الفصل الثالث
تفنيد المطاعن السابقة والرد عليها
في هذا الفصل نذكر المطاعن السابقة حسب ورودها في الفصل السابق لنناقش كلًّا منها ونقيم الأدلة على زيفها وبطلانها في الفقرات التالية:
أولًا ـ قولهم إن القرآن بشري من عمل محمد وليس وحيًا.
والرد على ذلك من عدة جوانب:
(أ) أن القرآن الكريم كان الدليل الذي قدمه النبي ﷺ للمشركين لإثبات نبوته وصدق دعوته، فدل ذلك على أنه كلام غير عادي، وليس من عند محمد، إذ لو كان عاديًّا أو من عند محمد لما صح أن يكون دليلا لأنه لا يخرج عن كلامهم، ولا بد أن يكون الدليل شيئًا آخر، وقد أحس المشركون بذلك لولا عنادهم واستكبارهم، وفي ذلك يقول الشيخ محمودشاكر: "ولم يكن من برهانه ولا مما أمر به أن يلزمهم الحجة بالجدال حتى يؤمنوا إنما هو إله واحد، وأنه هو لله نبي، بل طالبهم بأن يؤمنوا بما دعاهم إليه، ويقروا له بصدق نبوته، بدليل واحد هو هذا الذي يتلوه عليهم من قرآن يقرؤه ولا معنى لمثل هذه المطالبة بالإقرار لمجرد التلاوة إلا أن هذا المقروء عليهم كان هو نفسه آية فيها أوضح الدليل على أنه ليس من كلامه هو , ولامن كلام بشر مثله، ثم أيضًا لا معنى لها البتة إلا أن يكون في طاقة هؤلاء السامعين أن يميزوا واضحًا بين الكلام الذي هو من نحو كلام البشر والكلام الذي ليس من نحو كلامهم".
ثم انتقل إلى قضية التنجيم (١) في نزول القرآن الكريم وابتدائه قليلًا مبتاعدًا ثم تكاثره وتتابعه ليبين أن قليله ككثيره في الدلالة على أنه موحى به، ودليل على نبوة حامله ﷺ يقول: "وكان هذا القرآن ينزل عليه منجمًا، وكان الذي نزل عليه يومئذ قليلًا كما نعلم، فكان هذا القليل من التنزيل هو برهانه الفرد على نبوته، وإذن فقليل ما أوحي إليه من الآيات يومئذ، وهو على قلته وقلة ما فيه من المعاني التي تنامت وتجمعت في القرآن جملة كما نقرؤه اليوم مُنْطَوٍ على دليل مستبين قاهر يحكم له بأنه ليس من كلام البشر، وبذلك يكون دليلًا على أن تاليه عليهم ـ وهو بشر مثلهم ـ نبي من عند الله مرسل" (٢) .
وفي هذا يقول النبي ﷺ : ((ما من نبي إلا وأوتي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيًا أوحي إلي، فأن أرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة)) (٣) .
стр. 11692
فالقرآن هو آية الله تعالى في الأرض، آيته المعجزة من الوجه الذي كان به معجزًا للعرب ولكل البشر وللثقلين جميعًا. ومن هنا كان حقًّا على كل عاقل، وعلى كل بليغ، وعلى كل متذوق، وعلى كل فاهم أن يقر وأن يعترف حيث لا مناص له عن ذلك بأن القرآن وحي الله، وآيته لخلقه ولا دخل لأي بشرية فيه لا من محمد ولا من غيره، يقول الشيخ شاكر: "لقد فات بيان القرآن طاقة بلغاء الجاهلية وكانت له خصائص ظاهرة تجعل كل مقتدر بليغ مبين، وكل متذوق للبلاغة والبيان لا يملك إلا الإقرار له بأنه من غير جنس ما يعهده سمعه وذوقه، وأن مبلغه إلى الناس نبي مرسل، وأنه لا يطيق أن يختلقه أو يفتريه؛ لأنه بشر لا يدخل في طوقه إلا ما يدخل مثله في طوق البشر، وأنه إن تقول غير ما أمر بتبليغه وتلاوته بان للبشر كذبه، وحق عليه قول منزله من السماء سبحانه: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ (١) .
(ب) أو نزوله منجمًا في ثلاثة وعشرين عامًا على حسب الغايات الربانية، والأهداف التربوية على الرغم من حاجة النبي ﷺ لنزوله قبل ذلك أو في وقت أسرع دليل على أنه وحي يوحى، يمضي حسب المشيئة الإلهية وليس الأهداف والرغبات الشخصية، وكم من مرة كان الرسول ﷺ في حاجة ماسة لنزول الوحي فيتأخر عنه، وكم من مرة نزل على غير ما يحب ويتوقع، يقول الكتور دراز: " بل كان يأتي أحيلنًا على خلاف ما يحبه النبي ﷺ ويريده فيخطئه في الرأي، ويأذن له في الشيء لا يميل إليه، فإذا تلبث فيه يسيرًا تلقاه القرآن بالتعنيف الشديد، والعقاب القاسي، والنقد المر، كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ (٢) .
стр. 11693
وقد وضح ذلك الدليل بشيء من التفصيل الأستاذ مالك بن نبي في حديثه عن الخصائص الظاهرية للوحي وتطبيقها على القرآن ومن هذه الخصائص التنجيم فقال: "يضم الوحي في مجموعه ثلاثة وعشرين عامًا، فهو لا يكون ظاهرة مؤقتة أو خاطفة، ولقد نزلت الآيات منجمة بين كل وحي وما يليه مدة انقطاع تتفاوت طولًا وقصرًا، ولقد ينقطع الوحي مدة أطول مما ينتظره النبي وبخاصة عندما يلزمه أن يتخذ قرارًا يعتقد أن من الواجب ألا يصدره قبل تصديق السماء عليه " وأوضح مثال على ذلك موقفه إزاء قرار الهجرة، فلقد غادر أصحابه مكة فارين بدينهم بينما كان يعقد أنه لا بد فيما يتعلق بشخصه أن ينتظر أمرا صريحًا من الوحي، ومثال آخر: عندما كان الأمر بالنسبة له يحتم اتخاذ قرار في موقف محير مريب، بينما ينتظر ـ على أحر من الجمر ـ وحي الله الحاسم، ولقد تعرض النبي ﷺ لمثل هذه الحيرة في حادثة الإفك (١) التي لم يفصل فيها الوحي إلا بعد شهر من الانتظار على مضض (٢) .
وهكذا كان ينزل القرآن الكريم وفق المشيئة الإلهية ولتحقيق الغايات التربوية في المناسبات والنوازل بالرسول والأمة في مدى ثلاثة وعشرين عاما يعزز الجهود ويثبت الأفئدة ويواسي المصابين، ويبشر الصابرين، ويشد من أزر المجاهدين، يقول مالك بن نبي: "وكلما كان الإسلام ينتشر في رُبا الحجاز ونجد كان الوحي يتنزل بالدرس الضروري في المثابرة والصبر والإقدام والإخلاص يلقنه أولئك الأبطال الأسطوريين، أبطال الملحمة الخارقة.. ولو أن القرآن كان قد نزل جملة واحدة لتحول سريعًا إلى كلمة مقدسة خامدة، وإلى فكرة ميتة، وإلى مجرد وثيقة دينية لا مصدرًا يبعث الحياة في حضارة وليدة، فالحركة التاريخية والاجتماعية والروحية التي نهض بأعبائها الإسلام لا سر لها إلا في هذا التنجيم" (٣) .
وفي هذا كله يقول الله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآَنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ (٤) .
стр. 11694
(ج) الوحدة الكمية في القرآن الكريم؛ وهذا دليل آخر من أدلة الوحي، وذلك أنه على الرغم من نزول القرآن منجمًا كما أشرنا من قبل، إلا أن بين آياته كلها وآيات السورة الواحدة، والسورة مع السور الأخرى ترابطًا وانسجامًا لا يستطاع لعبقرية بشرية، ويعرض علينا الدكتور دراز نماذج متعددة من هذه الوحدة سواء منها القطعة الواحدة (الجملة) من القرآن مع غيرها منه، أو في السورة الواحدة مع آياتها أو في السور جميعها مع بعضها البعض، أو في القرآن كله من أوله إلى آخره، ونكتفي هنا بهذه الفقرة من كلامه في هذا المعنى يقول ﵀: "فإن كنت قد أعجبك من القرآن نظام تأليفه البياني في القطعة منه حيث الموضوع واحد بطبيعته، فهلم إلى النظر في السورة منه حيث الموضوعات شتى والظروف متفاوتة لترى من هذا النظام ما هو أدخل في الإعجاب والإعجاز، ألست تعلم أن ما امتاز به أسلوب القرآن من اجتناب سبل الإطالة والتزام جانب الإيجاز ـ بقدر ما يتسع له جمال اللغة قد جعله هو أكثر الكلام افتتانًا، نعني أكثره تناولًا لشؤون القول وأسرعه تنقلًا بينها من وصف إلى قصص إلى تشريع إلى جدل إلى ضروب شتى، بل جعل الفن الواحد منه يتشعب إلى فنون، والشأن الواحد فيه تنطوي تحته شؤون وشؤون، أو لست تعلم أن القرآن ـ في جل أمره ـ ما كان ينزل بهذه المعاني المختلفة جملة واحدة، بل كان يتنزل بها آحاد مفرقة على حسب الوقائع والدواعي المتجددة، وأن هذا الانفصال الزماني بينها والاختلاف الذاتي بين دواعيها كان بطبيعته مستتبعًا لانفصال الحديث عنها على ضرب من الاستقلال والاستئناف لا يدع بينها منزعًا للتواصل والترابط، ألم يكن هذان السببان قوتين متظاهرتين على تفكيك وحدة الكلام، وتقطيع أوصاله، إذا أريد نظم طائفة من تلك الأحاديث في سلك واحد تحت اسم سورة واحدة. وسبب ثالث كان أجدر أن يزيد نظم السورة تفكيكًا، ووحدتها تمزيقًا، ذلك هو الطريقة التي اتبعت في ضم نجوم القرآن بعضها إلى بعض، وفي تأليف وحدات السور من تلك النجوم، وإنها لطريقة طريفة سنريك فيها العجيبة الثالثة الكبرى التي خرجت بهذا التأليف القرآني عن طبيعة التأليف الإنساني ... " (١) .
стр. 11695
وهكذا يقدم لنا الدكتور دراز الأسباب والأدلة التي جعلت من هذا التنجيم في نزول القرآن مع هذا التأليف والانسجام بين ما نزل أولًا وما نزل آخرًا، وما هو مكي وما هو مدني، وما هو في القصص وما هو في الأحكام، وما هو في السلم وما هو في الحرب، وما هو في الأخلاق والشؤون الاجتماعية وما هو في المعاملات والشؤون المالية، نسيجًا مختلفًا عن تأليف البشر ونظامًا لا ترقى إليه عبقرية ولا تطيقه أية قوة غير إلهية، ومن هذا يثبت أن القرآن ليس بشريًّا وإنما هو وحي الله العظيم.
وفي توضيح هذا المعنى أيضا يقول الأستاذ مالك بن نبي: "الوحي ظاهرة منجمة فهو في أساسه متفاصل شأن مجموعة عددية، أي أنه متكون من وحدات متتالية هي الآيات، وهذه الخاصة توحي إلينا بفكرة الوحدة الكمية، فكل وحي مستقل يضم وحدة جديدة إلى المجموعة القرآنية، بيد أن هذه الوحدة القرآنية ليست ثابتة، فهي لا تماثل الوحدة التي تزيد في مجموعة الأعداد حين يضاف واحد إلى ثلاثة أو أربعة أو خمسة ليؤيد إلى الوحدة العددية التالية، فإن للوحي مقياسًا متغيرًا هو كميته أو سعته، تلك السعة التي تتراوح بين حد أدنى هو الآية وحد أقصى هو السورة"، ثم يمضي في تفسير هذا المعنى ببيان صلته بالنبي ﷺ لينتهي من ذلك إلى نفي أي تأثير بشري في هذا الوحي، وتأكيد خلوصيته وتمام نسبته إلى الوحي الإلهي فيقول: "وتأمل هذه الوحدة يتيح لنا بعض الملاحظات المفيدة عن العلاقة بين الذات المحمدية والظاهرة القرآنية، إذ هي تتناسب في الزمن مع الحالة الخاصة التي سميناها (حالة التلقي) عند النبي ﷺ ولقد رأينا ـ بصفة خاصة ـ أن إرادته تنعدم مؤقتًا؛ إذ هو عاجز في تلك اللحظات عن أن يغطي وجهه المحتقن المتفصد عرقًا، فعن هذه الذات العاجزة فجأة ـ وللحظات ـ تصدر وحدة التنزيل، على هذه الذات الغارقة في حالة لا شعورية تقريبًا يطبع الحي فجأة فقراته الوجيزة.. ههذ الوحدة تؤدي بالضرورة فكرة واحدة، وأحيانًا مجموعة من الفكر المنتظمة في أسلوب منطقي يمكننا ملاحظته في آيات القرآن، ودراسة هذه الفكر في ذاتها وفي علاقاتها ببقية حلقات السلسلة تكشف عن قدرة خالقه ومنظمة لا يمكن أن تنطوي عليها الذات المحمدية في تلك الظروف النفسية الخاصة بحالة تلقيها الوحي بل حتى في ظروفها الطبيعية ... " (١) .
стр. 11696
ويؤكد الدكتور دراز هذا المعنى بالنظر في أي آية من آيات القرآن أو سورة من سوره فيقول: "اعمد إلى سورة من تلك السورة التي تتناول أكثر من معنى واحد، وما أكثرها في القرآن فهي جمهرته، وتنقل بفكرتك معها مرحلة مرحلة، ثم ارجع البصر كرتين: كيف بدئت وكيف ختمت؟ وكيف تقابلت أوضاعها وتعادلت؟ وكيف تلاقت أركانها، وتعانقت؟ وكيف ازدوجت مقدماتها بنتائجها ووطأت أولاها لآخرها؟ وأنا لك زعيم بأنك لن تجد البتة في نظام معانيها أو مبانيها ما تعرف به سواء أكانت هذه السورة قد نزلت في نجم واحد أم في نجوم شتى ... " (١) .
ثم يتعجب ويستنكر كيف يوجد بعد هذا النظام البديع والترتيب المعجز من يقول إنه بشري؟ وكيف يكون عاقلًا أو فاهمًا بعد اطلاعه على هذا النسيج العجيب من يقول إنه إنساني؟ ومتى وأين وجدنا إنسانًا لديه مثل هذه القدرة على هذا العمل العظيم؟ حاشا لله أن يكون من عند غير الله. يقول: "أي تدبير محكم، وأي تقدير مبرم، وأي علم محيط لا يضل ولا ينسى ولا يتردد ولا يتمكث كان قد أعد لهذه المواد المبعثرة نظامها وهداها في إبان تشتيتها إلى ما قدره لها حتى صيغ منها ذلك العقد النظيم، وسرى بينها هذا المزاج العجيب؟ سبحان الله! هل يمتري عاقل في أن هذا العلم البشري، وأن هذا الرأي الأنف (٢) البدائي الذي يقول في الشيء: لو استقبلت من أمري ما استدبرت لقلت أو فعلت أو قدمت أو أخرت، لم يك أهلًا لأن يتقدم الزمان ويسبق الحوادث بعجيب هذا التدبير، أليس ذلك وحده آية بينة على أن هذا النظم القرآن ليس من وضع بشر، وإنما هو صنع العليم الخبير؟ بلى" (٣) .
﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ (٤) .
стр. 11697
أما الأستاذ مالك بن نبي فيسوق أمثلة لهذه الوحدة الكمية منها الوحدة التشريعية في سورة النساء، والوحدة التاريخية في سورة المنفافقون.
(د) ومن الأدلة أن القرآن وحي إلهي لا صنع بشري ولا عمل محمدي أسلوب القرآن وصوره الأدبية العالية، ذلك الأسلوب القرآني الفريد المتميز الذي فاق جميع الأساليب العربية المعروفة وغير المعروفة إبان نزوله مما جعل أصحاب البلاغة وأساطين الفصاحة يتحيرون معه فلا هو شعر مثل أشعارهم ولا رجز ولا سجع ولا نثر، إنه ذلك كله وأعظم من كل ذلك، ذلك الأسلوب الذي استحوذ على إعجاب الماضين والحاضرين، وكل من يسمعه رغم التقدم العلمي الكبير الذي لم يعد يحفل بالصور والأساليب الأدبية والتعبير البياني، يقول الدكتور دراز: "أما الأسلوب القرآني فإنه يحمل طابعًا لا يلتبس معه بغيره، ولا يجعل طامعًا يطمع أن يحوم حول حماه، بل يدع الأعناق تشرئب إليه ثم يردها ناكسة الأذقان على الصدور، كل من يرى بعينين أو يسمع بأذنين إذا وضع القرآن بإزاء غير القرآن في كفتي ميزان ثم نظر بإحدى عينيه، أو سمعه بإحدى أذنيه إلى أسلوب القرآن، وبالأخرى إلى أسلوب الحديث النبوي (١) وأساليب سائر الناس، وكان قد رزق حظًّا ما من الحاسة البيانية والذوق اللغوي فإنه لا محالة سيؤمن معنا بهذه الحقيقة الجلية وهي أن أسلوب القرآن لا يدانيه شيء من هذه الأساليب كلها، ونحسب أنه بعد الإيمان بهذه الحقيقة لن يسعه إلا الإيمان بتاليتها استدلالًا بصنعة ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ على صانع ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (٢) .
وهكذا يؤكد أسلوب القرآن الفريد وتميزه العجيب وتفوقه على كل الأساليب أنه صنع الله ووحيه، وليس للصنعة البشرية أي موضع فيه، يقول الأستاذ مالك بن نبي: "إن القرآن يؤكد صراحة سمو بيانه الذي أعجز به العبقرية الأدبية في عصره حين قذف في وجوه معاصريه بهذا التحدي المذهل: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (٣) ولم يذكر التاريخ أن أحدًا قد أجاب على هذا التحدي، وبهذا يمكن أن نستخلص أنه قد ظل دون تعقيب، وأن إعجازه الأدبي قد أفحم عبقرية ذلك العصر" (٤) .
ليس ذلك العصر فحسب بل جميع العصور وكل العبقريات والإنس والجن إلى يوم القيامة.
стр. 11698
(هـ) ودليل آخر على أن القرآن وحي الله لا عمل محمد وذلك هو مضمون الرسالة الذي احتواه القرآن الكريم في وضوح وشمول وإيجاز وإطناب وإجمال وتفصيل، ذلك الشمول التام لمفردات الإسلام وكلياته من عقائد وعبادات وتشريع وأخلاق ومعاملات وقصص وحكم وأمثال وحلال وحرام وترغيب وترهيب وعلوم وتاريخ وأخبار ماضية وحاضرة ومستقبلة، هذا كله وغيره لم يكن لنا أن نعرفه لولا حديث القرآن الكريم عنه ذلك الحديث القديم الجديد الذي لا يشبع منه العلماء ولا تنقضي عجائبه، يقول الأستاذ مالك بن نبي: "إن رحابة الموضوعات القرآنية وتنوعها لَشيء فريد طبقًا لتعبير القرآن نفسه: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ (١) .
فهو يبدأ حديثه من ذرة الوجود المستودعة باطن الصخر والمستقرة في أعماق البحار ـ كقوله تعالى: ﴿يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ (٢) إلى النجم الذي يسبح في فلكه نحو مستقره المعلوم كقوله تعالى: ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ (٣) .
وهو يتقصى أبعد الجوانب المظلمة في القلب الإنساني فيتغلغل في نفس المؤمن والكافر بنظرة تلمس أدق الانفعالات في هذه النفس وهو يتجه نحو ماضي الإنسانية البعيد، ونحو مستقبلها، كما يعلمها واجبات الحياة، وهو يرسم لوحة أخاذة لمشهد الحضارات المتتابع ثم يدعونا إلى أن نتأمله من عواقبه عظة واعتبارًا، وإن درسه الأخلاقي لهو ثمرة نظرة نفسية متعمقة في الطبيعة البشرية تصف لنا النقائص التي ينهى عنها وينفر منها، والفضائل التي يدعو إلى التأسي بها من خلال حياة الأنبياء، أولئك الأبطال والشهداء في سجل ملحمة السماء، وعلى هذا الأساس يدفع القرآن المؤمن إلى الندم الصادق حين يعده بالغفران، أساس التربية الجزائية في الأديان السماوية ... " (٤) .
стр. 11699
(و) ودليل آخر على أن القرآن وحي من الله تعالى لا صنعة لأحد فيه ذلك الأثر البالغ والتأثير العميق الذي يتركه القرآن الكريم في قلوب كل من يقرأه أو يستمع إليه، والشواهد على ذلك كثيرة في الماضي والحاضر مما يؤكد أن القرآن الكريم كان وما يزال وسيظل وراء إسلام الآلاف والملايين، ولولا العناد والاستكبار لآمن به كل من سمعه ونَقَدَ ما يدعو إليه. لقد بكى النجاشي حين استمع إليه من جعفر بن أبي طالب في أعقاب الهجرة إلى الحبشة، وقال قولته المشهورة: "إن هذا والذي جاء به عيسى يخرج من مكشاة واحدة"، وكان سببًا في إسلامه فور وصول كتاب النبي ﷺ إليه (١) .
ولما قرأ النبي ﷺ بعضه على الوليد بن المغيرة ـ وهو الذي جاء لإغراء النبي ﷺ ببعض المغريات لعله يرجع عن دعوته ـ ارتد إلى قومه وهو يقول: "والله لقد سمعت كلامًا ما هو من كلام الإنس ولا من كلام الجن، وإن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وإنه يعلو ولا يعلى عليه" وقال عتبة بن ربيعة لقومه بعد أن استمع من النبي ﷺ لجزء من سورة فصلت: "يا قوم أطيعوني في هذا الأمر اليوم، واعصوني فيما بعد، فوالله لقد سمعت من هذا الرجل كلامًا ما سمعت أذناي كلامًا مثله، وما دريت ما أرد عليه" (٢) .
وقال توماس كارليل في كتابه "الأبطال" عن القرآن: "هذا صدى متفجر من قلب الكون نفسه".
يقول مالك بن نبي في تعليقه على ذلك: "وفي هذه الصرخة الفلسفية نجد أكثر من فكرة جافة لمؤرخ، نجد بعض ما يشبه الاعتراف التلقائي لضمير إنساني سامٍ بُهِتَ أمام عظمة الظاهرة القرآنية، وإن العقل الإنساني ليقف فعلًا حائرًا أمام رحابة القرآن وعمقه ... " ويضيف: "إنه لو أتيح لأحد من الناس أن يقرأ القرآن قراءة واعية يدرك خلالها رحابة موضوعه، فلن يمكنه أن يتصور الذات المحمدية إلا مجرد واسطة لعلم غيبي مطلق" (٣) .
وهكذا يكون تأثير القرآن الكريم باعتراف الأعداء دليلًا على أنه وحي وأنه غير بشري.
стр. 11700
(ز) التحدي القائم إلى يوم القيالمة: فنحن نعلم أن الله تعالى تحدى العرب أن يأتوا بمثل القرآن - إن كان بشريًّا أو كان محمد كاذبًا - فعجزوا، فسهل عليهم الأمر وتحداهم أن يأتوا بعشر سور من مثله فعجزوا، فسهل عليه الأمر أكثر وتحداهم أن يأتوا بسورة واحدة من مثله فعجزوا، فثبت من ذلك أنه ليس من كلام البشر وإلا لاستطاعوا إليه سبيلًا لتوفر كل الأسباب الداعية إلى ذلك عندهم. فعجزهم هذا المطبق دليل على أنه وحي يوحى. يقول الشيخ شاكر: "ظل رسول الله ﷺ بمكة ثلاثة عشر عامًا، والمسلمون قليل مستضعفون في أرض مكة، وظل الوحي يتتابع وهو يتحداهم أن يأتوا بمثل هذا القرآن، ثم بعشر سور مثله مفتريات، فلما انقطعت قواهم، قطع الله عليهم وعلى الثقلين جميعًا منافذ اللدود والعناد فقال: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآَنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ (١) .
وكذلك كان، فكان هذا البلاغ القاطع الذي لا معقب له هو الغاية التي انتهى إليها أمر هذا القرآن، وأمر النزاع فيه، لا بين رسول الله ﷺ وبين قومه من العرب فحسب، بل بينه وبين البشر جميعًا على اختلاف ألسنتهم وألوانهم , لا بل بينه وبين الإنس والجن مجتمعين متظاهرين، وهذا البلاغ الحق الذي لا معقب له من بين يديه ولا من خلفه هو الذي اصطلحنا عليه فيما بعد وسميناه "إعجاز القرآن" (٢) .
وإعجاز القرآن هذا هو دليل النبي ﷺ على صدق نبوته، وعلى أنه رسول من الله يوحى إليه هذا القرآن، وأن النبي ﷺ كان يعرف إعجاز القرآن من الوجه الذي عرفه منه سائر من آمن به قومه العرب.." إلى أن يقول: "فالقرآن المعجز هو البرهان القاطع على صحة النبوة، وأما النبوة فليست برهانًا على إعجاز القرآن" (٣) .
стр. 11701
(ح) ومن الأدلة على أن القرآن وحي إلهي لا عمل بشري أنه صحح العقائد الإلهية؛ فقد كانت العقيدة في الله قبل القرآن الكريم يشوبها الكثير من الشرك والانحراف عن التوحيد حتى جاء رسول الله ﷺ بالقرآن من عند الله، فأبطل الباطل وأتم الناقص، وأقام المعوج حتى استقامت عقيدة التوحيد كما لم تكن من قبل , وذلك دليل على أن القرآن وحي من عند الله، فلم يكن لمحمد ﷺ ولا لغيره لولا الوحي الإلهي أن يقوم بذلك، يقول الأستاذ العقاد ﵀: " فالله رب العالمين، مالك يوم الدين، لم يكن نسخة محرفة من صورة الله في عقيدة من العقائد الكتابية، بل كان هو الأصل الذي يثوب إليه من ينحرف عن العقيدة في الإله كأكمل ما كانت عليه وكأكمل ما ينبغي أن يكون، ومن ثم كانت هذه العقيدة الإلهية في الإسلام مصححة متممة لكل عقيدة سبقتها في مذاهب الديانات، أو في مذاهب الفلسفة، ومباحث الربوبية، فهي عقيدة كاملة صححت وتممت عقيدة في الهند في: الكارما والنرفانا (١) لأنها عقيدة في خواء أو فناء مسلوب الذات لا تجاوب بينه وبين أبناء الحياة، وهي عقيدة كاملة صححت وتمممت عقيدة المعلم الأول أرسطو بين فلاسفة الغرب الأقدمين؛ لأنه كان على خطأ في فهم التجريد والتنزيه، ساقه هذا الخطأ إلى القول بكمال مطلق كالعدم المطلق في التجرد من العمل والتجرد من الإرداة، والتجرد من الروح، ودين يصحح العقائد الإلهية ويتممها فيما سبقه من ديانات الأمم وحضارتها ومذاهب فلاسفتها , تراه من أين أتى؟ ومن أي رسول الله مبعثه ومدعاه؟ من صحراء العرب، ومن الرسول الأمي بين الرسل المبعوثين بالكتب والعبادات، إن لم يكن هذا وحيًا من الله فكيف يكون الوحي من الله؟ ليكن كيف كان في أخلاد المؤمنين بالوحي الإلهي حيث كان، فما يهتدي رجل أمي في أكناف الصحراء إلى إيمان بالله أكمل من كل إيمان تقدم إلا أن يكون ذلك وحيًا من الله، وإنه لحجر على البصائر والعقول أن تنكر الوحي على هذه المعجزة العليا؛ لأنه لا يصدق عليها في صورة من صور الحدس والخيال" (٢) .
стр. 11702
إذن تصحيح العقيدة في الله بهذا الشكل التوحيدي النقي الذي صحح أعوجاج العقائد السابقة وأتم نقصانها لا يستطيعه شخص أمي من بيئة صحراوية، ولا عبقري من بيئة حضارية، فلم يكن لهذا ولا ذاك أن يصل إلى هذا الكمال الذي لم يعرف إلا من القرآن إلا عن طريق الوحي الإلهي، فتحصّل من ذلك القرآن الذي صحح هذه العقائد الإلهية لا بد أن يكون وحيًا ويستحيل أن يكون غير ذلك، فالذي جاء به لم يسبق إليه، ولن يلحق فيه، ويضيف الدكتور دراز أن الإسلام والقرآن لم يصححا عقيدة التوحيد فحسب، بل إنه "يشرح حدود الإيمان مفصلة، ويصف لنا بدء الخلق ونهايته، ويصف الجنة وأنواع نعيمها، والنار وألوان عذابها كأنهما رأي عين، حتى إنه ليحصي عدة الأبواب وعدة الملائكة الموكلة بتلك الأبواب.. ثم يخبر عن مستقبل الإسلام في نفسه، وفي شخص كتابه ونبيه، وعن مستقبل حزب الله وحزب الشيطان ... " (١) .
(ط) أمية النبيِّ ﷺ وهذا دليل آخر على القضية التي ننحن بصددها وهي إثبات أن القرآن وحي إلهي لا عمل بشري محمدي. فقد كان رسول الله ﷺ بشهادة الجميع أميًّا لا يقرأ ولا يكتب فكيف لأمي لا يعرف القراءة ولا الكتابة أن يؤلف مثل هذا الصرح العظيم بل أقل منه ملايين الدرجات، هذا فضلًا عما تضمنه القرآن الكريم من تاريخ الماضي السحيق الذي لا يعرفه العلماء المتخصصون، فكيف بالأميين، وكذلك الإخبار عن المستقبل والعلماء لم يستوعبوا الحاضر بعد، وما اشتمل عليه القرآن من حقائق علمية لم يعرفها المتخصصون منذ بضع سنوات وما زال بعضها غير معروف، فكيف بأمي في أمة أمية يعرف ذلك لو لم يكن وحيًا، والمتتبع لمؤتمرات الإعجاز العلمي في القرآن الكريم يعرف الكثير من ذلك الذي اشار القرآن الكريم إليه منذ نزوله ولم يعرفه العلماء إلا هذه الأيام، وقد اندهش الكثيرون منهم لما وجدوا ذلك في القرآن وآمن بعضهم ولولا الكبر والعناد لآمن الآخرون. وهذا بالإضافة إلى ما في القرآن الكريم من الأحكام التشريعية العظيمة والأخلاق الفاضلة الكريمة، من كل ما يحفظ للإنسانية أمنها وسلامتها وسعادتها، فكيف بمحمد الأمي يعرف كل ذلك لو لم يكن القرآن الكريم وحيًا إلهيًا؟
стр. 11703
يقول الدكتور دراز: "فلينظر العاقل: هل كان هذا لنبي الأمي ـ صلوات الله عليه ـ أهلًا بمقتضى وسائله العلمية لأن تجيش نفسه بتلك المعاني القرآنية؟ سيقول الجهلاء من الملحدين: نعم، فقد كان له من ذكائه الفطري، وبصيرته النافذة ما يؤهله لإدراك الحق والباطل من الآراء، والحسن والقبيح من الأخلاق، والخير والشر من الأفعال، حتى لو أن شيئًا في السماء تُناوله الفراسة أو تلهمه الفطرة، أو توحي به الفكرة لتناوله محمد بفطرته السليمة وعقله الكامل، وتأملاته الصادقة ,ونحن قد نؤمن بأكثر مما وصفوا من شمائله ﷺ ولكننا نسأله: هل كل ما في القرآن مما يستنبطه العقل والتفكير، ومما يدركه الوجدان والشعور؟ اللهم كلا، ففي القرآن جانب كبير من المعاني النقلية البحتية التي لا مجال فيها للذكاء والاستنباط، ولا سبيل إلى علمها لمن غاب عنها إلا بالدراسة والتلقي والتعلم" (١) .
وفي ذلك كله يقول الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٢) .
ويقول سبحانه: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ (٣) .
ويقول : ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ (٤) .
ويقول تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (٥) .
ويقول الشاعر: كفاك بالعلم في الأمي معجزة في الجاهلية والتأديب في اليتم
стр. 11704
(ي) أضاف الأستاذ مالك بن نبي كثيرًا من الأمور التي تدل كل منها ـ فضلًا عن جميعها ـ تدل على أن القرآن وحي من عند الله تعالى وليس بشريًّا من عمل محمد منها: إرهاص القرآن: أي أخباره عن بعض أحوال المستقبل فجاءت فيما بعد كما أخبر القرآن كقوله تعالى: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ (١) .
والقرآن لم يكن ثقيلًا في بداية نزوله ونجومه ولكن أصبح كذلك بعد اكتماله ووفاة النبي ﷺ وهو ثقل الفكرة الدينية والإيمان وليس مجرد القرآن , فقد حفظه الله تعالى ويسره للذكر، ومنها تصدير أو ختم بعض الموضوعات والقصص القرآنية بالإشارة إلى أن ما قصصناه عليك من أنباء الغيب كقوله تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآَنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ (٢) في صدر قصة يوسف , وقوله في نهايتها: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ﴾ (٣) .
ومثل ذلك في قصة مريم (٤) , وفي قصة نوح (٥) وهكذا.
ومن ذلك: فواتح بعض السور ببعض الحروف المقطعة التي لا مجال للعقل فيها (٦) .
ومنها: المناقضات التي كانت تقع بين الميول والاتجاهات الطبيعية لدى النبي ﷺ وبين ما يعتريه خلال تلقيه الوحي، فمن ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآَنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾ (٧) .
حيث صادرت الآية الكريمة إرادة النبي ﷺ في الترديد والحفظ أثناء عملية الوحي ووعدته في آية أخرى بالحفظ: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآَنَهُ (١٧) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآَنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ (٨) .
وبالإضافة إلى هذه المناقضات كانت هناك الموافقات العدة مع البحوث العلمية الحديثة كقوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ (٩) .
هذا التوافق الذي يخص شكل الأرض ودحو قطبيها، تلك الخاصة المساحية التي أثبتها العلم الحديث عمومًا، ويضاف إلى ذلك المجاز القرآني والقيم الاجتماعية التي جاء فيها القرآن بما لا يحصى (١٠) .
стр. 11705
(ك) بقيت قضية أخرى تتعلق بادعاء "بشرية القرآن" وذلك بتفسير هذه البشرية من الجانب النفسي وهو "اللاشعور" وقد حلل الأستاذ مالك بن نبي هذه المقولة وأبطلها أولًا لغموضها , وثانيًا لأنها في أولها , فاللاشعور مهما اختلف عن الشعور فهو لا يخرج عن كونه نشاطًا إنسانيًّا نفسيًّا، ولا علاقة له بالوحي، يقول: "لعبت كلمة لا شعور دورًا نظريًّا هامًّا في تفسير الظاهرة القرآنية، فإذا أردنا أن نفهم معنى هذا المصطلح في نظريات علم النفس وجدناه في منتهى الغموض، فهو لا يعني شيئًا محددًا كما تعني مثلًا المصطلحات المعروفة كالتذكر والإرادة، إن نظرية "اللاشعور" ما تزال في مرحلة نشوئها ومع ذلك فقد استخدموها لكي يفسروا لنا ـ كما يدعون ـ الظاهرة القرآنية بطريقة موضوعية، ومن الصعب علينا أن نعتقد أن هؤلاء المؤلفين قد بذلوا أقل الجهد لكي يتفهموا الموضوع، فمما لا شك فيه أن الذات الإنسانية تحتوي على مجال معين تتكون فيه الظواهر النفسية الغامضة التي لا تخضع لسلطان الشعور كالأحلام مثلًا، فهذا المجال المظلم الذي تدوي فيه بعض طوارئ الحياة النفسية الشعورية في الفرد ذو علاقة واضحة بالحالات الشعورية، فلو أردنا لأطلقنا لفظ "لا شعور" على هذا المجال المظلم، وجميع العمليات التي تتم فيه أشكال محورة خاصة لفكرة أو واقع مر الشعور، فيمتص اللاشعور هذه العناصر الشعورية ويودعها مخيلته لكي يقلبها غالبًا إلى رموز، إلى أحلام، إلى حديث نفسي، إلى إلهام، ولكن هذه الرموز تحتفظ بمعالم الفكرة أو الواقع الذي تولدت عنه، لا شك أن هذه العلاقة تتفاوت في غموضها، ولكن التحليل قد يكشف عنها، إذ من الممكن أن نجد في حلم أو كابوس الطريقة التي اتبعها "اللاشعور" في صياغة رمزه بالرجوع إلى حادث سابق تسبب فيه، فهو حساسية خاطفة، أو تذكار قاس، أو هو راجع إلى يسر الهضم أو عسره.. إلخ، فاللاشعور يعمل هنا عمل المستقبل الكهربي بالنسبة للمولد الكهربي الذي هو الشعور، وعليه ففي هذا المجال الأخير يجب أن نلتمس دائمًا مصدر العمليات النفسية التي يصفونها باللاشعورية، وعندما يتضح أن فكرة ما لا تخضع مطلقًا للذات الشعورية فمن الممكن أن نفهم من هذا أنها بالضرورة أجنبية عن هذه الذات، وأنه لا محل لها في اللاشعور"" (١) .
وهكذا يثبت الأستاذ مالك بن نبي أمرين: أولهما أن اللاشعور في الإنسان غير مستقل عن الشعور، ولكنه ترجمة محورة له ورموزه معبرة عنه فهو بهذا عملية نفسية إنسانية، وثانيهما: أن اللاشعور إذا جاء بشيء مستقل عن الشعور ولا علاقة له به كان ذلك خضوعًا وفي المستقبل فهو ليس من اللاشعور النبوي بل هو بالضرورة أجنبي عن هذه الذات، ولا مجال لذلك إلا أن يكون القرآن وحيًا وهو المطلوب.
стр. 11706
(ل) دليل السيرة النبوية: فقد عرف رسول الله ﷺ بين قومه على مدى أربعين سنة قبل الوحي بالصادق الأمين، وأصبح ذلك علمًا عليه، فإذا أطلق انصرف إليه ﷺ ولم تمنع العداوة التي كانت عند المشركين للنبي ﷺ ودعوته، أن يستمروا على ما عرفوه ويشهدوا به في كل مكان كما حدث من أبي سفيان عند هرقل ملك الروم (١) , فمن غير المعقول بعد هذا الرصيد الطويل وهذه الشهادة العامة أن يكذب محمد في نسبة القرآن إلى الله (٢) .
وصدق الله العظيم: ﴿قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ (٣) .
وكان الواجب عليهم بعد هذا الإقرار النبوي أن يأخذوا منه الدليل على صدقه في نسبة القرآن إلى الله، لا تكذيبه والشك فيه.
стр. 11707
(م) دليل العقل والمنطق: ومؤداه أن العقل والمنطق يقضي بأن ينسب محمد القرآن إلى نفسه لو كان من عنده ليكسب من وراء ذلك التفوق على أقرانه بهذا البيان العظيم البلاغة الفائقة، كما يفعل بعض الأدباء والعلماء الذين يسطون على أعمال غيرهم ليحققوا من وراء ذلك شهرة ومكانة، ولكن محمدًا لم يفعل ذلك، بل نسب القرآن ـ على حقيقته ـ إلى الله لأنه ليس فيه حول ولا طول، فإذا قيل: إنما فعل ذلك ليحقق منزلة أعظم ومكانة أكبر واستجابة أعم، أجيب بأن ذلك غير صحيح، وإلا لنسب كل أقواله ـ كالسنة النبوية ـ إلى الله، فإذا لم يفعل دل ذلك على أن لله قولًا موحى به هو القرآن الكريم، وللنبي ﷺ قولًا آخر وهو السنة النبوية المطهرة (١) .
(ن) وأخيرًا يقدم لنا الدكتور البهي دليلًا حاسمًا في هذه القضية يسأل فيه المنكرين إن كانوا يؤمنون بوحي سابق نزل على موسى وعيسى وغيرهما أو لا يؤمنون، فإن كانوا يؤمنون فالقضية واحدة ولا بد لهم أن يسلموا إما بالجميع أو بإنكار الوحي عمومًا، أما أن يؤمنوا به في جهة وينكرونه في جهة أخرى فهذا لا يقبله العلم ولا المنطق والموضوعية، وإن كانوا ينكرون الوحي بعامة فلن يجدي معهم أي دليل. يقول: "لو واجهنا بالقرآن غير المسلم من متعصبي أهل الكتاب، فإنه ـ القرآن ـ لا يكون له دليل هداية واقناع على أن القرآن وحي من الله، وإنما الذي يجب أن يسلك معه مطالبته بتحديد موقفه من الوحي كقضية عامة للديانات الثلاث، وليست قضية الإسلام وحده , فما يقوله الغرب المسيحي باسم العلم تأييدًا لوحي عيسى أو موسى يصح أن يقال تأييدًا لوحي محمد، فإذا كان الوحي كأمر غير عادي يخضع للطريقة العلمية الحديثة، أو لا بد أن يقف عند حد اعتقاد المؤمنين به في كل دين فكل أنواع الوحي سواء في هذا أو ذاك، أما الأمر الذي يجب أن ينكره البحث العلمي ـ بهذا التحديد ـ فهو أن يناقش نوع من الوحي ويتشكك فيه باسم العلم، ثم يصان نوع آخر منه على أنه بديهي التسليم، وبعيد عن مجال الجدل العقلي والنظري أو العلمي التجريبي" (٢) .
стр. 11708
وبعد، فقد ثبت لنا بالعديد من الأدلة القطعية التي قدمناها في هذه الفقرة سواء منها ما يتصل بذات القرآن الكريم من حيث لفظه ونظمه وأسلوبه وبلاغته ونزوله وترتيبه، ومن حيث مضمونه وما احتواه من عقائد صحيحة وأحكام مناسبة ومعاملات سليمة وأخلاق فاضلة، ومن حيث أخباره الماضية العتيقة والمستقبلة البعيدة وأسراره التي لم تحل وغيبياته التي لم تكشف , أو ما يتصل بذات الرسول ﷺ من حيث أميته وسيرته وحالته في التلقي، وحرصه على الحفظ وانتظاره قبل اتخاذ القرار وبعده عن الشعور واللاشعور، كما رأينا أن العقل والمنطق والعلم والموضوعية كلها تشهد بأن القرآن الكريم وحي إلهي عظيم، فلا مجال بعد ذلك كله إلا الاعتراف والتسليم لأي باحث متدبر وعالم عاقل، وسيبقى القرآن الكريم عزيزًا يغلب كل مغالب، ويعلو على كل شاعر وكاتب، وستنقضي الأحقاب والأجيال قبل أن تنقضي عجائبه وقبل أن يحيط الناس بكل ما فيه: ﴿يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾ (١) .
أما من ينكر بعد كل ذلك فهو إما ممن غرق في حمأة العناد ممن يقولون: ﴿مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آَيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ (٢) .
أو ممن لا يجدون طمأنيتهم إلا في اضطراب الشك يقولون: ﴿إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ (٣) .
وهؤلاء وأولئك لا سبيل لنا عليهم ولا ينفعهم نصحنا إن كان الله يريد أن يغويهم، إذ ليس من شأننا أن نسمع الصم أو نهدي العمي، ولا الذين يجعلون أصابعهم في آذانهم فإذا هم لا يسمعون، أو يضعون أكفهم على أعينهم فإذا الشمس الطالعة ليست بطالعة: ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ (٤) .
وإنما سبيلنا أن ننصب الحجة لجاهلها من طلاب الحق ونوضح الطريق لسابلها من وراء اليقين (٥) , ولعمري لئن كانت للقرآن في بلاغة تعبيره معجزات، وفي أساليب تربيته معجزات، وفي نبوءاته الصادقة معجزات، وفي تشريعاته الخالدة معجزات، وفي كل ما استخدمه من حقائق العلوم النفسية والكونية معجزات ومعجزات، لعمري إنه في ترتيب آية على هذا الوجه لهو معجزة المعجزات. (٦)
стр. 11709
ثانيًا ـ قولهم: إن معظم القرآن مقتبس من التوراة والإنجيل، فإذا نسخنا منه ما هو مقتبس منهما لم يبق منه ما يستحق الذكر (١)
وهذه دعوى باطلة وغاية في السخف والنكارة والرد عليها من عدة وجوه:
(أ) فالقرآن الكريم لا يشبه التوراة ولا الإنجيل في اللفظ أو الأسلوب أو النظم، فالقرآن كما رأينا في الفقرات السابقة في قمة البلاغة والفصاحة والبيان والإعجاز، أما التوراة والإنجيل ـ بعد تحريفهما ـ ليس في أي منهما شيء من البلاغة ولا الفصاحة ولا البيان، بل إنهما عند الاطلاع على أي منهما يتبين أنهما يقعان في أدنى درجات التعبير والبيان، وفيهما الكثير من الركاكة والألفاظ السوقية حتى ليقلان في أحيان كثيرة عن مستويات التعبير العادية والصحفية.
(ب) أن القرآن الكريم في موضوعاته ومعانيه وما يقدمه من عقائد وعبادات وحلال وحرام وأخلاق ومعاملات يختلف كثيرًا جدًّا عما في التوراة والإنجيل وبخاصة بعد تحريفهما، بل إن فيهما الكثير مما يرفضه القرآن الكريم كما ترفضه العقول السليمة والفطرة الصحيحة، وإذا كان بينهما بعض التشابه في بعض الوصايا والأحكام وأصول العقيدة والشريعة ومكارم الأخلاق، فهذا أمر طبيعي ولازم بين كل الرسالات والكتب السماوية، بل وفي كل المجتمعات المتحضرة؛ لأن المصدر لهذا كله واحد وهو الله تعالى الذي أرسل الرسل وأنزل الكتب وأودع في كل نفس فطرتها الصحيحة؛ ولأنها جميعًا تهدف إلى غايات واحدة وهي: إصلاح الناس وإسعادهم في الدنيا والآخرة، ولذلك قال الله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ (٢) .
فهذا في الأصول، وأما الفروع فإنها مختلفة غالبًا لاختلاف الأحوال والبيئات , ولذلك قال سبحانه: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ . (٣) .
стр. 11710
(ج) أن الله وهو رب العالمين ومنزل الكتب كلها ـ قد جعل القرآن الكريم ـ وهو وحيه الذي تولى بنفسه حفظه ـ مصدقًا لما سبقه من الكتب ومهيمنًا عليها قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ (١) .
فالقرآن الكريم يصدق الكتب السابقة ويؤيدها ويوافقها فيما لم تمتد إليه يد التحريف، كما أنه الحكم على هذه الكتب فيما أصابه التحريف وما لم يصبه لأنه الكتاب الوحيد الذي تولى الله تعالى حفظه فبقى كما أنزله الله، فكيف يكون القرآن حاكمًا عليها وهو مقتبس منها؟
(د) أننا قد عرفنا في الفقرة السابقة أن رسول الله ﷺ كان أميًّا ولم يجلس إلى معلم قط، ولم يعرف شيئًا من القراءة والكتابة، ومن باب أولى لم يطلع على الكتب السابقة، وقد بعث في مكة وهي إبان بعثته ﷺ خالية من اليهود والنصارى أو على الأقل من الكثرة التي يمكن أن يكون لها تأثير ما في ثقافته ونشأته، ونحن نعلم أن الاقتباس مرحلة عالية من الفهم والعلم لدى من يقتبس منه، فإذا كان رسول الله ﷺ أميا ولم يلتق بمعلم ولم تكن البيئة يهودية ولا نصرانية فمن أين له حينئذ الاقتباس أو القدرة عليه، قد يقال إن ورقة بن نوافل وبحيرا الراهب قد التقى بهما محمد ولدى كل منهما علم بالكتب السابقة؟ فيجاب عن ذلك بأن التاريخ لم يذكر من اللقاء بينهما وبين رسول الله ﷺ إلا مرة أو مرتين، وكان لقاؤه بالراهب وهو صغير، فهل يعقل لصغير في لقاء واحد أو لقاءين أن يقتبس كل ذلك الذي لا يحصى علمًا وخبرًا وأحكامًا؟ فكيف إذا علمنا أن ما تناقلته كتب التاريخ التي سجلت مادار في هذه اللقاءات لم تشر من قريب أو بعيد إلى شيء مما في التوراة والإنجيل أو القرآن، وكل ذلك مسجل ومحفوظ فمن أين وعلى يد أي معلم تعلم محمد التوراة والإنجيل حتى يقتبس منهما؟ وذلك الرومي الحداد "بلعام" الذي زعم المشركون أن محمدًا ﷺ تعلم منه، كان أعجميًّا لا يعرف من العربية إلا بضع كلمات، فإذا كان فاقد الشيء لا يعطيه ـ كما نعلم ـ فكيف يعلم هذا الأعجمي رسول الله ﷺ التوراة والإنجيل أو هما معًا فضلًا عن أن يعلمه هذا الكلام المعجز "القرآن الكريم"؟ وإذا كان "بلعام" معلمًا فلماذا لم يسرعوا إليه ويتعلموا منه كما فعل محمد كما يدعون؟ وإلى هذا الافتراء العجيب يشير القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ (٢) .
وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آَخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (٣) .
стр. 11711
(هـ) وإذا كان مقتبسًا من كتبهم كما يزعمون , فلماذا كفروا به وكذبوه؟ ألم يخبرهم الله تعالى في كتبهم أنه سيرسل محمدًا وينزل عليه قرآنًا وعليهم أن يؤمنوا به؟ إن كفرهم بالقرآن والرسول وتكذيبهم لهما دليل قاطع على أنه شيء آخر غير التوراة والإنجيل، كما أن هذا الكفر بالقرآن والرسول كفر بالتوراة والإنجيل، قال الله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آَمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (١) .
وقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٢) .
(و) أن القرآن الكريم نفسه أكد أن بينه وبين الكتب السابقة تشابهًا وصلة ولكن على طريقته الخاصة وبأسلوبه الفرد الذي يصدق ما بقي صحيحًا في الكتب السماوية السابقة، ويصحح ما أصابه التحريف فيها، ويفصل الأحكام الكلية ويبين الأحكام الفرعية بما لم يسبق إليه، قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآَنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٣) .
يقول الأستاذ مالك بن نبي: "إن القرآن يؤكد مستعلنًا صلته بالكتاب المقدس، فهو يطلب دائمًا مكانه في الدورة التوحيدية، وهو بهذا وذاك يثبت باعتداد التشابه بينه وبين التوراة والإنجيل وهو يؤكد هذه القرابة صراحة، ويلفت إليها النبي نفسه كلما وجدت مناسبة" (٤) .
стр. 11712
إذن فليس التشابه كما يزعمون اقتباسًا قام به محمد ﷺ ولكنه تنزيل رب العالمين الذي أنزل هذا وذاك، ويبقى للقرآن بعد ذلك التشابه التفرد المطلق والعجيب والمختلف عن الكتب السابقة في كثير من الأمور ولنأخذ لذلك بعض الأمثلة التي تقطع باستقلالية القرآن عما سواه وبطلان دعوى الاقتباس:
١ ـ في قضية التوحيد: يعرض القرآن الكريم العقيدة الغيبية الخاصة بطريقة أكثر مطابقة للعقل، وأكثر تدقيقًا، وفي اتجاه أكثر روحية، فالله واحد، ومخالف للحوادث، وهو رب العالمين: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ على حين نجد هذه القضية في الكتب السابقة يشوبها التشبيه والقومية، ثم اخترعت المسيحية من جانبها للإله ذاتًا إنسانية في الأقانيم الإلهية، وبهذا نشأت عقيدة جوهرها "الرب الحي بجسد إنسان" وتولد عن هذه العقيدة التفسير المسيحي الذي أنشأ عقيدة دينية ثالوثية قائمة على الثالوث الأقدس، وقد أشار الأستاذ العقاد أيضًا إلى هذه القضية وبيان التفاوت فيها بين القرآن وغيره ليخلص من ذلك إلى إبطال القول بالنقل أو الاقتباس، يقول: "جاء الإسلام بالدعوة إلى إله منزه عن لوثة الشرك منزه عن جهالة العصبية وسلالة النسب، منزه عن التشبيه الذي تسرب من بقايا الوثنية إلى الأديان الكتابية.. وللباحث في مقارنات الأديان أن يقول ما يشاء عن هذا الإله الواحد رب العالمين، ورب المشرقين ورب المغربين إلا أن يقول إنه نسخة مستمدة من عقائد عرب الجاهلية أو عقائد الفرق الكتابية التي خالطت عقائد الجاهليين على النحو الذي وصفه جورج سيل في مقدمته لترجمة القرآن الكريم، فإن العقيدة الإلهية التي تستمد من تراث الجاهليين لن تكون لها صبغة أغلب من صبغة العصبية، ولا مفخرة أظهر من مفاخر الأحساب، ولن تخلو من لوثة الشرك ولا من عقابيل العبادات التي امتلأت بالخبائث، وحلت فيها الرقى والتعاويذ محل الشعائر والصلوات، ومعجزة المعجزات أن الإسلام لم يكن كذلك بل كان نقيد ذلك في صراحة حامسة حازمة لا تأذن بالهوادة ولا بالمساومة ... " (١) .
٢ ـ قضايا الآخرة: من قيامة وبعث وحشر وحساب وجنة ونار إلى غير ذلك من المشاهد، لم تلق الكتب العبرية عليها إلا شعاعًا خافتًا، ولكن القرآن الكريم يبرز هذا المجال الأخروي إبراز مؤثرًا، يقص رواية الخلود الأخروي بنبرة خاشعة رهيبة في أسلوب فاق الذروة في بلاغته، وقد ثبت في أنحائه صورًا ومشاهد تسكب الخشية في قلوب العباد مما لا يمكن معه لإنسان حتى في هذه الأيام أن يصدف عن هذه المشاهد الهائلة (٢) وهي مشاهد لا تحصى ولا تعد في القرآن الكريم حيث لا تكاد تخلو سورة من القرآن عن شيء منها إلا نادرًا.
стр. 11713
٣ ـ قضية الخلق: في الكتب السابقة لا نجد لها تفسيرًا شافيًا ولا صورًا توضيحية فكل ما هنالك إشارات مجملة كهذه الجملة "وقال الله ليكن نور فكان نور" (١) على حين نجد القرآن الكريم يولي هذه القضية اهتمامًا كبيرًا، ويقدم بشأنه العديد من التفاصيل والتوضيحات التي تزيل أي لبس أو غموض بشأنها، ويتدرج القرآن الكريم في ذلك ـ شأنه في كل الأحوال ـ فيبدأ بالحديث عن وحدة مادة الكون الأولى في قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ (٢) .
ثم يحدثنا عن الحالة البدائية لتلك المادة في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ (٣) .
ثم ينتهي إلى الظاهرة الحيوية في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ (٤) .
وهناك آيات كثيرة تكمل هذه اللوحة النموذجية لصورة التكوين في القرآن. (٥) .
٤ ـ قضية الأخلاق: تقوم في الكتب السابقة على أساس سلبي، فهي تأمر الناس بالكف عن فعل الشر في حالة , وبعدم مقاومة الشر في حالة أخرى، أما القرآن الكريم فيأتي بمبدأ إيجابي أساسي وهو لزوم ووجوب مقاومة الشر، فهو يخاطب معتنقيه بقوله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (٦) .
في حين يعيب على الآخرين وينكر عليهم أنهم كانوا يسكتون عن المنكر: ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ (٧) .
كما أن القرآن الكريم يحترم منافع الآخرين بإزاء المنفعة الشخصية، كما يقيم الأخلاق على أساس من فكرة الجزاء والثواب، فيقيم القرآن الكريم بناءه الخلقي على أساس القيمة الخلقية للفرد، وعلى العاقبة الدنيوية للجماعة (٨) .
стр. 11714
٥ ـ ويقارن الأستاذ مالك بن نبي (١) بين قصة يوسف في القرآن الكريم والتوراة وينتهي من المقارنة بأن ما بين القصتين من الاختلاف أكثر مما بينهما من الاتفاق، وأن ما اتفقا فيه يتميز فيه القرآن بالوضوح والبيان بما يجعله ذا طباع خاص متفرد ويبطل فكرة الاقتباس من أساسها، يقول الأستاذ مالك بن نبي: "إنه لم يثبت أن كان بمكة وضواحيها أي مركز ثقافي ديني ليقوم بنشر فكرة الكتاب المقدس التي عبر عنها القرآن ... ومن ناحية أخرى: لو أن الفكرة اليهودية المسيحية كانت قد تغلغلت حقًّا في الثقافة والبيئة الجاهلية فإن من غير المفهوم ألا توجد ترجمة عربية للكتاب المقدس، وهناك حدث مؤكد فيما يتصل بالعهد الجديد الإنجيل وهو أنه حتى القرن الرابع الهجري لم تكن قد وضعت له ترجمة عربية، نعرف هذا من مصادر الغزالي الذي اطر أن يلجأ إلى مخطوط قبطي كي يحرر رده". (٢)
وقد ذكر الأب شدياق أن أول نص مسيحي ترجم إلى العربية كان مخطوطًا بمكتبة القديس بطرسبرج كتب حوالي ١٠٦٠م بيد رجل يدعى "ابن العسال".
وهكذا لم تكن توجد ترجمة عربية للإنجيل، فهل كان يمكن أن توجد ترجمة للتوراة وهي الأقدم؟ إن القرآن الكريم يقول لليهود: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (٣) .
أفليس هذا دليلًا على أنه لم يكن يوجد من يقرأ العبرية من العرب من ناحية، وعلى أنه لم تكن توجد ترجمة عربية للتوراة من ناحية أخرى؟ وعليه فلا شيء أقل احتمالًا من وجود تأثير توحيدي في البيئة الجاهلية لانعدام المصادر اليهودية والمسيحية المكتوبة فيها بحيث يصبح من المستحيل أن نقول بإمكان حدوث امتصاص لا شعوري للذات المحمدية في هذا الوسط الجاهلي (٤) .
стр. 11715
٦ ـ ويضيف الأستاذ العقاد فارقًا آخر بين القرآن والكتب السابقة وذلك في صدر حديثه عن النبوة قبل سيدنا محمد ﷺ مما يبين أن دعوى الاقتباس دعوى باطلة ولا محل لها، يقول ﵀: "نمت نبوة الإسلام نماءها الأوفى حين خلصت من دعوى الخوارق والمغيبات وهي آية النبوة الكبرى في عرف الأقدمين، وفرق الإسلام بين طريقين شاسعتين في تاريخ الأديان: طريق موغلة في القدم تنحدر إلى مهد النبوات الوثنية حيث تشتبك العبادة بالسحر والكهانة، ثم تتقدم في خطوات وئيدة يلتقي فيها الخبل باليقظة، وتختلط فيها الخرافة بالإلهام الصادق والموعظة الحسنة، وطريق تليها، موغلة في المستقبل يفتتحها صاحب النبوة الأخيرة فيعلن أنه يفند السحر والكهانة ويزري بقداسة الجنون أو جنون القداسة، ويروض بصيرة الإنسان على قبول الهداية وإن لم تروضها له روعة الخوارق ودهشة الغيب المجهول؛ لأنه يروض البصيرة الإنسانية على أن تنظر وتبصر ولا يستوي الأعمى والبصير ... " إلى أن يقول: "وأبعد شيء عن البحث الأمين أن تنعقد المقارنة بين هذ النبوة الإسلامية ونبوءات أخرى تقدمتها فيزعم الباحث أنها نسخة محرفة منها أو منقولة عنها، فإن الفارق بين نبوة تقوم حجتها على هداية العقل والضمير، ونبوءات تقوم حجتها الكبرى على الغرائب والأعاجيب لهو من الفوارق البينة التي لا يمتري فيها باحثان منصفان، ودع عنك الفارق بين نبوءة تدعو إلى رب العالمين، ونبوءة تدعو إلى رب سلالة أو رب قبيل، وربما اعترى الخطأ مقياسًا من مقاييس البحث فتساوت لديه الزيادة والنقص وتعادل أمامه الراجح والمرجوح، فإما أن يرجح النقص على الزيادة فذلك هو الخطأ الذي لا ينجم إلا من زيغ في الطبع أو عناد يتعامى عمدًا عن الشمس في رائعة النهار". (١) .
стр. 11716
ثم يقول: "وبعد ستة قرون من آخر رسالة في بني إسرائيل يستمع العالم إلى صوت من جانب الجزيرة العربية يدعو إلى رب العالمين رب العربي والأعجمي، ورب الأبيض والأسود، ورب كل عشيرة وكل قبيلة، لا يستأثر بقوم ولا يؤثر قومًا على قوم إلا من عمل صالحًا واتقى حدود الله، صوت نبي ينادي كل من بعث إليه أنه لا يعلم الغيب ولا يملك خزائن الأرض، ولا يدفع السوء عن نفسه فضلًا عن قومه، ولا يعلم أن الخوارق والمعجزات تنفع أحدًا لا ينتفع بعقله ولا يتفكر فيما يسمع من نبي أو رسول، صوت نبي يقول للناس إنه إنسان كسائر الناس، وهو بشير يهدي إلى الرشد والحق، نذير يحذّر من الباطل والضلال. أي مشابهة بين الصوتين؟ بل أي اختلاف قط بينهما يجاوز هذا الاختلاف؟ يرثي لمن يقول: إن الصوتين سواء، فأما من يقول: إن النداء باسم رب العالمين نسخة محرفة من النداء برب القبيلة بين شركائه من أرباب القبائل، فإنما هو خطأ حقيق أن يسمى عجزًا في الحس؛ لأنه أظهر للحس من أن يحتاج إلى إطالة بحث أو تعمق في تفكير" (١) .
كما يضيف بعد حديثه عن الشيطان في العقائد السابقة والعقيدة الإسلامية قوله: "بهذه العقيدة الوجدانية الفكرية أقام الإسلام عرش الضمير وثل عرش الشيطان، ومن حق البحث الأمين على الباحث المنصف أن يضيفها إلى عقائد الإسلام في الله وفي النبي ﷺ وفي الإنسانية ـ فإذا عرف الإنصاف فما هو بقادر على أن يزعم أن الإسلام ديانة محرفة من ديانة محرفة من ديانة سبقت، وإذا عرف الصواب فما هو بقادر على أن يجحد مرتقاه في أطوار الإيمان وأنه غاية ما ارتفع إليه ضمير المؤمن في ديانات الأقدمين والمحدثين". (٢)
وقل مثل ذلك في العبادات والمعاملات وغيرها من الأحكام مما يقطع ويبطل أي شبهة في القول باقتباس القرآن الكريم من الكتب السابقة، فمقاصد القرآن الكريم وتوجيهاته وعقائده وعباداته وأخلاقه ومعاملاته وقصصه وأخباره وحلاله وحرامه وحكمه وأمثاله ولفظه ونظمه وبلاغته وفصاحته تختلف عن كل من التوراة والإنجيل اختلافًا يوحى بانقطاع الصلة بينهما اللهم إلا في القليل النادر منهما الذي بقي صحيحًا.
هذا هو حكم العقل والنقل والواقع فمن لم يقبل بهذه الموازين فقد ظلم نفسه وأوردها موارد الضياع والهلكة، وما له من الله من عاصم وويل للذين ظلموا من النار.
стр. 11717
ثالثًا ـ قولهم: إن القرآن ليس معجزًا أو أنه مجرد عمل إنساني نادر:
وهذا قول منكر وادعاء باطل لأسباب كثيرة منها:
١ ـ ما سبق أن أشرنا إليه في الفقرة الأولى من أدلة أثبتت أن القرآن الكريم وحي من عند الله تعالى ومن هذه الأدلة إعجازه المتواصل والمستمر بشكل فاق كل الحدود وتجاوز كل ما ذكره العلماء من أنواع الإعجاز وفنونه إلى حد لا يعلمه إلا الله .
٢ ـ أن التحدي بالقرآن كان وما زال قائمًا ولم يستطع أحد إبان نزوله ولا بعد وفاة النبي ﷺ وحتى الآن وإلى أن تقوم الساعة، لم يستطع ولن يستطيع أحد أن يأتي بمثله ولا بعشر سورة من مثله ولا بسورة واحدة من مثله، ومعنى ذلك العجز الكامل في الماضي والحاضر والمستقبل ليس للبشر وحدهم، ولكن للجن أيضا أنه معجز وأن إعجازه مستمر.
٣ ـ أن هذه المقولة ليست جديدة فقد قالها المشركون إبان نزول القرآن وادعوا أنهم يستطيعون الإتيان بمثله، ولكنهم عجزوا عن الوفاء بما قالوا فبقي كلامهم وكلام المعاصرين اليوم مجرد ادعاء لا قيمة له ولا دليل عليه، قال تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ (١) .
قال السيوطي: اخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير قال: ((قتل النبي ﷺ يوم بدر صبرًا عقبة بن أبي معيط وطعمة بن عدي والنضر بن الحارث , وكان المقداد أسر النضر فلما أمر بقتله , قال المقداد يا رسول الله: أسيري، فقال رسول الله ﷺ : إنه كان يقول: في كتاب الله ما يقول، قال: وفيه أنزلت هذه الآية: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا﴾ الآية)) (٢) .
وجاء المبشرون والمستشرقون اليوم يرددون نفس المقولة بادعائهم أن القرآن عمل إنساني نادر غير معجز، فهل استطاعوا أو استطاع أسلافهم المشركون أن يقولوا شيئًا مثله أم عجزوا كما عجزوا , فتبين بطلان مقولتهم وسخفها؟ قال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ (٣٣) فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾ (٣) .
стр. 11718
وفي ذلك يقول الدكتور المطعني: "في هذه الآية صور القرآن الأمين موقفهم في مواجهة الدعوة حيث قالوا إن محمد ﷺ قد افترى القرآن، وادعى أنه من عند الله، ثم طالبهم في الآية الثانية بأن يأتوا بكلام مثل القرآن في علو منزلته، أي كلام غير مقيد بطول أو قصر كثر أم قل، فمحمد ﵇ بشر مثلهم وعربي مثلهم، فإذا كان هو صاحب هذا الكلام بحق فليحاكوه إن كانوا صادقين في دعواهم، والقرآن في هذه المواجهة يثيرهم ويحرك مشاعرهم ليأتوا بكلام مثل القرآن وجعل هذا الإتيان شرطًا في صدقهم فإن لم يأتوا فما هم بصادقين.
إن بواعث الخصوم على المحاكاة هنا لا بد أن تكون قد بلغت درجة الفوران، ولكنهم لم يقدموا على المحاكاة، فما هو السبب؟ أهو زهدهم في المحاكاة مع القدرة عليها؟ أم هو رغبتهم عن الصدق مع شدة افتقارهم إليه؟ إنهم لو كانت المحاكاة في مقدرتهم وأتوا فعلًا بمثل القرآن لقضوا في تلك الجولة على الرسالة والرسول, ولكنهم لم يفعلوا مع قيام كل الدواعي الشعورية والخصومية على تلك المحاكاة المدعاة، وليس لهذا التقاعس والقصور أي تفسير مقبول إلا عجزهم الفعلي عن المحاكاة لأن "المحاكى" فوق طاقة البشر والجن.. لقد تحدى القرآن خصومه، واستحثهم على الدفاع عن أنفسهم ولكنهم وجموا أمام ذلك التحدي وهم أحوج ما يكونون إلى الدفاع عنها، إنهم عاجزون وكفى" (١) .
وقد ذكر الله تعالى أنهم لم يستجيبوا للتحدي ويأتوا بمثل القرآن أو بشيء من مثله فليعلموا أنما هو من عند الله، قال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٣) فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (٢)
, ثم جاء القرآن بعد ذلك التدرج في التحدي من مثل القرآن إلى عشر سور من مثله إلى سورة واحدة من مثله لينتهي بعد ذلك إلى إثبات العجز المطلق لكل الكائنات , فقال في سورة البقرة ليشمل التحدي أهل الكتاب مع المشركين: ﴿وَإِن كُنتُمْ فِي رَيبٍ مِّمَّا نَزَّلنَا عَلَى عَبدِنَا فَأتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثلِهِ وَادعُوا شُهَدَاءَكُم مِّن دُونِ اللهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ فَإِن لَّم تَفعَلُوا وَلَن تَفعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالحِجَارَةُ أُعِدَّت لِلكَافِرِينَ﴾ (٣) ..
ثم أكد في سورة الإسراء أن العجز عن محاكاة القرآن شامل للجن أيضًا مع الإنس فقال سبحانه: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآَنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ (٤) .
وبهذا حكم الله تعالى بالعجز على الجميع من لدن نزول القرآن أي قيام الساعة، فهل هناك إعجاز أعظم من ذلك؟ وهل هناك دليل على صدق الرسول والرسالة أقوى وأوضح من ذلك؟
стр. 11719
٤ ـ وإليك الآن صورًا محدودة من الإعجاز المستمر للقرآن الكريم، وقد أقر بها المنكرون والعلماء من غير المسلمين، من هذه الصورة: ما يتصل بالكون بصفة عامة كخلق السموات والأرض وما بينهما، ومنها ما يتصل بالأرض نفسها وما فيها من آيات، ومنها ما يتصل بحركة النجوم والكواكب والليل والنهار والرياح، ومنها ما يتصل بالماء، ومنها ما يتصل بالإنسان وخلقه إلى غير ذلك وهو كثير جدًّا عرف العلماء بعضه، وما زالوا يجهلون الكثير مما وعد الله تعالى بتعليمهم إياه في قوله: ﴿سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ (١) .
وفي آية جامعة - أو تكاد - يقدم الله في كتابه الكريم بعض آياته للعاقلين تؤكد أن القرآن الكريم وحي معجز , قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (٢) .
يقول الدكتور المطعني: لقد خطا العلم خلال القرنين الأخيرين خطوات لم يسبق لها مثيل في شتى المجالات، ولم يظهر للآن مكتشف علمي يتنافر مع دلالات القرآن الحكيم، وموقف العلوم الحديثة من دلالات القرآن يتخذ ثلاث سمات:
الأولى: التوافق التام بين المعارف الحديثة ودلالات القرآن الكريم وهذه هي السمة الغالبة.
الثانية: تصحيح دلالات القرآن لأخطاء كانت عن بعض الظواهر العلمية.
الثالثة: وقوف العلم الحديث من بعض دلالات القرآن الكريم موقف العاجز عن الوصول إلى فهم الحقيقة العلمية التي يشير إليها القرآن، وأمل العلماء في هذا الفرع كبير في أن يصل العلم البشري في عصر مقبل إلى فهم الحقيقة القرآنية إذا ما توفرت بعض الظروف اللازمة لذلك الفهم.
فمما وقع التطابق فيه تامًّا مسألة انفصال السموات والأرض بعد أن كانتا كتلة واحدة، قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ (٣) .
والرتق هو الالتصاق بلا فصل، والفتق هو الفصل بينهما بالهواء (٤) .
وقد أثبت العلم الحديث ذلك بعد أن ذكره القرآن من ألف وأربعمائة عام.
ومما صححت فيه الدلالات القرآنية أخطاء كانت شائعة من عهد أرسطو إلى عصر النهضة؛ أن العيون المائية تستمد ماءها من بحيرات جوفية في أعماق الأرض، فجاء القرآن وصحح هذا الخطأ وأشار إلى أن العيون المائية تستمد تموينها المائي من مياه الأمطار حيث جاء فيه قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ﴾ (٥) .
وقد أثبت العلم ذلك وقارن العلماء بما قاله أرسطو وما ذكر القرآن , فتبين لهم خطأ أرسطو ومن تباعه من العلماء فترة طويلة وثبت صحة ما قاله القرآن الكريم (٦) .
стр. 11720
٥ ـ وأما ما قاله "الخوري الحداد" من أن القدماء أجمعوا على أن إعجاز القرآن في نظمه فقط تم تشكيكه في ذلك بعد لينتهي من ذلك أي مقولة أهله وأصحابه من أن القرآن غير معجز فقد تولى الرد عليه بشكل واضح ومفصل ومفحم الأستاذ محمد عزة دروزة، ونحن بالإضافة إلى ما ذكرناه في الفقرات السابقة من إبطال هذه المقولة وإثبات إعجاز القرآن نجتزئ من ردود الأستذا دروزة العديدة بعض ما قاله , يقول: "والخوري كاذب من حيث الأصل في قوله إن القدماء مجمعون على أن إعجاز القرآن في نظمه وحسب , فهناك آثار وأقوال قديمة كثيرة ينطوي فيها تقرير كون إعجاز القرآن في نظمه وفي محتواه على السواء، فالقرآن حينما يقرر أنه كتاب هداية وإرشاد، ونور وشفاء، وتبشير وإنذار، إما يقرر إعجاز القرآن في المحتوى في الدرجة الأولى الذي يمثله ما في القرآن المكي والمدني معًا من إعجاز إلهي في العقيدة، وإعجاز إلهي في التشريع، وإعجاز إلهي في الحكمة، وإعجاز إلهي في الإرشاد أي خير سبل السعادة والنجاة في الدنيا والآخرة، وإعجاز إلهي في التبشير والإنذار والترغيب والترهيب، وإعجاز إلهي في عرض بدائع الكون ومشاهد عظمته وروعة نواميسه الماثلة في كل شيء، والبرهنة بها على وجوب وجود الله وقدرته وإحاطته، وإعجاز إلهي فيما احتواه قصصه من مواعظ وأمثال وتذكير وحكم بالغة، وإعجاز إلهي فيما احتواه من الغيبيات السالفة والغيبيات الآتية، وإعجاز إلهي في صلاح ما أتى به من كل ذلك لكل زمان ومكان وجنس ولون وعقل وثقافة، وكل هذا بارز ملموح بكل قوة وبكل روعة وبكل نفوذ وبكل قطعية في مختلف سور القرآن المكية والمدنية، ولا يمكن أن يكابر فيه ويتعامى عنه إلا أحمق غبي أو حقود مغرض، والقرآن في متناول جميع الناس في كل مكان وزمان، ومن هذا المنطلق قرر القرآن أنه المعجزة الكافية لصدق رسالة النبي ﷺ على ما تضمنته آيات سورة العنكبوت: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آَيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآَيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (١) .
ثم يقول: والآن نورد الدليل على كذب الخوري، فالخوري يجعل كتاب (الإتقان في علوم القرآن للسيوطي) مصدرا رئيسيا من مصادره وينقل عنه كثيرا، أن السيوطي أورد حقا أقوال لبعض العلماء بأ إعجاز القرآ هو في نظمه وبلاغته فإه قال: إن جمهور العلماء يقررون أن إعجازه هو في نظمه ومعانيه على اختلاف نواحيها" (٢) . مقتطفات عديدة من أقوال عدد منهم ومن جملة ذلك فصل للخطابي أحد علماء القرآن في القرن الرابع الهجري نورده كمثال على أقوال العلماء القدماء.
стр. 11721
يقول الخطابي: وإنما تعذر على البشر الإتيان بمثله لأمور منها: أنعلمهم لا يحيط بجميع أسماء اللغة العربية وأوضاعها التي هي ظروف المعاني، لا تدرك أفهامهم جميع معاني الأياء المحمولة على تلك الألفاظ ولا تكمل معرفتهم باستيفاء جميع وجوه المنظوم التي بها يكون ائتلافها وارتباط بعضها ببعض، فتواصلوا باختيار الأفضل من الأسن من وجوهها إلى أن يأتوا بكلام مثله، إنما يقوم الكلام بهذه الاشياء الثلاثة: لفظ حاصل، معنى به قائم، رباط لهما ناظم، وإذا تأملت القرآن وجدت هذه الامور منه في غاية الشرف والفضيلة حتى لا ترى شيئا من الالفاظ افصح ولا اجزل ولا اعذاب من الفاظه، ولا ترى نظما احسن تاليفا وأشد تلاوة وتشاكلا من نظمه، اما ما معانيه، فكل ذي لب يشهد له بالتقدم في أبوابه والترقي إلى أعلى درجاته، وقد توجد هذه الفضائل الثلاث على التفرق في أنواع الكلام، فإن توجد مجموعة في نوع واحد منه فلم توجد إلا في كلام العليم القدير، مخرج من هذا أن القرآن صار معجزا لأنه جاء بأفصح الألفاظ في أحسن نظوم التأليف متضمنا أصح المعاني من توحيد الله تعالى وتنزيهه في صفاته ودعائه إلى طاعته وبيان طريق عبادته من تحليل وتحريم وحظر وإباحة، ومن وعظ وتقويم وأمر بمعروف ونهي عن منكر، وإرشاد إلى محاسن الأخلاق وزجر عن مساويها، واضعا كل شيء منها موضعه الذي لا يرى شيء أولى منه، ولا يتوهم في صورة العقل أمر أليق به منه، مودعا أخبار القرون الماضية، وما نزل من مثلات الله بمن مضى وعائد منهم، منبئا عن الكوائن المستقلة في الأعصار الآتية من الزمان جامعا في ذلك بين الحجة والمحتج له، والدليل عنه، ومعلوم أن الإتيان أوكد للزوم ما دعا إليه، وأنبأ عن وجوب ما أمر به ونهى عنه، ومعلوم أن اإتيان بمثل هذه الأمور والجمع بين أشتاتها حتى تنتظم وتنسق أمر يعجز عنه قوى البشر، ولا تبلغه قدرتهم، فانقطع الخلق دونه، وعجزوا عن معارضته بمثله، ومناقضته في شكله، ثم صار المعاندون له يقولون مرة: إنه شعر لما رأوه منظوما، ومرة أخرى إنه سحر لما رأوه معجوزا عنه غير مقدور عليه، وقد كانوا يجدون له وقعا في القلوب وقرعا في النفوس يرهبهم ويحيرهم، فلم يتمالكوا أن يعترفوا به نوعا من الاعتراف، ولذلك قالوا: إنه له لحالوة وإن عليه لطلاوة، وكانوا مرة يقولون بجهلهم إنه أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا مع علمهم أن صاحبهم أمي وليس بحضرته من يملي أو يكتب في نحو ذلك من الأمور التي أوجبها العناد والجله والعجز، وإنك لا تمسع كلاما غير القرآن منظومصا ولا منثورا إذا قرع السمع خلص منه إلى القلب من اللذة والحلاوة، قال تعالى: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآَنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (١) .
وقال تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ (٢) .
стр. 11722
وقال ابن كثير ﵀: ومن تدبر القرآن وجد فيه من وجوه الإعجاز فنونا ظاهرة وخفية من حيث اللفظ ومن جهة المعنى قال الله تعالى: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آَيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ (١) .
فأحكمت ألفاظه وفصلت معانيه، وكل من لفظه ومعناه لا يجاري ولا يداني، يقول ابن عطية في تفسير هذه الآية الكريمة: أحكمت أتقنت وأجيدت شبه ما تحكم من الأمور المتقنة الكاملة، وبهذه الصفة كان القرآن في الأزل، ثم فصل بتقطيعه وتبيين أحكاه وأوامره على محمد ﷺ في أزمنة مختلفة فتم على بابها، وهذه طريقة الإحكام والتفصيل، إذ الإحكام صنعة ذاتية، والتفصيل إنم هو بحسب من يفصل له والكتاب بأجمعه محكم ومفصل (٢) . فقد أخبر عن مغيبات ماضية كانت ووقعت طبق ما أخبر سواء بسواء، وأمر بكل خير ونهي عن كل شر كما قال تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ (٣) .
ثم قال دروزة: ولو كان الخوري يخضع للحق والحقيقة أو يتحراها لكان راعى ما قاله جمهور العلماء القدماء، ولما قال ما قال عنهم من الموقف السلبي بأسلوب حاسم، ومن غبائه أنه لا يخطر لباله أن كتب القدماء والكتب التي ينقل عنها ليست عنده وحده، ونحن إذ نركز الكلام في هذا المبحث على الإعجاز الإلهي في المحتوى فليس ذلك منا إغفالا للإعجاز الإلهي في النظم القرآني، فهذا من المسلمات التي لا تتحمل إطنابا جديدا، وقد وفاها العلماء قديما وحديثا حقها بما لا محل للمزيد عليه، وإنما كان ذلك منا؛ لأنه مقتضى الكلام والحافز عليه من جهة، ولأننا نعتقد أن الإعجاز القرآني هو في المحتوى في الدرجة الأولى هو ما اهتم القرآن للتنويه به أكثر والله أعلم (٤) .
стр. 11723
ومما سبق يتبين بكل قوة ووضوح بطلان ما ادعاه المبشرون والمستشرقون في الماضي والحاضر من أن القرآن غير معجز، وتبين بما لا يقبل ذرة من الشك، الإعجاز العظيم للقرآن الكريم فيما عرفناه من لفظ ومعنى ونظم ومحتوى وعلم طبيعي أو أخلاقي وغيب ماضي وغيب مستقبلي إلى ما لم نعرفه بعد من أسرار وأن إعجاز هذا باق إلى يوم القيامة، وصدق رسول الله: إلا أنها ستكون فتنة، فقلت: ما المخرج منها يا رسول الله؟ قال: كتاب الله؛ فيه نبأ ما قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، وهو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، هو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا يشبع منه العلماء، ولا يخلق على كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه، هو الذي لم تنته الجن إذا سمعته حتى قالوا: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآَنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآَمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾ (١) . من قال به صدق، ومن عمل به أجر، ومن حكم به عدل، ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم" (٢) .
وبعد هذا الوصف الشائق الشامل المروي عمن أنزل عليه القرآن والذي هو أدرى الناس بمدى إعجازه على الذين ادعوا أنه ليس معجزا أن يأتونا بما لديهم من توراة وإنجيل لنرى أي الكتب خير وأيها أصدق. فهل بقي بعد هذا كله أي شبهة أو أثر لتلك المقولة السخفية: أن القرآن ليس معجزا! وإذا كان القرآن غير معجز فما المعجز إذن وكيف يكون الإعجاز؟ حقا إذا لم تستح فاصنع ما شئت!!
стр. 11724
رابعا ـ قولهم: إن القرآن قد حرف وبدل:
وهذا قول كاذب وادعاء باطل، ساقهم إليه حقد دفين وبغض شديد وفهم خاطئ للقرآن الكريم، أرادوا به أن يردوا الصاع صاعين للقرآن الكريم الذي فضحهم وعراهم وأثبت تحريفهم للتوراة والإنجيل، وأردوا أن يحاربوه ويهاجموه بنفس سلاحه فوضعوا كعادتهم الكلمات في غير مواضعها، واستخدموا لسوء فهمهم الألفاظ في غير معانيها، وعادت سهامهم المسومة إلى نحورهم، وإليك بيان ذلك بالتفصيل:
١ ـ فأما قولهم: إن القرآن قد حرف وبدل فيرده المعلوم من تاريخ القرآن على مر العصور والكثير من الآيات القرآنية التي تبين كيف كان ينزل القرآن على رسول الله ﷺ وكم كان حريصا على حفظه ومراجعته مع الروح الأمين جبريل ﵇ وأنه ﷺ كان يمليه على أصحابه ومن بينهم كتاب الوحي ـ رضوان الله عليهم أجمعين ـ فور نزوله، فانضم بذلك تدوين السطور إلى حفظ الصدور عند أكثر من واحد مع رسول الله ﷺ قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ العَالَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ عَلَى قَلبِكَ لِتَكُونَ مِنَ المُنذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الأَوَّلِينَ أَوَلَم يَكُن لَّهُم آيَة أَن يَعلَمَهُ عُلَمَاء بَنِي إِسرَائِيلَ وَلَو نَزَّلنَاهُ عَلَى بَعضِ الأَعجَمِينَ فَقَرَأَهُ عَلَيهِم مَّا كَانُوا بِهِ مُؤمِنِينَ كَذَلِكَ سَلَكنَاهُ فِي قُلُوبِ المُجرِمِينَ لَا يُؤمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا العَذَابَ الأَلِيمَ﴾ (١) .
وقال: ﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآَنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ (٢) .
وقال: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآَنَهُ (١٧) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآَنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ (٣) .
وقال: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ، لَا يَأتِيهِ البَاطِلُ مِن بَينِ يَدَيهِ وَلَا مِن خَلفِهِ تَنزِيلٌ مِّن حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ (٤) .
وقال: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آَيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ (٥) .
إلى غير ذلك من الآيات التي تؤكد نزوله وتلقيه وحفظه بإحكام وإتقان، فمن الذي حرف إذن وبدل! جبريل الذي نزل به بأمانة؟ أم محمد ﷺ الذي تلقاه
بلهفة وعناية، أم أصحابه الذين حفظوه وكتبوه تحت مراجعة النبي ﷺ ؟
стр. 11725
٢ـ ينفي القرآن الكريم أن يكون رسول الله ﷺ كان له أي تدخل في نزول القرآن الكريم بحروفه وكلماته ومعانيه، وأنه مجرد حافظ ومبلغ، ثم مفسر ومبين، قال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ (٤١) وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٤٢) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٣) وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ (٤٧) وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (٤٨) وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ (٤٩) وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ (٥٠) وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ (٥١) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ (١) .
وقال: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾
(٢) .
إلى غير ذلك من الآيات التي تنفي بقطع ووضوح أي تدخل من سول الله ﷺ في آيات القرآن فمن الذي بدل إذن؟
٣ـ عرفنا من الفقرة السابقة ـ الأولى ـ أن رسول الله ﷺ كان ينتظر الوحي ونزوله بالقرآن الكريم فيما يخصه شخصيًا وفيما يخص الأمة وفيما يخص الرسالة وفي اتخاذ القرارات، وفي إجابات الأسئلة التي توجه إليه، ورغم الحرج الذي كان النبي ﷺ يتعرض له سواء فيما يخصه شخصيًا أو فيما يخص الناس، كان رسول الله ﷺ ينتظر بفارغ الصبر نزول الوحي بالقرآن الكريم، فلو كان يمكنه التحريف أو التبديل أو الزيادة أو النقصان لفعل ذلك خصوصًا في أوقات الشدة أو فيما يخصه ويخص بيته كحديث الإفك، ولكان يغير ما يسمه شخصيًا بالعتاب والمؤاخذة كسورة عبس أو سورة براءة وموافقة من بعض المنافقين أو موضوع أسرى بدر أو خلافاته مع زوجاته ... إلى غير ذلك.
٤ـ إن الله تعالى تولى بنفسه حفظ القرآن الكريم من أي تغيير أو تحريف أو زيادة أو نقصان، من نزوله إلى قيام الساعة، قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (٣) .
فلا يمكن أن يصل إليه أي تحريف مهما كان وهذا بخلاف الكتب السابقة التي ألقى الله تعالى مسؤولية حفظها على أهلها فامتدت أيديهم إليها بالتحريف والتغيير، قال ابن عطية في تفسير هذه الآية: (المعنى: لحافظون من أن يبدل أو يغير كما جرى في سائر الكتب المنزلة) ، وفي آخر ورقه من البخاري عن ابن عباس رضى الله عنهما أن التبديل فيها إنما كان في التأويل، وأما في اللفظ فلا، وظاهر آيات القرآن أنهم بدلوا اللفظ، ووضع اليد على آيه الرجم هو في معنى التبديل الألفاظ (٤) . وقيل: لحافظون باختزانه في صدور الرجال والمعنى متقارب، وقال قتادة هذه الآية نحو قوله تعالى: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾ (٥) . (٦) .
فمن يستطيع أن يغير ما حفظه الله؟ ثم كيفق يحدث ذلك؟ وأين هو؟ وقد عرفنا من الفقرة الأولى أن القرآن وحى في لفظه ونظمه ومعناه وترتيبه فمن عساه يغير حرفًا من ذلك الوحي؟
стр. 11726
٥ـ جمع القرآن الحكيم بعد وفاة الرسول ﷺ مرتين: المرة الأولى في خلافه أبى بكر بمشورة عمر رضى الله عنهما بعد موقعة اليمامة، وكان هذا الجمع بإشراف كاتب الوحي زيد بن ثابت رضى الله عنه وكان عبارة عن ترتيب الصحف المتفرقة من جلد وحجارة وعظام بناء على المحفوظ في الصدور بحيث يضمها رباط واحد بدل بعثرتها وتفرقها، وكان ذلك خوفًا من مرور الوقت بعد وفاة الرسول ﷺ ووفاة الصحابة القراء الحافظين فيختلف الترتيب فيما بعد عما نزل وحفظ فجمعه أبو بكر في إطار واحد وأجمع عليه الصحابة وحفظ ذلك المصحف المجموع المرتب عند أبى بكر ثم عمر ثم حفصة رضوان الله عليهم أجمعين، أما المرة الثانية فكانت في خلافة عثمان رضى الله عنه حين بلغه أن خلافات قد بدأت تظهر في قراءة القرآن نتيجة كثرة الفتوحات ودخول أجناس جديدة بلغاتهم في الإسلام فكان لا بد من حسم الأمر وقطع دابر الاختلاف مهما كان ولو صغيرًا، وقام عثمان بتشكيل لجنة بقيادة زيد بن ثابت رضى الله عنه أيضا لكتابه القرآن من مصحف أبى بكر بلغه واحدة هي لغة قريش، وقد تم ذلك ونسخ منه عدة نسخ وزعت على جميع العواصم في الأمصار الإسلامية لتكون المرجع الذي يعتمد عليه ويرجع إليه، وبذلك تم قتل الفتنه منذ ولادتها والحمد لله
(١) ومن يومها والأمة الإسلامية تتلقى القرآن الكريم بهذا لرسم العثماني بالتواتر المنقطع النظير حتى يومنا هذا، ولم يتح ذلك لغير القرآن الكريم فهو أصدق وثيقة على الإطلاق بالدنيا، وقد حاول بعض الأعداء تغيير بعض الآيات والكلمات ففضحهم الله تعالى أكثر من مرة وبقى القرآن بحمد الله تعالى وحفظه كما نزل على محمد ﷺ تطبيقًا وتحقيقًا لقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾
فأين ذلك التغيير الذي تدعون؟ وأين التحريف الذي تزعمون؟ وقد شهد بذلك بعض المنصفين من غير المسلمين يقول لوبلو: (إن القرآن هو اليوم الكتاب الرباني الوحيد الذي ليس فيه أي تغيير يذكر) ، وكان ((موير)) قد أعلن ذلك قبله إذ قال: (إن المصحف الذي جمعه عثمان قد تواتر انتقاله من يد إلى يد حتى وصل إلينا بدون أي تحريف قد حفظ بعناية شديدة بحيث لم يطرأ عليه أي تغيير يذكر، بل يستطيع أن نقول إنه لم يطرأ عليه أي تغيير على الإطلاق في النسخ التي لا حصر لها والمتداولة في البلاد الإسلامية الواسعة، فلم يوجد إلا قرآن واحد لجميع الفرق الإسلامية المتنازعة، وهذا الاستعمال الإجماعي لنفس النص المقبول من الجميع حتى اليوم يعد أكبر حجه ودليل على صحة النص المنزل الموجود معنا والذي يرجع إلى الخليفة المنكوب عثمان الذي مات مقتولًا) (٢)
стр. 11727
٦ـ لم يبق بعد ذلك من حجج أو شبهات إلاَّ ما استندوا إليه ٠ لسوء فهمهم ـ من بعض الأيات، أو فهموها ولكن حقدهم أعمى بصائرهم حتى قالوا ما قالوه؛ فقد كان من رحمة الله تعالى بعبادة وتيسيره عليهم أن تدرج معهم في تكاليفه وتشريعاته في نقلهم من ظلام الجاهلية إلى نور الإسلام ونظامه وضوابطه، وقد اقتضى هذا التيسير والتدرج أن ينسخ الله تعالى بعض الآيات ويأتي بآيات أخرى وأحكام أخرى أخف وأيسر، وكان رسول الله ﷺ يعرف أصحابه بذلك بعد نزول جبريل ﵇ بالتغيير وتعريفه بالنسخ، فالمغير إذن هو الله تعالى، والمبدل هو الله لا رسوله وأصحابه وأمته، هذا باب معروف من أبواب علوم القرآن والتشريع الإسلامي وهو ((النسخ)) وفيه يقول الله تعالى ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آَيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (١) .
وقد يكون النسخ للتلاوة والحكم معًا وقد يكون لأحدهما مع بقاء الآخر وذلك المعروف في القرآن الكريم، وفد نعى الله تعالى على المشركين وعلى من جاء بعدهم إلى يوم القيامة ممن يشبههم في مقولتهم عن ذلك النسخ بأنه تحريف وتبديل كما فعل اليهود والنصارى ووصفهم الله تعالى بالجهل وسوء الفهم، فقال الله تعالى ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آَيَةً مَكَانَ آَيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٢) .
فالناسخ والمبدل هو الله تعالى رحمة بعباده وتيسيرًا عليهم لعلمه بما ينفعهم ويصلحهم، أما اليهود والنصارى فقد كانوا يحرفون الكلم عن مواضعه ويكتبون الكتاب بأيديهم ويكذبون ويقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنًا قليلًا.
стр. 11728
٧ـ وأنا ما نقص من سورة الأحزاب أو غيرها فليس كما يقول تيموثاوس لأن جديًا أكله، وإنما لأن الله تعالى نسخه، ومن ذلك الآية المشهورة في رجم الزاني والزانية (الشيخ والشيخة إذ زنيا فإرجموهما البته نكالًا من الله والله عزيز حكيم) (١) .
وغيرها مما ورد في حديث عمر رضى الله عنه (٢) . وهذا مما نسخ تلاوة وبقى حكمًا؛ وأما أسماء السورة التي ذكرها تيموثاوس وأدعى أنه فقدت من القرآن الكريم في أساس لها فسور القرآن الكريم أربع عشرة ومائة توقيفًا وإجماعًا وتواترًا، وما هذه الأسماء التي ذكرها إلا أسماء وردت في قنوت رسول الله ﷺ وبعض أدعيته، وليست أسماء لسور القرآن، فالقرآن كما أشرنا من قبل، حفظ في حياة النبي ﷺ في الصدور والسطور، ثم جمع في عهد بلغة واحدة في عدة مصاحف ثم بقى هكذا وسيظل إلى أن تقوم الساعة محفوظًا بحفظ الله وعنايته.
وأنا ورد في الموسوعة الروسية مما سبقت الإشارة إليه فتخريف من قائليه ومدونيه يدل على عدم فهمهم للقرآن الكريم الذي جمع بين أخبار الماضيين والحاضرين والمستقبل، وظنوا أن ذلك الجمع تطور من الكتاب الذين تلقوه ولم يفهموا أن ذلك من إعجاز العظيم وأن يد التحريف لا تمتد إليه.
стр. 11729
يقول الأستاذ مالك بن نبي: (ولقد أمتاز القرآن الكريم بميزة فريدة هي أنه تنقل منذ أربعه عشر قرنًا دون أن يتعرض لأدنى تحريف أو ريب، وليست هذه حال العهد القديم ((التوراة)) الذي لم تعترف له بالصحة الدراسة النقدية للشراح المحدثين فيما عدا واحدًا من كتبه هو كتاب (أرمياء) وليس العهد الجديد (الإنجيل) بأسعد حالًا فقد ألغى مجمع أساقفة (نيقيه) كثيرًا من أخباره مما زرع الشك حول ما تبقى منه وهو (الإنجيل) وهذه الأخيرة بدورهما لا تعتبر الآن من الصحاح لأن النقد أثبت أنها قد وضعت بعد المسيح بأكثر من قرن أي بعد عصر الحواريين الذين تنسب إليهم تعاليم المسيحية، وعلى هذا فإن شكوكًا كثيرة تحوم حول القضية التاريخية للوثائق اليهودية والمسيحية)
(١) .
ثم يقول: (هذا التحديد الكامل للنص القرآني على عهد النبي ﷺ نفسه يعد ظاهرة جديرة بالملاحظة من وجهة علم الاجتماع وعلم النفس بخصوص الوسط العربي في العصر المحمدي، فتلك نقطة جوهرية تستحق البحث والوقوف أمامها، إذ ليست هناك مشكله تدوين بالنسبة للقرآن كما هو الأمر بالنسبة للكتاب المقدس وهي أيضا مؤيده بحقائق التاريخ التي ينبغي أن تلفت إليها انتباه القارئ ليلاحظ هو أيضا توافق واقع التاريخ مع هذه الآية: ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ ، ومع ذلك فإن لهذا لحفظ تاريخه، فكلما كان الوحي يتنزل كانت آيات القرآن تثبت في ذاكرة الرسول ﷺ وصحابته، وتسجل فورًا بأيدي أمناء الوحي حيث كانوا يستخدمون من أجل ذلك كل ما يصلح للكتابة كعظام الكتف أو قطع الجلد، حتى إذ قبض رسول الله ﷺ كان القرآن محفوظًا في الصدور مدونا في الصحف، فكان من الممكن كلما دعت الحاجة إلى مقارنة الآيات بعضها ببعض، ولا سيما حين يعرض اختلاف من نوع صوتي أو لهجى، وفضلًا عن ذلك فسنجد أن هذه المقارنة تحد مرتين، والطريقة التي نفذت بها هي ذاتها حدث فذ في تاريخ الصناعة العقلية الإنسانية، فللمرة الأولى تتجلى الصفات الطريقة المنهجية في عمل عقلي، كما تتجلى الدقة التي هي الآن وقف على التفكير العلمي ... وبهذا يكون القرآن الكريم هو الكتاب الديني الوحيد الذي يتمتع بامتياز الصحة التي لا جدل فيها بحيث لم يثر النقد أية مشكله حوله سواء أكان ذلك من حيث الشكل أم الموضوع (٢) . فمن أين يجئ التحريف والتبديل؟ وكيف يقع بعد كل هذه الإجراءات الربانيه والنبوية والصحابيه والإسلامية؟ أليس ذلك كمل رأينا مستحيلًا؟ وهذا ما جعل المستشرق الفرنى الأستاذ دمومبين يقول في كتابه عن الإسلام: (إن المصنف لا مناص له من أن يقر بأن القرآن الحاضر هو القرآن الذي كان يتلوه محمد) (٣) .
стр. 11730
خامسًا ـ إدعاء التناقض في القرآن:
أدعى أعداء الإسلام والقرآن أن القرآن يتناقض بعضه بعضًا، أحيانًا في اللفظ وأحيانًا في المعنى، وساقوا لذلك عددًا من الآيات الكريمة لا تناقض بينها في شيء ـ كما سنرى ـ إلاَّ في فهمهم البليد، أو سبب حقدهم البغيض، وقد ذكرنا في الفصل الثاني نماذج من هذه الدعوى وسنناقشها في هذه الفقرة لنبيين بطلانها، وقبل هذه المناقشة نذكر بما سبق أن قدمناه من الحقائق التي تؤكد عدم وجود أي ثغرة للتناقض في القرآن الكريم.
١- فهو ـ كما عرفنا ـ من وحي الله تعالى والتناقض مستحيل عليه .
٢- وهو معجز والإعجاز قمة الأداء فإذا دخله التناقض لم يكن كذلك.
٣- وهو محفوظ بعناية الله تعالى في صدور عبادة وسطور مصاحفهم، فكيف يقع التناقض فيه وهو من مظاهر الخلل لا الحفظ.
٤- وهو الذي أثبت الله له الإحكام ونفي عنه الباطل فكيف يقع التناقض فيه؟
بعد هذه الحقائق الثابتة الكافية في إبطال هذه الدعوى نسوق الآيات التي إستشهدوا بها لنبين سوء فهمهم وجهلهم وحقدهم البغيض للقرآن.
(أ) قالوا إن الآية: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآَنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ (١) .
تتناقض مع الآية ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آَيَةً مَكَانَ آَيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٢) .
وذلك الذي زعموا لأنهم فهموا أن الآية الأولى تنفي التبديل في القرآن والآية الثانية تثبته، وهكذا فهموا فهل هذا فهم صحيح؟ كلا لأن الآية الأولى تنفي أن يقوم رسول الله ** بتبديل شيء من القرآن تلبيه لطلب المشركين لأنه ﷺ ليس له من أمر القرآن شيء فهو لا يستطيع أن يغير أو يبدل فيه شيئا وإلاَّ تعرض للعذاب العظيم، والآية الثانية تؤكد هذا المعنى لأنها نسبت التبديل إلى الله تعالى وحده، وهذا ينفي إمكانية ذلك لغير الله تعالى فمضمون الآيتين واحد وهو أن المبدل هو الله وليس محمدًا، أما التناقض الحقيقي فهو في موقف المشركين الذين كانوا يطالبون الرسول بالتبديل والتغيير، فإذا وقع من الله تعالى تبديل عابوا على النبي ﷺ واتهموه بالكذب والافتراء، وما أشبه تناقض اليهود والنصارى يتناقض المشركين فكلهم يقولون على الله ورسوله وكتابه ما لا يعلمون.