← Фикх общий

Фикх общий · id 8356

مجلة مجمع الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (22 276 стр.). Показаны 11726–11765 · переход к 11731.

стр. 11726

٥ـ جمع القرآن الحكيم بعد وفاة الرسول ﷺ مرتين: المرة الأولى في خلافه أبى بكر بمشورة عمر رضى الله عنهما بعد موقعة اليمامة، وكان هذا الجمع بإشراف كاتب الوحي زيد بن ثابت رضى الله عنه وكان عبارة عن ترتيب الصحف المتفرقة من جلد وحجارة وعظام بناء على المحفوظ في الصدور بحيث يضمها رباط واحد بدل بعثرتها وتفرقها، وكان ذلك خوفًا من مرور الوقت بعد وفاة الرسول ﷺ ووفاة الصحابة القراء الحافظين فيختلف الترتيب فيما بعد عما نزل وحفظ فجمعه أبو بكر في إطار واحد وأجمع عليه الصحابة وحفظ ذلك المصحف المجموع المرتب عند أبى بكر ثم عمر ثم حفصة رضوان الله عليهم أجمعين، أما المرة الثانية فكانت في خلافة عثمان رضى الله عنه حين بلغه أن خلافات قد بدأت تظهر في قراءة القرآن نتيجة كثرة الفتوحات ودخول أجناس جديدة بلغاتهم في الإسلام فكان لا بد من حسم الأمر وقطع دابر الاختلاف مهما كان ولو صغيرًا، وقام عثمان بتشكيل لجنة بقيادة زيد بن ثابت رضى الله عنه أيضا لكتابه القرآن من مصحف أبى بكر بلغه واحدة هي لغة قريش، وقد تم ذلك ونسخ منه عدة نسخ وزعت على جميع العواصم في الأمصار الإسلامية لتكون المرجع الذي يعتمد عليه ويرجع إليه، وبذلك تم قتل الفتنه منذ ولادتها والحمد لله (١) ومن يومها والأمة الإسلامية تتلقى القرآن الكريم بهذا لرسم العثماني بالتواتر المنقطع النظير حتى يومنا هذا، ولم يتح ذلك لغير القرآن الكريم فهو أصدق وثيقة على الإطلاق بالدنيا، وقد حاول بعض الأعداء تغيير بعض الآيات والكلمات ففضحهم الله تعالى أكثر من مرة وبقى القرآن بحمد الله تعالى وحفظه كما نزل على محمد ﷺ تطبيقًا وتحقيقًا لقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ فأين ذلك التغيير الذي تدعون؟ وأين التحريف الذي تزعمون؟ وقد شهد بذلك بعض المنصفين من غير المسلمين يقول لوبلو: (إن القرآن هو اليوم الكتاب الرباني الوحيد الذي ليس فيه أي تغيير يذكر) ، وكان ((موير)) قد أعلن ذلك قبله إذ قال: (إن المصحف الذي جمعه عثمان قد تواتر انتقاله من يد إلى يد حتى وصل إلينا بدون أي تحريف قد حفظ بعناية شديدة بحيث لم يطرأ عليه أي تغيير يذكر، بل يستطيع أن نقول إنه لم يطرأ عليه أي تغيير على الإطلاق في النسخ التي لا حصر لها والمتداولة في البلاد الإسلامية الواسعة، فلم يوجد إلا قرآن واحد لجميع الفرق الإسلامية المتنازعة، وهذا الاستعمال الإجماعي لنفس النص المقبول من الجميع حتى اليوم يعد أكبر حجه ودليل على صحة النص المنزل الموجود معنا والذي يرجع إلى الخليفة المنكوب عثمان الذي مات مقتولًا) (٢)

стр. 11727

٦ـ لم يبق بعد ذلك من حجج أو شبهات إلاَّ ما استندوا إليه ٠ لسوء فهمهم ـ من بعض الأيات، أو فهموها ولكن حقدهم أعمى بصائرهم حتى قالوا ما قالوه؛ فقد كان من رحمة الله تعالى بعبادة وتيسيره عليهم أن تدرج معهم في تكاليفه وتشريعاته في نقلهم من ظلام الجاهلية إلى نور الإسلام ونظامه وضوابطه، وقد اقتضى هذا التيسير والتدرج أن ينسخ الله تعالى بعض الآيات ويأتي بآيات أخرى وأحكام أخرى أخف وأيسر، وكان رسول الله ﷺ يعرف أصحابه بذلك بعد نزول جبريل ﵇ بالتغيير وتعريفه بالنسخ، فالمغير إذن هو الله تعالى، والمبدل هو الله لا رسوله وأصحابه وأمته، هذا باب معروف من أبواب علوم القرآن والتشريع الإسلامي وهو ((النسخ)) وفيه يقول الله تعالى ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آَيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (١) . وقد يكون النسخ للتلاوة والحكم معًا وقد يكون لأحدهما مع بقاء الآخر وذلك المعروف في القرآن الكريم، وفد نعى الله تعالى على المشركين وعلى من جاء بعدهم إلى يوم القيامة ممن يشبههم في مقولتهم عن ذلك النسخ بأنه تحريف وتبديل كما فعل اليهود والنصارى ووصفهم الله تعالى بالجهل وسوء الفهم، فقال الله تعالى ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آَيَةً مَكَانَ آَيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٢) . فالناسخ والمبدل هو الله تعالى رحمة بعباده وتيسيرًا عليهم لعلمه بما ينفعهم ويصلحهم، أما اليهود والنصارى فقد كانوا يحرفون الكلم عن مواضعه ويكتبون الكتاب بأيديهم ويكذبون ويقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنًا قليلًا.

стр. 11728

٧ـ وأنا ما نقص من سورة الأحزاب أو غيرها فليس كما يقول تيموثاوس لأن جديًا أكله، وإنما لأن الله تعالى نسخه، ومن ذلك الآية المشهورة في رجم الزاني والزانية (الشيخ والشيخة إذ زنيا فإرجموهما البته نكالًا من الله والله عزيز حكيم) (١) . وغيرها مما ورد في حديث عمر رضى الله عنه (٢) . وهذا مما نسخ تلاوة وبقى حكمًا؛ وأما أسماء السورة التي ذكرها تيموثاوس وأدعى أنه فقدت من القرآن الكريم في أساس لها فسور القرآن الكريم أربع عشرة ومائة توقيفًا وإجماعًا وتواترًا، وما هذه الأسماء التي ذكرها إلا أسماء وردت في قنوت رسول الله ﷺ وبعض أدعيته، وليست أسماء لسور القرآن، فالقرآن كما أشرنا من قبل، حفظ في حياة النبي ﷺ في الصدور والسطور، ثم جمع في عهد بلغة واحدة في عدة مصاحف ثم بقى هكذا وسيظل إلى أن تقوم الساعة محفوظًا بحفظ الله وعنايته. وأنا ورد في الموسوعة الروسية مما سبقت الإشارة إليه فتخريف من قائليه ومدونيه يدل على عدم فهمهم للقرآن الكريم الذي جمع بين أخبار الماضيين والحاضرين والمستقبل، وظنوا أن ذلك الجمع تطور من الكتاب الذين تلقوه ولم يفهموا أن ذلك من إعجاز العظيم وأن يد التحريف لا تمتد إليه.

стр. 11729

يقول الأستاذ مالك بن نبي: (ولقد أمتاز القرآن الكريم بميزة فريدة هي أنه تنقل منذ أربعه عشر قرنًا دون أن يتعرض لأدنى تحريف أو ريب، وليست هذه حال العهد القديم ((التوراة)) الذي لم تعترف له بالصحة الدراسة النقدية للشراح المحدثين فيما عدا واحدًا من كتبه هو كتاب (أرمياء) وليس العهد الجديد (الإنجيل) بأسعد حالًا فقد ألغى مجمع أساقفة (نيقيه) كثيرًا من أخباره مما زرع الشك حول ما تبقى منه وهو (الإنجيل) وهذه الأخيرة بدورهما لا تعتبر الآن من الصحاح لأن النقد أثبت أنها قد وضعت بعد المسيح بأكثر من قرن أي بعد عصر الحواريين الذين تنسب إليهم تعاليم المسيحية، وعلى هذا فإن شكوكًا كثيرة تحوم حول القضية التاريخية للوثائق اليهودية والمسيحية) (١) . ثم يقول: (هذا التحديد الكامل للنص القرآني على عهد النبي ﷺ نفسه يعد ظاهرة جديرة بالملاحظة من وجهة علم الاجتماع وعلم النفس بخصوص الوسط العربي في العصر المحمدي، فتلك نقطة جوهرية تستحق البحث والوقوف أمامها، إذ ليست هناك مشكله تدوين بالنسبة للقرآن كما هو الأمر بالنسبة للكتاب المقدس وهي أيضا مؤيده بحقائق التاريخ التي ينبغي أن تلفت إليها انتباه القارئ ليلاحظ هو أيضا توافق واقع التاريخ مع هذه الآية: ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ ، ومع ذلك فإن لهذا لحفظ تاريخه، فكلما كان الوحي يتنزل كانت آيات القرآن تثبت في ذاكرة الرسول ﷺ وصحابته، وتسجل فورًا بأيدي أمناء الوحي حيث كانوا يستخدمون من أجل ذلك كل ما يصلح للكتابة كعظام الكتف أو قطع الجلد، حتى إذ قبض رسول الله ﷺ كان القرآن محفوظًا في الصدور مدونا في الصحف، فكان من الممكن كلما دعت الحاجة إلى مقارنة الآيات بعضها ببعض، ولا سيما حين يعرض اختلاف من نوع صوتي أو لهجى، وفضلًا عن ذلك فسنجد أن هذه المقارنة تحد مرتين، والطريقة التي نفذت بها هي ذاتها حدث فذ في تاريخ الصناعة العقلية الإنسانية، فللمرة الأولى تتجلى الصفات الطريقة المنهجية في عمل عقلي، كما تتجلى الدقة التي هي الآن وقف على التفكير العلمي ... وبهذا يكون القرآن الكريم هو الكتاب الديني الوحيد الذي يتمتع بامتياز الصحة التي لا جدل فيها بحيث لم يثر النقد أية مشكله حوله سواء أكان ذلك من حيث الشكل أم الموضوع (٢) . فمن أين يجئ التحريف والتبديل؟ وكيف يقع بعد كل هذه الإجراءات الربانيه والنبوية والصحابيه والإسلامية؟ أليس ذلك كمل رأينا مستحيلًا؟ وهذا ما جعل المستشرق الفرنى الأستاذ دمومبين يقول في كتابه عن الإسلام: (إن المصنف لا مناص له من أن يقر بأن القرآن الحاضر هو القرآن الذي كان يتلوه محمد) (٣) .

стр. 11730

خامسًا ـ إدعاء التناقض في القرآن: أدعى أعداء الإسلام والقرآن أن القرآن يتناقض بعضه بعضًا، أحيانًا في اللفظ وأحيانًا في المعنى، وساقوا لذلك عددًا من الآيات الكريمة لا تناقض بينها في شيء ـ كما سنرى ـ إلاَّ في فهمهم البليد، أو سبب حقدهم البغيض، وقد ذكرنا في الفصل الثاني نماذج من هذه الدعوى وسنناقشها في هذه الفقرة لنبيين بطلانها، وقبل هذه المناقشة نذكر بما سبق أن قدمناه من الحقائق التي تؤكد عدم وجود أي ثغرة للتناقض في القرآن الكريم. ١- فهو ـ كما عرفنا ـ من وحي الله تعالى والتناقض مستحيل عليه . ٢- وهو معجز والإعجاز قمة الأداء فإذا دخله التناقض لم يكن كذلك. ٣- وهو محفوظ بعناية الله تعالى في صدور عبادة وسطور مصاحفهم، فكيف يقع التناقض فيه وهو من مظاهر الخلل لا الحفظ. ٤- وهو الذي أثبت الله له الإحكام ونفي عنه الباطل فكيف يقع التناقض فيه؟ بعد هذه الحقائق الثابتة الكافية في إبطال هذه الدعوى نسوق الآيات التي إستشهدوا بها لنبين سوء فهمهم وجهلهم وحقدهم البغيض للقرآن. (أ) قالوا إن الآية: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآَنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ (١) . تتناقض مع الآية ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آَيَةً مَكَانَ آَيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٢) . وذلك الذي زعموا لأنهم فهموا أن الآية الأولى تنفي التبديل في القرآن والآية الثانية تثبته، وهكذا فهموا فهل هذا فهم صحيح؟ كلا لأن الآية الأولى تنفي أن يقوم رسول الله ** بتبديل شيء من القرآن تلبيه لطلب المشركين لأنه ﷺ ليس له من أمر القرآن شيء فهو لا يستطيع أن يغير أو يبدل فيه شيئا وإلاَّ تعرض للعذاب العظيم، والآية الثانية تؤكد هذا المعنى لأنها نسبت التبديل إلى الله تعالى وحده، وهذا ينفي إمكانية ذلك لغير الله تعالى فمضمون الآيتين واحد وهو أن المبدل هو الله وليس محمدًا، أما التناقض الحقيقي فهو في موقف المشركين الذين كانوا يطالبون الرسول بالتبديل والتغيير، فإذا وقع من الله تعالى تبديل عابوا على النبي ﷺ واتهموه بالكذب والافتراء، وما أشبه تناقض اليهود والنصارى يتناقض المشركين فكلهم يقولون على الله ورسوله وكتابه ما لا يعلمون.

стр. 11731

(ب) قالوا: إن الآية ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آَيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ (١) . تتناقض مع الآية: ﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ (٢) . وليس ذلك صحيحًا لأن الآية الأولى يبين الله تعالى فيها أنه يراعى أحوال العباد ومصالحهم فإذا نسخ آيه أو حكمًا فإنه يأتي بما هو خير منه للناس في معاشهم ومعادهم والآية الثانية تبين أنه لا يستطيع أحد أن يبدل كلام الله أو شيئا منه، فهل نفلا التبديل عن الخلق يشمل الخالق ؟ كلا. فأين التناقض؟ (ج) قالوا: إن الآية: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (٣) . تناقض الآية: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ (٤) . فهل هذا صحيح؟ كلا، فالآية الأولى تؤكد حفظ الله تعالى للقرآن من أن تمتد له يد التحريف والتغيير كما امتدت إلى الكتب السابقة، ولكنها لا تحجر على الله تعالى أن يمحو وينسخ ما يشاء من آياته ويثبت ويبقى ما يشاء، كما جاء في الآية الثانية، فهم يخططون بين الله تعالى وخلقه وحاشا الله أن يكون كذلك فهو سبحانه يمحو من الأحكام ما يشاء، ويثبت من الأحكام ما يشاء، وما يمحوه أو يثبته لا تمتد إليه يد أحد بالتغيير أو التبديل لأن الله حافظه.

стр. 11732

(د) قالوا: إن الآية ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ (١) تتعارض مع قوله تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ (٢) فهل هذا صحيح؟ كلا والله فالعدد في الآيتين يقصد به حقيقة وإنما هو كتابه عن الطول، وهذا معروف في البلاغة وفي عرف الناس، كلفظ السبعين في قوله تعالى: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ (٣) فلا يعنى ذلك أن رسول الله ﷺ لو استغفر لهم أكثر من سبعين يغفر الله لهم، وإنما معناه: لا فائدة من الاستغفار لهم فلن يفغر الله لهم، ولذلك قال رسول الله ﷺ : ((لو علمت أنى إذا زدت على السبعين يغفر لهم لزدت)) (٤) . وكما تقول لصديقك: جئتك عشر مرات أو أكثر، تريد أنك زرته كثيرًا، فالقرآن يعبر عن يوم القيامة بألف سنه أو خمسين ألف سنة ولا يريد عدد السنوات، وإنما يريد أنه يوم طويل، فأين التناقض إن كنتم تفهمون؟

стр. 11733

(هـ) قالوا: إن الآية ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ والآية ﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾ متناقضتان، فالآية الأولى تنفي القسم والثانية تثبته. وهكذا يقولون لأنهم لا يفهمون العربية واستخداماتها ودلالات حروفها وتنوعها، لقد ظنوا أن (لا) نافيه، ورتبوا على ذلك أنه لا أقسم فكيف يقسم بعد ذلك؟ ونقول لهم: إن (لا) ليست نافيه ولكنها تأكيد للقسم كقوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ (١) . وهذا شائع في اللغة العربية لمن يعرفها ويتذوقها (٢) . فلا تناقض بين الآيتين. (و) قالوا: إن الآية ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (٣) . تتناقض مع الآية ﴿مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ﴾ (٤) . والآية ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ﴾ (٥) . فهل هذا صحيح؟ كلا، لأنهم فهموا خطأ أن الآية الأولى تقصر الشفاعة على الله، والآيتان الأخريان فيهما الشفاعة لغير الله، وهذا فهم خاطئ فالأمر كله لله تعالى، وما دام الأمر كذلك فليس لأحد شفاعة من دون الله، ولكن إذا أذن الله لأحد أن يشفع كان له ذلك بإذن من الله، فالأمر كله لله إن إذن في الشفاعة وجدت وإن لم يأذن فلا شفاعة، فأين التناقض؟

стр. 11734

(ز) قالوا: إن الآيتين ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآَخِرِينَ﴾ (١) . تتناقض مع الآيتين: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (٣٩) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآَخِرِينَ﴾ (٢) . وهذا خطأ لأن الآيتين الأوليين تتحدثان عن السابقين المقربين، وهم كما تشير الآية الأولى كانوا الكثيرين في صدر الإسلام ثم قالوا بعد ذلك، أما الآيتان الآخريان فتتحدثان عن أصحاب اليمين بصفة عامه، وهؤلاء كثيرون بحمد الله في أمتنا وفي الأمم السابقة، أو في عصر الرسول ﷺ وفيمن جاء بعد ذلك، فلا تناقض لأن الموضوع مختلف. (ح) قالوا: إن الآية ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآَتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾ (٣) . تتناقض مع الآية ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ (٤) . لأن الأولى تأمر بالصفح والثانية تأمر بالقتال. فهل هذا صحيح؟ كلا، لأن الآية الأولى من سورة الحجر وهي مكية ولكم يكن قد نزل الأمر بالجهاد بعد فكان رسول الله ﷺ وأصحابه مأمورين بالصبر والصفح والعفو، فلما هاجروا إلى المدينة إذن الله لهم في القتال وفرض عليهم الجهاد كما جاء في الآية الثانية، إذن لا تناقض لأن كل أيه في مرحله ولآن لكل آيه موضوعًا ومناسبة وليستا في موضوع واحد. (ط) قالوا: إن الآية ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (٥) . تتناقض مع الآية ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ (٦) . لأن الآية الأولى حرمت الربا فعلًا، والثانية فرضت الجزية وليس الربا على أهل الكتاب، فأين الربا المحرم من الجزية المفروضة؟ أليس التناقض في زعمهم وحدهم؟

стр. 11735

(ى) قالوا: إن الآية ﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ (١) . تتناقض مع الآية ﴿الْآَنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (٢) . حيث الآية الأولى تأمره بترك الكافرين والمنافقين، والثانية تأمره بقتالهم وعدم تركهم، وهذا غير صحيح لأن الآية الأولى أمر بترك الأذى لا بترك الجهاد، والأذى منه ما هو قولي وما هو فعلى ثم جاءت الآية الأخرى لتؤكد على الجهاد ومهما كان عدد المسلمين قليلًا فالفرد منهم بعد التخفيف من الله بفردين والجهاد من صميم التوكل على الله. فلا تناقض كما رأينا. (ك) قالوا: إن الآية ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ (٣) . تناقض الآية ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ (٤) . فالآية الأولى ذكرت أنه ليس على الرسول إلاَّ البلاغ، والآية الثانية أمرته بقتال المنافقين وجهادهم. هكذا يقولون فهل هذا صحيح؟ كلا، فالآية الأولى تتحدث عن أهل الكتاب والمشركين، والثانية تتحدث عن المنافقين، والأولى تبين أن النبي ﷺ ليس مسؤولًا إلاَّ عن التبليغ حتى لا يحزن عليهم، أما الثانية فتبين وجوب قتالهم وعدم الحزن عليهم لأنهم قد أبلغوا وأساءوا إلى أنفسهم وإلى المؤمنين فلا تجوز مصادقتهم ولا السكوت عنهم ولا الحزن عليهم، فأين التناقض؟. وهكذا قدموا نماذج أخرى من هذه الأمثلة التي تدل كما رأينا على أحد أمرين، إما جهل باللغة العربية وبلاغتها ودلالات ألفاظها وطرق أساليبها ولذلك لم يفهموا فحكموا بالتناقض بين غير المتناقضين، وإما أنهم يفهمون ولكن حقدهم أعمى عيونهم وبصائرهم حتى قالوه ما قالوه.

стр. 11736

(ل) أما التناقض من جهة المعاني فيقدم لنا الأستاذ العقاد نماذج منها ويرد عليها نكتفي ببعضها يقول: (قرأنا لبعضهم أخيرًا كتابًا عن الشيطان يلم فيه بصفة إبليس في الإسلام ويستغرب فيه من هذا الدين أن يقول عن الله إنه أمر الملائكة بالسجود لآدم، مع انه الدين الذي اشتهر بغاية التشدد في إنكار الشرك وتكفير كل ساجد لغير الله، ومرد الخطأ فيما بدر إلى الكاتب من التناقض بين التوحيد وبين السجود لآدم أنه فهم السجود بمعنى الصلاة دون غيرها من معاني الكلمة في اللغة العربية، وفاته أن الكلمة عرفت في اللغة العربية قبل أن يعرف العرب صلاة الإسلام، ولم يفهموا منها أنها كلمة، تنصرف إلى العبادة دون غيرها، لأنهم يقولون: سجدت عينه أي أغضت، وأسجد عينه أي غض منها، وسجدت النخلة أي مالت، وسجد أي غض رأسه بالتحية وسجد لعظيم أي وقره وخشع بين يديه، ولا تناقض على معنى من هذه المعاني بين السجود لآدم وتوحيد الله، وإنما السجود هنا هو التعظيم المستفاد من القصة كلها، وهو تعظيم الإنسان على غيره من المخلوقات، وبعضهم يرى أن الإسلام مناقض بطبيعته للعمل والسعي في سبيل الحياة لأنه يفهم من الإسلام أنه التواكل وتسليم الأمر إلى الله بغير حاجة إلى الحول والقوة لأنه لا حول ولا قوة إلاَّ بالله، وجهل هؤلاء بالفهم أكبر من جهلهم باللغة لأن الإسلام إلى الله وحده وتحريم الإسلام لغيره يأتي على المسلم أن يسلم للظلم أو يسلم للتحكم من الناس أو من صروف الحياة، وينهاه أن يستسلم للخيبة وللقسمة الجائرة، وأن يستسلم لكل قضاء لا يرضاه، ويعلم أن الله لا يرضاه، وبعضهم يرى أن الإسلام والسلم نقيضان لأنه يفهم من كلمة أسلم أنها التسليم في الحرب أو التسليم قبل الحرب خوفًا من القتال، فكل مسلم فهو خاضع للسيف هزيمة بعد الحرب أو خوفًا من الحرب قبل إشهارها عليه، وهؤلاء الذين يتحذلقون على اللغة العربية التي يجهلونها يفوتهم أن كلمة أسلم في ميدان الحرب هي نفسها مأخوذة من إعطاء اليد أو بسطها للمصافحة، وأن المقصود بهذه الكلمة في الدين أنها استقبال الله والاتجاه إليه، فمن أسلم وجهه لله فقد استقبل طريقه وأعطاه وجهه ولم يتحول عنه إلى غيره ... ) وهكذا نجد الأستاذ العقاد يعزو ما فهمه أعداء الإسلام على أنه تناقض فيه إلى خلل في أنفسهم راجع إلى سوء فهمهم للإسلام وللغة العربية يقول: (ويندر أن نقرأ في كلام ناقد من الأجانب عن اللغة العربية شيئًا من مآخذ التناقض في الإسلام إلاَّ بدا لك بعد قليل أنه مخطئ، وأن مرد الخطأ عنده إلى جهل الإسلام أو جهل اللغة العربية، وبعضهم يجهلها وهو من المستشرقين لأنه يستظهر ألفاظها ولا يتذوقها، ولا ينفذ إلى لبابها من وراء نصوص القواعد والتراكيب.. وأكثر ما اطلعنا عليه من النقائص المزعومة فهو من قبيل هذه الأخطاء في التفرقة بين الكلمات على معانيها المطلقة وبين هذه الألفاظ على معانيها التي قيدها الاصطلاح أو خصصتها لغة القرآن الكريم، وفيما عدا هذه النقائص وما إليها يروع الباحث في الإسلام ذلك التناسق بين عقائده وأحكامه وأخلاقه) (١) . وهذا الذي نبه إليه الأستاذ العقاد ذكرته مستشرقة إنجليزية واعترفت به على إخوانها من المستشرقين والمبشرين، وهذا أبلغ رد على هؤلاء الجاهلين الحاقدين تقول المستشرقة تشاريس وادي: (إن الغربيين لم يعرفوا الإسلام إلاَّ من الغربيين ولم يعرفوه من اهله، ولا من مصادره، فهم عرفوه من أعدائه، ولو أن هؤلاء حذقوا اللغة العربية وتذوقوا بلاغة القرآن لأدركوا إعجازه وأنه تنزيل من حكيم حميد) (٢) . وبهذا بطلت دعوى هؤلاء الأعداء بتناقض آيات القرآن وألفاظه أو معانيه، وبقي القرآن، وسيبقى إلى قيام الساعة في قمة العظمة من البلاغة والفصاحة والاتساق والانسجام محفوظًا بعناية الله لا تنقضي عجائبه، ولا يخلق عن كثرة الرد وكيف لا وهو تنزيل الحكيم الحميد .

стр. 11737

سادسًا ـ ادعاؤهم أن في القرآن أخطاء كثيرة وأنه يعارض مع العلم: عرفنا من قبل أن أعداء الإسلام اتهموا القرآن الكريم بالوقوع في أخطاء كثيرة، بعضها تاريخي، وبعضها لغوي، وبعضها تشريعي، وبعضها علمي، وسقنا هناك أمثلة مما قالوه، ونحن هنا بعون الله تعالى وتوفيقه نبين بطلان هذه الاتهامات، وزيف الافتراءات وردها على أصحابها الحاقدين الجاهلين، وإليك البيان: (أ) ما زعمه (فردريك بلس) أن القرآن الكريم لم يفرق بين مريم والدة عيس ﵇ وبين مريم ابنة عمران أخت موسى وهارون، ويشير بذلك إلى قوله تعالى في قصة أم عيس: ما زعمه (فردريك بلس) أن القرآن الكريم لم يفرق بين مريم والدة عيس ﵇ وبين مريم ابنة عمران أخت موسى وهارون، ويشير بذلك إلى قوله تعالى في قصة أم عيس: ﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ (١) . يقول بلس: (فكيف تكون مريم أخت موسى التي عاشت قبل المسيح بألف وأربعمائة سنة وهي أم المسيح) (٢) .

стр. 11738

ونقول: إن بلس أساء فهم القرآن الكريم ولم يتذوقه لغته العربية شأنه في ذلك شأن كل إخوانه ممن سبقت الإشارة إلى جهلهم بالإسلام واللغة العربية في الفقرة السابقة، فلم يعرف بلس أن هذا الخطاب من باب الكناية في علم البلاغة، فليس المقصود أنها أخت هارون ﵇ في النسب والسن، وإنما أخته في الدين والخلق والعفة، فكما أن هارون ﵇ لا يقع منه الفحش فكذلك مريم ﵍ لا يقع منها ذلك، ومن ذلك قولنا وقول السابقين: يا أخا العرب، يا أخا اليهود، ونحو ذلك لمن يتخلق بأخلاقهم ولو لم يكن من بني جلدتهم، ولا يمت لهم بصلة، فليس المراد من: يا أخت هارون، أنها أخته من أبيه وأمه، وإنما هي أخته وشبيهته في التقوى والطهارة، والأمر كذلك فيما جاء عنها في سورة التحريم: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾ (١) . وهي ليست ابنته نسبًا إنما هي ابنته في الدين والتقوى ورعاية الله وبركته واصطفائه (٢) . وقد يكون عمران هذا ليس أبا موسى وهارون ولكنه عمران بن ماثال رجل من بني إسرائيل من ولد سليمان بن داود ﵉ (٣) . وسواء كان المراد هذا أو ذاك فمريم ليست ابنة أو اختا لأي منهما على الحقيقة، ولكن كما عرفنا على المجاز، قال ابن عطية: واختلف المفسرون في معنى قوله : ﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ﴾ . فقالت فرقة: كان لها أخ اسمه هارون لأن هذا الاسم كان كثيرًا في بني إسرائيل تبركًا باسم هارون أخى موسى ﵉. وروى عن المغيرة بن شعبة ((أن رسول الله ﷺ أرسله إلى نجران في أمر من الأمور، فقالوا: إن صاحبك يزعم أن مريم هي اخت هارون (٤) وبينهما في المدة ستمائة سنة، قال المغيرة: فلم أدر ما أقول، فلما قدمت على رسول الله ﷺ ذكرت ذلك له، فقال: ألم يعلموا أنهم كانوا يسمون باسم الأنبياء والصالحين)) (٥) . وفي هذا إشارة إلى أن الأخوة على الحقيقة وأن مريم كان لها أخ يسمى هارون تبركا باسم هارون أخي موسى ﵉. قال القاضي أبو محمد ﵀: فالمعنى أنه اسم وافق اسما، وقال السدي وغيره: بل نسبوها إلى هارون أخي موسى لأنها كانت من نسله، وهو كما تقول لرجل من قبيلة: يا أخا فلانة، ومنه قول النبي ﷺ : ((إن أخا صداء أذن، ومن أذَّن فهو يقيم)) (٦) . وقال كعب الأحبار بحضرة عائشة أم المؤمنين ﵂: ليست بأخت هارون أخي موسى، فقالت عائشة: كذبت، فقال لها يا أم المؤمنين: إن كان رسول الله ﷺ قال فهو أصدق وأخبر وإلاَّ فإني أجد بينهما من المدة ستمائة سنة، قال: فسكتت (٧) . وقال قتادة: كان في ذلك الزمن في بني إسرائيل رجل عابد منقطع إلى الله يسمى هارون فنسبوها إلى أخوته من حيث كانت على طريقته، قيل: إذ كانت موقوفة على خدمة البيع، أي يا هذه المرأة الصالحة، ما كنت أهلًا لما أتيت به، وقالت فرقة: بل كان في ذلك الزمن فاجر اسمه هارون فنسبوها إليه على جهة التعيير والتوبيخ، ذكره الطبري، ولم يسم قائله، والمعنى: ما كان أبوك ولا أمك أهلًا لهذه الفعلة فكيف جئت بها أنت؟ (٨) .

стр. 11739

إذن فنحن أما عدة أقوال بعضها يستخدم الأخوة على حقيقتها وهارون المذكور أخو مريم من النسب، والبعض يستخدمها على المجاز والكناية سواء كان هارون عبدًا صالحًا أو أخا موسى، ولم يقل أحد كما رأينا إنها تعني أخت هارون أخا موسى على الحقيقة حتى يجئ هؤلاء المغفلون ويستنكرون ذلك على القرآن ويعتبرونه خطأً فاحشًا فالاستنكار عليهم ولا خطأ من فهمهم أو من حقدهم لأن أحد الأقوال إن مريم أم عيسى هي أخت هارون وموسى عليهم جميعًا السلام لأن بينهم كما قال ستمائة عام أو كثر. ولذلك تراجع كثير من مرددي هذه الدعوى القديمة عن ذكرها، ولكن بعض المعاصرين يحييها وذلك دليل جهله وتخلفه. (ب) قول تيموثا قول تيموثاوس: جاء في القرآن في سورة الكهف في الحديث عن ذي القرنين قوله: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا﴾ (١) . وعلق المجلس الملي القبطي على ذلك بهذه الجملة: (الشمس تغيب في بئر) مستغربًا ومستنكرًا، ثم أكدوا ذلك بقول البيضاوي: (إن الإسكندر الأكبر رآها ورأي طينها وماءها وناسًا عرايا حولها) (٢) . والواقع أن هذا الإدعاء باطل كسابقه، راده ـ كغيره ـ إلى الجهل وسوء الفهم للغة العربية وألفاظها ودلالاتها وبلاغتها، فلم يقل أحد إن الشمس تغيب في بئر حقيقي كما فهموا وعبروا، وإنما التعبير تشبيه تمثيلي كأن الشمس عند الغروب على سطح المحيط، وعند اختلاط الصفرة والحمرة من أشعتها مع ماء المحيط تبدو لمن يراها من بعيد كأنها تسقط في عين حارة ملتهبة أو بئر متفجرة بالنيران، وكثيرًا ما رأينا الرسامين يعبرون في لوحاتهم عن هذا المنظر (منظر الغروب) كما عبر عنه القرآن الكريم، فالكلام ليس على الحقيقة ولكنه التشبيه والتمثيل، وحين رجعنا إلى التفسير وجدنا هذه المقولة من كلام كعب الأحبار الذي كان يهوديًا ثم أسلم، فبضاعتهم ردت إليهم، واستغرابهم واستنكارها يرجع إلى توارتهم.

стр. 11740

قال ابن عطية: قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وحفص عن عاصم ﴿فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ على وزن فعلة أي ذات حمأة، ويقرأ عاصم في رواية أبي بكر والباقون (في عين حامية) أي حارة، وقد اختلف في قراءة ذلك معاوية وابن عباس، فقال ابن عباس ﵄ (حمئة) وقال معاوية (حامية) فبعث إلى كعب الأحبار ليخبرهم بالأمر كيف هو في التوراة؟ فقال لهما: أما العربية فأنتما اعلم بها مني (١) . ولكني أجد في التوراة أنها تغرب في عين ثأط، والثأط الطين ... وذهب الطبري إلى الجمع بين الأمرين فقال: يحتمل أن تكون العين حارة ذات حمأة فكل قراءة وصف من أحوالها وذهب بعض البغداديين إلى أن في بمنزلة عند كأنها مسامتة من الأرض فيما يرى الرائي لعين حمئة) (٢) . وقال الدكتور عبد الجليل شلبي: (وما تقوله الآية هو أن هذا الرجل جال في الأرض حتى وقف على شاطئ بحر أو محيط فرأي الشمس عندما تصل في مرآه إلى الأفق تغيب في الماء وأن الماء الأزرق حيث تغيب الشمس تشوبه صفرة أو حمرة تجعله عكرًا، فهذه هي عين الماء الحمئة، ليست البئر) (٣) . فتبين من ذلك أن المقصود التشبيه والتمثيل وليس الحقيقة كما فهم رجال المجلس القبطي، وإذا فرض أنها على الحقيقة فهي من توراتهم كما روى عالمهم القديم كعب الأحبار.

стр. 11741

(ج) نسبوا إلى القرآن الكريم أخطاء تاريخية ـ في زعمهم ـ كحديثه عن هامان الذي ذكره القرآن وزير الفرعون مع أنه كان بينه وبين فرعون ألف سنة ولم يكن وزيرًا له بل كان وزيراٍ للملك أحشويروش ملك الفرس، كما جاء في سفر (استير) يشيرون بذلك إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ﴾ (١) . وقوله: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ﴾ (٢) . وللرد على هذا الزعم نقول: ١- لا مانع أن يكون هناك أكثر من شخص باسم هامان في قرون مختلفة. ٢- إن فرعون لقب ملك مصر في زمن موسى ﵇ وليس اسما لشخص، فلا مانع أن يكون قد استوزر هامان أكثر من فرعون أو ملك. ٣- أنهم اعتمدوا على سفر من أسفار التوراة، وقد علمنا ممن الفقرات السابقة أن القرآن أصدق منها لأنه محفوظ بعناية الله، وهي امتدت إليها أيدي التحريف فلا يحتج بالمحرف على الصحيح، بل العكس هو الصحيح، وقد أكد ذلك الدكتور عبد الجليل شلبي فقال: (جاء اسم هامان في أوراق بردية (٣) . أما هامان استير فشخصية خيالية والدارسون المحدثون يثبتون أن قصة استير كلها قصة موضوعة خيالية لا أصل لها ورجحوا أنها مقتبسة من أسطورة بابلية قديمة، ولكنها صورت إلى ما يناسب طبيعة اليهود من اعتمادهم على النساء في التجسس، ودفعهن إلى الملوك والقواد لاستمالة قلوبهم بجمالهن وإغرائهن بمفاتن أجسادهن ... ويرى الباحثون أن القصة وضعت نموذجًا لتحتذيه الإسرائيليات، أما أدلة كذبها فهي أنها لم تذكر في غير التوراة) (٤) . فليس هناك إذن خطأ تاريخي ولا غيره، إنما إفك وافتراء اخترعه أعداء القرآن ليلحقوا به أي نقص، وأنىَّ لهم ذلك؟

стр. 11742

(د) ونصبوا أنفسهم حكامًا على لغة القرآن ـ وهم الجاهلون بها وبأولياتها ـ فقالوا إن في القرآن أخطاء لغوية منها رفع إسم إن كقوله: ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ (١) . ونصب الفاعل في قوله: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ . (٢) ونصب المضاف إليه في قوله: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي﴾ (٣) إلى نحو ذلك من السخافات والجهالات، ولمزيد جهلهم سموها لغوية، وإنما هي كما يريدون نحوية، وهي تدل دلالة قاطعة على خيبتهم ورسوبهم في امتحان أوليات النحو العربي حيث لم يفهموا من المفعول به، ولم يعرفوا الفرق بين المنصرف وغير المنصرف كما لم يعرفوا إعراب المثنى، فإبراهيم في الآية الكريمة مفعول به لا فاعلا؛ لأن الله تعالى هو الذي ابتلاه، وضراء مضاف إليه ولكنها من الممنوع من الصرف لألف التأنيث الممدودة فتجر بالفتحة ولا تجر بالكسرة كما ظنوا، أما اسم الإشارة: هذان بعد إن ففيه قراءات عديدة بالرفع بالألف، وفي إن قراءات عديدة، والبعض يعمل إن والبعض يلغي عملها، والبعض بفسرها تفسيرات أخرى غير إن المؤكدة الناصبة. (٤) وهكذا ليس في الأمر خطأ نحوي كما زعموا ولكن بعض ما زعموه جهل، والبعض الآخر له تفسيرات أخرى ولكنها صحيحة ومعروفة في اللهجات العربية والنحو العربي وعند أهل الفن والاختصاص، وأين هؤلاء من أولئك؟

стр. 11743

(هـ) وأما ما زعموه من وجود أخطاء تشريعية في القرآن الكريم من مثل: عدم التسوية بين الرجل والمرأة في الميراث وغيره، وقطع يد السارق، وإباحة الطلاق وتعدد الزوجات، ونحو ذلك، فهو زعم باطل وضلال مبين، ومرده إلى أمرين: (١) أحدهما: أنهم لم يفهموا حكمة التشريع الإسلامي العظيم، والثاني: أنهم يفهمون، ولكنهم بحقدهم على الإسلام يروجون بهذه الأباطيل إلى العلمانية لهدم الإسلام والقضاء على أحكامه وتشريعه، ولا مانع من اجتماع الأمرين معًا فيهم فهم يجمعون كما رأينا بين الجهل والعلمانية. وبالرجوع إلى فلسفة التشريع الإسلامي العظيم يتبين جماله وعظمته فيما شرع وقرر وبيَّن من أحكام، فهو يسوي بين الذكر والأنثى في جميع الأمور ولا يستثني من ذلك إلاَّ أمور خاصة قليلة تتناسب مع خصائص ومسؤوليات كل نوع، فهو إنما ميز الرجل على المرأة في الميراث لأنه ألقى على الرجل مسؤوليات مالية كثيرة أعفي منها المرأة، ولو قارنا بين ما يبقي الرجل من الميراث بعد قيامه بمسؤولياته وبين ما أخذته المرأة من الميراث لوجدنا أن حظ المرأة أعظم، وهي التي كانت قبل الإسلام بلا ميراث، وما تزال في الغرب بلا نصيب.

стр. 11744

وأما قطع يد السارق فلحماية المجتمع من خطره وحمايته أيضًا من الهلاك، فقطع يد سارق واحد ـ زجرًا له وردعًا لغيره ـ يقي المجتمع مما آل إليه أمره الآن في ظل الغياب هذا الحد الشرعي إلى كثرة السارقين وتفشي خطرهم ونهب أموال المجتمع إلى معوقين. أي أنهم جميعًا سارقون. ولو أقيم حد الله مرة لكان السارق قد درع وأمن المجتمع كله من هذا البلاء، ونحن نعلم أن الإسلام لا يطبق هذا الحد إلاَّ بعد استيفاء الجوانب والأدلة التي لا تجعل للسارق عذرًا أو شبهة فيما فعل، وهذا من عظمة الإسلام. واما إباحة التعدد في الزوجات، فقد أحاطها الإسلام بسياج العدل والتقوى، وهو حينئذِ علاج لكثير من الأوضاع الاجتماعية غير الصحيحة، بدليل أن كثيرًا من الأوربيين والأوربيات قد امتدحوه، فأيهما أفضل: أن تكون المرأة زوجا أو خلية وعشيقة؟ وقد حرم الإسلام التعدد عند عدم العدل ليقي المرأة والمجتمع مما آل إليه أمره من الخيانات والأبناء غير الشرعيين. وكذلك كانت إباحة الطلاق بابًا لحل العقيدة الزوجية، وخروجًا من عشرة غير موفقة وشركة غير مستقرة تنتهي به المشاكل وتستأنف بعده حياة جديدة، أما أن يبقيا على خلاف ونكد في ظل تحريم الطلاق، فذلك يدفع ـ كما هو واقع الآن ـ إلى الإجرام والجنايات الزوجية، ولذلك بدأت الصيحات تعلو في البلاد التي تحرمه منادية بتحليله كما فعل الإسلام، ونحن نعلم أن الإسلام لم يحله إلاَّ لحاجة وبعد استفاد كل وسائل التفاهم والإصلاح (١) . فأين الأخطاء التشريعية في هذه الأسباب الحياتية الاجتماعية العظيمة؟

стр. 11745

(و) ونسبوا إلى القرآن أخطاء أخلاقية منها أن يبيح الكفر عند الإكراه عليه كقوله: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ﴾ (١) . وكذبوا في قولهم إن هذا الخطأ أخلاقي بل هو قمة الكرم والأخلاق والجمال الإسلامي، فالمكره لا حول له ولا قوة إزاء المكره القوي الظالم وهو بين أمرين كلاهما مر، إما أن يموت في سبيل إصراره على الإسلام، أو يقول كلمة الكفر عند الضرورة ليخرج من المأزق ثم يستأنف الجهاد، وكلمة الكفر في هذه الحال أنفع للإسلام والمسلمين من إزهاق روح بريئة مسلوبة الإرادة، وفرق بين هذا وبين التضحية بالروح في سبيل الإسلام والدعوة، فهذه تضحية يحث عليها الإسلام ويرغب فيها ويجعلها أعظم الأعمال حين تقوم على الإرادة الصادقة والنية المخلصة، بينما المكره لا حول له ولا إرادة، فماذا يستفيد الإسلام من موته مكرهًا في سبيل المبدأ؟ إن الإسلام يقدم مصلحة الشخص وحياته في هذا الموقف ويأذن له في كلمة الكفر حتى يصبح حر الإرادة فيموت بحريته أو يعيش مسلمًا بإرادته، وهذا موقف أخلاقي أسمى وأعظم من الموت على الإسلام تحت الإكراه والظلم، وإذا رجعنا إلى سبب نزول الآية وقفنا على الحق، قال القاضي أبو محمد ﵀: (كان عبد الله بن أبي السراج ومقبس بن صبابة وأشباهها ممن كان آمن برسول الله ﷺ ثم ارتد، فلما بين في هذه الآية – السابقة على آياتنا – أمر الكاذبين بأنهم الذين كفروا بعد الإيمان أخرج من هذه الصفة القوم المؤمنين المعذبين بمكة، وهم بلال وعمار وسمية أمة وخباب وصهيب وأشباههم، ولذلك أن كفار مكة كانوا في صدر الإسلام يؤذون من اسلم من هؤلاء الضعفه، ويعذبونهم ليرتدوا ـ فربما سامحهم بعضهم بما أرادوا من القول، وروى أن عمار بن ياسر فعل ذلك فإستثناء الله في هذه الآية، وبقيت الرخصه عامه في الأمر بعده، وروى أن عمار إشتد عليه ما قاله فكلم رسول الله ﷺ فقال له: ((كيف كان قلبك حين قلت الذي قلت؟ أكان منشرحا بالذي قلت أم لا؟)) قال، لا، قال: فأنزل الله ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ (٢) ولهذا أتضح لنا الأمر كان صعبا والإكراه كان شديدا فإذن الله لهم ولمن في مثل أحوالهم بذلك قولا وفعلا وهذه رحمة من الله وفضل. أما من ينشرح صدره لكلمة الكفر وبلا ضغط ولا إكراه، فهذا مغضوب عليه من الله وله عذاب عظيم.

стр. 11746

(ز) وإدعوا أن في القرآن أخطاء علميه لأنه يتعارض مع العلم، فمن ذلك قوله: ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ (١) ومعنى هذا أن الأرض ثابتة بينما أثبت العلم أن الأرض تدور حول نفسها مرة كل أربع وعشرين ساعة. وهذا إدعاء كاذب – كما نرى – فالقرآن الكريم لم يقل إن الأرض ثابته، وإنما قال: إن فيها رواسى وهى الجبال تقيها من الأضطراب حتى يستطيع البشر أن يقيموا عليها ويمارسوا كل أسباب الحياة من حل وترحال نوم وحركه وصناعه وزراعه، ولو كانت بلا رواسى لأضطربت وعجز الناس عن ألإستقرار عليها، ولا معنى حفظها من الأضطراب بالجبال والرواسى والأوتاد أن يكون غير متحركه، فنحن ننام في الطائره وهى مسرعه وفى لاقطار وهو يتحرك، وفى السفينه وهى تمخر عباب البحر، فإذا إضطرب واحد منها بخلاف سرعته المعتاده وحركته العاديه إستيقظنا وشعرنا بالدوار والتعب الخوف، وقد نطلب من السائق أن يعمل شيئا يسكنها لتثبت ولا يعنى تثبيتها أن تقف ولا تتحرك، بل أن ينقطع أضطرابها، وتستمر حركتها، وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الحركه في قوله تعالى: ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ (٢) و (كل) : كلمة تشمل الشمس وتوابعها من الأرض والقمر والكواكب الأخرى، فالقرآن إذن يقرر حركة كل الكواكب والنجوم (٣) ، وهو مع هذا يرسي حركتها ويمنعها من الاضطراب، بل إن القرآن الكريم كان أول من لفت مدارك العلماء لوظيفة الجبال من أنها أثقال لتثبيت الأرض في دورانها وحفظها من الإضطراب (٤) . فهل يقال بعد ذلك إنه يتعارض مع العلم؟ وكيف يقال ذلك وجميع ما تم التوصل إليه من حقائق العلم سبق القرآن الكريم إليه، وأخبر به، وما يزال فيه الكثير من الحقائق لم يصل إليها العلم بعد. يقول الدكتور دراز: (قول قاصر أن نقول إن القرآن دائرة معارف عصره، فلقد كانت لجميع العصور أوهامها التي أعتبرتها حقائق مقررة، ولم يثبت خطؤها إلا فيما بعد، ولكن القرآن في مسلكه بين محالات العلم لا يتأرجح أبدا، والحقائق التي يسوقها كانت وستظل لا تقهر) (٥)

стр. 11747

سابعا – ومن المطاعن الحديثه: قول دى بوي: (جاء القرآن للمسلمين بدين، ولم يجئهم بنظريات، وتلقوا فيه أحكاما ولكنهم لم يتلقوا فيه العقائد) (١) . وما قاله مرجليوت وطة حسين من التشكيك في الشعر الجاهلى لأنه لا يمثل البيئه الجاهليه وأن القرآن هو الذي يمثلها لبينتهوا من ذلك إلى أنه عمل إنسانى (٢) أما مقولة دى بوى فبطلانها ظاهر، فقد علمنا مما سبق بشمول الإسلام ولإتساقه في عقائده وعباداته وأخلاقه وتشريعاته وأحكامه، وتكاليفه بصورة لم يسبق إليها ولم يلحق بها، وقد إستطاع بما جاء به أن يخلق أمه ويبنى حضارة وينشر ثقافه في بضع سنوات، ونظرة منصفه إلى دستور الإسلام الحى القرآن الكريم والسنه النبوية ترينا وترى كل منصف ما في الإسلام من نظريات وقوانين ومبادئ وقواعد تحقق لكل من يأخذ بها اسباب السعاده والأمن في الدنيا والآخرة، كيف لا وهو تنزيل الحكيم الخبير، وتشريع الرحمن الرحيم، يقول الدكتور عبد الحليم محمود: (فى هذه الفترة من صدر الإسلام – فترة حياة الرسول ﷺ – كان القرآن وكان الرسول ﷺ في أحاديثه يلبيان حاجات الأمه إعتقاديه كانت أو تشريعيه أو خليقه، وكانت الأسئله تترى موحهة إلى الرسول ﷺ فيجيب عنها الوحى القرآنى تارة وتجيب عنها أحاديث الرسول ﷺ تاره أخرى، وأسئله المجتمع إذ ذاك لم تكن تنتهى إلى حد، وكانوا يسألون الرسول ﷺ في كل صغيرة وكبيرة فقد سألوه عن الروح، وسألوه عن القدر، وسألوه عن الأزل، وسألوه عن المصير، وسألوه عن الله، وعن الإيمان الإسلام والإحسان والساعه، وسألوه عن الخمر والميسر والمأكل والمشرب، والأهله والمحيض، وسألوه عن كل ما يجول في أذهانهم، وكان القرآن سجلا يصور الكثير من الأسئله ويعطى الإجابه عنها) (٣) .

стр. 11748

ثم يقول: (أظن أننا بعد هذا لسنا بحاجه إلى الرد على الأستاذ دى بوى، فلقد رأينا بوضوح أن القرآن جاء للمسلمين بدين وبنظريات، وبأحكام وبعقائد) ، ولا شك أن الأمام الرازى كان أصدق رأيا وأعمق غورا إذ يقول معبرا عن الحقيقة: (إن الآيات الوارده في الأحكام الشرعيه أقل من ستمائة آيه، وأما البواقى ففى بيان التوحيد والنبوة والرد على عبدة الأوثان وأصناف المشركين) ، ويقول: (وأما محمد علية الصلاة والسلام فإشتغاله بالدلائل على التوحيد والنبوة والمعاد أظهر من أن يحتاج فيه إلى التطويل، ولم يرفع الرسول ﷺ إلا وقد أكمل الله دينه، وأتم نعمته على المسلمين) ، ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (١) (لقد أكمل الله للمسلمين الإيمان فلا يحتاجون إلى زيادة أبداوقد أتمه فلا ينقصه أبدا وقد رضية فلا يسخطه أبدا) (٢) فدين هذا شأنه من الكمال والتمام ماذا ينقصه؟ لقد صحح العقائد التي أفسدتها الأمم السابقه، وقوم الشرائع التي إنحرفت عنها الأمم السابقه. وهدى الفطرة إلى أصلها الإلهى بعد أن أفسدتها القوانين والفلسفات الوضيعه، ووضع نظاما للعبادة ونظاما للمال، ونظاما للأسرة، ونظاما للعقوبات، ونظما للسياسة والإجتماع، والعلاقات الدولية والحرب والسلام وحتى نستطيع أن نقول بكل تأكيد وثقة، ولا تحتاج البشرية إلى شيء بقدر حاجتها إلى الإسلام، وإذا أخذت به فلن تحتاج إلى شيء آخر.

стр. 11749

ويقدم الدكتور دراز العديد من النظريات القرآنيا والقواعد والمبادئ التي جاء بها (١) فمن ذلك قوله (إن النفس الإنسانيه لا تتغذى بالحقائق النظريه وحدها فبجانب حاجة الإنسان إلى المعرفه والإعتقاد يحتاج في إلحاح إلى القاعدة العلمية القادرة على توجية نشاطه في كل لحظة من حياته، سواء في تصرفاته مع نفسه أو في عرقاته من غيره أو مع خالقه، ولقد قدم القرآن إلى هذه الحاجه النظام الوافى بأوسع وأدق طريقه ممكنه، وخط في كل فرع من فروع النشاط الإنسانى خطا واضحا يسلكه الإنسان في أمان واطمئنان) (٢) ويقول رحمة الله: (إذا كان القرآن بعيدا عن أي عامل خارجى قد اثر بصفة دائمه على عقول جد مختلفه فلا بد أن يكون ذلك راجعا إلى ما له من جاذبيه خاصه بتوافقه الكامل مع أسلوب الناس الفطرى في التفكير والسعور، وبإستجابته لما تتطلع إليه نفوسهم شؤونه العقيده والسلوك، وبوضعه الحلول الناجعه للمشكلات الكبرى التي تقلق بالهم، وبمعنى آخر أنه ينطوى على ما يشبع حاجتهم إلى الحق والخير والجمال، بما يجمع من صفات العمل الدينى والأخلاقى والأدبى في آن واحد) (٣) اما مرجليوت وطه حسين، فقد قدم الأول فرضه عن الشعر الجاهلى القائم على الشك فيه والقول بأنه منتحل لأنه لا يصور البيئة الجاهليه تصويرأ صحيحا. ثم جاء طه حسين في كتابة (فى الشعر الجاهلى) فكرر هذا الكلام ثم إنتقل إلى القرآن فذكر أنه اصدق من الشعر الجاهلى في تصوير البيئة، يريد من وراء ذلك أن يصل إلى أنه عمل إنسانى، ثم يشكك في قصة إبراهيم وإسماعيل كما ذكرهما القرآن. أما القضية الثانيه وهى القول بأن القرآن عمل إنسانى فقد بحثناها بإستفاضه في البند أولا من هذا الفصل، وأما القضية الأولى وهى التشكيك في الشعر الجاهلى فإنها تتناول القرآن الكريم بشكل أو بآخر، ومن هنا كانت خطورة هذا المنهج الدراسى الغربى للشعر الجاهلى على القرآن الكريم، وفى هذا يقول الشيخ محمود شاكر: (لقد نشر مرجليوت فرضه سنة ١٩٥٢ في إحدى المجلات الاستشراقيه، وفى خلال عام ١٩٢٦ نشر طه حسين كتابه المشهور (فى الشعر الجاهلى) ، وربما لم يكن فرض مرجليوت ليحتوى على شيء خاص غير عادى لو أنه حين نشر لم يصادف ذلك الترحيب الحار من المجلات المستعربه ومن بعض الرسالات التي تقدم بها دكاترة عرب محدثون حتى لقد كسب هذا الفرض قيمة (المقياس الثابت) في دراسة الدكتور صباغ عن (المجاز في القرآن) فقد رفض هذا الدكتور رفضا مقصودا مغرضا للإعتراف بالشعر الجاهلى كحقيقة موضوعيه في تاريخ الأدب العربى، فالمشكلة بوضعها الراهن إذن تتجاوز نطاق الأدب والتاريخ وتهم مباشرة منهج التفسير القديم كله، ذلك المنهج القائم على المقارنة الأسلوبيه معتمدا على الشعر الجاهلى كحقيقة لا تقبل الجدل) (٤)

стр. 11750

إذن فنظرية مرجليوت التي شككت في الشعر الجاهلى وجعلت بعض الدارسين ينكرونه على إعتبار أنه منتحل لأختلاف رواياته، ولأنه لا يمثل البيئة الجاهلية، ولأن فيه تقاربا مع الصور الدينيه التي جاءت في القرآن، ثم منهج الشك الديكارتى الذي أعتمده طه حسين مضافا إلى فروض مرجليوت في الشعر الجاهلى كان لهما تأثير على الثقة في القرآن الكريم الذي كان كثيرا ما تقارن فصاحته وبلاغته ولغته بهذا الشعر، وبذلك يصبح القرآن الكريم أيضا مجالا للشك، ومن هنا وجدنا طه حسين ينكر قصة إبراهيم وإسماعيل الوارده في القرآن الكريم ولا يعتبر ورودها فيه كافيا لأثباتها، ومن هنا قامت الدنيا وقعدت إبان ظهور هذه النظرية الخطيرة، وبدأ البحث الفعلى الجاد عن جوانب أخرى في إعجاز القرآن الكريم غير اللغه والبلاغه (اللفظ) الذين سادا في الشعر الجاهلى والأدب العربى عموما. وقد ناقشنا قضية الإعجاز القرآنى برمتها في البند ثالثا وبينا أن إعجازه متعدد لا يقتصر على اللفظ أو الأسلوب أو اللغة أو البلاغة أو المعنى والمحتوى أو النظم والتركيب أو الموضوعات والأخبار أو ما مضى وما سيأتى ... إلخ، وبينا أن ذلك الإعجاز الشامل مستمر إلى يوم القيامه بصرف النظر عن ثبوت الشعر الجاهلى أو الشك فيه.

стр. 11751

وبهذا تبطل نظريه مرجليوت وطه حسين في القرآن الكريم الذي لم يتأثر إعجازه بالشعر الجاهلى ولا غيره. ولقد عبر (لا متز) في كتابه (مهد الإسلام قبيل الهجرة) عن أسفة لأن هذا الكتاب لم يقدم معلومات أو تفاصيل توصف بها بلاده من حيث العلوم المناخيه والجوية، بينما يطيل تأملاته أمام النجوم والجبال والسحاب والمظاهر العاديه الأخرى التي يصفها بالعجائب، ورد عليه الدكتور دراز رحمة الله فجعل هذا المأزق حسنة من حسنات القرآن ودليلا من أدلة إعجازة وعظمته وبرهانا على أنه من عند الله وليس إنتاجا محليا أو صورة للبيئة كما أدعى مرجليوت وطه حسين، فقال: (وهنا يكمن في رأينا الدليل على أن القرآن ليس إنتاجا محليا لأن الحقائق التي يقدمها هي من النوع الذي يسهل على جميع العقول إدراكه وإستخلاص العقائد الأخلاقيه منه، ولهذا نرى مكانه سامقا فوق كل الإعتبارات الجغرافيه والعنصريه عنها، ولا يركز إلا على العبر والدروس التي تفيد في تربية الإنسان، إن هذا المنهج الكامل والمتكامل الذي ينفرد به القرآن وحده هو ذاته برهان وأى برهان) (١) . وبعد: فهذا هو القرآن الكريم كتاب الله ووحية الذي قال فيه وقوله الحق: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آَيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ (٢) ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٣) ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ (٤) ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا (٩) وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ (٥) ﴿كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (٦) ﴿الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾ (٧) ﴿الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ (٨) ﴿وَالْقُرْآَنِ الْمَجِيدِ﴾ (٩) ﴿وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ﴾ (١٠) ﴿مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (١١) ﴿هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ (١٢) ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (١٣) ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١) قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (٢) مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا (٣) وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾ (١٤) ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ (١٥) وصلى الله على سيدنا محمد الهادى ﴿إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾ (١٦) والحمد لله رب العالمين أولا وأخرا. الدكتور محمد نبيل غنايم

стр. 11752

المراجع ١- القرآن الكريم. ٢- أجنحة المكر الثلاثه. عبد الرحمن حنبكه، دار القلم، بيروت. ٣- الإسلام في مواجهة الاستشراق. د. عبد العظيم المطعنى. دار الوفاء. المنصورة. ٤- الباكورة الشهية في الروايات الدينية. مجموعة من المستشرقين. ٥- التبشير والإستعمار. د. مصطفى خالدى د, عمر فروخ، المكتبه العصريه، بيروت. ٦- التشريع الجنائى الإسلامى. أ. عبد القادر عودة، دار الثرات، القاهرة. ٧- تفسير إبن عطية (المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز) غبن عطية. إدارة إحياء التراث، قطر. ٨- تفسير إبن كثير (تفسير القرآن العظيم) إبن كثير، دار إحياء التراث العربى، بيروت. ٩- حقائق الإسلام وأباطيل خصومه. عباس العقاد. المكتبه العصريه، بيروت. ١٠-خاتم النبين. محمد أبو زهرة. إدارة إحياء التراث. قطر. ١١-دراسات في الثقافه الإسلامية. د. محمد نبيل غنايم وآخرون، مكتبه الفلاح. الكويت. ١٢-رد مفتريات على الإسلام. د. عبد الجليل شلبى. دار القلم، الكويت. ١٣-سنن ابن ماجه بتحقيق الألبانى. ابن ماجه. المكتب الإسلامى، بيروت. ١٤-شرح العقيدة الطحاوية، لأبن أبي العز الحنفى، المكتب الإسلامى، بيروت. ١٥-الصحاح في اللغة والعلوم، نديم وأسامه مرعشلى. دار الحضارى العربيه، بيروت. ١٦- صحيح مسلم بشرح النووى، النووى، المطبعه المصرية، القاهرة. ١٧-الظاهرة القرآنيه. مالك بن نبى، الأتحاد الإسلامي العالمى. ١٨-عون البارى لحل أدلة صحيح البخاري، صديق خان. إدارة إحياء التراث، قطر. ١٩- الفكر الإسلامي الحديث. د. محمد البهي. مكتبة وهبة. القاهرة. ٢٠- في التشريع الإسلامى. د. محمد نبيل غنايم. دار الهدايه. القاهرة. ٢١-القرآن والمبشرون. محمد دروزة، المكتب الإسلامى، بيروت. ٢٢-القرآن والنبى. د. عبد الحليم محمود / دار المعارف، القاهرة. ٢٣-كتاب دول الإسلام. الذهبى. إدارة إحياء التراث الإسلامى، قطر. ٢٤-لباب النقول في أسباب النزول. السيوطى. هامش المصحف الشريف. دار الشروق. ٢٥-الإتقان في علوم القرآن، السيوطى. مصطفى الحلبى، القاهرة. ٢٦-مدخل إلى القرآن الكريم. د. محمد عبد الله دراز. دار القلم، الكويت. ٢٧-مقدمه الظاهرة القرآنيه. محمود شاكر، الإتحاد الإسلامي العالمى. ٢٨-النبأ العظيم. د. محمد عبد الله دراز. دار القلم، الكويت. ٢٩- الجامع لأخلاق الراوى وآداب السامع. الخطيب البغدادى، تحقيق. د. محمد رأفت سعيد. مكتبة الفلاح، الكويت.

стр. 11753

الغزو الفكرى فى التصور الإسلامى إعداد الدكتور أحمد عبد الرحيم السايح بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مصطلح الغزو الفكرى: بداية نقف عند مصطلح (الغزو الفكرى) الذي يتردد في هذا العصر كثيرًا على ألسنة الباحثين والكاتبين والمتحدثين. وإن وقفة إستقرائية تكشف في وضوح أن هذا المصطلح لم يسمع به قبل القرن الرابع عشر الهجرى (القرن العشرين الميلادى) . ولكن ليس معنى عدم وجود المصطلح أو عدم استخدام المصطلح قبل القرن الرابع عشر الهجرى أن معنى الغزو الفكرى ومفهومه وموضوعه لم يكن موجودًا، لأن المستقرئ لأحوال الأمم والشعوب يجد أن مفهوم (الغزو الفكرى) كان موجودًا في القديم، وفى الحديث.. وكلمة: (الغزو) في اللغة العربية، تعطى معنى: القصد والطلب والسير إلى قتال الأعداء في ديارهم وانتهابهم وقهرهم والتغلب عليهم. ومصطلح (الغزو الفكرى) قصد به: إغارة الأعداء على أمة من الأمم بأسلحة معينة وأساليب مختلفة لتدمير قواها الداخلية وعزائمها ومقوماتها. وإنتهاب كل ما تملك (١) . والفرق بين (الغزو الفكرى) ، (والغزو العسكرى) : أن الغزو العسكرى يأتى للقهر، وتحقيق أهداف استعمارية، دون رغبة الشعوب المستعمرة, أما الغزو الفكرى فهو لتصفية العقول والأفهام لتكون تابعه للغازى (٢) . وقد يكون الغزو الفكرى أشد وأقسى لأن الأمة المهزومة فكريًّا تسير إلى غازيها عن طواعية، وإلى جزارها عن رضا وإقتناع وحب، لا تحاول التمرد أو الخلاص. وبهذا يظهر ما بين المصطلح واللغة من صلة، حيث إن كلمة الغزو، استعلمت في معناها، وهى الإغارة على أمة من الأمم للاعتداء عليها وانتهابها، ولكن عن طريق الفكر، وتدمير القوى المفكرة فيها، وهذا ما لفتت إليه كلمته: (الفكر) ، التي يطابق معناها في العربية معناها في المصطلح (٣) . ويمكن أن يقال: إن المصطلح استعار كلمة (الغزو) للفكر، لما بينها وبين الغزو في الحرب من علاقة في نهب الشعوب وتدميرها والسيطرة عليها. ويمكن أن يقال: إن مصطلح (الغزو) مجاز على التشبيه بالحرب الفعلية في التدمير والتخريب والانتهاب والسيطرة على الشعوب ... لهذا شاع استعمال هذا المصطلح وأضرابه من المصطلحات التي تدل على هذا المعنى وتسير في فلكه (٤) ومما يسترعى الانتباه أن بعض العلماء والباحثين ينكرون ويستنكرون وجود (الغزو الفكرى) . معتبرين الحديث عنه مجرد (وهم) من الأوهام. وهؤلاء العلماء إنما ينطلقون من تصورهم لعالم اليوم، باعتباره – رغم الحدود الدولية السياسية، والحواجز الجغرافية – وبسبب من التقدم الهائل في ثمرات (ثورة الاتصال) ينطلقون من تصورهم لعالم اليوم باعتباره (وطنًا واحدًا) ، لحضارة واحدة، يسمونها: (حضارة العصر) أو (الحضارة العالمية) أو (الحضارة الإنسانية) ويتصورون الأمم والشعوب والقوميات مجرد درجات ومستويات في البناء الواحد لهذه الحضارة الواحدة. ومن ثم فليس في هذا التصور حدود – لها حرمة الحدود – تميز (أوطانا) متعددة، لحضارات متميزة ... ولهذا فإن عبور الفكر – كل الفكر – للحدود – كل الحدود – ليس فيه عندهم شبهة (غزو) ولا أثر (عدوان) (٥) وهذا التصور يُروَّجُ له بشتى الأساليب، فثمت دعوة إلى (فكر عالمى) وهناك دعوة إلى أن الحضارة الحديثة (حضارة عالمية) وهناك دعوة إلى (ثقافة عالمية) .

стр. 11754

وهناك حركة (البهائية) التي نشأت سنة ١٢٦٠هـ - ١٨٤٤م تحت رعاية الاستعمار الروسى، واليهودية العالمية، والاستعمار الإنجليزى، تزعم أنها جاءت بدين عالمى جمع البوذية، والبرهمية، الزرادشتية، المانوية، المزذكية، الفرق الباطنية، اليهودية، والنصرانية، والدهرية، وهذه الدعوة تجد رواجًا (١) . وهناك علماء ومفكرون، ينكرون أن يكون عالم اليوم، وطنًا حضاريًّا واحدًا لحضارة عالمية واحدة ... وهؤلاء العلماء يدعون إلى ضرورة احترام (الحدود الحضارية) .. لأن العالم في تصورهم: هو أقرب ما يكون إلى (منتدى عالمى لحضارات متميزة) تشترك أممها في عضوية هذا المنتدى، ومن ثم فإن بينها ما هو (مشترك حضارى عام) .... وأيضًا، فإن هذه الأمم تتمايز حضاريًّا.. الأمر الذي ينفى الوحدة الحضارية، ويستدعى الحفاظ على (الهويات) الحضارية المتميزة.. لا لمجرد الحفاظ عليها – رغم أهميته ـ إنما لأسباب وطنية، وقومية، وعقدية، تلعب دورها في إنهاض أمم كثيرة من كبوتها وتراجعها لما لهذه الخصوصيات من قدرات على شحن شعوب هذه الأمم بالكبرياء المشروع والطاقات المحركة في معركة الإبداع.. ولما للتعددية من دور في إثراء مصادر (العطاء العالمى) . (٢) . وهؤلاء العلماء الذين ينكرون أن يكون عالم اليوم وطنًا حضاريًّا واحدًا لحضارة عالمية واحدة، يذهبون إلى أن التعددية الحضارية تكشف وتعرى روح الهيمنة والعدوان والإستعلاء التي تخفيها الحضارة المتغلبة على عالمنا المعاصر. وهى الحضارة الغربية، تحت ستار: (وحدانيتها.. وعالميتها.. وإنسانيتها) كما أن هذه التعددية تقوم بدور فعال، في إذكاء روح المقاومة، عند الأمم المستضعفة حضاريًّا، ضد السمات والقسمات التي مثلت وتمثل (مأزق الحضارة الغربية) الذي يمسك اليوم بخناق إنسانها، وذلك حتى لا تعم مأساته كل بنى الإنسان؟ (٣)

стр. 11755

وهؤلاء العلماء يعترفون بوجود: (الغزو الفكرى) ، وينبهون على مخاطره التي تعددت، وتكاد تحيط بالمجتمعات الإسلامية. وهؤلاء العلماء: يرفضون دعوى (الوطن الحضارى الواحد لعالمنا المعاصر) ودعوى (الحضارة العالمية الواحدة) لهذا الوطن الواحد، ويقدمون بديلًا لها دعوى أن عالمنا هو أقرب ما يكون إلى (منتدى عالمى لحضارات متميزة) وأن الأمم المستضعفة حضاريًّا، لابد لها من النضال الحضارى، ضد نزعة التفرد والهيمنة، التي تمارسها الحضارة الغربية المتغلبة – بالاستعمار القديم والجديد – على غيرها من الحضارات.. فالتعددية لا الواحدية هي الحقيقة الممثلة للواقع الحضارى، في الواقع الذي نعيش عليه, ومن ثم فإن هناك حالات لتعدى (الحدود الحضارية) تمثل (غزوًا فكريًّا) لا شك فيه. (١) وهذا التصور يؤيده واقع حياة الشعوب، فالذين يعايشون حياة الشعوب، والأمم ذات الحضارة الغنية والتاريخ القديم، والتراث العريق،.. أو يغوصون في تراث هذه الأمم وفلسفتهاو مذاهبها، وتقاليدها وأعرافها.. يدركون أن عالمنا به – حقًّا – أمم متعددة، تتميز كل منها بشخصيتها القومية والحضارية المتميزة. وإننا إذا نظرنا في مذاهب هذه الأمم وأعرافها، وفى معايير الحلال والحرام والمشروع والممنوع لدى أبنائها، وفى موازين الأذواق، والحاسة الجمالية، وفى تصوارتها لمكان الإنسان من الكون، وتصوراتها لمصيره بعد الموت، وتصوراتها الفلسفية لهذا الكون، وما وراء المادة والطبيعة.. إذ نحن نظرنا إلى مذاهب هذه الأمم، في هذه القضايا الأمهات أدركنا السمات التي تمايز بينها – جنبًا إلى جنب – مع سمات تشترك فيها، فتجمع بينها. (٢) ولا يخفى أن الباحث الذي يسبر أغوار المواريث الفكرية لهذه الأمم، ويتتبع خيوط هذا التمايز الحضارى يجد أنها تضرب بجذورها في أعمق أعماق التاريخ.. حيث كان البابليون والآشوريون الفينيقيون والمصريون وغيرهم ممن أسهموا في الفكر الإنسانى، وكان لهم تمايز حضارى (٣)

стр. 11756

ولعل نظرة فاحصة إلى أمم مثل: الصين.. والهند.. واليابان ستفضى بالباحث إلى الاجتماع على حقيقة تميز الشخصيات القومية، والمواريث الحضارية، وطرائق العيش، والفلسفة، والحياة، وفى النظرة للكون وتصوره، لدى شعوب وأمم هذه الحضارات.. وكذلك الحال إذا نحن تأملنا الحضارة الغربية منذ اليونان وحتى نهضتها الحديثة.. والحضارة الإسلامية منذ تبلورها كثمرة لاندماج المواريث القديمة للشعوب التي دخلت الإسلام بعد الإحياء لهذه المواريث كثمرة لاندماج هذه المواريث في الفكر الإسلامي، الذي استصفاها وطورها وفقًا لمعاييره (١) حيث لم يكن المسلمون مجرد نقلة، ولكن إضافاتهم للأصول التي نقلوا عنها تشهد بأنهم زادوا وابتكروا، لأنهم كانوا ينظرون بعين إلى الثقافة اليونانية، وبالعين الأخرى إلى التعاليم الإسلامية. (٢) على أن الذي ينبغى أن نقف عنده: (أن التصور الذي يرى أن العالم وطنًا واحدًا لا غزو لفكر فيه تصور يقوم على انتصار الحضارة الغربية المتغلبة التي تعمل على مسخ الحضارات العريقة) . إذن: لابد من التصور الذي يقوم على أن الفكر إذا نظرنا إليه على المستوى العالمى الإنسانى، وجدنا في هذا الفكر: (ما هو مشترك إنسانى عام) لا يختص بحضارة بذاتها، وفى هذا الفكر أيضًا ما يتميز بالخصوصية والاختصاص. والتمييز في الفكر بين ما هو مشترك إنسانى وبين ما هو خصوصية حضارية إنما تحكمه وتحدده معايير موضوعية.

стр. 11757

فكل العلوم التي موضوعها الطبيعة وظواهرها , والمادة وخصائصها، هي من قبيل الفكر، الذي هو مشترك إنسانى عام، وذلك لأن منهاجها تتميز بالحياد العلمى، لأن التجربة الملموسة بالحواس المادية هي السبيل لاكتشاف حقائق هذه العلوم، تلك الحقائق التي هي بنت الدليل، والتى لا تختلف باختلاف مذاهب وعقائد وأجناس وفلسفات المكتشفين، ومن ثم فهى لا تتغاير بتغاير القوميات والحضارات، بل هي واحدة على المستوى الإنسانى، كما أن موضوعاتها – المادة وظواهرها – واحدة هي الأخرى، لا تختلف ولا تتغاير باختلاف وتغاير الحضارات، فعلوم مثل الرياضيات بفروعها، ومثل الكيمياء، والطبيعة، والطب، والجيولوجيا ولم لن تختلف مناهجها وحقائقها وقوانينها باختلاف الحضارات قد تتمايز وظائف استخدام قوانينها ونظرياتها ومكتشفاتها, لكن حقائق علومها أي (فكرها العلمى) سيظل واحدًا مهما اختلفت المذاهب والعقائد والحضارات. (١) والعقل البشرى استطاع بما اكتسب من خبرة ودربة ومرانة أن يصنف هذه العلوم, وأن يحكم ما بينها من وشائج، وأن يستفيد بما بينها من صلات وروابط. والنتائج العلمية متصل بعضها ببعض، ويعتمد بعضها على بعض، ولهذا كانت الحضارات الإنسانية ملكًا لأمة بعينها، ولا هي وقف على جماعة من الناس؛ لأنها صرح هائل، قد اسهمت فيه كل أمة بنصيب (٢) ويلحق بهذه المنظومة من حقائق العلوم الطبيعية الخاصة بدراسة المادة وظواهرها وأسرارها على نحو ما وإلى حد كبير العديد من ثمرات التجارب الإنسانية في الوسائل والنظم والمؤسسات والخبرات التي ترشد أداء الإنسان وهو يسعى إلى تحقيق المقاصد والغايات.. فعلى الرغم من تمايز المقاصد والغايات والمثل، فإن تجارب الإنسانية في الوسائل، والنظم، والمؤسسات قد تكون صالحة في أحيان كثيرة للاقتباس – مع التطويع – وللتمثيل، والاستلهام. هذا عن العلوم الطبيعية والتجارب المادية التي تمثل حقائقها وخبراتها فكرًا عالميًّا هو صميم (المشترك الإنسانى) أما الشق الآخر من الفكر، الذي يدخل في صميم الخصوصية الحضارية، التي تتمايز بتمايز الحضارات فهو ذلك الذي ينطلق من العقائد، والمذاهب، والفلسفات. فكما تميزت علوم (المادة) الثابتة بالعالمية، فغذت حقائقها، وقوانينها (مشتركًا إنسانيًّا عامًا) تميزت، وتتميز علوم العقائد والمذاهب والفلسفات بالخصوصية الحضارية، التي تجعلها وثيقة الصلة بطبائع الأمم ومعتقدات الشعوب، وطرائقها في الحياة (٣)

стр. 11758

الغزو الفكرى لقد وضح لنا: أن هناك (غزوًا فكريًّا) مقصودًا، يعمل لإذابة الشعوب، وانسلاخها عن عقائدها ومذاهبها وحضاراتها، لتصبح مسخًا شائهًا تابعًا لغيره، يؤمر فيطيع.. ولقد عمل هذا الغزو على تضليل المجتمعات الإنسانية، وخداعها والتمويه عليها وقلب الحقائق وتشويه الحقيقة عن طريق تصنيع الكلمة , وزخرفه القول، والدخول إلى المخاطب. من نقطة الضعف، والاستغفال لإغرائه والإيقاع به، الإيحاء إليه، بسلامة الفكرة، وصحة المفهوم المزيف، الذي تحمله كلمات الغزو. ولكم تهاوت أمم وشعوب وأجيال، وتساقطت في هاوية الضلال والانحراف والفساد الخلقى والعقدى والاجتماعى بسبب تصورات (الغزو) المزخرفة الخادعة، التي يرقص السذج والجهال على نغم إيقاعها، ويفتنون بسماعها وأناقة ظاهرها. ولكم عانى الإنسان والشعوب من أولئك الذين يصنعون (الغزو الفكرى) ويصدرونه في موجات، تقتحم الديار والبيوت، لقد قِيدت الإنسانية إلى هاوية الضلال والانحراف، ولقد كان (للغزو الفكرى) في كل جيل، وفى كل عصر دوره التخريبى في حياة الناس، إلا أن البشريه لم تشهد في مرحلة من مراحل حياتها وضعا كان فيه (للغزو الفكرى) خبراء، ومتفلسفون، وأجهزة، ومؤسسات، كعصرنا الحاضر هذا، الذي اتخذ فيه (الغزو الفكرى) صبغة الفلسفة والنظرية والمبدأ الذي يعتنقه الأتباع، ويدافعون عنه، وينقادون له. وقضية الغزو الفكرى أصبحت اليوم من أشد القضايا خطرًا، تبدو ظواهر هذ الغزو المدمر في قلوب وعقول كثير من المثقفين في هذا العصر. واضحة بينة، والسلاح الذي يستعمله (الغزو الفكرى) مدمر قتّال، يؤثر في الأمم والمجتمعات أكثر مما يؤثر المدفع والصاروخ والطائرة، وقد ينزل إلى الميدان ويعظم خطره حين تخفق وسائل الحديد والنار في تحقيق الهدف والوصول إلى الغاية، والخطر الذي يحتجنه هذا الغزو أكثر بكثير من قتل الإفراد، بل من قتل جيل بأسره، إذ يتعدى ذلك قتل أجيال متعاقبة. والسلاح الذي يستعمله هذا الغزو هو سلاح الحيله والشبهات وتحريف الكلم، الخديعة في العرض (١)

стр. 11759

ومما لا ينكر أنه لم يواجه دين من الأديان ولا عيقدة من العقائد مثل ما واجه الإسلام من تحديات , فقد واجه الإسلام منذ فجر تاريخه تحديات عنيدة من مخالفيه، فقد واجه المشركين في مكة، واليهود في المدينة، ثم لما فتحت الأمصار وانتشر الإسلام فيها واجهت الثقافة الإسلامية أفكارًا شعوبية إلحادية وفلسفات وثنية كالفلسفات الفارسية، واليونانية والهندية، وغيرها, ولكن الإسلام ثبت أمام هذه التحديات وانتصر عليها , فقد كان المجتمع الإسلامي آنذاك يعى الإسلام وعيًا كاملًا. ويدرك أخطار الأفكار والاتجاهات التي كان يطرحها الفلاسفة والزنادقة, وما تحمله من شبهات، وهى في جملتها تعمل على نقل الفكر من مجال أصالة الفطرة ومنطق العقل الصحيح وطريق التوحيد وطابع الإيمان إلى مجال الإلحاد والإباحية. غير أن المجتمع تصدى لهم، وأخذ يكشف زيفهم، ويبين ما أنطوت عليه قلوبهم من كيد، ولم تستطع أن تنال من الإسلام عبر العصور، على أن أخطر هذه التحديات هي تلك التي تواجهها المجتمعات الإسلامية اليوم، وهى تحديات تتمثل بالمواجهة السافرة حينًا، والمستترة أحيانًا، هذا التحدى الذي يتمثل حاليًا بالغزو الفكرى الغربى (١)

стр. 11760

أسباب الغزو الفكرى أولا – العداء الصليبى للإسلام والمسلمين: والباحثون يدركون أن أوروبا اكتشفت الفكر الإسلامى في مرحلتين من مراحل تاريخها، فكانت مرحلة القرون الوسطى، قبل وبعد (توماس الإكوينى) (١) تريد اكتشاف هذا الفكر، وترجمته.. من أجل ذلك إثراء ثقافتها. بالطريقه التي أتاحت لها فعلًا تلك الخطوات، التي هدتها إلى حركة النهضة منذ أواخر القرن الخامس عشر الميلادى، وفى المرحلة العصرية والاستعمارية فإنها تكتشف الفكر الإسلامي مرة أخرى، لا من أجل تعديل ثقافى، بل من أجل تعديل سياسى، لوضع خططها السياسية مطابقة لما تقضيه الأوضاع في البلاد الإسلامية من ناحية أخرى، ولتيسير هذه الأوضاع طبق ما تقتضيه السياسات في البلاد الإسلامية (٢) . ويذكر المؤرخون أن الجيوش الأوروبية الصليبة لما هاجمت بلاد الإسلام كانت مدفوعه إلى ذلك بدافعين: الدافع الأول: دافع الدين والعصبية العمياء التي أثارها رجال الكنيسة في شعوب أوروبا مفترين على المسلمين أبشع الافتراءات، محرضين النصارى أشد تحريض على تخليص مهد المسيح من أيدى الكفار – أي المسلمين – فكانت جمهرة المقاتلين من جيوش الصليبين من هؤلاء الذين أخرجتهم العصبية الدينية من ديارهم عن حسن نية وقوة عقيدة إلى حيث يلاقون الموت والقتل والتشريد، حملة بعد حملة، وجيشًا بعد جيش. والدافع الثانى: دافع سياسى استعمارى، فلقد سمع ملوك أوروبا بما تتمتع به بلاد المسلمين من حضارة وثروات فجاءوا يقودون جيوشهم باسم المسيح، وما في نقوسهم إلا الرغبة في الاستعمار والفتح، وشاء الله أن ترتد الحملات كلها مدحورة مهزومة (٣) ويكاد يكون معروفًا أن أوروبا شنت حملات صليبية على الشرق الإسلامى، وقد بدأت الحروب الصليبية منذ منتصف القرن الحادى عشر، واستمرت حتى نهاية القرن الثالث عشر أي ما يقرب من مائتى وخمسة وعشرين عامًا في ثمانى حملات من الحملات المدججة بالعدد والمعدات، ويصف كاهن مدينة (لوبوى ريموند واجيل) سلوك الصليبين حينما دخلوا على القدس، فيقول: (حدث ما هو عجيب بين العرب عندما استولى قومنا على أسوار القدس وبروجها، فقطعت رؤوس بعضهم فكان أقل ما أصابهم , وبقرت بطون بعضهم، فكانوا يضطرون إلى القذف بأنفسهم من أعلى الأسوار، وحرق بعضهم في النار، فكان ذلك بعد عذاب طويل، وكان لا يرى في شوارع القدس وميادينها سوى أكداس من رؤوس العرب وأيديهم وأرجلهم، فلا يمر المرء إلا على جثث قتلاهم، ولكن كل هذا لم يكن سوى بعض ما نالوه) (٤) وروى الكاهن نفسه خبر ذبح عشرة الآف مسلم في مسجد عمر – رضى الله عنه – يقول في هذا: (لقد أفرط قومنا في سفك الدماء في هيكل سليمان، فكانت جثث قتلى تعوم في الساحة هنا وهناك، وكانت الأيدى والأذرع المبتورة تسبح وكأنها تريد أن تتصل بجثث غريبة عنها. فإذا ما اتصلت زراع بجسم لم يعرف أصلها، وكان الجنود الذين أحدثوا تلك الملحمة لا يطيقون رائحة البخار المنبعثة من ذلك إلًّا بمشقة) (٥) . ويذكر التاريخ أن الحملة الصليبية عند دخولها بيت المقدس في ١٥ مايو عام ١٠٩٩ م قد ذبحت أكثر من سبعين ألف مسلم حتى سبحت الخيل إلى صدورها في الدماء، وفي أنطاكية قتلوا أكثر من مائة ألف مسلم. فالأمر خطير، إنه حقد الشر على الحق، والرذيلة على الفضيلة، وعداوة الشرك للتوحيد، وخصومة الضلال للهدى (٦) . وقد صمدت الأمة الإسلامية في وجه هذه الحروب الوحشية التي سلبت ونهبت، وقتلت وفتكت.

стр. 11761

وبعد مضي أكثر من قرنين من حروب دامية اشتد وطيسها بين كتائب الإيمان وبين جحافل الشر، ارتدت الحروب الصليبية، وقد باءت هذه الحملات بالإخفاق والهزيمة، فالقديس (لويس التاسع) قائد الحملة الصليبية الثامنة، وملك فرنسا، وقع أسيرًا في مدينة (المنصورة) في مصر , ثم خلص من الأسر بفدية، ولما عاد إلى فرنسا، أيقن أن قوة الحديد والنار لا تجدي نفعًا مع المسلمين الذين يملكون عقيدة راسخة تدفعهم إلى الجهاد، وتحضهم على التضحية بالنفس، وبكل غال. إذن: لابد من تغيير المنهج والسبيل، فكانت توصياته: أن يهتم أتباعه بتغيير فكر المسلمين، والتشكيك في عقيدتهم وشريعتهم، وذلك بعد دراستهم للإسلام لهذا الغرض، وهكذا تحولت المعركة من ميدان الحديد والنار إلى ميدان الفكر (١) ، لأن القضاء على الإسلام أو تحويل المسلمين عن دينهم لا يمكن أن يأتي عن طريق القوة المادية، والغزو المسلح. ولقد بدأت حركة (الغزو الفكري) من منطلق ضرب المسلمين عن طريق الكلمة بعد هزيمة الحروب الصليبية – كما وجههم (لويس التاسع) – والعمل على ترجمة القرآن والسنة وعلوم المسلمين للبحث عن الثغرات التي يدخلون منها إلى إثارة الشبهات، وقد أعلنوا صراحة أن الإسلام هو عدوهم الأول، وأن أكبر غاية لهم هي ضرب وهدم قواعده (٢) . لقد فشلت الحروب الصليبية من الوجهة الحربية.. لكن بقي (الغزو الفكري) ينفث سمومه، ويثيثر الشكوك، وبقيت النزعة الصليبية تتوارى خلف ستار من الدبلوماسية والرياء السياسي تحرك ما تريد تحريكه، وتقف خلف الغزو الفكري بكل ما لها من قوة وعلم..

стр. 11762

ولاشك أن العداء الصليبي للإسلام هو الدافع الأساسي والأصيل للغزو الفكري الذي تسلط على مجتمعات الأمة الإسلامية، ونجد أن هذا العداء أخذ (شكل السعار الوبائي لدى الأمم الغربية (الصليبية) فأخذوا مستميتين يوزعون السموم ذات اليمين وذات الشمال، ويفترون الأكاذيب، ويطمسون الحقائق، ويدبرون المكائد، ويتصيدون السقطات، ثم يدخلون في روع أنفسهم وبني جلدتهم أنهم أرقى عنصرًا، وأفضل عقلًا، وأفلح دينًا، وأنهم أوصياء على البشرية وسادة الإنسانية وهداتها ومرشدوها) (١) . وقال (وليم غيفورد بلغراف) الإنجليزي المسمى بالحرباء: الكلمة المشهورة التي يلخص فيها عداء الغربيين للإسلام: (متى توارى القرآن ومدينة مكة عن بلاد العرب يمكننا أن نرى العربي يندرج في سبيل الحضارة، التي لم يبعده عنها إلَّا محمد وكتابه) (٢) (وجلادستون) رئيس وزراء بريطانيا يقول: (مادام القرآن موجودًا فلن تستطيع أوروبا السيطرة على الشرق، ولا أن تكون هي نفسها في أمان) (٣) . ويرى غاردنر: (أن القوة التي تكمن في الإسلام هي التي تخيف أوروبا) (٤) . ويوضح هذا العداء ويذكر بعض أسبابه المستشرق بيكر، فيقول: (إن هناك عداء من النصرانية للإسلام، بسبب أن الإسلام عندما انتشر في العصور الوسطى، أقام سدًّا منيعًا في وجه الاستعمار وانتشار النصرانية، ثم امتد إلى البلاد التي كانت خاضعة لصولجانها) (٥) .

стр. 11763

ويقول في هذا المعني (لورانس براون) : (إن الخطر الحقيقي كامن في نظام الإسلام وفي قدرته على التوسع والإخضاع، وفي حيويته إنه الجدار الوحيد في وجه الاستعمار الغربي) (١) ثم بين (لورانس براون) : أن خطر المسلمين هو الخطر العالمي الوحيد في هذا العصر، الذي يجب أن تجتمع له القوى، وتجيش له الجيوش، وتلتفت إليه الأنظار، فيقول حاكيًا أراء المبشرين: (إن القضية الإسلامية تختلف عن القضية اليهودية، إن المسلمين يختلفون عن اليهود في دينهم، إنه دين دعوة، إن الإسلام ينتشر بين النصارى أنفسهم وبين غير النصارى، ثم إن المسلمين كان لهم كفاح طويل في أوروبا، فأخضعوها في مناسبات كثيرة، على أن الفرق الأساسي بين المسلمين واليهود – كما يراه المبشرون – هو أن المسلمين لم يكونوا يومًا ما أقلية موطوءة بالأقدام) .. ثم يقول: (إننا من أجل ذلك نرى المبشرين ينصرون اليهود على المسلمين في فلسطين، لقد كنا نُخوَّف من قبل بالخطر اليهودي، والخطر الأصفر (باليابان وتزعمها على الصين) وبالخطر البلشفي، إلَّا أن هذا التخويف كله لم يتفق (لم نجده ولم يتحقق) كما تخيلناه، إننا وجدنا اليهود أصدقاء لنا، وعلى هذا يكون كل مُضطَهِد لهم (٢) عدونا الألد، ثم رأينا البلاشفة حلفاء لنا، أما الشعوب الصفر، فإن هناك دولًا ديمقراطية كبيرة تتكفل بمقاومتها، ولكن الخطر الحقيقي كامن في نظام الإسلام) (٣) .

стр. 11764

ولقد اشترك الاستعمار الغربي والجهد التبشيري والحقد الصليبي في حرب المسلمين، وتشتيت تراثهم، ونهب ديارهم، يخيم عليهم سحابة سوداء من البغضاء والكراهية، يتمثل هذا فيما حدث في العام ١٩١٨ م عندما دخل اللورد اللنبي القدس، وأعلن: (الآن انتهت الحروب الصليبية) كان هذا القائد يعبر عن الروح الأوروبية، الروح الصليبية التي ظلت متوهجة في أعماقهم طوال تلك الحقب، وبنفس الحقد الذي صدر عن الجنرال الإنجليزي، كان مسلك الجنرال الفرنسي (غورو) قائد الجيش الفرنسي في دمشق حين ذهب إلى قبر صلاح الدين، بعد أن جاءه راكبًا سيارة مكشوفة، وترجل إلى القبر، وقال قولته المشهورة: (نحن هنا يا صلاح الدين) وفي اليوم التالي عمل الشئ نفسه في حمص، حيث ذهب إلى قبر (خالد بن الوليد) – ﵁ – وقال: (نحن هنا يا خالد) (١) . هذا الحقد والضغن والمقت كان سببًا قويًّا في الإغارة على المسلمين، بشتى الأساليب والطرق والأشكال والألوان، وما زالت تلك الموجة تعلو وتشتد وتمتد ثقافيًّا وفكريًّا؛ لتخريب قواعد الإسلام والأخلاق الإسلامية وإشاعة الأفكار والتيارات الهدامة (٢) ، وشغل الأمة الإسلامية، بكل ما هو هامشي في حياتها، حتى لا تدرك اليقظة الواعية، ولا تنتبه إلى ما يحاك حولها. لقد وجد الغربيون، أن خير طريق لغزو العالم الإسلامي وإخضاعه، هو سلوك الغزو الفكري، فوضعوا الخطط، وحاكوا المؤتمرات للغارة على الأفكار والمفاهيم الإسلامية، وعلى كل ماله صلة بالإسلام حضارة وثقافة، وصارت قاعدتهم التي ارتكزوا عليها: (إذا أرهبك عدوك فأفسِد فكره ينتحر به، ومن ثم تستعبده) وانطلقت الصيحة إلى ضرورة نقل المعركة من ساحة الحرب إلى ميدان الفكر والمعرفة (٣) فأغاروا على حضارة الإسلام وثقافته سعيًا وراء هدم عقائده وأفكاره، ونشر الأفكار الغربية بديلًا عنها.

стр. 11765

ولاشك أن الغزو الفكري أعمق أثرًا، وأشد فتكًا في حياة الأمة من الغزو المسلح؛ لأنه يتسلل إلى عقولها وقلوب أبنائها، ذلك أن الأمم تقاس بمقوماتها العقدية، والفكرية، وقيمتها الخلقية. فالغزو الفكري الأخلاقي أخطر من الغزو المادي المسلح، لأنه يمضي بين الناس في صمت ونعومة وخفاء في الأهداف، مما يجعل الناس تدريجيًّا يتقبلون كل جديد ولو خالف قيمهم وعقائدهم وأفكارهم دون معارضة، ويتقبلون الذوبان في بوتقة أعدائهم، وهم ينظرون ولا يشعرون. (١) . وإذا كان العداء الصليبي للإسلام والمسلمين سببًا رئيسيًّا دفع بالغرب إلى (الغزو الفكري) للمجتمعات الإسلامية فإنَّ هناك أسبابًا أخرى – غير العداء الصليبي – ساعدت على انتشار (الغزو الفكري) وعملت على هزيمة المسلمين أمام هذا الغزو، ونجد ذلك واضحًا في ثانيًا..
следующие страницы →