لا يعدو مجرد خلط وسخف , فالإيمان بالحقيقية المطلقة شرط لأن تفرض إمكان المعرفة وحصول اليقين بالواقع الموضوعي الخارجي , ولا ربط له بالإيمان بثبات كل النظم الاجتماعية أو عدمه.
إن الإسلام يؤمن بتطور كثير من الجوانب الاجتاعية في نفس الوقت الذي يؤمن فيه بثبات الحقيقية الفلسفية؛ لأنهما مجالان لا ربط بينهما ولا يخلط بينهما إلا جاهل أو مغالط.
стр. 11649
ثالثًا: إن الإسلام أعطى الدين مفهومه الصحيح فلم يعد مجرد شأن شخصي يمكن أن يتنازل عنه الفرد لصالح النظام الاجتماعي العام ـ كما تصوره الغربيون ـ ومن هنا قالوا: بأن إقامة الدولة الدينية تعني إعطاء امتيازات شخصية لاتباع الدين دون غيرهم , وإنما عاد الدين كل شيء في حياة الإنسان؛ لأنه تصورات واقعية عن الكون والإنسان يثبتها المنطق الصحيح، ونظم تعالج مسيرة الإنسان على ضوء علم إلهي غير محدود وحكمة شاملة، ومع هذا التصور والمبدأ يختل التقييم. إن الدين حينئذ يحاول أن يبني الإنسانية الصالحة لا أن ينظم مجرد علاقة روحية شخصية للفرد بخالقه. وانطلاقًا من هذا المبدأ فمن الطبيعي أن نتوقع للإسلام أن يقوّم الحياة كلها ولا يسلم أموره بيد دولة لا تؤمن له، ومن الطبيعي بحكم نقطة كونه مخولًا من رب الإنسانية أن يدعو الناس جميعًا للدخول تحت سلطته. كما أن من الطبيعي أن يكون المسلم المنسجم مع أهداف أوسع حقوقًا كما يكون أكثر تحملًا للمسؤوليات في الدولة المسلمة.
وهذا لا يعني أن الإسلام يعمل على وضع تمييزات كبرى في دولته بين المسلم وغير المسلم , وإنما يقيم توازنًا بين الحقوق والمسؤوليات , كما هو مبين في متون الفقه الإسلامي.
وربما نجد بعض المفكرين المسلمين يعالجون المسألة من سبيل آخر فيدعون أن كون الدولة مسلمة في الأقطارالإسلامية أمر طبيعي , وسائر وفق القوانين الديمقراطية بعد انتخاب الأكثرية المسلمة لها. وهذا الإصلاح أمر لا مسوغ له بعد ملاحظة حقيقة التصور الإسلامي للحكم. وإن الإسلام لا يحكم من خلال هذا المنطق وليس لمبدأ الأكثرية تأثير إلا في إطار سماح المذهب الإسلامي للحكم. والواقع أننا يجب أن لا نجعل الديمقراطية هي الأصل الذي يقرر مصير الحكم الإسلامي، والتشريعات الإسلامية للحياة فالعكس هو السبيل المنطقي الصحيح.
стр. 11650
رابعًا: ولا تجدنا هنا بحاجة لتوضيح موقف الإسلام من التقدم العلمي واحتضانه للعلماء في مختلف المجالات , ويكفيه أنه صنع ـ رغم الانحراف في تطبيقه ـ الحضارة العلمية الناصعة في عصر كانت أوروبا تغط فيه في سبات قائل، والواقع أنه لا يمكن تقديم رقم واحد يوضح وقوف الإسلام أمام أي تقدم إنساني في حين يمكن تقديم الأرقام الكثيرة على تنمية الإسلام لروح التقدم الإنساني والبحث. وقد فرض الإسلام ـ كفاية ـ العمل على كون المجتمع الإسلامي دائمًا في طليعة المجتعات. نعم كان التقدم العلمي في الإسلام إنسانيًّا أي منسجمًا مع التقدم الأخلاقي لا متعارضًا معه وهذا له مجاله الرحب من الحديث.
وعليه:
فإن العلمانية تفقد أي مسوغ لها في الإطار الإسلامي , وإنما حمل لواءها الاستعمار وعاونه بعض المسيحيين والمسلمين المتفرنجين , ورفعوا لواء الإصلاح ونجحوا في ما قاموا به على اختلاف في درجات النجاح , ولكن النتيجة لم تكن إلا التخلف وربط مسيرة الأمة بعجلة الغرب وفقدان الأمة جل خصائصها الإيجابية , وتحكم الطغاة فيها بمختلف الألوان.
стр. 11651
الفرع الثالث ـ الإسلام والسيادة في الدولة:
اتضح من البحوث السابقة أن الإسلام يعتبر نفسه هو المسؤول الأول والأخير عن نظام الحكم في الأمة المسلمة، ولذا لا يبقى أي شك في أن السيادة في تصور الإسلام لله تعالى باعتباره المولى الحقيقي. وبهذا الاعتبار نستطيع أن نقرر منطقية الحكم الإسلامي ووجدانيته.
ولذا فلسنا مع الدكتور عبد الحميد متولي في رده العنيف على طرح "مشكلة السيادة" في البحوث الإسلامية مدعيًا أنها نظرية نشأت في ظروف فرنسية , وأن الظروف التي دعت لطرح المشكلة هي ظروف أوروبية محضة وقد زالت فعلًا، ومؤكدًا أن العلماء المسلمين لم يبحثوها، وإن بحثها الحديث يولد أضرارًا منها: نسبة بعض الأخطاء إلى بعض الخلفاء والعلماء , ومنها ادعاء الثيوقراطية للنظام الإسلامي , مع أن الثيوقراطية في نظر علماء الغرب تعتبر الشكل المعروف للدولة في حياة البشرية في حالتها البدائية، كما أنها تعني في بعض صورها (نظرية التفويض الإلهي) التي استند إليها السلاطين لتسويغ استبدادهم، وأخيرا يقول: "مما تقدم يتبين أن الإسلام في غير حاجة إلى إثارة تلك المسألة أو المشكلة التي لا تؤدي إثارتها إلى حل مشكلة من مشكلاته، وإنما تؤدي إلى خلق مشكلة جديدة الإسلام عنها في غنى" (١) .
والواقع: إننا لم نتفهم كيف عادت هذه المسألة أمرًا غير ذي بال؟ وكيف لم تكن مطروحة لدى المسلمين رغم أنهم جميعًا استدلوا على صحة ما يقولون بدليل شرعي يثبت في نظرهم أن الله منح السيادة لهذا الشخص مباشرة أو لمن يصل إلى هذا المنصب عن طريق وبشروط معينة ولو كان ذلك عن طريق انتخاب الأمة أو أهل الحل والعقد.
إننا إذا عزلنا الحاكم عن هذه المسألة لم يكن يملك فرض أي حكم عام.
ولعل وضوح كون السيادة في الإسلام لله هو الذي صور للدكتور المذكور أن المسلمين لم يعرفوا هذا المبدأ.
أما ما ذكره من الأخطار (في تصوره) فليست إلا أخطاء في البحث أو النسبة وكشفًا لفضائح كان ينبغي أن تكشف كما في مجال عمل بعض حكام السوء والمتملقين لهم، وسيتبين أن النظام الإسلامي يختلف تمام الاختلاف عن الثيوقراطية الغربية وقد أشار إلى ذلك المودودي في كتابه.
نعم لم يكن هناك إلا نزاع صوري بين من جعل حق السيادة لله من السنة كالمودودي، ومن جعلها حقا للأمة كالخفيف فإن هذا الأمر الأخير أيضًا إنما يتصورها حقا للأمة بإعطاء الله هذا الحق لها إذ يستدل على مبدأ الشورى بمثل ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ مع فرض أن المولى هنا في مقام الشريع لا الإخبار عن حق مسبق للأمة بل حتى لو كان يخبر فإنما يخبر عن جُعل إلهي مسبق لهذا الحق للأمة.
وعلى أي حال فالاتفاق الإسلامي حاصل على أن حق السيادة لله لا غير، وإنما يبحث عمن أعطاه الله هذا الحق.
стр. 11652
خامسا: أما ما ذكر من قبل بعض القادة العلمانيين فهو أمر غريب حقًّا.
ذلك أننا إذا استندنا إلى هذا المنطق تجاهلنا:
أولًا: كل التعاليم الإسلامية الداعية إلى الحكم الإسلامي، وإقامة نظام الحياة الاجتماعية على أساس ديني ...
﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (١) .
﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (٢) .
﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (٣) .
وتناقضنا مع إيماننا:
﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ (٤) .
стр. 11653
وثانيًا: فإن إسرائيل لم تقم على منطق سوى السيف والقوة والاعتداء ومثل هذا التقول يكاد يعطيها الحق في القيام باعتبار أنه يشكل الدليل التالي: إسرائيل تقوم على أساس الدين الواحد.
وفكرة كون الدين أساسًا للحياة هي فكرة صائبة. فإسرائيل تقوم على حق.
في حين أن الواقع في المسألة الإسرائيلية:
١ ـ إنها لا تؤمن بأي دين حتى اليهودية , وليست سوى قاعدة استعمارية استكبارية زرعها الكفر ليفجر المنطقة الإسلامية ويسوقها إلى أهدافه الرخيصة.
٢ ـ إنها لم تستند في قيامها إلى مثل هذا المنطق، استنادًا حقيقيًّا. بحيث يفسح لها المجال في القيام وإنم كانت ذريعة سبقتها القوة والغضب.
٣ ـ إن فلسطين هي أرض إسلامية منذ مئات السنين وحتى اليوم فلا بد أن يدعو هذا المنطق (منطق قيام الحكم على أساس ديني) إلى قيام حكومة إسلامية فيها، خصوصًا إذا علمنا أن أكثر يهودها قد جاءوا من أماكن أخرى وأن أكثر أهاليها الحقيقيين قد شردوا في البلاد.
وثالثًا: إذا كان هناك من يستغل مبدأً صحيحًا ويطبقه تطبيقًا خاطئًا فهل هذا يعني أن نرفع أيدينا عن المبدأ الصحيح؟
فمثلا إذا كان من ادعوا (المهدوية) في التاريخ أناسا منحرفين فهل هذا يعني أن نرفع أيدينا عن الإيمان بفكرة (المهدوية) التي كثرت الروايات وتواترت على صحتها , لا لشيء إلا لأن بعض الأشخاص استغلوها غاية الاستغلال؟ أو فلنقل إن كان هناك أنبياء مزيفون فهل هذا يلزمنا بعدم الإيمان بمبدأ النبوة مطلقًا؟
стр. 11654
الخلاصة
في حديثنا عن الغزو الفكري ذكرنا في الفصل الأول أن الإسلام صنع المعجزات في تقدمه لفتح القلوب إلا أنه واجه أصنافًا من المعارضين فيهم (المترفون، والجاهلون، والحاقدون) .
ورأينا أن تخطيطهم عمومًا يسير عبر الأساليب التالية:
(أ) إيجاد الخواء الحضاري في الأمة الإسلامية.
(ب) بث التعالي الحضاري الغربي وتأكيده بشتى الأساليب.
(ج) الملء الحضاري بالمطلوب من أفكارهم.
وانتقلنا في الفصل الثاني لضرب مثال من الاختراق الحضاري الثقافي للمجتمع الإيراني لنجد أن الحملة تشمل المحاور (السياسية والثقافية، والأخلاقية) ، ووجدنا أن التغريب بأبشع صوره مورس في هذه البلاد ـ عقائديًّا وأخلاقيًّا حتى بلغ الأمر إلى محاربة الفكر الإسلامي بشكل صريح وعلني , والقضاء على كل ما ينتسب للإسلام حتى التاريخ الهجري.
وفي الفصل الثالث: حاولنا أن نميز بين خطين في المواجهة الإعلامية للغزو الثقافي، وهما:
١ ـ الخلط الإعلامي التغييري، وقد امتاز بوعيه للإسلام ونظرته التغييرية وإدراكه لأبعاد الغزو وتركيزه على محور المشكلة وتقديمه للطروحات الأصيلة وتحريكه للحس الحماسي.
٢ ـ الخلط الإعلامي السطحي، وحاولنا تأييد الخط الأول بالعودة إلى القرآن الكريم ومعرفة بعض جوانب منهجه الإعلامي.
وفي الفصل الرابع درسنا نمطين من التشكيك في أهم منابعنا وهما (القرآن والسنة النبوية الشريفة) وحاولنا دفع كل الشبه المذكورة.
وفي الفصل الخامس: تحدثنا باختصار عن الحكم والدولة في الإسلام وعملنا على نفي الاتجاهات المتخاذلة التي تنفي وجود التخطيط لدولة إسلامية.
والله أسأل أن يوفقنا لإقامة هذه الدولة على كل الأرض الإسلامية.
الشيخ محمد علي التسخيري
стр. 11655
الغزو الفكري
إعداد
الدكتور أبو بكر دكوري
عضو مجمع الفقه الإسلامي
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
من أساليب الغزو الفكري إثارة الشبه حول تطبيق الشريعة:
يتعرض الإسلام اليوم لمختلف أنواع الغزو الفكري كل ذلك للتشكيك في صلاحيته لمسايرة تطورات العصر ومتطلبات المدنية ويقصد من كل ذلك محاولة عزل المسلمين عن دينهم الحنيف ومصدر قوتهم الحقيقية.
ولما كانت الشريعة هي التي تمثل الحياة العملية والسلوك الديني والاجتماعي في حياة المسلمين، وبتمسكهم بها يسعدون ويتفوقون على كافة شعوب الأرض. فإنها جديرة بأن توجه إليها سهام الأعداء، فكان لزامًا علينا نحن المسلمين أن ندافع باستمرار عن هذه الشريعة الغراء ونذود عنها أمام الهجمات المتواصلة من المدنية الغربية والشيوعية على حد سواء، وما هذا البحث إلا مساهمة متواضعة مني في هذا السبيل فبالله التوفيق وعليه التوكل.
أقول: الشريعة في اللغة المواضع التي ينحدر الماء منها، قال الليث: وبها سمى ما شرع الله لعباده من الصوم والحج والنكاح وغيره شريعة (١) .
стр. 11656
ويقول الشيخ محمود شلتوت في كتابه (الإسلام عقيدة وشريعة) : "إن الشريعة هي النظم التي شرعها الله أو شرع أصولها ليأخذ الإنسان بها نفسه في علاقته بربه وعلاقته بأخيه المسلم وعلاقته بأخيه الإنسان وعلاقته بالكون وعلاقته بالحياة" (١) .
ومن هذا التعريف نعرف أن الشريعة هي كل شيء بالنسبة للمسلم، إن تمسك بها سعد في الدنيا ونجا في الآخرة؛ لأنها صادرة من عند الله تعالى الذي خلق كل شيء بما فيه الإنسان والزمان والمكان، فكان طبيعيًّا أن يكون أدرى بما يصلح لهذا الإنسان وما يسعده في كل زمان ومكان , وقد صدق الله العظيم بما حين قال: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٢) .
ومن تتبع الشريعة الإسلامية وأمعن النظر في أدلتها وأحكامها، يجد أنها تمتاز عن أي قانون آخر بأنها مزجت بين الدين والدنيا من حيث ترتيب الأحكام الشرعية بهما سواء في ذلك ما يتعلق بالعقوبات أو ما يتعلق بتحقيق مصالح العباد، وهذا ما حمل المسلمين على طاعة الشريعة في السر والعلن وفي السراء والضراء؛ لأنهم يؤمنون بأن الطاعة نوع من العبادة يقربهم إلى الله تعالى، وأنهم مثابون على هذه الطاعة، ومن استطاع منهم أن يرتكب جريمة ويتفادى العقاب فإنه لا يرتكبها مخافة العقاب الأخروي، وغضب الرب عليه وكل ذلك يساعد على قلة الجرائم، ويؤدي إلى حفظ الأمن وصيانة نظام الجماعة، بخلاف القوانين الوضعية فإنها ليس لها في نفوس من يطبقها أو تطبق عليهم ما يحملهم على طاعتها، فمن استطاع منهم أن يرتكب جريمة ما وهو آمن من سطوة القانون، فليس هناك ما يمنعه من ارتكابها من خلق أو دين، لذلك نلاحظ كثرة الجرائم وازديادها في الدول التي تطبق القوانين.
стр. 11657
موقف الناس من الشريعة الإسلامية:
يختلف الناس في تصورهم للشريعة الإسلامية وفي تعاملهم معها باختلاف حالاتهم وبيئاتهم، فهناك فريق تلقى هذه الشريعة بالقبول وهم المؤمنون الصادقون الذين فهموا الإسلام عقيدة وشريعة , فهؤلاء وجدوا في الشريعة الخلاص، ووجدوا فيها السعادة، يقول الإمام الشاطبي رحمه الله تعالى: "إن أحكام الشريعة ما شرعت إلا لمصالح الناس" (١) . فما دام الأمر كذلك فيجب التمسك بالشريعة شرعًا وعقلًا، أما شرعا؛ فلأنها صادرة عن الله تعالى، فلا يجوز للمسلم أن يعدل عنه، يقول الله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ (٢) .
وقال في آية أخرى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (١٨) إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ﴾ (٣) .
وقد حذر الله المسلمين من التحاكم إلى غير ما أنزل، أو الرضا بغير حكم الله تعالى فقال: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آَمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ (٤) .
وقال في آيات أخرى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ ﴿الظَّالِمُونَ﴾ ﴿الْفَاسِقُونَ﴾ (٥) .
стр. 11658
ومن هذه الأدلة يتبين أن المسلم ملزم باتباع الشريعة من غير خيار , قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ (١) .
ولا يكفي ذلك بل لا بد بعد العمل بالشريعة من الرضا التام والتسليم المطلق , وفي ذلك يقول تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (٢) .
هذا من حيث الشرع، وأما عقلًا فلأننا باستقراء أحكام الشريعة الإسلامية يتبين أنه روعي فيها مصالح العباد، ففيها العدالة وفيها المساواة وفيها اليسر وفيها المرونة وفيها الكمال والسمو والدوام؛ لأن نصوصها لا تقبل التعديل والتبديل مهما مرت الأعوام وطالت الأزمان، وهي مع ذلك تظل محتفظة بصلاحيتها في كل زمان ومكان، ومن تتبع التاريخ وجد أنها ما من مجتمع حكم فيه شرع الله إلا سعد هذا المجتمع، ولاشك أن قانونًا يتمتع بكل هذه الميزات ويجري على تحقيق العدالة الاجتماعية وإسعاد المجتمع البشري باختلاف أجناسهم وطبقاتهم وأوطانهم، لجدير بأن يتشبث به العقلاء ويذودوا عنه وهذا ما فعله المؤمنون الصادقون كما أسلفت.
الفريق الثاني: وهم المعادون للإسلام , إما جهلًا بتعاليمه السامية، وإما حسدًا من عند أنفسهم كما هو شأن اليهود والنصارى، فهؤلاء لا يستغرب أن يقفوا موقف العداء من الشريعة الإسلامية ويتهموها بأبشع التهم، لينفروا الناس منها، وذلك كوسيلة من وسائل الغزو الفكري للصد عن الإسلام والقضاء على نفوذه.
وأهم شبهة يثيرها أعداء الإسلام حول الشريعة الإسلامية ويروجونها في جميع المحافل ادعاؤهم بأن الشريعة الإسلامية لا تصلح للعصر الحاضر، وبعد التحقيق يتبين أن ادعاءهم هذا لا يقوم إلا على الجهل والافتراء، إذ أنهم لم يقدموا أي دليل ملموس ولا حجة بينة على دعواهم، وهذا لا يكون مقبولًا لدى ذوي العقول المفكرة، ولو أنهم قالوا أن مبدأ معينا أو مبادئ بذاتها لا تصلح للعصر الحاضر وبينوا السبب في عدم صلاحيتها لكان لادعائهم قيمة علمية، ولوجب مناقشتهم لتزييف أقوالهم, أما أن يدعوا أن الشريعة كلها لا تصلح للعصر ولا يقدموا على قولهم حجة واحدة؛ فذلك دليل على أنهم مدفعون بدافع الحقد على هذا القول وهذا الزعم الباطل، ولكن نظرًا إلى أن بعض السذج تأثر بمثل هذه الترهات فجعل يعادي الشريعة الإسلامية وينتقص من مكانتها، نجد لزامًا علينا أن ندافع عن هذه الشريعة الغراء، ونرد على ما يثيره هؤلاء المغرضون المفترون من شبهات حول الشريعة، ويكفينا للرد عليهم ما يقوله بنو جلدتهم، وأبناء عقيدتهم من النصارى المنصفينن يقول العلامة سانتيلانا: "إن في الفقه الإسلامي ما يكفي المسلمين في تشريعهم المدني إن لم نقل إن فيه ما يكفي للإنسانية كلها" (٣) .
стр. 11659
ويقول البحاثة الأمريكي "هوكنج" أستاذ الفلسفة بجامعة هارفرد في كتابه روح السياسة العالمية وذلك معرض حديثه عن مصير الثقافة الإسلامية: "إن سبيل تقدم الممالك الإسلامية ليس في اتخاذ الأساليب الغربية التي تدعي أن الدين ليس فقط ما يملى من حياة الفرد اليومية ومن القانون والنظم السماوية (١) .
وإنما يجب أن يجد المرء في الدين مصدرًا للنمو والتقدم، وأحيانًا يتساءل البعض عما إذا كان نظام الإسلام يستطيع توليد أفكار جديدة وإصدار أحكام مستقلة تتفق وما تتطلبه الحياة العصرية، فالجواب على هذه المسألة هو أن في نظام الإسلام كل استعداد داخلي للنمو , لا بل إنه من حيث قابليته للتطور يفضل كثيرًا النظم الأخرى، والصعوبة لم تكن في انعدام وسائل النمو والنهضة في الشرع الإسلامي وإنما في انعدام الميل إلى استخدامها، وإني أشعر بكوني على حق حين أقدر أن الشريعة الإسلامية تحتوي بوفرة على جميع المبادئ اللازمة للنهوض". (٢) ويقول الدكتور "انريكو انسابا توحيد": "إن الإسلام يتمشى مع مقتضيات الحاجات الظاهرة فهو يستطيع أن يتطور دون أن يتضاءل في خلال القرون ويبقى محتفظًا بكامل ما له من قوة الحياة والمرونة فهو الذي أعطى للعالم أرسخ الشرائع ثباتًا. وشريعته تفوق في كثير من تفاصيلها الشرائع الأوروبية". (٣)
هذه بعض شهادات علماء القانون في الغرب المسيحي الذي لم يعم التعصب بصيرتهم فأنصفوا الشريعة الإسلامية.
ولا يفوتنا كذلك أن نذكر القرار الذي اتخذه المؤتمر الدولي المنعقد في لاهاي سنة ١٩٣٢م للقانون المقارن باعتبار الشريعة الإسلامية مصدرًا من مصادر القانون المقارن. فهؤلاء المؤتمرون الذين لهم مكانتهم العلمية وخبرتهم القانونية لم يتخذوا هذا القرار إلا لإيمانهم المطلق وقناعتهم التامة بأن الشريعة الإسلامية غنية بالمبادئ والنظريات التي تكفل سد حاجات الفرد والجماعة في الحاضر القريب والمستقبل البعيد.
ومن الشبه التي يثيرونها ادعاؤهم بأن بعض أحكام الشريعة مؤقت:
يرى بعض الأوروبيين أو بعض أذنابهم ممن تتلمذ عليهم أو تثقف بثقافتهم يرون أن الشريعة تصلح للعصر الحاضر إلا أن بعض أحكامها جاءت مؤقتة، ويقصدون بذلك بعض الأحكام الجنائية التي لا مثيل لها في القوانين الوضعية كالرجم والقطع فيحاولون التلخص منها بادعاء أنها أحكام مؤقتة، وهذا أكبر دليل على جهلهم بالإسلام؛ لأن أحكام الإسلام دائمة لا مؤقتة ولأن ما لم ينسخ منها قبل موت الرسول ﷺ فلا يجوز نسخه بأي حال إلى يوم القيامة، وقد صرح القرآن بأن الإسلام قد اكتمل عقيدة وشريعة فلا زيادة فيه ولا نقص , وذلك في قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (٤) .
стр. 11660
ومن الشبه التي يثيرونها حول الشريعة ادعاؤهم بأنها من آراء الفقهاء وابتكاراتهم:
ويحاولون أن يقنعوا الناس بأن ما تتمتع به الشريعة الإسلامية من مبادئ ونظريات سامية ومتميزة لا يرجع إلى كونها من عند الله تعالى، وإنما يرجع إلى عبقرية علماء المسلمين وجودة تفكيرهم واتساع أفقهم، وهذه الدعوى خطيرة؛ لأنه يقصد منها سلب قدسية الشريعة، وإقناع المسلمين بعدم وجوب طاعتها، لأنها من آراء الرجال، فإذا ثبت ذلك فلكل عصر رجاله، وهم أدرى من غيرهم بمشكلات عصرهم، وأقدر على وضع حلول لهذه المشكلات نظرًا إلى اختلاف الأحداث والوقائع من عصر لآخر ومن بيئة لأخرى.
وللرد على هذه الشبهة نقول: إن فقهاء الإسلام قد بذلوا مجهودًا كبيرًا في خدمة الفقه الإسلامي والشريعة الإسلامية، ولكن دورهم محدود يتمثل في أنهم وجدوا أمامهم شريعة غنية بالمبادئ، والنظريات فقاموا بشرح النظرية أو المبدأ، وبينوا شروط تطبيق كل منهما، وحاولوا جمع ما يدخل تحت هذه النظريات والمبادئ من جزئيات، وهم في كل هذه الاجتهادات وهذه المحاولات يقيدون أنفسهم بنصوص الشريعة ومبادئها العامة وروحها التشريعية، فتبين خطأ من يظن أن الفقه الإسلامي والشريعة الإسلامية من ابتكار المسلمين، يقول الشهيد عبد القادر عودة: "إن الفقهاء لم يبتكروا نظرية المساواة المطلقة ولا نظرية الحرية الواسعة ولا نظرية العدالة الشاملة، وإنما عرفها الفقهاء من نصوص القرآن والسنة التي جاءت بها" (١) .
وقد أورد أمثلة كثيرة من المبادئ والنظريات القانونية، أخذها الفقهاء من نص القرآن كنظرية الطوارئ المسماة في عرف القانون بنظرية تغيير الظروف، فإن فقهاء الشريعة قد أخذوا هذه النظرية , من هذه النصوص القرآنية قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ . (٢) .
وقوله: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (٣) .
وقوله: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ (٤) .
وكأخذهم نظرية إعفاء المكره والمضطر من قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ (٥) .
وقوله: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ (٦) .
وقول الرسول ﷺ : ((رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه)) (٧) .
وليس الفقهاء هم الذين ابتكروا نظرية إعفاء الصغير والمجنون والنائم من العقاب، وإنما أخذوا ذلك من قول الرسول ﷺ : ((رفع القلم عن ثلاث عن الصبي حتى يحتلم وعن النائم حتى يصحو وعن المجنون حتى يفيق)) (٨) .
ولا هم الذين فرقوا بين أحكام العمد وأحكام الخطأ وإنما أخذوا ذلك من نص القرآن , كقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤمِنٍ أَن يَقتُلَ مُؤمِنا إِلاَّ خَطَئا وَمَن قَتَلَ مُؤمِنا خَطَئا فَتَحرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إلى أَهلِهِ....﴾ (٩) .
وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ (١٠) .
وقوله: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ (١١) .
وهكذا نجد الأمثلة كثيرة جدًّا كلها تبطل الدعوى بأن مبادئ الشريعة ترجع إلى آراء الفقهاء.