← Фикх общий

Фикх общий · id 8356

مجلة مجمع الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (22 276 стр.). Показаны 11761–11800 · переход к 11766.

стр. 11761

وبعد مضي أكثر من قرنين من حروب دامية اشتد وطيسها بين كتائب الإيمان وبين جحافل الشر، ارتدت الحروب الصليبية، وقد باءت هذه الحملات بالإخفاق والهزيمة، فالقديس (لويس التاسع) قائد الحملة الصليبية الثامنة، وملك فرنسا، وقع أسيرًا في مدينة (المنصورة) في مصر , ثم خلص من الأسر بفدية، ولما عاد إلى فرنسا، أيقن أن قوة الحديد والنار لا تجدي نفعًا مع المسلمين الذين يملكون عقيدة راسخة تدفعهم إلى الجهاد، وتحضهم على التضحية بالنفس، وبكل غال. إذن: لابد من تغيير المنهج والسبيل، فكانت توصياته: أن يهتم أتباعه بتغيير فكر المسلمين، والتشكيك في عقيدتهم وشريعتهم، وذلك بعد دراستهم للإسلام لهذا الغرض، وهكذا تحولت المعركة من ميدان الحديد والنار إلى ميدان الفكر (١) ، لأن القضاء على الإسلام أو تحويل المسلمين عن دينهم لا يمكن أن يأتي عن طريق القوة المادية، والغزو المسلح. ولقد بدأت حركة (الغزو الفكري) من منطلق ضرب المسلمين عن طريق الكلمة بعد هزيمة الحروب الصليبية – كما وجههم (لويس التاسع) – والعمل على ترجمة القرآن والسنة وعلوم المسلمين للبحث عن الثغرات التي يدخلون منها إلى إثارة الشبهات، وقد أعلنوا صراحة أن الإسلام هو عدوهم الأول، وأن أكبر غاية لهم هي ضرب وهدم قواعده (٢) . لقد فشلت الحروب الصليبية من الوجهة الحربية.. لكن بقي (الغزو الفكري) ينفث سمومه، ويثيثر الشكوك، وبقيت النزعة الصليبية تتوارى خلف ستار من الدبلوماسية والرياء السياسي تحرك ما تريد تحريكه، وتقف خلف الغزو الفكري بكل ما لها من قوة وعلم..

стр. 11762

ولاشك أن العداء الصليبي للإسلام هو الدافع الأساسي والأصيل للغزو الفكري الذي تسلط على مجتمعات الأمة الإسلامية، ونجد أن هذا العداء أخذ (شكل السعار الوبائي لدى الأمم الغربية (الصليبية) فأخذوا مستميتين يوزعون السموم ذات اليمين وذات الشمال، ويفترون الأكاذيب، ويطمسون الحقائق، ويدبرون المكائد، ويتصيدون السقطات، ثم يدخلون في روع أنفسهم وبني جلدتهم أنهم أرقى عنصرًا، وأفضل عقلًا، وأفلح دينًا، وأنهم أوصياء على البشرية وسادة الإنسانية وهداتها ومرشدوها) (١) . وقال (وليم غيفورد بلغراف) الإنجليزي المسمى بالحرباء: الكلمة المشهورة التي يلخص فيها عداء الغربيين للإسلام: (متى توارى القرآن ومدينة مكة عن بلاد العرب يمكننا أن نرى العربي يندرج في سبيل الحضارة، التي لم يبعده عنها إلَّا محمد وكتابه) (٢) (وجلادستون) رئيس وزراء بريطانيا يقول: (مادام القرآن موجودًا فلن تستطيع أوروبا السيطرة على الشرق، ولا أن تكون هي نفسها في أمان) (٣) . ويرى غاردنر: (أن القوة التي تكمن في الإسلام هي التي تخيف أوروبا) (٤) . ويوضح هذا العداء ويذكر بعض أسبابه المستشرق بيكر، فيقول: (إن هناك عداء من النصرانية للإسلام، بسبب أن الإسلام عندما انتشر في العصور الوسطى، أقام سدًّا منيعًا في وجه الاستعمار وانتشار النصرانية، ثم امتد إلى البلاد التي كانت خاضعة لصولجانها) (٥) .

стр. 11763

ويقول في هذا المعني (لورانس براون) : (إن الخطر الحقيقي كامن في نظام الإسلام وفي قدرته على التوسع والإخضاع، وفي حيويته إنه الجدار الوحيد في وجه الاستعمار الغربي) (١) ثم بين (لورانس براون) : أن خطر المسلمين هو الخطر العالمي الوحيد في هذا العصر، الذي يجب أن تجتمع له القوى، وتجيش له الجيوش، وتلتفت إليه الأنظار، فيقول حاكيًا أراء المبشرين: (إن القضية الإسلامية تختلف عن القضية اليهودية، إن المسلمين يختلفون عن اليهود في دينهم، إنه دين دعوة، إن الإسلام ينتشر بين النصارى أنفسهم وبين غير النصارى، ثم إن المسلمين كان لهم كفاح طويل في أوروبا، فأخضعوها في مناسبات كثيرة، على أن الفرق الأساسي بين المسلمين واليهود – كما يراه المبشرون – هو أن المسلمين لم يكونوا يومًا ما أقلية موطوءة بالأقدام) .. ثم يقول: (إننا من أجل ذلك نرى المبشرين ينصرون اليهود على المسلمين في فلسطين، لقد كنا نُخوَّف من قبل بالخطر اليهودي، والخطر الأصفر (باليابان وتزعمها على الصين) وبالخطر البلشفي، إلَّا أن هذا التخويف كله لم يتفق (لم نجده ولم يتحقق) كما تخيلناه، إننا وجدنا اليهود أصدقاء لنا، وعلى هذا يكون كل مُضطَهِد لهم (٢) عدونا الألد، ثم رأينا البلاشفة حلفاء لنا، أما الشعوب الصفر، فإن هناك دولًا ديمقراطية كبيرة تتكفل بمقاومتها، ولكن الخطر الحقيقي كامن في نظام الإسلام) (٣) .

стр. 11764

ولقد اشترك الاستعمار الغربي والجهد التبشيري والحقد الصليبي في حرب المسلمين، وتشتيت تراثهم، ونهب ديارهم، يخيم عليهم سحابة سوداء من البغضاء والكراهية، يتمثل هذا فيما حدث في العام ١٩١٨ م عندما دخل اللورد اللنبي القدس، وأعلن: (الآن انتهت الحروب الصليبية) كان هذا القائد يعبر عن الروح الأوروبية، الروح الصليبية التي ظلت متوهجة في أعماقهم طوال تلك الحقب، وبنفس الحقد الذي صدر عن الجنرال الإنجليزي، كان مسلك الجنرال الفرنسي (غورو) قائد الجيش الفرنسي في دمشق حين ذهب إلى قبر صلاح الدين، بعد أن جاءه راكبًا سيارة مكشوفة، وترجل إلى القبر، وقال قولته المشهورة: (نحن هنا يا صلاح الدين) وفي اليوم التالي عمل الشئ نفسه في حمص، حيث ذهب إلى قبر (خالد بن الوليد) – ﵁ – وقال: (نحن هنا يا خالد) (١) . هذا الحقد والضغن والمقت كان سببًا قويًّا في الإغارة على المسلمين، بشتى الأساليب والطرق والأشكال والألوان، وما زالت تلك الموجة تعلو وتشتد وتمتد ثقافيًّا وفكريًّا؛ لتخريب قواعد الإسلام والأخلاق الإسلامية وإشاعة الأفكار والتيارات الهدامة (٢) ، وشغل الأمة الإسلامية، بكل ما هو هامشي في حياتها، حتى لا تدرك اليقظة الواعية، ولا تنتبه إلى ما يحاك حولها. لقد وجد الغربيون، أن خير طريق لغزو العالم الإسلامي وإخضاعه، هو سلوك الغزو الفكري، فوضعوا الخطط، وحاكوا المؤتمرات للغارة على الأفكار والمفاهيم الإسلامية، وعلى كل ماله صلة بالإسلام حضارة وثقافة، وصارت قاعدتهم التي ارتكزوا عليها: (إذا أرهبك عدوك فأفسِد فكره ينتحر به، ومن ثم تستعبده) وانطلقت الصيحة إلى ضرورة نقل المعركة من ساحة الحرب إلى ميدان الفكر والمعرفة (٣) فأغاروا على حضارة الإسلام وثقافته سعيًا وراء هدم عقائده وأفكاره، ونشر الأفكار الغربية بديلًا عنها.

стр. 11765

ولاشك أن الغزو الفكري أعمق أثرًا، وأشد فتكًا في حياة الأمة من الغزو المسلح؛ لأنه يتسلل إلى عقولها وقلوب أبنائها، ذلك أن الأمم تقاس بمقوماتها العقدية، والفكرية، وقيمتها الخلقية. فالغزو الفكري الأخلاقي أخطر من الغزو المادي المسلح، لأنه يمضي بين الناس في صمت ونعومة وخفاء في الأهداف، مما يجعل الناس تدريجيًّا يتقبلون كل جديد ولو خالف قيمهم وعقائدهم وأفكارهم دون معارضة، ويتقبلون الذوبان في بوتقة أعدائهم، وهم ينظرون ولا يشعرون. (١) . وإذا كان العداء الصليبي للإسلام والمسلمين سببًا رئيسيًّا دفع بالغرب إلى (الغزو الفكري) للمجتمعات الإسلامية فإنَّ هناك أسبابًا أخرى – غير العداء الصليبي – ساعدت على انتشار (الغزو الفكري) وعملت على هزيمة المسلمين أمام هذا الغزو، ونجد ذلك واضحًا في ثانيًا..

стр. 11766

ثانيًا – الاستعمار الغربي للمجتمعات الإسلامية: لقد تعرض المجتمع الإسلامي في آسيا وأفريقيا للطابع الأيديولوجي للمجتمع الأوروبي، سواء الحديث منه في القرن الناسع عشر، أو المعاصر في القرن العشرين، ولم تكن للمجتمع الإسلامي مناعة في رفض هذا الطابع وتحديه وعدم تقبله, فتعرض للغزو الأوروبي، من أجل الصناعة الغربية، منذ أثمر عهد النهضة الأوروبية ثمرته في التحرر والخلاص من سلطة الكنيسة، وفي استرداد الإنسان الأوروبي حرية الحركة في التجارة وفي شؤون المال على العموم، وحرية التفكير والتوجيه السياسي (١) . وكان الوضع في البداية قبل الاستعمار تربصًا من جانب المجتمع الأوروبي بالمجتمعات الإسلامية، وانقضاضًا عليها من جانب، بينما كان استسلامًا من أي مجتمع إسلامي تعرض للتربص والانقضاض، وقبولًا للوصاية الأجنبية والاستغلال الأوروبي من جانب آخر (٢) ، ومما هو مسجل في صفحات التاريخ: أن المجتمع الإسلامي وقع فريسة للاستعمار، فقد احتلت بريطانيا: الهند في سنة ١٨٥٩ م ومناطق الخليج الإسلامي، وجنوب شبه الجزيرة العربية في سنة ١٨٤٩ م، ومصر في سنة ١٨٨٢ م، والسودان في سنة ١٨٩٨ م. واحتلت فرنسا: الجزائر في سنة ١٨٤٥م، وتونس في سنة ١٨٨١ م، والمغرب في سنة ١٩١٢ م. واحتلت إيطاليا: طرابلس الغرب في سنة ١٩١١ م. واحتلت هولاندا جزر الأرخبيل الأندونيسية تباعا منذ عام ١٩٠٣م. وروسيا احتلت القرم قبل القرن التاسع عشر في سنة ١٨٧٣ م وسيطرت بإشرافها على المجتمعات الإسلامية في وسط آسيا، وهي: أذربيجان، وكازاخستان، وأوزبيكستان، ونوركيستان، وكزيخستان.. سيطرة تامة في القرن التاسع عشر، ولم يسلم من الاحتلال الأوروبي سوى: اليمن، والحجاز، وإيران، ووسط تركيا (٣) .

стр. 11767

ولا يخفي أن وقوع المجتمعات الإسلامية تحت سيطرة الاستعمار زاد من اتساع السوق الاستهلاكية لمنتجات الغرب الصناعية، وهذا أدى إلى تفوق الصناعة الغربية. وكلما قوي المجتمع الأوروبي وتفوق صناعيًّا، كلما زادت رقعة استعماره في قارة أفريقيا وقارة آسيا ... وكلما زادت قبضة أوروبا على ما تم استعماره، وكلما اتسع نفوذها السياسي والاستغلالي، كما زاد ضعف المجتمع الإسلامي الذي وقع تحت سلطة الاستعمار، وزادت تبعيته وتقلبه لما يأتي من الغرب. ويوم أن تحرك المجتمع الأوروبي لاستعمار المجتمعات الإسلامية، كان في قمة مجده، بما أنجره من الفصل بين الكنيسة والدولة، واستقلاله بالسلطة الزمنية، وبالحرية الفردية، في التفكير، والتوجيه، وبالحرية السياسية، كما كان في أشد الأوضاع حرصًا على اتجاه (العلمانية) كمثال للإنسانية.. استصحب الاستعمار معه هذا الاتجاه بما يستتبعه في الحكم والتوجيه والتشريع والاقتصاد في المجتمع الإسلامي الذي يتمكن منه. وباستصحاب الاستعمار اتجاه العلمانية، ومحاولة تطبيق هذا الاتجاه، في المجتمع الإسلامي، وهو مجتمع يغاير في خصائصه، وتاريخه، وواقعه المجتمع الأوروبي، اضطر هذا الاستعمار إلى أن يسلك طريقا يمكنه من هذا التطبيق، وهو طريق عزل المجتمع الإسلامي كلية عن ماضيه، وعن تراثه العقلي، واالروحي، والتوجيهي، والسلوكي.. فإذا ما تم عزله أصبحت قيادته مسيرة وطيعة للمستعمر، وبالأخص للأجيال التي تنشأ في ظل هذه العزلة (١) .

стр. 11768

ثالثًا – تقدم الغرب العلمي: لقد كان الغرب يملك تقدمًا علميًّا فائقًا وتقدمًا ماديًّا هائلًا وعبقرية تنظيمية مبدعة، وروحًا من الجلد والصبر على العمل والإنتاج، وروحًا علمية في مواجهة المشكلات سواء من ناحية الدراسة أو من ناحية التنفيذ (١) . ولا شك أن التقدم العلمي المذهل للغرب كان قويًّا دفاقًا، له من القوة والانتشار والاستيلاء ما بهر العقول، وفتن الألباب، ولا غرو فقد بز بذلك كل تقدم علمي عرفه العالم وسمعت عنه البشرية في التاريخ المترامي الأطراف، واستطاع أن يُخرج من الأسرار ويكشف من الاختراعات ما جعل أبصار الناس وعقولهم تتعلق به (٢) ، وخاصة أن هذا العلم أصبح في خدمة الإنسان في كثير من مناحيه، فاتجهت الأنظار والعقول والقلوب إلى الغرب، تتطلع إلى ما فيه من اكتشافات تأتي بجديد (٣) . لقد واجه العالم الإسلامي مشكلة تقدم الغرب العلمي، وجها لوجه، وهذا التحدى السافر على طريق واحد, وهو صاحب الضارة العريقة، والرسالة الدينية الخاتمة، وصاحب الوصاية على البشرية بعد ما انسحبت كل الديانات والمذاهب القديمة متوارية من نوره الوهاج وحجته المشرقة، وصاحب الرقعة الواسعة، والثقافة المنشرة، والقوة الكبرى التي كان يحسب لها ألف حساب. فكان تحدي الحضارة المادية الآلية للعالم الإسلامي أعظم من تحديها لأي أمة، ولأي حضارة، ولأي ثقافة، وقد صاحب تلك الحضارة مذاهب فكرية، وفلسفات مادية، ونظم سياسية، واقتصادية، وعمرانية، واجتماعية، وخلقية، وكان لابد أن ينظر الناس – وخاصة الشعوب المختلفة – إلى هذه المذاهب والفلسفات، والنظم نظرة تقدير واحترام، لأنها نتاج تلك الشعوب المتقدمة، وحصاد تلك الأمم المتطورة التي فتتت الذرة، وصنعت الطائرة والصاروخ، وأدارت الأقمار (٤) وغزت الفضاء، لتراقب سلوكيات الإنسانية كلها – وخاصة تحركات المجتمعات الإسلامية – ولتكتشف من الفضاء الواسع، ما يزيدها من العلم تمكينًا , وأصبحت المجتمعات الإسلامية تمجد الحضارة الأوروبية والتقدم العلمي والصناعي، واستطاع الغرب أن ينقل الإنتاج المادي إلى المجتمعات الإسلامية في أفريقيا وفي أسيا؛ لاستخدام هذا الإنتاج في تيسير الحياة والتغلب على صعوبات المشاق التي تصحب عادة الحياة الإنسانية المختلفة، أو البدائية، وذلك ليكون شواهد مادية، ترى وتختبر في التطبيق وفي واقع الحياة (٥) .

стр. 11769

رابعًا – الضعف الفكري، والتفكك الاجتماعي: لقد أصيب المجتمع الإسلامي بالضعف الفكري والتفكك الاجتماعي، وذاق من جراء تلك الإصابة مرارة التأخر والضعف الفكري ما أصيبت به أمة من الأمم أو مجتمع من المجتمعات إلا كانت الحالة انحطاطًا في التفكير واهتمامًا بالخرافات والأساطير. والتفكك الاجتماعي نتيجة حتمية للضعف الفكري، لأن الضعف الفكري لا يكشف للإنسان مخاطر الانزلاق في الهاوية، ولهذا نجد أن المجتمعات الإسلامية ابتليت بالطوائف المتعددة والمتناحرة، والمذهبية التعصبية، وتعدد السلطنات والدويلات التي قامت على أساس شعوبي أو مذهبي، في هذا المجتمع أو ذاك. وهذا كله جر المجتمع الإسلامي إلى فوضى قاتلة وتناحر حقيقي وسلب ونهب وقتل دون رادع أو وازع.. ومجتمع كهذا لابد وأن يتعرض لسيطرة المتربصين به. لقد كانت السلطة السياسية في المجتمعات الإسلامية تعيش في وضع مقلوب (في ذلك الوضع لابد أن تكتمل الصورة المقيتة لأي إمبراطورية على وشك السقوط، بغض النظر عن اللافتة التي ترفعها، سواء كانت إمبراطورية فارسية، أو بيزنطية، أو رومانية، أو عباسية. لابد أن تتفشى الرشوة، وتكثر مصادرة الأموال، وتتفاقم الاضطرابات الداخلية، مع الانحلال الخلقي، والانشغال بالتوافه عن الخطر الذي يدق الأبواب) (١) وأساس انهيار الأمم يبدأ من الداخل، وقد يأتي تدخل خارجي ليعجل بالسقوط، ولكن يظل الانهيار الداخلي هو بداية النهاية وعاملها الأكبر، ويأتي الانهيار الداخلي حين تتكون طبقة مترفة تتحكم في الثروة، وفي الجماهير، فتنشر الظلم والانحلال، وتحيل حياة الأكثرية إلى جحيم تهون فيه الحياة (٢) . لاشك أن المة الإسلامية عاشت فترات من حياتها، كانت سببا في تأخرها وغفلتها، وطمع الطامعين في مجتمعاتها.

стр. 11770

وأي أمة تضعف في أفكارها، ولا تعرف إلَّا القشور من أمرها، وتعيش في تناحر وتمزق لابد وأن تسقط، وينال منها من كان يهابها. خامسًا – تخلف الشعوب الإسلامية عن ركب الحضارة: إن المجتمعات الإسلامية حين أصابها الضعف الفكري، والتفكك الإجتماعي، انشغلت بالتافه من الأمور، فقادتها التفاهة إلى التخلف عن ركب العلم والتقدم والحضارة.. ومعنى هذا، أن المجتمعات الإسلامية انصرفت عن تعاليم الإسلام التي تدعو إلى العلم والمعرفة واستعمال العقل والفكر في كل ما من شأنه أن يأخذ بالناس إلى الطريق السليم، (وواكب هذا الانصراف انحطاط في القيم، ودعوات إلى الركون إلى المتع , والعبث بالأموال إلى حد السفه والجنون، والترف والفجور، حتى كان قواد هذا الركب في كل ناد وكل صحيفة مع جهل ضارب، ونفاق ناشب أظفاره، وفساد في كل مجتمع وناد، وتصارع على كل تافه وخسيس من المادة، وخراب للذمم، وبيع للشرف، وكره للقيم، وضياع للحق، وهضم للحقوق، وذبح للفضيلة) (١) . وكان وضع البلاد الإسلامية كما صوره شاعر تركيا الإسلامي الكبير محمد عاكف: (يسألني الناس أنك كنت في الشرق مدة طويلة. فما الذي شهدت يا ترى، وما عسى أن يكون جوابي؟ أننى أقول لهم: إنني رأيت الشرق من أقصاه، فما رأيت إلَّا قرى مقفرة وشعوبًا لا راعي لها، وجسورًا متهدمة، وأنهارًا معطلة، وشوارع موحشة، رأيت وجوهًا هزيلة متجعدة، وظهورًا منحنية، ورؤوسًا فارغة، وقلوبًا جامدة، وعقولًا منحرفة. رأيت الظلم والعبودية , والبؤس والشقاء، والرياء والفواحش المنكرة المكروهة، والأمراض الفاشية الكثيرة، والغابات المحرقة، والمواقد المنطفئة الباردة، والحقول السبخة القاحلة، والصور المقززة، والأيادي المعطلة والأرجل المشلولة..

стр. 11771

رأيت أئمة لا تابع لهم، ورأيت أخا يعادي أخاه، ورأيت نهارا لا غاية له، ولا هدف، ورأيت ليالي حالكة طويلة، لا يعقبها صباح مسفر، ونهار مشرق) (١) . هذا التخلف أضعف الثقة بالنفس، وأوقف عجلة التقدم والانطلاق في الشعوب الإسلامية، وجعلها تعتمد في كل شيء على غيرها، إن التخلف العقلي لا يكمن في عدم الذهاب إلى الجامعات، واكتساب المعارف فقط، بقدر ما يمكن في التبلد والخمول، والنوم والرضاء بالدون، وموت الهمة (٢) . ومن المؤكد أن الأمة التي تفضل أو ترضى بالتواكل والاستجداء والكسل والتبعية أمة لا تستحق الحياة الكريمة، والحياة الحرة الكريمة لا تتأتى لأمة دون ثمن، والثمن هو التضحية، ولا يتأتى لأمة أن تشق طريقها في الحياة، وأن تستعيد وجودها وكرامتها، وتعيد صنع حياتها، دون أن تحاول جاهدة أن تبني نفسها بناء يتفق مع الاعتداد بالذات.. وقد يكون من المسلمات البديهية: أن ضعف الأمة في جوهره وجذوره، ليس ضعفًا في قوة الدفاع، أو في القوة العسكرية، وإنما يكمن في ذل النفوس، وشعورها بالضعف. وقد يكون من المسلمات البديهية أيضًا أن فقر الأمة في جوهره وجذوره ليس فقرًا في السلاح والمعدات، أو فقرًا في المال والإمكانات، وإنما يكمن في فقر النفوس وعجزها، وضعف الإرادة واضطرابها (٣) . فالتخلف عن ركب التقدم والحضارة يعود بالمجتمعات الإسلامية إلى الانحطاط، ويقودها طواعية إلى الهلاك كما تقاد الشاة إلى حتفها بظلفها، ولذا كان هذا التخلف عاملًا من عوامل الغزو الفكري الذي اجتاح البلاد والعباد.

стр. 11772

سادسًا – الفراغ العقدي: من المؤكد لدى الباحثين أن العقيدة هي الأمر الذي تثق به النفس، ويطمئن إليه القلب، ويكون يقينًا عند صاحبه، ولا يمازجه شك فيه، ولا يخالطه ريب. ويذكر العقاد: أننا نعني بالعقيدة الدينية طريقة حياة، لا طريقة فكر، ولا طريقة دراسة، إنما نعني بها حاجة النفس كما يحس بها من أحاط بتلك الدراسات، ومن فرغ من العلم والمراجعة، ليترقب مكان العقيدة من قرارة ضميره، إنما نعني بها ما يملأ النفس لا ما يملأ الرؤوس أو الصفحات. (١) . إن العقيدة التي يصح أن توصف بالعقيدة الدينية، هي التي لا يستغني عنها من وجدها، ولا يطيق الفراغ منها من فقدها، ولا يرفضها من اعتصم منها، بمعتصم، واستقر فيها على قرار (٢) . ومن يتأمل العقيدة الإسلامية، ويتدبر ما جاءت به من مفاهيم تناولت معضلات الحياة، إن من يتأمل ذلك يحس بالإطمئنان، ويتخلص من الحيرة التي تواجه كثيرًا من المفكرين (٣) . والحقيقة التي أثبتتها مئات السنين الحافلة بالأحداث والخطوب والمحن حقيقة أن العقيدة الإسلامية هي العقيدة الشاملة، والعقيدة المثلى للإنسان والمجتمع رعاية للروح والجسد، وعمل للدنيا والآخرة، وجهاد في السلم والحرب، وتنظيم للعلاقات والصلات الاجتماعية بين الأفراد والجماعات والأمم. فالعقيدة ضرورة لا غنى عنها للفرد والجماعة.. ضرورة للفرد ليطمئن ويسعد، وتطهر نفسه.. وضرورة للمجتمع ليستقر ويتماسك، ويترفع وينهض.. فالفرد بغير عقيدة كالريشة في مهب الريح، تحوله يمينًا وشمالًا فلا يسكن له حال، ولا يستقر له قرار، وليس له جذور تثبته (٤) . والعقائد في الأمم تقف سدودًا بينها وبين الأفكار الوافدة أو المذاهب المقتحمة، وتعطي أعماقًا للصروح والمجتمعات والأفراد، كما تمنح استقرارًا وثباتًا للإنسان في الحياة. أما إذا تركت الأمم عقائدها، وتخلت عن غذائها الروحي، وعن عمقها الإيماني (٥) ، فإنها تصبح فريسة لمن هب ودب.. والباحث في أحوال الشعوب الإسلامية: يجد أنها لم تحسن التخطيط، ولم تستفد من الدروس , فانطلقت في سبيل الشهوات والملذات والطوائف والاختلاف، وتركت تعاليم الإسلام التي تدعو إلى الفكر والعلم والحضارة.. فكان ما كان.. لقد اتضح لنا، أن (الغزو الفكري) الذي تعرضت له شعوب الأمة الإسلامية - ولا زالت تتعرض - قام على أسباب وبواعث، دفعت بالغزو الفكري إلى تكالب مسعور، وكان في الإمكان أن ترد الهجمة الشرسة، ولكن كانت هناك عوامل تنتشر في المجتمعات الإسلامية، ساعدت على توغل الغزو الفكري، وانتشاره بين الناس.

стр. 11773

وقد سبق أن ذكرنا أن من عوامل وأسباب (الغزو الفكري) : • العداء الصليبي للإسلام والمسلمين. • الاستعمار الغربي الذي أصاب بعض المجتمعات الإسلامية. • تقدم الغرب العلمي. • الضعف الفكري والتفكك الاجتماعي الذي أصاب المسلمين. • الفراغ العقدي الذي دلت عليه سلوكيات المسلمين. وقد تكون هناك أسباب أخري: داخلية أو خارجية، عملت على تمزيق الأمة الإسلامية وقتل روح الأصالة فيها والتجديد، والقدرة على مواجهة التحدي. ولا يخفي أن التعرف على الأسباب، قد يدفع بالعلماء، وقادة الفكر إلى تشخيص الداء، وبذل الدواء، وإذا عرف التحدي أمكنت المواجهة، وإذا كانت معرفة أسباب الغزو الفكري، تقف بالمسلمين على محطات انطلاق، فإن معرفة مظاهر الغزو الفكري، تساعد على التبصر بالمواقع والمواقف.

стр. 11774

مظاهر الغزو الفكري مظاهر الغزو الفكري كثيرة ومتعددة، وتكاد تشمل جميع جوانب الحياة، وهذه المظاهر لم تكن إلَّا بناء على دراسات دقيقة لأحوال المجتمعات الإسلامية.. لقد خطط أعداء الأمة الإسلامية، وتدارسوا الأمر فيما بينهم، ووضعوا مخططات تنفذ بكل دقة، وتوالت مظاهر الغزو الفكري تنتشر بين المسلمين، يساعد على ذلك أمران: الأمر الأول: موالاة بعض حكام المسلمين للغرب. والأمر الثاني: الدعاية للنظم الغربية والتغرير بها. ولولا هذه المساعدة، لكان من الصعب على مظاهر الغزو الفكري أن يستشري خطرها، وقد نجح الغزو الفكري في إعداد بعض (كوادر) تتولى القيادة، وإدارة أمور المجتمعات. وكانت الدعاية للنظم الغربية والتغرير بها، تدفع الناس إلى قبول ما يأتي من الغرب – أيًّا كان -: ومظاهر الغزو الفكري يلمسها المراقب والباحث في كثير من القضايا، مثل: ١- حملات التشويه. ٢- إحياء النزعات الجاهلية. ٣- إبعاد العلماء عن مراكز التوجيه والسلطة. ٤- التعليم والثقافة. ٥-الخدمات الاجتماعية.

стр. 11775

أولًا – حملات التشويه: فإذا ما بحثنا في حملات التشويه – والتي كانت مظهرًا من مظاهر الغزو الفكري – وجدنا أن هذه الحملات، مست كل ما يتصل بالإسلام من عقائد ونظم وتراث وتاريخ وفكر وحياة. ١- فهناك محاولة تشويه عقائد المسلمين بغير سند ولا دليل. يقول ريان الفرنسي، يصور عقيدة التوحيد في الإسلام (بأنها عقيدة تؤدي إلى حيرة المسلم. كما تحط به كإنسان إلى أسفل الدرك) (١) ودائرة المعارف الإسلامية في طبعتها الجديدة التي لم تترجم إلى اللغة العربية، تعرض تحت مادة (ابن تيمية) أن ابن تيمية كان مسرفًا في القول بالتجسيد، ومن ثم كان يفسر كل الآيات والأحاديث التي تشير إلى الله بظاهر اللفظ، وقد تشبع بهذه العقيدة إلى درجة أن ابن بطوطة يروي عنه أنه قال من منبر جامع دمشق: (إن الله ينزل إلى سماء الدنيا كنزولي هذا، ثم نزل درجة من درج المنبر) (٢) . ٢- وهناك محاولة تشويه القرآن الكريم، وهي محاولة قديمة وحديثة، وهذه المحاولة كغيرها بعيدة عن العلم والمنطق. يقول المستشرق جب: (إن محمدًا قد تأثر بالبيئة التي عاش فيها، وشق طريقه بين الأفكار والعقائد الشائعة في بيئته. فالقرآن من صنع - محمد ﷺ ومن ملاءمات هذه البيئة التي عاش فيها) (٣) .

стр. 11776

وهناك محاولة تشويه السنة النبوية، وهي محاولات ضارية، عميقة الجذور في تاريخ الحرب ضد الإسلام، وهي محاولات تستهدف ما تستهدفه محاولات تشويه القرآن الكريم، من عزل المسلمين عن دينهم، بتشويه مصدريه الأساسيين: القرآن والسنة.. وهي حرب دخلت على المسلمين حديثًا عن طريق الغزو الفكري، وقد جند أعداء الإسلام لتشويه السنة ما جندوا من أقلام، وكتب ومجلات، وبحوث، ومجمل محاولات الأعداء: • الادعاء بأن هناك أحاديث لا يمكن أن تكون قد صدرت عن النبي ﷺ . • والادعاء بأن محاولة وجود شيء في الحديث النبوي يمكن القطع بصحة نسبته إلي النبي تاريخيًّا، محاولة فاشلة. • الادعاء بأن الفرق الإسلامية عندما اختلفت في الآراء، أخذ كل منها يضع لنفسه الأحاديث التي يؤيد بها رأيه. • الادعاء بأن الأحاديث النبوية ليست إلا سجلًا للجدل الديني في القرون الأول (١) . ٤- وهناك محاولة تشويه شخصية الرسول محمد ﷺ وهي محاولات قديمة وحديثة ومستمرة، تهاجم رسول الله، وتحاول أن تنال من شخصه، ونم هؤلاء الأعداء الحاقدين على الإسلام الذين تطاولوا على شخصية الرسول الصادق الأمين: ١-وليم موير في كتابه: (حياة محمد) . ٢- هنري لامنس اليسوعي، في كتابه: (الاسلام) وقد بلغ من حقد هذا الرجل على الإسلام أن تخبط فيما يكتب إلى الحد الذي أزعج بعض المستشرقين أنفسهم. ٣- الفرد جيوم في كتابه: (الإسلام) . ٤- صمويل زويمر في كتابه: (الإسلام تحد العقيدة) . ٥- كنبثكراج في كتابه: (دعوة المئذنة) . ٦- أ. ج. أربري. في كتابه (الإسلام اليوم) . ٧- جولد زيهر. في كتابه: (تاريخ مذاهب التفسير الإسلامي) . ٨- هـ أ. ر. جب. في كتبه: (أ) طريق الإسلام. (ب) الاتجاهات الحديثة في الإسلام. (ج) المذهب المحمدي. (د) الإسلام والمجتمع الغربي.

стр. 11777

٩ – أ. ج. فينسك. في كتابه: المستشرقون والإسلام. ١٠ – د. س. مرجليوث. في كتبه: أـ محمد ومطلع الإسلام. ب ـ التطورات المبكرة في الإسلام ج ـ الجامعة الإسلامية. د ـ قنطرة إلى الإسلام ١١- ج. فون. جرونبام. في كتبه: (أ) إسلام العصور الوسطى. (ب) الإسلام. (ج) الأعياد المحمدية. (د) الوحدة والتنوع والحضارة الإسلامية. (هـ) دراسات في تاريخ الثقافة الإسلامية. ١٢- د. ب. ماكدونالد. في كتابه (تطور علم الكلام والفقه والنظرية الدستورية في الإسلام) . ١٣- ر. أ. نيكلسون. في كتابه: (متصوفو الإسلام) . ١٤- ر. بل. في كتابيه: (أ) أصول الإسلام في بيئته المسيحية. (ب) مقدمة القرآن. ١٥- آثر جفيري. في كتابه (مصادر تاريخ القرآن) . ١٦- يوسف شاخت. في كتابه: (أصول الفقه الإسلامي) . ١٧- أرنولد توينبي. في كتابه: (دراسة في التاريخ) . ١٨- فيليب حتى، وهو مسيحي لبناني. في كتابه: (تاريخ العرب) . ١٩- مجيد خوري، وهو مسيحي عراقي. في كتابه: (الحرب والسلام في الإسلام) .

стр. 11778

٢٠- أبراهام كاش. في كتابه: (اليهودية في الإسلام) . ٢١- إدوارد فرمان. في كتابه (تاريخ المسلمين وفتوحاتهم) . ٢٢- ج. س. آرثر. في كتابه: (العناصر الصوفية في محمد) . ٢٣- د. بلاشير. في كتابه: (مقدمة القرآن) . ٢٤- سنوك هورج رونجد. في كتابه: (الإسلام) (١) وغير هؤلاء كثير.. وما أردنا الإحصاء أو الاستقصاء.. وكل هؤلاء حاولوا تشويه الإسلام، ونالوا من شخص الرسول ﷺ ، فيما كتبوا، وافتاتوا على الحق وموَّهوا، وملأوا الدنيا ضجيجًا بأصوات الباطل، وهراء الجاهلين، وسموم الحاقدين (٢) .

стр. 11779

٥- وهناك محاولة تشويه التاريخ الإسلامي, وهذه المحاولة من اخبث المحاولات ولا أكثرها خبثا ومكرا. فقد صور هؤلاء الحاقدون على الإسلام والمسلمين، أن الفتوحات الإسلامية فتوحات غزوا واستعمار، وأن الخلافة الإسلامية خلافة تآمر وسفك للدماء، وغير ذلك كثير مما لا يقره علق ولا دين. ٦-وهناك محاولة تشويه التراث الإسلامي، ولا يخفي أن تشويه تراث الأمة، هو تشويه للأصالة التي تنطلق منها. وتراث المسلمين تعرض لانتهاك هؤلاء الحاقدين على كل ما هو إسلامي، فأصابه ما أصاب غيره من الافتراء والافتئات. ٩- وهناك محاولة تشويه مجال الغيب في الإسلام، وهذه المحاولة أريد منها زعزعة الإيمان بالغيب عند المسلمين، ولذا جاءت المحاولة تشكك في كل ما لا تدركه الحواس وتفسر الجزاء عند المصدقين به.. بأنه جزاء روحي، والجنة والنار بأنها شعور نفسي. ١٠-وهناك محاولة تشويه نظام الحياة الإسلامية، وذلك بالإدعاء بأنه لا يوجد نظام للحياة معروف في الإسلام، والتهم التي وجهت إلى نظام الحياة الإسلامية كثيرة ولكن أبرزها وأخطرها: (أولا) : اتهامهم للقوانين والنظم الإسلامية بالرجعية وعدم القدرة على مواكبة ركب التحضر والتقدم (١) . (ثانيا) : اتهامهم النظم الإسلامية بالمحلية والقصور والإقليمية. (ثالثا) : اتهامهم لها بأنها عند التطبيق والتنفيذ، تعتمد على وحشية أو همجية أو قسوة وبخاصة فيما يتصل بالرجم والقطع والجلد. (رابعا) : اتهامهم للقوانين والنظم الإسلامية بأنها لم تحظ بإجماع المسلمين عليها، في عصر من العصور. (خامسا) : اتهامهم لها بأنها تتجاهل الأقليات غير الإسلامية في ظل الدولة الإسلامية. وهذه التهم قد أطلقها أعداء الإسلام من غير المسلمين، وشاركهم في إطلاقها بعض المسلمين المخدوعين بالفكر الغربي. ٩- وهناك محاولات تشويهية أخري، تتصل بجوانب من الإسلام، إن هذه المحاولات في مجموعها، تشكل انقضاضًا على مبادئ الإسلام، وتعاليمه.

стр. 11780

ثانيًا: من مظاهر الغزو الفكري: إحياء النزاعات الجاهلية التي لا تتفق مع تعاليم الإسلام كالدعوة إلى القومية، والدعوة إلى الفرعونية، والآشورية، والفينيقية، وما جرى مجرى هذا مما يتنافى مع الإسلام, الدعوة إلى التحلل والإباحية: وهذه دعوة خبيثة لأنها تطعن الأمة في أخلاقها وقيمها، وقد شاعت في المجتمعات الإسلامية أمور تعافها الفطر السليمة, ولكنه الانحراف الذي لا يعترف بالقيم الفاضلة. ثالثا – إبعاد العلماء عن مراكز التوجيه والسلطة: ولا يخفي أن إبعاد العلماء عن المراكز التوجيهية أمر له خطورته، وفي بعض المجتمعات تقلص دور العلماء، وأصبح قاصرًا على خطبة الجمعة، وبعض الأحاديث التي تخضع للعيون الساهرة والمراقبة الدقيقة، وأصبح بعض العلماء يجرون وراء المناصب جريًا تذل له الجباه، ويطلبون المناصب بما لهم من مآثر في الأتباع، وأياد في التصفيق والتأييد. رابعًا – التعليم والثقافة: ولا يخفي أن الغزو الفكري، ينتشر من خلال مدارس التعليم ومعاهده وجامعاته أفضل من أي مظهر آخر. وقد دخل الغزو الفكري إلى العالم الإسلامي، من باب يخيل إلى السطحيين من الناس أنه الباب الطبيعي, إذ حمل اسم العلم والمعرفة والتمدن, يقول القس زويمر: (المدارس أحسن ما يعول عليه المبشرون في التحكم بالمسلمين) (١) . ومن المعروف أن المسلمين أقبلوا على هذه المدارس بكثرة كاثرة، يزدردون مناهجها، ويلتهمون كل ما احتجنته من عقيدة وفكر، لا يميزون صحيحها من فاسدها، ونفعها من ضرها. (٢) وبما أن الثقافة ليست علومًا ومعارف وأدبًا وفنونًا فحسب، بل مناهج فكر وخلق تصطبغ حياة الأمة بصبغتها في شتى ضروب نشاطها، فإن (الغزو الفكري) استطاع من خلال الثقافة أن يلقي بمزيج من الأخلاط الغربية الملتمسة من الفكر الغريب المنحرف، والتوجيه الفاسدالقائم على التخطيط الشرير (٣) . ولذا قام الغزو الفكري بالدعوة إلى الأغراض الآتية: ١- الدعوة إلى إضعاف العلاقة بين المسلمين بقطع الروابط الثقافية وإحياء الثقافات الجاهلية. ٢- الدعوة إلى العامية، وإلى تطوير اللغة. ٣- إيجاد الشعور بالتبعية الثقافية، والشعور بمركب النقص. ٤- دفع الجامعات إلى الاعتماد على كتب المستشرقين العلمية. ٥- توهين جهود المخلصين الثقافية والإبداعية. ٦- تمجيد القيم الغريبة، وتسفيه القيم الإسلامية، والدعوة إلى نبذها. ٧- لفت المجتمعات إلى القشور، وإلهائها عما يفيد وينفع. ٨- إحياء المذاهب الفلسفية والجدلية، والبعد عن الأساليب العلمية. ٩- إنشاء الموسوعات التاريخية الإسلامية، وبذر الشكوك ولَيُّ الحقائق فيها. ١٠- الحرص على تكوين جيل مثقف يحمل راية الاستشراق والدعوة (٤) . ١١- الدعوة إلى تدريس العلوم الطبية وغيرها بلغات غير اللغة العربية، ليظل المسلم عنده إحساس بعجز اللغة العربية لغة القرآن.

стр. 11781

خامسًا – الخدمات الاجتماعية: والخدمات الاجتماعية مظهر من مظاهر الغزو الفكري، وقد وجد المخططون لغزو العالم الإسلامي، أن الخدمات الاجتماعية طريق يساعد على إمرار ما يراد إمراره من خلال الخدمات الاجتماعية، ولذلك أصبحت الملاجئ، والمستشفيات، والمستوصفات، والجمعيات الخيرية، ووكالات الإغاثة، ودور الأيتام والمسنين، وغيرها.. مراكز غزو!! ومما يلاحظ أن (الغزو الفكري) لم يقتصر على المظاهر التي ذكرنا بعضًا منها، وإنما كانت هناك خطوات أخري محسوبة ومتعددة على كافة الجهات والطرق، ومن هذه المخططات: ١- الإرساليات التبشيرية التي قل أن يخلو مجتمع إسلامي منها. ٢- الإعداد الصهيوني والتنسيق بينه وبين الفكر الغربي. ٣- التصنيف والتأليف في المباحث الإسلامية , واستغلال قصور المسلمين فيها. ٤- إلقاء المحاضرات في الجامعات أو الجمعيات الإسلامية. ٥- إنشاء دوائر المعارف الإسلامية، والمعاجم المختلفة.. وغيرها.. ٦- استغلال البعثات العلمية والثقافية. ٧- الامتيازات الأجنبية والحصانات الدبلوماسية واستغلالها. ٨- استغلال الأقليات والطوائف والنعرات. ٩- التعاون بين التبشير والسياسة. ١٠- استغلال الحركات الوطنية، والتطلعات السياسية. ١١- استغلال فقر الشعوب، وحاجتها، وعريها، وربط الإحسان بالتبشير. ١٢- استغلال العواطف والجوع الجنسي، واستخدامه في خدمة الأهداف. ١٣- الرحلات، وجمعيات الصداقة، والدعوة إلى العالمية، والمجتمعات الكشفية. ١٤- المساعدات الاقتصادية، وربطها بتسهيلات، وتنازلات معينة. ١٥- الدعوة إلى الحوار الحر، مع نبذ العقائد والأفكار، والتجرد للوصول إلى الحقيقة (١) في زعم هؤلاء.

стр. 11782

تيارات الغزو الفكرى ومما لا يخفى على باحث أو دارس أن الغزو الفكرى لكى يحقق أهدافه من إبعاد الأمة الإسلامية، عن أصالتها، وآدابها اتخذ له منافذ متعددة، وتيارات مختلفة، قد تبدو متباينة، ولكنها تلتقى جميعها في محاربة الإسلام، والمسلمين، ومن هذه التيارات والحركات: (الاستشراق) ، (التبشير) ، (الصهيونية) ، (الماسونية) ، (أندية الروتاري) ، (العلمانية) ، (القوميات) ، (التغريب) ، (الوجودية) (١) ، (الفوضوية) ، (القاديانية) ، (البابية والبهائية) ... وغير ذلك. إن هذه التيارات والحركات، صنعها (الغزو الفكرى) ، ليمر من خلالها إلى الشعوب الإسلامية، وقد استطاعت هذه التيارات أن تثبت أقدامها، وتوطد علائقها، وتقيم معاهدها، ومدارسها ... وهناك مجتمعات إسلامية – جميع أبنائها مسلمون – بدت فيها ظاهرة لا ينتبه لها إلا أولئك الباحثون، وما أخطر هذه الظاهرة, ظاهرة إنتشار صورة الصليب في أشكال قد لا تلفت النظر لأول وهلة, فقد يكون الصليب داخل مربع يضئ ليلًا أعلى قمة محل تجارى.. وقد يكون الصليب داخل إطار دائرى تتزين به حجر الاستقبال.. قلت لصديقى الذي تتزين حجرة جلوسه بثلاث من هذه الدوائر: ما هذا؟ قال: لا أدرى – والله – إنها أدوات زينة.

стр. 11783

وقد يكون الصليب داخل إطار كتابى (شعارًا) لإحدى الشركات الكبرى. وفى بعض المجتمعات الإسلامية لا يستطيع أحد أن يشير إلى أي ظاهرة من ظواهر الغزو الفكرى في المجتمع بأى إشارة كانت, وهكذا تعيش بعض المجتمعات الإسلامية في ظواهر الغزو الفكرى، ولا أحد يرى، ولا أحد يتكلم، ولا أحد يسمع. لقد نجحت الحملات التي قامت بها مؤسسات الغزو الفكرى الغربى في تحقيق أغراضها نجاحًا بعيدًا حين ضمت إليها فئات مثقفة من المسلمين، وجعلتها في صفها تحارب الإسلام وثقافته، وأكثر من هذا أن هؤلاء المثقفين صاروا يستنكرون الثقافة الإسلامية إذ تناقضت مع الثقافه الغربية, وصاروا يستمرئون الثقافة الغربية ويتتعشقونها، ويتجهون في الحياة طبق مفاهيمها (١) لقد أقبل الكثير من المسلمين على ثقافة الغرب يدرسونها ويطبقونها ويتسابقون في الأخذ بها، وأستجاب المسلمون إلى الدعوات العنصرية حتى صارت على لسان الكثيرين، وحتى صارت الإقليمية الضيقة هي المرتكز لأى عمل في أي اتجاه سياسيًّا كان أم أقتصاديًّا أم فكريًّا. إن هناك حربًا تشن على العقائد الموروثة, وعلى المسلمات التي تتصل بالوحى والبعث, وهناك فلسفات مطروحة، ترمى إلى إلغاء القيم الثوابت، إقامة التطور المطلق، وتجاوزنا الروح وإقامة المادة وحدها، وإلغاء الضوابط الأخلاقية والمسؤولية الفردية ,ودعوة إلى رفع الوصاية عن الشباب، بل هناك دعوة صريحة أعلنت خطتها بإخراج العرب والمسلمين من إطارات الدين، ودعوتهم إلى علمنة الذات العربية, وهناك دعوات إلى إعادة طرح الأساطير، والإباحيات في أفق الفكر الإسلامي عن طريق القصة، والمسرح، والصحافة، وهناك دعوات تزين الباطل وتزخرفه ودعوات تحول الشر إلى صور براقة زاهية (٢)

стр. 11784

أهداف الغزو الفكرى لا يمكن أن يتصور عاقل أن الحرب بين الإسلام وأعدائه قد وضعت أوزارها, ولا يمكن أن يتصور عاقل أن أعداء الإسلام قد سكتوا عن الإسلام بعد أن تحالفوا ضد أهل الإسلام فغلبوهم وجعلوا منهم أممًا بعد أن كانوا أمة, وفرقًا بعد أن كانوا وحدة. ولا زال أعداء الإسلام يدبرون لحربه كل يوم وسيلة. ويحشدون للوقوف في وجهة كل يوم قوة، وليس خطر الكلمة والفكرة بأقل من خطر الجندى والسلاح في المعركة الضارية التي يشنها أعداء الإسلام على الإسلام وأهله. إن هؤلاء الأعداء قد سكتوا عن حرب الجنود والأسلحة، ليشنوا حرب التشويه والتخريب للإسلام: منهجه وتاريخه ورجاله وتراثه ولغته وقرآنه وتحالفوا وتآزروا وابتكروا حديث الوسائل، وخبث التيارات والأساليب, فغزوا المسلمين في قلوبهم، وأفكارهم، وأخلاقهم، وأزيائهم, وشنوا على العالم الإسلامي من الغارات مالا يخفى أمره (١) . وإن أخص صفات عصرنا هي أنه ينتج من الأفكار بقدر ما ينتج من الأشياء، وليس من الضرورى أن نتطلب من الأفكار المنتجة أن تكون نافعه دائمًا كالأشياء فإن المجتمعات التي تصدر إلينا أشياء الحضارة، ترى في الأفكار سلعة ينبغى أن تتغير كل يوم كما تتغير طرز الأشياء، ولذلك يقف مثقفونا مبهورين أمام موجات الفكر الوارد من الخارج، ماذا يأخذون وماذا يدعون؟ بل قل: ماذا يقرؤون، ماذا يترجمون؟ ولا شيء أكثر من هذا يكفيهم أن يستطيعوا ملاحقة الأفكار، دون أن يكون عليهم أن يواجهون أو ينقدوها , فهم إلى أن يصوغوا نقدًا معينًا لأحد الاتجاهات الجديدة نسبيًّا يكون الوقت قد فات، وتقاوم بمرور الزمن ما ينقدون, وغطت عليه أفكار أخرى أشد لمعانًا وأكثر جاذبية وإشعاعًا. ومما لا شك فيه أن العالم الإسلامي هدف ثمين من أهداف تصدير الأفكار، نظرًا إلى موقعه وخطورة موقفه، ليبقى هذا العالم مفتقرًا إلى الدول المصدرة وليحال بينه وبين أفكاره الأصيلة التي يمكن أن تغنيه عن الاستيراد. وسوق الأفكار أخطر أسواق المنتجات، أكثرها تقبلًا للتزييف والإفساد, ومن ثم حفلت أسواقنا بما هو أشد فتكًا من السموم، وأعظم انتشارًا من الهواء, يتخلل كل خلية وينخر في كل بناء, أفكار ترتدى أثوابًا أو تحمل شعارات، أو ترفع مشاعل, ليس الثوب فيها أو الشعار أو المشعل إلَّا قناعا يستر الزيف الخطر (٢)

стр. 11785

إن الغزو الفكرى الذي يحتاج الشعوب الإسلامية يهدف فيما يهدف إلى: ١- أن تظل الشعوب الإسلامية خاضعة لنفوذ القوى المعادية لها.. تلك القوى التي تتمثل في عدد محدود من الدول الكبيرة، التي يحمى بعضها بعضا، ويتبادل ساستها الدفاع عن المصالح، التي تهم أي طرف من أطرافها. ٢- أن تظل بلدان العالم الإسلامي خصوصًا، والعالم النامى عمومًا تابعة لتلك الدول الكبيرة المتقدمة تبعية غير منظورة، وفى هذه التبعية يكمن دهاء تلك الدول المتبوعة وذكاؤها، فليس أقتل للشعوب من أن تحس بالحرية والاستقلال بينما هي ترسف في قيود الذل والتبعية. وليس أضيع لمستقبل أمه من الأمم أن تعجز عن أن تخطط لمستقبلها ومصيرها إلا وهى دائرة في فلك دولةٍ كبيرةٍ واهمةً ذاهلةً عن حقيقة ما تعانيه من تبعية. ٣- أن تتبنى الأمة الإسلامية أفكار أمة أخرى من الأمم الكبيرة دون نظر فاحص، وتأمل دقيق، مما يؤدى إلى ضياع حاضر الأمة الإسلامية في أي قطر من أقطارها، وتبديد لمستقبلها، فضلًا عما في ذلك من صرف عن منهجا وكتابها، وسنة ورسولها.. وما يترتب على هذا الصرف من ضياع أي ضياع، إذ لا يوجد مذهب سياسى أو اقتصادى أو اجتماعى يغنى الأمة الإسلامية عن منهجها الإلهى، ونظامها الشامل المتكامل في كل زمان ومكان. ٤- أن تتخذ الأمة الإسلامية مناهج التربية والتعليم لدولة من هذه الدول الكبيرة فتطبقها على أبنائها وأجيالها، فتشوه بذلك فكرهم، وتمسخ عقولهم، وتخرج بهم إلى الحياة وقد أجادوا بتطبيق هذه المناهج عليهم شيئًا واحدًا، هو تبعيتهم لأصحاب تلك المناهج الغازية أولًا, ثم يلبس الأمر عليهم بعد ذلك، فيحسبون أنهم بذلك على الصواب، ثم يجادلون عما حسبوه صوابًا ويدعون إليه، وهم بذلك يؤكدون تبعيتهم من جانب آخر، فيعيشون الحياة وليس لهم منها إلا حظ الأتباع والأذناب. ٥- أن يحول العدو بين الأمة الإسلامية وبين تاريخها وماضيها وسير الصالحين من أسلافها، ليحل محل ذلك تاريخ تلك الدول الكبيرة الغازية وسير أعلامها وقادتها. ٦- أن تزاحم لغة الغالب لغه المغلوب، فضلًا عن أن تحل محلها أو تحاربها بإحياء اللهجات العامية أو الإقليمية، ما دام الإنسان لا يفكر إلا باللغة فإن إضعاف لغة أمة هو إضعاف لفكرها. ٧- أن تسود الأمة المغزوة أخلاق الأمة الغازية وعاداتها وتقاليدها (١) . ٨- تصوير تراث الأمة الإسلامية بصورة التخلف، وعدم قدرته على إمداد الحضارة بشئ مفيد، وأنه لم يكن له فضل على الحضارات التي جاءت بعده.

стр. 11786

٩- إحياء الجوانب الضعيفة في التراث الإسلامي خاصة فيما يتعلق بالخلافات السياسية التي وقعت بين المسلمين أنفسهم، والتركيز على دعوات الحركات الباطنية، وإخراجها بصورة جميلة مضيئة، ووصف هذه الدعوات بأنها كانت تحمل فكرًا عاليًا، وفلسفة عميقة (١) . ١٠-إضعاف مثل الإسلام وقيمه العليا من جانب، وإثبات تفوق المثل الغربية وعظمتها من جانب آخر، وإظهار أي دعوة للتمسك بالإسلام بمظهر الرجعية والتأخر. ١١- تشكيك المسلمين بقيمة تراثهم الحضارى، بدعوى أن الحضارة الإسلامية منقولة عن حضارة الرومان، ولم يكن العرب والمسلمون إلا نقلة لفلسفة تلك الحضارة وآثارها. ١٢-إضعاف روح الإخاء الإسلامي بين المسلمين في مختلف أقطارهم عن طريق إحياء القوميات التي كانت لهم قبل الإسلام، وإثارة الخلافات والنعرات بين شعوبهم (٢) . ١٣-اقتلاع العقيدة الإسلامية من قلوب المسلمين، وصرفهم عن التمسك بالإسلام نظامًا وسلوكًا. ١٤-تفريغ العقل والقلب من القيم الأساسية المستمدة من الإيمان بالله، ودفع هذه القلوب عارية أمام عاصفة هوجاء تحمل معها السموم عن طريق الصحافة والمسرح والفيلم والأزياء والملابس.

стр. 11787

نقد الغزو الفكري ومواجهته بعد أن اتضحت لنا أبعاد (الغزو الفكري) وتياراته، وحركاته، التي تعمل ليل نهار، يبقى أمامنا السؤال الكبير: ماذا فعلنا نحن؟ من موقفنا من الغزو الفكري؟ إن جزءًا كبيرًا من الغزو الفكري حركة فكرية هائلة، وما تنتجه هذه الحركة يخصنا نحن المسلمين، ويخص عقيدتنا، ولغتنا، وتراثنا، وتاريخنا، وذاتيتنا. وإن جزءًا كبيرًا آخر من الغزو الفكري حركة عملية هائلة، تأخذ المواقع، وتسيطر على القلوب. والغزو الفكري بحركته الفكرية والعملية من أخطر ما نواجه في حياتنا؛ لأن ما يقوم به من أهداف تقوض الدعائم يتعلق بأعمق أعماقنا عقديًّا، وفكريًّا، وحضاريًّا، وليس هناك أمام المسلمين من سبيل إلا المواجهة وقبول التحدي وإثبات الذات وإلا فلسنا جديرين بالحياة. ولا يخفي على أحد أن السعي إلى إثبات الذات والعمل على مواجهة هذه التحديات والتيارات الغازية دليل صحة، ودليل صحوة..- إذن – لابد من منهج. والمنهج الصحيح هو أن نواجه الفكر بالفكر، والعمل بالعمل، ولما كان التخطيط الاستشراقي منبعًا لكثير من التيارات, والتحرك التبشيري غزوًا علميًّا للمجتمعات، كان علينا أن نواجه هذين التيارين في قوة وحزم.

стр. 11788

أولًا – مواجهة الفكر الاستشراقي: لا شك أن الاستشراق كان ولايزال يشكل الجذور الحقيقية، التي تقدم المدد للتنصير والاستعمار، والعمالة الثقافية، ويغذي عملية الصراع الفكري، ويشكل المناخ الملائم، لفرض السيطرة الاستعمارية على الشرق الإسلامي وإخضاع شعوبه. فالاستشراق هو المنجم، والمصنع الفكري، الذي يمد المنصرين والمستعمرين، وأدوات الغزو الفكري، بالمواد التي يسوقونها في العالم الإسلامي، لتحطيم عقيدته، وتخريب عالم أفكاره، والقضاء على شخصيته الحضارية التاريخية (١) . لقد تطورت الوسائل، وتعددت طرق المواجهة الثقافية الحديثة، ويكفي أن نشير إلى مراكز البحوث والدراسات، سواء أكانت مستقلة أم أقسامًا للدراسات الشرقية، في الجامعات العلمية، والاختصاصات الدراسية تمثل الصور الأحدث فيتطور الاستشراق، حيث تمكن أصحاب القرار من الاطلاع والرصد لما يجري في العالم يوميًّا (٢) . ففي القارة الأمريكية وحدها حوالي عشرة آلاف مركز للبحوث والدراسات، القسم الكبير منها متخصص بشؤون العالم الإسلامي، ووظيفة هذه المراكز تتبع ورصد كل ما يجري في العالم، ومن ثم دراسته وتحليله، مقارنًا مع أصوله التراثية التاريخية ومنابعه العقدية، ثم مناقشة ذلك مع صانعي القرار، لتبني على أساسه الخطط، وتوضع الاستراتيجيات الثقافية والسياسية، وتحدد وسائل التنفيذ (٣) .

стр. 11789

وإن الباحث في مؤسسات الاستشراق ووسائله المختلفة يجد أنها استطاعت أن تؤثر في العقلية الإسلامية، فهذه دائرة المعارف الإسلامية تعد أكبر مصدر للمعلومات والحقائق الإسلامية، وأثمن ذخيرة لها، وتعتبرها بعض البلاد الإسلامية اليوم، أساسًا للمعلومات الإسلامية، وتقوم بترجمتها إلى لغاتها بنصها وروحها (١) . ولقد نجحت العقلية الأوروبية الاستشراقية في فرض شكليتها وآليتها على التحقيق والتقويم والنقد والسيطرة على مصادر التراث العربي الإسلامي، ويمكن القول بأن معظم الكتابات العربية المعالجة للتراث، قد سارت على هذا النهج في التاريخ، والأدب، وغيره.. ولم تتجاوزه إلا في القليل النادر، وانتهت إلى إيجاد ركائز عربية معبرة عنها، ومتبنية لوجهة نظرها، ومدافعة عن المواقع الثقافية التي احتلتها، حتى في الجامعات، والمؤسسات العلمية لا يزال الخضوع والاحتكام للقوالب الفكرية، التي اكتسبها بعض المثقفين العرب، من الجامعات الأوروبية (٢) . وبجانب كل هذا فإن الاستشراق يذهب إلى محاولة إلغاء النسق الإسلامي، ومحاولة تشكيل العقل المسلم، وفق النسق الغربي الأوروبي، وإنجاب تلامذة من أبناء العالم الإسلامي، لممارسة هذا الدور , والتقدم باتجاه الجامعات والمعاهد، ومراكز الدراسات والإعلام والتربية في العالم الإسلامي لجعل الفكر الغربي والنسق الغربي هو المنهج، والمرجع، والمصدر، والكتاب (٣) . ومما يلحظه الباحث بوضوح أن عمليات الاستشراق والتغريب، لم تستسلم، ولم تلق السلاح، لكن لما أعياها السعي، فبدل أن تقر بفساد نظرياتها، وطروحاتها، وعدم إمكانية القبول لها في العالم الإسلامي، تحاول اليوم أن تعتبر أن المشكلة والعلة في بنية العقل المسلم أصلًا، لتأتي على البنيان الإسلامي من القواعد، وترسب في النفوس أن السبب في التخلف، والعجز، والتخاذل الثقافي، وعدم القدرة على الإبداع، وقبول الفكر الغربي، هو في بنية هذا العقل، وتكوينه، وميراثه الثقافي. فهو عقل مولع بالجزئية، وعاجز عن النظرة الكلية للأشياء، وهو عاطفي يحب الإثارة والانفعال، ويعجز عن الفعل، وهو محكوم أيضًا بموروث ثقافي، لا يستطيع الفكاك منه, فهو لا يفكر بطلاقة وحرية، لأنه محكوم بوحي مسبق، وهو يقوم على منهج التفكير الاستنتاجي، ويعجز عن التفكير الاستقرائي، وهو معجب بالمنهج البياني، وعاجز عن المنهج البرهاني، وهو يخلط بين الواقع المعاش والمثال الخيالي، وصاحبه يحب الثأر، ويغرق في الملذات، وإن الإسلام الذي يكون هذا العقل هو دين أمر ونهي، وزجر وكبت للحرية، وإلغاء للاجتهاد، الأمر الذي أدى إلى التقليد وفقدان الشخصية، والقدرة على الإبداع (٤) . ولابد أن نعترف بأن الاستشراق يستمد قوته من ضعفنا، ووجوده نفسه مشروط بعجز العالم الإسلامي عن معرفة ذاته، وينهض عن عجزه، ويلقي على كاهله أثقال التخلف الفكري والحضاري، يومها سيجد الاستشراق نفسه في أزمة وخاصة الاستشراق المشتغل بالإسلام، ويومها لن يجد الجمهور الذي يخاطبه، لا في أوروبا، ولا في العالم الإسلامي، ولا يجوز لنا أن ننتظر من غيرنا – أيًّا كان هذا – أن يساعدنا على النهوض من كبوتنا (٥) . وإذا كان علينا أن نضع عن أنفسنا أغلال الوصاية الفكرية فإن علينا من ناحية أخرى أن نتحرر من عقدة التخلف التي تسيطر علينا في جميع مناحي حياتنا والتي تسد علينا منافذ الأمل في الخروج من أزمتنا فقد تحرؤرنا من الاستعمار العسكري ولكننا لم نتحرر من القابلية للاستعمار , ولهذا فإن نظرتنا لكل ما يأتي من الغرب هي نظرة التقدير والإكبار، حتى وإن كان هذا الذي يرد إلينا متمثلًا في أزياء غريبة عن أذواقنا وتقاليدنا (٦) . وحتى نكون في مستوي الحوار الفكري، والتبادل المعرفي، ونوقف فعلًا الغزو الفكري والاختراق الاستشراقي، لابد أن نكون قادرين على امتلاك الشوكة الفعلية.. أن نكون قادرين على الإنتاج الفعلي لمواد ثقافية تمثل ثقافتنا وتأتي استجابة لها، وتغري الناس بها، وبذلك وحده نكون في مستوي الحوار والتبادل المعرفي، فالمواجهة لا تكون بإدانة الآخرين والنظر إلى الخارج دائمًا، وإنما تبدأ حقيقة من النظر إلى الداخل أولًا لملء الفراغ بعمل بناء مستمر، وتحصين الذات (٧)

стр. 11790

وقد لا يكون المرء مجانبًا للصواب إذا قال: إننا إذا لم نتصد للتيار الاستشراقي بكل قوة فسوف نتعرض للانسلاخ والذوبان لا محالة , والمعركة بين الاستشراق والإسلام معركة فكرية هائلة، جند لها المستشرقون كل المعاول التي تحاول أن تهزم المسلمين وتبعدهم عن إسلامهم. وإن الإنسان الذي يتابع النشاط الاستشراقي قد يلحظ بوضوح أن هذا النشاط يمثل قمة التحدي للفكر الإسلامي، وقد يكون معروفا لدى الباحثين: (أن التيارات الفكرية الأجنبية القديمة التي كانت تمثل تحديا للإسلام، والفكر الإسلامي الأصيل، في عصور الإسلام الزاهرة – كانت حافزًا للمسلمين، في تلك الأيام الخوالي للوقوف أمامها بقوة وصلابة (١) . وقد رأى الإمام الغزالي في عصره أن التيارات الفلسفية يتردد صداها في الأرجاء وأنها تصول وتجول في تحد سافر للفكر الإسلامي والمسلمين , فلم قف الغزالي موقف المتفرج ولم يسب ويشتم ويصرخ ويولول، ولم يرغب أن يترك الأمر ويقول: لا شأن لي به، ولكنه عزم على خوض المعركة, فأعد العدة، واتخذ لها الأدوات من العلم والمعرفة بما عند هؤلاء. وقد رأى أن يتقن الفلسفة ويتفرغ لقضاياها ويتعرف على مقاصد الفلاسفة، واستطاع في دقة وإتقان أن يخرج كتابه: (مقاصد الفلاسفة) , وكان ما قام به هو الخطوة الأولى في منهج المواجهة للفكر الفلسفي، ثم جاءت الخطوة الثانية بعد ذلك، بالكشف عما في (مقاصد الفلسفة) من تناقض للفكر، ومخالفة للمنطق والعقل، وتعثر في المقاصد، فكان كتاب (تهافت الفلاسفة) يمثل قمة المواجهة.

стр. 11791

واستطاع بهذا المنهج النقدي أن يواجه المعركة، ويخوض غمارها، في قوة ودقة، ويقول الغزالي معبرًا عن ذلك المنهج: (ثم إني ابتدأت – بعد الفراغ من علم الكلام – بعلم الفلسفة، وعلمت يقينًا: أنه لا يقف على فساد نوع من العلوم، من لا يقف على منتهى ذلك العلم، حتى يساوي أعلمهم في أهل ذلك العلم، ثم يزيد عليه، ويجاوز درجته، فيطلع على ما لم يطلع عليه صاحب العلم من غوره وغائله، وإذ ذاك يمكن أن يكون ما يدعيه من فساده حقًّا، ولم أر أحدًا من علماء الإسلام، صرف عنايته وهمته إلى ذلك) (١) . وإذا كان الغزالي، قد استطاع أن يواجه الفكر الفلسفي في عصره، فإن الأمر بالنسبة للاستشراق يحتاج إلى جهود أفراد ومؤسسات، فمكتبات العالم مليئة بإنتاج المستشرقين، وبشتى اللغات الإنسانية، وهناك عشرات المجلات ومئات المؤسسات التي ترعى الاستشراق، وتعمل لخدمة المستشرقين، وهناك أيضًا آلاف العلماء والباحثين من المستشرقين الذين يتفرغون لبحوثهم ودراساتهم , وهناك المؤتمرات الاستشراقية العالمية التي تعقد حسب الحاجة في العواصم العالمية. ولقد كان لحركات الفكر الاستشراقي منذ القرن الثامن عشر قوة دفع ورواج واستقطاب، أثارت اهتمام رجال الفكر الإسلامي، بما كتبه المستشرقون عن الإسلام في الكتب والمجلات والموسوعات، وعن مصدرية الأساسيين: القرآن الكريم والسنة النبوية، وعن النبي الذي بعثه الله بهذا الدين الحنيف (٢) ، ومواجهة التحديات الاستشراقية، ضرورة لابد منها، إن كنا نريد الحفاظ على عقائدنا التي جاء بها الإسلام، وكنا نريد الحفاظ على ذاتيتنا وشخصيتنا , ومواجهة الاستشراق في مجال العقيدة الإسلامية وغيرها يحتاج – كغيره – إلى بذل جهود صادقة ومخلصة لرد هذه الطعون المفتراة، حتى لا يأتي زمن نجد أنفسنا فيه بألسنة غير ألسنتنا، نردد ما يقوله المستشرقون دون وعي أو دون أن نحس أننا مسلمون لنا عقائدنا وشخصيتنا.

стр. 11792

ومنهج نقد الاستشراق في مجال العقيدة الإسلامية وغيرها مما تناوله الاستشراق لابد وأن يقوم من وجهة نظرنا على الأصول الأساسية التالية: أولا: استيعاب شامل للإنتاج الاستشراقي في مختلف المجالات الإسلامية، وهذا الاستيعاب لابد منه، ومن حق الأمة الإسلامية، أن يعرف أبناؤه ما يقوله الآخرون عنها، في عقائدها وغير عقائدها، ليكون أبناء الأمة على بينة مما يقوله - أو يتقوله - هؤلاء المستشرقون.. ويلزم هذا الاستيعاب الشامل تحقيق الأمور التالية: ١- القيام بحصر شامل لكتاب المستشرقين في المجالات المختلفة في القرنين التاسع عشر والعشرين بصفة أساسية باللغات الإنجليزية والفرنسية والألمانية والأسبانية والإيطالية والروسية , ويشمل هذا الحصر الكتب والمجلات والدوريات. والقيام بعملية حصر هذه الأعمال الاستشراقية يحتاج إلى خبراء وعلماء مسلمين متخصصين، ويحتاج إلى عدد من المساعدين في مجال كل لغة نأخذ منها. ٢- لابد من توفير كل الأعمال الاستشراقية، المشار إليها، عن طريق الشراء، إذا كانت متوفرة، أو عن طريق التصوير إذ لم يمكن شراؤها، وتشكل هذه الأعمال مكتبة استشراقية تكون تحت أيدي الخبراء والعلماء. ٣- يقوم جهاز متعاون من الخبراء في اللغات المختلفة بتحضير المادة وتصنيف الموضوعات، وضم المادة التي يتكرر الحديث عنها في لغات مختلفة تحت موضوع واحد. ٤- تقدم المادة للعلماء الذين سيقومون بإعداد النقود العلمية، ويراعى عند تقديم المادة للعلماء أن تترجم لهم الأفكار الأساسية للقضايا المعروضة، ليكون عند العلماء تصور شامل لكل ما قيل حول القضية المطروحة، وحتى يغطي التناول للموضوع وجهات النظر التي قيلت فيه (١) . ٥- تذكر مع المادة التي تقدم للعلماء أسماء المستشرقين الذين تناولوها وأزمنتهم وبيئاتهم، والدوافع وراء مقولاتهم.

стр. 11793

٦- العمل على بيان المصادر التي اعتمد عليها المستشرقون في كتاباتهم عن قضايا المسلمين، وهل هي مصادر إسلامية أصيلة في الموضوع، أم مصادر غير إسلامية؟ لأن بعض المستشرقين يعتمد على ما ذكره المستشرقون السابقون كمصدر أساسي دون الرجوع إلى كتب المسلمين. ٧- بيان المنهج الذي التزم به هؤلاء الكاتبون في العقائد والشرائع والتاريخ والحضارة والسيرة؛ لأن بيان مناهج المستشرقون سوف يكشف لنا عن أخطاء جسيمة في المنهج والنتائج، والدارس لمقولات المستشرقين في العقائد الإسلامية وغيرها يجد في هذه الكتابة تغربًّا عن المسلمات، وخروجًا صريحًا على البداهات، وما يمكن اعتباره محاولات متعمدة لإصابة هذه المسلمات والبداهات بالجروح والكسور، وهي لن تفعل فعلها في يقين المسلم إلا في حالات معينة، بينما نجدها تدفعه في أغلب الحالات وأعمها إلى الاشمئزاز والنفور. هذا مع أن معالجة واقعة تمتد جذورها إلى عالم الغيب وترتبط أسبابها بالسماء , ويكون فيها الوحي همزة وصل مباشرة بين الله سبحانه ورسوله الكريم، ويتربى في ظلالها المنتمون على عين الله ورسوله ليكون تعبيرًا حيًّا عن إيمانهم، وقدوة حسنة للقادمين من بعده مواقع كهذه؛ لا يمكن بحال أن تعامل كما تعامل الجزئيات والذرات والعناصر في مختبر الكمياء , أو كما تعامل الخطوط والزوايا والمساحات على تصاميم المهندسين، بل ولا كما تعامل الوقائع التاريخية التي لا ترتبط بأي بُعد ديني أصيل. (١)

стр. 11794

إننا هنا بمواجهة تجربة من نوع خاص، وشبكة من العوامل والمؤثرات تند عن حدود مملكة العقل، وتستعصي على التحليل المنطقي الاعتيادي المألوف، ومن ثم فإن محاولة قسرها على الخضوع لمقولات العقل الصرف، ومعطيات المنطق المتوارثة لا يقود إلى نتائج خاطئة حينًا ولا تستعصي عليه بعض الظواهر حينًا آخر فحسب، بل إنه يقوم بما يمكن اعتباره جريمة قتل بشكل من الأشكال، أو محاولة لتفحص الجسد البشري، كما لو كان في حالة سكون مطلق بعيدًا عن تأثيرات الروح وتعقيدات الحياة (١) . وإن الدين والغيب والروح والوحي والقضاء والقدر، وما اتصل بهذا من أمور العقائد ليس بمقدور الحس أو العقل أن يدلي بكلمته فيها إلا بمقدار، وتبقى المساحات الأكثر عمقًا وامتدادًا بعيدة عن حدود عمل الحواس وتحليلات العقل والمنطق. ثانيًا: نقد المنهج الذي التزم به المستشرقون في معالجة قضايا العقيدة الإسلامية، ونقد المنهج هو خطوة حاسمة وضرورية قبل البدء في نقد ما جاء من أخطاء وافتراءات في مجال العقيدة؛ لأن: (مناقشة أي من المستشرقين على مستوى التفاصيل والجزئيات، لا تغني شيئًا لأنها ستكون بمثابة نقد موقوت يتحرك على السطح، ويستهلك نفسه في الجزئيات دون أن يبحث عن الجذور العميقة التي تظل تنبت الشوك والحسك. والجذور العميقة هي المنهج الخاطئ الذي تقوم عليه أبحاث هؤلاء المستشرقون، فإذا استطعنا أن نضع أيدينا على عيوب المنهج وشروخه استطعنا معرفة المنبع الذي يتمخض عنه تيار الأخطاء الموضوعية، وخلخلة الأسس التي جاءت بهذه الثمار المرة، واقتلاعها (٢) .

стр. 11795

ثالثًا: نقد الأخطاء التي وقع فيها المستشرقون في مجال الإسلاميات , وعملية نقد هذه الأخطاء والمزاعم تقتضي منا عرض الشبهات والمقولات، ونقدها نقدًا علميًّا بعيدًا عن النزعات الهجومية حتى يكون لهذا العمل العلمي أثره الإيجابي لدى المثقفين من المسلمين وغير المسلمين.. وحتى يكون كذلك دافعًا للمستشرقين إلى إعادة النظر في أقوالهم وعونًا لهم على تصحيح اتجاهاتهم، وفي النهاية يكون هذا العمل بمثابة تعريف بالإسلام، لكل راغب في التعرف عليه (١) . ولا يخفى أن العمل العلمي القائم على النقد السليم يحمل العمل البنائي الذي يأخذ بالناس جميعًا إلى العلم والمعرفة، والعملية النقدية الهادفة جديرة بالممارسة والمتابعة لإثراء الفكر الإنساني بكل حق وبكل مفيد. والنقد المطلوب لشبهات وأخطاء المستشرقين لابد وأن يتجاوز الدفاع المتشنج إزاء كل ما طرحه أولئك الذين تخصصوا في الاستشراق. رابعًا: إبراز ما ردده بعض المستشرقين في نقدهم لمستشرقين آخرين، فإن هذه النقود العلمية التي ذكرها المستشرقون لها دلائلها، وقد تكون أبلغ في باب النقد والتصدي والمواجهة، وما أكثر ما جاء عن المستشرقين في باب النقد، إن ما ذكره بعض المستشرقين في هذا الباب، يشكل ثروة مفيدة، وليس من الكياسة أن نبتعد عن المنصفين. خامسًا: إثبات أن المصادر التي اعتمد عليها رجال الاستشراق غير أصيلة في الموضوع, وقد رأى الباحثون أن المستشرقين قد يرجعون إلى آراء مستشرقين سابقين قد أعماهم التعصب فنفثوا سمومهم فيما كتبوه، وبعضهم يرجع إلى مصادر لا تتصل بالعقيدة الإسلامية من قريب أو بعيد، وبعضهم يعتمد على كتاب ألف ليلة وليلة, وكليلة ودمنة، وغيرهما من الكتب التي تجري مجراهما.

стр. 11796

سادسًا: يحسن أن تحاط النقود بيان ما وقع فيه بعض المستشرقين من أخطاء علمية، أو لغوية، أو تاريخية، عن جهل، أو عن سوء فهم وضيق نظر أو عن شطط في الافتراضات (١) سابعًا: أن تقوم النقود التي توجه إلى الاستشراق على منهج يضم الأدلة العقلية والأدلة النقلية؛ لأن نقد الاستشراق هو بالدرجة الأولى للمسلمين حتى لا يخدعوا بهذه البحوث والدراسات التي تصل عن طريق الاستشراق، وحتى لا ينبهروا بهذا التيار. كما أن نقد الاستشراق هو للمستشرقين وقد لا يعترفون بالدليل النقلي، فكان لابد من الدليل العقلي المقنع، الذي يجعلهم يفكرون كثيرًا، قبل أن يقدموا على تناول ما للمسلمين بغير المراد. ثامنًا: أن تكون النقود التي توجه إلى الاستشراق شاملة لآراء السلف والخلف، في مسائل العقيدة من الأسماء والصفات، والتشبيه والتأويل، والقضاء والقدر، والحرية والجبرية، وقضية الألوهية والإسلام والإيمان، والنبوة والرسالة، والوحي والمعجزة، والبعث وما جرى مجرى هذا من مسائل العقيدة. ومواجهة الفكر الاستشراقي بما ذكره السلف والخلف فيه تضييق وحصار لآراء المستشرقين. تاسعًا: لابد من تفرغ عدد كبير من علماء الأمة الإسلامية المتخصصين والذين لهم اتصال بالبحوث والدراسات الاستشراقية للقيام بهذه النقود العلمية واستخراجها على ما ينبغي. عاشرًا: أن تتوفر لهذا العمل الجدية والجهود المخلصة، لتتمكن الأمة من المواجهة والعمل. وهناك أعمال أخرى تتصل بمنهج نقد الاستشراق وهي ضرورية ليكون هناك تكامل وحسم في المعالجة.

стр. 11797

ونذكر من تلك الأعمال ما يلي: ١- أن يصاحب النقود التي توجه للاستشراق عمل موسوعة الرد على المستشرقين، وموسوعة الرد شاملة لكل ما تناوله الاستشراق، وفي هذا يقول الدكتور محمود حمدي زقزوق: (إن المواجهة الفكرية الجادة هي الطريق الصحيح لمواجهة أية تيارات مناوئة للإسلام والمسلمين، ومن أجل ذلك ينبغي أن ننظر إلى حركة الاستشراق بكل جدية، ونأخذ في الحسبان أن لها آثارًا كبيرة على قطاعات عريضة من المثقفين في العالم الإسلامي في العالم الغربي على السواء، ولهذا لابد من التوفر على دراسة الاستشراق دراسة عميقة، ولما كان الفكر الاستشراقي مكتوبًا بشتى اللغات الحية ومنتشرًا انتشارًا واسعًا على مستوى عالمي، فمواجهته لابد أن تكون على المستوى العالمي نفسه) (١) . وقد دعت المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم وفي القاهرة في نهاية عام ١٩٧٩ م إلى ندوة لمناقشة موضوع إعداد (موسوعة للرد على المستشرقين) وقد حضر الندوة عدد يزيد على عشرين من العلماء والمفكرين المهتمين بهذا الموضوع، وقد أعدت التقارير وقضي الأمر ونامت الفكرة. (٢) ولا يفوت الباحث أن يذكر أن (موسوعة الرد على المستشرقين) تختلف عن (منهج نقد الاستشراق في مجال العقيدة والسنة وغيرهما) لأن الموسوعة شاملة للفكر الإسلامي. ٢- لابد من عمل دائرة معارف إسلامية، يقوم بعملها العلماء المسلمون (مشروع إصدار دائرة معارف إسلامية) من بين الأولويات العلمية الملحة، فلا يجوز أن نظل نقتات فكريًّّا من دائرة المعارف الإسلامية التي قام بإعدادها المستشرقون قبل الحرب العالمية الثانية؛ فقد تجاوزها المستشرقون وانتهوا منذ بضع سنوات من إصدار دائرة معارف إسلامية جديدة، وواجبنا نحن المسلمين أن نقوم بإصدار دائرة معارف إسلامية باللغة العربية واللغات الأوروبية تكون على الأقل في مستوي دائرة المعارف الإسلامية في شتى فروع الدراسات الإسلامية والعربية إلى المسلمين وغير المسلمين على السواء. (٣)

стр. 11798

وقد لا يكون المرء مجانبًا للصواب إذا عرف أن تقاعس المسلمين حتى اليوم عن عمل (دائرة معارف إسلامية) يدل على الضعف، الذي يدب في النفوس، وأن مؤتمرات العلماء المسلمين، وقراراتهم تمثل مظاهرة صاخبة هاجت وماجت ثم نامت.. إن مشكلتنا أننا نتكلم أكثر مما نعمل، وإن شئت فقل: إننا نتكلم ولا نعمل. ومهمتنا لنواجه الاستشراق أن نعمل على إصدار عدة موسوعات ودوائر معارف في التاريخ والعقائد والأدب والأخلاق والفقه والحديث ومختلف العلوم والفنون؛ لأن المعركة فكرية قوامها انتشار الكلمة. ٣- من الضروري لمؤازرة منهج نقد الاستشراق في الأمور التي خاض فيها أن تكون هناك دوريات ومجلات ونشرات بمختلف اللغات تتناول ما يتصل بمواجهة الاستشراق لمحاصرة الفكر الاستشراقي، وصد هجومه والوقوف أمام زحفه. ٤- من الضروري لنجاح التصدي لسوء ما جاء عن بعض المستشرقين أن تكون هناك مؤسسات علمية وأكاديمية ودعوية، ترعى شؤون النقد والمواجهة وإعداد الدوريات والمجلات والمؤتمرات. وفي إمكان الأمة الإسلامية أن تُوجِد الهيئات العلمية العالمية، وتهيئ الأجواء المناسبة التي تكفل نجاح المواجهة، والتصدي للزحف الاستشراقي، وذلك أن أمتنا الإسلامية حباها الله بأعظم النعم، كما بها من الجامعات ما يمكن من وجود آلاف العلماء المتخصصين في مختلف العلوم والفنون..

стр. 11799

٥- أن نمد يد الصداقة والمودة للهيئات الاستشراقية العالمية، وأن يكون لنا دور بالمشاركة في المؤتمرات الاستشراقية التي تعقد في مختلف العواصم العالمية. وهذه المشاركة لها أثر إيجابي في نفوس المستشرقين، فقد تجعل المستشرقين يشعرون بأننا لسنا منعزلين، وإننا نريد أن نفهمهم: من نحن، ومن نكون؟ ومن الكياسة أن ندعو بعض المستشرقين المنصفين لفكرنا وتراثنا إلى مؤتمراتنا ونداوتنا. ٦- أن تقيم كل جامعة في مجتمعات الأمة الإسلامية معهدا للدراسات الاستشراقية، يمنح الدارسون في هذا المعهد درجات علمية عالمية، وقد لا يتصور الإنسان أن الأمة الإسلامية - وقد تعددت جامعاتها المختلفة - لم تعمل بعد على إنشاء معاهد أو أقسام للدراسات الاستشراقية، في حين أننا نجد أنه ما من جامعة في أوربا أو أمريكا إلا وملحق بها معاهد وأقسام لدراسة الإسلام والمسلمين حتى أصبحنا بحركاتنا وسكناتنا واقعين تحت سيطرة وأقوال وآراء الاستشراق. ٧- أن تعمل كل جامعة وكل معهد وكل مؤسسة على تفرغ عدد معين من أساتذتها للدراسات الاستشراقية في مواضع محددة. ٨- أن يكون هناك تنسيق وتخطيط بين المؤسسات الإسلامية وتكامل في الموضوعات المطروحة. وبهذه الأعمال العلمية نستطيع أن نتصدى للتحديات التي تواجه الأمة الإسلامية، وبهذه الأعمال العلمية نستطيع أن نكشف في وضوح أن جهود المستشرقين لا تستند على حجة ولا عقل ولا منطق، بل هي جهود مغرضة الهدف منها النيل من الإسلام وأهله، وقد اتسمت هذه الجهود بالكذب والافتراء والمغالطة. ومن يتصفح كتب المستشرقين وموسوعاتهم ودوائرهم.. يجد مئات من الاتهامات والأباطيل، وآلاف التخريجات التي لا صلة لها بالعلم. وإذا كان المسلمون يظنون أنهم في صحوة إسلامية ووعي إسلامي، فإن من مبادئ الصحوة الإسلامية وأولياتها: مواجهة الاستشراق والمستشرقين حتى لا يأتي وقت تكون فيه هذه الصحوات إرادة استشراقية وتجارب مرادة تجعل المسلمين يهتمون بالأشكال والقشور وكل من شأنه أن يبعث على الجمود والتأخر والتخلف.

стр. 11800

ثانيًا: مواجهة التبشير: كلمة (التبشير) من الكلمات التي أطلقت على المنظمات الدينية النصرانية التي تستهدف نشر الديانة النصرانية في المجتمعات الإسلامية والوثنية والإلحادية. ومما يجدر أن نعرفه أن البعض من الدارسين والباحثين يستعملون في بحوثهم التي تتصل بنشر النصرانية كلمة (التنصير) بدلًا من كلمة (التبشير) ؛ لأن كلمة التبشير في المعاجم تعني: الخبر الذي يفيد السرور، والبعض الآخر يستعملون كلمة (التبشير) لأن كلمة التبشير هي لسانهم وعقيدتهم، ونحن نستعمل في بحوثنا كلمة الاستعمار والشيوعية والاشتراكية والعلمانية والديمقراطية كما ذكرها أصحابها، ولا مانع أن نذكر كلمة التبشير كما جاءت. والتبشير – كما تذكره الموسوعات – حركة دينية سياسية استعمارية بدأت بالظهور إثر فشل الحروب الصليبية بغية نشر النصرانية في الأمم المختلفة في دول العالم الثالث بعامة, وبين المسلمين بخاصة، بهدف إحكام السيطرة على هذه الشعوب. ويعتبر المبشر (ريمون لول) أول نصراني يتولى التبشير بعد فشل الحروب الصليبية في مهمتها، إذ أنه قد تعلم اللغة العربية بكل مشقة، وأخذ يجول في بلاد الشام مناقشًا علماء المسلمين، ومنذ القرن الخامس عشر الميلادي وأثناء الاكتشافات البرتغالية دخل المبشرون الكاثوليك إلى إفريقيا، وبعد ذلك بكثير أخذت ترد الإرساليات التبشيرية البروتستانتية إنجليزية وألمانية وفرنسية. وقد اهتمت الكنيسة بتوجيه الجهود إلى التبشير في المجتمعات الإسلامية، تريد أن تقتلع الإسلام من نفوس المسلمين، أو تبعد المسلمين عن الإسلام حتى يمكن أن يعتز الإنسان بالقومية أو الحزبية أو الاشتراكية، أو ما جرى مجرى هذا دون أن يفكر في الإسلام. ويكاد يجمع المبشرون فيما بينهم على أن القوة التي تخيف أوروبا وأمريكا هي قوة الإسلام والمسلمين، ولذا يعمل التبشير بكل ما يملك على تمزيق الأمة الإسلامية، ويصرح المبشر لورانس براون: بالهدف الحقيقي للمبشرين من عملهم في بلاد المسلمين فيقول: (إذا اتحد المسلمون في إمبراطورية عربية أمكن أن يصحبوا لعنة على العالم وخطرًا، أو أمكن أن يصبحوا أيضًا نقمة له، أما إذا بقوا متفرقين فإنهم يظلون حينئذ بلا وزن ولا تأثير) .
следующие страницы →