← Фикх общий

Фикх общий · id 8356

مجلة مجمع الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (22 276 стр.). Показаны 11831–11870 · переход к 11836.

стр. 11831

إذا كان الغرب المسيحي قد عرف في تاريخه تسلط الكنيسة على الكادحين، وتحالفها مع الإقطاعيين ومع الملوك والنبلاء من ديوك وبارونات ودوقات؛ لاستعمار الطبقات الكادحة، وتاجرت في صكوك الغفران، ونصبت محاكم التفتيش وسجنت العلماء, فما جريرة الإسلام في أن يوضع مع الكنيسة في قفص اتهام واحد!!؟ ويعزل عن شؤون الحياة اليومية ويحبس بين جدران المساجد، ويتلقى الخطباء يوم جمع تعاليم صارمة تقص ألسنتهم , بل تشتت أفكارهم من هولها وتنتشر بين المصلين الشرطة السرية. وإذا تمرد متمرد غمرته كرامة الإسلام وأبت له أن يكون آلة لتخدير المسلمين، فانطلق لسانه بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبالتنديد بالظلم والظالمين، منع بعد ذلك من الوقوف خطيبًا، وهذا أهون عقاب، إن لم يزج في السجن متهمًا بالإخلال بالأمن العام أو حتى بالتآمر على أمن الدولة، وهي جريمة يعاقب عليها القانون. إن فرض اللادينية = العلمانية، على الإسلام والمسلمين مجاف للإسلام ومناقض لأسسه وسيرته، وفصل الدين عن الدولة ليس من الإسلام في شئ، وانفصامية الدين والدولة يتعارض أساسًا مع شمولية الإسلام، وإذا فصل الدين عن الدولة صار شيئا آخر، وادعه ما تشاء..، أما أن يكون إسلامًا فلا. فالإسلام لا تبتر أطرافه، وإذا بترت صار غير دين الله الحق الذي أنزله على عبده ورسوله محمد ﷺ واستمسك به عقيدة، وطبقه شعيرة وشريعة، وكان مسجده في المدينة المنورة منطلق دعوته، تقام فيه الصلوات وينبعث منه الفكر الهادي، وتعالج فيه جميع شؤون المسلمين، وتدبر فيه الخطط لنشر الإسلام والدفاع عنه. ولا أدرى هل هذا يسمى سياسة، ويمنعه دعاة اللادينية.

стр. 11832

قوة الإسلام الذاتية: فرغم كل التدابير التي اتخذت للقضاء على الإسلام لوضعه في متحف التاريخ ورغم كل أنواع الغزو الفكري، وهجمة الحضارة الغربية المادية، ورغم المطبلين للغرب ونفوذهم، ورغم الحروب البشعة التي أشعل نيرانها أعداء الإسلام داخليًّا وخارجيًّا, ورغم رايات الاضطهاد التي يرفعها بافتخار بعض أذناب الغرب وعباده في بلاد الإسلام، ورغم وقاحة الكتاب والمفكرين دعاة التغريب والتبعية خدام الغزو الفكري وأجرائه، ورغم انهزام كثير من أبناء المسلمين فكريًّا وحضاريًّا، ورغم وصول تأثير الفكر الغربي إلى درجة العمق في تصرفاتنا اليومية فكرًا وسلوكًا وتعليمًا وسياسة وتشريعًا واقتصادًا، وحتى في الأشياء البسيطة، أو التي تخضع للبيئة الطبيعية كالأزياء مثلًا. إذ قد نجد من يعيش في منطقه حارة وفي فصل الصيف، وتراه مشدود الرقبة، مشدود الوسط، يتصبب عرقًا من الصوف الذي يرتديه على الطريقة الغربية، ومن الجو الخانق الشديد الحرارة، ورغم كل هذا فقد فوجئ العالم أجمع بالإسلام يفيض من وراء كل السدود، ويتخطى كل الحواجز، وإذا بالجماهير من شباب الإسلام تتلقف الراية، راية التضحية والجهاد في سبيل الإسلام فيتحير الطغاة، ويتحير معهم خدام الفكر الغربي ودعاته، الذين خابت آمالهم في تحويل جماهير الشباب إلى دُمى تحركها أقلامهم المأجورة وتربيتهم الفاسدة، مكافأة للغرب على ما أولاهم من عناية وأوسع لهم من نعمة. ففي الجامعة ارتَدَت الفتاة زيًّا محتشمًا، زيًّا إسلاميًّا وفي الشارع وفي المدرسة ... ظاهرة أقلقت جميع أعداء الإسلام وفزعت لها بعض الدول خارج العالم الإسلامي، حتى رأينا فرنسا موطن الحرية والمساواة والإخاء تثور من أقصاها إلى أقصاها، وتجفل مرعوبة هلعه أمام قطعة من القماش تضعها صبية على رأسها، فتقوم زوبعة تهتز لها جمهورية الحرية، حامية حقوق الإنسان، وتمنع الصبية من دخول مدرستها إلا بإلقاء خمارها!!.. بينما تسير لداتها عاريات إن شئن، وتتفاقم الزوبعة وتتطاول صاعدة إلى السماء وتصل رئيس الجمهورية ... لماذا كل هذا الفزع؟! أخوفًا من متر قماش وضعته فتاة على رأسها؟! أو من الفتاة نفسها؟ ولماذا كل هذا؟! إن الوثنية حاولت أن تئد الإسلام في مهده منذ ما يقارب من ١٤٠٠ سنة، وقامت ضده بحرب شنيعة فرد الله كيدها في نحرها: ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ (١) وفي العصر الحديث وقف حلف الفجور غير المقدس من الوثنيات والدهريات والديانات المنحرفة والأيديولوجيات الضالة وعتاه الاستعمار المادي والثقافي، تآمر الجميع بينهم، ومع من استهووه من أبناء المسلمين وأضلوه وقَبِلَ أن يمد يد العون لهم لاستئصال شأفة هذا العدو اللدود، ففتحوا عليه جميع أبواب الشر بسخاء، ولم يدخروا أي جهد، فإذا بجميع قرون الشياطين تعود واهية، وبقى الإسلام يتابع سيره بثقة واطمئنان ... ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ (٢) .

стр. 11833

إن قوة الإسلام ذاتية, قوة جوهرية، قوته المتمثلة في كتابه العزيز وفي عقيدته الراسخة, فقد واجه الإسلام قديمًا وحديثًا أعتى المذاهب فصمد لها، وحسم الرأي في كل ما أثارته الفلسفات حول الإنسان والكون والحياة والفكر البشرى من قضايا وتحريفات. وقد زيّف القرآن الكريم كما ما سوى عقيدة التوحيد الكاملة: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ , لا إله إلا الله محمد رسول الله. وجاء بالشريعة لصالح البشر, فتعانقت العقيدة والشريعة بحيث لا تنفرد إحداهما عن الأخرى, فمن آمن بالعقيدة وألغى الشريعة، أو أخذ بالشريعة وأهدر العقيدة خالف دين الله الحق, فالإسلام عقيدة وشريعة، ودين ودولة. وشهد التاريخ في كثير من أجزاء العالم لقوة الإسلام الذاتية التي حمته وأعطته فاعلية الانتشار بلا مبشرين وبلا قوى تدفعه وتساعده على الانتشار والصمود، فقد واصل الإسلام انتشاره منذ فجره إلى اليوم، ولم يتوقف عن الانتشار حتى في أشد أيام الصراع بينه وبين الاستعمار, وقد انتشر بقوته الذاتية، وبفضل مبادئه التي تحمل عنصري التوحيد والحرية. يقول توماس آرنولد في كتابه (دعوة إلى الإسلام) : (إن كان دولة الإسلام قد انقسمت وانهارت وحدتها السياسية فإن فتوح الإسلام الروحية قد بقيت لا تحول دونها الحوائل، حدث هذا برغم إغارة المغول على بغداد، وقيام الحكام الأندلس بطرد المسلمين من الأندلس , كان ذلك يجرى والمسلمون يضعون أقدامهم في أرض جديدة، ويُدخلون أهلها في دين الله، تلك هي جزيرة سومطرة) . ويقول العلامة مونتيه في كتابه (حاضر الإسلام ومستقبله) : (في إفريقيا أناس من المرابطين هم دعاة تبشير حقيقيين، وهناك طرق دينية أخذت على نفسها نشر الإسلام، على أن الإسلام ينتشر بنفسه بواسطة المسلمين أنفسهم، لأن كل مسلم في البلاد الوثنية داعية دين بحد ذاته.. والمسلم ينشر دينه وهو متوفر على تجارته، أو عامل في صناعته، والإسلام ينتشر من نفسه بواسطة القوافل التي ترحل إلى البلاد الوثنية، ودعاة الإسلام فيما عرفوا من الغيرة يعمدون إلى ذرائع مختلفة تناسب كل حال بحسب الأقطار والشعوب التي يبثون دعوتهم بين أهلها) (١) . ولا غرابة إذن في أن نرى المسلمين، والشباب منهم خاصة، يعودون إلى دينهم الحنيف بعد أن استفاقوا من هول الصدمة المضللة التي صرعت الكثير من الناس منذ بداية اشتباك الإسلام بالفكر الغربي وحضارته المادية. ولا نسأم من تكرار الحقيقة الأبدية التي تتمثل في أن هذه القوة الذاتية الإسلامية المتجسمة في كتاب الله العزيز هي التي صمدت أمام كل الحروب القذرة، مادية وفكرية، تلك الحروب التي انطلقت منذ عاد محمد ﷺ من الغار يحمل رسالة الله إلى البشرية قاطبة، بل وإلى الجن أيضًا حتى يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين.

стр. 11834

حملات على القرآن الكريم. وقد قامت حملات شعواء ضد الكتاب العزيز، حملات من كل نوع، ولكن الغزاة وأذنابهم وتساقطوا جميعًا وارتدت سهامهم في نحورهم، وبقى الذكر الحكيم مضيئًا الطريق لمن يريد السير في المحجة البيضاء، ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ (١) . وقد أزعج هذا النور قطاع الطرق والمفسدين في الأرض والجبابرة والطغاة، وكل من يريد أن يعمل في الظلام بعيدًا عن نور الحق، وأدركوا جميعًا أنه يستحيل عليهم القضاء على الإسلام وتدمير المسلمين إلا إذا انتزعوا هذه العقيدة والتي لا سبيل إلى نزعها إلا باجتثاث القرآن من الأيدي ومحوه من الصدور ومن الذاكرة، ولقد أدرك هذه الحقيقة كثيرًا من أعداء الإسلام وحاولوا بكل وسيلة تزييفه أو التشويش عليه، وقد دفع هذا (غلادستون) رئيس وزراء بريطانية إلى القول في مجلس العموم البريطاني عام ١٨٨٣م، وهو يحمل المصحف: (ما دام هذا الكتاب باقيًا في الأرض، فلا أمل لنا في إخضاع المسلمين، بل نحن على خطر في أوطاننا) (٢) .

стр. 11835

اللغة العربية ودعاة التغريب والهدم: كانت اللغة العربية هدفًا أساسيًّا من أهداف التغريب والتشويش للحط من قدرتها على مجاراة الزمن واتهامها بالقصور عن التعبير عن مضامين الحضارة النامية المتوثبة, والفكر المتطور المتشعب, والتقدم العلمي الهائل. (وقد بدأت الحملة على اللغة العربية منذ أواخر القرن الماضي، وامتدت على أيدي كتاب ومفكرين أجانب، ثم حمل لواءها كتاب من بلادنا. وبدأ هذه الحملة - في الأغلب - المبشر الإنجليزي وليم ويلكوكس سنة ١٨٩٢م، في خطاب ألقاه في القاهرة جعل عنوانه: "لِمَ لم توجد قوة الاختراع لدى المصريين الآن؟ " وأجاب بأن السر في تأخرهم هو اللغة العربية, وأن المصريين لو اتخذوا لهم لغة إقليمية كما فعلت بريطانية مثلًا استطاعوا أن يتفرقوا ويخترعوا) . (١) وتابعه ويلمور ١٩٠١م بحمله أخرى دعا فيها إلى ما سمّاه (لغة القاهرة) واقترح كتابتها بالحروف اللاتينية (٢) . وانطلق أعداء الإسلام يتابعون هجمتهم على لغة القرآن الكريم، يتهمونها بالعقم والقصور تارة، ويدعون إلى استبدالها باللهجات العامية تارة أخرى، واستبدال حروفها بحروف اللاتينية, وانبعث من أبناء بلاد الإسلام مخربون من الداخل أخذوا راية المؤامرة وفي أيديهم معاول الهدم، ولما عجزت محاولتهم في فرض لغة عامية، أو كتابه العربية بالحروف اللاتينية، تفتقت أذهانهم على فكرة عبقرية، موّهوها حتى لا تنكشف خططهم، يرجون من ورائها الوصول إلى هدفهم في استعمال العامية. والخطة تتمثل في اعتماد اللغة الصحفية، فهي لغة لا هي فصحى ولا هي عامية، ولكنها تنزل درجة عن الفصحى، وهذا يجعلها عاجزة عن الوصول إلى فهم القرآن الكريم والتراث الحضاري الإسلامي. ولا يخفي على أحد أن هذه العملية التنازلية تؤدي في غير عجلة إلى استعمال العامية, وليست هذه آخر المؤامرات التي حيكت وتحاك ضد لغة الذكر الحكيم, فهناك ما أطلق عليه اسم (تطوير اللغة) وتعنى هذه التحلل من القوانين والأصول التي صانت اللغة العربية خلال خمسة عشر قرنًا.

стр. 11836

وقد يظن بعض البسطاء أن المسألة يراد بها سهولة الأداء اللغوي، ولكن أهداف كل هذه الخطط هي كتم أنفاس هذه اللغة, ووضعها في تابوت ثم ركنها في متحف اللغات التي شاخت وأدركها الوهن مثل اللاتينية. ويقول الدكتور العناني تعليقًا على هذه الحملة الماكرة: (إن تغيير قواعد اللغة العربية صرفًا ونحوًا بالوضع فقط، أو الوضع والإزالة، معناه إحداث لغة جديدة بقواعد جديدة، وهذه اللغة العربية الجديدة إن صح اتصالها بالعربية الحالية المدونة اتصال اللهجة بالأم، فإنها تبعد عنها شيئًا فشيئًا حتى تختفي معالم الصلات بينهما، أو تكاد , وعندئذ تكون اللغة العربية الحالية من اللغات الميتة) (١) . ولكن لماذا هذه الخطط لهدم اللغة العربية؟ إن كل هذه الشراك التي تلقى لصيد اللغة العربية، وهذه المؤامرات التي تحاك حولها تستهدف أبعد مما يتبادر إلى ذهن بعض الناس عندما يرى هذه الحيل المحبوكة التي ألبست ثياب الفنية، والرغبة في تسهيل اللغة للدارسين، لإخفاء الأهداف الحقيقة من الهجمة على الإسلام وفكره وحضارته، وبتر المسلمين عن دينهم، وضع عراقيل أمامهم في فهم كتابهم وسنة نبيهم وشريعة دينهم، وقطع الروابط الوثيقة التي تربط بينهم وبين ماضيهم. فاللغة العربية منذ جاء وحي الله إلى نبيه محمد ﷺ بلسان عربي مبين، وتوثقت بها جميع أصول دين الله، دين الحق، أصبحت لغة القرآن، لغة السنة النبوية، لغة كل مسلم في أي مكان في الأرض، ولم يعد للعرب منها أكثر ما لأي مسلم من أي جنس. فكما أن الإسلام دين الناس كافة، فلغة الكتاب والستة لغة المسلمين، لاحق لأي فرد أو مجموعة أن تدعى ملكيتها واحتكارها، والاستئثار بها, ولا يجوز لأي أحد أن يمد يده أو لسانه لإيذائها، فالذي يفعل ذلك قد اعتدى على جميع المسلمين. وبما أن أعداء الإسلام في الخارج وأذنابهم في الداخل لا يألون جهدًا في سعيهم لإيجاد الوسائل الفعالة لغزو الإسلام فكرًا وحضارة، وتدميره من أساسه، وبما أن اللغة العربية هي الوسيلة الوحيدة الصحيحة لفهم القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، وتراث الإسلام العظيم، استهدفوها وتآمروا عليها للوصول عن طريق هذه المؤامرات إلى بلبلة الأفكار، وتمييع مفاهيم اللغة، وتشويه كلماتها وتراكيبها وتفتيتها وتوزيعها إلى لهجات لا تتوفر فيها أسس اللغة، فيتصدع ما هو قائم الآن حولها من روابط ثقافية ودينية واجتماعية، فإذا بنا بدويلات اجتثت من أصولها، وحيل بينها وبين ماضيها وتراثها، ليسهل على الفكر الغربي الغازي ابتلاعها لقمة سائغة وتضيع كل النصوص التي كتبت بالعربية في ضباب، وبعد حين من الوقت يصير الإسلام تاريخًا مشوهًا ضاعت أصوله، ويدخل القرآن الكريم في المتحف مع التوراة والإنجيل، ولا يصل الإنسان إليه إلا عن طريق تراجم مشوهة مشبوهة , هذا ما يسعى إليه هؤلاء الغزاة وأذنابهم.

стр. 11837

انتشار العربية: هذا وقد لاحظنا أن اللغة العربية نمت وانتشرت مع الإسلام، ولا زالت تنمو وتنتشر وتصعد مع دين الحق، وأنها تدرس الآن في كل أنحاء العالم، وخاصة حيث توجد مجتمعات إسلامية , وفي إفريقية مثلًا تنتشر المدارس العربية وتنتشر الكتاتيب وحلقات الدروس الدينية في البوادي والقرى وحتى في المدن التي طغت ثقافة الغرب الغازية وتدريس اللغات الاستعماريه وخاصة الفرنسية والإنجليزية. وتبذل الدول الاستعمارية جهودًا جبارة لنشر لغاتها وثقافتها وفكرها وحضارتها، فبجانب المساعدات المالية الضخمة، تُقدم الكتب والأدوات المدرسية على حسابها، وتُقدم المنح للمعلمين، وتتولى التدريب على جميع المستويات. وأما اللغة العربية ومدارسها ومناهجها فإنها لا تتلقى إلا الشحيح الضنك من المساعدات , وتتساوى في هذا المدارس العربية الحكومية والمدارس الخاصة. وكان من المتوقع أن تقوم الدول الإسلامية ذات الإمكانيات الفنية والمادية واللغوية التي تهتم باللغة العربية وفكرها وثقافتها، وبالقرآن الكريم والسنة النبوية، وبالدين الإسلامي، بواجب المساعدة للدول الأخرى الإسلامية في هذا المجال وتشجيعها في توسيع الدراسات الإسلامية واللغة العربية ما دامت هذه الدول مستعدة للمضي هذا المجال. وأعود لأقول: إن اللغة العربية بوصفها لغة القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفه، لغة كل مسلم, وانطلاقًا من هذا فحمايتها والدفاع عنها ونشرها واجب المسلمين جميعًا.

стр. 11838

وهناك شعوب تنبش عن لغاتها بعد أن احتوتها الرموس أو كادت وتحاول نفخ الروح فيها من جديد، والمثال أمام أعيننا في اللغة العبرية التي فُرض تعليمها وتعلمها.. وأما نحن المسلمين فقد أهملنا لغة القرآن الكريم رغم ارتباطها العضوي بكتاب الله وسنة نبينا محمد ﷺ وبتراثنا الفكري والحضاري , ورغم حيويتها وثرائها وجمالها وطواعيتها للتعبير وسلاستها، انهزام فكرى في كل شيء حتى في أشياء كان من الواجب ومن العادة ارتباطها بالمحيط البيئي كأسماء الشوارع والطرق، فكثير منها في الدول الإسلامية يحمل أسماء استعمارية، والكتابة عليها بالحروف اللاتينية وحتى في البلاد التي لا تزال تستعمل العربية وتدعى أنها تنتمي إلى أرومتها, وقد زرت بعض الدول الأوربية فلم أر في يوم من الأيام بلدًا كتب أسماء الشوارع بالحروف العربية. فإذا انهزم الإنسان فكريًّا تغير منطقه، وتغيرت رؤيته للأشياء وفقد إحساسه بالكرامة فيصير ميتًا في عداد الأحياء.

стр. 11839

إسلام وإسلام: بناء على المشاهد أصبح الإسلام إسلامين: إسلام العقيدة المتغلغة في النفوس المسيطرة على الشعور الموجه للسلوك الصامدة في وجه التيارات الفكرية المعادية للإسلام، إسلام السواد الأعظم من أبناء الإسلام. إسلام بعض رجال السياسة الذين يرون الدين الحق خطرًا على مراكزهم ومصالحهم التي في معظمها لا تعكس ولا تستجيب لمصالح الجمهرة المسلمة الصحيحة الإيمان، فبعض الساسة في بلاد الإسلام سواء أكانوا حكامًا أو رؤساء أحزاب أو منظمات، يتوددون ويتملقون الجماهير المسلمة باسم الإسلام، وليس هذا إلا خداعًا بدليل أن الأحزاب الشيوعية تفعل نفس الشيء، وغير الشيوعية من تلك الزعامات كالشيوعية إذ لا يمكنها بحال أن تسير في ركب الإسلام، ولا أن تطبقه، وكل ما تفعل إذا تظاهرت بالإسلام أن تكتفي بأضعف الإيمان، وفي الواقع ليست لديها شجاعة المؤمن. إذ أن محاولة تطبيق الإسلام تجعلها تواجه الغزو الفكري وأعوانه على الطريق الواضح، وهذا ما لا يرغب فيه أحد منهم لأن مصالحهم ارتبطت بمصالح الغرب. ومن أجل أن ينالوا رضاء سادة العالم المعاصر، ويحتفظوا بمناصبهم، عليهم أن يموّهوا على الشعور الإسلامي ويضللوا شعوبه، ويمثل إرضاءهم لأعداء الإسلام ما نراه من الملاحقات للجماعات الإسلامية في العالم الإسلامي، واختلاق الأكاذيب ضدها، وافتعال مواقف معينه تآمرية لضربها أو وأدها في مهدها، أو حصارها في مواضع تختنق فيها. ومن الغريب أن في البلاد الإسلامية من يتشدق بحرية الرأي ويدعى الديمقراطية على سنة الغرب، ويتباهى بذلك، ويسمح بقيام بعض الأحزاب وحتى الشيوعية، ولكنه إذا فاحت رائحة الإسلام من تنظيم أزكمته، لأنها رائحة كريهة لا تتفق مع ذوق سيد متحضر، فيلجأ إلى جميع الوسائل المشروعة وغير المشروعة لضربه, وبعض دولنا تخاف أن تغضب سادة العالم المعاصر فتُتَّهم بالرجعية أن بالإرهاب إن هي سمحت بقيام أحزاب إسلامية، وللإنسان أن يتساءل: أحقا نحن مستقلون!؟ إن الغرب الذي يقلده بعض الناس، يتفانى بعض الحكام في إرضائه توجد فيه أحزاب دينية (مسيحية) ولكن لم نسمع في يوم من الأيام أن هذه الدول وصمت بالرجعية أو الإرهاب أو بالأصولية, أو أن حزبًا مسيحيًّا نجح في الانتخابات، فقامت القيامة قبل أوانها، وعصفت بإرادة الشعب. وهذا يدعو إلى سؤال عن مفهوم الديمقراطية، والحرية؟ وسؤال أخير: لماذا نحن المسلمين نمسح أحذية المستعمرين، وتتفانى في إرضائهم، فيركلوننا بأحذيتهم؟ ألا يتناقض هذا مع الإيمان بالله الواحد الأحد؟ أين الإسلام وكرامته؟ أين الإيمان وعزته؟ أين قول الله ﵎ ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (١) .

стр. 11840

الإسلام وحده في الموجهة: جرت أحداث خطيرة في السنوات الأخيرة, فقد سقط من علٍ صرح شاهق شغل العالم ما يناهز قرنًا من الزمن، قامت من أيديولوجيته دول، واعتنقتها شعوب , وضللت بها شعوب أخرى , وخُدرت ومُنيت فردوس الأرض، وتأكد وأكد مبشروها أنهم اهتدوا إلى بلسم يشفي البشرية من جميع أوجاعها والأمة، فانطلق الدعاة مسعورين يهيجون الشعوب ويقلبون الحكومات، يبشرون بالحياة الفاضلة, فقامت بوجه هذه الأيديولوجية، أيديولوجية أخرى تقاومها، وتصارعها، فدخلتا في سباق لاقتسام العالم المعاصر، واستعملت كلتاهما ما في جعبتها من حجج وكذب وخداع ومكر، وضغوط للاحتفاظ بمراكز النفوذ في العالم بعد أن انقسم فريقين, فعاشت الشعوب على أعصابها وهي تشاهد حربًا باردة بين العملاقين، متمزقة بين الأيديولوجيتين تتصارعان على قسمه العالم والاستعمار إلى أقصى حد. فانطلقت أبواب الدعاية ووسائل الإعلام الخاصة بكل فريق تسمم الأفكار وتختال الشعوب وتخدرها، إما بالوعود بجنة الأرض الوارفة ذات القطوف الدانية، وإما بالحرية والديمقراطية والمساواة ذرًّا للرماد في العيون. إلا أن مبادئ العملاقين لا تختلف إلا في التكتيك، فكلاهما يرفع راية (العلمانية = لا دينية) فالعالم الشيوعي بالشرق يرفعها ويقويها بفلسفة جدلية تحذف الإله الخالق للكون من حسابها، وتعمل في كل المؤسسات التابعة لها بمحو فكرته من ذاكرة الشعوب. والعالم الحر يرفع، أيضًا، بدورة نفس الراية، ويطبق نفس المبدأ من عزل الدين عن حياة الناس، ولكنه فعل ذلك بخبث حين فصل الدين عن التعليم والتربية وجميع النظم المسيرة للحياه وقبره في دهاليز الكنيسة. فرغم الصراع القائم بين العملاقين الشقيقين فقد كانا متفقين على تحطيم الإسلام وتقويض أسسه، حيث كان دائمًا صخرة صلبة ترتطم عليها معاول الهدم، فكانت مشكلة عويصة تسببت في فشل الكثير من هجماتهم الشرسة ضد المسلمين بدءًا من الحروب الصليبية ومرورًا بالهجمة الاستعمارية وتثليثًا بطوفان ملوث من الفكر المادي اللاأخلاقي الملحد الذي لا يعدو ـ في معظمه ـ أن يكون عملًا من أعمال الحروب البيولوجية التي قيل إن بعض الدول الكبرى تشنها من وقت لآخر لإفساد ونشر الأمراض.

стр. 11841

هذا ليس غرضي من هذه الكلمة الخاطفة المقارنة بين العملاقين ولا يبان أكثرهما ضراوة وفسادًا في الأرض وإذابة للإسلام والمسلمين، ولا مناقشة الأسباب التي أدت إلى انهيار الاتحاد السوفيتي، ولا توقعات التغيرات المنتظرة في العالم خلال السنوات القادمة، وإن كانت تلوح في الأفق مؤشرات توحي بأن أوروبا المتحدة سترجح كفتها في السباق على النفوذ في العالم اقتصاديًّا وسياسيًّا، وأن الولايات المتحدة أخذت في مرحلة تنازلية، وأن اليابان سيكون لها دور خطير في مستقبل العلاقات الدولية. فالذي أريد أن أنبه عليه أن أعداء الإسلام تفرغوا له بعد أن حُيّدَ العالم الشيوعي. صحيح أن الشيوعية لم يسقط جانبها الإلحادي، وإنما سلكت فقط طريق الغرب في تطبيق العلمانية = اللادينية، في الوقت الذي تخلت فيه عن فلسفتها الاقتصادية، وإن كان الوقت لا زال مبكرًا في التأكيد من أن (الثعبان) بعد قطع رأسه وقبل قطع ذيله، لا تؤثر الحركات العشوائية التي يقوم بها في إيجاد انحرافات أخرى قد تتولد عنها مفاهيم جديدة في السياسة والاقتصاد. فالإسلام إذن يقف وحده في مواجهة أوروبا في حرب ضروس، حرب فكرية، حرب ثقافية، حرب حضارية، أوروبا المتحدة من موسكو إلى واشنطن، فالإسلام هو الوحيد الذي تتوفر فيه عناصر حيرت الغرب منذ الحروب الصليبية وحتى عصر النهضة الفكرية والتكنولوجية المتطورة. والأسلحة التي استعملت وتستعمل في محاولة تقويض أسس الفكر الإسلامي هي نفس الأسلحة التي تستعمل في متابعة الحرب، غير إنني أتوقع أن كون الاعتماد في المستقبل سيتركز على عناصر الاستقبال والإرسال المتمثلة في الجماعات التي انسلخت عن فكرها، واجتثت من أصولها، وصارت رسالتها التخريب وتحطيم الشعوب الإسلامية من داخلها, كما أتوقع أن تشتد الضغوط على كل فرد أو جماعة تحاول أن تخرج بالإسلام من المسجد وتنادى به كنموذج صالح لإنقاذ الشعوب الإسلامية، بل كشعاع من الأمل يضئ طريق النجاة للإنسانية المحطمة الحائرة الغارقة في أوضار حضارة مادية قاتمة لا يتخللها أي شعاع من الإيمان بالله (١) .

стр. 11842

نداء إلى أهل النوايا الصادقة: إن هذا النداء موجه إلى أهل النوايا الصادقة من الساسة والعلماء والمفكرين، وإلى كل غيور على مستقبل دينه ومستقبل أمته ومستقبل فكره وثقافته وحضارته وشخصيته المتميزة وكرامته ... ليهبوا لحماية الإسلام. فإن أي مطلع على التاريخ، منذ بزوغ نور الإسلام بين جبال مكة المكرمة، وأمر الله عبده ورسوله محمد بن عبد الله أن يصدع بما يؤمر به، وأن يعرض عن المشركين، يرى أن الإسلام دخل في صراع مع الباطل، وتصدى محمد ﷺ لكل أنواع الضلال، وواجه وحده الجماهير الضالة والزعامات الفاسدة، وصمد وانتصر بالحق، ولم يرحل إلى الرفيق الأعلى إلا والدولة الإسلامية قد قامت على أسس الإيمان، والعدل المطلق، وأصبحت مدينته موئل هذا الدين ومركزه النشط، وانطلق موكب الإسلام يضئ القلوب، ويهدى النفوس، ويزيل الظلم ويحقق العدل، ويكون ممالك وإمبراطوريات ويمتن الصلات بين الأجناس والشعوب المختلفة التقاليد واللغات والألوان وأنماط السلوك. فأصبح المسلم في وطنه الكبير لا يعوقه أي عائق, ففي كل مكان يرتفع الأذان يشعر بالطمأنينة والأنس، فكل مسلم له أخ وكل مسلمة لها أخت, ولكن أعداء الإسلام لم يلقوا السلاح ولن يلقوه، واستمر الإسلام في صموده أمامهم، فقابل التتار، وناضل الصليبين، فبرز من بين المسلمين رجال شهد لهم التاريخ في الدفاع عن عقيدة التوحيد. فبرز صلاح الدين الأيوبي، والمظفر قطز، والظاهر بيبرس، ويوسف بن تاشفين ... وتابعت مسيرة الإسلام خطاها صامدة بفضل عقيدته المركزية، عقيدة تشمل كل جوانب الحياة البشرية، وهذا الشمول جعل الإسلام يتعرض لخطط غزو جهنمية متصلة الحلقات منذ الحروب الصليبية وحتى يومنا الحاضر، وستستمر إلى ما شاء الله، ومن المؤسف أن ضعف المسلمين في هذا العصر كشفهم لغزو فكرى عميق تغلغل في حياتهم بعد سقوطهم في يد الاستعمار, واستفاد من وسائل العصر التكنولوجي، فوسائل الإعلام العملاقة من إذاعة وتلفزة وصحافة، وإمكانيات النشر، وما تحمله من فكر وغير مسموم تتسلل ـ برضا منا أو بغير رضا ـ إلى حياتنا اليومية. وفي الماضي كان الغزو الثقافي يتحرك ببطء ويصل بعد زمن، وقد يكون تأثيره بعد مدة طويلة، وبوسائل الغزو العسكري أو بالتبادل التجاري.

стр. 11843

أما اليوم فالإنسان أنّى وُجد وحتى في البراري والقفار وقمم الجبال لا يستطيع تفادى ما يسلط عليه الفكر وثقافة, ففي كل لحظة من ليل ونهار تنطلق أمواج الأثير وتحمل الأقمار الصناعية, وتقذف المطابع وتفرغ الطائرات والسفن ملايين الأطنان من حصاد الفكر الإنساني, أراد الإنسان أم لم يرد، فهو معَّرض لآثارها.. فقد صارت كالهواء الذي يستنشقه. غير أن هذا لا يدعونا إلى اليأس وإلقاء السلاح والاستسلام الخائن الذليل، والتبعية الحقيرة التي تتناقض مع كرامة المؤمن، بل وتتعارض مع كرامة الإنسان. فإيماننا بالله يمنعنا من ذلك، فلنكن إذن على مستوى عقيدتنا ولنقتد بنبينا محمد ﷺ الذي واجه الأرض كلها وليس معه من البشر إلا زوجه، واجه الشرك والظلم والفساد بهذه العقيدة التي تدعو المسلم المؤمن بها أن يواجه الشرك والكفر والنفاق، ودعاة التغريب، وشهوات الدنيا التي روَّجت لها الحضارة المادية اللادينية، واللاأخلاقية، التي تعشش الفساد وتنشره بسخاء في الأرض. والنفس مجبولة على حب الشهوات وإنها لأمارة بالسوء. ولا تهولنا هذه الحضارة المادية الشرسة، ولا يذهلنا تغلغل آثارها الضارة في المجتمعات الإسلامية، ولا سيطرة فكرها على عقلية بعض المفكرين الذين أصبحوا أداة هدم في يدى أعداء الإسلام ﴿وَلَا تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ (١) . فرغم أن الإحباط الكثير من أبناء الإسلام وأن بعض المفكرين من أبناء المسلمين لعبوا نفس الدور الذي لعبه المنافقون في صدر الإسلام أو أشد, فرغم أن كل حقيقة إلا أن من الثابت تاريخيًّا وبالتجربة، أن الحقائق النسبية أي التي ترتبط بظروف معينة ليست لها صفة الديمومة إلا بقدر توافر الظروف التي أوجدتها. انظروا جيدًا، وأمعنوا النظر من يستطيع منكم أو من غيركم أن يتخيل أن حقيقة هائلة دوخت العالم المعاصر بأجمعه منذ ما يقرب من قرن تزول من الوجود، وتصبح بين ليلة وضحاها تاريخًا يذكر؟ من لا يعرف منكم الاتحاد السوفيتي الركيزة الثابتة التي قامت عليها السياسة العالمية المعاصرة. أليس هذا كان حقيقة؟ أين هذه الحقيقة الآن؟!

стр. 11844

فنحن المسلمين, نحن المؤمنين بالله الحقيقة الأزلية الخالدة، علينا أن نعود إلى ديننا الحنيف، دين القيم، ففيه صلاح دنيانا وصلاح آخرتنا، وفيه حماية شخصيتنا المتميزة، وفيه وحدتنا التي هي قوتنا. فقد جعل الله رسالة نبينا ﷺ نهاية الرسالات، وجعل شريعته باقية بقاء الإنسان على الأرض، وجعل أسسها صالحة لمواجهة ما استجد ويستجد من تعقيدات حياة البشر، ونموها الحضاري، وجعل أمته خير أمة أخرجت للناس تأمر بالمعروف وتنهي عن المنكر وتعمر الأرض بالعدل والعمل الصالح، وجعلها وسطًا لتكون شاهدة على الناس. أمة كهذه لديها القرآن الكريم والسنة المطهرة والتراث العظيم الذي قام صراحة على الإسلام، وازدهرت حضارتها واتسع فكرها، وسمت أخلاقها. أمة هذه صفتها, وهذه رسالتها، فهل يجوز لها أن تتخلى عن هذا؟! تتخلى عن عقيدتها، تتخلى عن قرآنها، تتخلى عن سنة نبيها، تتخلى عن شريعتها، تتخلى عن حضارتها وعن مثلها، تتخلى عن رسالتها تابعة ذليلة منهزمة أمام حضارة مادية فرغت الإنسان من كل معنى وسلبته كرامته بعد أن كرمه الله؟!

стр. 11845

الإنسان يأخذ بعضه عن بعض: إن أحدًا لا يستطيع أن يقول: إننا يجب علينا أن نوصد الأبواب أمام كل ما جاءنا من الخارج ـ ولا نستطيع ـ ولا أن نصم الآذان ونعمى العيون أمام الفكر الإنساني، فالإنسان منذ هبط على الأرض يتبادل المعرفة والخبرة حتى مع الحيوان، فقضية الغراب الذي كان يبحث في الأرض فأخذ عنه أحد الأخوين كيف يوارى سوأة أخيه معروفة, ولكن الحوار ليس الانهزام، وليس الاستسلام والخضوع، وليس التبعية الذليلة. فيجب على علماء هذه الأمة ومفكريها أن يدفعوا عن دينهم، عن فكرهم، عن حضارتهم، عن عقيدتهم، عن أمتهم، عن شخصيتهم المتميزة، عن مثلهم وأخلاقهم وعاداتهم الطيبة, عليهم أن يضعوا كل ما يرد عليهم في مختبر التجربة، وتحت مجهر العقل، وعلى موازين الإسلام، موازين القسط، ليميزوا ما هو مفيد ومربح فيضاف إلى الفكر الإسلامي وتراثه العظيم الذي خلَّفه السلف الصالح، وما هو ضار ومؤذ فيلغى ويبعد لحماية المجتمعات والحضارة الإسلامية من شروره. فهذا واجبهم الأول: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (١) . وكثيرًا ما أتساءل، لماذا نتدافع عميًا، بكمًا، صمًّا، وراء الحضارة الغربية المادية ونأخذ أسوأ ما فيها، نأخذ إلحادها، نأخذ فصلها الدين عن الدولة وما يترتب عليه فساد كل وسائل التربية والتعليم والإعلام، نأخذ عنها الانحلال الأخلاقي، وتفكك الأسرة وغير هذا من المفاسد. هل نحن المسلمين نحتاج إلى هذا؟ وهل من مصالحنا أن نصل إلى ما وصلوا إليه من الانهيار الخلقي، أليس الانهيار الخلقي يمثل عفونة الحضارات، وعلامة انحدارها إلى السقوط. أترضون أن يصل المجتمع الإسلامي إلى الحالة التي ساقها الدكتور كشاط مدير المركز الثقافي لمسجد الدعوة في فرنسا، ونقلها من دراسات وبحوث غربية، وساهم بها في ملتقى الفكر الإسلامي الثالث والعشرين في مدينة تبسه بالجمهورية الجزائرية سنة ١٤١٠ هـ / ١٩٩٠م، وعنوانها: (حقائق عن المجتمع الغربي للاعتبار) . فإليكموها للاعتبار أيضًا فإنها تلقى الضوء على حياة من يراهم البعض منا مُثُلًا عليا. يقول الباحث: (وحتى لا نبخس المجتمع الغربي أشياءه ـ إذ البخس بصورتيه الأدبية والمادية رذيلة يتنزه المسلم عن مقارفتها ـ فإننا نحيل الكلمة إلى مفكرين غربيين، فإنهم أعرف الناس بمجتمعاتهم ... وكانوا بمأمن عن الاتهام) . وجاء في الاستفتاء الذي أجرته (اليونسكو) بأن ٦٠ % من الزوجات الأمريكيات والأوربيات يشعرن بخيبة، ويقض مضجاعهن الشقاء, وهل تعلم أن أعلى نسبة طلاق في العالم هي من نصيب الولايات المتحدة الأمريكية! وهل تعلم أن في مقاطعة لوس أنجلوس تحدث حالة طلاق مقابل كل حالة زواج!. وهل تعلم أن عدد الأطفال اللاشرعيين قد أصبه ثلاثة أضعاف الأعداد التي سجلت سنة ١٩٣٨! وهل تعلم أن الولايات المتحدة الأمريكية تستقبل سنوياُ ٤ ملايين من الأطفال اللاشرعيين!. قالت مجلة لايف: لقد ضربت نسبة الطلاق في الولايات المتحدة الأمريكية رقمًا قياسيًّا، فكلما دار عقرب الساعة ٩٠ ثانية هوى بيت أمريكي.

стр. 11846

لقد حاول الباحثون من علماء النفس والاجتماع تعليل هذه الظاهرة. فهذا أرمسترونج يخاطبنا قائلًا: (قد تحس بالحرج إذا اعترفت بأنك تعيش في عالم مجنون بالجنس. فالأدب مترع بالجنس، لكن أي نوع من الجنس؟ لقد أصبحت أكشاك بيع الصحف والمجلات مجموعات ملونة من الجنس الساقط، إنها عناوين صارخة كصرخات الخيانة والجريمة الشذوذ والسادية والإيدز. ثم ما هي المواضيع التي يقرأها الأزواج باستمرار؟ ما هي برامج التي يشاهدونها من خلال شاشة التلفزيون؟ ما نوع الأفلام التي تعرضها لهم دور السينما؟ ما المجلات، ما الروايات، ما النكات التي تحشى بها عقولهم؟ الجواب في منتهى البساطة، أنه الجنس.. الجنس القذر، الشاذ، ... السابق للزواج، العفن والنجس ... صدِّق ما يحلو لك.. إن أهم عوامل المشاجرات والقتال التي تعصف بحياة الأزواج ... تنحدر بهم إلى درك الطلاق، هي ذلك الغذاء المستمر بالجنس والعنف) . الشهادة الثانية: تلك التي أدلت بها الصحف الإنجليزي الصادرة في السبعينات: لقد اجتاحت إنجلترا عاصفة عاتية من الطلاق الذي ارتفعت نسبته بحيث سجلت حالة طلاق مقابل كل ثلاث زيجات ... وتكلمت لغة الأرقام فأكدت بأن سنة ١٩٧١م قد شهدت ٦٢٥ألف أسرة يرعاها أحد الوالدين فقط. ولقد أجمع الباحثون على أنه في كل ثمانية أطفال أمريكيين يعثر على طفل ضحية لشذوذ جنسي من طرف ذوى رحمه ... وتتراوح نسبة العائلات التي تتعرض فيها البنت إلى هذه الجريمة الشنعاء بين ١٠ % إلى ٤٠ % من العائلات الأمريكية. يتراوح عدد الأمريكيين الذين يمارسون هذه الفاحشة بين ١٠ إلى ٣٠ مليونًا، أي خمس أو ست أسر أمريكية توجد عائله ترتكب هذه المنكرات. والغريب أن هناك جمعية تسمى نفسها (جمعية مناصرة مضاجعة المحارم) أعضاؤها باحثون مشهورون في مختلف الأكاديميات الأمريكية ... وعلَّلوا هذه الظاهرة بفقدان الحنان الذي قوض أركان البيت الأمريكي ... قائلين بأن إدانتها من قبيل الخرافات الخلقية , وأكدوا بأنه آن الآوان أن ننظر إلى مضاجعة المحارم لا باعتبارها انحرافًا خلقيًّا، ولا على أنها من أعراض الاختلالات العقلية. تقرير وزارة الشؤون الاجتماعية بهولندا: (توجد من بين ثلاث نساء امرأة قد اعتدى عليها جنسيًّا قبل ١٦ من عمرها والذي ارتكب هذه الجريمة معها أحد محارمها: الأب أو الجد أو العم أو الخال أو الأخ. نسبة اللائى وقعن في براثن هذه الوحوش الكاسرة امرأة من كل خمس نساء) . شهادة كارمين فانتيميقليا، العالم الاجتماعي الإيطالي: (لقد أحصى خلال سنة واحدة ٩٠ حالة من حالات مضاجعة المحارم من مجموعة ٥١٣ حالة اعتداء من هذا النوع) .

стр. 11847

وبعد استعرضنا لهذه اللقطات ... ألا يحق لنا أن نعتبر المجتمع الغربي مجتمعًا مجرمًا؟ بلى إنه مجتمع مجرم. إنه خروج على الفطرة، ولكن الفطرة تنتقم لنفسها، وإنه مما لا ريب فيه أن الوباء الذي يعرف بـ (السيدا = الإيدز) يعبر عن انتقام الفطرة, وياله من انتقام ... إن الذي يرصد أحوال المجتمع الغربي يلاحظ بأنه مجتمع غير مطمئن وينجلي عدم اطمئنانه في البحث عن مخرج من هذا الطريق المسدود، ولكنه قد ضل سواء السبيل. ويكفي أن نذكر لكم هذه الحقائق المتمثلة في انتشار الخرافة والشعوذة التي اجتاحت فرنسا بلد ديكارت: عدد الأطباء: ٤٩.٠٠٠ عدد العرافين: ٤٠.٠٠٠ عدد الرهبان: ٣٨.٠٠٠ عدد السحرة: ٣٠.٠٠٠ عدد المعالجين الطبيعيين: ٣٠.٠٠٠ ما هي العبرة التي نستمدها من عرضنا لهذه الحقائق على المجتمع الغربي؟ ١- إن أي مجتمع لا يمكنه أن ينعم بالسعادة إلا إذا صاغ حياته وفق المثل الإنسانية الرفيعة والمنبثقة من تعاليم السماء. قال رئيس بلدية مدينة كيفلند الأمريكية: إذا لم نكن واعين فسيذكرنا التاريخ باعتبارنا الجيل الذي رفع إنسانًا إلى القمر، بينما هو يغوص إلى ركبتيه في أوحال القاذورات. ٢- إن المسلمين وحدهم الذين لديهم رصيد من القيم السماوية إذ هم الأمة التي مازالت تحتفظ بالوحي ممثلًا في مصدرية الأصليين: الكتاب والسنة. أهـ. أعود فأقول، لماذا نتدافع وراء الغرب؟ ونمكن له السيطرة الكاملة في كل مجرى من مجارى حياتنا فكريًّا وسياسيًّا واقتصاديًّا وحضاريًّا وأخلاقيًّا، لماذا نسلم له قيادتنا وتوجيهنا لقمة سائغة؟ شيء محير!! أمه مسلمة ذات عقيدة إلهية، ذات كتاب محفوظ مصان من خالق الأرض والسماء، ذات رسول كريم يقودها إلى المحجة البيضاء، وترك لهم ما إن تمسكوا به لن يضلوا (كتاب الله وسنة نبيه) , أمة ذات شريعة ونظام هي نفسها عين موازين القسط، تقوم عليها الحياة الفاضلة المزدهرة، حياة متوازنة: (اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدًا، واعمل لآخرتك كأنك تموت غدًا) . إذا كان العقلاء من الغربيين أنفسهم يستغيثون من الأوحال التي تردت فيها حضارتهم المادية اللادينية، فهل من العقل أن تسير وراء شخص فيقع في حفرة عميقة فيها هلاكه، وأنت تراه وترى الحفرة، فتقع بدورك في الحفرة؟! ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ (١) , وفي الواقع إن فيضان الغزو الثقافي اقتلع الإيمان من بعض القلوب ومسخ بعض الناس. فوقعوا فريسة للغزو الغربي فأصبحوا أداة طيعة في أيدي الغزاة يحركونهم حسب رغباتهم ويتصرفون بهم في مصائر الشعوب الإسلامية، يخدمونهم بلا وعى فيما يبدو.

стр. 11848

شهادة مورو بيرجر، يقول الكاتب الأمريكي مورو بيرجر في كتابه: (العالم العربي اليوم) كلامًا خطيرًا، خطورة حقيقية، خطورة وباء ينتشر ويكتسح الأخضر واليابس، يكتسح ما تبقى من فكرنا ومثلنا وحضارتنا وشخصيتنا الإسلامية، بعد اكتساحه لتاريخنا الإسلامي، بتشويهه وتلطيخه بالمفتريات والمَيْنِ، ليزيل كل احترام وتقدير وافتخار به من قلوب الناشئة، فتفصل عن جذورها فتهيم في خواء حضاري عقائدي، فيلتقطها ويغرسها في أوحال حضارة قذرة، رأيتم منذ قليل النزر اليسير من الأمثلة لما تعوم فيه من وحل القاذورات. يقول: (فبينما يترك الحكام الغربيون منطقة الشرق الأدنى تتحول هذه المنطقة فتصبح أكثر غربية. ويواجه الزعماء العرب طريقين فهم يطردون الغرب سياسيًّا، ويسحبون الكتل الشعبية إلى الغرب ثقافيًّا) . إذا قلت ثقافيًّا عنيت الإنسان كله, فالكائن البشرى وعاء, والوعاء يرشح بما فيه, ولم يقل هذا الأمريكي إلا حقًّا وليس قوله مبالغة. ومقالته هذه تنطبق على كل العالم الإسلامي، والمشاهد اليوم يؤكدها. فإذا كانت مناهج التعليم والتربية وكل وسائل الإعلام قد سيطر عليها قوم تنكبوا طريق الإسلام، وشعروا بالدون نحو الغرب، وقاموا عنه بتمكين فكره وثقافته وحضارته في الناس، ونقشها في عقول الطفولة، وتعدوها بالرعاية في مرحلة الشباب. ماذا ترجون بعد ذلك؟ المحير في مشكله الصدام الفكري الحضاري مع الغرب يتمثل في موقف الذي يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي أعدائهم، الذين يمكنون الغزاة بالسيطرة على مصائر شعوبهم وأمتهم وتحطيم عقيدتهم وفكرهم، وترويج أكاذيب ومفتريات على تاريخهم وحضارتهم، فالغرب لولاهم ما تمكن من إشاعة الفوضى والتفرقة في صفوف المسلمين، الغرب لولاهم ما تمكن ممن تشويه فكر الإسلام: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآَيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (١) .

стр. 11849

كيف الخروج من المأزق؟ سؤال موجه إلى كل مؤمن بالله إيمان مخلص ... أيها الأخ في الله إن التحديات الخطيرة التي تواجه الإسلام وفكره وثقافته وتاريخه وحضارته ماثلة للعين، بل يعيش المسلمون اليوم آثارها السيئة، وهذه التحديات والمؤامرات تأتى من كل مكان، وبأشكال مختلفة. تأتى من الخارج في شكل إعلام مسعور وفكر منحل هابط ملحد، وضغوط سياسية وحصار اقتصادي, وتهديدات عسكرية، وتجويع مقصود، ومعونات مشروطة , وقروض لا تفتأ تثبت حالة الفقر وتجعلها مزمنة لا تجد الدولة وسيلة للفكاك من أسرها , وهذه الصورة القاتمة نتيجة الغزو العسكري ثم الغزو الفكري الذي يجرى في كل شرايين الحياة في المجتمعات الإسلامية. وطريق العلاج تستند أولًا إلى تشخيص المرض، والمرض قد شخص فعلينا إذن أن نبحث حتى نكون مجتمعًا إسلاميًّا مرتبطًا بدنيه الحنيف وبمثله وبحضارته. غير أن العلاج معقد لشعب العوامل التي أدت إلى الوضع السيئ الحاضر. وإذا تأملنا العوامل التي وصلت بالمسلمين إلى ما وصلوا إليه من التفكك وفقدان الهوية حتى أصبحوا ضحية سهلة لكل مستغل من الخارج. وكل مخرب من الداخل. نجدها عوامل فكرية، وربما أن سلاح الفكر لا يقاومه إلا سلاح من جنسه، وبما أن أسس الفكر السليم متوفرة في ديننا، دين الحق، فلنعد إليها لتشييد مجتمع الإيمان والأخلاق والعلم والإخاء والتضامن. فالفكر الإسلامي قادر على تصحيح المسيرة وجعلها في الاتجاه السليم. وعامل العقيدة أساس الفكر الإسلامي. فالعقيدة هي الأساس الذي يقوم عليه فكرنا، وحضارتنا. وإذا تغلغلت هذه العقيدة في قلب الإنسان استولت على جميع كيانه. ووجهت تصرفاته، وأصبح قويًّا شجاعًا كريمًا لا يخاف إلا من الله الذي أبدعه وكرمه وفضله على كثير ممن خلق، وسخر له ما في السموات والأرض جميعًا.

стр. 11850

وبهذه العقيدة قام سيد الخلق أجمعين محمد ﷺ وحيدًا يدعو إلى كلمة التوحيد، يواجه بها الأوثان والأصنام وعبدتها. وبهذه العقيدة انتصر الإسلام وانتشر في الآفاق , وبسرعة أدهشت المؤرخين هزم أكبر قوتين تسيطران على العالم آنذاك. وبضعف هذه العقيدة عند المسلمين تحطمت مقاومتهم وانهار الجدار الداخلي، وهوت صروح الإسلام من القلوب وسخر الساخرون من المسلمين ومن كل مقدساتهم، وتفتت المسلمون شيعًا وأحزابًا ودويلات تقوم بينها الحروب ويستعدى بعضها على البعض أعداء الإسلام. وبضعف هذه العقيدة أصبح المجتمع الإسلامي مكشوفًا من الخارج ومهلهلًا في الداخل, وبسبب ضعف هذه العقيدة جبن المسلمون وخارت قواهم وشعروا بالدون. وهذه حالة مشاهدة يعيشها مسلمو اليوم. فلنأخذ مثالين من عصرين مختلفين يصوران نفسية المسلمين: ١- بلغ المعتصم الخليفة العباسي أن امرأة صاحت وهي أسيرة في أيدي الروم: (وامعتصماه) فأجابها: لبيك لبيك، فنهض من ساعته، وجهز جيشًا جرارًا وهزم الروم وانتصر لهذه المرأة المسلمة (١) . ٢- وفي خلال عام ١٩٨٩ م شاهدت وشاهد العالم كله، أو على الأقل معظمه على شاشة التلفزيون امرأة مسلمة تولول وتصرخ، والصهاينة ينهالون على وليدها، وهل تحرك أحد في العالم الإسلامي؟ نعم.. نعم نددنا، وشجبنا، واستنكرنا، ثم أخلدنا إلى السكون والدعة وفضلنا السلامة والعافية، والجلوس على الكراسي المريحة، والفرش الوثيرة. والشاهدان غنيان عن البيان, فالمسلم عندما يشعر بعزة الإسلام لا يقبل الإهانة، فإن الكرامة وقوة الإيمان تجرى في كل شرايينه، وإذا أصابه الخور. وصار إسلامه وراثة وتقاليد خلت من حيوية الإيمان بالله عشش الوهن في كل مشاعره واكتفى بحياة الذل. ونسي أو تناسى قول ربه في كتابه الكريم: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢) . ونسي أو تناسى ما في الذكر الحكيم من قول رب العزة: ﴿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾ (٣) . حقًّا إن المؤمن الصادق الإيمان يرجو من الله مالا يرجون. ورحم الله أمير المؤمنين عليًّا وأرضاه فلو رأي ما وصل إليه المسلمون اليوم لهاله الأمر. وقد صدق حين يقول: (فوالذي نفسي بيده ما غزى قوم قط في عقر دارهم إلا ذلو ... والذي نفسي بيده لقد بلغني أنه كان يُدخل على المرأة المسلمة والمعاهدة فتُنتزع أحجالهما ورعثهما، ثم انصرفوا موفورين لم يكلم منهم أحد كَلْمًا. فلو أن أمرًا مسلمًا مات من دون هذا أسفًا ما كان عندي فيه ملومًا) (٤) . رضى الله عنك وأرضاك يا أمير المؤمنين، ماذا تقول فينا اليوم لو علمت أن الذي ينزع الأحجال والرعث، إنما الذي يقلع ويهان ويعذب هو فلذات الأكباد!! والقوم نيام أو هم أموات غير أحياء، عيون تحوم ولا ترى، وآذان مفتوحة ولا تسمع، (وما بجسم بعد الموت إيلام) .

стр. 11851

فالعقيدة، عقيدة الإسلام التي تحرر الإنسان من عبودية البشر إلى عبادة الله الواحد الأحد، عقيدة تربط الدنيا بالآخرة، عقيدة يصدقها العمل الصالح، وتستلزم متابعة محمد ﷺ في كل ما جاء به، هذه العقيدة هي الأساس الذي يجب على المسلمين أن يتخذوه قاعدة لتشييد صرح الإسلام وفكره وشريعته وكل ما يتصل بحياتهم الدنيوية وحياتهم الآخروية، فرغم أن هناك حياتين إلا أن الإسلام ربط بينهما. والسبيل لترسيخ عقيدة الإسلام هو التربية والتعليم القائمين على الإسلام ومثله السامية. وسبب الحالة السيئة التي يعيشها المسلمون اليوم كانت نتيجة بعدهم عن الإسلام بواسطة المدرسة الاستعمارية التي مكن لها الغرب الغازي وأذنابه. فالعلاج إذن يكمن في العودة إلى الإسلام، إسلام الفرد، إسلام الجماعة، إسلام الدولة، إسلام التعليم والتربية، إسلام السياسة والاقتصاد، إسلام القانون، إسلام الإعلام، إسلام الفكر، إسلام كل ما يتصل بالإنسان المسلم ... ولكن العقبة الكئود تواجه العودة إلى الإسلام وتتمثل في الأعداء المترصدين للإسلام في الداخل والخارج. وإنني أتوقع أن تكون الهجمة على الإسلام أشد مما كانت عليه من قبل. في الماضي كانت الحرب ذات الأسلحة المتعددة الجنسيات مستعرة ضد الإسلام، ولكن رغم ذلك كان في الميدان أهداف أخرى، كان بجانب حرب الإسلام من الغرب الملحد ومن الشيوعية المارقة، كان هناك صراع بين ما يدعى العالم الحر وبين الشيوعية. كان المعسكران يتنافسان على مناطق النفوذ واقتسام العالم، صحيح أنهما كانا بالنسبة لعداوة الإسلام متفقين ولكن ذلك لأسباب تكتيكية، ومصالح تجارية، وأهداف سياسية، يبدو بينهما الصراع والتنافس.

стр. 11852

واليوم وقد انهارت الشيوعية بكل أوهامها التي خدرت بها العالم المعاصر وبقى الإسلام وجهًا لوجه مع العملاق الآخر، وحالته النفسية تقول: أنا سيد الأرض والسماء لا أسمح لهذا القزم أن يفوز بالنجاح في أي ميدان من ميادين الحياة لا فكريًّا ولا اقتصاديًّا ولا سياسيًّا ولا علميًّا. ولو استطاع الإسلام أن ينجح فإن خططه ستنهار من أساسها، إذن لا بدَّ من سحقه، ووسائلي كثيرة، وأعواني منتشرون في ديار الإسلام، سأتحرك في كل الجهات وفي طل مكان، وبكل الوسائل والغاية تبرر الوسيلة. إذا كانت الوسيلة الناجعة التشنيع أشنع، وإذا كان الضغط السياسي، الضغط الاقتصادي أفعل، وإذا لزم الحرب ولا أتردد. ولابد من قتل هذا المتمرد حتى أسحقه, ولن يعيش على الأرض إلا ذيلًا تابعًا ملبيًّا لإشاراتي, وسأحرك أعواني من المفكرين والكتاب العملاء والإذاعيين والتلفزيونيين والسينمائيين والفنانين والصحافيين والقادة السياسيين, وسأجعل حياة كل من ينادى بالإسلام جحيمًا لا يطاق، سأسلط عليه زبانيتي من أبناء جلدته. إخوة الإسلام من المفكرين والعلماء ومن الساسة والقادة، ومن المعلمين والتربويين خذوا زمام المبادرة في الدفاع عن الإسلام عقيدة وفكرًا، وثقافة وشريعة، ودولة واقتصادًا وحضارة شيدها أجدادكم. وقبيح هوان الآباء والأجداد. كونوا في المقدمة (من وقف خلف جنوده فقد جعل عزائمها من خلفه) . هذا وأسأل الله أن يقيض لهذا الدين قومًا آمنوا بربهم وزادهم هدى. وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب. الشيخ قاسم البهيقى المختار

стр. 11853

الغزو الفكري في حياة المسلمين منافذ دخُوله.. وَوَسَائل مُقاومته إعداد الدكتور عُمَر يُوسف حَمزة كليه الشريعة والدراسات الإسلامية جامعة قطر قسم التفسير والحديث بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وأكرم المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تمسك بسنته واهتدى بهديه إلى يوم الدين.. وبعد: فإن الغزو الفكري للعالم الإسلامي حقيقة واقعة تبدت في الماضي، وتتجلى في الحاضر، ويخطط لها في المستقبل. فعشرات الأجهزة شرقية وغربية، سرية وعلنية، حكومية وأهلية، دينية وإلحادية، عسكرية ومدنية، تجمع صفوفها، وتحشد قواها لغزونا من الداخل بعد إنحسار مرحلة الغزو من الخارج، ومع أن الغزو الخارجي ليس مستحيلًا ـ وأفغانستان خير دليل وشاهد ـ إلا أن الغزو الداخلي أكثر إستقرارًا، وأرسخ دعائمًا وأعتى نفوذًا (١) . ومن هنا يظهر لنا أن مقاومة الغزو الفكري ليست ترفًا فكريًّا، أو محاربة طواحين هواء، بل شرط وجود، وجوهر بقاء. إن الغزو الفكري والتيارات المعادية للإسلام من الموضوعات التي تشد اهتمام الواعين من أبناء الأمة الإسلامية، وتحتاج من الباحثين والدارسين إلى أن يبذلوا فيها من الجهد ما يكشف عن خباياها ويوضح أبعادها.

стр. 11854

ولقد كان الإسلام في الماضي جولة مع أهل الباطل والضلال وأصحاب الأهواء والمتجبرين في الأرض، ولقد حقق المسلمون انتصارات كبيرة على جميع أعدائهم، ومن ثم عادى الإسلام كل ضال وكل ذي هوى، ووقف في وجه هديه ومنهاجه كل طاغية وكل ظالم، وقامت المعارك ضارية متعددة على مر التاريخ بين الإسلام وهؤلاء الأعداء. يخطئ من يظن أن الحرب بين الإسلام وأعدائه قد وضعت أوزارها , إنما الحق أن أعداء الإسلام يدبرون لحربه كل يوم وسيلة، ويحشدون للوقوف في وجهه كل يوم قوة، وليس خطر الكلمة والفكرة بأقل من خطر الجندي والسلاح في المعركة الضارية التي يشنها أعداء الإسلام عليه. شنوا حرب التشويه والتخريب للإسلام منهجه وتاريخه، ورجاله وتراثه ولغته وقرآنه، وتحالفوا وتآزروا وابتكروا حديث الوسائل وخبيث التيارات والأساليب، فغزوا المسلمين في قلوبهم وأفكارهم وأخلاقهم وأزيائهم وشنوا على العالم الإسلامي من الغارات مالا يخفي أمره على كل ذى بصيرة، وقفت الصهيونية والتبشير والاستعمار , والمبادئ والنظريات والفلسفات يشد بعضها أزر بعض في حرب الإسلام وأهله. ومن مجموع تلك الوسائل والأساليب كان الغزو الفكري للمسلمين. (١) . إن الغزو الفكري هو أن تتبنى أمة من الأمم ـ وبخاصة الأمة الإسلامية معتقدات وأفكار الأمة الأخرى من الأمم الكبيرة وهي غير إسلامية دائمًا ـ دون نظر فاحص وتأمل دقيق لما يترتب على ذلك التبني من ضياع لحاضر الأمة الإسلامية ـ في أي قطر من أقطارها ـ وتبديد لمستقبلها، فضلًا عما فيه من صرفها عن منهجها وكتابها وسنة رسولها ـ وما يترتب على ذلك الصرف من ضياع أي ضياع، إذ لا يوجد مذهب سياسي أو اقتصادي أو اجتماعي يغنى الأمة الإسلامية عن منهجها الإلهي، ونظامها الشامل المتكامل في كل زمان ومكان. (٢)

стр. 11855

لا ريب أن من يرى مؤسسات التبشير والاستشراق، وما يصدران من شبهات وتحديات، يحكم بما لا يدع مجالًا للشك بوجود الغزو الفكري الذي يرمى إلى خلق عقلية جديدة تعتمد على تصورات الفكر الغربي ومقاييسه، ثم تحاكم الفكر الإسلامي والمجتمع الإسلامي من خلالها بهدف سيادة الحضارة الغربية وتسييدها على حضارات الأمم، ولا سيما الحضارة الإسلامية. ولقد ذكر المبشرون والمستشرقون أن هدفهم هو خلق أجيال جديدة من العرب والمسلمين تحتقر كل مقومات الحياة الإسلامية بل الشرقية، وإبعاد العناصر التي تمثل الثقافة الإسلامية عن مراكز التوجيه (١) . هذه هي بعض مفاهيم الغزو الفكري، وتلك هي تياراته المعادية للإسلام فيما يظهر لى، وسوف أتناول في ثنايا هذا البحث الغزو الفكري من خلال المحاور التالية: المحور الأول: المنافذ التي يدخل منها الغزو الفكري: ١- الاقتصاد. ٢- التعليم. ٣- الصحة. ٤- السياسة. ٥- وسائل الإعلام. المحور الثاني: أساليب الغزو الفكري في التشكيك: ١- الطعن في القرآن. ٢- الطعن في السنة. ٣- اعتماد ما جاء في كتب السيرة. ٤- النظريات لبعض الفرق الإسلامية الشاذة. ٥- محاربة الفكر الإسلامي والدعوة إلى فصله عن جذوره وقواعده. المحور الثالث: ١- العلمانية والحداثة واتجاهاتهما الخطيرة في محاربة الإسلام. ٢- الطريق الأنجع في دفع تحركاتهما العدوانية، ورد نشاطاتهما المتنوعة في المجالات: الفكرية، والتعليمية، والإعلامية. وسوف أخص كل محور من هذه المحاور الثلاثة بشيء من التفصيل وسيكون حديثي عن عناصر هذه المحاور مستندا إلى الأدلة والبراهين التي تدعم أقوالي والله المستعان وهو ولى التوفيق.

стр. 11856

المحور الأول المنافذ التي يدخل منها الغزو الفكري ١- آثار الغزو الفكري في الاقتصاد: ٢- يمر المسلمون اليوم بفترة من أقسى فترات التحدي الحضاري في تاريخهم الطويل، ويبلغ هذا التحدي مداه في مجال العلوم والتقنية حيث تخلفت الدول الإسلامية تخلفًا ملحوظًا، بينما تقدمت المعارف في هذين المجالين تقدمًا مذهلًا خلال القرن الحالي بصفة عامة. وفي النصف الأخير منه بصفة خاصة. مما ميز عصرنا بأنه عصر العلوم والتقنية، وهذا المجال لم تدخله الدول الإسلامية في معظمها بعد ـ أو دخلته بعضها بجهود فردية محدودة لا تكاد تساير تقدم العصر في ذلك، مما تسبب في وجود هوة شاسعة جعلت الدول الإسلامية (في زمرة الدول النامية) ، واستمرت النهضة العلمية والتقنية التي بدأت في القرن التاسع عشر في نموها، وظهرت الصناعات المتقدمة في السيارات والطائرات والصواريخ ورحلات الفضاء، كما ظهرت أقوى أسلحة الحرب وأفضل وسائل الانتقال المدنية وتطورت صناعة اللدائن والأنسجة الصناعية، وتمت ميكنة الزراعة، وتحسين المحاصيل عن طريق الأبحاث في كل من علم الوراثة وعلم كيمياء التربة. وأدخلت المخصبات الزراعية والمبيدات الحشرية كأساليب جديدة في تحسين الزراعة. وفي غمرة هذا التقدم العلمي والتقني المذهل تخلف العالم الإسلامي تخلفًا شديدًا بعد أن حمل لواء المعرفة العلمية والفكرية والصناعية لعشرة قرون كاملة (من القرن السادس الميلادي إلى مشارف عصر النهضة في القرن السادس عشر الميلادي) (١) فقد أسقطت الخلافة الإسلامية في سنة ١٩٢٤م، بعد احتلال مساحات كبيرة من أرض المسلمين. كما تم تمزيق هذا الجسد الواحد إلى أكثر من خمسين دولة متباينة المساحة وتعداد السكان، بالإضافة إلى أقليات منتشرة في كل دولة من الدول غير الإسلامية، تفوق أعدادها مئات الملايين في بعض هذه الدول.

стр. 11857

كما أدى تفتيت العالم الإسلامي إلى انقسامه إلى دول متخمة الثراء إلى حد البطر، وأخرى معدمة إلى حد الفاقة، وبسبب انتشار الفقر أهملت عمليات التنمية البشرية والمادية, فقد أهمل التعليم، وبإهماله تفشت الأمية، وأهملت الرعاية الصحية، وبذلك تفشت الأمراض وساءت الأحوال الصحية، كما أهملت التنمية الزراعية والصناعية والاجتماعية، وبإهمالها تقلص الاقتصاد، وزادت الديون وغرقت الأمة في الربا، ولم يعد هناك مجال للأخذ بأسباب التقدم العلمي أو التقني, ويرجع السبب الرئيسي في فقر الدول الإسلامية إلى هذا التفتيت الذي لم يجعل لأي منها القدرة على القيام بذاتها، فغالبية الدول المعاصرة لا تمثل كيانات حقيقية نمت من خلال التفاعلات السياسية والاجتماعية والاقتصادية على المدى التاريخي الطويل كما تنمو الدول عادة, ولكن في غالبيتها كيانات رسمت حدودها الراهنة الاستعمارية العالمية، وحافظت عليها لتبقى الأمة على هذه الصورة من التفتيت الذي لا يمكن أيًّا منها من تشكيل وحدة اجتماعية اقتصادية متكاملة أو شبه متكاملة. وبهدف الحيلولة دون قيام أدنى قدر من التعاون بين الأشقاء، ودون تحرك المال الإسلامي بين الدول الإسلامية على شكل استثمارات تعين على تنشيط عمليه التنمية، قامت الدول الكبرى بترتيب سلسلة من الانقلابات العسكرية، والانقلابات المضادة لتحدث جوًّا من عدم الاستقرار السياسي والفوضى الاقتصادية، التي لا تشجع على تحرك أية أموال بينها، حتى لاتجد فوائض الدول الغنية فيها طريقها إلا إلى خزائن وبنوك الدول الكبرى. وقد أدى إفقار الدول الإسلامية إلى تفشى الأمية بين البالغين من أبنائها بصورة مزعجة، تتراوح نسبتها بين ٥٠ % ـ ٨٠ % بمتوسط حوالي ٥٨ % بينما تقل نسبة الأمية في الدول الغنية عن ٢ %، ولا تتعدى هذه النسبة ٤٥ % في المتوسط في دول العالم الثالث ما يعنى بوضوح أن أعلى نسبة للأمية بين البالغين في العالم اليوم هي الدول الإسلامية. (١) . فالتخلف الاقتصادي الذي أحاط بالعالم الإسلامي لا يحتاج إلى جهد في بيان أسبابه الحقيقية في حياة الأمة. نعم، لقد كانت هناك أسباب خارجية قوية أسهمت في هذا التخلف ولكنها وحدها لاتبرره وتفسره.

стр. 11858

لقد كانت أوروبا الصليبية تسعى ـ منذ القضاء على الدولة الإسلامية في الأندلس ـ إلى تطويق العالم الإسلامي، وإضعافه بكل الوسائل, وكان من بين الوسائل التي اتخذتها السعي الدائب لتحويل التجارة العالمية إلى أيديهم، وانتزاعها من يد المماليك، الذين كانوا يمسكون بزمامها عن طريق سيطرتهم على البحر الأحمر والبحر الأبيض، فتدر عليهم أموالًا طائلة، وعلى العالم الإسلامي كله كذلك. ومنذ أن اكتشف البرتغاليون طريق رأس الرجاء الصالح، بمعاونة بحارة من المسلمين وعلى هدى الخرائط الإسلامية، بدأوا يتجهون إلى الشرق الأقصى ليستولوا على أرضه وخيراته، وينقلوها على سفنهم عن طريق رأس الرجاء الصالح فيحرموا منها دولة المماليك، ويحرموا منها العالم الإسلامي كله. وحدث ذلك بالفعل, وتأثرت اقتصاديات العالم الإسلامي تأثرًا بالغًا بما حدث (١) .

стр. 11859

ولكن هذا هو التفسير؟! أو هذا هو التدبير؟! أين كانت مراكز القوة يوم قامت الدولة الإسلامية أول مرة، سواء القوة الحربية أو السياسية أو الاقتصادية؟! ألم تكن كلها في يد فارس والروم؟ فما الذي حدث في التاريخ؟ لقد خرجت الأمة المؤمنة تنشر الإسلام في الأرض فأزالت قوى الباطل ودكتها دكًّا، وأقامت في مكانها دولة الإسلام، واستولت هي على مراكز القوة فأصبحت أكبر قوة في الأرض، وشملت قوتها كل جانب، فصارت في يدها القوة الحربية والسياسية والاقتصادية، وكان ذلك كله تحقيقًا لوعد الله للمؤمنين من هذه الأمة في قوله الكريم: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (١) فما الذي غير الحال بعد ذلك، وسلب مراكز القوة من يد المسلمين؟ ربما يقال: ضعفت قوتهم الحربية بينما ازدادت قوة أعدائهم فتغلبوا عليهم. فنقول: نعم، تلك هي الأسباب الظاهرة، ولا شك، ولكن قراءة التاريخ بالأسباب الظاهرة وحدها لا تؤدى إلى الحقيقة، بل قد تضلل عن الحقيقة ... يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (٢) . ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (٣) . والذي يشغل النفوس المؤمنة هو الأيمان.. والذي يتغير في النفوس هو حقيقة الإيمان. فحين تكون الأمة (متقدمة) في الإيمان، يتحقق لها وعد الله بالاستخلاف والتمكين والتأمين، وحين تكون (متخلفة) يحدث تغيير النعمة (أي سلبها) ويذهب عن الأمة الاستخلاف والتمكين والتأمين. فسلب التجارة من يد المسلمين، واستيلاء أوروبا الصليبية عليها، له أسبابه الكامنة في التخلف العقيدي الذي أصاب الأمة في مجموعها، والتقلص والضمور التي ترتب عليه في كل اتجاه. فتضاؤل القوة الحربية الذي مكن الأعداء من أجزاء متزايدة من العالم الإسلامي هو ذاته، أثر من أثار التخلف العقيدي. ولكن آثار التخلف العقيدي في الميدان الاقتصادي الخاص لا تحتاج إلى تأكيد.

стр. 11860

وإذا سلمنا بأن التجارة الخارجية قد سلبت من أيدي المسلمين لسبب قاهر لا يقدرون على رده، فهل تتوقف ثروة العالم الإسلامي على التجارة وحدها في ذلك الحين أو في أي حين؟ إنَّ بلاد المسلمين من أقصاها إلى أقصاها هي ـ بقدر من الله ـ أغنى بقعة في الأرض، وأكثرها خيرات، وقد كانت ـ وما تزال حتى هذه اللحظة ـ لم تستثمر الاستثمار الكامل، الذي يستغل كل مواردها. والسبب في عدم الاستعمار هذه الثروات هو التقاعس، والتواكل، والضعف العلمي، ووهن العزم، والانصراف عن عمارة الأرض، والرضى بالفقر على أنه من قدر الله لا ينبغي السعي إلى تغييره خوفًا من الوقوع في خطيئة التمرد على قدر الله. إن الأمة غير الإسلامية يمكن أن تنال القوة والتمكين في الأرض بالبعد عن الله, بل كلما زادت بعدًا عن الله زادت في القوة والتمكين.. كما هو الحال أوروبا الكافرة الجاحدة اليوم، لأن هذا من السنن الربانية في معاملة الكفار: قال تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (١) لفترة من الزمن يقدرها الله.. ثم يأتى التدمير: ﴿حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (٤٤) فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٢) . أما أمة الإسلام فإنها تعامل بسنة خاصة.. لا يمكَّنوا إلا على الإيمان، فإذا انحرفوا زال عنهم التمكين، ذلك لأن الله لا يريد لهم أن يفتنوا بالتمكين وهم منحرفون عن طريقه، فيزيدوا انحرافا حتى يصلوا إلى الكفر فتأخذهم سنة الكافرين: قال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (١٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٣) . فمن رحمته سبحانه بهذه الأمة أنه لا يمكنها أبدًا وهي منحرفة عن السبيل لكي تعود إليه، فيمكنها وهو راض عنها، ويدخر لها في الآخر ما يدخره لعباده الصالحين (٤) .

стр. 11861

وإذا كان من أهداف الغزو الفكري، صرف المسلمين عن دينهم، وعن قرآنهم، وليكونوا بعد ذلك ما يكونون، فإذا عجزوا تنصيرهم كما كانوا يشتهون ويخططون في البدء، فينبغي على الأقل أن ينتزعوا من قلوبهم ذلك الشيء المرهوب الذي يزعجهم ويفزعهم حتى وهو كامن في قلب (الرجل المريض) , كما صرح أحد الكتاب في كتاب (الغارة على العالم الإسلامي) حيث قال: (إن أوروبا كانت تفزع من الرجل المريض لأن وراء ثلاثمائة مليون من المسلمين على استعداد للجهاد بإشارة من أصبعه) (١) . وإذا كان المراد بالغزو الفكري الوسائل غير العسكرية التي اتخذها الغزو الصليبي لإزالة مظاهر الحياة الإسلامية، وصرف المسلمين عن التمسك بالإسلام، مما يتعلق بالعقيدة وما يتصل بها من أفكار وتقاليد وأنماط سلوك. فإذا كان هذا هو هدف الغزو الفكري، فلا يمنع ذلك من وجود أطماع اقتصادية هائلة لأوروبا في الشرق الغني بالخامات والموارد، التي لا يكاد أصحابها يستثمرون منا إلا القليل، بينما تحترق أوروبا شوقا إلى شيء منها. ولكن هذا لا ينبغي أن يخفي عنا مجموعة من الحقائق في هذا الشأن: الأولى: أن الباعث الصليبي كان الباعث الأول الذي حرك أوروبا إلى الاستيلاء على العالم الإسلامي كما هو ثابت من رحلتي فاسكو دى جاما، وماجلان، والرحلات (الاستكشافية) الأخرى ـ في أفريقيا خاصة ـ التي حملت المبشرين بكميات هائلة إلى أماكن لم يكن الاستعمار الاقتصادي فيها محدود المعالم أول الأمر، وإن كان قد حدث على نطاق واسع فيما بعد, حين اكتشف المحتلون مصادر الثروة وأخذوا في الاستعمار. الثانية: أن التحرك الاقتصادي الأول من أوروبا نحو الشرق كان هدفه الأول حرمان المسلمين من مصادر قوتهم لإضعافهم، وهو هدف صليبي واضح تتخذ له جميع الوسائل، وما الوسيلة الاقتصادية إلا واحدة من هذه الوسائل فحسب، وليس هي الغاية كما يزعمون، ويزعم معهم المستبعدون لهم من المثقفين، خاصة الذين يرددون في غير تفكير القول بأن الغرب لا يريد إلا تأمين مصالحة الاقتصادية فحسب، ولا يهمه شيء غير ذلك.

стр. 11862

الثالثه: أنه حين برز العامل الاقتصادي في حياة أوروبا فيما بعد، وأصبح ـ في ظاهر الأمر ـ هو المحرك الأول لجميع تصرفاتهم، بقى هنا فارق واضح بين (الاستعمار الاقتصادي) في بلاد الإسلام، والاستعمار الاقتصادي في البلاد غير الإسلامية التي استولوا عليها في مرحلة التوسع وتكوين الإمبراطوريات (١) فمع أن الاستعمار في جميع أحواله ظالم للبلاد المحتلة المستغلة، أناني النزعة، لا يهمه إلا تحقيق مصالحه الخاصة على حساب أهل البلاد الأصليين، مع ذلك كله فإنه في البلاد غير الإسلامية لا يتعرض لعقائد الناس وأفكارهم وتقاليدهم بشيء من العنف على الإطلاق، مكتفيًا بما يتسرب إلى حياتهم تدريجيًّا من التأثير الناشئ من رغبة المغلوب في تقليد الغالب, أما في البلاد الإسلامية فقد كانت هناك دائمًا تدبيرات وترتيبات يقصد بها قصدا إلى إزالة مظاهر الحياة الإسلامية، ومحاولة سحق الإسلام في نفوس المسلمين بالعنف، أو صرفهم عنه صرفًا خبيثًا بوسائل أخرى غير العنف. وكان من أول هذه التدبيرات والترتيبات في كل بلد إسلامي وقع في قبضتهم تنحية الشريعة الإسلامية عن الحكم ووضع القوانين الوضعية بدلًا منها، وهو أمر لا علاقة له من قريب ولا بعيد (بالمصالح الاقتصادية) التي يزعم الغرب ويزعم معه أتباعه المستبعدون له أنها الهدف الأول والأخير من استيلائهم على العالم الإسلامي. ومن هذا يتبين أن الدافع الصليبي كان موجودًا مع الغزو الأوروبي لبلاد الإسلام، سواء كان يعمل منفردًا كما كان في منطلقه الأول، أو متمزجًا بالدافع الاقتصادي كما حدث فيما بعد، ولكنه في جميع أحواله حاد النزعة لا يهدأ ولا يسكن، بل ازدادت حدته في القرن الأخير خاصة مع بروز حركات البعث الإسلامي (٢) .

стр. 11863

٢ـ آثار الغزو الفكري في التعليم: لقد ترك الغزو الفكري أثارًا عصيبة في المجتمع الإسلامي في كافة نواحيه الثقافية والتعليمية والتشريعية والأخلاقية والاجتماعية. وبذل المستشرقون والمبشرون كل ما في وسعهم وطاقتهم سائرين على الوسائل والطرق التي تحقق أهدافهم، فحاولوا استغلال حركات الإصلاح الإسلامية، يقول (كامفماير) المستشرق الألماني: إن الأب بانيرث المبشر الألماني يرى أن: حركة الإصلاح الإسلامي على النحو الذي يسير فيه الآن يجب أن تقابل من المسيحية الغربية بالتشجيع ,ويتساءل هذا المستشرق: هل يستطيع الإسلام أن يستعيد وحدته الداخلية في ظل التجزئة السياسية القائمة وتحت تأثير الآراء العصرية والعلوم الغربية؟ وهل سيكون الإسلام عند ذلك عدوًّا للغرب أم صديقًا وحليفًا، أم أن الإسلام في سبيله التي التفتت إلى وحدات قومية تعكس كل منها التأثيرات الأوروبية على طريقتها الخاصة وبأسلوبها المستقل؟ ويبرز الكاتب في إجابته على هذه الأسئلة ثلاث نقاط: ١- أهمية الكتلة العربية وخطورتها في نظره. ٢- أهم العوامل التي تستمد منها هذه الأمة وحدتها هي الاشتراكية في اللغة العربية الفصحى واشتراكها في العناية بالتراث الإسلامي القديم وتاريخه وآدابه. ٣- يتمنى أن يحدث في مصر ما حدث في تركيا من قطع كل صلة بالماضي الإسلامي واستبدال الحروف العربية بالحروف اللاتينية. ويهتم الغربيون بأن يجرى التعليم في البلاد الإسلامية على الأسلوب الغربي والمبادئ الغربية والتفكير الغربي كوسيلة لفرنجة البلاد الإسلامية وتغريبها، يقول (جب) : هذا هو السبيل الوحيد فقد رأينا المراحل التي مر بها طبع التعليم بالطابع الغربي في العالم الإسلامي ومدى تأثيره على تفكير الزعماء المدنيين وقليل من الزعماء الدينيين (١) . ومن أقوى الوسائل التي تمكن بها (الغزو الفكري) من الوصول إلى هدفه: هي التربية والتعليم والثقافة الأجنبية، إذ بواسطة ذلك تم الاتصال بالمسلمين.. وقد دخل الغزو إلى العالم الإسلامي من باب يخيل إلى السطحيين من النَّاس أنه الباب الطبيعي، إذ حمل اسم العلم والمعرفة والتمدن، ومن يحارب ذلك إلا الجاهل الأحمق؟

стр. 11864

يقول (القس زويمر) : (المدارس أحسن ما يعول عليه المبشرون في التحكم بالمسلمين) (١) . لقد أقبل المسلمون على هذه المدارس بكثرة كاثرة، يزدردون مناهجها، ولا يميزون بين صحيحها من فاسدها، وقد بنيت هذه المناهج على أسس تختلف عن أسس الإسلام الصحيحة في العقيدة والشريعة والنظرة إلى الكون والحياة والإنسان، على أن هذه المدارس كانت تساندها جمعيات كثيرة تمدها بالمال وبكل ما تحتاجه، ونستطيع أن ندرك أهمية هذه المدارس في أعمالها التخريبية باهتمام المستعمرين بها ,إذ أنهم ما دخلوا بلدًا إلا كان ما فعلوه أن فتحوا المدارس، وقد قال القائد الفرنسي (بيير كيللر) عن المعاهد الفرنسية في لبنان: (فالتربية الوطنية كانت بكاملها تقريبًا في أيدينا، وفي بداية حرب عام ١٩١٤ ـ١٩١٨م كان أكثر من اثنين وخمسين ألف تلميذ يتلقون دروسهم في مدارسنا، وكان بين هؤلاء فتيان وفتيات ينتمون إلى عائلات إسلامية عريقة) (٢) . وقد أدت هذه المدارس دورًا عجزت عن أدائه أجهزة التبشير والاستشراق كلها، ويكفينا أن نعلم أن مؤتمر (أدنبرج) التبشيري الذي عقد عام ١٩١٠م وحضره ١٢٠٠ من مندوبيه كان مما قرره ما يأتي: "اتفقت آراء سفراء الدول الكبرى في عاصمة السلطنة العثمانية على أن معاهد التعليم الثانوية التي أسسها الأوروبيون كان لها تأثير على حل المسألة الشرقية يرجح على تأثير العمل المشترك الذي قامت به دول أوروبا كلها" (٣) . ويقول المبشر (تكلى) : "إن الكتب المدرسية الغربية تجعل الاعتقاد بكتاب شرقي مقدس أمرًا صعبًا جدًّا" (٤) . ويقول المستشرق (هاملتون جب) : "لقد استطاع نشاطنا التعليمي والثقافي من طريق المدرسة العصرية والصحافة أن يترك في المسلمين ـ ولو من غير وعى منهم ـ أثرًا يجعلهم في مظهرهم العام (لا دينيين) إلى حد بعيد، ولا ريب أن ذلك هو اللب المثمر في كل ما تركت محاولات الغرب لحمل العالم الإسلامي على حضارته من آثار" (٥) . ولم يعد دعاة الشر يقنعون بالكلام فحسب، ولم يعد شرهم مقصورًا على محاولة نشر سمومهم بالدعاية لها, فقد نجحوا في التسلل إلى مناصب تمكنهم من أن يدسوا برامجهم ومناهجهم على المسؤولين من رؤسائهم وينفذونها في صمت، ودعاة الشر هؤلاء يعملون في ميادين كثيرة لا يكاد يخلو منهم ميدان, ولكن أخطر ما يكون إفسادهم إذا تسلل إلى ميدان التعليم، ولهم أساليب خبيثة في الوصول إلى أهدافهم (٦) . ولقد تغلغل الغزو الفكري إلى أجهزة التعليم، وتمت السيطرة على التعليم قلبًا وقالبُا وفلسفة وتنظيمًا، ومحتوى ومستوى، وتمويلًا وإرادة, ومناهجًا وطريقة، وتدريسًا ولغة، ومدرسين وإدارة.

стр. 11865

وخطورة هذه السيطرة أنها تضمن تشكيل الأجيال الناشئة وفق أهداف محددة تتلخص في النقاط التالية: ١-تشويه صورة الإسلام: وهذا التشويه لا يقتصر على جانب واحد ولا يشكك في نقطة بعينها، بل يشمل الإسلام بجميع جوانبه، وفي كل ركائزه. ٢- التشكيك في تاريخ الأمة: لكى تبتر صلة هذه الأمة بتاريخها، فلابد من تشويه، والتشكيك في مفاخره، والتركيز على مباذله، بحيث تنمو أجيال لا تعرف منه إلا عصور الظلم والاستعباد وفترات القلق والاضطهاد، وبذلك كله يرى الناشئ تاريخ أمته مسلسًا من العذاب, وحلقات من السواد (١) . ٣- التشكيك في حاضر الأمة: لا يقتصر الأمر على تاريخ بل يمتد إلى حاضر, فإذا شكل الشباب الجديد على كراهية لهذا الحاضر, ونفور من تخلفه واقشعرار من رجعيته، فالسلوك الطبيعي أن يبحث له عن مخرج، وأن يستطلع نافذة جديدة يستنشق منها الهواء الصحي والصحيح. ٤- التشكيك في مستقبل الأمة: إذا كان الماضي رجعيًّا، والحاضر عفنًا، فكيف سيكون المستقبل؟!.... لابد أنه ظلام وبوار وخراب ... إذن فلنغض البصر عن ماضينا, ولننصرف عن حاضرنا، ولنندمج في غيرنا لكى يأتى المستقبل مشرقًا زاهرًا وضاء. فالتخلف الإسلامي لا علاج له إلا بالمستقبل الغربي أوالشرقي. ٥ـ تشويه شخصية الأمة: بعد التشويه، والتشكيك، تتم مرحلة التذويب بحيث تفقد الأمة الإسلامية هويتها، وتذوب فيما يغاير طبيعتها، وينافر عقيدتها. وتذويب شخصية الأمة من الممكن أن يتم بعشرات الوسائل مباشرة وغير مباشرة، وواضحة وضمنية. ٦ـ إحلال عناصر ثقافية جديدة بعد التشويه, والتشكيك، والتذويب لا يبقى غير زراعة ثقافة جديدة توجه العقول، وتحكم السياسية، وتصنع القرارات، وتحرك الشخصيات، وتشوه الضمائر.. فلو ضمنت أجهزة الغزو أن المسلمين حملوا دينًا غير دينهم، أو فهموا دينهم فهمًا خاطئًا، وانحرفوا عن جادة الطريق فذلك هو الانتصار الكبير، وتلعب بالقيادات.

стр. 11866

هذه كانت أهم أهداف الغزو الفكري بلورت في ست نقاط من تشويه، إلى التشكيك، إلى التذويب، إلى إحلال لعناصر جديدة (١) . وهناك كثير من الأدلة على طريقة إحكام السيطرة على التعليم يكفي أن نُشير إلى بعضها: ١- فرض اللغة الأجنبية، فما من مرة وضع الاحتلال قدمه في بلد إلا وتحولت لغة التعليم والتدريس إلى لغته الأجنبية.. حدث هذا في جميع البلاد الإسلامية التي تعرضت للاستعمار، والأمثلة على ذلك كثيرة (٢) . ٢- تغيير جميع مناهج المواد الاجتماعية والإنسانية لكى تتواكب مع أهداف الغزو ومخططاته، ومن أكبر البراهين على ذلك ما حدث للمناهج الليبية إبان الاحتلال الإيطالي، وما حدث للمناهج الجزائرية إبان الاحتلال الفرنسي، وما حدث للمناهج التركية بعد إعلان العلمانية سنة ١٩٢٤م، وما حدث للمناهج الإندونيسية إبان سيطرة الشيوعيين، وما حدث ويحدث في المدارس الفلسطينية تحت ضغط الاستيطان الصهيوني.. إلى غير ذلك من الأمثلة، ومن يتتبع ذلك يدرك مكان الخطورة، ومواطن الدس وقنوات السم. ٣- إنشاء مؤسسات تعليمية لتوجية تعليمنا الوجهة المناسبة لغزوهم.. وهناك تفاصيل كثيرة عن مؤسسات التبشير والتغريب التعليمية التي أنشئت في فلسطين والشام، بدءًا من دور حضانة إلى الجامعة الأمريكية في بيروت (٣) والقاهرة، وإستانبول.. وتفاصيل عن كلية (غوردون) المنشأة بالسودان سنة ١٩٠٢م وكلية (ماكريري) في يوغندا التي كان يرسل إليها أبناء جنوب السودان خاصة، لاستكمال دراستهم وفقًا للأهداف والتوجيهات الإنجليزية (٤) , وغير ذلك من المؤسسات التعليمية التي أنشأها المبشرون والمستشرقون للقضاء على الإسلام. ولقد استطاعت المناهج التعليمية الوافدة القائمة على النظرية المادية المنكرة للدين والأخلاق بناء على غير قيم الإسلام، وقام المبشرون والمستشرقون بفرض مناهج الغرب على المدارس الإسلامية , مما كان له أبعد الأثر في تدمير الشخصية الإسلامية الناشئة وحرمانها من التعرف على حقيقتها ودورها وهدفها. فإن خطة السيطرة على المناهج التعليمية التي قام بها النفوذ الأجنبى (وورثها لمن جاء به من حكومات وقيادات نشأت في إطار الإيمان بالغرب والإعجاب به والتسليم له) قد شملت مختلف الميادين من السلوك الفردى والآداب الاجتماعية إلى الآداب والفنون. وقد تحولت الأساليب من التبشير المباشر إلى التبشير الخفي الذي يتصل بالثقافة والصحافة حيث يقوم الكتاب التغربيون بأداء دور خطير في تحويل الأهداف الماسونية إلى حقائق مطبقة.

стр. 11867

وقد أسهمت المنظمات الدولية في هذا المجال بما في ذلك الأمم المتحدة، واليونسكو والتربية الأساسية على وجه الخصوص، والتي تعتبر امتدادًا لمخططات ترمي إلى فصل الدين عن الدولة، وتخريج شباب متميع منهزم خاضع للأهواء والشهوات, ولقد أدرك قسم من المسلمين الخطر الرهيب الذي يتمثل في غزو مناهج التعليم في بلاد المسلمين من قبل المستعمرين، فعملوا على أن يحتفظوا بتراثهم الإسلامي، وذلك ببناء مدارس وجامعات تدرس فيها العلوم الإسلامية، من غير أن يكون للفكر الدخيل تأثير فيها.. لكن المسلمين لم يستطيعوا التوصل إلى ما يريدون، ذلك أن الإرساليات التبشيرية كانت تتمتع بنفوذ قوى، وكانت الجامعات التبشيرية تساندها قوى مادية كبرى، فوق النفوذ الذي كان لدول الجامعات التبشيرية. وهكذا نشأ في المجتمع الإسلامي تياران متعارضان في الثقافة والتعليم: التيار الإسلامي القديم وتيار الجامعات الأجنبية الجديدة. أما مدارس الدولة، فكانت مناهجها قريبة جدًّا من مناهج الإرساليات التبشيرية والمدارس الأجنبية. (١) فمن الوسائل الخبيثة التي سار عليها الغزو الفكري: فصل العلوم الدينية عن العلوم الأخرى فصلًا يجعل بينهما هوة سحيقة، واصطناع الخلاف والشقاق، ثم الخلاف والشقاق، ثم العداء بين علوم الدين وعلوم الدنيا، وبين علماء هذين القسمين، وتيسير سبل المال والمجد الدنيوى لمتعلمى علوم الدنيا، وحجبها عن نظرائهم من متعلمى علوم الدين، ولم تقتصر عملية الفصل هذه على مستوى التعليم التخصصى العالى، ولكن المكيدة كانت شاملة تهدف إلى عزل طلاب علم الدنيا عن الدراسات المتعلقة بعلوم الدين عزلًا تامًّا في الصيغة والطريقة والمضمون، وإلى عزل طلاب علوم الدين عن الدراسات المتعلقة بعلوم الدنيا عزلًا تامًّا أيضًا، لئلا تتكشف الملاءمة التامة بين الأصول الصحيحة لقسمى علوم الدين وعلوم الدنيا، فينصر الحق من كل منهما الحق من صاحبه، وينفي عنه الدخيل الدعي، ولئلا تتكامل منهما المعرف على صراط الله المستقيم، فيحتل المسلمون الصادقون مجد الدنيا والآخرة (٢) . ومن طبيعة هذا الفصل أن يولد مع الزمن تعصب كل فريق لنوع دراسته ولمنهج بحثه، ولطريقة تقصيه للحقائق، وإن كان فيها نقص لا يتأتى تكميله إلا بالتعاون والتآزر مع الفريق الآخر. وبمرور الزمن يتم الفصل بين الدين والحياة، وحينئذ تجد الأمة نفسها مضطرة لأن تقتبس لنظام حياتها من الأنظمة المستوردة من صادرات أعدائها، وهي أنظمة قائمة على أسس لا صلة لها بالدين، ولا تعترف بشريعة الله. وبذلك يحقق الغزاة هدفهم من غزو الأفكار والنفوس والقلوب، وهدفهم من غزو سلوك المسلمين، وهذا يمهد لعمليات الاحتلال الكامل، الذي تعدو به على الأمة عوادي الكفر. (٣) .

стр. 11868

٣ـ آثار الغزو الفكري في الصحة: حينما أيقن أعداء الله أنه لا سبيل إلى الإسلام وعقيدته حية في قلوب المسلمين فكان بداية التبشير مع نهاية الحروب الصليبية فشلًا في مهمتها، وهو ما يصرح به (ملخص تاريخ التبشير) (١) يقول القسيس المبشر زويمر: إن جزيرة العرب التي هي مهد الإسلام لم تزل نذير خطر للمسيحية (٢) . ويكمل وليم جيفور بالكراف المعنى فيقول: متى توارى القرآن ومدينة مكة وبلاد العرب، يمكننا حينئذ أن نرى العربى يتدرج في سبيل الحضارة التي لم يبعده عنها إلا محمد وكتابه (٣) . واتخذ التبشير لدعوة المسلمين أساليب عديدة من أوضحها ما يأتى: (أ) المدارس المختلفة التي فتحت في أرحاب العالم الإسلامي، وتحدثت عنها بشيء من التفصيل فيما تقدم (راجع آثار الغزو الفكري في التعليمِ) . (ب) ومن أخطر هذه الوسائل البعثات المسيحية الغربية، وأول مثل لأثر البعثات ما حدث لرفاعة الطهطاوى الذي أقام في باريس من سنة ١٢٤٢هـ (١٨٢٦م) إلى سنة ١٢٤٧هـ (١٨٣١م) فقد عاد ذلك الشيخ بغير العقل الذي ذهب به (٤) وقس على الشيخ رفاعة.. من ذهبوا بعده (٥) . (جـ) ثم تأتى سائر وسائل التبشير؛ فتح المستشفيات، وبعث الإرساليات الطبية التي يقرر كثير من المبشرين في مؤتمرات وكتاباتهم.. أنها أدت إلى نتائج أسرع وأفضل من عمل القسس التبشيرية. يقول الطبيب بول هاريسون في كتابة (الطبيب في بلاد العرب) : لقد وُجدنا في بلاد العرب لنجعل رجالها ونساءها نصارى (٦) .

стр. 11869

ويذكر الأستاذ أبو الحسن الندوى في كتابه (الصراع بين الفكرة الإسلامية والفكرة الغربية) : أن الأفغانيين الذين خلعوا ملكهم أمان الله خان لأنه سمح لزوجته أن تخرج سافرة قبلوا بعد ذلك أن يلغوا الحجاب، وتم ذلك عن طريق القابلات ودور الولادة الطبية التي أنشأها المبشرون. وقد صنف القسيس زويمر كتابًا جمع فيه بعض تقارير عن التبشير وسماه (العالم الإسلامي اليوم) . جمع هذا الكتاب ونشره القسيس (فلمينغ) الأمريكي وكتب عليه هذه الكلمة (نشرة خاصة) بمعنى أنه طبع لينتقل في أيدي فئة خاصة من رجال التبشير لا ليطلع عليه كل الناس , وقد ضمّنه المباحث التي دارت في مؤتمر القاهرة واختتمه بنداءين استنهض بأحدهما همم رجال النصرانية ليجمعوا قواهم ويتضافروا بأعمال مشتركة وعمومية فيستولوا على أهم الأماكن الإسلامية، والنداء الثاني خاص بأعمال نسائية. أما الفصل الأول من الكتاب فيبحث في الطريقة التي ينبغي انتهاجها في التبشير، وعما إذ كان مفيدًا ضم إرساليات تبشير المسلمين إلى إرساليات تبشير الوثنيين وفضّل بقاءهما منفصلين. وفيه البحث أيضًا عما إذا كان الإله الذي يعبده المسلمون هو إله النصارى واليهود أم لا؟ وقد صرح (الدكتور لبسيوس) في مؤتمر القاهرة بأن إله الجميع واحد إلا أن القسيس زويمر خالفه في هذا الرأي فقال: إن المسلمين مهما يكونوا موحدين فإن تعريفهم لإلههم يختلف عن تعريف المسيحيين، لأن إله المسلمين ليس إله قداسة ومحبة. وفي الفصل الثاني والثالث بحث في الصعوبات التي تحول دون تبشير المسلمين العوام, وذكر الوسائل التي يمكن استجلابهم بها وتحبيب المبشرين إليهم، وأهم هذه الوسائل العزف بالموسيقى الذي يميل إليه الشرقيون كثيرًا، وعرض مناظر الفانوس السحرى عليهم، وتأسيس الإرساليات الطبية بينهم ... إلخ، وقد بحث مؤتمر القاهرة التبشيرى الذي عقد سنة ١٩٠٦م مسألة إرساليات التبشير الطبية، فقام المستر (هارير) وأبانَ وجوب الإكثار من الإرساليات الطبية، لأن رجالها يحتكون دائمًا بالجمهور، ويكون لهم تأثير على المسلمين أكثر مما للمبشرين الآخرين. وهنا ذكر (المستر ربر) حكاية طفلة مسلمة عني المبشرون بتمريضها في مستشفي مصر القديمة , ثم ألحقت بمدرسة البنات البروتستانية في باب اللوق، وكانت نهاية أمرها أن عرفت كيف تعتقد بالمسيح بالمعنى المعروف عند النصارى، إلى غير ذلك من الأمثلة.

стр. 11870

ثم قام الدكتور أراهاس طبيب إرسالية التبشير في طرابلس الشام فقال: إنه قد مر عليه اثنان وثلاثون عامًا وهو في عمله لم يفشل إلا مرتين فقط وذلك عقب منع الحكومة العثمانية أو أحد الشيوخ لاثنين من زبائنه من الحضور إليه. وأورد إحصاء لزبائنه فقال: إن ٦٨ % منهم مسلمون ونصف هؤلاء من النساء.. وختم كلامه قائلا: يجب على طبيب إرساليات التبشير أن لا ينس ولا في لحظة واحدة أنه مبشر قبل كل شيء ثم هو طبيب بعد ذلك. (١) . وقام بعده الدكتور تمبانى وذكر الصعوبات التي يلقاها الطبيب في التوفيق بين مهتني التبشير والطب كما حدث معه هو، إلا أن ما بذله من المجهودات قد أعانه على النجاح حتى تمكن من تأسيس مستشفي التبشير من طريق الاكتتابات , وكان أول مكتتب لهذا المستشفي التبشيرى رجلًا مسلمًا (٢) . وما تزال الإرساليات الطبية التي تعتبر من أخطر أدوات الغزو الفكري منتشرة في كثير من بلاد المسلمين. وتدخل إلى هذه البلاد الإسلامية تحت أسماء وشعارات متعددة.
следующие страницы →