ويقول الشيخ محمود شلتوت في كتابه (الإسلام عقيدة وشريعة) : "إن الشريعة هي النظم التي شرعها الله أو شرع أصولها ليأخذ الإنسان بها نفسه في علاقته بربه وعلاقته بأخيه المسلم وعلاقته بأخيه الإنسان وعلاقته بالكون وعلاقته بالحياة" (١) .
ومن هذا التعريف نعرف أن الشريعة هي كل شيء بالنسبة للمسلم، إن تمسك بها سعد في الدنيا ونجا في الآخرة؛ لأنها صادرة من عند الله تعالى الذي خلق كل شيء بما فيه الإنسان والزمان والمكان، فكان طبيعيًّا أن يكون أدرى بما يصلح لهذا الإنسان وما يسعده في كل زمان ومكان , وقد صدق الله العظيم بما حين قال: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٢) .
ومن تتبع الشريعة الإسلامية وأمعن النظر في أدلتها وأحكامها، يجد أنها تمتاز عن أي قانون آخر بأنها مزجت بين الدين والدنيا من حيث ترتيب الأحكام الشرعية بهما سواء في ذلك ما يتعلق بالعقوبات أو ما يتعلق بتحقيق مصالح العباد، وهذا ما حمل المسلمين على طاعة الشريعة في السر والعلن وفي السراء والضراء؛ لأنهم يؤمنون بأن الطاعة نوع من العبادة يقربهم إلى الله تعالى، وأنهم مثابون على هذه الطاعة، ومن استطاع منهم أن يرتكب جريمة ويتفادى العقاب فإنه لا يرتكبها مخافة العقاب الأخروي، وغضب الرب عليه وكل ذلك يساعد على قلة الجرائم، ويؤدي إلى حفظ الأمن وصيانة نظام الجماعة، بخلاف القوانين الوضعية فإنها ليس لها في نفوس من يطبقها أو تطبق عليهم ما يحملهم على طاعتها، فمن استطاع منهم أن يرتكب جريمة ما وهو آمن من سطوة القانون، فليس هناك ما يمنعه من ارتكابها من خلق أو دين، لذلك نلاحظ كثرة الجرائم وازديادها في الدول التي تطبق القوانين.
стр. 11657
موقف الناس من الشريعة الإسلامية:
يختلف الناس في تصورهم للشريعة الإسلامية وفي تعاملهم معها باختلاف حالاتهم وبيئاتهم، فهناك فريق تلقى هذه الشريعة بالقبول وهم المؤمنون الصادقون الذين فهموا الإسلام عقيدة وشريعة , فهؤلاء وجدوا في الشريعة الخلاص، ووجدوا فيها السعادة، يقول الإمام الشاطبي رحمه الله تعالى: "إن أحكام الشريعة ما شرعت إلا لمصالح الناس" (١) . فما دام الأمر كذلك فيجب التمسك بالشريعة شرعًا وعقلًا، أما شرعا؛ فلأنها صادرة عن الله تعالى، فلا يجوز للمسلم أن يعدل عنه، يقول الله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ (٢) .
وقال في آية أخرى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (١٨) إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ﴾ (٣) .
وقد حذر الله المسلمين من التحاكم إلى غير ما أنزل، أو الرضا بغير حكم الله تعالى فقال: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آَمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ (٤) .
وقال في آيات أخرى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ ﴿الظَّالِمُونَ﴾ ﴿الْفَاسِقُونَ﴾ (٥) .
стр. 11658
ومن هذه الأدلة يتبين أن المسلم ملزم باتباع الشريعة من غير خيار , قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ (١) .
ولا يكفي ذلك بل لا بد بعد العمل بالشريعة من الرضا التام والتسليم المطلق , وفي ذلك يقول تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (٢) .
هذا من حيث الشرع، وأما عقلًا فلأننا باستقراء أحكام الشريعة الإسلامية يتبين أنه روعي فيها مصالح العباد، ففيها العدالة وفيها المساواة وفيها اليسر وفيها المرونة وفيها الكمال والسمو والدوام؛ لأن نصوصها لا تقبل التعديل والتبديل مهما مرت الأعوام وطالت الأزمان، وهي مع ذلك تظل محتفظة بصلاحيتها في كل زمان ومكان، ومن تتبع التاريخ وجد أنها ما من مجتمع حكم فيه شرع الله إلا سعد هذا المجتمع، ولاشك أن قانونًا يتمتع بكل هذه الميزات ويجري على تحقيق العدالة الاجتماعية وإسعاد المجتمع البشري باختلاف أجناسهم وطبقاتهم وأوطانهم، لجدير بأن يتشبث به العقلاء ويذودوا عنه وهذا ما فعله المؤمنون الصادقون كما أسلفت.
الفريق الثاني: وهم المعادون للإسلام , إما جهلًا بتعاليمه السامية، وإما حسدًا من عند أنفسهم كما هو شأن اليهود والنصارى، فهؤلاء لا يستغرب أن يقفوا موقف العداء من الشريعة الإسلامية ويتهموها بأبشع التهم، لينفروا الناس منها، وذلك كوسيلة من وسائل الغزو الفكري للصد عن الإسلام والقضاء على نفوذه.
وأهم شبهة يثيرها أعداء الإسلام حول الشريعة الإسلامية ويروجونها في جميع المحافل ادعاؤهم بأن الشريعة الإسلامية لا تصلح للعصر الحاضر، وبعد التحقيق يتبين أن ادعاءهم هذا لا يقوم إلا على الجهل والافتراء، إذ أنهم لم يقدموا أي دليل ملموس ولا حجة بينة على دعواهم، وهذا لا يكون مقبولًا لدى ذوي العقول المفكرة، ولو أنهم قالوا أن مبدأ معينا أو مبادئ بذاتها لا تصلح للعصر الحاضر وبينوا السبب في عدم صلاحيتها لكان لادعائهم قيمة علمية، ولوجب مناقشتهم لتزييف أقوالهم, أما أن يدعوا أن الشريعة كلها لا تصلح للعصر ولا يقدموا على قولهم حجة واحدة؛ فذلك دليل على أنهم مدفعون بدافع الحقد على هذا القول وهذا الزعم الباطل، ولكن نظرًا إلى أن بعض السذج تأثر بمثل هذه الترهات فجعل يعادي الشريعة الإسلامية وينتقص من مكانتها، نجد لزامًا علينا أن ندافع عن هذه الشريعة الغراء، ونرد على ما يثيره هؤلاء المغرضون المفترون من شبهات حول الشريعة، ويكفينا للرد عليهم ما يقوله بنو جلدتهم، وأبناء عقيدتهم من النصارى المنصفينن يقول العلامة سانتيلانا: "إن في الفقه الإسلامي ما يكفي المسلمين في تشريعهم المدني إن لم نقل إن فيه ما يكفي للإنسانية كلها" (٣) .
стр. 11659
ويقول البحاثة الأمريكي "هوكنج" أستاذ الفلسفة بجامعة هارفرد في كتابه روح السياسة العالمية وذلك معرض حديثه عن مصير الثقافة الإسلامية: "إن سبيل تقدم الممالك الإسلامية ليس في اتخاذ الأساليب الغربية التي تدعي أن الدين ليس فقط ما يملى من حياة الفرد اليومية ومن القانون والنظم السماوية (١) .
وإنما يجب أن يجد المرء في الدين مصدرًا للنمو والتقدم، وأحيانًا يتساءل البعض عما إذا كان نظام الإسلام يستطيع توليد أفكار جديدة وإصدار أحكام مستقلة تتفق وما تتطلبه الحياة العصرية، فالجواب على هذه المسألة هو أن في نظام الإسلام كل استعداد داخلي للنمو , لا بل إنه من حيث قابليته للتطور يفضل كثيرًا النظم الأخرى، والصعوبة لم تكن في انعدام وسائل النمو والنهضة في الشرع الإسلامي وإنما في انعدام الميل إلى استخدامها، وإني أشعر بكوني على حق حين أقدر أن الشريعة الإسلامية تحتوي بوفرة على جميع المبادئ اللازمة للنهوض". (٢) ويقول الدكتور "انريكو انسابا توحيد": "إن الإسلام يتمشى مع مقتضيات الحاجات الظاهرة فهو يستطيع أن يتطور دون أن يتضاءل في خلال القرون ويبقى محتفظًا بكامل ما له من قوة الحياة والمرونة فهو الذي أعطى للعالم أرسخ الشرائع ثباتًا. وشريعته تفوق في كثير من تفاصيلها الشرائع الأوروبية". (٣)
هذه بعض شهادات علماء القانون في الغرب المسيحي الذي لم يعم التعصب بصيرتهم فأنصفوا الشريعة الإسلامية.
ولا يفوتنا كذلك أن نذكر القرار الذي اتخذه المؤتمر الدولي المنعقد في لاهاي سنة ١٩٣٢م للقانون المقارن باعتبار الشريعة الإسلامية مصدرًا من مصادر القانون المقارن. فهؤلاء المؤتمرون الذين لهم مكانتهم العلمية وخبرتهم القانونية لم يتخذوا هذا القرار إلا لإيمانهم المطلق وقناعتهم التامة بأن الشريعة الإسلامية غنية بالمبادئ والنظريات التي تكفل سد حاجات الفرد والجماعة في الحاضر القريب والمستقبل البعيد.
ومن الشبه التي يثيرونها ادعاؤهم بأن بعض أحكام الشريعة مؤقت:
يرى بعض الأوروبيين أو بعض أذنابهم ممن تتلمذ عليهم أو تثقف بثقافتهم يرون أن الشريعة تصلح للعصر الحاضر إلا أن بعض أحكامها جاءت مؤقتة، ويقصدون بذلك بعض الأحكام الجنائية التي لا مثيل لها في القوانين الوضعية كالرجم والقطع فيحاولون التلخص منها بادعاء أنها أحكام مؤقتة، وهذا أكبر دليل على جهلهم بالإسلام؛ لأن أحكام الإسلام دائمة لا مؤقتة ولأن ما لم ينسخ منها قبل موت الرسول ﷺ فلا يجوز نسخه بأي حال إلى يوم القيامة، وقد صرح القرآن بأن الإسلام قد اكتمل عقيدة وشريعة فلا زيادة فيه ولا نقص , وذلك في قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (٤) .
стр. 11660
ومن الشبه التي يثيرونها حول الشريعة ادعاؤهم بأنها من آراء الفقهاء وابتكاراتهم:
ويحاولون أن يقنعوا الناس بأن ما تتمتع به الشريعة الإسلامية من مبادئ ونظريات سامية ومتميزة لا يرجع إلى كونها من عند الله تعالى، وإنما يرجع إلى عبقرية علماء المسلمين وجودة تفكيرهم واتساع أفقهم، وهذه الدعوى خطيرة؛ لأنه يقصد منها سلب قدسية الشريعة، وإقناع المسلمين بعدم وجوب طاعتها، لأنها من آراء الرجال، فإذا ثبت ذلك فلكل عصر رجاله، وهم أدرى من غيرهم بمشكلات عصرهم، وأقدر على وضع حلول لهذه المشكلات نظرًا إلى اختلاف الأحداث والوقائع من عصر لآخر ومن بيئة لأخرى.
وللرد على هذه الشبهة نقول: إن فقهاء الإسلام قد بذلوا مجهودًا كبيرًا في خدمة الفقه الإسلامي والشريعة الإسلامية، ولكن دورهم محدود يتمثل في أنهم وجدوا أمامهم شريعة غنية بالمبادئ، والنظريات فقاموا بشرح النظرية أو المبدأ، وبينوا شروط تطبيق كل منهما، وحاولوا جمع ما يدخل تحت هذه النظريات والمبادئ من جزئيات، وهم في كل هذه الاجتهادات وهذه المحاولات يقيدون أنفسهم بنصوص الشريعة ومبادئها العامة وروحها التشريعية، فتبين خطأ من يظن أن الفقه الإسلامي والشريعة الإسلامية من ابتكار المسلمين، يقول الشهيد عبد القادر عودة: "إن الفقهاء لم يبتكروا نظرية المساواة المطلقة ولا نظرية الحرية الواسعة ولا نظرية العدالة الشاملة، وإنما عرفها الفقهاء من نصوص القرآن والسنة التي جاءت بها" (١) .
وقد أورد أمثلة كثيرة من المبادئ والنظريات القانونية، أخذها الفقهاء من نص القرآن كنظرية الطوارئ المسماة في عرف القانون بنظرية تغيير الظروف، فإن فقهاء الشريعة قد أخذوا هذه النظرية , من هذه النصوص القرآنية قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ . (٢) .
وقوله: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (٣) .
وقوله: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ (٤) .
وكأخذهم نظرية إعفاء المكره والمضطر من قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ (٥) .
وقوله: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ (٦) .
وقول الرسول ﷺ : ((رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه)) (٧) .
وليس الفقهاء هم الذين ابتكروا نظرية إعفاء الصغير والمجنون والنائم من العقاب، وإنما أخذوا ذلك من قول الرسول ﷺ : ((رفع القلم عن ثلاث عن الصبي حتى يحتلم وعن النائم حتى يصحو وعن المجنون حتى يفيق)) (٨) .
ولا هم الذين فرقوا بين أحكام العمد وأحكام الخطأ وإنما أخذوا ذلك من نص القرآن , كقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤمِنٍ أَن يَقتُلَ مُؤمِنا إِلاَّ خَطَئا وَمَن قَتَلَ مُؤمِنا خَطَئا فَتَحرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إلى أَهلِهِ....﴾ (٩) .
وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ (١٠) .
وقوله: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ (١١) .
وهكذا نجد الأمثلة كثيرة جدًّا كلها تبطل الدعوى بأن مبادئ الشريعة ترجع إلى آراء الفقهاء.
стр. 11661
ومن الشبه التي يثيرونها للحيلولة دون تطبيق الشريعة الإسلامية، قولهم إن الإسلام فيه فرق دينية كثيرة، ولكل فرقة منها فقه مستقل عن فقه غيرها، فإذا تقرر تنفيذ الشريعة الإسلامية في قطر ما فَفَقْهُ أية فرقة منها يكون على أساسه القانون؟
فنقول لهم أن هذا الاعتراض الذين يعلقون عليه آمالًا كبيرة في تفريق كلمة المسلمين، وينالون منه بغيتهم في إقصاء الشريعة الإسلامية عن الحياة العامة والخاصة للمسلمين، ليس هو بمعضلة أصلًا كما يظنون؛ لأنه لم يَحُل دون تطبيق الشريعة الإسلامية عبر قرون طويلة وفي أكثر من بلد إسلامي؛ لأن الجهاز الأساسي لقانون الإسلامي الذي يشتمل على ما فرض الله تعالى من الأحكام والقواعد والحدود القطعية لم يزل ولا يزال معترفًا به على صورة واحدة بين جميع فرق المسلمين وطوائفهم، ولم يكن بينهم شيء من الخلاف في ذلك قديمًا وحديثًا، وإنما الخلاف في تبعير الأحكام والمسائل الاجتهادية وقوانين دائرة الإباح وضوابطها وحسب، أما ما يعتبر قانونًا يلزم به الناس فلا بد من أن ينعقد عليه إجماع الأمة أو أغلبيتها ويسلم به جمهور أو تجري به الفتوى من علماء الأمة المعتمدين، أما ما يستخرجه إمام من الأئمة بقياسه واجتهاده أو ما يصدره من فتوى على أساس الاستحسان، فإنه لا يرقى إلى درجة القانون، فعندما يقول العلماء في كتبهم: "هذا ماعليه الفتوى" أو "عليه الجمهور" أو "عليه الإجماع " يقصد منه أن هذا ليس مجرد رأي أو اقتراح فقط، وإنما أصبح جزءًا من القانون لإجماع المسلمين أو اتفاق جمهورهم عليه، فالحكم الشرعي إذا انعقد عليه الإجماع أصبح قانونًا رسميًّا لا يجوز مخالفته في أي زمان ولا مكان، ولا يجوز إعادة النظر فيه، فإن لم ينعقد عليه الإجماع فما ارتأته الغالبية من أهل الحل والعقد من المسلمين في كل بلد يعد قانونًا لذلك البلد، ويكفينا أن يكون ما يحتكم إليه المسلمون في بلد إسلامي مصدره الشريعة الإسلامية وقواعدها العامة.
стр. 11662
ومن الشبه التي يثيرها البعض ادعاؤهم بعدم قدرة الشريعة على الاستجابة لمتطلبات العصر الحديث، فكثيرًا ما يقولون: كيف يصلح قانون قديم مر عليه أربعة عشر قرنًا ليلبي حاجات مجتمع عصري ودولة متحضرة؟
وبعد إمعان النظر في هذه الشبهة يتبين أن مثيريها لم يفهموا شيئًا من الشريعة الإسلامية، لاعتقادهم أن الشريعة مجرد أحكام محدودة مقيدة بنصوص قديمة محدودة وهذا الاعتقاد هو الذي دفعهم إلى القول بأن النصوص الشرعية لا تستوعب الأحداث المتنوعة والمتطلبات العصرية.
نقول لهم: إنهم وقعوا في هذا الخطأ عندما سووا بين القوانين الوضعية التي وضعها البشر وبين الشريعة الإسلامية التي تكفل بوضعها خالق البشر , فنحن نعلم أن القوانين الوضعية القائمة الآن تختلف اختلافًا جذريًّا عن القوانين القديمة التي كانت تطبق حتى أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر الميلادي، لأن القوانين الوضعية الحديثة تقوم على نظريات فلسفية واعتبارات اجتماعية وإنسانية لم يكن لها وجود في القوانين القديمة، ونحن وإن كنا نتفق معهم في الاعتقاد بعدم صلاحية القوانين القديمة للعصر الحاضر، ولكن لا نتفق معهم حين يقيسون الشريعة الإسلامية بالقوانين الوضعية، وهذا القياس الذي دفعهم إلى القول بأنه ما دامت القوانين التي كانت سائدة حتى أواخر القرن الثامن عشر لا تصلح لعصرنا الحاضر، فكذلك الشريعة الإسلامية التي كانت سائدة في العصور الوسطى , ولا يخفى بطلان هذا القياس لأن القياس إنما يكون بين متماثلين، ولا تماثل بين الشريعة والقوانين الوضعية، فبينهما اختلافات أساسية، وتتميز الشريعة بمميزات جوهرية والقاعدة المعروفة لدى جميع العلماء أنه إذا انعدمت المساواة والمماثلة بين شيئين فلا قياس، أو كان القياس باطلًا، وبذلك يبطل ادعاؤهم بعدم صلاحية الشريعة للعصر الحاضر؛ لأنه بني على قياس باطل وما قام على الباطل فهو باطل (١) .
ولو تتبعنا نصوص الشريعة لوجدنا فيها من القواعد والمبادئ ما يتسع لحاجات الجماعة مهما طالت الأزمان وتطورت الجماعة وتعددت الحاجات وتنوعت؛ لأنها جاءت عامة إلى آخر حدود العموم، مرنة إلى آخر حدود المرونة، فلا تضيق بما يمكن أن يستجد من حالات، فكل ما عرض للناس من الحاجات والمرافق في مختلف أيامهم يمكن لعلماء الإسلام أن يجدوا له حلًّا شرعيًّا , إما بالنص بوجه من وجوه دلالائه المتعددة، وإما بالقياس على النص بنوع من أنواع القياس الكثيرة، أو بغيرهما كالإجماع والاستحسان والمصالح فكل ذلك مما يثبت به الحكم الشرعي إذا توفرت الشروط.
стр. 11663
ومن الشبه التي يثيرونها: اتهامهم الشريعة بالهمجية والوحشية:
وكثيرًا ما يذكرون على سبيل المثال عقوبات رجم الزاني وقطع يد السارق وطريقة تنفيذ حكم القصاص في الشريعة الإسلامية.
وأنا كنت أحضر دورة للغة الفرنسية في باريس عام ١٩٨٣م، فرأيتهم أكثر من مرة يعرضون على التلفزيون صورة لشخص نفذ فيه حكم الإعدام في المملكة العربية السعودية، والرجل ملطخ بدمائه وفي بعض المرات يكون رأسه مفصولًا عن جسده، ويعرضون الصورة مدة طويلة بدون أن يذكروا الجرائم التي ارتكبها هذا الشخص حتى استحق هذه العقوبة، وقصدهم من ذلك إثارة المشاهدين وتنفيرهم عن الإسلام؛ لأنهم لو ذكروا لهم ما ارتكبه هذا الشخص من جرائم منافية لكل القيم الدينية والمبادئ الإنسانية لوجدوا أن هذه العقوبة كانت مناسبة له، بل وخفيفة في حق هذا الشخص، ولكن يتعمدون إخفاء ذلك ولسان حالهم للمشاهدين انظروا إلى وحشية الإسلام فإنه دين يتسم بالقسوة والهمجية ولا يصلح دينًا للإنسان المتحضر أو للمجتمع الراقي إلى آخر ما يقولونه من أباطيل.
ونقول: إن هؤلاء يصدق فيهم قول الشاعر العربي:
ومن يك ذا فم مر مريض يجد مرًّا به الماء الزلال
فهؤلاء قد نجم عن فساد ذوقهم ومرض قلوبهم وطمس بصيرتهم أمران:
أحدهما: أنهم أصبحوا لا يرون الباطل باطلًا ولا يقيمون وزنًا للقيم والمبادئ الخلقية، فالزنا مثلًا واللواط وشرب الخمر والتعري في الأماكن العامة والتزاوج بين الرجال يعتبر عندهم أمورًا عادية، ولا يتحملون أن يلام عليها الإنسان فضلًا عن أن يعذب عليها، ولا يخفى على إنسان عاقل ما في هذه المعاصي من أضرار مادية ومعنوية للأفراد وللمجتمع فلا يستسيغها إلا من كان مريض القلب فاسد الذوق.
стр. 11664
ثانيهما: أنهم لا يهمهم أمر الأبرياء والمظلومين الذين وقعوا ضحايا لهؤلاء المجرمين، بينما يظهرون شفقتهم على هؤلاء المجرمين ويتأملون لما ينالهم من عقاب شرعي يستحقونه، فهذا منتهى الوقاحة ومنتهى الضلال؛ لأنهم يقولون: إن الرجم عقوبة تتسم بالوحشية , ولكنهم يغضون الطرف عما يقوم به الزاني من إشاعة الفاحشة في المجتمع وإلحاق العار بالأسر الكريمة , وتدمير مستقبل البنات بحيث يقضين كل حياتهن في شقاء لا يتقدم لهن أي إنسان شريف، أضف إلى ذلك تفشي الأمراض الفتاكة في المجتمع بما فيها الأمراض المستعصية على الطب الحديث والقديم، وهي الأمراض التي تهدد بقاء جنس الإنسان على هذا الكوكب الأرضي، وما أمر "السيدا" أو " الأيدز " بخاف على أحد. وكذلك اختلاط الأنساب بحيث يقضي الإنسان كل عمره ينفق على ولد يظن أنه ولده، يعالجه إذا مرض ويسعى جاهدًا من أجل تعليمه وتربيته، ويسعى من أجل إسعاده وتأمين مستقبل سعيد له، فإذا هو في حقيقة الأمر ليس ولده، ألا يستحق كل من تسبب بهذه الجرائم عقوبة تكون جزاء له وتكون رادعة لأمثاله من الوقوع في مثل هذه الجرائم , وتطهر المجتمع من المجرمين؟ فعندما يرجم الإسلام الزاني بالحجارة جزاء له على كل ما ارتكبه من جرائم في حق الأفراد وفي حق المجتمع، يقيمون الدنيا ولا يقعدونها، ولكن عندما ترجم حكوماتهم الشعوب البريئة بالقنابل المحرقة والصواريخ المدمرة لأجل استعمارها ونهب خيراتها، أو عندما تنزل هذه الحكومات على معارضيها السياسيين أشد أنواع العقوبات، فإنهم لا يرون في كل ذلك بأسًا , ومن ذا الذي يعرف الوسائل والطرق القاسية التي تتوسل بها الحكومات المتحضرة في هذا الزمان إلى استنطاق المتهمين حتى يعترفوا بجرائم على أساس الشبهات فقط؟ كل ذلك أمر سائغ ومقبول أما عندما توقع الشريعة الإسلامية عقوبة مناسبة لمجرم محترف يتهمونها بالوحشية , فيا عجبًا لهذا العالم المتحضر وقد صدق الشاعر العربي عندما قال:
وليس يصح في الأذهان شيء إذا احتاج النهار إلى دليل
стр. 11665
وإذا انتقلنا إلى عقوبة قطع يد السارق نجد أنه خير وسيلة لمعاقبة من يرتكب مثل هذا النوع من الجريمة، لأن السارق يريد أن يعيش عيشة كريمة على حساب الآخرين، فكم من أسر بريئة تشردت بسبب اللصوص، وكم من شخص كدا واجتهد وعانى كثيرًا من المتاعب طيلة سنوات عديدة لتوفير مال يعتمد عليه في حالة عجزه عن العمل , إما لكبر وإما لمرض، فيأتي لص يبدد كل هذه الأمال ويستولي في دقائق على هذه الثروة التي جمعت في عشرات السنين , وكثيرًا ما يتم ذلك تحت تهديد بالسلاح , بل وبالقتل والجرح في بعض المرات، فهل يليق في نظر العقلاء أن يحبس هذا المجرم وينفق عليه من أموال الشعب، يأكل ويشرب وينام ملء جفونه؟ وهل هذه عقوبة رادعة؟ طبعًا لا، بدليل أن السارق لا يكاد يخرج من السجن حتى يسرق مرة أخرى ويعود إلى سجنه؛ لأنه يجد في السجن مرتعًا خصبًا يأكل ويشرب وينام كما يريد دون أي تعب أو عناء.
وما ذنب الشعب حيث تؤخذ منه الضرائب، والرسومات المختلفة لينفق على هؤلاء المجرمين الذين يهددون أمن البلاد وأمن المواطنين؟ أليس من المناسب عقلًا قطع يد اللص جزاء وفاقًا لما ارتكبه في حق الأبرياء؟ فيتعذب بالقطع وتتشوه خلقته به، فنكون قد عاملناه على نقيض قصده؛ لأنه ما قصد السرقة إلا ليتمتع بالحياة بدون أي تعب ولا معاناة، بل وبتخريب بيوت الآخرين، فنفوت عليه هذا القصد بقطع يده؛ لأنه حتى لو كسب المال بالسرقة فإنه لا يمكن أن يتمتع به، ولا أن يكون سعيدًا في الحياة لأجل علامة العار التي تلازمه أينما حل وارتحل، وقد أثبتت التجارب أن هذه العقوبة رادعة تحقق الأمن والاستقرار في أي مجتمع ينفذ فيه هذا الحكم الشرعي، فقد رأيت بنفسي عندما دخلت الديار المقدسة لأول مرة في عام ١٩٦٧م دكاكين مليئة بالذهب والماس يتركها أصحابها بدون إغلاق، وإنما يكتفون فقط بإسدال أستار من القماش الرقيق عليها، فيذهبون إلى المساجد لأداء صلاة الظهر، ثم يعودون إلى بيوتهم للغداء والراحة ولا يعودون إليها إلا بعد صلاة العصر، فيجدون هذه الدكاكين كما تركوها لم تمس بأي أذى، ولا يشك إنسان في أن سر ذلك يرجع إلى تطبيق الشريعة الإسلامية في المملكة العربية السعودية.
أما الدول التي تدعي الحضارة والتقدم المادي، فلا يخفى على أحد ما يجري فيها من الفوضي وعدم الاستقرار على الرغم من البلايين والدولارات التي تنفق في الأمن، فمثلًا في مدينة نيويورك التي تعتبر أكبر مدن العالم وأكثرها تحضرًا وتطورًا، فإنه يجري فيها في كل ثانية عشرات الجرائم وذلك حسب إحصائيات الحكومة الأمريكية نفسها.
فنطلب من هؤلاء أن يتركوا المغالطات وأن يتخلوا عن تعصبهم الأعمى ويعودوا إلى الشريعة الإسلامية إذا ما أرادوا الأمن والاستقرار والسعادة؛ لأنها صادرة عن الله تعالى الذي خلق البشر، فهو أعلم بما يصلح لهم ويسعدهم في الدنيا والآخرة وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.
الدكتور أبو بكر دكوري
стр. 11666
مصادر البحث
١ ـ القرآن الكريم.
٢ ـ المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم.
٣ ـ المعجم المفهرس لألفاظ الحديث.
٤ ـ صحيح البخاري.
٥ ـ صحيح مسلم.
٦ ـ نيل الأوطار.
٧ ـ النهاية في غريب الحديث لابن الأثير.
٨ ـ لسان العرب لابن منظور.
٩ ـ دائرة معارف القرن العشرين لمحمد فريد وجدي.
١٠ ـ حقائق الإسلام وأباطيل خصومه للعقاد.
١١ ـ الموافقات للإمام الشاطبي.
١٢ ـ الإسلام عقيدة وشريعه لمحمود شلتوت.
١٣ ـ مبادئ الإسلام لأبي الأعلى المودودي.
١٤ ـ التشريع الجنائي الإسلامي المقارن للشهيد عبد القادر عودة.
١٥ ـ الإسلام بين جهل أبنائه وعجز علمائه للشهيد عبد القادر عودة.
١٦ ـ روح الدين الإسلامي لعفيف طبارة.
١٧ ـ تاريخ التشريع الإسلامي لمناع قطان.
стр. 11667
من أساليب الغزو الفكري:
الطعن في القرآن الكريم
عرض وتفنيد
الدكتور محمد نبيل غنايم
كلية الشريعة والدراسات الإسلامية
جامعة قطر
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
ملخص البحث
١ ـ هذا البحث تعريف موجز بالغزو الفكري في ماضيه وحاضره وتعريف بتاريخه ووسائله، وبيان لأهدافه وأنواعه.
٢ ـ وهو يعرض لمطاعن أعداء الإسلام من مبشرين ومستشرقين في القرآن الكريم، وقد عرض معظم هذه المطاعن في أسلوب موجز وعرض سريع لينتقل من ذلك إلى الأهم وهو مناقشتها والرد عليها.
٣ ـ ناقش هذا البحث مطاعن الأعداء في القرآن الكريم في سبعة بنود مناقشة تفصيلية تكشف بالأدلة عن كذبها وتقيم الحجة على بطلانها.
٤ ـ قدم هذا البحث أربعة عشر دليلًا على أن القرآن الكريم وحي وليس بشريًّا ولا من عمل محمد ﷺ .
٥ ـ وقدم هذا البحث خمسة أدلة عامة وستة تفصيلية وتطبيقية على أن القرآن الكريم غير مقتبس من الكتب السابقة.
٦ ـ وقدم خمسة أدلة على أن القرآن الكريم معجز بل هو المعجزة الكبرى والخالدة للنبي ﷺ .
стр. 11668
٧ ـ وقدم هذا البحث سبعة أدلة مختلفة على إبطال دعوى التحريف والتبديل في القرآن الكريم.
٨ ـ وقدم هذا البحث أربعة أدلة إجمالية واثني عشر ردًّا تفصيليًّا على مزاعم الغزاة بأن القرآن الكريم يناقض بعضه بعضًا فأبطل هذا الادعاء.
٩ ـ ورد هذا البحث في سبع فقرات على ادعاءات الغزاة بما زعموه أخطاء في القرآن الكريم.
١٠ ـ أثبت البحث أن القرآن الكريم قدم في الماضي وما زال يقدم في الحاضر وسيظل يقدم في المستقبل وإلى أن تقوم الساعة كل ما يحتاجه الناس في معاشهم ومعادهم، ولو أخذ الناس به فلن يحتاجوا إلى شيء آخر.
١١ ـ أكد البحث أن القرآن الكريم لم تنقض عجائبه، ولا يشبع منه العلماء، وما زال يتسع للعديد من الدراسات والبحوث.
١٢ ـ أكد البحث أن القرآن الكريم كتاب الله المحفوظ بعنايته الميسر للذكر، الهادي إلى صراط الله المستقيم.
١٣ ـ مهما حاول الأعداء والغزاة النيل من القرآن الكريم فستدور الدائرة عليهم وترتد سهامهم إلى نحورهم وسيبقى القرآن الكريم عاليًا شامخًا منتصرًا محفوظًا إلى يوم الدين ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ .
стр. 11669
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجًا، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الذي أيده تعالى بالقرآن , وجعله أعظم معجزاته وأقوى أدلته , ورضي الله تعالى عن أصحابه الذين حفظوه وجمعوه وتدارسوه، وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين فتعلم القرآن وعلمه، وبعد.
فهذا البحث عن: أسلوب خبيث من أساليب الغزو الفكري وهو "الطعن في القرآن الكريم" وقد جعلته في ثلاثة فصول. تناول الفصل الأول منها تعريفًا بالغزو الفكري بصفة عامة في ماضيه وحاضره وأهدافه ووسائله وأنواعه وذلك بشكل موجز.
أما الفصل الثاني فجعلته لسرد مطاعن الغزاة في القرآن الكريم وقسمته طبقًا لهذه المطاعن إلى سبعة بنود، تناول كل بند منها مجالًا من مجالات الطعن في القرآن. فبند عن بشريته، وآخر عن اقتباسه، وثالث عن عدم إعجازه، ورابع عن تحريفه، وخامس عن أخطائه العلمية واللغوية والتاريخية والتشريعية، وسادس عن تناقض آياته مع بعضها البعض، وسابع عن عدم تقويمه للنظريات والمبادئ العامة.
وخصصت الفصل الثالث ـ وهو بيت القصيد ـ لتفنيد تلك المطاعن والرد عليها وإبطالها، فتناولتها بندًا بندًا وناقشتها فكرة فكرة , وقدمت الأدلة النقلية والعقلية على إبطالها، ففي البند أولًا قدمنا أربعة عشر دليلًا منوعًا على أن القرآن وحي من عند الله وليس بشريًّا أو من عمل محمد ﷺ وفي البند ثانيًا قدمنا خمسة أدلة عامة وستة تطبيقية على أن القرآن ليس مقتبسًا من التوراة ولا الإنجيل، وفي البند ثالثًا قدمنا خمسة أدلة على أن القرآن معجز وفي قمة الإعجاز، وفي البند رابعًا قدمنا سبعة أدلة على أن القرآن الكريم معافى من أي تحريف أو تبديل على عكس الكتب السابقة، وفي البند خامسًا ذكرنا أربعة أدلة إجمالية على إبطال دعوى التناقض بين بعض آيات القرآن ثم وضحنا ذلك في اثني عشر موضعًا مما استندوا إليه ووضحنا بطلانه، وفي البند سادسًا ناقشنا ما أسموه أخطاء في القرآن الكريم حتى بينا أنهم هم المخطئون وأن القرآن الكريم في قمة الأداء والمعنى ولكنهم لا يفهمون، وفي البند سابعًا ناقشنا موضوع النظريات التي يتساءلون عنها وبينا ما قدمه القرآن في هذا المجال مما لم يسبق إليه ولم يلحق فيه. ودعمنا ذلك كله بأقوال العلماء والمفكرين وبعض المنصفين من أعداء الإسلام والقرآن.
أسأل الله تعالى أن ينفع بهذا البحث وأن يجعله خالصًا لوجهه إنه خير مسؤول وأعظم مأمول.
стр. 11670
الفصل الأول
الغزو الفكري ماضيه وحاضره
إن عداوة اليهود المشركين، ومن على شاكلتهم من المبشرين والمستشرقين للإسلام والمسلمين قائمة منذ فجر التاريخ، فقد عادوا رسالات الله التي جاءت كلها بالإسلام، وتآمروا على رسل الله الذين حملوا إليهم هذه الرسالات، وقتلوا الأنبياء الداعين للإسلام، وعبدوا العجل وغيره من الأصنام، وآمنوا بالجبت والطاغوت، واتبعوا ما تتلوا الشياطين، وحرفوا كتاب الله تعالى وبدلوه، وكتبوه بأيديهم واشتروا به ثمنًا قليلًا، وكفروا بأنعم الله تعالى الظاهرة والباطنة، وبدلوا قولًا غير الذي قيل لهم، وعصوا أوامر الله تعالى واعتدوا على حدوده وحرماته، وظل حالهم كذلك حتى بعث الله تعالى خاتم النبيين والمرسلين محمدًا ﷺ فازدادت عداوتهم وأفصحوا عن حقدهم، فكانوا ـ رغم علمهم به ـ أول كافر به، ولم يكتفوا بكفرهم، بل شنوا على المؤمنين به حملات العداء والتشهير، ووضعوا أيديهم في أيدي المشركين والنصارى لمهاجمة الإسلام ورسوله وكتابه وكل من آمن به، وصدق الله العظيم: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آَمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ (١) .
وفي القرآن الكريم الكثير من الآيات التي تشير إلى ما قام به اليهود والنصارى ضد الإسلام ورسوله وأصحابه، من كفرهم به، وصد الناس عن الإيمان به، ومحاولات تشويهه والنيل منه، وشن الحروب على أهله، ونقض العهود معهم، وتدبير المؤامرات ضدهم، وخيانة الأمانات إلى غير ذلك؛ يقول الله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٢) .
ويقول: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ (٣) .
فهذا عن كفرهم بالرسول ﷺ والقرآن، أما عن صدهم عن سبيل الله وعن الإيمان , فمنه قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا سَبِيلًا (٥١) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾ (٤) .
وقوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آَمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ (٥) .
وأما عن تلبيس الحق بالباطل فيقول الله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٦) .
стр. 11671
بل حاولوا مع المسلمين أن يردوهم إلى الكفر بعد الإيمان، وفي سبيل ذلك كان بعضهم يدخل الإسلام أول النهار ويكفر آخره ليحذو حذوه المسلمون، يقول الله تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ (١) .
وقال سبحانه: ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آَمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آَخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (٢) .
روى ابن إسحاق عن ابن عباس قال: قال عبد الله بن الصيف وعدي بن زيد والحارث بن عوف بعضهم لبعض: تعالوا نؤمن بما أنزل على محمد وأصحابه غدوة ونكفر به عشية حتى نلبس عليهم دينهم لعلهم يصنعون كما نصنع فيرجعون عن دينهم. فأنزل الله فيه: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾ إلى قوله: ﴿وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ . (٣)
هذا قليل من كثير مما كان عند اليهود والنصارى من العداوة للإسلام والقرآن والرسول ﷺ والمؤمنين.
وقد استمرت هذه العداوة تتنامى وتتضاعف بمرور السنين حتى لبست أثوابًا جديدة في العصر الحديث، وتجلت فيما يعرف الآن: بالغزو الفكري الذي يصوب سهامه المسمومة إلى أغلى ما يعتز به المسلمون من كتاب الله تعالى وسنة نبيه ﷺ يقول الدكتور دراز ﵀: "ومن تتبع أنواع المجادلات التي حكاها القرآن عن الطاعنين فيه رأى أن نسبتهم القرآن إلى تعليم البشر كانت هي أقل الكلمات دورانًا على ألسنتهم، وإن أكثرها ورودًا في جدلهم هي نسبته إلى نفس صاحبه، وهذا الرأي هو الذي يروجه الملحدون اليوم باسم "الوحي النفسي" زاعمين أنهم بهذه التسمية قد جاءوا برأي علمي جديد وما هو بجديد، وإنما هو الرأي الجاهلي القديم لا يختلف عنه في جملته ولا تفصيله، وهكذا كان الإلحاد في ثوبه الجديد صورة منسوخة بل ممسوخة من الماضي في أقدم أثوابه، وكان غذاء هذه الأفكار المتحضرة في العصر الحديث مستمدًا من فتات الموائد التي تركتها تلك القلوب المتحجرة في عصر الجاهلية الأولى: ﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ (٤) .
وقبل أن نتناول هذه السهام الحديثة نقف وقفة قصيرة مع هذا الغزو الحديث نتعرف من خلالها على تاريخه وأهدافه وأنواعه وأساليبه.
стр. 11672
تاريخ الغزو الفكري:
عرفنا أن الحملة على الإسلام ومصادره قديمة، منذ بزغت شمسه، أما الغزو في ثوبه الجديد، فقد بدأ بعد فشل الحروب الصليبية، وذلك أن الصليبيين لما خسروا المعارك الحربية ضد الإسلام وأهله، ولم يتمكنوا من الاحتفاظ ببيت المقدس، فكروا في حروب أخرى للقضاء على الإسلام الذي هو سر قوة المسلمين ومصدر توجيههم فلجأوا منذ ذلك الوقت إلى الغزو الفكري، يقول غاردنر: "لقد خاب الصليبيون في انتزاع القدس من أيدي المسلمين ليقيموا دولة مسيحية في قلب العالم الإسلامي ... " ثم يقول: "والحروب الصليبية لم تكن لإنقاذ هذه المدينة بقدر ما كانت لتدمير الإسلام"، أما ليفونيان فيرى ـ وهو على حق ـ "أن الحروب الصليبية كانت أعظم مأساة نزلت بالصلات بين المسلمين والنصارى في الشرق الأدنى، لقد أحب الصليبيون أن ينتزعوا القدس من أيدي المسلمين بالسيف ليقيموا للمسيح مملكة في هذا العالم، إنهم لم يستطيعوا أن يقيموا تلك المملكة، ولكنهم تركوا بعدهم العداوة والبغضاء، خابت دول أوروبا في الحروب الصليبية الأولى من طريق السيف، فأرادت أن تثير على المسلمين حربًا صليبية جديدة من طريق التبشير (١) .
وكان "ريمون لل" الأسباني أول من تولى هذا الغزو التبشيري، فقد استطاع في عام ١٢٩٩م، أن يحصل على إذن من الملك يعقوب صاحب أرغونة ليبشر في مساجد برشلونة محتميًا بالسلطة المسيحية في أسبانيا، ثم جال في بلاد الإسلام وناقش علماء المسلمين في بلاد كثيرة" (٢) .
وظلت عمليات التبشير تتنامى وتتكاثر وتتكون لها جمعيات ومؤتمرات عالمية كما يذكر ذلك "أدوين بلس" في كتابه "ملخص تاريخ التبشير" من مثل مؤتمر القاهرة ١٩٠٦م برئاسة "زويمر" وكتابه "العالم الإسلامي اليوم"، ومؤتمر "أدنبرج" التبشيري ١٩١٠م، ومؤتمر لكنو التبشيري في الهند ١٩١١ (٣) .
أما عن الاستشراق وهو الجناح الثاني من أجنحة الغزو الفكري، فقد بدأ منذ دقت جيوش الفتح الإسلامي أبواب أوروبا، وتحققت لهم السيادة العالمية في شتى المجالات، فبدأ الأوروبيون الذين كانوا غارقين في ظلام العصور الوسطى يبحثون عن أسباب نهضة المسلمين، وبدأ بعض رجال الكنيسة يدرسون اللغة العربية والعلوم الإسلامية، وزادت هذه الدراسات وكثر الاهتمام بها في أعقاب فشل الحروب الصليبية، ولما قامت النهضة الأوروبية، وتفتحت أنظار الأوروبيين إلى استعمار البلاد العربية والإسلامية ـ وهذا هو الجناح الثالث للغزو ـ كثر اهتمام الأوربيين بالدراسات الشرقية الاستشراقية فشجعوا عليها وفتحوا لها أقسامًا خاصة في جامعاتهم، وبدأوا يعقدون المؤتمرات والجمعيات، وينشرون التقارير والمجلات، وبدأت هذه الأعمال الاستشراقية تحقق ثمارها ونتائجها في مهاجمة الإسلام وتشويهه والنيل منه، فالتقت في ذلك مع التبشير وأعمال المبشرين، وتضافرت معها، ومن أشهر المستشرقين: المستشرق الإنجليزي جب، والفرنسي ماسينيون، والإنجليزي مرجليوت، والمجري جولدزيهر، والألماني بروكلمان، وغيرهم كثيرون (٤) .
стр. 11673
ويذكر الدكتور محمد البهي أن الغزو الفكري بدأ بعد الحرب الصليبية، وذلك أن الاحتكاك في هذه الحروب على مدى قرنين جعل الصلييبيين يقفون على أمرين هما: عقيدة الإسلام في قوتها وضعف المسلمين في مجتمعهم، وسعة ما يملكون من ثروة في بلادهم ,فبدأوا بعد الفشل في الحرب يعدون أنفسهم ويرسمون خططهم انتهازًا لزيادة ضعف المجتمع الإسلامي وتفككه، والاستفادة من ثروته، وأعقب هذا الاتصال الاقتصادي نفوذ سياسي ثم استعمار عسكري منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر حتى الربع الأول من القرن العشرين، وقد استخدم هذا النفوذ السياسي والعسكري للتنفيس عن الهزيمة الصليبية في الحروب الماضية، وعن الحقد الصليبي على بقاء بيت المقدس في ظل السيادة الإسلامية يقول:
فكيف يستمر للغرب نفوذه السياسي على الشرق الإسلامي؟
وكيف يبقى تخلف المسلمين؟ وكيف تنفس النفس الصليبية عن حقدها؟
ليس له ـ الغرب ـ هنا طريق آخر لتحقيق هذه الغاية سوى تناول "مادة التوجيه" المحلية وجعلها غير صالحة، ولم يكن هناك في توجيه الشرق الإسلامي سوى "الإسلام" والتراث الإسلامي الذي خلفه المسلمون في شرح إسلامهم، فإفساد الإسلام والتراث الإسلامي إذن غرض أول للمستعمر الغربي (١) , وهذا ما سنبينه في الفقرة التالية.
стр. 11674
أهداف الغزو الفكري:
لا تختلف أهداف الغزو الحديث عن مؤامرات الماضين ومكائدهم فهي كلها تدور حول النيل من الإسلام وتشويه حقائقه ورموزه الكبيرة من القرآن الكريم والسنة النبوية، وصد الناس عن الإيمان به والدخول فيه، وإفساد من تم إسلامهم بالتنصير أو التشكيك والإلحاد، وبذلك وغيره يتم القضاء على الإسلام واستغلال أهله وأرضه، يقول الدكتور عبد الحليم محمود: "ولقد غزانا الغرب في العصور الحديثة بكل ما يملك، بالسلاح والقلم، وقد كانت مهمة القلم في هذا المجال واسعة متنوعة، فقد تناول كُتّابهم الإسلام عقيدة وتشريعًا وأخلاقًا وتاريخًا محاولين أن يزيفوا الحقائق في كل ميدان من ميادين الدين، وحاولوا أن يقللوا من شأن الإسلام ومن شأن العرب، وحاولوا بكل ما أتوا من وسائل في الدعاية أن يبعثوا في النفوس روح التحلل والفساد الأخلاقي ... "، ثم يقول: "إن الغربيين يريدون بكل وسيلة القضاء على الإسلام كقوة لها ذاتيتها وأصالتها ومنهجها في الحياة وهم يستعملون من أجل ذلك كل الوسائل" (١) .
ويقول الدكتور البهي: "فإفساد الإسلام والتراث الإسلامي إذن غرض أول للمستعمر الغربي، واختار وسيلة لذلك فيما أبرزه من المفارقة بين الغرب والشرق من تقدم الأول وتأخر الثاني، وابتدأ العلم وابتدأت الدراسة هناك تبحث عن أسباب هذه المفارقة وتركزت الأسباب أخيرًا في المقابلة بين المسيحية والإسلام، المسيحية دين المتقدمين والإسلام دين المتخلفين...." (٢) .
ويضيف الشيخ محمود شاكر ... " لم يكن غرض العدو أن يقارع ثقافة بثقافة، أو أن ينازل ضلالًا بهدى، أو أن يصارع باطلًا بحق، أو أن يمحو أسباب ضعف بأسباب قوة، بل كان غرضه الأول والأخير أن يترك في ميدان الثقافة في العالم الإسلامي جرحى وصرعى لا تقوم لهم قائمة، وينصب في أرجائه عقولًا لا تدرك إلا ما يريد لها هو أن تدرك، ولا تبصر إلا ما يريد لها هو أن تبصر، ولا تعرف إلا ما يريد لها هو أن تعرف، فكانت جرائمه في تحطيم أعظم ثقافة إنسانية عرفت إلى هذا اليوم كجرائمه في تحطيم الدول وإعجازها مثلًا بمثل، وقد كان ما أراد الله أن يكون، وظفر العدو فينا بما كان يبغي ويريد ... " (٣) .
стр. 11675
ومن هذا يتبين أن الهدف الرئيسي لأئمة الغزو الفكري وقياداته هو القضاء على الإسلام وأصوله وتراثه، وهناك أهداف أخرى سياسية واقتصادية واجتماعية كالحيلولة دون وحدة الأمة الإسلامية، ونهب خيراتها وثرواتها وبذر بذور التفرق والقومية بين صفوفها، ولكنا إذا أمعنا النظر في هذه الأهداف وجدناها ترجع في حقيقتها إلى الهدف الرئيسي الديني: " وهو القضاء على الإسلام وعلى كل ما يقويه ويحفظه ".
وقد أحصى هذه الأهداف إجمالًا وتفصيلًا الأستاذ عبد الرحمن حسن فقال: "وأخطر أهدافهم في الأمة الإسلامية تحويل المسلمين عن دينهم وتقطيع أوصال جماعتهم الإنسانية الكبرى، وبثها إلى وحدات صغرى متقاطعة متنافرة متدابرة يقاتل بعضها بعضًا، ولتحقيق ذلك لجأ الغزاة إلى الأعمال الجزئية الآتية:
١ ـ التشكيك بصحة رسالة النبي ﷺ .
٢ ـ إنكار كون القرآن كتابًا منزلًا من عند الله.
٣ ـ أن الإسلام ليس دينًا سماويًّا ولكنه ملفق من اليهودية والنصرانية.
٤ ـ التشكيك في صحة الحديث النبوي.
٥ ـ التشكيك بقيمة الفقه الإسلامي.
٦ ـ التشكيك في قدرة اللغة العربية على مسايرة التطور العلمي.
٧ ـ تشكيك المسلمين بقيمة تراثهم الحضاري وإضعاف ثقتهم فيه.
٨ ـ إضعاف روح الإخاء الإسلامي ببث الأفكار القومية والنعرات العصبية" (١) .
стр. 11676
وسائل الغزو الفكري:
اتخذ الغزاة من الوسائل كل ما يؤدي أو يساعد على تحقيق أهدافهم جملةً وتفصيلًا، ولم يتركوا وسيلة تساعد على تحقيق هدف ولو جزئي إلا استعملوها، ولذلك نجدهم تارة يستخدمون السلاح، وأخرى يستخدمون السلام، وحينًا يستخدمون العلم، وتارة يستخدمون الطب، وأخرى يستخدمون المساعدات الاقتصادية بأشكالها المختلفة من مساعدات غذائية إلى مساعدات كسائية، إلى مساعدات نقدية كمعاشات ومرتبات شهرية أو مكافآت سنوية، وفي مناسبات كثيرة يكون الكذب والباطل وإثارة الشبهات والضلالات وسيلتهم لتحقيق تلك الأهدف أو بعضها، بل إن ذلك يكاد يكون الطابع العام مع كل الوسائل السابقة، يقول الشيخ محمود شاكر: "وميادين معركة الثقافة والعقل ميادين لا تعد بل تشمل المجتمع كله في حياته وفي تربيته، وفي معايشه، وفي تفكيره، وفي عقائده، وفي آدابه وفي فنونه، وفي سياسته، بل كل ما تصبح به الحياة حياة إنسانية كما عرفها الإنسان منذ كان على الأرض، والأساليب التي يتخذها العدو للقتال في معركة الثقافة أساليب لا تعد ولا تحصى لأنها تتغير وتتبدل وتتجدد على اختلاف الميادين وتراحبها وكثرتها، وأسلحة القتال فيها أخفى الأسلحة" (١) .
ويفصل الدكتوران خالدي وفروخ هذه الوسائل ويعددانها ويبينان أن العدو لم يترك واحدة منها، ولم يفوت مناسبة إلا واستخدمها، فما دامت الغاية واضحة والهدف محددًا نحو الإسلام فقد سلكوا كل السبل الشريفة وغير الشريفة لتحقيق هذه الغاية يقولان: "ولقد استخدم المبشرون جميع الطرق في سبيل التبشير، واستغلوا جميع المناسبات؛ فصناعة التطبيب والتعليم والوعظ، ونقل الكتب من لغة إلى لغة كلها يجب أن توجه توجيها يفيد التبشير.. والمبشرون مجمعون على أن جميع الوسائل ـ مهما كانت ـ يجب أن تستغل في سبيل التبشير، حتى أعمال البر يجب أن تستغل استغلالًا بحتًا، من ذلك قولهم ـ المبشرين ـ كان التطبيب والتعليم من وسائل التبشير ويجب أن يبقيا كذلك، أما أعمال الإحسان فيجب أن تستعمل بحكمة كي لا تذهب في غير سبيلها، يجب أن تعطى الأموال أولًا للبعداء عن الكنيسة ثم تقل تدريجيًّا كلما اقترب أولئك من الدخول في الكنيسة ... " "وكان المبشرون يتخذون من زيارة المسجونين ومن العمل في المستشفيات وسيلة إلى التبشير.. كما لجأوا إلى الرشوة يفسدون بها ضمائر الذين يستميلونهم , واتخذوا سماسرة يجلبون لهم الذين كانوا يرضون أن يبدلوا دينهم، وكانوا يدفعون عن كل رأس عشرة قروش ذهبًا ... " (٢) .
стр. 11677
أما الدكتور البهي فيبين أن أعداء الإسلام من مبشرين ومستشرقين ومستعمرين اتخذوا لتحقيق أهدافهم في القضاء على الإسلام وإضعافه وإضعاف أهله وسيلتين أساسيتين هما:
١ ـ خلق جيل جديد من أبناء المسلمين يكون تابعًا لهم متحدثًا باسمهم، متشبعًا بثقافتهم، مقتنعًا بأهدافهم، راضيًا بسيادتهم واحتلالهم.
٢ ـ قيام الغربييين بالتركيز على تشويه الإسلام والسخرية من المسلمين.
يقول ﵀: "وسائل الاستعمار لإضعاف المسلمين في إسلامهم تنحصر في توجيه الفكر الإسلامي نحو تحقيق هذه الغاية، وقد برز هذا التوجيه في صورتين تنم كلتاهما عن هذه الغاية:
الصورة الأولى: قيام بعض مفكري المسلمين بحركة تقدمية في الإسلام، تبغي تقرير سلطة المستعمر وتثبيت ولايته على المسلمين من الوجهة الإسلامية.
الصورة الثانية: قيام بعض الغربيين الأوروبييين المسيحيين بإبراز الخلافات المذهبية، وتأكيد الفجوات والثغرات بين طوائف المسلمين وشعوبهم من الوجهة الشعوبية أو الجغرافية، أو نظام الحكم، مع شرح كثير من مبادئ الإسلام شرحًا يشوهها وينحرف بها عن أهدافها الأصلية، وذلك كله بالإضافة إلى تمجيد القيم المسيحية والحضارة الغربية والنظام السياسي والسلوك الفردي للشعوب الغربية" (١) .
وهذا الذي حصره الدكتور البهي في هاتين الصورتين لا يختلف عما ذكره العلماء السابقون من وسائل متعددة بل يتفق معه تمامًا، وكل ما هنالك من فرق أن السابقين فصلوا الوسائل والدكتور البهي جمعها، فالطب والتعليم والمساعدات والزيارات والإعلام والثقفافة والبر والإحسان و ... و.... كل ذلك ينتهي إلى إحدى هاتين الصورتين، والهدف النهائي هو: القضاء على الإسلام وتنصير أهله، أو إضعاف شأنه ومكانته عند أهله وغيرهم بما يثيرونه حوله من شبهات وأباطيل، وسيقوم بذلك أحد شخصين أو هما معًا؛ إما مسلم ضعيف الإسلام صنعه الاستعمار على هواه، وإما كافر حاقد لا يريد بالإسلام وأهله خيرًا كالمبشرين والمستشرقين، ومن هذا يتبين لنا أن أعداء الإسلام سلكوا كل الوسائل واتخذوا كل الأساليب، واستغلوا كل المناسبات، ووجهوا كل الخطط، وقضوا على الأساليب المضادة لتحقيق أهدافهم الخبيثة في القضاء على الإسلام وأهله.
стр. 11678
أنواع الغزو الفكري:
يتخذ الغزو الفكري صورًا وأشكالًا بعضها واضح مكشوف تحت عنوان خبيث هو تحقيق الإصلاح والتقدم الحضاري، وبعهضا خفي حتى لا يثير أية مشكلة تتعلق بقوانين البلاد وأمنها وتقاليد أهلها فمن ذلك:
(أ) الاستشراق والتبشير:
وهما جناحان لطائر واحد فكلاهما يصب في الآخر ويدعمه ويسانده، فالاستشراق هو الجانب النظري والعلمي والتبشير هو الجانب العلمي والحركي (١) , ولكنهما يسعيان لغاية واحدة ويتعاونان في الوصول إلى هدف واحد وكلاهما يستخدم خطط الآخر وأساليبه ويتبادلانها، ولهذا النوع مراكز عديدة يتحرك من خلالها لتحقيق الهدف المشترك منها:
١ ـ أجهزة التعليم من مدارس ومعاهد وجامعات.
٢ ـ الجمعيات والمراكز الثقافية.
٣ ـ الأندية الرياضية والاجتماعية.
٤ ـ المنشآت الطبية والدوائية.
٥ ـ الملاجئ وجمعيات التكافل الاجتماعي.
٦ ـ الكنائس وتحركاتها التبشرية.
(ب) الاستعمار العسكري والاقتصادي والسياسي:
حيث يغرق الدول الفقيرة بديون تكبلها ثم يتدخل في شؤونها الداخلية والخارجية بدعوى حفظ مستحقاته وديونه، وقد يلجأ إلى الاستعمار العسكري وإقامة القواعد الدائمة، ثم يعمل على بث أفكاره ومبادئه بين أبناء تلك الشعوب عن طريق حكامها أو عن طريق الأقلام المريضة للعملاء الذين يصنعهم أو يشتريهم من أهل تلك البلاد.
(ج) الماسونية والصهيونية:
وهي حركات سرية عنصرية استخدمت الشيوعية والاستعمار في هدم الأديان والقيم الدينية والسيطرة على الشعوب النامية والتخطيط لقيادة العالم والاستيلاء على مقدرات الأمم.
(د) عملاء الاستعمار من الوطنيين:
وهؤلاء يروجون للأفكار الدخيلة سواء منها ما ينتمي إلى المعسكر الشرقي أو المعسكري الغربي، ومن هؤلاء من يدعو إلى ترك اللغة الفصحى، وتشجيع العامية (٢) . ومنهم من يدعو إلى تغيير الأحكام الشرعية لأنها قاسية ولم تعد صالحة للتطبيق (٣) . إلى غير ذلك.
(هـ) تلاميذ المستشرقين والمبشرين:
ممن درسوا على أيديهم أو تتلمذوا على أفكارهم، ولم ينالوا الشهادات العالمية العالية من ماجستير ودكتوراه إلا بعد ترديد هذه الأفكار والاقتناع بها والدفاع عنها (٤) .
(و) إنشاء ومساندة الفرق الضالة المرتدة عن الإسلام:
فقد ظهر في القرن الماضي بعض من ادعى النبوة وحرف الإسلام وشوه العقيدة وأفسد العبادة وغير القيم والأخلاق , فغذاهم الاستعمار وساعدهم ووقف إلى جانبهم حتى أثمرت دعواتهم الباطلة فرقًا تضم جماعات من الناس مثل: البابية والبهائية والقاديانية وغيرها من الحركات التي ادعت زورًا وبهتانًا أنها حركات تجديد وإصلاح في الإسلام والمسلمين (٥) .
стр. 11679
الفصل الثاني
مطاعن الغزاة في القرآن الكريم
(أ) لماذا الطعن في القرآن:
من المعلوم أن القرآن الكريم هو كتاب الله الخالد الذي تولى حفظه بنفسه كما قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (١) .
وهو معجزة رسول الله ﷺ الكبرى التي تحدى بها الإنس والجن إلى يوم الدين: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآَنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ (٢) .
وهو مادة الإسلام ومصدره الأعظم في العقيدة والعبادة والتشريع والأخلاق والمعاملات وجميع نظم الحياة، قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾ (٣) .
وقال تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ (٤) .
كان رسول الله ﷺ ينظر نزوله بالأحكام والإجابة عن الأسئلة. والفصل في الخلافات والأوامر والنواهي والحلال والحرام وشؤون العباد. وكان أصحاب رسول الله ﷺ يرجعون إليه ـ مستعينين بالنسبة النبوية ـ في كل ما يتنزل بهم أو يطرأ عليهم، وكذلك سار التابعون والأئمة المجتهدون والمفسرون والمحدثون والفقهاء والمتكلمون، والخلفاء والوزراء والفلاسفة والعلماء. وهكذا كان القرآن الكريم ـ وما زال ـ مرجع الإسلام والمسلمين في كل شيء إما بالنص عليه أو بالفهم والاجتهاد في ضوئه، ونظرًا لهذه المكانة السامية، والمنزلة الكبرى لكتاب الله تعالى كان القرآن الكريم مستهدفًا من قِبَل الغزاة على اختلاف أجناسهم ووسائلهم، فسلطوا حربهم في الدرجة الأولى عليه، ووجهوا معظم سهامهم المسمومة إليه؛ لأنه كما ذكرنا أساس الإسلام، فإذا قضي عليه ـ وهذا مستحيل ـ قضي على الإسلام، وفي ذلك يقول جون تاكلي: "يجب أن نستخدم كتابهم ـ القرآن الكريم ـ وهو أمضى سلاح في الإسلام ضد الإسلام نفسه لنقضي عليه تمامًا، يجب أن نري هؤلاء الناس ـ المسلمين ـ أن الصحيح في القرآن ليس جديدًا، وأن الجديد فيه ليس صحيحًا " (٥) , ونحو ذلك من الأقوال التي سنتعرف عليها في الفقرات القادمة.
стр. 11680
(ب) بداية الطعن في القرآن:
يردد الغزاة من أعداء الإسلام اليوم ما ردده أجدادهم من أعداء الإسلام في الماضي منذ فجر الدعوة الإسلامية، ومع البدايات الأولى لنزول القرآن الكريم في مكة على النبي ﷺ فقد حكى القرآن الكريم ما قاله المشركون واليهود والنصارى على القرآن الكريم وعلى سيدنا محمد ﷺ فمن ذلك قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آَخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (١) .
فالآيات تبين أن المشركين وأضرابهم من الكافرين ادعوا ظلمًا وزورًا وبلا بينة أن القرآن من صنع محمد وكذبه، وساعده في ذلك آخرون (٢) .
وادعوا مرة أخرى أن القرآن من أساطير الأولين يملى على محمد ويكتبه صباحًا ومساء، وقد رد الله تعالى عليهم في آيات أخرى بما أفحمهم وبين أنه من عند الله ووحيه، وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آَيَةً مَكَانَ آَيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ (٣) .
стр. 11681
فالآيات تبين أن المشركين ادعوا على رسول الله ﷺ أنه يفتري القرآن الكريم ويختلقه كما ادعوا أن شخصًا أعجميًّا يساعده في ذلك (١) فرد الله تعالى عليهم بأن القرآن من تنزيله ولكنهم يجهلون، وقد نزله الله تعالى بوحيه ليثبت المؤمنين ويهدي ويبشر المسلمين، وأما ادعاؤهم أن شخصًا أعجميًّا يساعده فينقضه الواقع ويبطله البيان فكيف بأعجمي لا يكاد يُبِينُ يعلِّم محمدًا هذا البيان العربي الحكيم المبين؟ وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءهُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَى إلى الْإِسْلَامِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ (٢) .
وقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آَمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (٣) .
هكذا كان موقف أجداد الغزاة المعاصرين ـ من المشركين واليهود والنصارى ـ من القرآن الكريم إبان نزوله على محمد ﷺ وظل الأمر كذلك حتى نشر الله تعالى الإسلام وأقام دولته ومكن له في الأرض، وسُمِع دوي القرآن الكريم في أرجاء المعمورة، وقامت المساجد في القرى والمدن وعقدت مجالس العلم ومدارسه في كل مكان، ونشأت علوم كثيرة لخدمة القرآن.
стр. 11682
وبعد دهر نبتت نابتة الشيطان في أهل كل دين، وجاءوا بالمراء والجدل، وشققوا الكلام بالرأي والهوى، وعندئذ نجم الخلاف وانتهى الخلاف إلى الجرأة، وأفضت الجراة يومًا إلى رجل في أواخر دولة بني أمية يقال له الجعد بن درهم، وكان شيطانًا خبيث المهب تلقى مذهبه عن رجل من أبناء اليهود يقال له طالوت، فكذب القرآن في اتخاذ إبراهيم خليلًا، وفي تكليم موسى، وإلى هذا وشبهه , وكان من قوله "إن فصاحة القرآن غير معجزة، وإن الناس قادرون على مثلها وأحسن منها" ولم تكد دولة بني العباس ترسي قواعدها حتى دخلت بعض العقول إلى فحص إعجاز القرآن، فقام بالأمر كهف المعتزلة ولسانها " النظّام " فأتاه من قبل الرأني والنظر (١) , واستمر الأمر كذلك إلى أن تبنى المعتزلة فتنة القول "بخلق القرآن" في زمن الخليفة المأمون، الذي أيديهم وتبنى وجهة نظرهم ومبادئهم التي منها تقديم التحسين العقلي على الشرعي، ومما زاد في كثرة الفتن أمر المأمون بترجمة التراث الروحي للثقافات الأخرى من فارسية ويونانية (٢) .
ويقول الدكتور عبد الحليم محمود: "ومهما تحدث المتحدثون عن الازدهار والقوة والمجد في عصر المأمون، ومهما قالوا من أنه العصر الذهبي للأمة الإسلامية، فإنه مع ذلك عصر يتسم بسيئتين: الأولى: دخول المأمون في النزاع الذي كان بين علماء المسلمين في مسألة خلق القرآن، لقد دخل المأمون في هذا النزاع بقوة الدولة رغبة ورهبة، لقد دخل متحيزًا لفئة منكلًا بالفئة الأخرى، لقد تحيز للمعتزلة وهم قوم حكموا أهواءهم في الدين، وحسبوا أن ما يقولونه هو حكم العقل..، والثانية: أنه برغم موقف جمهور المسلمين الحاسم من التراث الروحي للأمم الأخرى، وبرغم معارضتهم الشديدة للغزو الفكري، فإن المأمون تحداهم تحديًا سافرًا، آمرًا بترجمة التراث الروحي والأخلاقي للأمم الأخرى يونانية كانت أو فارسية أو غيرهما" (٣) .
стр. 11683
ثم تتابعت العصور على ذلك الجدل في القرآن وعلى ما هو أشنع منه حتى أفضينا به في العصر الحديث إلى أقبح الشناعة يوم فرض الاستعمار الغربي الغازي على مدارسنا منهجًا من الدراسة يضعف دراسة اللغة العربية، وينحيها رويدًا رويدًا، ويشجع العامية ويدعو إليها حتى يقطع الصلة بين الأمة وكتابها العزيز فيصبح كتابًا غير مفهوم، فيهجره الناس، كما فعل المشركين من قبل: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآَنَ مَهْجُورًا﴾ (١) .
وبهجر القرآن وعدم القدرة على فهمه يكون قد تم القضاء على المصدر الأعظم للإسلام وبالتالي يتم القضاء على الإسلام.
وقد سلك الغزاة الجدد في سبيل القضاء على القرآن كل السبل والوسائل، ولكن كان الله تعالى ـ وما يزال ـ لهم ولأمثالهم بالمرصاد ففشلت كل محاولاتهم، وضلت جميع وسائلهم، وبقي القرآن الكريم وسيبقى إلى يوم الدين كما أنزله الله تعالى قويًّا عزيزًا محفوظًا: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (٢) .
﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ (١٩) وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ (٢٠) بَلْ هُوَ قُرْآَنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ (٣) .
стр. 11684
(ج) ماذا يقول الغزاة عن القرآن الكريم؟
قال الغزاة عن القرآن الكريم كلامًا كثيرًا ـ وما زالوا يقولون ـ منه ما يتعلق بنزوله، ومنه ما يتعلق بموضوعاته، ومنه ما ينصب على إعجازه، ومنه ما يعود إلى معانيه وأحكامه، ومنه ما يتعلق باللغة، وبالعلم، وبالتاريخ، ومنه ما يتعلق بالتشريع والأخلاق، ومنه ما يتعلق بالنظم والنظريات، ومعنى هذا أنهم لم يتركوا سبيلًا إلى النيل من القرآن الكريم إلا سلكوه، ولم يجدوا وسيلة لتحقيق هدفهم إلا أخذوا بها وسعوا إليها، ونحن في هذه الفترة نعرض نماذج مختلفة ومتعددة من أقوالهم، ثم نقوم في الفصل الثالث إن شاء الله بتفنيدها واحدة واحدة.
١ ـ قالوا: إن القرآن ليس وحيًا من عند الله، ولكنه من عند محمد، فهو من نوادر الأعمال الإنسانية، وتأليف كتاب ما في نهاية البلاغة والفصاحة لا يعد معجزة (١) يقول موريس بوكاي ـ وهو يعقد موازنة بين الإنجيل والقرآن ـ: "ومرة أخرى تفرض الموضوعية أن نشير إلى ادعاء هؤلاء الذين يقولون ـ بدون أي أساس ـ إن محمدا مؤلف القرآن" (٢) .
ويقول المستشرق نيكلسون: "والقارئون للقرآن من الأوروبيين لا تعوزهم الدهشة من اضطراب مؤلفه ـ وهو محمد ـ وعدم تماسكه في معالجة المعضلات، وهو نفسه لم يكن على علم بهذه المتعارضات، كما لم تكن حجر عثرة في سبيل صحابته الذين نقل إيمانهم الساذج القرآن على أنه كلام الله" (٣) . وتقول الموسوعة الروسية (٤) : "كتب القرآن في زمن الخليفة الثالث عثمان (٦٤٤ ـ ٦٥٦) ونظر إليه المسلمون نظرة تقديس، ويبدو من الدراسات التي بين أيدينا أن القرآن ظل يتحور ويتطور حتى بداية القرن الثامن، على أن تحليل مواضيع القرآن قد دلت على أن بعض أجزائه ترجع إلى زمن محمد وبعضها الآخر لا بد من إرجاعها إلى أزمان متأخرة أو متقدمة".
وهكذا لم يكتف الغزاة بنسبة القرآن إلى النبي ﷺ وإنما نسبوه إلى غيره، ممن لحقوا به أو سبقوه.
стр. 11685
٢ ـ وقالوا: إن القرآن مقتبس من التوراة والإنجيل، اقتبسه محمد، فأكثر القضايا الشرعية فيه مقتبسة من كتاب التوراة، وجميع القصص فيه ما عدا قصتي صالح وهود مقتبس من التوراة، فإذا نسخنا من القرآن كل ما هو مقتبس من التوراة من الشرائع والسير لا يبقى فيه إلا ما لا يستحق الذكر، واستشهد بعضهم على ذلك بمثل ما ورد في القرآن الكريم من قصص الأنبياء والوصايا كالتي في سورة الأنعام والتي في سورة الإسراء (١) . فمثلها موجودة في التوراة، وأكدوا ذلك بأن القرآن اعترف بهذا في قوله: ﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ أَوَلَمْ يَكُن لَّهُمْ آيَةً أَن يَعْلَمَهُ عُلَمَاء بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ (٢) .
ومن القائلين بذلك الخوري الحداد، وقد عرض الأستاذ محمد عزة دروزة أقواله التي منها: "إن الدعوة المحمدية كانت في العهد المكي كتابية إنجيلية توراتية مسيحية يهودية، وإن القرآن نسخة عربية من الكتب السماوية السابقة المنزلة على الأنبياء السابقين ومقتبس منها، وإنه كتاب توراتي إنجيلي يهودي نصراني في موضوعه ومصادره وقصصه وجدله ... " (٣) .
ولم يكتفوا بنسبة الاقتباس هذه إلى النبي ﷺ بل أضافوا عليها كذبًا آخر حيث نسبوا إلى النبي ﷺ في اقتباسه واتباع الهوى والنفس في النقل، يقول الدكتور البهي عنهم: "والإسلام الذي وضعه محمد تأثر فيه بالتعاليم الدينية السابقة عن تعاليم اليهودية والمسيحية، وبالأخص مسيحية الكنيسة السريانية.. ثم إن محمدًا في اقتباسه من المسيحية حرف الفهم فيما اقتبسه؛ لأنه حكم نفسه ومنزلته وقيمته الإنسانية في فهمها، فقد أنكر ألوهية المسيح متأثرًا بنفسه كإنسان، ولم يرق هو في تصور نفسه إلى منزلة عيسى حتى يتصور أنه إله كما كان عيسى" (٤) .
стр. 11686
٣ ـ وقالوا: إن القرآن ليس معجزًا، ويمكن أن يحاكى ويؤتى بمثله؛ لأنه كلام بشر صيغ في أعلى وأرفع الأساليب العربية بلاغة وفصاحة (١) ومنهم من اعتبر الإعجاز في هذا المجال فقط ـ مجال الفصاحة والبلاغة والنظم ـ وذلك يرجع إلى عبقرية محمد لا إلى أن القرآن معجز في ذاته، يقول الخوري الحداد: "إن المسلمين يلتمسون اليوم للقرآن الشمول من كل وجه، ويحاولون أن يجدوا فيه إعجازا إلهيًّا في العقيدة، وإعجازًا إلهيًّا في الشريعة، وإعجازًا إلهيًّا في الفلسفة، وإعجازًا إلهيًّا في العلم الحديث، وفاتهم جميعًا على أن تاريخ الإسلام يجهل مثل هذا التفكير ومثل هذه المحاولات وأن القدماء إنما جمعوا على أن إعجاز القرآن هو في نظمه"، ثم قام الخوري بعد ذلك بالطعن في نظم القرآن، ونقض رأي القدماء في إعجازه ليخلص من ذلك أن القرآن ليس معجزًا (٢) .
وهكذا يدعي الخوري كذبًا أن القدماء أجمعوا على أن الإعجاز القرآني في النظم فقط، ثم نقض ذلك كما أنكر ما يذكره المسلمون في الماضي والحاضر من تعدد جوانب الإعجاز في القرآن الكريم وعدم توقفها أو اقتصارها على النظم، وهو يرمي من وراء ذلك الكذب والإنكار أن ينتهي إلى أن القرآن ليس معجزًا.
٤ ـ وقالوا: إن القرآن قد حرف وبدل، واستدلوا لذلك بمثل قوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آَيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٣) .
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آَيَةً مَكَانَ آَيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٤) .
وادعوا أن جزءًا من القرآن قد ضاع من سورة الأحزاب كان مكتوبًا في ورقة فأكلها جدي، كما ذكر تيوثاوس أسماء سور لا أساس لها من كتاب الله وهي سور الخلع والحفد والنورين، وقد أخذ هذه الأسماء من أدعية قنوت (٥) رسول الله ﷺ . (٦) ..
стр. 11687
٥ ـ وقالوا: إن آيات القرآن يناقض بعضها بعضًا في اللفظ أو في المعنى، وضربوا لذلك أمثلة ـ لا أساس لها من الصحة كما سيتبين بعد ـ كقوله إن الآية ١٥ من سورة يونس، وهي قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآَنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ (١) تتناقض مع الآية ١٠١ من سورةالنحل، وهي قوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آَيَةً مَكَانَ آَيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٢) .
والآية ١٠٦ من سورة البقرة: وهي قوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آَيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٣)
تتناقض مع الآية ٢٧ من سورة الكهف، وهي قوله تعالى: ﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ (٤)
والآية ٩ من سورة الحجر، وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (٥) تتناقض مع الآية ٣٩ من سورة الرعد، وهي قوله تعالى: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ (٦) .
وهكذا الآية ٤ من سورة السجدة تتناقض مع الآية ٤ من سورة المعارج والآية ١ من سورة البلد مع الآية ٣ من سورة التين، والآية ٤٤ من سورة الزمر والآية ٤ من سورة السجدة مع الآية ٣ من سورة يونس، والآيتان ١٣، ١٤ من سورة الواقعة تتناقضان مع الآيتين ٣٩، ٤٠ من سورة الواقعة، والآية ٨٥ من سورة الحجر تتناقض مع الآية ٧٢ من سورة التوبة، والآية ٢٧٤ من سورة البقرة تتناقض مع الآية ٢٨ من سورة التوبة، والآية ٤٧ من سورة الأحزاب تتناقض مع الآية ٦٥ من سورة الأنفال، والآية ٢٠ من سورة آل عمران تتناقض مع الآية ٨٩ من سورة النساء، إلى غير ذلك من الأمثلة (٧) التي تتشابه جميعها في القيام على أساس واحد وهو الجهل وعدم المعرفة، أو العلم المكتوم بالحقد والكراهية أو هما معًا.
ومن التناقض في المعاني ما يقوله العقاد عن هؤلاء الأعداء: "قرأنا لبعضهم أخيرًا كتابًا عن الشيطان يلم فيه بصفة إبليس في الإسلام ويستغرب فيه ـ من هذا الدين ـ أن يقول عن الله إنه أمر الملائكة بالسجود لآدم ... مع أنه الدين الذي اشتهر بغاية التشدد في إنكار الشرك وتكفير كل ساجد لغير الله ... " (٨) .
стр. 11688
٦ ـ وقالوا: إن في القرآن أخطاء كثيرة، وأنه يتعارض مع العلم، واستشهدوا لذلك بأمثلة منها:
أـ ما ذكره فردريك بلس من أن القرآن الكريم لم يفرق بين مريم والدة عيسى ﵇ وبين مريم ابنة أخت موسى وهارون، يقول بلس: "خاطب القرآن مريم على لسان قومها بعد أن ولدت عيسى ولم يكن لها زوج بقوله: ﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ (١) .
ثم إنه قال: كيف تكون مريم أخت موسى التي عاشت قبل المسيح بألف وأربعمائة سنة هي أم المسيح" (٢) .
ب ـ قول تيموثاوس: "جاء في القرآن في سورة الكهف عند الحديث عن ذي القرنين قوله: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا﴾ (٣) .
وعلق المجلس الملي القبطي على ذلك مستغربًا ومستنكرًا: "الشمس تغيب في بئر"!! وقال البيضاوي إن الإسكندر الأكبر رآها ورأى طينها وماءها وناسًا عرايا حولها ... " (٤) .
جـ ـ ومن الأخطاء التاريخية قولهم: جاء في سورة القصص: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ﴾ (٥) .
وجاء في سورة غافر: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ﴾ (٦) .
وهذا خطأ لأن الملك احشويروش ملك الفرس الذي جاء ذكره في سفر استير كان له وزير يهودي يسمى هامان، وعاش هذا الملك بعد فرعون بنحو ألف سنة , وهذا هو خطأ القرآن في نظرهم (٧) .
стр. 11689
د ـ ومن الأخطاء اللغوية ـ في زعمهم ـ رفع اسم إن كقوله: ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ (١)
, ونصب الفاعل في قوله: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ (٢) .. ونصب المضاف إليه في قوله: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي﴾ (٣) .
إلى مثل ذلك من الأمثلة (٤) التي تدل على جهل كامل باللغة العربية وأسرارها.
هـ ـ ومما زعموه من الأخطاء التشريعية: عدم اتسوية بين المرأة والرجل في الميراث وغيره، وإباحة الطلاق وتعدد الزوجات، وقطع يد السارق حيث يصبح السارق بعد قطع يده عالة على المجتمع، وتحريم المطلقة على زوجها حتى تنكح زوجًا آخر (٥) .
وـ وأخطاء أخلاقية منها: إباحة الكفر عند الإكراه كقوله: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (٦) .
ز ـ ومن الأخطاء العلمية ـ في زعمهم ـ ما جاء في سورة لقمان من قوله تعالى: ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ (٧) .
وقال رجال المجلس الملي القبطي إن هذا يتعارض مع العلم فقد أثبت العلم أن الأرض تدور حول نفسها مرة كل أربع وعشرين ساعة فكيف يقول القرآن إنها راسية وثابتة (٨) .
стр. 11690
٧ ـ هناك مطاعن أخرى تأخذ صفة العموم كقول دي بوي: "جاء القرآن للمسلمين بدين ولم يجئهم بنظريات (١) وتلقوا فيه أحكامًا ولم يتلقوا فيه عقائد" (٢)
وما قاله مرجليوث وطه حسين عن الشعر الجاهلي ثم تطبيق ذلك على القرآن بما يبين أنه صورة للبيئة وانطباع لها أكثر من الشعر الجاهلي المنتحل.
وهكذا نجد الهجوم الصليبي اليهودي على القرآن الكريم من شتى الجوانب، في أصله ونزوله، وفي أصالته وتقليده، وفي إعجازه وإنسانيته، وفي بلاغته وفصاحته، وفي ألفاظه ومعانيه، وفي صحته وخطئه، في سلامته وتناقضه، وفي أحكامه وتشريعاته، وفي مضمونه ومحتواه، ولكنه ـ كما سنبين في الفقرات التالية إن شاء الله ـ هجوم هش ومعركة خاسرة، وسهام طائشة مردودة إلى نحور أصحابها من الغزاة الحاقدين أعداء القرآن والمسلمين.
стр. 11691
الفصل الثالث
تفنيد المطاعن السابقة والرد عليها
في هذا الفصل نذكر المطاعن السابقة حسب ورودها في الفصل السابق لنناقش كلًّا منها ونقيم الأدلة على زيفها وبطلانها في الفقرات التالية:
أولًا ـ قولهم إن القرآن بشري من عمل محمد وليس وحيًا.
والرد على ذلك من عدة جوانب:
(أ) أن القرآن الكريم كان الدليل الذي قدمه النبي ﷺ للمشركين لإثبات نبوته وصدق دعوته، فدل ذلك على أنه كلام غير عادي، وليس من عند محمد، إذ لو كان عاديًّا أو من عند محمد لما صح أن يكون دليلا لأنه لا يخرج عن كلامهم، ولا بد أن يكون الدليل شيئًا آخر، وقد أحس المشركون بذلك لولا عنادهم واستكبارهم، وفي ذلك يقول الشيخ محمودشاكر: "ولم يكن من برهانه ولا مما أمر به أن يلزمهم الحجة بالجدال حتى يؤمنوا إنما هو إله واحد، وأنه هو لله نبي، بل طالبهم بأن يؤمنوا بما دعاهم إليه، ويقروا له بصدق نبوته، بدليل واحد هو هذا الذي يتلوه عليهم من قرآن يقرؤه ولا معنى لمثل هذه المطالبة بالإقرار لمجرد التلاوة إلا أن هذا المقروء عليهم كان هو نفسه آية فيها أوضح الدليل على أنه ليس من كلامه هو , ولامن كلام بشر مثله، ثم أيضًا لا معنى لها البتة إلا أن يكون في طاقة هؤلاء السامعين أن يميزوا واضحًا بين الكلام الذي هو من نحو كلام البشر والكلام الذي ليس من نحو كلامهم".
ثم انتقل إلى قضية التنجيم (١) في نزول القرآن الكريم وابتدائه قليلًا مبتاعدًا ثم تكاثره وتتابعه ليبين أن قليله ككثيره في الدلالة على أنه موحى به، ودليل على نبوة حامله ﷺ يقول: "وكان هذا القرآن ينزل عليه منجمًا، وكان الذي نزل عليه يومئذ قليلًا كما نعلم، فكان هذا القليل من التنزيل هو برهانه الفرد على نبوته، وإذن فقليل ما أوحي إليه من الآيات يومئذ، وهو على قلته وقلة ما فيه من المعاني التي تنامت وتجمعت في القرآن جملة كما نقرؤه اليوم مُنْطَوٍ على دليل مستبين قاهر يحكم له بأنه ليس من كلام البشر، وبذلك يكون دليلًا على أن تاليه عليهم ـ وهو بشر مثلهم ـ نبي من عند الله مرسل" (٢) .
وفي هذا يقول النبي ﷺ : ((ما من نبي إلا وأوتي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيًا أوحي إلي، فأن أرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة)) (٣) .
стр. 11692
فالقرآن هو آية الله تعالى في الأرض، آيته المعجزة من الوجه الذي كان به معجزًا للعرب ولكل البشر وللثقلين جميعًا. ومن هنا كان حقًّا على كل عاقل، وعلى كل بليغ، وعلى كل متذوق، وعلى كل فاهم أن يقر وأن يعترف حيث لا مناص له عن ذلك بأن القرآن وحي الله، وآيته لخلقه ولا دخل لأي بشرية فيه لا من محمد ولا من غيره، يقول الشيخ شاكر: "لقد فات بيان القرآن طاقة بلغاء الجاهلية وكانت له خصائص ظاهرة تجعل كل مقتدر بليغ مبين، وكل متذوق للبلاغة والبيان لا يملك إلا الإقرار له بأنه من غير جنس ما يعهده سمعه وذوقه، وأن مبلغه إلى الناس نبي مرسل، وأنه لا يطيق أن يختلقه أو يفتريه؛ لأنه بشر لا يدخل في طوقه إلا ما يدخل مثله في طوق البشر، وأنه إن تقول غير ما أمر بتبليغه وتلاوته بان للبشر كذبه، وحق عليه قول منزله من السماء سبحانه: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ (١) .
(ب) أو نزوله منجمًا في ثلاثة وعشرين عامًا على حسب الغايات الربانية، والأهداف التربوية على الرغم من حاجة النبي ﷺ لنزوله قبل ذلك أو في وقت أسرع دليل على أنه وحي يوحى، يمضي حسب المشيئة الإلهية وليس الأهداف والرغبات الشخصية، وكم من مرة كان الرسول ﷺ في حاجة ماسة لنزول الوحي فيتأخر عنه، وكم من مرة نزل على غير ما يحب ويتوقع، يقول الكتور دراز: " بل كان يأتي أحيلنًا على خلاف ما يحبه النبي ﷺ ويريده فيخطئه في الرأي، ويأذن له في الشيء لا يميل إليه، فإذا تلبث فيه يسيرًا تلقاه القرآن بالتعنيف الشديد، والعقاب القاسي، والنقد المر، كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ (٢) .
стр. 11693
وقد وضح ذلك الدليل بشيء من التفصيل الأستاذ مالك بن نبي في حديثه عن الخصائص الظاهرية للوحي وتطبيقها على القرآن ومن هذه الخصائص التنجيم فقال: "يضم الوحي في مجموعه ثلاثة وعشرين عامًا، فهو لا يكون ظاهرة مؤقتة أو خاطفة، ولقد نزلت الآيات منجمة بين كل وحي وما يليه مدة انقطاع تتفاوت طولًا وقصرًا، ولقد ينقطع الوحي مدة أطول مما ينتظره النبي وبخاصة عندما يلزمه أن يتخذ قرارًا يعتقد أن من الواجب ألا يصدره قبل تصديق السماء عليه " وأوضح مثال على ذلك موقفه إزاء قرار الهجرة، فلقد غادر أصحابه مكة فارين بدينهم بينما كان يعقد أنه لا بد فيما يتعلق بشخصه أن ينتظر أمرا صريحًا من الوحي، ومثال آخر: عندما كان الأمر بالنسبة له يحتم اتخاذ قرار في موقف محير مريب، بينما ينتظر ـ على أحر من الجمر ـ وحي الله الحاسم، ولقد تعرض النبي ﷺ لمثل هذه الحيرة في حادثة الإفك (١) التي لم يفصل فيها الوحي إلا بعد شهر من الانتظار على مضض (٢) .
وهكذا كان ينزل القرآن الكريم وفق المشيئة الإلهية ولتحقيق الغايات التربوية في المناسبات والنوازل بالرسول والأمة في مدى ثلاثة وعشرين عاما يعزز الجهود ويثبت الأفئدة ويواسي المصابين، ويبشر الصابرين، ويشد من أزر المجاهدين، يقول مالك بن نبي: "وكلما كان الإسلام ينتشر في رُبا الحجاز ونجد كان الوحي يتنزل بالدرس الضروري في المثابرة والصبر والإقدام والإخلاص يلقنه أولئك الأبطال الأسطوريين، أبطال الملحمة الخارقة.. ولو أن القرآن كان قد نزل جملة واحدة لتحول سريعًا إلى كلمة مقدسة خامدة، وإلى فكرة ميتة، وإلى مجرد وثيقة دينية لا مصدرًا يبعث الحياة في حضارة وليدة، فالحركة التاريخية والاجتماعية والروحية التي نهض بأعبائها الإسلام لا سر لها إلا في هذا التنجيم" (٣) .
وفي هذا كله يقول الله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآَنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ (٤) .
стр. 11694
(ج) الوحدة الكمية في القرآن الكريم؛ وهذا دليل آخر من أدلة الوحي، وذلك أنه على الرغم من نزول القرآن منجمًا كما أشرنا من قبل، إلا أن بين آياته كلها وآيات السورة الواحدة، والسورة مع السور الأخرى ترابطًا وانسجامًا لا يستطاع لعبقرية بشرية، ويعرض علينا الدكتور دراز نماذج متعددة من هذه الوحدة سواء منها القطعة الواحدة (الجملة) من القرآن مع غيرها منه، أو في السورة الواحدة مع آياتها أو في السور جميعها مع بعضها البعض، أو في القرآن كله من أوله إلى آخره، ونكتفي هنا بهذه الفقرة من كلامه في هذا المعنى يقول ﵀: "فإن كنت قد أعجبك من القرآن نظام تأليفه البياني في القطعة منه حيث الموضوع واحد بطبيعته، فهلم إلى النظر في السورة منه حيث الموضوعات شتى والظروف متفاوتة لترى من هذا النظام ما هو أدخل في الإعجاب والإعجاز، ألست تعلم أن ما امتاز به أسلوب القرآن من اجتناب سبل الإطالة والتزام جانب الإيجاز ـ بقدر ما يتسع له جمال اللغة قد جعله هو أكثر الكلام افتتانًا، نعني أكثره تناولًا لشؤون القول وأسرعه تنقلًا بينها من وصف إلى قصص إلى تشريع إلى جدل إلى ضروب شتى، بل جعل الفن الواحد منه يتشعب إلى فنون، والشأن الواحد فيه تنطوي تحته شؤون وشؤون، أو لست تعلم أن القرآن ـ في جل أمره ـ ما كان ينزل بهذه المعاني المختلفة جملة واحدة، بل كان يتنزل بها آحاد مفرقة على حسب الوقائع والدواعي المتجددة، وأن هذا الانفصال الزماني بينها والاختلاف الذاتي بين دواعيها كان بطبيعته مستتبعًا لانفصال الحديث عنها على ضرب من الاستقلال والاستئناف لا يدع بينها منزعًا للتواصل والترابط، ألم يكن هذان السببان قوتين متظاهرتين على تفكيك وحدة الكلام، وتقطيع أوصاله، إذا أريد نظم طائفة من تلك الأحاديث في سلك واحد تحت اسم سورة واحدة. وسبب ثالث كان أجدر أن يزيد نظم السورة تفكيكًا، ووحدتها تمزيقًا، ذلك هو الطريقة التي اتبعت في ضم نجوم القرآن بعضها إلى بعض، وفي تأليف وحدات السور من تلك النجوم، وإنها لطريقة طريفة سنريك فيها العجيبة الثالثة الكبرى التي خرجت بهذا التأليف القرآني عن طبيعة التأليف الإنساني ... " (١) .
стр. 11695
وهكذا يقدم لنا الدكتور دراز الأسباب والأدلة التي جعلت من هذا التنجيم في نزول القرآن مع هذا التأليف والانسجام بين ما نزل أولًا وما نزل آخرًا، وما هو مكي وما هو مدني، وما هو في القصص وما هو في الأحكام، وما هو في السلم وما هو في الحرب، وما هو في الأخلاق والشؤون الاجتماعية وما هو في المعاملات والشؤون المالية، نسيجًا مختلفًا عن تأليف البشر ونظامًا لا ترقى إليه عبقرية ولا تطيقه أية قوة غير إلهية، ومن هذا يثبت أن القرآن ليس بشريًّا وإنما هو وحي الله العظيم.
وفي توضيح هذا المعنى أيضا يقول الأستاذ مالك بن نبي: "الوحي ظاهرة منجمة فهو في أساسه متفاصل شأن مجموعة عددية، أي أنه متكون من وحدات متتالية هي الآيات، وهذه الخاصة توحي إلينا بفكرة الوحدة الكمية، فكل وحي مستقل يضم وحدة جديدة إلى المجموعة القرآنية، بيد أن هذه الوحدة القرآنية ليست ثابتة، فهي لا تماثل الوحدة التي تزيد في مجموعة الأعداد حين يضاف واحد إلى ثلاثة أو أربعة أو خمسة ليؤيد إلى الوحدة العددية التالية، فإن للوحي مقياسًا متغيرًا هو كميته أو سعته، تلك السعة التي تتراوح بين حد أدنى هو الآية وحد أقصى هو السورة"، ثم يمضي في تفسير هذا المعنى ببيان صلته بالنبي ﷺ لينتهي من ذلك إلى نفي أي تأثير بشري في هذا الوحي، وتأكيد خلوصيته وتمام نسبته إلى الوحي الإلهي فيقول: "وتأمل هذه الوحدة يتيح لنا بعض الملاحظات المفيدة عن العلاقة بين الذات المحمدية والظاهرة القرآنية، إذ هي تتناسب في الزمن مع الحالة الخاصة التي سميناها (حالة التلقي) عند النبي ﷺ ولقد رأينا ـ بصفة خاصة ـ أن إرادته تنعدم مؤقتًا؛ إذ هو عاجز في تلك اللحظات عن أن يغطي وجهه المحتقن المتفصد عرقًا، فعن هذه الذات العاجزة فجأة ـ وللحظات ـ تصدر وحدة التنزيل، على هذه الذات الغارقة في حالة لا شعورية تقريبًا يطبع الحي فجأة فقراته الوجيزة.. ههذ الوحدة تؤدي بالضرورة فكرة واحدة، وأحيانًا مجموعة من الفكر المنتظمة في أسلوب منطقي يمكننا ملاحظته في آيات القرآن، ودراسة هذه الفكر في ذاتها وفي علاقاتها ببقية حلقات السلسلة تكشف عن قدرة خالقه ومنظمة لا يمكن أن تنطوي عليها الذات المحمدية في تلك الظروف النفسية الخاصة بحالة تلقيها الوحي بل حتى في ظروفها الطبيعية ... " (١) .