← Фикх общий

Фикх общий · id 8356

مجلة مجمع الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (22 276 стр.). Показаны 11796–11835 · переход к 11801.

стр. 11796

سادسًا: يحسن أن تحاط النقود بيان ما وقع فيه بعض المستشرقين من أخطاء علمية، أو لغوية، أو تاريخية، عن جهل، أو عن سوء فهم وضيق نظر أو عن شطط في الافتراضات (١) سابعًا: أن تقوم النقود التي توجه إلى الاستشراق على منهج يضم الأدلة العقلية والأدلة النقلية؛ لأن نقد الاستشراق هو بالدرجة الأولى للمسلمين حتى لا يخدعوا بهذه البحوث والدراسات التي تصل عن طريق الاستشراق، وحتى لا ينبهروا بهذا التيار. كما أن نقد الاستشراق هو للمستشرقين وقد لا يعترفون بالدليل النقلي، فكان لابد من الدليل العقلي المقنع، الذي يجعلهم يفكرون كثيرًا، قبل أن يقدموا على تناول ما للمسلمين بغير المراد. ثامنًا: أن تكون النقود التي توجه إلى الاستشراق شاملة لآراء السلف والخلف، في مسائل العقيدة من الأسماء والصفات، والتشبيه والتأويل، والقضاء والقدر، والحرية والجبرية، وقضية الألوهية والإسلام والإيمان، والنبوة والرسالة، والوحي والمعجزة، والبعث وما جرى مجرى هذا من مسائل العقيدة. ومواجهة الفكر الاستشراقي بما ذكره السلف والخلف فيه تضييق وحصار لآراء المستشرقين. تاسعًا: لابد من تفرغ عدد كبير من علماء الأمة الإسلامية المتخصصين والذين لهم اتصال بالبحوث والدراسات الاستشراقية للقيام بهذه النقود العلمية واستخراجها على ما ينبغي. عاشرًا: أن تتوفر لهذا العمل الجدية والجهود المخلصة، لتتمكن الأمة من المواجهة والعمل. وهناك أعمال أخرى تتصل بمنهج نقد الاستشراق وهي ضرورية ليكون هناك تكامل وحسم في المعالجة.

стр. 11797

ونذكر من تلك الأعمال ما يلي: ١- أن يصاحب النقود التي توجه للاستشراق عمل موسوعة الرد على المستشرقين، وموسوعة الرد شاملة لكل ما تناوله الاستشراق، وفي هذا يقول الدكتور محمود حمدي زقزوق: (إن المواجهة الفكرية الجادة هي الطريق الصحيح لمواجهة أية تيارات مناوئة للإسلام والمسلمين، ومن أجل ذلك ينبغي أن ننظر إلى حركة الاستشراق بكل جدية، ونأخذ في الحسبان أن لها آثارًا كبيرة على قطاعات عريضة من المثقفين في العالم الإسلامي في العالم الغربي على السواء، ولهذا لابد من التوفر على دراسة الاستشراق دراسة عميقة، ولما كان الفكر الاستشراقي مكتوبًا بشتى اللغات الحية ومنتشرًا انتشارًا واسعًا على مستوى عالمي، فمواجهته لابد أن تكون على المستوى العالمي نفسه) (١) . وقد دعت المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم وفي القاهرة في نهاية عام ١٩٧٩ م إلى ندوة لمناقشة موضوع إعداد (موسوعة للرد على المستشرقين) وقد حضر الندوة عدد يزيد على عشرين من العلماء والمفكرين المهتمين بهذا الموضوع، وقد أعدت التقارير وقضي الأمر ونامت الفكرة. (٢) ولا يفوت الباحث أن يذكر أن (موسوعة الرد على المستشرقين) تختلف عن (منهج نقد الاستشراق في مجال العقيدة والسنة وغيرهما) لأن الموسوعة شاملة للفكر الإسلامي. ٢- لابد من عمل دائرة معارف إسلامية، يقوم بعملها العلماء المسلمون (مشروع إصدار دائرة معارف إسلامية) من بين الأولويات العلمية الملحة، فلا يجوز أن نظل نقتات فكريًّّا من دائرة المعارف الإسلامية التي قام بإعدادها المستشرقون قبل الحرب العالمية الثانية؛ فقد تجاوزها المستشرقون وانتهوا منذ بضع سنوات من إصدار دائرة معارف إسلامية جديدة، وواجبنا نحن المسلمين أن نقوم بإصدار دائرة معارف إسلامية باللغة العربية واللغات الأوروبية تكون على الأقل في مستوي دائرة المعارف الإسلامية في شتى فروع الدراسات الإسلامية والعربية إلى المسلمين وغير المسلمين على السواء. (٣)

стр. 11798

وقد لا يكون المرء مجانبًا للصواب إذا عرف أن تقاعس المسلمين حتى اليوم عن عمل (دائرة معارف إسلامية) يدل على الضعف، الذي يدب في النفوس، وأن مؤتمرات العلماء المسلمين، وقراراتهم تمثل مظاهرة صاخبة هاجت وماجت ثم نامت.. إن مشكلتنا أننا نتكلم أكثر مما نعمل، وإن شئت فقل: إننا نتكلم ولا نعمل. ومهمتنا لنواجه الاستشراق أن نعمل على إصدار عدة موسوعات ودوائر معارف في التاريخ والعقائد والأدب والأخلاق والفقه والحديث ومختلف العلوم والفنون؛ لأن المعركة فكرية قوامها انتشار الكلمة. ٣- من الضروري لمؤازرة منهج نقد الاستشراق في الأمور التي خاض فيها أن تكون هناك دوريات ومجلات ونشرات بمختلف اللغات تتناول ما يتصل بمواجهة الاستشراق لمحاصرة الفكر الاستشراقي، وصد هجومه والوقوف أمام زحفه. ٤- من الضروري لنجاح التصدي لسوء ما جاء عن بعض المستشرقين أن تكون هناك مؤسسات علمية وأكاديمية ودعوية، ترعى شؤون النقد والمواجهة وإعداد الدوريات والمجلات والمؤتمرات. وفي إمكان الأمة الإسلامية أن تُوجِد الهيئات العلمية العالمية، وتهيئ الأجواء المناسبة التي تكفل نجاح المواجهة، والتصدي للزحف الاستشراقي، وذلك أن أمتنا الإسلامية حباها الله بأعظم النعم، كما بها من الجامعات ما يمكن من وجود آلاف العلماء المتخصصين في مختلف العلوم والفنون..

стр. 11799

٥- أن نمد يد الصداقة والمودة للهيئات الاستشراقية العالمية، وأن يكون لنا دور بالمشاركة في المؤتمرات الاستشراقية التي تعقد في مختلف العواصم العالمية. وهذه المشاركة لها أثر إيجابي في نفوس المستشرقين، فقد تجعل المستشرقين يشعرون بأننا لسنا منعزلين، وإننا نريد أن نفهمهم: من نحن، ومن نكون؟ ومن الكياسة أن ندعو بعض المستشرقين المنصفين لفكرنا وتراثنا إلى مؤتمراتنا ونداوتنا. ٦- أن تقيم كل جامعة في مجتمعات الأمة الإسلامية معهدا للدراسات الاستشراقية، يمنح الدارسون في هذا المعهد درجات علمية عالمية، وقد لا يتصور الإنسان أن الأمة الإسلامية - وقد تعددت جامعاتها المختلفة - لم تعمل بعد على إنشاء معاهد أو أقسام للدراسات الاستشراقية، في حين أننا نجد أنه ما من جامعة في أوربا أو أمريكا إلا وملحق بها معاهد وأقسام لدراسة الإسلام والمسلمين حتى أصبحنا بحركاتنا وسكناتنا واقعين تحت سيطرة وأقوال وآراء الاستشراق. ٧- أن تعمل كل جامعة وكل معهد وكل مؤسسة على تفرغ عدد معين من أساتذتها للدراسات الاستشراقية في مواضع محددة. ٨- أن يكون هناك تنسيق وتخطيط بين المؤسسات الإسلامية وتكامل في الموضوعات المطروحة. وبهذه الأعمال العلمية نستطيع أن نتصدى للتحديات التي تواجه الأمة الإسلامية، وبهذه الأعمال العلمية نستطيع أن نكشف في وضوح أن جهود المستشرقين لا تستند على حجة ولا عقل ولا منطق، بل هي جهود مغرضة الهدف منها النيل من الإسلام وأهله، وقد اتسمت هذه الجهود بالكذب والافتراء والمغالطة. ومن يتصفح كتب المستشرقين وموسوعاتهم ودوائرهم.. يجد مئات من الاتهامات والأباطيل، وآلاف التخريجات التي لا صلة لها بالعلم. وإذا كان المسلمون يظنون أنهم في صحوة إسلامية ووعي إسلامي، فإن من مبادئ الصحوة الإسلامية وأولياتها: مواجهة الاستشراق والمستشرقين حتى لا يأتي وقت تكون فيه هذه الصحوات إرادة استشراقية وتجارب مرادة تجعل المسلمين يهتمون بالأشكال والقشور وكل من شأنه أن يبعث على الجمود والتأخر والتخلف.

стр. 11800

ثانيًا: مواجهة التبشير: كلمة (التبشير) من الكلمات التي أطلقت على المنظمات الدينية النصرانية التي تستهدف نشر الديانة النصرانية في المجتمعات الإسلامية والوثنية والإلحادية. ومما يجدر أن نعرفه أن البعض من الدارسين والباحثين يستعملون في بحوثهم التي تتصل بنشر النصرانية كلمة (التنصير) بدلًا من كلمة (التبشير) ؛ لأن كلمة التبشير في المعاجم تعني: الخبر الذي يفيد السرور، والبعض الآخر يستعملون كلمة (التبشير) لأن كلمة التبشير هي لسانهم وعقيدتهم، ونحن نستعمل في بحوثنا كلمة الاستعمار والشيوعية والاشتراكية والعلمانية والديمقراطية كما ذكرها أصحابها، ولا مانع أن نذكر كلمة التبشير كما جاءت. والتبشير – كما تذكره الموسوعات – حركة دينية سياسية استعمارية بدأت بالظهور إثر فشل الحروب الصليبية بغية نشر النصرانية في الأمم المختلفة في دول العالم الثالث بعامة, وبين المسلمين بخاصة، بهدف إحكام السيطرة على هذه الشعوب. ويعتبر المبشر (ريمون لول) أول نصراني يتولى التبشير بعد فشل الحروب الصليبية في مهمتها، إذ أنه قد تعلم اللغة العربية بكل مشقة، وأخذ يجول في بلاد الشام مناقشًا علماء المسلمين، ومنذ القرن الخامس عشر الميلادي وأثناء الاكتشافات البرتغالية دخل المبشرون الكاثوليك إلى إفريقيا، وبعد ذلك بكثير أخذت ترد الإرساليات التبشيرية البروتستانتية إنجليزية وألمانية وفرنسية. وقد اهتمت الكنيسة بتوجيه الجهود إلى التبشير في المجتمعات الإسلامية، تريد أن تقتلع الإسلام من نفوس المسلمين، أو تبعد المسلمين عن الإسلام حتى يمكن أن يعتز الإنسان بالقومية أو الحزبية أو الاشتراكية، أو ما جرى مجرى هذا دون أن يفكر في الإسلام. ويكاد يجمع المبشرون فيما بينهم على أن القوة التي تخيف أوروبا وأمريكا هي قوة الإسلام والمسلمين، ولذا يعمل التبشير بكل ما يملك على تمزيق الأمة الإسلامية، ويصرح المبشر لورانس براون: بالهدف الحقيقي للمبشرين من عملهم في بلاد المسلمين فيقول: (إذا اتحد المسلمون في إمبراطورية عربية أمكن أن يصحبوا لعنة على العالم وخطرًا، أو أمكن أن يصبحوا أيضًا نقمة له، أما إذا بقوا متفرقين فإنهم يظلون حينئذ بلا وزن ولا تأثير) .

стр. 11801

ويعبر القس صمويل زويمر عن النوايا السيئة التي تحملها النصرانية للإسلام والمسلمين، فيقول: (لا ينبغي للمبشر المسيحي أن يفشل أو أن ييأس ويقنط عندما يرى أن مساعيه لم تثمر في جلب كثير من المسلمين إلى المسيحية، لكن يكفي جعل الإسلام يخسر مسلمين بذبذبة بعضهم، عندما تذبذب مسلمًا وتجعل الإسلام يخسره تعتبر ناجحًا يا أيها المبشر المسيحي، يكفي أن تذبذبه ولو لم يصبح هذا المسلم مسيحيًّا) . وصمويل زويمر رئيس إرسالية التبشير العربية في البحرين ورئيس جمعيات التنصير في الشرق الأوسط، كان يتولى إدارة مجلة العالم الإسلامي الإنجليزية التي أنشأها سنة ١٩١١ م، دخل البحرين عام ١٨٩٠م، ومنذ عام ١٨٩٤ م قدمت له الكنيسة الإصلاحية الأمريكية دعمها الكامل، وأبرز مظاهر عمل البعثة التي أسسها زويمر كان في حقل التطبيب في منطقة الخليج، ويعد زويمر من أكبر أعمدة التنصير في العصر الحديث، وقد وضع كتابًا تحت عنوان (العالم الإسلامي اليوم) جاء فيه: ١- يجب إقناع المسلمين بأن النصارى ليسوا أعداء لهم. ٢- يجب نشر الكتاب المقدس بلغات المسلمين لأنه أهم عمل مسيحي. ٣- تبشير المسلمين يجب أن يكون بواسطة رسول من أنفسهم ومن بين صفوفهم، لأن الشجرة يجب أن يقطعها أحد أعضائها. ٤- ينبغي للمبشرين ألا يقنطوا إذا رأوا نتيجة تبشيرهم للمسلمين ضعيفة؛ إذ من المحقق أن المسلمين قد نما في قلوبهم الميل الشديد إلى علوم الأوروبيين.

стр. 11802

ويقول صمويل زويمر في مؤتمر القدس التنصيري عام ١٩٣٥ م: (لكن مهمة التبشير التي ندبتكم لها الدول المسيحية في البلاد الإسلامية ليست في إدخال المسلمين في المسيحية، فإن في هذا هداية لهم وتكريمًا، وإنما مهمتكم هي أن تخرجوا المسلم من الإسلام ليصبح مخلوقًا لا صلة له بالله، وبالتالي لا صلة له بالأخلاق التي تعتمد عليها الأمم في حياتها) . ويقول أيضًا: (إنكم أعددتم نشئًا لا يعرف الصلة بالله ولا يريد أن يعرفها، وأخرجتم المسلم من الإسلام ولم تدخلوه في المسيحية، وبالتالي فقد جاء النشء طبقا لما أراده الاستعمار، لا يهتم بعظائم الأمور، ويحب الراحة والكسل، فإذا تعلم فللشهوة، وإذا تبوأ أسمى المراكز ففي سبيل الشهوة يجود بكل شيء) . إن المبشرين كانوا يخططون لاختراق مجتمعات المسلمين في دقة وخبث ودهاء، فالمبشر لويس ماسينيون قام على رعاية التبشير والتنصير في مصر، وكان عضوًا بمجمع اللغة العربية بالقاهرة، كما أنه كان مستشارًا لوزارة المستعمرات الفرنسية في شؤون شمال إفريقيا، والمبشر (دون هك كري) كان أكبر شخصية في مؤتمر لوزان التبشيري، وهو بروتستانتي عمل مبشرًا في الباكستان لمدة عشرين سنة. ولقد كان للمبشرين ولا يزال الكثير من المؤتمرات الإقليمية والعالمية التي يناقشون فيها خطط التبشير واتخاذ ما يرونه مناسبًا لهم، ومن تلك المؤتمرات المؤتمر التبشيري العالمي في أدنبره باسكتلنده عام ١٣٢٨/ هـ- ١٩١٠م، وقد حضره مندوبون عن ١٥٩ جمعية تبشيرية في العالم، ومن أخطر المؤتمرات مؤتمر كولوراداو في ١٥ أكتوبر ١٩٧٨ م، تحت اسم (مؤتمر أمريكا الشمالية لتنصير المسلمين) حضره مائة وخمسون مشتركًا يمثلون أنشط العناصر التنصيرية في العالم، استمر لمدة أسبوعين بشكل مغلق، وانتهى بوضع استراتيجية بقيت سرية لخطورتها.

стр. 11803

وما أكثر مؤتمرات التبشير التي تعقد في أماكن متفرقة حسب الحاجة لعرقلة جهود المسلمين واقتلاعهم من الإسلام، ويتخذ المبشرون وسائل وأساليب متعددة تحيط بالإنسان ومن وسائلهم التطبيب، والتعليم والأعمال الاجتماعية والفتن والحروب، يقول الدكتور نجيب الكيلاني: (إن روح التعصب الأعمى ضد كل ما هو إسلامي لم تزل سائدة حتى أيامنا هذه، تلك الروح التي غذاها المبشرون، ورجال الدين من معتنقي الصليبية القديمة) . وإن الباحث في أساليب التبشير التي أحاطت بالمسلمين يجد أن هذه الأساليب أضرت بالمجتمعات الإسلامية، وأصبحت عاملًا معوقًا لكل تقدم إسلامي، وقد نجح التبشير في مواقع كثيرة؛ لأن إمكاناتهم هائلة ويتحملون ويعلمون ويصيرون ويخططون ويتربصون، وإذا كنا تنبهنا أخيرًا إلى الأخطار المحدقة بالمسلمين من جانب المبشرين، فإن تنبهنا لم يأخذ بنا إلى الطريق السليم، وليس من الكياسة أن نكتفي بإنشاء مراكز للدعوة هنا وهناك، إن الأمر يقتضي قبل مراكز الدعوة أن نكون أقمنا الملاجئ والمستشفيات والمدارس والمعاهد ومؤسسات الإغاثة والإعاشة. المواجهة الصحيحة تقتضي عملًا يُعمل لا كلامًا يقال: إن المبشرين يعملون ونحن لا نعمل، وإذا رغبنا في مواجهتهم لإنقاذ إخواننا المسلمين فلابد وأن يكون عملنا أزيد من عملهم، وتحركنا أسرع من تحركهم. وإن المواجهة تحتاج إلى تخطيط وتنظيم واتساع المواقع، والتعرف الدقيق , فإذا ما فعلنا ذلك كان ذلك بداية في طريق طويل. أما أن نترك المسلمين في قارة إفريقيا وآسيا وغيرهما تفترسهما النصرانية فإن ذلك أمر بالغ الخطورة. وإذا كان للتبشير مؤتمرات دولية ومعاهد علمية وجمعيات تبشيرية، فلماذا لا تكون للمسلمين مؤتمرات للدعوة والمواجهة. وهنا ربما يقول قائل: للمسلمين مؤتمرات للدعوة كثيرًا ما سمعنا وقرأنا عنها، نعم للمسلمين مؤتمرات، ولكن الناس يجتمعون فيها لينفضوا، فهي تساوي مظاهرة في الشارع، فيها تصفيق وكلام، ثم يدخل كل واحد بيته. نحن نريد مؤتمرات لا تكون توصياتها وقراراتها حبرًا على ورق وإنما نريد عملًا يعمل في دقة وتخطيط وسرية.

стр. 11804

إن المجتمعات الإسلامية تعاني من التسلط التبشيري في الصحافة وسائر وسائل الإعلام ووكالات الأنباء , وتعاني في البيت وفي الشارع وفي أمور كثيرة، قد يعرفها البعض ويسكت، وما أكثر الساكتين لأنهم لا يملكون أن يقولوا شيئًا، إنك ترى برنامجًا في التليفزيون ينطلق من دولة إسلامية عربية فيشدك إلى مزارع وحدائق خضراء بأندونيسيا ومستشفيات ومدارس أخذت بيد الأندونيسي يقال عنها أنها: (من صنع وإدارة وأعمال الكنيسة الكاثوليكية، هكذا تسمع وترى، ولا يخفى أن هذه الدعاية التبشيرية نصرانية، ومن الغريب والعجيب أنك تري في أسواق الصحافة في بعض البلاد الإسلامية ما هب ودب، وهو وهي، من المجلات والصحف، وتمنع من الدخول والوصول لبعض المجلات والصحف الإسلامية، لماذا؟ لأنها إسلامية، وكل ما هو إسلامي يقض مضاجع المبشرين، ومن المؤلم حقًّا أنك تجد عند باعة الصحف مئات المجلات في كل التخصصات ما عدا الإسلام، فمجلاته قليلة تعد على أصابع اليد الواحدة. ويبدو أن هذا ربما تكون وراءه أجهزة تبشيرية، حتى لا يكون هناك التأثير الذي يمنع من التأثر بالتبشير، إن أمتنا الإسلامية مطالبة بأن تتبصر العواقب وتتعرف على خطواتها بحكمة وتدبر قبل أن يتسع الخرق على الراقع. إن التبشير نجح في تنصير البعض، ونجح في أنه جعل المسلمين في موقف المدافع وهو موقف المهزوم، فهل نتدارك هذه المواقف، ونتخطاها إلى موقف المواجهة؟ أولًا: علينا أن ندرك تمامًا أن هؤلاء لا يبشرون بدينهم وعقائدهم أو يعملون على تحويل المسلم عن الإسلام، إلا في حالة إدراكهم أن المسلمين غير مهتمين بالإسلام سلوكًا وتطبيقًا، ومن هنا كان علينا أن تكون مواجهتنا لتبشير عملًا يُعمل ويهتم إنشاء المدارس والمستوصفات والملاجئ ورعاية الأيتام واللقطاء والمسنين، ويصاحب ذلك توعية إسلامية وتبشيرية بالإسلام.

стр. 11805

ثانيًا: إن ما يقوم به التبشير النصراني في إفريقيا والمجتمعات الإسلامية المختلفة من بناء المستشفيات الخيرية والمدارس وغيرها مما يقدم للإنسان هو عمل خيري في الدرجة الأولى، لأن الإنسان في مثل هذه المجتمعات في حاجة إلى من يقدم له يد العون أو المساعدة بالعلم والخبز والعلاج، فإذا ما أراد المسلمون المواجهة العملية فعليهم أن يعلموا مثل ما يعمل المبشرون ويزيدون عليهم. ثالثًا: يجب أن يدرك المسلمون أن التبشير يملك إمكانات هائلة: مادية وبشرية، فمواجهتنا للتبشير يجب أن تتوافر لها الإمكانات المادية والطاقات البشرية. رابعًا: لابد وأن نواجه التبشير من خلال مخطط دقيق، ينفذ بحكمة وبصيرة، توزع الأدوار ليكون هناك التكامل الواعي.

стр. 11806

خامسًا: يصاحب ذلك كله هجوم ونقد للأفكار الغربية والتبشيرية، لننتقل من مرحلة المواجهة – (الدفاع) – إلى مرحلة الهجوم والنقد. ثالثًا: وإذا كنا عرفنا كيفيه مواجهة الاستشراق، وكيفية مواجهة التبشير – وهما أصلان رئيسيان لكل أدوات الغزو الفكري وتياراته في المجتمعات الإسلامية – فإن هذه المواجهة لا تتم إلا إذا قامت أجهزة الإعلام في الشعوب الإسلامية بأمرين. الأمر الأول: أن تقف أجهزة الإعلام من (صحافة، وإذاعة، وتلفزيون، ومسرح، وسينما، وفيديو) عن تقديم أي شيء يتنافى مع مبادئ الإسلام، لأنه لا فائدة من مواجهة الفكر الاستشراقي والتبشيري في الوقت الذي نجد فيه أجهزة الإعلام، تمور بكل ما هو مخالف للإسلام من عري وخلاعة وتقاليد غريبة. الأمر الثاني: أن تواكب مؤسسات مؤسسات الإعلام هذه المواجهة، فتتناولها وتقف من ورائها، وتعمل على مساعدتها بالتوجيه. وقد لا يكون المرء مجانبًا للصواب إذا تأكد لديه أن مؤسسات الإعلام في بعض المجتمعات الإسلامية قد نجح الاختراق الاستشراقى والتبشيري في الوصول إليها عن طريق عملائه الذين يديرون شؤونها، ولذا كان لابد من تطهير مؤسسات الإعلام من هؤلاء العملاء الذين وقعوا فريسة الغزو الفكري وتربوا في مدارسه ومعاهده. رابعًا: أن تتوجه النقود إلى أي أثر من آثار (الغزو الفكري) الموجود بالمجتمعات الإسلامية دون مجاملة لهذه المجتمعات، وأقول هذا لأن كل مجتمع إسلامي يحب أن يمدح فقط، وقد يكون فيه البلاوي ما فيه. ومشكلتنا: أننا نفرح بالمدح، ويجامل بعضنا بعضا على حساب ما يمس شخصيتنا وإسلامنا, يجب أن نضع في الحساب أن أي مجتمع إسلامي هو مجتمعنا دون عنصرية أو إقليمية أو قومية أو حزبية، وبهذا نستطيع أن نتمكن من المواجهة، وتقديم النصيحة.

стр. 11807

خامسًا: لابد وأن تتجه جهود المصلحين في المجتمعات الإسلامية إلى التربية لأن المبادئ الإسلامية بمفاهيمها الأساسية ومناهجها التربوية تصنع شخصية متميزة لها سماتها وغاياتها الخاصة. ولعل أخطر ما أستهدفه الغزو الفكرى في برامجه التخريبية هو هدم شخصيتنا الإسلامية: عقديًّا، وثقافيًّا، وسلوكيًّا، وعاطفيًّا.... ولعل معاول (الغزو الفكرى) التي أصابت الكثير لم تؤثر إلا من جراء إنعدام الشخصية الإسلامية , ولهذا كان لابد من اتجاه فريق من المصلحين إلى التربية الأجيال تربية إسلامية تتولى المسؤولية والإدارة. • تربية تجعل الإنسان إيجابيًّا يعيش في حركة فكرية، ونفسية، وجسدية، بناءة بعيدا عن السلوك التخريبى ... رافضًا التحجر والجمود ... لا يرضى بالسلوك الإنسحابى الذي يتهرب من نشاطات الحياة، ويبتعد من مواجهة الصعاب. • تربية تؤهل الإنسان للعطاء، وتنمى فيه القدرة على الإنتاج والإبداع بما تفتح له من آفاق التفكير والممارسة. • تربية تعد الإنسان إعدادًا إنسانيًّا ناضجًا لممارسة الحياة بالطريقة التي يرسمها ويخطط أبعادها الإسلام، لأن الحياة في نظر الإسلام عمل وبناء وعطاء وتنافس في الخيرات. • تربية تجعل الشخصية الإسلامية شخصية متزنة، لايطغى على موقفها الإنفعال، ولا يسيطر عليها التفكير المادى، ولا الانحراف المتأتى من سيولة العقل وامتداد اللامعقول. • تربية تبنى الإنسان على أساس وحدة فكرية وسلوكية وعاطفية متماسكة.. على أساس من التنسيق والتوافق الفكرى والعاطفى والسلوكى الملتزم، الذي لايعرف التناقض ولا الشذوذ. • تربية تجعل الإنسان المسلم يشعر دومًا أنه مسؤول عن الإصلاح، وأنه يجب عليه أن ينهض بمسؤوليته، ويقود نحو شاطئ العدل والسلام. • وإن أمتنا تتطلع إلى غد مشرق, والتطلع يحتاج إلى علم وعمل وجهود بناءة تكون علامات مضيئة في الطريق. الدكتور أحمد عبد الرحيم السايح

стр. 11808

المصادر والمراجع ١- ابن نبي مالك: إنتاج المستشرقين وأثره في الفكر الإسلامي الحديث، ط. دار الإرشاد، بيروت، ١٩٦٩م. ٢- أسد. محمد الإسلام على مفترق الطرق، ط. دار العلم للملايين، بيروت ٩٨٧م ٣- البهى الدكتور محمد البهى: الفكر الإسلامي والمجتمع الإسلامى، ط. دار الفكر ١٩٧٢م ٤- التميمى وآخرين. عز الدين الخطيب التميمي: نظرات في الثقافة الإسلامية، ط. دار الفرقان، عمان ١٤٠٤هـ. ٥- الجندي. أنور: إطار إسلامي للفكر المعاصر، ط.المكتب الإسلامي، ١٩٨٠م، بيروت. ٦- الجندي أنور: شبهات التغريب في غزو الفكر الإسلامي، ط. المكتب الإسلامي ١٤٠٣هـ. ٧- الجندي أنور الجندي: المد الإسلامي في القرن الخامس عشر، ط. دار الاعتصام بالقاهرة، ١٩٨٢م.

стр. 11809

٨- حسن محمد أمين حسن: خصائص الدعوة الإسلامية، ط. مكتبة المنار، الأردن ٩- حسن د. محمد إبراهيم، الاستشراق وأثره على الثقافة العربية، مجلة رسالة الخليج العربي، عدد رقم ٢٣، ط. الرياض، مكتب التربية العربي، لدول الخليج. ١٠- حسين د. محمد محمد: الإسلام والحضارة الغربية، ط. مؤسسة الرسالة، بيروت ١٤٠٢هـ. ١١- خان وحيد الدين خان: الإسلام يتحدى، ط. المختار الإسلامي. ١٢- الخربوطلي على حسن: المستشرقون والتاريخ الإسلامى، ط. المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، القاهرة، ١٩٧٦م. ١٣- الخطيب. د. عمر عودة: لمحات في الثقافة الإسلامية، ط. مؤسسة الرسالة، بيروت، ١٣٩٧هـ ١٩٧٧م. ١٤- الخطيب. محب الدين الخطيب: الغارة على العالم الإسلامى، ١٣٨٤هـ. ١٥- خليل. د. عماد الدين: المستشرقون والسيرة النبوية، ط. دار الثقافة بالدوحة ١٤١٠هـ.

стр. 11810

١٦- زقزوق. د. محمود حمدي: الاستشراق والخلفية الفكرية للصراع الحضاري، ط. كتاب الأمة، دولة قطر، ١٤٠٤هـ. ١٧- السباعي. د. مصطفى: السنة ومكانتها في التشريع الإسلامى، ط. المكتب الإسلامي بيروت ١٣٩٨هـ - ١٩٧٨م. ١٨- السباعي. د. مصطفى: الاستشراق والمستشرقون، ط. المكتب الإسلامى، بيروت، ١٩٧٥م. ١٩- السايح. الدكتور أحمد عبد الرحيم السايح: أضواء على الحضارة الإسلامية، ط. دار اللواء السعودية، ١٤٠١هـ. ٢٠- السايح. الدكتور أحمد عبد الرحيم السايح: التيارات الفكرية والحركات المعاصرة ط. دار الطباعة المحمدية، بالقاهرة، ١٩٩٠م. ٢١- السايح. الدكتور أحمد عبد الرحيم السايح: العلاقة بين الاستشراق والتبشير، ط. كلية أصول الدين والدعوة بشبين الكوم، مصر ١٩٨٩م. ٢٢- السايح. د. أحمد عبد الرحيم السايح: معارك حاسمة في حياة المسلمين، ط. دار اللواء بالرياض، ١٤٠٩هـ. ٢٣- السايح. د. أحمد عبد الرحيم السايح: هذا هو الإسلام، ط. دار الثقافة بالدوحة، ١٩٨٩م.

стр. 11811

٢٤- سمايلوفتش. د. أحمد، فلسفة الاستشراق، ط. دار المعارف بمصر. ٢٥- ضياء الدين. د. حسن: الاستشراق، مجله كليه الشريعة، العدد الخامس، مكة المكرمة، ١٤٠١هـ. ٢٦- طه. د. عزية: من افتراءات المستشرقين على أحاديث التوحيد، مجلة الشريعة والدراسات الإسلامية، ع ١٣، رمضان ١٤٠٩هـ، مجلس النشر العلمي بالكويت. ٢٧- الطهطاوي. المستشار محمد عزت إسماعيل، التبشير والاستشراق، ط. مجمع البحوث الإسلامية، بالأزهر، ١٣٩٧هـ. ٢٨- العقيقي. نجيب: المستشرقون، ج١ وج٢، ط. دار المعارف بمصر. ٢٩- عمارة. الدكتور محمد عمارة: الغزو الفكرى وهم أم حقيقه ط. الأمانة العامة للدعوة بالأزهر، ١٩٨٨م. ٣٠- العمري. الدكتور نادية شريف العمري: أضواء على الثقافة الإسلامية، ط. مؤسسة الرسالة، بيروت ١٤٠٦هـ. ٣١- فروخ. د. عمر فروخ والخالدي: التبشير والاستعمار، ط. المكتبة العصرية، بيروت. ٣٢- فروخ. د. عمر: الاستشراق في نطاق العلم وفى نطاق السياسة من كتاب المستشرقين والإسلام، ط. الهند.

стр. 11812

٣٣- قطب. محمد قطب: واقعنا المعاصر، ط. مؤسسة المدينة، جدة، ١٤٠٧هـ. ٣٤- القارئ. الشيخ عبد العزيز: المستشرقون في الميزان، من محاضرات الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، ١٣٩٣هـ. ٣٥- الكيلاني. د. نجيب: الإسلام والقوة المضادة، ط. مؤسسة الرسالة، بيروت، ١٤٠٠هـ. ٣٦-اللبان. إبراهيم عبد المجيد: المستشرقون والإسلام، ط. إدارة الثقافة بالأزهر، ١٩٦٨م. ٣٧- لوبون. الدكتور جوستاف لوبون، حضارة العرب، وترجمة عادل زعيتر، ط. الثانية، ١٩٤٨م. ٣٨- مجلة المنهل. عدد مخصص: الاستشراق والمستشرقون، رمضان وشوال ١٤٠٩هـ، عدد رقم ٤٧١، جدة السعودية. ٣٩- محمود. د. عبد الحليم: أوروبا والإسلام، ط. منشورات المكتبة العصرية، بيروت. ٤٠- محمود. الدكتور على عبد الحليم محمود: الغزو الفكري والتيارات المعادية للإسلام، ط. جامعة الإمام، ١٤٠١هـ. ٤١- الميداني. عبد الرحمن حسن حنبكة الميداني: أجنحة المكر الثلاثة، ط. بيروت، دار القلم، ١٩٧٧م.

стр. 11813

٤٢- الندوة العالمية للشباب الإسلامى. الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب المعاصرة، ط. الرياض. ١٤٠٩هـ ٤٣- الندوي. أبو الحسن على: الصراع بين الفكرة الإسلامية والفكرة الغربية في الأقطار الإسلامية، ط. دار العلم الكويت، ١٩٨٣م. ٤٤- النعمة. إبراهيم النعمة، المسلمون أمام تحديات الغزو الفكري، ط. شركة ومطبعه الزهراء، العراق، ١٩٨٦م. ٤٥- النقرة. د. التهامي: القرآن والمستشرقون، مناهج المستشرقين، ج١، ط. مكتب التربية لدول الخليج العربي، ١٩٨٥م. ٤٦- الواعي. الدكتور توفيق يوسف: الحضارة الإسلامية مقارنة بالحضارة الغربية، ط. دار الوفاء، المنصورة، ١٤٠٨هـ

стр. 11814

المسلمون وتحديات الفكر المعاصر إعداد الشيخ القاسم البهيقي المختار المدرس في الجامعة الإسلامية بالنيجر بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ المدخل الرئيسي: يندهش الكثير من المؤرخين من السرعة الفائقة التي انتشر بها الإسلام في أقاليم شاسعة متباعدة من الأرض، قد اكتسح إمبراطورية الفرس، وهزم الروم في الشام ومصر وشمال إفريقيا، ولاحقهم حتى توقف مؤقتًا على أبواب القسطنطينية - التي سقطت فيما بعد ـ وتابع مده في شبه جزيرة أبريا، وواصل إلى جبال البرانس، واتجه شرقًا إلى تركستان وتوغل في الهند، وأصبح للمسلمين السيطرة على أجزاء كبيرة من حوض البحر الأبيض المتوسط، وعلى سواحل شمال إفريقيا حتى المحيط الأطلسي، واجتاز الصحراء جنوبًا، فهدت أنواره الركاب في متاهات الصحراء، وأضاءت الغابات، وسارت السفن بكلمة لا إله إلا الله محمد رسول الله ﷺ في نهر السنغال ونهر النيجر. ونرى هذا الدين الحنيف، هذا الدين الحق، هذا الدين السمح، قد استقر في البقاع، وأسس حضارة مزدهرة، وهذب أخلاقًا، وقوّم سلوكًا، وأنشأ علومًا وفكرًا وثقافة، وشيد جامعات ومدارس، وحول المساجد دورًا للعلم والعبادة، وصهر شعوبًا مختلفة جنسًا ولونًا ولسانًا، وعادات وأرضًا، وأنماط سلوك، في بوقته كادت أن تكون واحدة أزال الحواجز، ومهد سبل الاتصال، وشجع التفاعل المثمر، وحذر من التباغض والتخاصم والتشاحن، ودعا إلى التعاون والتضامن وتقوية أواصر المعرفة بين المسلمين، وألح على أهمية العلم والتفكير في ملكوت الله، والبحث عن المعرفة، ولو تجشم الطالب في سبيلها المشاق والمتاعب، وكانت أولى السور التي نزلت من الذكر الحكيم تصر على القراءة والعلم: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الإنسان مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الإنسان مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ رددها المسلمون، وفهموها فترة من التاريخ، فانكبوا على العلم، وبحثوا عن المعرفة في كل مظانها، وذللوا في سبيلها المشاق والأهوال، فصمدوا، فكان لهم ما أثبته التاريخ من ازدهار معرفة، وثراء حضارة، فكانت الجامعات والمدارس ودور الحكمة، فالبحث والمثابرة، فالإنتاج الضخم العملاق، فإذا بمشاعل الفكر والمعرفة الإنسانية مضيئة في أيديهم، يهدون بها البشرية ردحًا من الزمن، فاقتبست منهم الشعوب، وغرفت من معارفهم: في الطبيعة، والكيمياء، والرياضيات، والفلك، والفلسفة، والشريعة، والتاريخ، والجغرافيا، والرحلات، وفى مجالات أخرى من أنواع الفكر الإنساني وحضارته وآدابه.

стр. 11815

الصراع المبكر: إن هذه اللمحة التاريخية لم تشر إلا إلى ما كان معروفًا لدى كل متابع نزيه لمسيرة الإسلام، ذلك الدين الذي رغم مواجهته – منذ سطوع نوره – للفكر الوثنى الجاهلى، والكتاب المبدل، استطاع – بعون الله – أن يصمد أمام كل المواجهات الإضطهادية والحربية والنفسية والفكرية، حتى أن محمدا المصطفى صلوات الله عليه وسلامه لم ينتقل إلى الرفيق الأعلى إلا والدولة الإسلامية قد رست بأسسها في المدينة المنورة. وكلما انتشر الإسلام واتسعت رقعته، وتباينت الشعوب التي أفاض الله عليها بنوره، وتنوعت ثقافاتها وعاداتها، وضخم تراثها الفكرى، وضحت قوة مبادئ الإسلام، وأصالتها، ومقدرتها على التأثير العميق الفعال في الشعوب، إذ ما لبث الإسلام أن احتوى أقدم الحضارات من فارسية ورومية ومصرية وهندية وغيرها، فهذبها ووجهها، واستوعب فكرها، وحفظه، وأضاف إليه، وكان الإسلام قد قوم قبل ذلك رعونة البدو، وأبطل الكثير من عاداتهم السيئة، وقادهم إلى الاستعصام بحبل الله المتين، فأصبحوا أمة رائدة، بعد أن كانوا قبائل متناحرة يتربص بعضها ببعض، تسفك بينها الدماء لآتفه الأسباب، وتجر فيها الحروب إذيالها عشرات السنين بلا وعى، ولا منطق مقبوول، يولد فيها الأبناء، ويموت الآباء، ولما جاء الإسلام ألف بين القلوب النافرة، المتنافرة، المتناحرة، قلوب لو أنفق البشر ما في الأرض جميعا ما تآلفت. ولكن الله ألف بينهم، وكان ذلك من معجزات الإسلام الخالدة. وكان العصر العباسى الأول مثالًا لمتانة الإسلام وصلابة أسسه، فقد اشتبك على ميادين مكشوفة مع حضارات وفلسفات قديمة رسخت منذ قرون، وقام على فكرها وأيديولوجياتها شعوب ودول كانت آنذاك ذروة المد التاريخى والحضارات المعروفة، فهيمن عليها واحتواها، وهذبها ونقاها بعد أن عرضها على موازينه، موازين القسط، موازين عقيدة الإسلام، عقيدة (لا إله إلا الله محمد رسول الله) , عقيدة قامت على تحصين ضمير المسلم وجعله حيًّا يقظًا إلى درجة أنه لا يحتاج إلى عيون تتجسس عليه، ولا إلى عسس يترقبونه في حركاته وسكناته فأصبح قويًّا في ضميره، عزيزًا في نفسه، متواضعًا في سلوكه، بشوشًا في وجهه، سموحًا في معاملاته، جادًّا مخلصًا في عمله، يرجو به ثواب ربه في دنياه وآخرته، فلم يكن إمعة يسير بلا عدى وراء الأخرين، ولا يشعر في نفسه بأى مركب نقص، ولا يخاف إلا من الله خالقه. فإنه رغم تدفق هذه الحضارات العريقة، وتشجيع خلفاء بنى العباس للحركة العلمية والفكرية وتنافس العلماء والشعراء والكتاب والترجمة، وتنافس الأعيان والوزراء في إقتناء الكتب وإنشاء المكتبات ودعم العلم والعلماء , ورغم حرية القول، وانتشار مجالس المحاورات والمناظرات بين العلماء والأدباء وأهل الملل من مختلف الأجناس والديانات من مسلمين وفرقهم، ونصارى ومذاهبهم المختلفه ويهود وصائبه وزادشتيين ومانويين.. إلخ. فرغم كل هذا، فقد بقى الإسلام ثابت الأساس صامدًا صمود الحق لا يتزعزع، بل هيمن على كل علم وفكر , وكل ثقافة جرى معها في حلبة السباق، فإذا بأرسطو وأفلاطون وأبقراط وجالينوس وغيرهم ينطقون باللغة العربية بعد أن صارت لغة الذكر الحكيم لغة الإسلام الخالد، وفكره المزدهر، وحضارته الرائعة.

стр. 11816

بصمات الإسلام على الفكر الإنسانى. ولقد ترك الإسلام بصماته في كل مجالات المعرفة الإنسانية، فلم يكتف بالنقل، ولم يرض بحفظ الأسفار وحملها كالحمار، بل محص المعرفة الإنسانية فميز غثها من سمينها، ووضعها على موازينه، موازين عقيدته الصافية، فلم ينبهر ببهرجتها، ولم يقع في حبائلها، بل نقدها نقد العارف الفنان الواثق بنفسه، فتناولها علماؤه بالشرح والبيان ونموها وزادوا عليها فابدعوا على ربط الروح بالمادة ومزج الدين بالفكر وتوجيه المجتمع الإسلامي في إطار ينتظم الأخلاق والقيم الدينية في إنسجام وتناسق وتعاون وتكامل بين الدين والدنيا، وبين الحياة العاجلة المرحلية والحياة الآجلة الأبدية. الإسلام منهج كامل للحياة البشرية: فالإسلام نظم جميع نشاطات الإنسان في حياته الروحية والأخلاقية كما في حياته الاجتماعية والسياسية. (لم يتطلب الإسلام قناعة ببعض الحقائق فحسب، بل فرض مجموعة من الفرائض التي تحكم في التنظيم الزمنى لأمة المؤمنين، على هذا الوحى استندت حياة المسلم، ومن حوله انتظم – منذ حقبة قديمة – العالم الإسلامي الإمبراطوري وحضارته (١) . (فالإسلام إذن لم يكن دينًا بالمعنى المحدود، أو المعنى اللاهوتى الصرف، ولم يكن ولن يكون ممثلًا للجانب الروحى الخاص بالعلاقة بين الله والإنسان على النحو الذي فهمه الغرب من الدين، وإنما الإسلام أشمل وأعم من ذلك، فهو منهج كامل شامل، وهذا الجانب اللاهوتى جزء منه لا ينفصل. ومن هذا فإن كل ما يقال عن عزل الدين عن التربيه أو التاريخ أو الأدب أو الاجتماع أو الأخلاق أو السياسة، إذا جاز في عرف الغربيين فإنه لايجوز عند تطبيقه على الإسلام الذي ليس دينًا على النحو الذي عرفه الغرب) (٢) . "الإسلام منهج , منهج حياة بشرية واقعية بكل مقوماتها , منهج يشمل التصور الاعتقادي الذي يفسر طبيعة الوجود ويحدد مكان الإنسان في هذا الوجود , كما يحدد غاية وجوده الإنساني , ويشمل النظم والتنظيمات الواقعية التي تنبثق عن ذلك التصور الاعتقادي , وتستند إليه , وتجعل له صورة واقعية متمثلة في حياة البشر كالنظام الأخلاقي والينبوع الذي ينبثق منه والأسس التي تقوم عليها والسلطة التي يستمد منها , والنظام السياسي وشكله وخصائصه , والنظام الاجتماعي وأسسه ومقوماته , والنظام الاقتصادي وفلسفته وتشكيلاته والنظام الدولي وعلاقاته وارتباطاته". وهذه الشمولية هي جوهر مشكله الإسلام مع الأيديولوجيات والعقائد الأخرى وأذنابهم.

стр. 11817

أثر عقيدة الإسلام: وهذا الفهم العميق الشامل لعقيدة الإسلام وما انبثق عنها من فكر ومثل وأخلاق ونظم وحكم وسياسة وعلم واقتصاد وشريعة وثقافة وحضارة هو الذي حدا المسلمين أن يقوموا بدور رائد في الفكر الإنسانى وحضارته وثقافته، فهم رواد المعرفه الإنسانية بكل أبعادها , ومنقحي سلوك هذا الذي استخلفه الله في الأرض واستعمره فيها. وبهذه العقيدة نشر المسلمون دين الله الحق، ودحروا الإمبراطوريات , ويكفينا دليلًا على أن قوة عقيدة الإسلام هي التي تجعل المؤمن يسعى إلى الشهادة وإلى العمل في سبيل الخير العام ما حدث في غزو بدر من (١) الصحابى الجليل عمير بن الحمام الأنصارى، فإنه لما سمع رسول الله ﷺ يقول لأصحابه: ((قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض، فقال: يا رسول الله جنة عرضها السماوات والأرض؟!)) ولما رد عليه الرسول بالإيجاب. قال: بَخ بَخ. قال رسول الله: وما حملك على القول: بخ بخ؟ قال: لا، والله يا رسول الله إلا رجاء أن أكون من أهلها. فقال: فأنت من أهلها.. فألقى تمرات كان يأكلها، إذ رأى أن الوقت الكافى لأكلها طويل، وهو في شوقه إلى لقاء ربه وتفضيل ما لديه من الرضا لم يعبأ بهذه الحياة الفانية , بل تعجل ما وعده به تصديقًا لنبيه فانطلق إلى الشهادة، انطلق إلى جنة عرضها السماوات والأرض، انطلق إلى الحياة الحقيقية فرحًا بما أتاه من فضله: ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢)

стр. 11818

وإذا عاد الإنسان - أي إنسان - بهدوء ومن غير خلفيات، نظر من غير غشاوة، وتمعن في حروب المسلمين مع أعداء الإسلام، وجد أن القاعدة المحورية في إنتصاراتهم كانت تلك العقيدة الصادقه، وإلا كيف تعلل قيام حفنة من الناس عزل تقريبًا من السلاح للتصدى لألف مدججين بالسلاح، كما في غزو بدر الكبرى، وفى مواقع كثيرة: في القادسية، في اليرموك، وفى معركة طارق بن زياد مع الملك لذريق وفى غيرها كثير ... فالمسلمون انتصروا بقوة هذه العقيدة في نفوسهم وما تستلزمه من طاعة ربهم ورسولهم. وهذا واضح في كلام أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضى الله عنه في وصاياه إلى سعد بن أبي وقاص ومن معه من الأجناد: (أما بعد فإنى آمرك ومن معك من الأجناد بتقوى الله على كل حال، فإن تقوى الله أفضل العدة على العدو، وأقوى المكيدة في الحرب، وآمرك ومن معك بأن تكونوا أشد احتراسًا من المعاصى منكم من عدوكم , فإن ذنوب الجيش أخوف عليهم من عدوهم، وإنما ينصر المسلمون بمعصية عدوهم لله، ولولا ذلك لم تكن لنا بهم قوة، لأن عددنا ليس كعددهم ولا عدتنا كعدتهم، فإن أستوينا في المعصية كان لهم الفضل علينا في القوة، وإلا لم ننصر عليهم بفضلنا لم نغلبهم بقوتنا) . (١) والفيصل في هذا قوله ﵎ في الذكر الحكيم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (٢) . وأما عبدة الله على حرف الذين إذا أصابوا خيرا اطمأنوا به , وإن أصابتهم فتنة انقلبوا على وجوههم، فهم الخاسرين دنياهم وأخراهم، وذلك هو الخسران المبين. وأخاف أن يكون هذا حال كثير من الذين يدعون الإسلام ﴿لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ﴾ (٣)

стр. 11819

مواجهة جديدة بين الإسلام والفكر الغازى. أولًا – الغزو العسكرى: إن صراع الحق مع الباطل سمة هذه الحياة، فمنذ قاسم الشيطان آدم وحواء يؤكد أنه لهما من الناصحين، فدلاهما بغرور، فأوقعهما، فأهبطوا جميعًا إلى الأرض مستقرًا لهم ومتاعًا إلى حين. فالباطل بجنوده من الإنس والجن يوحى بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورًا، والنفس الأمارة بالسوء تروج وتزين وتجذب إلى مباهج الحياة وملاذها الخلابة.. واخترع لدعم الباطل من وسائل الدمار المادى والمعنوى خلال حياة الإنسان الطويلة على الأرض، وما وصل في تطوره إلى قمة الخيال، وإذا علمنا أن هذه الوسائل تسيطر عليها الرأسمالية العالمية الملحدة، والأيديولوجية المارقة، أدركنا مقدار ما نتعرض له من خطر وما يواجهنا من هجمة شرسة تستهدف تحطيم ديننا، تحطيم قيمنا، تحطيم مثلنا، تضليل فكرنا، ومسخ حضارتنا وإحلال محلها حضارة الآخرين لنكون ذيلًا نتبع ولا نُحترَم، ونُجر في إرضاء مصالح الغير. إن الغزو العسكرى الذي بدأته الحروب الصليبية منذ قرون في الشرق الإسلامي وفى غربه لم يتوقف- كما يظن البعض- فهو صراع بين الحق والباطل، صراع بين التوحيد والضلال، صراع بين الحضارة الإسلامية التي رست أسسها على شهادة التوحيد، وعلى الذكر الحكيم، وعلى سنة خير الورى محمد ﷺ ، وعلى التراث الإسلامي العظيم، وعلى فكره السامى الذي تناول كل جوانب الحياة البشرية مادية كانت أم روحية، وبين حضارات قامت في أساسها على الوثنية وعلى أيديولوجيات مادية، وعلى أديان محرفة. إن الصراع لم يتوقف ولن يتوقف، وإنما يهادن لالتقاط أنفاسه، ويخاتل لإحكام خططه. إن الفرنسيين بعد أن احتلوا الشام ولبنان، واحتلوا جزءًا من ليبيا، واحتلوا تونس والجزائر والمغرب وأجزاء كبيرة من غرب إفريقيا ووسطها، لم ينسوا قيادة ملكهم للحروب الصليبية، ووقوعه في أسر المصريين وسجنه في دار ابن لقمان بالمنصورة وقول شاعرهم بهذه المناسبة: (وقل لهم إن أضمروا عودة لأخذ ثأر أو لقصد صحيح دار ابن لقمان على حالها والقيد باق والطواشى صبيح) (١) والإنجليز لم ينسوا بعد احتلالهم العراق وفلسطين ومصر إحياء ذكرى قيادة ملكهم ريتشارد الأول قلب الأسد للحملة الصليبية الثالثة سنة ١١٩١م ومعاركه مع المسلمين بقيادة صلاح الدين الأيوبى، واللورد اللنبى لم ينس في القدس سنة ١٩١٨م بعد أن دخلها مع قوات الثورة العربية أن يقول: (الآن انتهت الحروب الصليبية) . وأن يقول في دمشق متشفيًّا يزهو كالطاووس وأوسمة الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس تلمع على صدره: (ها نحن قد عدنا إليك يا صلاح الدين) ! (٢)

стр. 11820

والمحزن أن تمر هذه المواقف علينا نحن المسلمين ونستصغرها , وهى عظيمة بعيدة المدى واضحة المعنى، قوية التعبير، تنم على الحقد والضغينة والكيد والمكر، وقد أثبتت تصرفات أعداء الإسلام، ومؤامراتهم ما تعنى كلمة اللورد اللنبى، فقد أخلفوا كل وعودهم، ونفذوا ما كانوا يبيتونه ويتواصون عليه أبًا عن جد، وجيلًا عن جيل، ويضحكون على طيبتنا وبلادتنا. فبعد أن أغروا بعضنا ببعض وزودوا بالسلاح.. وخدعوا بالوعود الخلابة ... انتهوا من تقطيع أوصال أمة الإسلام، فها نحن اليوم بعد كل اللكمات لا زلنا نغط.. بلا وعى، ويتكالب بعضنا على بعض، تُحاك المؤامرات، وتشُن الحروب، ويستنجد بالأعداء الذين يراقبون عن كثب ما يجرى في الميدان، ويزيدون النار اشتعالًا ويزرعون الفتن، ويغرسون إسرائيل في قلب أمة الإسلام، ويسارعون إلى احتضانها بعد أن قضوا على آخر رمز للخلافة الإسلامية (فانفرط العقد) , فيؤججون القوميات الجاهلية التي اتخذت سلاحًا للفتك بالإسلام والمسلمين , وكأن هؤلاء المسلمين لم يعلموا بما فعل رسولهم محمد عليه أفضل الصلاة والسلام عند وصوله إلى يثرب، وهو في صدد وضع أول نواة لدولة الإسلام ومجتمع الإسلام حين آخى بين المهاجرين والأنصار على أساس من رابطة الإيمان التي هي أقوى من رابطة الدم في الإسلام، ومعروف قوله لدى كثير من المسلمين في حجة الوداع: ((كلكم لآدم وآدم من تراب، لا فضل لعربى على عجمى، ولا لعجمى على عربى، ولا لأبيض على أسود، ولا لأسود على أبيض إلا بتقوى الله)) . والذكر الحكيم صريح، ولا يحتمل أي تأويل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (١) ثم بعد هذا يعطى المسلم الفرصة لأعداء دينه أن يضلوه ويشحنوه بأيديولوجيات عُرفت معارضتها - بالضرورة - لدينه , فيتحول إلى آلة مدمرة تعمل لتقويض أمته، والقضاء على نفسه، فيخرب بيته بيده وبأيدى أعداء أمته.

стр. 11821

ثانيًا – الغزو الفكرى: أدرك المستعمرون أن الغزو العسكرى محدود النتائج، ويصعب تأمينها، وبجانب كونها غير ثابتة هو باهظ التكاليف، ويربى الكراهية والأضغان. فهزيمة جيش واحتلال أرض، وقتل وتعذيب الناس لا يغير من عقيدة الناس، بل يزيد الشعوب نفورًا، ويقوى فيهم عزيمة الدفاع عن الكرامه والشرف ولو أدى ذلك إلى العناء وسقوط أعداد كبيرة من الشهداء، وخاصة لدى السملم الراسخ العقيدة. وثورة الحجارة – كما يسميها البعض – في أرض فلسطين الجريحة دليل صريح على ذلك. فالحياة مع الذل والمهانه لا يُزيل عارها, ويمحى هوانها إلا شرف الكفاح، وحتى الشهادة إن استدعى الأمر ذلك. لعمرك ما للمرء خير في حياة إذ ما عد من سقط المتاع وإذا كانت هذه الحياة لا بد أن ينهيها الموت طالت أم قصرت، فلم إذن يقبل الإنسان أن يعيشها مهانًا مركول الكرامة؟ وإنطلاقًا من هذا المنعطف لم يضيع الغزاة الوقت، بل أخذوا يخططون ويعملون لإبعاد المسلمين عن دينهم؛ للسيطرة على عقولهم، وإبعادهم عن مثلهم وتشويه حضارتهم، فالاحتفاظ بهم سوقًا استهلاكية ضخمة رابحة تروج فيها تجارتهم الواسعة، تجارة متع الحياة ونعيمها الرخو الناعم، تجارة السيارات الفارهة، تجارة السلاح، وهذا يتطلب مسخهم خلقًا جديدًا لا علاقة له بعقيدتهم وتاريخهم. وللوصول إلى هذه الأهداف لا بد من خطة محكمة، خطة ذكية لا تُشم فيها رائحة الأهداف الخبيثة التي يرمون إليها, ولابد من إخفاء الفخ بإحكام لتقع فيه الضحية ... ولإنجاح العملية لابد من تأمينها، ولتأمينها لابد من إشعار الناس بالخوف بحيث يقتنعون بأنهم معرضون للخطر، وإدخال هذا الشعور في نفوسهم يجعلهم يقبلون بالاحتفاظ ببعض وسائل الاستعمار التقليدية في شكل اتفاقات أمن ودفاع ومستشارين ومدربين، ومرابطة قوات في أماكن حساسة، قوات سريعة الحركة على أهبة التدخل المباشر إذا اقتضت مصلحة المستعمر ذلك.

стр. 11822

وبعد تأمين الخطة يبدأ التنفيذ وعلى مراحل، والتنفيذ يحتاج إلى ذكاء ومهارة فائقة, فيما أن الغزو لم يعد غزو قتل، بل غزو تخدير، غزو فكر لفكر، غزو ثقافة لثقافة، صراع حضارة وحضارة، فالأسلحة التي ستستعمل في الهجوم لابد أن تكون من جنس أسلحة الدفاع والمقاومة، أسلحة الفكر، وهى أسلحة لا تبيد هياكل الإنسان ولكنها تقتل فيه روح العزة والكرامة وتبقيه جاهزًا للاستغلال تمامًا كالأسلحة التي قيل إنها تقتل الحياة ولا تمس بأذى المدن , فتبقى صالحه للعمران. فإذا بالمبشر الخبير , والطبيب المبشر، والكنيسة والمستشفى، وإذا بالمعلم والكتاب والمدرسة، وإذا بالصحافة والإذاعه فالتلفزة، فإذا بالمعونات والهبات والقروض المشبوهة المشروطة، والمؤسسات الثقافية، وأندية الترفيه، وإذا بالضغوط السياسية من وراء الكواليس ... جيوش جرارة تنطلق ومجموعه مصائد محكمة التصميم، محكمة التنفيذ، محكمة التضليل، محكمة الزخرفة، قوية اللمعان، براقة، تسحر العيون، وتجذب النفوس، وتضع الغشاوة على البصائر، وتخلط السم وبالعسل، وتقتل على مهل، وقد يأتى مفعولها بعد جيل أو جيلين: وكل هذا لترويض عقلية الناس ومحو شخصيتهم بالقضاء على دينهم، على عقيدتهم؛ الصخر الصلد الذي تهشمت عليه معاولهم، ونبت عنه سيوف الوثنية الجاهلية من قبل، وصدع إمبراطورية الفرس والروم، ورد الصليبية المتعصبة وقادتها من ملوك أوروبا الكبار من أمثال ريتشارد قلب الأسد ملك إنجلترا، ولويس التاسع ملك الفرنسيين الذي ترك ذكريات لا تنسى بالمنصورة. إن الذي جهله، أو يتجاهله بعض المسلمين أن الحرب الفكرية، الحرب الحضارية التي يخوضها الغرب المادى الرأسمالى الملحد ليست حربًا موجهة لدولة معينة أو لشعب معين من دول الإسلام وشعوبه، بل هي حرب عامة، حرب عقيدة، حرب فكر وحضارة، لايكون تركيزها على بلد أو على منطقة إلا خطة تكتيكية، إستراتيجية، مرحلية، فهى كمحاصرة حصن كبير عصى، فكل ثغرة وكل ثلمة تحدث فيه وفى أي مكان تهيه وتساعد على تدمير بقية أجزائه وإن طال الأمد. فلتزل الغشاوة، وليرفع الحجاب، وليفكر أهل الفطنة ومن بقيت لديهم عقيدة الإسلام، أو لديهم غيرة على الإسلام، فليدرك الجميع أبعاد ما يتعرض له الإسلام من حرب شرسة تستعمل كل أنواع السلاح، وأخطر هذه الأنواع كلها سلاح الفكر، وأن السفينة إذ خرقت غرقت، غرقت بكل ما فيها، الخارقين والذين لم يأخذوا على أيديهم في الوقت المناسب. فالهجوم الفكري الثقافي يهدف إلى ترويض عقلية الناس ومحو شخصيتهم بالقضاء على دينهم وتغيير منطقهم ليصبحوا هم أنفسهم المدافعين عن ساداتهم، هم أنفسهم الغيورين على ثقافة وحضارة جلاديهم، هم أنفسهم الناشرين لفكرهم، هم أنفسهم الساخرين من دينهم، هم أنفسهم العاملين لنقض كل شيء يتصل بحضارتهم وتراثهم، إذ يرون من ضلالهم، أن سبب شقائهم وتأخرهم ناتج عن حضارتهم، فهم يعملون بحماس ونشاط وفاعلية لهدم كل الأسس التي قامت عليها تاريخهم وفكرهم وحضارتهم، ولا يحتاجون إلى توجيه، فعملهم هذا يستند إلى رغبة جامحة لديهم، فبعد أن مسخوا أصبحوا خلقًا جديدًا. والناس لا تختلف الاختلاف الحقيقي بأشكالها، فاختلافها الحقيقي يتمثل في أفكارها ومفاهيمها، وتصرفاتها التي هي رد فعل لما يعتمل في الأذهان ... وهذه هي مرحلة الانهيار الكامل، وهى الانهزام الفكرى الحضارى، وهى أمل الغزو الفكرى، وهى الغاية التي يسعى إليها أعداء الإسلام، ويعملون ليلًا ونهارًا للوصول إليها.

стр. 11823

المنطلقات المحورية للغزو الفكرى: إن الاكتساح الفكرى يتم عن طريق مؤسسات معينة متخصصة في التعليم والتوجيه، ونشر الأكاذيب والافتراءات ضد الإسلام، وتلقينها وبثها في أوساط الشباب (خاصة) ، والترويج لها بوسائل وبطرق نفسية مدروسة. أولًا – التعليم: والتعليم هو الوعاء العام الذي حمل وسرب عن طريقه كل السموم الضارة، والجراثيم الوبائية القاتلة، والأفكار الهدامة الملحدة، والثقافة المائعة المنحلة، هو أصل الشجرة التي امتدات منها الفروع ومن الفروع الأغصان. فعن طريق التعليم نشرت القوميات التي مزقت أمة الإسلام، وعن طريق التعليم رسخت أساسيات العلمانية، علمانية الدولة، علمانية التربية، علمانية الفكر، وعن طريقه انطلقت سهام الفكر الضال الذي يستهدف تحطيم المثل التي قام عليها الإسلام، وشيدت عليها حضارتها، وعن طريق التعليم انبثق من أمة الإسلام علماء ومفكرون وأدباء ومذيعون وفنانون وصحفيون كرسوا حياتهم لنقض الأسس التي قامت عليها حضارة الإسلام، أتوا بكل باطل مموه، فأفسدوا الأخلاق ومزقوا شعوب الإسلام، وأصابوا النفوس بالإحباط، ومركب النقص ... وكان من الطبيعي أن يكون أول غرض لسهام الغزو الفكرى التعليم، وبمعناه العام أي بإدخال التربية فيه، بمعناها الخاص. فهم يدركون أهمية التعليم كسلاح فعال عند توجيهه إلى الخير، وعند توجيهه إلى الشر، فعن طريقه تتم السيطرة على الإنسان، وإذا تمت السيطرة على الإنسان، تمت السيطرة على الأرض واستغلالها بربح وفير ومن غير عناء. والمثال التالي يأتي من مصر، وينسحب على كل بلاد الإسلام، بل في كل أرض فيها الاستعمار، وهو من تقرير "لورد كرومر" لسنة ١٩٠٦م: "التعليم الوطني عندما قدم الإنجليز إلى مصر كان في قبضة الجامعة الأزهرية الشديدة التمسك بالدين والتي كانت أساليبها الجافة القديمة تقف حاجزًا في طريق أي إصلاح تعليمي، وكان الطلبة الذين يتخرجون في هذه الجامعة يحملون معهم قدرًا عظيمًا من غرور التعصب الديني , ولا يصيبون إلا قدرًا ضئيلًا من مرونة التفكير والتقدير، فلو أمكن تطوير الأزهر عن طريق حركة تنبعث من داخله لكانت هذه خطوة جليلة الخطر. ولكن إذا بدا أن مثل هذا الأمر غير متيسر تحقيقه، فحينئذ يصبح الأمل محصورًا في إصلاح التعليم الذي ينافس الأزهر نفسه أمام أحد أمرين: فإما أن يتطور، وأما أن يموت ويختفي" (١) . ويضيف المستشرق (جب) : "وفي أثناء الجزء الأخير من القرن التاسع عشر نفذت هذه الخطوة لأبعد من ذلك بإنماء التعليم العلماني تحت أشراف الإنجليز في مصر والهند ". (٢) .

стр. 11824

وهذا (زويمر) أحد زعماء التبشير يقول على جبل الزيتون في القدس إبان الاحتلال الإنجليزي لفلسطين سنة ١٣٥٤ هـ / ١٩٣٥ م: "لقد قبضنا أيها الإخوان في هذه الحقبة من الدهر من ثلث القرن التاسع عشر إلى يومنا هذا على جميع برامج التعليم في الممالك الإسلامية، وإنكم أعددتم نشئًا في ديار المسلمين لا يعرف الصلة بالله، ولا يريد أن يعرفها، وأخرجتم المسلم من الإسلام ولم تدخلوه في الأخلاقية، وبالتالي جاء النشء الإسلامي طبقًا لما أراده له الاستعمار المسيحي لا يهتم بالعظائم، ويحب الراحة والكسل، ولا يعرف همه في دنياه إلا في الشهوات ... فإذا تعلم فللشهوات، وإذا جمع المال فللشهوات، وإن تبوء أسمى المراكز ففي سبيل الشهوات يجود بكل شئ". (١) وهذه النصوص تلقى الضوء على ما يختمر في عقول غزاة العالم الإسلامي وما بيتوه ـ في وقت مبكر ـ لاقتلاع أسس الفكر الإسلامي وحضارته. فقد كانت التربية والتعليم أول ميدان يتجهون عليه، وهم بلا شك يعملون أن هذا الميدان هو المصنع الخاص بتشكيل الإنسان وتوجيهه حيث يراد ... لم يقصروا، وقد وضعوا في الحسبان تكوين جيش مدرب مجهز بوسائل الغزو، ليضمنوا النجاح الباهر، فكان التركيز على التعليم لتكوين الناشئة على هواهم وعلى أسس تقوم على قطع صلتها بماضيها وحضارتها وثقافتها، فنشأ جيل وبعده أجيال لا تعرف من تاريخها إلا النقاط المظلمة. الافتراءات المضلة والأكاذيب المتعمدة فلم يروا إلا حكم الفرد والاستبداد والظلم وكبت الحريات وقصور الحريم والجواري ومجلس الخمر وسهرات الحشيش والغناء، ومع كل أنواع الانحراف الخلقي. فجاءت الأجيال لا تعرف من دينها إلا أنه هو العائق لها، والحائل بينها وبين التقدم والازدهار واللحاق بركب حضارة الغرب. فهو دين همجي لا يصلح إلا للبدو في مفازة الصحراء، وإلا للرعاع في الأدغال والغابات, أما الحضارة، أما الرقى والازدهار، أما الفكر المهذب العالي فلا يعرف أي شيء من هذا.

стр. 11825

وبعد أن تأكد الغزاة من نجاح عملية التكوين، وتمت مراقبة هذه الأجيال المقطوعة الصلة بثقافتها وأعرافها، المشوه تاريخها وحضارتها، (وبعد أن أثبتوا جدارتهم وإخلاصهم لحضارة الغزاة وفكرها وثقافتها، وتأكدوا من شغفهم بها، وانبهارهم بمظاهرها وبهرجتها، سلموا لهم مقاليد الأمور من سياسة وتعليمية واقتصادية وتشريعية وتوجيهية، فصار مثلهم الأعلى أن يقتربوا ولو بشبر من حضارة سادتهم، إذ ما عداها ليس إلا رجعية وتأخرًّا وتزمتًا) . وقديمًا قال ابن خلدون ﵀: (إن المغلوب دائمًا مولع بتقليد الغالب) . فقد اندفع هؤلاء يبذلون كل جهد في (تغريب) الشباب وزرع عقدة الشعور بالنقص، وفقدان الشخصية الإسلامية, حتى برز من بين هؤلاء أعداد جمعوا كل قواهم، وطرحوا كل قناع، فتبجحوا بأفكارهم، أفكار كلها افتراء وتهجم على الإسلام وتشنيع عليه، محاولة مخططة لزعزعة عقيدته من قلوب الجماهير التي لم تزل تقدس عقيدتها، وتتمسك بكل ما يمت إليها بصله رغم ما تعرضت، وتتعرض له من حرب نفسية في المدرسة , في الشارع , في الصحافة , في الإذاعة، في التلفزة بل وفي كل وسائل التعبير الأخرى من مسرح وسينما ورسم ونحت ... (١)

стр. 11826

الغزو الخارجي والتحطيم الداخلي: وهكذا نرى كيف مكن الغزاة لهذه الفئات الممسوخة بعد أن أجروا لها عملية غسيل المخ وفرغوها تمامًا من محتواها الفكري والحضاري القائم على عقيدة الإسلام، ووكلوا إليهم عملية التخريب الداخلي للنخر في جسم أمة الإسلام كالسوس. فهم يحاولون وبكل إلحاح نزع أو على الأقل زعزعة عقيدة الإسلام من قلوب الشباب في المدارس والجامعات والأندية، ويبثون في كافة وسائل الإعلام والتثقيف المختلفة، ويتولون التوجيه فيها ويقومون بعملهم هذا بلا كلل ولا ملل، وبدعم تام من الغزاة وأذنابهم في المجتمعات الإسلامية. وسائل التوجيه في أيدي أعداء الإسلام: ومن المحزن أن نرى كل وسائل التوجيه في العالم الإسلامي في أيدي هؤلاء المخربين، ولا يتولاها إلا من أقام فترة في أوروبا أو في أمريكا، أو أثبت أنه خادم أمين لقوى الشر التي تعمل ضد الإسلام. فهؤلاء وحدهم القادرون على التخطيط والتوجيه وإدارة المؤسسات التربوية والتوجيهية والفنية، وهم المتحضرون، أما نحن المسلمين فلا نبلغ كعب هؤلاء العمالقة خدام الغرب، حتى في لغة القرآن وتربية الإسلام مركب نقص خطير وإحساس بالدون يعصف بالمسلمين!! ... فقد وصل تأثير الفكر العربي بهم أن فقدوا الثقة بأنفسهم، وإذا فقد الإنسان الثقة في نفسه ضاعت منه القدرة على العمل الجاد والمبدع، وعاد خاملًا لا تسمو به نفسه إلا لتقليد غيره والعيش على جهود الآخرين، وأما أن يشعر بأن الذي عمل وأبدع، وكد وأنتج، وثابر واخترع، معتمدًا على ما أنعم الله به عليه من قوى فاعلة ليس إلا بشرًا فغير وارد لما أصابه من تحطيم وإحباط.

стр. 11827

وقد وصلت هذه الحالة المزرية بالمسلمين أن اختفي المنطق في تصرفات الكثير منهم، وإلا فكيف يترك المسلم مؤسسات التعليم والتربية في العالم الإسلامي ويذهب إلى مجتمع غير مسلم، وفي مؤسسات تحارب الإسلام علنًا أو من وراء أقنعة يختفي وراءها المكر والكيد، وتذر الرماد في العيون وتخدر العقول, ويذهب هذا لدراسة ماذا؟ لعلكم إخوة الإسلام، تقولون: إنه ذاهب لدراسة الهندسة الذرية، أو الإلكترونيات، أو شيء من هذا القبيل من تلك الأنواع لم يصل المسلمون فيها إلى مستوى مقبول ... وقد يصاب المسلم بغثيان من الألم إذا علم أن هذا ذهب ليدرس العربية أو ليدرس التربية الإسلامية!!. تربية إسلامية في باريس!!. تربية إسلامية في شيكاغو!! "أسوأ البلايا ما يضحك". وقد أثبتت التجارب أن الكثير من هؤلاء المصابين بعبادة الغرب لا يعودون إلا بالقشور، قشور غير مهضومة، تتمثل في أفكار هدامة للأسس التي قام عليها الفكر الإسلامي، وأنهم لا يعرفون كما ينبغي لغة البلاد التي عادوا منها، ويجهلون لغة القرآن، ورغم أن بعضهم يدعي العروبة!!. فهم إن أرادوا أن يكتبوا بها شحت قرائحهم، وإذا سمحت منحت ما يثير السخرية والشفقة معا وإذا تباحثت مع أحدهم شاح بوجهه وورم أنفه لتغطية هزال فكره، وإذا قبل انكشفت ضحالته " فإذا بالجبل الشاهق يلد فأرًا " يمتاز عن جنس الفئران بأنه قزم يفتقد ذكاء هذا النوع من الفئران التي نجدها في مراكز الأبحاث.

стр. 11828

من قضايا العصر ذات الأثر الخبيث: العلمانية: العلمانية (Le Iairisme) من الأيديولوجيات التي يحيطها الغموض لدى الكثير من المطبلين لها، فأغلبهم يتخبط فيها من غير معرفة لحقيقة الهدف، يسير في الركب لا لشيء إلا لأن الغرب نادى بها , وكنت دائما ألتمس من أدعياء المعرفة أن يكشفوا لي حقيقتها ... وقد جرى حوار بيني وبين شخصية إسلامية كانت تتولى منصبًا إسلاميًّا ساميا. قلت للمسؤول الإسلامي ذي الثقافة الغربية: إن كثيرًا من دول العالم الإسلامي تقول: إنها ديمقراطية علمانية. والمفهوم السائر للديمقراطية (حكم أغلبية الشعب) فكيف تبرر ذلك في بلد قد تصل نسبة المسلمين فيه إلى القريب من مائة في المائة؟ بينما معنى لائك، الذي ترجم تضليلًا في اللغة العربية ـ بعلماني لا دينى ـ فكيف يكون الإنسان دينيًّا ولا دينيًّا في آن واحد؟ ولم أقتنع بما قاله ذلك السيد، ومن ضمنه القول بأن (دولة لائك) يعنى أن كل إنسان في البلد الذي تحكمه هذه الدولة حر في اعتناق ما يراه من دين. فقلت: ولو كانت أغلبية الشعب لا توافق على هذا المبدأ، فأين إذن مفهوم الديمقراطيه؟ أولا يكون هذا عين الدكتاتورية؟. إن مسألة (علمانية الدولة) مسألة خطيرة يترتب عليها كثير من المضار في المجتمع الإسلامي، وأن مضارها ومنافعها ـ إذا كان فيها منافع ـ يجب أن تكون معلومة واضحة لدى الشعب، وأن تكون أهم نقطه بارزة في أي نظام سياسي في بلد إسلامي وذلك قبل نظام الحكم: ملكي، جمهوري، وبعد شرحها بوضوح من كل جوانبها، وإجراء الاستفتاء، وأختارها الشعب من غير تزوير لإرادته. فليعلم الجميع أنهم باختيار العلمانية قد انحرفوا عن الإسلام. فلا يمكن لإنسان أن يكون دينيًّا ولا دينيًّا في آن واحد. هذا وقد ترجمت كلمة (Laique Laicism) إلى العربية بخبث واضح مثل ما ترجمت كلمة (Colonisation) باستعمار تضليلًا بينما معناها الاحتلال والاستعمار والاستذلال. وذلك لهدف إيقاع الناس في الشرك وخاصة المسلم إذ تقع عينه أول وهلة، ويخطف فهمه- وهو خالي الذهن- كلمة علم، والعلم عنده جذاب مغر إذ أول سورة نزلت في كتابه الذي يقدسه، تشمل على: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ .

стр. 11829

تقول دائرة المعارف البريطانية في تعريف كلمة (Secularism) (هي حركة اجتماعية تهدف إلى صرف الناس عن الاهتمام بالآخرة إلى الاهتمام بالحياة الدنيا وحدها، ذلك أنه كان لدى الناس في العصور الوسطى رغبة شديدة في العزوف عن الدنيا والتأمل في الله واليوم الآخرة. ومن أجل مقاومة هذه الرغبة طفقت ال ـ (Secularism) تعرض نفسها من خلال تنمية النزعة الإنسانية ... حيث بدأ الناس في عصر النهضة يظهرون تعقلهم الشديد بالإنجازات الثقافية البشرية، وبإمكانية تحقيق طموحاتهم في هذه الحياة القريبة ... وظل الاتجاه إلى الـ (Secularism) يتطور باستمرار خلال التاريخ الحديث كله باعتبارها حركة مضادة للدين ومضادة للمسيحية) . (١) . وفي المنهل قاموس عربي فرنسي تأليف الدكتور جبور عبد النور، والدكتور سُهيل إدريس. بيروت: (لائك لا ديني (Laique) مذهب أنصار اللادينية في المؤسسات، علمانية (Laicism) فنبذ الدين وإقصاؤه عن الحياة العلمية هو لب العلمانية) . (٢) . والعلمانية اصطلاح حديث يقصد به ما ليس دينيًّا أو كهنوتيًّا (٣) . والذي لا يتطرق إليه الشك أن العلمانية (Liacism) كانت مصدر شر مستطير هدام في العالم الإسلامي وفي العالم أجمع, فقد أصبحت قاعدة في الحكم, فصارت الدولة لا دينية, ودخلت في التعليم، وهو رأيي أخطر مؤسسة وصل إليها الفكر البشرى لتشكيل الفرد ومن ورائه الجماعة، إذ الفرد ما هو إلا لبنة المجتمع، وكل بناء سواء كان ماديًّا أو معنويًّا يشاد على أساس ولبنات , فإن كانت هذه اللبنات سليمة وصالحة صار البناء قويًّا , وإن كان العكس أصبح ضعيفًا هشًّا. فلا دينية التعليم والتربية التي فرضت بالقوة ـ في البداية ـ على بلاد الإسلام هي التي سممت العقول والفكر وخلقت جيلًا ضلل , فأصبح أداة هدم من الداخل ومعاول تحطيم بما سلط وبث من فكر سام، فكر مبتور عن تاريخ الأمة الإسلامية وتراثها وحضارتها , ثم أصبح القادة من هذا الجيل فصاروا الأيدي التي تتحرك بعوامل الغزو الفكري الغربي، فمكنوا له في الدولة ونبذوا دين الله كما هو طلب المحركين لهم من وراء الحجاب, وأقصوه عن الحياة العلمية والعملية، وطردوه عن جميع المؤسسات، ومنعوه من الاقتراب من المجتمع، وضربوا عليه الحصار في كل مكان (ودروشوا) من يتظاهر به، وسخروا منه، وقرروا إيداعه في كهف قصي مظلم في متحف التاريخ.

стр. 11830

انظروا قول زويمر السابق: (لقد قبضنا أيها الأخوان في هذه الحقبة من الدهر من ثلث القرن التاسع عشر إلى يومنا على جميع برامج التعليم في الممالك الإسلامية، وإنكم أعددتم نشئًا في ديار المسلمين لا يعرف الصلة بالله، ولا يريد أن يعرفها، وأخرجتم المسلم من الإسلام ولم تدخلوه في المسيحية، وبالتالي جاء النشء الإسلامي طبقًا لما أراده الاستعمار المسيحي ... ) ! أي شهادة من هذا الداعية الخطير الذي لم يتعلثم في أن يقول للأغبياء والبلداء والأغرار والمنبهرين بحضارة الغرب والمخدوعين بحلاوة وطلاوة أحاديث المبشرين، وخاصة للذين يحاولون الفرق بين التبشير والاستعمار يقول لهم: هذا ما نخطط له، هذا ما نريده، نريد أن نحطمكم طبقا لما أراده لكم الاستعمار المسيحي! إذا كان زويمر يكشف هذه الخطط، ويؤكد نجاحها سنه ١٩٣٥م, وإذا كان يقول بفخر ما قاله فماذا عسى أن يقوله الآن يا ترى!!! أنني لا أريد الاسترسال في التعليق على هذا التصريح الخطير, وفي الواقع لا يحتاج إلى تعليق، فوضوحه أغناه ... وقد أثبتت أحداث التاريخ ما تباهي به زويمر، وبنظره عامة نجد كثيرًا من أبناء المسلمين يكيدون للإسلام وينفذون خطط زويمر ويضطهدون كل داع إلى الإسلام. فكأن بعض الناس لم يعد لديهم عمل إلا ملاحقه الإسلام، ومحاولة مسخه، وخلق دين مرقع لا يمت إلى الإسلام بصله، دين مقبور في المساجد، مقطوع الصلة بالحياة، وبالمجتمع، وبشؤون الناس اليومية. فليفعلوا ما يحلوا لهم، وليشكلوا ما يتصورونه دينًا يلهون به، ويظنون أنهم يخادعون المسلم، وما يخادعون إلا أنفسهم وهم لا يشعرون، فليفعلوا ما يريدون ولينفذوا رغبات الأسياد، وسيبقى الإسلام بخير بإذن الله ويبقى الخلط والضباب والظلمة في أذهان أعدائه.

стр. 11831

إذا كان الغرب المسيحي قد عرف في تاريخه تسلط الكنيسة على الكادحين، وتحالفها مع الإقطاعيين ومع الملوك والنبلاء من ديوك وبارونات ودوقات؛ لاستعمار الطبقات الكادحة، وتاجرت في صكوك الغفران، ونصبت محاكم التفتيش وسجنت العلماء, فما جريرة الإسلام في أن يوضع مع الكنيسة في قفص اتهام واحد!!؟ ويعزل عن شؤون الحياة اليومية ويحبس بين جدران المساجد، ويتلقى الخطباء يوم جمع تعاليم صارمة تقص ألسنتهم , بل تشتت أفكارهم من هولها وتنتشر بين المصلين الشرطة السرية. وإذا تمرد متمرد غمرته كرامة الإسلام وأبت له أن يكون آلة لتخدير المسلمين، فانطلق لسانه بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبالتنديد بالظلم والظالمين، منع بعد ذلك من الوقوف خطيبًا، وهذا أهون عقاب، إن لم يزج في السجن متهمًا بالإخلال بالأمن العام أو حتى بالتآمر على أمن الدولة، وهي جريمة يعاقب عليها القانون. إن فرض اللادينية = العلمانية، على الإسلام والمسلمين مجاف للإسلام ومناقض لأسسه وسيرته، وفصل الدين عن الدولة ليس من الإسلام في شئ، وانفصامية الدين والدولة يتعارض أساسًا مع شمولية الإسلام، وإذا فصل الدين عن الدولة صار شيئا آخر، وادعه ما تشاء..، أما أن يكون إسلامًا فلا. فالإسلام لا تبتر أطرافه، وإذا بترت صار غير دين الله الحق الذي أنزله على عبده ورسوله محمد ﷺ واستمسك به عقيدة، وطبقه شعيرة وشريعة، وكان مسجده في المدينة المنورة منطلق دعوته، تقام فيه الصلوات وينبعث منه الفكر الهادي، وتعالج فيه جميع شؤون المسلمين، وتدبر فيه الخطط لنشر الإسلام والدفاع عنه. ولا أدرى هل هذا يسمى سياسة، ويمنعه دعاة اللادينية.

стр. 11832

قوة الإسلام الذاتية: فرغم كل التدابير التي اتخذت للقضاء على الإسلام لوضعه في متحف التاريخ ورغم كل أنواع الغزو الفكري، وهجمة الحضارة الغربية المادية، ورغم المطبلين للغرب ونفوذهم، ورغم الحروب البشعة التي أشعل نيرانها أعداء الإسلام داخليًّا وخارجيًّا, ورغم رايات الاضطهاد التي يرفعها بافتخار بعض أذناب الغرب وعباده في بلاد الإسلام، ورغم وقاحة الكتاب والمفكرين دعاة التغريب والتبعية خدام الغزو الفكري وأجرائه، ورغم انهزام كثير من أبناء المسلمين فكريًّا وحضاريًّا، ورغم وصول تأثير الفكر الغربي إلى درجة العمق في تصرفاتنا اليومية فكرًا وسلوكًا وتعليمًا وسياسة وتشريعًا واقتصادًا، وحتى في الأشياء البسيطة، أو التي تخضع للبيئة الطبيعية كالأزياء مثلًا. إذ قد نجد من يعيش في منطقه حارة وفي فصل الصيف، وتراه مشدود الرقبة، مشدود الوسط، يتصبب عرقًا من الصوف الذي يرتديه على الطريقة الغربية، ومن الجو الخانق الشديد الحرارة، ورغم كل هذا فقد فوجئ العالم أجمع بالإسلام يفيض من وراء كل السدود، ويتخطى كل الحواجز، وإذا بالجماهير من شباب الإسلام تتلقف الراية، راية التضحية والجهاد في سبيل الإسلام فيتحير الطغاة، ويتحير معهم خدام الفكر الغربي ودعاته، الذين خابت آمالهم في تحويل جماهير الشباب إلى دُمى تحركها أقلامهم المأجورة وتربيتهم الفاسدة، مكافأة للغرب على ما أولاهم من عناية وأوسع لهم من نعمة. ففي الجامعة ارتَدَت الفتاة زيًّا محتشمًا، زيًّا إسلاميًّا وفي الشارع وفي المدرسة ... ظاهرة أقلقت جميع أعداء الإسلام وفزعت لها بعض الدول خارج العالم الإسلامي، حتى رأينا فرنسا موطن الحرية والمساواة والإخاء تثور من أقصاها إلى أقصاها، وتجفل مرعوبة هلعه أمام قطعة من القماش تضعها صبية على رأسها، فتقوم زوبعة تهتز لها جمهورية الحرية، حامية حقوق الإنسان، وتمنع الصبية من دخول مدرستها إلا بإلقاء خمارها!!.. بينما تسير لداتها عاريات إن شئن، وتتفاقم الزوبعة وتتطاول صاعدة إلى السماء وتصل رئيس الجمهورية ... لماذا كل هذا الفزع؟! أخوفًا من متر قماش وضعته فتاة على رأسها؟! أو من الفتاة نفسها؟ ولماذا كل هذا؟! إن الوثنية حاولت أن تئد الإسلام في مهده منذ ما يقارب من ١٤٠٠ سنة، وقامت ضده بحرب شنيعة فرد الله كيدها في نحرها: ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ (١) وفي العصر الحديث وقف حلف الفجور غير المقدس من الوثنيات والدهريات والديانات المنحرفة والأيديولوجيات الضالة وعتاه الاستعمار المادي والثقافي، تآمر الجميع بينهم، ومع من استهووه من أبناء المسلمين وأضلوه وقَبِلَ أن يمد يد العون لهم لاستئصال شأفة هذا العدو اللدود، ففتحوا عليه جميع أبواب الشر بسخاء، ولم يدخروا أي جهد، فإذا بجميع قرون الشياطين تعود واهية، وبقى الإسلام يتابع سيره بثقة واطمئنان ... ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ (٢) .

стр. 11833

إن قوة الإسلام ذاتية, قوة جوهرية، قوته المتمثلة في كتابه العزيز وفي عقيدته الراسخة, فقد واجه الإسلام قديمًا وحديثًا أعتى المذاهب فصمد لها، وحسم الرأي في كل ما أثارته الفلسفات حول الإنسان والكون والحياة والفكر البشرى من قضايا وتحريفات. وقد زيّف القرآن الكريم كما ما سوى عقيدة التوحيد الكاملة: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ , لا إله إلا الله محمد رسول الله. وجاء بالشريعة لصالح البشر, فتعانقت العقيدة والشريعة بحيث لا تنفرد إحداهما عن الأخرى, فمن آمن بالعقيدة وألغى الشريعة، أو أخذ بالشريعة وأهدر العقيدة خالف دين الله الحق, فالإسلام عقيدة وشريعة، ودين ودولة. وشهد التاريخ في كثير من أجزاء العالم لقوة الإسلام الذاتية التي حمته وأعطته فاعلية الانتشار بلا مبشرين وبلا قوى تدفعه وتساعده على الانتشار والصمود، فقد واصل الإسلام انتشاره منذ فجره إلى اليوم، ولم يتوقف عن الانتشار حتى في أشد أيام الصراع بينه وبين الاستعمار, وقد انتشر بقوته الذاتية، وبفضل مبادئه التي تحمل عنصري التوحيد والحرية. يقول توماس آرنولد في كتابه (دعوة إلى الإسلام) : (إن كان دولة الإسلام قد انقسمت وانهارت وحدتها السياسية فإن فتوح الإسلام الروحية قد بقيت لا تحول دونها الحوائل، حدث هذا برغم إغارة المغول على بغداد، وقيام الحكام الأندلس بطرد المسلمين من الأندلس , كان ذلك يجرى والمسلمون يضعون أقدامهم في أرض جديدة، ويُدخلون أهلها في دين الله، تلك هي جزيرة سومطرة) . ويقول العلامة مونتيه في كتابه (حاضر الإسلام ومستقبله) : (في إفريقيا أناس من المرابطين هم دعاة تبشير حقيقيين، وهناك طرق دينية أخذت على نفسها نشر الإسلام، على أن الإسلام ينتشر بنفسه بواسطة المسلمين أنفسهم، لأن كل مسلم في البلاد الوثنية داعية دين بحد ذاته.. والمسلم ينشر دينه وهو متوفر على تجارته، أو عامل في صناعته، والإسلام ينتشر من نفسه بواسطة القوافل التي ترحل إلى البلاد الوثنية، ودعاة الإسلام فيما عرفوا من الغيرة يعمدون إلى ذرائع مختلفة تناسب كل حال بحسب الأقطار والشعوب التي يبثون دعوتهم بين أهلها) (١) . ولا غرابة إذن في أن نرى المسلمين، والشباب منهم خاصة، يعودون إلى دينهم الحنيف بعد أن استفاقوا من هول الصدمة المضللة التي صرعت الكثير من الناس منذ بداية اشتباك الإسلام بالفكر الغربي وحضارته المادية. ولا نسأم من تكرار الحقيقة الأبدية التي تتمثل في أن هذه القوة الذاتية الإسلامية المتجسمة في كتاب الله العزيز هي التي صمدت أمام كل الحروب القذرة، مادية وفكرية، تلك الحروب التي انطلقت منذ عاد محمد ﷺ من الغار يحمل رسالة الله إلى البشرية قاطبة، بل وإلى الجن أيضًا حتى يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين.

стр. 11834

حملات على القرآن الكريم. وقد قامت حملات شعواء ضد الكتاب العزيز، حملات من كل نوع، ولكن الغزاة وأذنابهم وتساقطوا جميعًا وارتدت سهامهم في نحورهم، وبقى الذكر الحكيم مضيئًا الطريق لمن يريد السير في المحجة البيضاء، ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ (١) . وقد أزعج هذا النور قطاع الطرق والمفسدين في الأرض والجبابرة والطغاة، وكل من يريد أن يعمل في الظلام بعيدًا عن نور الحق، وأدركوا جميعًا أنه يستحيل عليهم القضاء على الإسلام وتدمير المسلمين إلا إذا انتزعوا هذه العقيدة والتي لا سبيل إلى نزعها إلا باجتثاث القرآن من الأيدي ومحوه من الصدور ومن الذاكرة، ولقد أدرك هذه الحقيقة كثيرًا من أعداء الإسلام وحاولوا بكل وسيلة تزييفه أو التشويش عليه، وقد دفع هذا (غلادستون) رئيس وزراء بريطانية إلى القول في مجلس العموم البريطاني عام ١٨٨٣م، وهو يحمل المصحف: (ما دام هذا الكتاب باقيًا في الأرض، فلا أمل لنا في إخضاع المسلمين، بل نحن على خطر في أوطاننا) (٢) .

стр. 11835

اللغة العربية ودعاة التغريب والهدم: كانت اللغة العربية هدفًا أساسيًّا من أهداف التغريب والتشويش للحط من قدرتها على مجاراة الزمن واتهامها بالقصور عن التعبير عن مضامين الحضارة النامية المتوثبة, والفكر المتطور المتشعب, والتقدم العلمي الهائل. (وقد بدأت الحملة على اللغة العربية منذ أواخر القرن الماضي، وامتدت على أيدي كتاب ومفكرين أجانب، ثم حمل لواءها كتاب من بلادنا. وبدأ هذه الحملة - في الأغلب - المبشر الإنجليزي وليم ويلكوكس سنة ١٨٩٢م، في خطاب ألقاه في القاهرة جعل عنوانه: "لِمَ لم توجد قوة الاختراع لدى المصريين الآن؟ " وأجاب بأن السر في تأخرهم هو اللغة العربية, وأن المصريين لو اتخذوا لهم لغة إقليمية كما فعلت بريطانية مثلًا استطاعوا أن يتفرقوا ويخترعوا) . (١) وتابعه ويلمور ١٩٠١م بحمله أخرى دعا فيها إلى ما سمّاه (لغة القاهرة) واقترح كتابتها بالحروف اللاتينية (٢) . وانطلق أعداء الإسلام يتابعون هجمتهم على لغة القرآن الكريم، يتهمونها بالعقم والقصور تارة، ويدعون إلى استبدالها باللهجات العامية تارة أخرى، واستبدال حروفها بحروف اللاتينية, وانبعث من أبناء بلاد الإسلام مخربون من الداخل أخذوا راية المؤامرة وفي أيديهم معاول الهدم، ولما عجزت محاولتهم في فرض لغة عامية، أو كتابه العربية بالحروف اللاتينية، تفتقت أذهانهم على فكرة عبقرية، موّهوها حتى لا تنكشف خططهم، يرجون من ورائها الوصول إلى هدفهم في استعمال العامية. والخطة تتمثل في اعتماد اللغة الصحفية، فهي لغة لا هي فصحى ولا هي عامية، ولكنها تنزل درجة عن الفصحى، وهذا يجعلها عاجزة عن الوصول إلى فهم القرآن الكريم والتراث الحضاري الإسلامي. ولا يخفي على أحد أن هذه العملية التنازلية تؤدي في غير عجلة إلى استعمال العامية, وليست هذه آخر المؤامرات التي حيكت وتحاك ضد لغة الذكر الحكيم, فهناك ما أطلق عليه اسم (تطوير اللغة) وتعنى هذه التحلل من القوانين والأصول التي صانت اللغة العربية خلال خمسة عشر قرنًا.
следующие страницы →