← Фикх общий

Фикх общий · id 8356

مجلة مجمع الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (22 276 стр.). Показаны 11866–11905 · переход к 11871.

стр. 11866

هذه كانت أهم أهداف الغزو الفكري بلورت في ست نقاط من تشويه، إلى التشكيك، إلى التذويب، إلى إحلال لعناصر جديدة (١) . وهناك كثير من الأدلة على طريقة إحكام السيطرة على التعليم يكفي أن نُشير إلى بعضها: ١- فرض اللغة الأجنبية، فما من مرة وضع الاحتلال قدمه في بلد إلا وتحولت لغة التعليم والتدريس إلى لغته الأجنبية.. حدث هذا في جميع البلاد الإسلامية التي تعرضت للاستعمار، والأمثلة على ذلك كثيرة (٢) . ٢- تغيير جميع مناهج المواد الاجتماعية والإنسانية لكى تتواكب مع أهداف الغزو ومخططاته، ومن أكبر البراهين على ذلك ما حدث للمناهج الليبية إبان الاحتلال الإيطالي، وما حدث للمناهج الجزائرية إبان الاحتلال الفرنسي، وما حدث للمناهج التركية بعد إعلان العلمانية سنة ١٩٢٤م، وما حدث للمناهج الإندونيسية إبان سيطرة الشيوعيين، وما حدث ويحدث في المدارس الفلسطينية تحت ضغط الاستيطان الصهيوني.. إلى غير ذلك من الأمثلة، ومن يتتبع ذلك يدرك مكان الخطورة، ومواطن الدس وقنوات السم. ٣- إنشاء مؤسسات تعليمية لتوجية تعليمنا الوجهة المناسبة لغزوهم.. وهناك تفاصيل كثيرة عن مؤسسات التبشير والتغريب التعليمية التي أنشئت في فلسطين والشام، بدءًا من دور حضانة إلى الجامعة الأمريكية في بيروت (٣) والقاهرة، وإستانبول.. وتفاصيل عن كلية (غوردون) المنشأة بالسودان سنة ١٩٠٢م وكلية (ماكريري) في يوغندا التي كان يرسل إليها أبناء جنوب السودان خاصة، لاستكمال دراستهم وفقًا للأهداف والتوجيهات الإنجليزية (٤) , وغير ذلك من المؤسسات التعليمية التي أنشأها المبشرون والمستشرقون للقضاء على الإسلام. ولقد استطاعت المناهج التعليمية الوافدة القائمة على النظرية المادية المنكرة للدين والأخلاق بناء على غير قيم الإسلام، وقام المبشرون والمستشرقون بفرض مناهج الغرب على المدارس الإسلامية , مما كان له أبعد الأثر في تدمير الشخصية الإسلامية الناشئة وحرمانها من التعرف على حقيقتها ودورها وهدفها. فإن خطة السيطرة على المناهج التعليمية التي قام بها النفوذ الأجنبى (وورثها لمن جاء به من حكومات وقيادات نشأت في إطار الإيمان بالغرب والإعجاب به والتسليم له) قد شملت مختلف الميادين من السلوك الفردى والآداب الاجتماعية إلى الآداب والفنون. وقد تحولت الأساليب من التبشير المباشر إلى التبشير الخفي الذي يتصل بالثقافة والصحافة حيث يقوم الكتاب التغربيون بأداء دور خطير في تحويل الأهداف الماسونية إلى حقائق مطبقة.

стр. 11867

وقد أسهمت المنظمات الدولية في هذا المجال بما في ذلك الأمم المتحدة، واليونسكو والتربية الأساسية على وجه الخصوص، والتي تعتبر امتدادًا لمخططات ترمي إلى فصل الدين عن الدولة، وتخريج شباب متميع منهزم خاضع للأهواء والشهوات, ولقد أدرك قسم من المسلمين الخطر الرهيب الذي يتمثل في غزو مناهج التعليم في بلاد المسلمين من قبل المستعمرين، فعملوا على أن يحتفظوا بتراثهم الإسلامي، وذلك ببناء مدارس وجامعات تدرس فيها العلوم الإسلامية، من غير أن يكون للفكر الدخيل تأثير فيها.. لكن المسلمين لم يستطيعوا التوصل إلى ما يريدون، ذلك أن الإرساليات التبشيرية كانت تتمتع بنفوذ قوى، وكانت الجامعات التبشيرية تساندها قوى مادية كبرى، فوق النفوذ الذي كان لدول الجامعات التبشيرية. وهكذا نشأ في المجتمع الإسلامي تياران متعارضان في الثقافة والتعليم: التيار الإسلامي القديم وتيار الجامعات الأجنبية الجديدة. أما مدارس الدولة، فكانت مناهجها قريبة جدًّا من مناهج الإرساليات التبشيرية والمدارس الأجنبية. (١) فمن الوسائل الخبيثة التي سار عليها الغزو الفكري: فصل العلوم الدينية عن العلوم الأخرى فصلًا يجعل بينهما هوة سحيقة، واصطناع الخلاف والشقاق، ثم الخلاف والشقاق، ثم العداء بين علوم الدين وعلوم الدنيا، وبين علماء هذين القسمين، وتيسير سبل المال والمجد الدنيوى لمتعلمى علوم الدنيا، وحجبها عن نظرائهم من متعلمى علوم الدين، ولم تقتصر عملية الفصل هذه على مستوى التعليم التخصصى العالى، ولكن المكيدة كانت شاملة تهدف إلى عزل طلاب علم الدنيا عن الدراسات المتعلقة بعلوم الدين عزلًا تامًّا في الصيغة والطريقة والمضمون، وإلى عزل طلاب علوم الدين عن الدراسات المتعلقة بعلوم الدنيا عزلًا تامًّا أيضًا، لئلا تتكشف الملاءمة التامة بين الأصول الصحيحة لقسمى علوم الدين وعلوم الدنيا، فينصر الحق من كل منهما الحق من صاحبه، وينفي عنه الدخيل الدعي، ولئلا تتكامل منهما المعرف على صراط الله المستقيم، فيحتل المسلمون الصادقون مجد الدنيا والآخرة (٢) . ومن طبيعة هذا الفصل أن يولد مع الزمن تعصب كل فريق لنوع دراسته ولمنهج بحثه، ولطريقة تقصيه للحقائق، وإن كان فيها نقص لا يتأتى تكميله إلا بالتعاون والتآزر مع الفريق الآخر. وبمرور الزمن يتم الفصل بين الدين والحياة، وحينئذ تجد الأمة نفسها مضطرة لأن تقتبس لنظام حياتها من الأنظمة المستوردة من صادرات أعدائها، وهي أنظمة قائمة على أسس لا صلة لها بالدين، ولا تعترف بشريعة الله. وبذلك يحقق الغزاة هدفهم من غزو الأفكار والنفوس والقلوب، وهدفهم من غزو سلوك المسلمين، وهذا يمهد لعمليات الاحتلال الكامل، الذي تعدو به على الأمة عوادي الكفر. (٣) .

стр. 11868

٣ـ آثار الغزو الفكري في الصحة: حينما أيقن أعداء الله أنه لا سبيل إلى الإسلام وعقيدته حية في قلوب المسلمين فكان بداية التبشير مع نهاية الحروب الصليبية فشلًا في مهمتها، وهو ما يصرح به (ملخص تاريخ التبشير) (١) يقول القسيس المبشر زويمر: إن جزيرة العرب التي هي مهد الإسلام لم تزل نذير خطر للمسيحية (٢) . ويكمل وليم جيفور بالكراف المعنى فيقول: متى توارى القرآن ومدينة مكة وبلاد العرب، يمكننا حينئذ أن نرى العربى يتدرج في سبيل الحضارة التي لم يبعده عنها إلا محمد وكتابه (٣) . واتخذ التبشير لدعوة المسلمين أساليب عديدة من أوضحها ما يأتى: (أ) المدارس المختلفة التي فتحت في أرحاب العالم الإسلامي، وتحدثت عنها بشيء من التفصيل فيما تقدم (راجع آثار الغزو الفكري في التعليمِ) . (ب) ومن أخطر هذه الوسائل البعثات المسيحية الغربية، وأول مثل لأثر البعثات ما حدث لرفاعة الطهطاوى الذي أقام في باريس من سنة ١٢٤٢هـ (١٨٢٦م) إلى سنة ١٢٤٧هـ (١٨٣١م) فقد عاد ذلك الشيخ بغير العقل الذي ذهب به (٤) وقس على الشيخ رفاعة.. من ذهبوا بعده (٥) . (جـ) ثم تأتى سائر وسائل التبشير؛ فتح المستشفيات، وبعث الإرساليات الطبية التي يقرر كثير من المبشرين في مؤتمرات وكتاباتهم.. أنها أدت إلى نتائج أسرع وأفضل من عمل القسس التبشيرية. يقول الطبيب بول هاريسون في كتابة (الطبيب في بلاد العرب) : لقد وُجدنا في بلاد العرب لنجعل رجالها ونساءها نصارى (٦) .

стр. 11869

ويذكر الأستاذ أبو الحسن الندوى في كتابه (الصراع بين الفكرة الإسلامية والفكرة الغربية) : أن الأفغانيين الذين خلعوا ملكهم أمان الله خان لأنه سمح لزوجته أن تخرج سافرة قبلوا بعد ذلك أن يلغوا الحجاب، وتم ذلك عن طريق القابلات ودور الولادة الطبية التي أنشأها المبشرون. وقد صنف القسيس زويمر كتابًا جمع فيه بعض تقارير عن التبشير وسماه (العالم الإسلامي اليوم) . جمع هذا الكتاب ونشره القسيس (فلمينغ) الأمريكي وكتب عليه هذه الكلمة (نشرة خاصة) بمعنى أنه طبع لينتقل في أيدي فئة خاصة من رجال التبشير لا ليطلع عليه كل الناس , وقد ضمّنه المباحث التي دارت في مؤتمر القاهرة واختتمه بنداءين استنهض بأحدهما همم رجال النصرانية ليجمعوا قواهم ويتضافروا بأعمال مشتركة وعمومية فيستولوا على أهم الأماكن الإسلامية، والنداء الثاني خاص بأعمال نسائية. أما الفصل الأول من الكتاب فيبحث في الطريقة التي ينبغي انتهاجها في التبشير، وعما إذ كان مفيدًا ضم إرساليات تبشير المسلمين إلى إرساليات تبشير الوثنيين وفضّل بقاءهما منفصلين. وفيه البحث أيضًا عما إذا كان الإله الذي يعبده المسلمون هو إله النصارى واليهود أم لا؟ وقد صرح (الدكتور لبسيوس) في مؤتمر القاهرة بأن إله الجميع واحد إلا أن القسيس زويمر خالفه في هذا الرأي فقال: إن المسلمين مهما يكونوا موحدين فإن تعريفهم لإلههم يختلف عن تعريف المسيحيين، لأن إله المسلمين ليس إله قداسة ومحبة. وفي الفصل الثاني والثالث بحث في الصعوبات التي تحول دون تبشير المسلمين العوام, وذكر الوسائل التي يمكن استجلابهم بها وتحبيب المبشرين إليهم، وأهم هذه الوسائل العزف بالموسيقى الذي يميل إليه الشرقيون كثيرًا، وعرض مناظر الفانوس السحرى عليهم، وتأسيس الإرساليات الطبية بينهم ... إلخ، وقد بحث مؤتمر القاهرة التبشيرى الذي عقد سنة ١٩٠٦م مسألة إرساليات التبشير الطبية، فقام المستر (هارير) وأبانَ وجوب الإكثار من الإرساليات الطبية، لأن رجالها يحتكون دائمًا بالجمهور، ويكون لهم تأثير على المسلمين أكثر مما للمبشرين الآخرين. وهنا ذكر (المستر ربر) حكاية طفلة مسلمة عني المبشرون بتمريضها في مستشفي مصر القديمة , ثم ألحقت بمدرسة البنات البروتستانية في باب اللوق، وكانت نهاية أمرها أن عرفت كيف تعتقد بالمسيح بالمعنى المعروف عند النصارى، إلى غير ذلك من الأمثلة.

стр. 11870

ثم قام الدكتور أراهاس طبيب إرسالية التبشير في طرابلس الشام فقال: إنه قد مر عليه اثنان وثلاثون عامًا وهو في عمله لم يفشل إلا مرتين فقط وذلك عقب منع الحكومة العثمانية أو أحد الشيوخ لاثنين من زبائنه من الحضور إليه. وأورد إحصاء لزبائنه فقال: إن ٦٨ % منهم مسلمون ونصف هؤلاء من النساء.. وختم كلامه قائلا: يجب على طبيب إرساليات التبشير أن لا ينس ولا في لحظة واحدة أنه مبشر قبل كل شيء ثم هو طبيب بعد ذلك. (١) . وقام بعده الدكتور تمبانى وذكر الصعوبات التي يلقاها الطبيب في التوفيق بين مهتني التبشير والطب كما حدث معه هو، إلا أن ما بذله من المجهودات قد أعانه على النجاح حتى تمكن من تأسيس مستشفي التبشير من طريق الاكتتابات , وكان أول مكتتب لهذا المستشفي التبشيرى رجلًا مسلمًا (٢) . وما تزال الإرساليات الطبية التي تعتبر من أخطر أدوات الغزو الفكري منتشرة في كثير من بلاد المسلمين. وتدخل إلى هذه البلاد الإسلامية تحت أسماء وشعارات متعددة.

стр. 11871

٤- آثار الغزو الفكري في السياسة: أما في عالم السياسة فلم يكن الأمر أقل سوءًا، بل ربما كان أشد خطورة.. لقد حاول نابيلون من قبل تنحية الشريعة الإسلامية، ووضع (قانون نابليون) بدلًا منها. ومنذ أن تسلط الغرب الصليبي على الشرق الإسلامي.. أخذ يحدث التغيير السياسي اللازم.. لبقاء سيطرته أولًا ثم لتحقيق الهدف من هذه السيطرة ثانيًا فكان: إحتلال فرنسا للجزائر سنة ١٨٣٠، ولتونس سنة ١٨٨١م، ومراكش سنة ١٩١٢م، وللشام سنة ١٩٢٠م، وكان احتلال بريطانيا سنة ١٨٥٧م للهند إيذانًا بزوال إحدى الدول الإسلامية الكبرى التي قامت في مستهل القرن التاسع عشر، وإحتلالها لمصر سنة ١٨٨٢م، وللعراق سنة ١٩١٤م، ولفلسطين سنة ١٩٢٠م. وقد كان هذا التوزيع نتيجة للاتفاق المبرم بين بريطانيا وفرنسا سنة ١٣٢٢هـ ١٩٠٤م عن جانب من سياسة تقطيع أوصال العالم الإسلامي (١) . وصحب ذلك التقسيم إثارة القوميات المختلفة كالقومية الطورانية في تركيا،والقومية العربية في البلاد العربية، حتى اقتتل المسلمون تحت قيادة النصارى باسم القومية والتحرير. وقد صحب ذلك دعوة خبيثة إلى العلمانية.. بمعنى فصل الدين عن الدولة تبنتها جماعات مشبوهة الصلات والأهداف ... القومية العربية كبديل عن الإسلام: وكان الشيء الخطير في هذه الدعوة إلى (القومية العربية) أنهم جعلوها بدلًا عن الإسلام ورسالة محمد ﷺ (٢) من أن العروبة بغير الإسلام، تصبح لفظًا بلا معنى، وجثة بلا روح. وماذا يبقى في تاريخ العرب لو أننا فرغناه من تاريخ الإسلام، وأمجاد المسلمين, وما خلفه أعلامهم وعلماؤهم وأبطالهم من روائع؟ هل يبقى فيه إلا حرب البسوس وداحس والغبراء وغيرها من أيام العرب، وغارات بعضهم على بعض. مضافًا إليها بعض قصص الكرم والشجاعة والنجدة التي لا تكون تاريخًا له اعتبار (٣) .

стр. 11872

ولقد خطط أعداء الإسلام لوقف الزحف الإسلامي الذي كانت تقوده تركيا على أوروبا , ثم لما توقف المد الإسلامي، وانتقل البحث إلى كيفية تقطيع أوصال الخلافة.. ثم القضاء على الخلافة بعد ذلك. ومهما يكن من أخطاء وقع فيها سلاطين تركيا, وفي مقدمتها التفرقة الظالمة بين بنى الدين الواحد، وتميز الأتراك على غيرهم من بنى الأوطان الأخرى، فبالرغم مما أخذ على هؤلاء السلاطين، فلقد كانت الخلافة تُظل المسلمين وتجمع شملهم، وترهب عدو الله وعدوهم. ولم يكتف أعداء الإسلام بتقطيع أوصال دولة الخلافة، بل جاوزوا ذلك إلى القضاء على الخلافة نفسها.. ومنع قيامها بعد ذلك في أي بلد إسلامي. لقد تم لهم ما أرادوا بإلغاء مصطفي كمال ـ الشهير بأتاتورك ـ الخلافه استجابة للتخطيط اليهودى الصليبي (١) ولقد ترتب على ذلك نتيجة خطيرة ـ أصبحت منذ ذلك الحين جزءًا من واقع هذه الأمة ـ هي استيراد النظم والمبادئ ـ المسلمين ـ من عند أعداء الإسلام, فقد كانت هذه هي المره الأولى في حياة الأمة، التي تستورد فيها (المبادئ) من خارج الإسلام، وتستورد النظم ـ السياسية والاقتصادية والاجتماعية ـ من خارج الإسلام. وتوالت جهود أعداء الله من اليهود والنصارى لحرب الإسلام والمسلمين على ما يقرب من قرنين من الزمان بلا هوادة ولا توقف، بل بعنف متزايد على الدوام.

стр. 11873

وقد اتخذت هذه الجهود صورتين مختلفتين على فترتين متميزتين من الزمن، وإن كانت الفترة الثانية قد اعتمدت على الأولى اعتمادًا كبيرًا. المرحله الأولى: تمتد بصفة عامة إلى الحرب العالمية الثانية، حيث كانت السيطرة الصليبية (اليهودية) في يد بريطانيا وفرنسا، وهما اللتان تقومان ـ أساسًا ـ بمحاربة الإسلام، وزحزحة الأمة الإسلامية عنه. وتبدأ المرحله الثانية: من بعد الحرب العالمية الثانية، حيث انتقلت السيطرة الصليبية (اليهودية) إلى أمريكا، وتولت هي ـ أساسًا ـ حرب الإسلام، وإن كان حرب الإسلام ـ دائمًا جهدًا مشتركًا بين كل أعدائه. يقوم كل منهم بنصيبه فيه. (١) . وقد كان الشعار المرفوع في الفترة الأولى هو (الوطنية) من جهة و (الديمقراطية) من جهة أخرى، والذي يقوم باللعبة هو الأحزاب السياسية التي صنعها الغرب لتخدم أهدافه بعملية (التغريب) . ولم يكن الإسلام في هذه الفترة يحارب حربًا دموية عنيفة ـ وإن كانت الحرب الدموية وقعت في نهاية هذه الفترة ـ وإنما تسلل أعداء الله إلى المسلمين عن طريق الغزو الفكري، وعن طريق الغزو الفكري، وعن طريق مناهج التعليم ووسائل الإعلام، وعن طريق إخراج المرأة إلى الشارع وإفساد أخلاقها وتحويلها في (فتنة) لنفسها وللرجل , وعن طريق إيجاد مؤسسات لا تحكم بما أنزل الله، وإعطائها ثقل (الأمر الواقع) الزعم بأنها هي الصورة الوحيدة الممكنة. في تلك الفترة عني المخططون بعدم مهاجمة الدين هجومًا صريحًا مباشرًا ـ وإن هوجم تحت شعار محاربة (التقاليد) العتيقة البالية ـ وقد قلص الإسلام من الحياة العامة تقليصًا لعامة تقليصًا كبيرًا، ونحيت الشريعة الإسلامية عن الحكم.

стр. 11874

وحينما تسلمت أمريكا راية الحرب الصليبية اليهودية ضد الإسلام ـ تميز عهدها بتغيرات جذرية في (اللعبة) السياسية. فقد استخدمت لحرب الإسلام في المنطقة العربية بالذات عنصرين جديدين تمامًا، ولا عهد للمنطقة بهما: أولهما الانقلابات العسكرية يتلخص في الآتى: ١- لأنها تلبى الأوامر الخارجية، وتلتزم بها حرفيًّا، وهذا راجع إلى ما تعلموه في الحياة العسكرية. ٢- لأن سيطرتها على الحكم أقوى , وتستطيع أن تقضي على أي معارضة. ٣- وقد أعدت إعدادًا خاصًّا يجعلها (علمانية) و (غربية) لا تنكر الإنحلال لنفسها ولا لغيرها، ومن ثم فهي أنسب الفئات لتنفيذ مخطط الإبعاد من الإسلام. ٤- أنها تقطع الطريق على أي عناصر دينية تريد أن تصل إلى الحكم عن الطريق الشعبي العادي (١) . ... إلى غير ذلك من الوسائل التي يمكن بها السيطرة على الحكم في أي بلد ويظهر لنا من كل ما تقدم أن أعداء الإسلام قد اتفقوا على علمنة التعليم وعلمنة الإعلام، وعلمنة المجتمع كله عن طريق المرأه والشباب ... ليبتعد بذلك عن الإسلام. ونجد ذلك في الدول الإسلامية رغم اختلاف نظم الحكم الحاكمة.. لأن التغيير السياسي وإن اختلف أسلوبه.. فالهدف لا يختلف وهو التغيير الاجتماعي أو التغريب، أو بعبارة أوضح: الإبعاد عن الإسلام. وهو في نفس الوقت أن تتجه الأمة الإسلامية إتجاهًا علمانيًّا وطنيًّا أو قوميًّا، وهو في بدايته ونهايته اتجاه دخيل، يتخذه الغرب قبلة وإماما في جل شؤون الحياة، وعلى هذا الأساس يمكن الإشارة إلى عناصر هذا الاتجاه كما طبقت في العالم الإسلامي؛ وأهم هذه العناصر والمقومات هي: ١- العلمانية، بمعنى فصل الدين عن الدولة. ٢- النزعة الوطنية والقومية. ٣- الاقتصاد الرأسمالي والإقطاعي. ٤- الحرية الشخصية ـ بالمفهوم الغربي ـ وخاصة حرية في التبرج والاختلاط. ٥- التمكين لقوانين الأجنبية الوضعية. ٦- ظهور الحياة النيابية البرلمانية وإعلان أن الأمة مصدر السلطان. وكان لهذه العناصر أثر بارز في حياة الأمة الإسلامية المادية والروحية، الفكرية والسلوكية، الفردية والاجتماعية (٢) .

стр. 11875

٥- آثار الغزو الفكري في وسائل الإعلام. إن الغزو الفكري لم يقف على مناهج التعليم فحسب، في حربه مع الإسلام، وإنما تعدى ذلك إلى أداة أخرى لا تقل خطرًا إن لم تكن أخطر، تلك هي وسائل الإعلام على تنوعها واختلافها. لقد أدرك المستعمرون ما لهذه الوسائل الإعلامية من خطر فاستخدموها إستخدامًا ناجحًا في غزوهم الفكري المنظم لأمة الإسلام. يقول مؤلفا (التبشير والاستعمار في البلاد العربية) (١) التبشيرية الأجنبية: (إن الصحافة لا توجه الرأي العام فقط، أو تهيئه لقبول ما ينشر عليه بل هي تخلق الرأي العام) . ووسائل الإعلام المتخلفة من صحافة وإذاعة وتليفزيون وسينما مسخرة لإشاعة الفاحشة، والإغراء بالجريمة، والسعي بالفساد في الأرض بما ترتب على ذلك من زعزعة للعقيدة في النفوس، وتحطيم للأخلاق والقيم والمثل.. وهما ـ العقيدة والأخلاق ـ أساس لبناء الإسلام فإذا انهدم الأساس فكيف يقوم البناء؟ وأجهزة الإعلام أشد خطرًا من المدارس والجامعات، فهي تخاطب جميع فئات الأمة؛ متعلمين وغير متعلمين، وصغارًا وكبارًا، ونساء ورجالًا، وحضريين ورييفين، وأغنياء وفقراء، وقد شكلت هذه الأجهزة وفق قيم ومناظر بعيدة عن الإسلام عقيدة وشريعة (٢) . وإذا كانت السيطرة على أجهزة التعليم والتشريع متعذرة في بعض البلاد فإن التغلغل إلى أجهزة إعلامه الداخلية، وإغراق سوقه بمنتجات إعلامية موجهة وجهة تغريبية يضمنان تطبيع أجياله تطبيعًا مدمرًا. وإذا كانت المدارس تقوم بتدريس الدروس الدينية، والمساجد ما زالت عامرة بالمصلين فإن توجيه عشرات أجهزة الإعلام توجيهًا تغريبيًّا يضمن حدوث خلل نفسى, وتناقض وجدانى، وتمزق عقلى، وإزدواج في الشخصية. وبذلك استطاع الغزو الفكري أن يخلق أجيالًا وفق قيم معينة تتصادم مع قيم أخرى مبثوثة هنا وهناك.

стр. 11876

وهذه من أخبث حيل التشويه في فكر المسلمين وقيمهم، فإذا كانت المدارس تضم ملايين، فإن الإذاعة والتلفاز تتعامل يوميًّا مع ملايين أكثر عددًا، وأقل حصانة، وإذا كانت الدول الإسلامية تستطيع فرض رقابة على مدارسها وجامعاتها، إلا أنها لا تستطيع أن تفرض سلطتها على البرامج الإذاعية التي تبث من عواصم دول أجنبية، كما لا تستطيع أن تحكم في الأفلام السينمائية وأفلام الفيديو، وإن كثيرًا من الأفلام والشرائط تهرب بطرق بعيدة عن رقابة الدولة. والعالم اليوم أصبح أشبه بقرية صغيرة، وزالت الحدود والحواجز أمام أجهزة الإعلام المتطورة في هذا العصر. وإن كثيرًا من الإذاعات المسموعة والمرئية داخل الأقطار الإسلامية وخارجها إنما تجرى على سياسة إشباع الشهوات، لا التوجيه والإرشاد، والإرشاد كثيرًا من برامجها يفسد ولا يصلح، فقصصها المسلسلة مثار للفزع الذي يقلق النفوس ويسقم الناشئة ويجنح بطبائعهم إلى الانحراف. وقد يكون تأثير مثل هذه البرامج والمسلسلات الملفقة والحوادث المصنوعة ضعيفًا على كبار النفوس وناضجى العقول من ذوى التجربة والمثقفين، لأنهم لا يندمجون فيما يسمعون، فهم دائمًا على ذكر من أن الذي يسمعونه هو مجرد أوهام لا تمت للواقع بصلة، ولكن الشباب والأطفال وضعاف العقول لا يفرقون بين ما يسمعونه في الإذاعة وبين ما يشاهدونه في الحياة, ولا يميزون بين القصة التي يشاهدونها على لوحة الخيال وبين واقع الأمر في الحياة, فهم يندمجون اندماجًا كاملًا فيما يرون وما يسمعون من ذلك كله. فتجذبهم الأحداث إلى الهياج تارة وإلى البكاء تارة أخرى، وتنطبع آثارها في نفوسهم فتصبح جزءًا أصيلًا من مشاهداتهم وتجاربهم، بل إنها تصبح أجمل من كل ما شاهدوا وما جربوا لما يحيطها من عوامل الإغراء والإقناع والتأثير التي افتن فيها مخرجوها وبلغوا في ذلك أقصى الطاقة والجهد (١) , والهدف من القصص والمسرحيات التي تنشر من خلال وسائل الإعلام ـ هو تحطيم القيم الإسلامية التي تمنع الاختلاط وتنفر من الفاحشة والتحلل الخلقي.. فقد كانت هذه القيم مع ضعفها في حياة المسلمين ٠ عقبة ضخمة في سبيل الإفساد الخلقي الهائل الذي تهدف الصليبية إلى إحداثه في المجتمع الإسلامي. وكذلك من وسائل الإعلام المدمرة الترجمة من اللغات الأجنبية إلى لغات المسلمين , فترجمت كثير من كتب القصص الغرامي والفن، وقد كان الفن الذي يترجم هو الفن الذي تخلص تمامًا من القيم الدينية، وراح يدعو إلى إقامة مجتمع حر (طليق) من تلك القيم، مجتمع يهبط تدريجيًّا حتى يصبح مجتمعًا حيوانيًّا في النهاية، ولم تكن هذه النهاية واضحة في القرن الماضي كما هي واضحة اليو لكل ذى حس سليم، وقد كان هناك تشجيع خفي لنشر هذا الفن وترويجه بين الشباب خاصة. الهدف من ذلك واضح (٢) .

стр. 11877

أما الكتب التي تحمل الفكر (العلمانى) فالهدف من ترجمتها يوضحه (أ. شاتيليه) في مقدمة كتاب (الغارة على العالم الإسلامي) بقوله: (ولا شك في أن إرساليات التبشير من بروتستانتية وكاثولوكية، تعجز عن أن تزحزح العقيدة الإسلامية في قلوب منتحليها، ولم يتم لها ذلك إلا ببث الأفكار التي تتسرب مع اللغات الأوروبية، فبنشرها اللغات الإنجليزية والألمانية والهولندية والفرنسية يحتك الإسلام بصحف أوروبا، وتمهد السبيل لتقدم إسلامي مادي وتقضي إرساليات التبشير لبناتها من هدم الفكرة الدينية التي لم تحفظ كيانها وقوتها إلا بعزلتها وانفرادها) (١) . أما الصحافة فشأنها أعظم في نشر الغزو الفكري، فقد استغل المبشرون الصحافة في كثير من بلاد المسلمين، وعلى الأخص في مصر، حيث قامت الصحافة بدور من أخطر الأدوار في حملة (التغريب) فإن مصر في نظر المخططين هي مركز التوجيه الروحي والثقافي بسبب موقعها الجغرافي ومكانتها التاريخية، وبسبب وجود الأزهر فيها.. فإذا أمكن إفسادها من الناحية الإسلامية كان ذلك عونًا كبيرًا للذين يخططون لإفساد العالم الإسلامي كله؛ لأن الفساد سيصدر يومئذ وعليه خاتم القاهرة، فيكون أفعل في الإفساد مما لو جاء وعليه خاتم لندن أو باريس (٢) . يقول المستشرق الإنجليزى المشهور (جب) في كتابه (وجهة الإسلام) متحدثًا عن أهمية الصحافه في مجال الغزو الفكري (٣) : (والواقع أن المدارس والمعاهد العلمية لا تكفي، فليست هي في حقيقة الأمر إلا الخطوة الأولى في الطريق، لأنها لا تغنى شيئًا في قيادة الاتجاهات السياسية والإدارية) . وللوصول إلى هذا التطور الأبعد ـ الذي بدونه تظل الأشكال الخارجية مجرد مظاهر سطحية ـ يجب ألا ينحصر الأمر في الاعتماد على التعليم في المدارس الابتدائية والثانوية، بل يجب أن يكون الاهتمام الأكبر منصرفًا إلى خلق رأي عام، والسبيل إلى ذلك هو الاعتماد على الصحافة. ويقرر (جب) : (أن الصحافة هي أقوى الأدوات الأوروبية وأعظمها نفوذًا في العالم الإسلامي) . كما يقرر (أن مديري الصحف اليومية ينتمون في معظمهم إلى التقدميين) ولذلك كان معظم هذه الصحف واقعًا تحت تأثير الأراء والأساليب الغربية. ويستعرض الكاتب بعد ذلك صحافة العالم الإسلامي مشيرًا إلى ما بينها من فروق فيقول: (إن الصحافة التركية هي بطبيعة الحال وطنية لا دينية، وهي لا تجرؤ على أن تكون دينية، لأنها مراقبة من الحكومة مراقبه شديدة، أما الصحافة المصرية فهي على العكس من اتجاه الأول ـ الثورى ـ تتطور في بطء وتعرض طائفة من الآراء الجديدة، وهي على كل حال لا دينية في اتجاهتها.

стр. 11878

وللأسباب التي ذكرتها وغيرها مما لم أتطرق إليه ـ فإن الدراسات الاجتماعية والتربوية المعاصره تعتبر (صناعة الإعلام) من أخطر وأهم الصناعات على الصغير والكبير، المتعلم والأمى، والمسلم وغير المسلم. وإذا كانت الانقلابات العسكرية تستهدف أول ما تستهدف الاستيلاء على الإذعة والتلفاز، فإن أجهزة الغزو الفكري تستهدف ذلك بنفس الدرجة وبذات الأهمية، ولكن بطريق ذكية، وبناء على خطة بعيدة المدى. وإذا كانت المجتمعات الإسلامية تشكو من ارتفاع نسبة الأمية الأبجدية، فلتكن السيطرة الغازية إذن على المسموع والمشاهد، ولتستمر بذلك الأمية الأبجدية، ولتضاف إليها أمية دينية، وأمية ثقافيه، ولتحل محلها شخصيات ممسوخة قد تحللت من الدين عقيدة وشريعة. وقد أوصى المؤتمر العالمى لتوجيه الدعوة وإعداد الدعاة المنعقد في عام ١٣٩٧هـ الموافق ١٩٧٧م بالمدينة المنورة ـ على ساكنها أفضل الصلاة وأزكى السلام ـ وقد ندد هذا المؤتمر بحال الإعلام في البلاد الإسلامية: (ويندد المؤتمر بالهوة السحيقه التي تردى فيها إعلامنا ولا يزال يتردى، عن علم القائمين به أو عليه أو عن جهل منهم، فبدلًا من أن يكون الإعلام في البلاد الإسلامية منبر دعوة للخير، ومنار إشعاع للحق صار صوت إفساد وسوط عذاب.. وسكت القادة فأقروا بسكوتهم أو جازوا ذلك فشجعوا وحموا.. وزلزلوا الناس في إيمانهم وقيمهم ومثلهم، ولم يعد الأمر يحتمل السكوت من الدعاة إلى الحق) (١)

стр. 11879

المحور الثاني أساليب الغزو الفكري في التشكيك وسوف أتناول الموضوع بشئ من التفصيل، حتى يتضح لنا مدى خطورة الغزو الفكري، وأثره في تشوية الإسلام، وزعزعة العقيدة الإسلامية عند ضعيفي الإيمان. ١- الطعن في القرآن الكريم: إذا كان للمسلمين تراث يعتزون به فليس هناك أعز عليهم من القرآن الكريم، ذلك أن القرآن رسالة السماء إلى الأرض حملها المسلمون ليكونوا خلفاء الله في أرضه، وقادة هذا العالم، وبناة حضارته، وهداته الراشدين. ومنذ تلقاه الرسول ﷺ بدأت أولى خطواته في دنيا الناس ليأخذ مسيرته، وأخذ المسلمون إذ ذاك يرصدون حركته، ولقد كان لمعاصريه جلي السيرة واضح القسمات والمعالم، فقد شاهدوا كيف تلقاه النبى وحيًا منزلًا على مدى ثلاثة وعشرين عامًا، لاتغيب عنهم شاردة ولا واردة، حتى يقسم ابن مسعود رضى الله عنه على أنه ما من آيه نزلت من كتاب الله إلا وهو يعلم فيمن نزلت: وأين نزلت. قال ابن كثير: (قال عبد الله بن مسعود: والذي لا إله غيره ما نزلت آيه من كتاب الله إلا وأنا أعلم فيمن نزلت وأين نزلت، ولو أعلم أحدًا أعلم بكتاب الله منى تناله المطايا لأتيته) (١) وسئل عكرمة عن آية من القرآن فقال: نزلت في سفح ذلك الجبل وأشار إلى (سلع) (٢) . وحشد الصحابة جهدهم مع البنى ﷺ فتلقوه عنه حفظًا في الصدور وتسجيلًا في السطور، حتى غدت أعمالهم في العناية به والدفاع عنه جزءًا من تاريخ الإسلام والمسلمين. ومحاولة تشوية القرآن الكريم قديمة ممتدة في التاريخ الإسلامي، مواكبة لحياة الرسول ﷺ , حمل لواءها أعداء الإسلام من اليهود، ومن النصارى والوثنين أجيالًا بعد أجيال إلى يومنا هذا. إن من أخطر ما يواجه المثقفين المسلمين اليوم أن يجدوا بين أيديهم موسوعات ومؤلفات تقدم لهم الفكر الإسلامي، من وجهة نظر (غربية نصرانية) تختلف اختلافًا أساسيًّا عن مفهوم الإسلام الأصيل، وقد كتبت هذه الدراسات والموسوعات من خلال هدف واضح هو (تغريب) الفكر الإسلامي وتزييف مفاهيمه وإثارة الشبهات حول حقائقه (٣) .

стр. 11880

ومن دوائر المعارف التي عبثت بالقرآن الكريم وتعمدت تشويهه كتاب (دائرة المعارف الإسلامية) وبخاصة من كَتَبَ منهم في التعريف بكلمة (الله) ، وهو المستشرق الحاقد الخطر (ماكدونالد) حيث أساء هذا المستشرق وأخطأ وتخبط وأضر بنفسه وبالحقيقة العلمية أكثر مما أضر بالإسلام أو بالقرآن الكريم أو بالرسول محمد ﷺ . وإن المطلع على ما كتبه هذا المستشرق في دائرة المعارف (١) يرى ما تخبط فيه هذا الكاتب من جهل بتاريخ العقائد عند الجاهلين، ولا يعرف أصول التعبير العربى الصحيح، وقد أعماه تعصبه عن الحق، فقد اتهم هذا المستشرق القرآن بأنه من عند محمد ﷺ وليس من عند الله، وتلك هي الطعنة التي يوجهونها للقرآن ويلحون في إثباتها بقول (ماكدونالد) في حديثه ذاك: ( ... كما أنه من المحقق أن أهل مكة جعلوا بينه وبين الجِنة نسبًا.. وجعلوهم شركاء لله.. وقدموا لهم القرابين وكانوا يعوذون بهم، ولسنا نعلم علم اليقين: هل كانت قد وجدت لديهم فكرة عن الملائكة، أو أنهم جعلوهم شركاء لله، وربما كان هذا تفسيرًا من عند محمد) (٢) . والذي يعيننا من هذه العبارة ادعاؤه أن القرآن الكريم تفسير من عند محمد ﷺ والعجيب أنه بينما يدعى هذه الدعوة الباطلة تجده يعتمد في كلامه أحيانًا على آيات قرآنية. وممن قال بمثل رأي هذا المستشرق مستشرق آخر وهو (جب) فقد تحدث هو الآخر عن القرآن الكريم وأنه من تأليف محمد فيقول: (إن محمدًا ككل شخصية مبدعة قد تأثر بضرورات الظروف الخارجية المحيطة به من جهة، ثم هو من جهة أخرى قد شق طريقًا جديدًا بين الأفكار والعقائد السائدة في زمانه والدائرة في المكان الذي نشأ فيه) .

стр. 11881

ثم يواصل (جب) حديثه عن محمد ﷺ والقرآن فيقول: (إن مكة كانت في حياة زاخرة بالتجارة والسياسة والدين، وإنه وجدت فيها زعامة وزعماء، وإنه وجد ظلم اجتماعي بين سكانها، وإن الرسول محمدًا انطبعت في نفسه كل هذه الجوانب، وكان على وعي تام بها، ترى آثارها في حياته وفي قرآنه وفي كفاحه إلى أن مات) (١) . وافتراءات (جب) واضحة البطلان بينة البهتان تفقد المنطق وتجانب الصواب، وخلاصة ما يرى (جب) أن محمدًا ﷺ قد تأثر بالبيئة التي عاش فيها وشق طريقه بين الأفكار والعقائد الشائعة في بيئته، فالقرآن كما يرى (جب) من صنع محمد ﷺ ومن ملاءمات هذه البيئة التي عاش فيها. وقمة الباطل عند (جب) ادعاؤه بأن القرآن الكريم كان أثرًا من آثار إحساس الرسول ﷺ بالظلم الاجتماعي الذي ساد أهل مكة، وأن أثر هذا الإحساس وهو القرآن الكريم بدأ واضحًا في حياة الرسول ﷺ وفي كفاحه إلى أن مات) (٢) . وقد ردد نفس التهم المستشرق (هـ. ج. ويلز) والهدف من ذلك واضح وهو تشويه القرآن وتشويه الإسلام، فقد ردد هذا المستشرق أن القرآن الكريم من صنع محمد ﷺ وقد ذكر ذلك في مواضع من كتابه الذائع الصيت: (معالم تاريخ الإنسانية) الذي ترجم إلى العربية، وطوف آفاق العالم الإسلامي، وحظي بالرضا والقبول من الدارسين (٣) . كما آثار المستشرقون ـ بمنهجهم الاستشراقي الذي يقوم على جمع الآراء والظنون والأوهام ـ شبهات أخرى حول القرآن، تحاول أن تجتث أصوله لتأتي على قواعد هذا الدين، وهم نصبوا أنفسهم للقضاء عليه.

стр. 11882

وبحسبي أن أذكر بعض هذه الشبهات حول تاريخ القرآن الكريم، على سبيل الإجمال دون الخوض في تفاصيلها لأن ذلك يحتاج إلى بحث منفصل وهي كما يلي: (أ) روايات وشبهات حول تدوين القرآن: ثبت في صحيح السنة أن النبى ﷺ جمع القرآن حفظًا، ثم ظاهر الحفظ وأكده بكتابة النص القرآني، فاتخذ كُتّابًا للوحي بلغت عدتهم على ما جاءت به الروايات، ثلاثة وأربعين، وكان من بينهم الخلفاء الأربعة، والزبير بن العوام، وغيرهم، وكان زيد ألزم كتاب الوحي للنبي (١) . وقد وردت روايات أخرى صحيحة تؤكد صحة ما دون من القرآن (٢) . كما وردت روايات أخرى تتعلق بتدوين القرآن الكريم ـ وهي روايات هزيلة كتلك التي أوردها السيوطي في الإتقان عن زيد بن ثابت قال: (قبض رسول الله ﷺ ولم يكن القرآن قد جمع في شيء) وروايات أخرى في الإتقان (٣) . وقد نقد العلماء أسانيد السيوطي وبينوا أنها تشتمل على بعض الرواة الضُعفاء والمجهولين كما في كتب الرجال والطبقات (٤) . على الرغم من ضعف رواية السيوطي فهي أرجح في نظر المستشرقين لمطابقتها ما روي من خوف عمر، وأبي بكر، رضى الله عنهما، لما استحر القتل بالقراء في موقعة اليمامة فلو كان القرآن قد كتب وجمع لما كانت هناك علة لخوفهما (٥) , كما أورد ابن أبي داود وغيره، بعض الروايات الضعيفة، التي تؤكد الروايات السابقة التي تعلق بها المستشرقون وراحوا يؤكدون من خلالها فكرة عدم تدوين الوحي في حياة النبي ﷺ (٦) .

стр. 11883

(ب) روايات وشبهات حول جمع القرآن: وإذا انتقلنا من التدوين في عهد النبي ﷺ إلى جمع القرآن في عهد أبي بكر ﵁، طالعتنا روايات عدة في قضية من قضايا التسجيل في عهده تشير إلى أن زيدًا ﵁ افتقد بعض آيات القرآن.. ومن تلك الروايات المنسوبة إلى زيد ﵁ قوله: (دعاني أبو بكر ﵁ أن أجمع القرآن.. فجعلت أتتبع القرآن ففقدت آية كنت أسمعها من رسول الله ﷺ لم أجدها عند أحد فوجدتها عند رجل من الأنصار وهي قوله تعالى: ﴿مِنَ المُؤمِنينَ رِجَالُُ صَدَقُوا مَا عَهَدُوُا اللهَ عَلَيهِ ... ﴾ (١) فألحقتها في سورتها (٢) . وجاء في رواية أخرى طويلة، يقول فيها زيد: فتتبعت القرآن أجمعه من العسب واللخاف وصدور الرجال، حتى وجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الأنصاري (٣) لم أجدها مع أحد غيره: ﴿لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ﴾ حتى خاتمة براءة فكانت الصحف عند أبي بكر حتى توفاه الله، ثم عند عمر حياته، ثم عند حفصة بنت عمر) (٤) . وقد يقع قارئ هذا النص في إشكال منشؤه تصريح زيد بأنه لم يجد آخر سورة التوبة إلا مع أبي خزيمة الأنصاري، ويزول هذا الإشكال سريعًا إذا علم القارئ أن غرض زيد أنه لم يجدها مكتوبة إلا مع أبي خزيمة (٥) . وقد كان ذلك كافيًا لقبوله إياها، لأن كثيرًا من الصحابة كانوا يحفظونها، ولأن زيدًا نفسه كان يحفظها: ولكنه أراد ـ ورعًا منه واحتياطًا ـ أن يشفع الحفظ بالكتابة، وظل ناهجًا هذا المنهج في سائر القرآن الذي تتبعه في عهد أبي بكر: فكان لابد لقبول آية أو آيات من شاهدين، هما الحفظ والكتابة (٦) .

стр. 11884

وخلاصة القول في تلك الروايات: أن أبا بكر ﵁ اتخذ الصحف المودعة في بيت النبي ﷺ ركيزة جمعه، وطلب القرآن ممن عندهم محفوظًا أو مكتوبًا، ليعارض المفترق بالمجتمع، وليشترك الجميع في علم ما جمع فلا يغيب عن جمع القرآن أحد عنده منه شيء ولا يرتاب أحد فيما يودع المصحف، ولا يشك في أنه جمع عن ملأ منهم (١) وأن يشهد شاهدان من حفظ أو كتابة على ما يجيء مخالفًا لتلك الصحف أو مفقودًا منها. أما عمل عثمان ﵁ فهو لا يتعدى النسخ لمصحف أبي بكر المجمع عليه، في عدد من المصاحف لينشر النص القرآني المجموع في عهد أبي بكر المأخوذ مما كتب بين يدي النبي ﷺ بإملائه حين دعت الضرورة إلى نص مكتوب يكون للناس إمامًا ليحسم الخلاف حول ما اعترى القرآن على ألسنتهم من تحريف بالزيادة والنقص واستبدال لفظ بلفظ، وليمتاز به التنزيل عما اختلط به من التأويل في المخطوطات المتداولة، وكما جرى على ألسنة العامة توهمًا أنه من الوحي المنزل، وليكون مرجع الناس في الأخذ بالمُستَيقَنِ المعلوم من نصوص الوحي المنزل، وكل نص خالف عنه ترفض قرآنيته، بل وكل مصحف عداه ليست له شرعية البقاء معه. ومن ثم وجب إحراقه وقاية من كل خلاف، وحماية من أي اختلاط (٢) . وقد جاء في رواية ضعف العلماء سندها أن حفصة ﵂ حين أرسل عثمان ﵁ يطلب منها أن ترسل إليه الصحف التي كانت عندها أبت أن تدفعها إليه حتى عاهدها ليردنها إليها , فبعثت بها إليه أخيرًا" (٣) .

стр. 11885

وعلل المستشرقون رواية الامتناع هذه بأن حفصة قد ورثت هذه الصحف عن أبيها ذمة مالية شخصية إذ أن المصحف الذي بدأه أبو بكر في حياته لم ينته إلا في عهد عمر لقصر حياة أبي بكر في الخلافة، ومن ثم رجحت لديهم رواية أن عمر هو أول من جمع القرآن على حد ما زعمه ابن سعد في (الطبقات) .. وأن دوافع هذا الجمع لدى أبي بكر، بمشورة عمر كانت الرغبة في تملك نسخة من القرآن حتى لا يكون رئيس الجماعة في وضع أقل من بعض الصحابة الذين يملكون نسخًا منه. فكلف أحد كتاب الوحي ممن سبق أن استخدمهم محمد ﷺ في هذه الوظيفة بأن يهيئه لهما. ولم يكن في ذهن أبي بكر وعمر أمر فرض مصحف إمام على جماعة المؤمنين (١) . فلقد أراد المستشرقون، أن يضفوا طابع الشخصية على هذا العمل، ليجردوا هذا المصحف من كل ما تميز به من صفة التواتر وقطعية الثبوت، ليستوي مع غيره من مخطوطات الصحابة وبالتالي فليس هو أولى منها بالالتزام والمتابعة (٢) حتى إذا جاء عثمان ليفرض مصاحفه التي حوت ما كان في مصحف أبي بكر وعمر، مع ما ضمه إليها من مقطوعات ظلت مبعثرة أو محفوظة غيبًا ـ لم يستطع ذلك دون مقاومة، فإن الصحابة الذين بذلوا أنفسهم في خدمة محمد ﷺ حتى التضحية بالنفس مثل ابن مسعود قد شعروا بالجور إذ تبينوا أن نصوصهم لم تعتمد أساسًا للمصحف الرسمي (٣) .

стр. 11886

(ج) روايات وشبهات حول القراءات: كما أورد المستشرقون بعض الشبهات حول القراءات، وقد استندت هذه الشبهات إلى روايات ضعيفة، وخلاصة هذه الشبهات: أن ما فعله عثمان بمصاحف الصحابة لم ينه مشكلة الاختلاف حول النص القرآني، لأن القرآن نزل على سبعة أحرف، وأن نص القرآن بحرفه ليس مهمًّا، وإنما المهم هو روحه وأن القراءة التي تقوم على الترداف المحض أمر لا بأس به (١) , فقد صور المستشرقون (قضية القراءات) على أنها اختيار محض، وتصرف غير مسؤول في ألفاظ القرآن ومعناه. وأثاروا من خلال هذا التصور شكوكًا حول النص القرآني المسجل في صحة معناه، وسلامة ألفاظه من التحريف والتبديل. واعتمدوا في مزاعمهم هذه على روايات تصيدوها من هنا وهناك، مثل قول النبي ﷺ : ((القرآن كله صواب ما لم تجعل مغفرة عذابًا، أو عذابًا مغفرة)) . وقوله ﷺ ((اقرءوا ولا حرج ولكن لا تختموا ذكر رحمة بعد عذاب، ولا ذكر عذاب برحمة)) (٢) , كما رووا عن أبي شامة قوله: أنزل القرآن أولًا بلسان قريش ومن جاورهم من العرب الفصحاء، ثم أبيح للعرب الآخرين أن يقرأوه بلغاتهم على اختلافهم في الألفاظ والإعراب (٣) . ولو ذهبت أستقصي شبهات المستشرقين حول القرآن الكريم لما وسعتني مئات الصفحات لأن القرآن الكريم كتاب مقلق للغربيين، ومحيّر لهم ومبلبل لأفكارهم. يقول (بلاشير) : (قلما وجدنا الكتب الدينية الشرقية كتابًا بلبل بقراءته دأبنا الفكري أكثر من القرآن) (٤) . ولكن الأمر في الواقع ليس مجرد قلق أو حيرة أو بلبلة فكرية، وإنما الأمر أبعد من ذلك بكثير، إنه الشعور بخطورة هذا الكتاب. وقد كان للاستشراق دوره في التحذير من خطورة القرآن على العالم الغربي، فقد تكفل بالكشف عن أخطار القرآن طائفة من المستشرقين الذين أخضعوا بحوثهم العلمية للأهواء الشخصية أو الأهداف السياسية والدينية فأعماهم ذلك عن الحق وأضلهم عن سواء السبيل.

стр. 11887

٢ـ الطعن في السنة: السنة النبوية هي المصدر الثاني للإسلام، وقد كان لها الفضل الأكبر في إظهار المراد من الكتاب، وفي إزالة ما قد يقع في فهمه من خلاف أو شبهة. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ (١) . وقال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (٢) . وبهذا كان الرسول ﷺ مأمور بتبليغ ما أنزل الله عليه، ومطالبًا ببيانه. وقد فعل الرسول ما أمره الله به، فكانت سنته المتمثلة في أقواله وأفعاله وتقريراته، بالنسبة للقرآن بمثابة (تفصيل مجمله وبيان مشكله وبسط مختصره) (٣) . وبذلك يكون الارتباط بين القرآن والسنة ارتباطًا لا يتصور أن ينفصم في يوم من الأيام، وقد أكد النبي ﷺ على ذلك حين قال: ((تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما: كتاب الله وسنتي)) (٤) . ومن أجل ذلك اهتم المسلمون اهتمامًا عظيمًا بالسنة بوصفها الأصل الثاني للإسلام، ومصدرًا للأحكام الشرعية مع القرآن، وانعقد إجماعهم على ذلك، ومضى على ذلك الخلفاء الراشدون ومن بعدهم قولًا وفعلًا. وكذلك استمر الصحابة ومن تبعهم بإحسان وفي الرجوع إلى السنة بعد القرآن لمعرفة ما تعبد الله به عباده من الحلال والحرام، وسائر الأحكام في العبادات والمعاملات. واستمر من بعد الصحابة والتابعين فقهاء الأمصار وأئمة المذاهب المتبوعة وأصحابهم وتلاميذهم، وغدت السنة للجميع المصدر الغني الخصب في كل أبواب الفقه (٥) . وقد أراد المستشرقون بعد محاولتهم الفاشلة للتشكيك في القرآن الكريم من جوانب مختلفة، وبعد أن أعياهم البحث ـ ولم يكن لهذه المحاولات أي أثر إيجابي لدى المسلمين المتمسكين بقرآنهم، وتبين أن هذه المحاولات لم تكن إلا كما قال الشاعر العربى: كناطح صخرة يوما ليوهنها فلم يضرها وأوهي قرنه الوعل أراد المستشرقون أن يوجهوا محاولات التشكيك إلى ناحية، وهي السنة النبوية مع الاستمرار في محاولاتهم السابقة الفاشلة (٦) . ومحاولة تشويه السنة عميقة الجذور في تاريخ حربهم للإسلام، وهي محاولات تستهدف حرب القرآن الكريم، وعزل المسلمين عن دينهم بتشويه مصدريه, وهي حرب تدخل حديثًا في الغزو الفكري للمسلمين، وقد جند أعداء الإسلام لتشويه سنة النبي ﷺ أقلامًا وكتبًا ومجلات، ملأوا بهذا التشويه كثيرًا من الكتب والمجلات ودوائر المعارف التي تتحدث عن الإسلام، وتعتبر مراجع لفكره وثقافته عند كثير من الباحثين والدارسين الذين لا يستطيعون قراءة الكتب العربية، بل إن كثيرًا من هذه المراجع ترجم إلى اللغة العربية واعتبره كثير من أبناء العربية مراجع هامة عن الإسلام فكره وتاريخه وثقافته (٧) .

стр. 11888

وأول مستشرق قام بمحاولة واسعة شاملة للتشكيك في الحديث النبوي كان المستشرق اليهودي (جولدتسيهر) الذي يعده المستشرقون أعمق العارفين بالحديث النبوي. ويلخص (بفانموللر) عمل (جولدتسيهر) في هذا المجال فيقول: (لقد كان (جولدتسيهر) أعمق العارفين بعلم الحديث النبوي، وقد تناول في القسم الثاني من كتابه (دراسات محمدية) موضوع تطور الحديث تناولًا عميقًا، وراح ـ بما له من علم عميق, واطلاع يفوق كل وصف ـ يبحث التطور الداخلي والخارجي للحديث من كل النواحي. وقد قادته المعايشة العميقة لمادة الحديث الهائلة إلى الشك في الحديث، ولم يعد يثق فيه مثلما كان (دوزي) لا يزال يفعل ذلك في كتابه (مقال في تاريخ الإسلام) وبالأحرى كان (جولدتسيهر) يعتبر القسم الأعظم من الحديث بمثابة نتيجة لتطور الإسلام الديني والتاريخي والاجتماعي في القرن الأول والثاني، فالحديث بالنسبة له لا يعد وثيقة لتاريخ الإسلام في عهده الأول: عهد طفولته، وإنما هو أثر من آثار الجهود التي ظهرت في المجتمع الإسلامي في عصور المراحل الناضجة لتطور الإسلام، ويقدم (جولدتسيهر) مادة هائلة من الشواهد لمسار التطور الذي قطعه الإسلام في تلك العصور التي تم فيها تشكيله من بين القوى المتنقصة والتباينات الهائلة حتى أصبح في صورته النسقية.. ويصور (جولدتسيهر) التطور التدريجي للحديث، ويبرهن بأمثلة كثيرة وقاطعة كيف كان الحديث انعكاسًا لروح العصر وكيف عملت على ذلك الأجيال المختلفة، وكيف راحت كل الأحزاب والاتجاهات في الإسلام تبحث لنفسها من خلال ذلك عن إثبات لشرعيتها بالاستناد إلى مؤسس الإسلام، وأجرت على لسانه الأقوال التي تعبر عن شعارتها) (١) . وهكذا تم اختراع كم هائل من الأحاديث في العصر الأموي عندما اشتدت الخصومة بين الأمويين والعلماء الصالحين، ففي سبيل محاربة الطغيان والخروج عن الدين راح العلماء يخترعون الأحاديث التي تسعفهم في هذا الصدد، وفي الوقت نفسه راحت الحكومة الأموية تعمل في الاتجاه المضاد، وتضع أو تدعو إلى وضع أحاديث تسند وجهات نظرها، وقد استطاعت أن تجند بعض العلماء الذين ساعدوها في هذا المجال.. ولكن الأمر لم يقف عند حد وضع أحاديث تخدم أغراضًا سياسية، بل تعداه إلى النواحي الدينية في أمور العبادات التي لا تتفق مع ما يراه أهل المدينة، وقد استمر هذا الحال في وضع الأحاديث في القرن الثاني أيضًا (٢) . هذا مجمل المزاعم التي روجها (جولدتسيهر) ليهدم بها الأصل الثاني للإسلام وهو السنة، ولسنا هنا في معرض الرد التفصيلي على هذه المزاعم، لأن ذلك يحتاج إلى بحث منفصل، وقد تكفل الرد على هذه الأباطيل كثير من أهل العلم، ومن أهم الكتب القيمة في هذا المجال كتاب (السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي) للدكتور مصطفي السباعي ـ رحمه الله تعالى ـ فمن أراد التفصيل فليرجع إليه. ومن المستشرقين الذين تطاولوا على السنة النبوية، المستشرق (ماكدونالد) حيث جاء عنه قوله: (يجدر بنا الآن أن نتكلم على الآراء التي أسندها الحديث إلى محمد ﷺ ، على أننا إذا حاولنا أن نجد في الحديث ما نستطيع أن نقطع بصحة نسبه إليه من الوجهة التاريخية، فإن عملنا هذا يكون لاغنى فيه على الإطلاق. فمن الواضح أن هناك أحاديث كثيرة لا يمكن أن تكون قد صدرت عنه. كما أننا لن نستطيع أن نعرف أبدًا الأحاديث التي صدرت عنه حقًّا) ثم يستشهد بأقوال (جولدتسيهر) السابقة في الخلط والتشكيك (٣) . وقد أورد (ماكدونالد) كثيرًا من الشبهات حول الحديث النبوي. ثم يختم (ماكدونالد) كلامه عن الأحاديث النبوية بقوله: (ونستخلص مما تقدم أنه لا شك في أن الأحاديث في ذاتها لا تعتبر أساسًا يمكننا أن نبني عليه الحقائق التاريخية) (٤) . كما تهجَّمَ على السنة النبوية بقصد تشويهها والتشكيك فيها عدد من أعداء الإسلام من المستشرقين والمبشرين والصهيونيين. وخلاصة القول في الاتهامات التي وجهت إلى السنة يمكن إجمالها فيما يأتي: (أ) الادعاء بأن هناك أحاديث كثيرة لا يمكن أن تكون قد صدرت عن النبى ﷺ . (ب) لا يوجد حديث يقطع بصحة نسبته إلى النبى ﷺ . (ج) الادعاء بأن الفرق الإسلامية عندما اختلفت في الآراء أخذ كل منها يضع لنفسه الأحاديث التي يؤيد بها رأيه. (د) الأحاديث النبوية ليست إلا سجلًا للجدل الديني في القرون الأولى، الأمر الذي يجعل لها من هذه الزاوية قيمة تاريخية على الرغم من أن هذا السجل مضطرب كثير الأغلاط التاريخية، مليء بالمعلومات المضللة التي لم تؤخذ من مصادرها الأولى.

стр. 11889

هذا مجمل للاتهامات التي وجهت إلى السنة المشرفة، وجميع هذه الادعاءات لا يستند إلى دليل ولا برهان. ومن الأمور التي لا يختلف فيها اثنان من أهل العلم المحققين أن الأمة الإسلامية هي الوحيدة من بين أمم الأرض، التي حافظت على القرآن والسنَّة، ويشهد بذلك التاريخ نفسه والمنصفون من المؤرخين. يقول أحد العلماء في الرد على (ماكدونالد) وغيره من أعداء الإسلام: (وقد عني المسلمون بحفظ أسانيد شريعتهم من الكتاب والسنة بما لم تعن به أمة قبلهم، فحفظوا أسانيد شريعتهم من الكتاب والسنة بما لم تعن به أمة قبلهم، فحفظوا القرآن ورووه عن رسول الله ﷺ تواترًا آية آية وكلمة كلمة وحرفًا حرفًا، حفظًا في الصدور، وإثباتًا بالكتابة في المصاحف حتى رووا أوجه نطقه بلهجات القبائل، ورووا طرق رسمه في المصحف، وألفوا في ذلك كتبًا مطولة وافية. وحفظ المسلمون أيضًا عن نبيهم كل أقواله وأفعاله وأحواله، وهو المبلغ عن ربه والمبين لشرعه والمأمور بإقامة دينه، وكل أقواله وأفعاله بيان للقرآن، وهو الرسول المعصوم والأسوة الحسنة، قال تعالى: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ (١) , وقال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (٢) . وقال أيضًا: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (٣) . وكان عبد الله بن عمرو بن العاص يكتب كل شيء يسمعه من رسول الله ﷺ فنهته قريش فذكر للرسول ﷺ فقال: ((اكتب فوالذي نفسي بيده، ما خرج مني إلا حق)) (٤) , ففهم المسلمون من كل هذا أنه يجب عليهم أن يحفظوا عن رسولهم كل شيء، وقد فعلوا وأدوا الأمانة على وجهها ورووا الأحاديث عنه بعضها متواترًا إما لفظًا ومعنى وإما معنى فقط، وبعضها يعرف بالأحاديث الصحيحة الثابتة مما يسمى الحديث الصحيح والحديث الحسن، ولم يحتجوا في دينهم بغير هذه الأنواع التي لا يعارض فيها إلا جاحد أو مكابر) (٥) .

стр. 11890

ولعل في بعض ذلك رد على (جولدتسيهر) و (ماكدونالد) وأمثالهما من الحاقدين على الإسلام الراغبين في تشويه مصدريه الأساسيين القرآن الكريم والسنة النبوبة المشرفة، وصفوة القول: إن الأحاديث النبوية لم يتجه إلى دراستها إلا عدد قليل جدًّا من المستشرقين والذين كان لهم نتائج في هذا الميدان لا يتجاوز عددهم أصابع اليد، ومع ذلك فإن بحوثهم لم تكن ناضجة، ومناهج بحثهم لم تكن علمية، ويمثل ذروة هذه الدراسة كتابات (شاخت) التي أصبحت من المصادر الأساسية لكتّاب الغرب بل ولكثيرين من كتاب الشرق أيضًا. وهؤلاء قاموا بأخطر دور في تاريخ البحث العلمي فيما يتعلق بالحديث النبوي وما يتصل به من موضوعات ومن ثم وجهت سهام الطعن إلى السنة النبوية من قبل مختلف الأشخاص ومن الزوايا المتعددة , وتناول كل فريق منهم جانبًا من جوانبها المختلفة ويمكن إجمال ذلك في النقاط التالية: ١- فمنهم من فسر السنة بمعنى (الأمر المجتمع عليه في الأوساط العلمية) وأنه ليس معناها سنة النبي ﷺ . ٢- ومنهم من طعن في حجية السنة النبوية وقيمتها التشريعية. ٣- ومنهم من ادعى أن الأحاديث النبوية لا يمكن الاعتماد عليها، لأن كتابتها تأخرت إلى قرن أو قرون، وربما تكون الذاكرة قد ضعفت في نقلها الأحاديث، وقصرت في الحفاظ عليها خلال هذه الفترة الطويلة. ٤- ومن المستشرقين من شك في الأسانيد وقيمتها العلمية, ومنهم من أثار غير ما ذكرنا من الشبهات والأوهام (١) . ولقد تجمع جل هذه الأفكار فتجسدت في كتابات (شاخت) الذي اكتشف بعد بحث مضن أنه ليس هناك حديث واحد صحيح وخاصة الأحاديث الفقهية وأنها في الواقع ـ على حد زعمه ـ كلام علماء المسلمين من القرن الثاني والثالث الهجريين وأقاويلهم وضعت على لسان النبي ﷺ زورًا وبهتانًا. ونظرًا لما أثير حول السنة النبوية من اعتراضات، وما بذر في طريقها من تشكيكات، أصبح البحث في الأحاديث النبوية ودواوينها أمرًا لازمًا وواجبًا محتمًا، لأن الإسلام وحضارته ومستقبله يقوم على هذا الأساس. ونود أن نشير هنا إلى أننا لا ننكر وجود كثير من الأحاديث الموضوعة المنسوبة إلى النبي ﷺ ، وأن ذلك لم يكن في يوم من الأيام خافيًا على علماء المسلمين في مختلف العصور ولكن الأمر الذي لا شك فيه أيضًا أن علماء المسلمين الذين اهتموا بجمع الحديث النبوي ولم يفرطوا فيه إطلاقًا , في ضرورة التدقيق الذي لاحد له في رواية الحقائق، فقد وضع القرآن أمامهم أهم قاعدة من قواعد النقد التاريخي، في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ (٢) .

стр. 11891

وتتمثل هذه القاعدة في أن أخلاق الراوي تعد عاملًا هامًّا في الحكم على روايته، وقد أفاد المسلمون إفادة عظيمة من هذه القاعدة وطبقوها على رواة الأحاديث النبوية، وقد كان تطبيق هذا المنهج النقدي على رواة الأحاديث هو الذي تطورت عنه بالتدريج قواعد النقد التاريخي (١) . إن الجهود التي بذلها العلماء للعناية بالحديث إنما كانت امتدادًا لجهود الصحابة رضوان الله عليهم في توثيق السنة والعناية بها، وحفظها من كل شائبة. فقد تلقى الصحابة الكرام السنة على أساس أنها جزء من الدين الذي يدينون به، ففي القرآن الكريم الحث على طاعة الرسول ﷺ والتحذير من مخالفته، قال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ (٢) . وقد أحَسَّ الصحابة بالحاجة الملحة إلى أخذ السنة والعناية بحملها وصيانتها وحفظها وتسليمها إلى من بعدهم من الأجيال، وحرصوا على عدم الغلط في الأخذ، وفي الأداء، لأنهم أدركوا خطورة الزيادة أو النقصان على حديث رسول الله القائل: ((من كذب عليّ متعمدًا فليتبوأ مقعده في النار)) (٣) لهذا جدوا غاية الجد وأخذوا بكافة الوسائل التي تحقق لهم أخذ السنَّة أخذًا صحيحًا، وأداءها أداء سليمًا، لا تبديل فيه ولا تغيير، ولا زيادة فيه ولا نقصان. ومن هذه الوسائل. ١- الحرص على سماع الحديث. ٢- التثبت في الرواية أخذا أو أداء: وكانت لهم وسائل متعددة في التثبت من الرواية من أهمها: (أ) المقارنة: فلقد كان أبو بكر أول من احتاط في قبول الأخبار، وخير شاهد على ذلك ميراث الجدة، وتثبته في قبول الخبر الذي ورد بشأنها (٤) , وسن عمر للمحدثين التثبت في النقل (٥) . (ب) طلب إعادة الحديث مع الفاصل الزمني. (ج) الرجوع إلى مصدر غائب: روى نافع قال: قيل لابن عمر: إن أبا هريرة يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((من تبع جنازة فله قيراط من الأجر)) فقال ابن عمر: أكثر علينا أبو هريرة، فبعث إلى عائشة فسألها، فصدقت أبا هريرة. فقال ابن عمر: (لقد فرطنا في قراريط كثيرة) (٦) .

стр. 11892

(د) الرجوع إلى المصدر الأول، وهو الرسول ﷺ (١) . (هـ) الإقرار: عن سماك عن جابر بن سمرة قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إن بين يدي الساعة كذابين)) قال: فقلت له: أنت سمعت هذا من رسول الله ﷺ ؟ (٢) قال نعم. (و) المواجهة: وهي أن الصحابة ﵃ كان إذا بلغهم حديث عن واحد منهم وشكوا فيه ذهبوا إليه واستيقنوا من روايته للحديث، والأمثلة على ذلك كثيرة (٣) . فهذه الآثار معلم واضح على تحري الصحابة، وما كانوا عليه من التثبت والتدقيق في قبول الأخبار صونًا لها من التحريف، وصيانة لها من التبديل، وليس في تمحيصهم للرواية وتشددهم في قبولها ما يفيد أنهم كانوا يكذّبون ناقل الحديث بل كانوا يخشون الخطأ في النقل، والغلط في الحفظ، والوهم في الضبط، فلا يؤدي الحديث على وجهه (٤) . وتسلم الراية من بعدهم التابعون وأتباعهم، وواصلوا جهد من سبقهم، رواية وحفظًا وتوثيقًا، فلسكوا ذات السبيل واستقاموا على المنهج نفسه، وأضافوا ما توصلوا إليه من دراساتهم وبحوثهم مما اقتضاه المقام وأوجبته الحال، فعنوا بالإسناد الذي يقوم عليه بنيان الحديث، ووقفوا على أحوال الرواة عدالة وضبطًا، وتكلموا فيهم وبينوا أمرهم، ووضعوا شروطًا للتحقق من استقامة الرواة وضبطهم، ودرسوا أحوال المروي ونظروا في ضروب التلقي والتحمل وكيفية الأداء، واتجهوا إلى معرفة علل الأحاديث الخفية والبينة، وميزوا الأحاديث الصحيحة من السقيمة وكشفوا انتحالها وزيفها فاستقام لهم المنهج الذي حفظ من أي تبديل أو تحريف (٥) . كما وضع علماء الحديث شروطًا للراوي أجملها الإمام الشافعي بقوله: (ولا تقوم الحجة بخبر الخاصة (الواحد) حتى يجمع أمورًا، منها: أن يكون من حدَّث به ثقة في دينه، معروفًا بالصدق في حديثه، عاقلًا لما يحدث به، عالمًا بما يحيل معاني الحديث من اللفظ، حافظًا إن حدث من حفظه، حافظًا لكتابه إن حدث من كتابه، إذا شرك أهل الحفظ وافق حديثهم , بَرِيًّا من أن يكون مدلسًا ـ يحدث عمن لقي ما لم يسمع منه. ويحدث عن النبي ما يحدث الثقات خلافه عن النبي ـ ويكون هكذا من فوقه ممن حدثه حتى ينتهي بالحديث موصولًا إلى النبي ﷺ أو إلى من انتهي به إليه دونه) (٦) .

стр. 11893

وإذا كانت الحجج قد قامت على صحة الأحاديث النبوية فإن هؤلاء المنكرين المبطلين مطالبون بأن ينقضوا هذه الحجج أولًا، ثم يؤكد مزاعمهم بأدلة وبراهين وما هم بمستطيعين هذا، ولا هم بقادرين على ذلك، وقد غبروا في هذه المحاولات السنين وراء السنين، وتطاول زمن الحقد بهم فعجزوا وراحوا يتخبطون في غير هدى، لكنها الرغبة الملحة في تشويه المصدر الثاني للإسلام وهو السنة النبوية المشرفة كي لا يواجهوا بجيل جديد من المسلمين يحسن التمسك بالسنة المطهرة، فينصر الله بهم دين الإسلام، ويحسن إقامة الحق والميزان، ويزرع العدل والإحسان في البشرية كلها. وهكذا لم يصل المستشرقون إلى ما يريدون من زعزعة اعتقادات المسلمين وخلخلة تمسكهم بإيمانهم وسنة نبيهم، وقد ردد بعض من المسلمين بعض الأفكار الاستشراقية (١) ولكنها لم تجد أيضًا آذانًا صاغية من المسلمين.

стр. 11894

٣- اعتماد ما جاء في كتب السيرة: يعتمد جمهرة المستشرقين من أعداء الإسلام في تحرير أبحاثهم عن الشريعة الإسلامية على ميزان غريب بالغ الغرابة في ميدان البحث العلمي، فمن المعروف أن العالم المخلص يتجرد عن كل هوى وميل شخصي فيما يريد البحث عنه ويتابع النصوص والمراجع الموثوق بها، فما أدت إليه بعد المقارنة والتمحيص كان هو النتيجة المحتمة التي ينبغي عليه اعتقادها. ولكن أغلب هؤلاء المستشرقين من مسيحيين ويهود يضعون في أذهانهم فكرة معينة يريدون تصيد الأدلة لإثباتها، وحين يبحثون عن هذه الأدلة لا تهمهم صحتها بمقدار ما يهمهم إمكان الاستفادة منها لدعم آرائهم الشخصية، وكثيرًا ما يستنبطون الأمر الكلي من حادثة جزئية ومن هنا يقعون في مفارقات عجيبة لولا الهوى والغرض لربأوا بأنفسهم عنها، ومن الأمثلة على ذلك: ١- ما زعمه المستشرق (جولد تسيهر) بأن الحديث في مجموعه من صنع القرون الثلاثة الأولى للهجرة وليس من قول الرسول ﷺ وادعى أن أحكام الشريعة لم تكن معروفة لجمهور المسلمين في الصدر الأول من الإسلام، وأن الجهل بها وبتاريخ الرسول ﷺ كان لاصقًا بكبار الأئمة، وقد حشد لذلك بعض الروايات الساقطة المتهافتة، من ذلك ما نقله عن كتاب الحيوان للدميري من أن أبا حنيفة ـ رحمه الله تعالى ـ لم يكن يعرف هل كانت معركة بدر قبل أحد أم كانت أحد قبلها (١) . وهذا الكلام يرده أقل الناس معرفة بالتاريخ، فأبو حنيفة وهو من أشهر الأئمة في الإسلام الذين تحدثوا عن أحكام الحرب في الإسلام حديثًا مستفيضًا في فقهه الذي أثر عنه، وفي كتب تلامذته الذين نشروا علمه كأبي يوسف ومحمد، ويستحيل على العقل أن يصدق بأنه كان جاهلًا بوقائع سيرة الرسول ومغازيه وهي التي استمد منها فقهه في أحكام الحرب.

стр. 11895

ويكفي أن نشير هنا إلى كتابين في فقهه في هذا الموضوع يعتبران من أهم الكتب المؤلفة في التشريع الدولي في الإسلام. أولهما: كتاب الرد على سير (١) الأوزاعي لأبي يوسف رحمه الله تعالى. ثانيهما: كتاب السير الكبير لمحمد ﵀، وقد شرحه السرخسي، وهو من أقدم وأهم مراجع الفقه الإسلامي في العلاقات الدولية، وقد طبع أخيرًا تحت إشراف جامعة الدول العربية. ولا يخفى أمر هذين الكتابين على (جولدتسيهر) وكان بإمكانه لو أراد الحق أن يعرف ما إذا كان أبو حنيفة جاهلًا بالسيرة أو عالمًا بها من غير أن يلجأ إلى رواية (الدميري) في (الحيوان) , وهو ليس مؤرخًا , وكتابه ليس كتاب فقه ولا تاريخ، وإنما يحشر فيه كل ما يرى إيراده من حكايات ونوادر تتصل بموضوع كتابه من غير أن يعني نفسه البحث عن صحتها. فقد أعرض (جولدتسيهر) عن كل ما دون عن تاريخ أبي حنيفة تدوينًا علميًّا ثابتًا، واعتمد رواية مكذوبة يردها طالب العلم المبتدئ في الدراسة. وقد دعم (جولدتسيهر) بهذه الرواية المكذوبة ما تخيله من أن السنة النبوية من صنع المسلمين في القرون الثلاثة الأولى.. إلى غير ذلك من الأمثلة التي اعتمد فيها المستشرقون على روايات ضعيفة وردت في كتب السيرة وكتب الأدب، للتشكيك في الإسلام، وتشويه السنة النبوية، وسيرة المصطفي ﷺ (٢) . إن كتابة السنة النبوية، وأحداث السيرة قد تأخر قليلًا، لأن النبي ﷺ قد نهي عن هذه الكتابة حتى لا يختلط بالقرآن الكريم غيره، ولقد حاول المنافقون وأعداء الإسلام أن ينفذوا من خلال ذلك لتحقيق أحلامهم بهدم الإسلام من داخله، فاختلقوا أقوالًا، ونسبوها إلى النبي ﷺ ففطن إلى ذلك العلماء وبدأوا يكتبون السنة النبوية ويمحصون رواياتها بدقة بالغة. أما التاريخ الإسلامي، وأحداث السيرة فبدأ المسلمون في تدوينه في منتصف القرن الثاني للهجرة، واكتفي المؤرخون بجمع الأخبار التي يسمعونها في عصرهم بجانب ما يجدونه من المخطوطات، واعتبروا أن الأمانة العلمية تقتضي كتابة ما سمعوه، ولو كان فيه أشياء لا يصدقها الإنسان، لأنهم على يقين أن المسلمين لا يأخذون هذه الروايات دون تمحيصها ومعرفة الصحيح من السقيم والمكذوب، طبقًا لقواعد الجرح والتعديل التي كانت سائدة، وهذا ما اعتذر عنه الطبري عما نقله من أخبار عن بعض الماجنين، حيث نبه أنه نقل ما سمع من شناعات لتخضع للتحقيق والتمحيص بمعرفته أو بمعرفة من بعده من المحققين، وهذا ما شرع فيه ابن العربي وابن خلدون.

стр. 11896

إن بعض أتباع الفكر الغربي قد حاولوا استغلال هذه الأكاذيب لخدمة مذاهبهم، وتقديم السيرة وأحداثها وكذلك الأحاديث التاريخية، بصورة تطوع الإسلام لهذه النظم، بل منهم من صرف الأحداث ومعاني بعض النصوص في القرآن والسنة ليخدم مذهبه (١) . كما أن بعض كتب الأدب التي تحوي هذه الشناعات قد ترجمت إلى معظم لغات العالم، ليقدم صورة سيئة عن تاريخ الإسلام، وتصور أمراء المؤمنين في مجالس الخمر، وتحت تأثير المؤامرات النسائية، وغيرها، حتى أصبحت أسماء بعضهم عنوانًا للفحش والترف والانحطاط، ولقد تلقف بعض المثقفين هذه الأخبار وألفوا كتبًا، وهي تسيء إلى الإسلام والمسلمين، ومنهم من يدرك ذلك ومنهم من لا يدركه. إن السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي ترجمة عملية لعقيدة الإسلام، ولهذا عندما كتب هذا التاريخ بأيدي المستشرقين أو تلاميذهم، شاب هذه الدراسة أخطاء، ويرجع ذلك إلى أمرين: الأول: أن هؤلاء لا يؤمنون بالإسلام وقيمه ومبادئه، ففسروا جهاد المسلمين وأعمالهم تفسيرًا نابعًا من عقيدة هؤلاء الكتاب عن القرآن والسنة النبوية. والثاني: أنهم اعتمدوا على ما جاء في كتب السيرة من روايات ضعيفة ومكذوبة، ومن مصادرهم كتب الأدب مثل كتاب الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني، وغيره من المصادر التي لم يوثقها أهل العلم. ولقد استفاد خصوم الإسلام من عدم تحقيق روايات كتب السيرة والتاريخ، فنقلوها كما هي، ونسبوها إلى المؤرخين، ليضعوا عليها جملة من الأكاذيب، فمثلًا ينقل الطبري عن أبي مخنف خبرًا عن التحكيم، ثم نقله عنه ابن مسكون، وكذا ابن الأثير، ثم ابن كثير، وابن خلدون، ويخيل للقارئ أن الخبر قد رواه ستة من الرواة، وورد في ستة مصادر تاريخية، وهو في الحقيقة قد رواه شخص واحد وهو أبو مخنف الأزدي، ومصدر واحد هو الطبري، وهذا المصدر قد نبه صاحبه أنه نقل ما سمع من صحيح وسقيم للأمانة العلمية.

стр. 11897

وقد يخيل إلي القارئ، أن الراوي أبا مخنف الأزدي هو الصحابي الجليل مخنف بن سليم بن الحارث الأزدي (١) . الذي كان أميرًا على أصبهان من قبل الإمام علي ﵁، وقد روى له أصحاب السنن الأربعة (٢) , ولكن بالبحث الدقيق والعميق يتضح غير ذلك، فأبو مخنف الأزدي يروي عن التابعين، فهو ليس من طبقة الصحابة، واسمه لوط بن يحيى، ويكنى أبو مخنف الأزدي، وهو حفيد الصحابي الجليل سالف الذكر، وهذا الحفيد أغفله المؤلفون وعلماء الرجال، فلم يرد اسمه ضمن الرواة الثقات أو الضعفاء (٣) , بل تركه أبو حاتم لأنه ليس من الثقات، فلا يجوز والحال هذه توثيق روايته. كما اعتمد أعداء الإسلام في حربهم للقرآن والسنة والإساءة إليهما على كتب الأدب؛ لقد ألف الأدباء المعاجم والكتب خلال العصر العباسي، وذلك لينالوا العطاء من الأمراء واتخذوا من الخلافات والأخبار المتناقضة سبيلًا لتسلية الناس، ولهذا اخترعوا القصص والروايات، لتكون مادتهم في التسلية، فأساءوا إلى أهل الفضل والتقوى من علماء المسلمين، فمثلًا تضمن كتاب البيان والتبيين للجاحظ كثيرًا من الخطب المنسوبة إلى علي، وإلى معاوية، وفيها من التجريح وبذاءة اللسان ما يعف عنها السفهاء فضلًا عن كبار الصحابة ﵃. وفي مجال الأدب، نجد هناك من لازال يعتبر كتاب (الأغاني) مرجعًا وكتاب (ألف ليلة وليلة) على الرغم من محاذير الاعتماد على مثل هذا النوع من التأليف أو غيرها من كتب المحاضرات، والمسلم في حاجة دائمة إلى التذكير بمصادر هذه الكتب, ومراجعة أمر الذين قاموا على كتابتها وإعدادها، فمؤلف الأغاني رجل تصفه المصادر بالإسفاف والاضطراب، وقد وصفت خلقه وصفًا يرده عن أن يكون مصدرًا أمينًا، وكان على غير مفهوم الإسلام الصحيح، وكان من الباطنية الذين يحقدون على الإسلام، وله جوانب حسية تبعده عن استواء الطبيعة، فضلًا عن أن مصادره أيضًا قد اتهمت (٤) .

стр. 11898

ويأتي بعد ذلك، كتاب (ألف ليلة وليلة) ، وكتاب (كليلة ودمنة) وهما كتابان فارسيان هنديان في الأصل، أضيف إلى الأول إضافات كثيرة مما يرويه الرواة من أساطير وأقاصيص وخرافات ليست هي عملًا محققًا، ولا علمًا موثقًا، فكيف يمكن أن تكون مصدرًا يستند إليه في فهم الحقائق والتاريخ؟! ومن المصادر التي تحتاج إلى انتباه ويقظة: كتاب الإمامة والسياسة، وقد وصفه السيد محب الدين الخطيب بأنه كتاب لقيط مجهول النسب، وأن مؤلفه (ابن قتيبة) برئ منه، لأن المصادر التي ترجمت له لم تشير إلى نسبة هذا الكتاب له، كما أن أسلوبه يخالف أسلوب ابن قتيبة في سائر كتبه. وكذلك كتاب (المضنون به على غير أهله) ، المنسوب إلى الإمام الغزالي، فهو مكذوب عليه، وقد صحح ذلك السيد المرتضى الزبيدي في شرح الإحياء (١) , وقد اشتمل الكتاب المكذوب على الغزالي على التصريح بقدم العالم، ونفي علم القديم بالجزئيات، وهو ما يخالف آراء الغزالي في صفوة كتبه. ومن أخطر المصادر التي اعتمد عليها الغزو الفكري كتاب (أنساب الأشراف) للبلاذري، فهذا الكتاب طبع منه جزء في ألمانيا عام ١٨٨٣م، ثم تولى اليهود طبع جزء آخر عام ١٩٣٦ م طبع في أورشليم، وقدم له بالعبرية، ومن هنا جاءت شبهة هذا الكتاب المضطرب الذي اعتمد عليه بعض الباحثين أمثال طه حسين، في القول بأن شخصية (عبد الله بن سبأ) شخصية وهمية، وهذا يتفق مع مخططات اليهود في إنكاره والتهوين من شأنه، وهو ما جرى على القول به مؤلف الفتنة الكبرى (٢) .

стр. 11899

أما كتاب (رسائل إخوان الصفا) فهو جدير بوقفة متأنية: ذلك أن هذا الكتاب قد خدع الكثيرين، وحاول دعاة التغريب إسباغ صورة من البطولة والكرامة على موضوعه وكاتبه، وهم ما زالوا يرددون القول عن أهمية هذه الرسائل هادفين إلى تصوير الفكر الإسلامي وهو مكبل بقيود الإغريق، وسلاسل اليونان، وأن هذه الرسائل كانت عصارة هذا التأثير البالغ. وقد أكد الباحثون بأن فلسفة إخوان الصفا ليست مستمدة من المصادر الإسلامية الأصلية، ولكنها مستمدة من فلسفات اليونان من ناحية، وفلسفات المحبوس وعبدة النيران والكواكب، وجماع الزرادشتية والمانوية والمزدكية، وهم ينظرون إلى الأنبياء نظرة ملحدة فيرونهم كالحكماء، وقد ادعوا أنهم إنما يريدون إعادة الوحدة إلى المسلم والنصراني والمجوسي واليهودي والأفلاطوني والمشّائي والفيثاغوري، وهم في الأغلب يمجدون المجوسية ويجعلونها أفضل الأديان، ومن هنا يبدو خطرهم وإفسادهم من حيث إن الإسلام هو الدين الخاتم دين التوحيد الخالص، المحرر من الوثنيات القائم على النص الموثق (١) . الحق أن المستشرقين ودعاة التغريب هم الذين ألحوا على هذه الكتب وأولوها الاهتمام، وأعادوا طبعها وأذاعوا بها، وحرضوا أولياءهم من التغريبيين أن يتحدثوا عنها، وأن يحرضوا الباحثين على اعتمادها مراجع وذلك لأنها تفسد الحقائق وترسم صورة غير صحيحة ولا صادقة للمجتمع الإسلامي.

стр. 11900

٤ ـ النظريات لبعض الفرق الإسلامية الشاذة: لقد اعتمد الغزو الفكري على ركائز متعددة منها ما هو ظاهر، ومنها ما يخفي أمره على كثير من المسلمين، وسوف أكتفي بذكر هذه الركائز والإشارة إليها في إجمالها، ولعل في ذكرها ما يكشف لجمهور المسلمين عن أعدائهم وينير أمامهم الطريق، طريق العمل الجاد للإسلام، حتى تعود الأمة الإسلامية إلى وضعها الصحيح بين أمم الأرض , قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (١) . وهذه الركائز منطلقات خطرة لشن الغارات المتتالية على الإسلام فكرًا وسلوكًا، وعلى المسلمين أفرادًا وهيئاتٍ، وعلى بلاد المسلمين وخيراتهم في الحاضر والمستقبل؛ وهذه الركائز بدت تتلخص في الآتي: ١- الصهيونية أو اليهودية ٢- التبشير بالمسيحية في المسلمين أو التنصير وتلك هي التسمية الأكثر دقة. ٣- الاستعمار المتحالف مع الصهيونية والتنصير. ٤- المبادئ والنظريات المعادية للإسلام مثل: (أ) الديمقراطية. (ب) الشيوعية. (ج) القوميات بأنواعها العديدة. ٥- الفلسفات الهدامة التي تحركها وتتعاون معها في أغلب الأحيان ركيزة أو أكثر من تلك الركائز التي أشرنا إليها آنفا، وهذه الفلسفات أو المذاهب هي: (أ) الوجودية. (ب) الفوضوية. (ج) القاديانية أو الأحمدية. (د) البابية والبهائية. (هـ) الماسونية والروتاري وغيرهما.

стр. 11901

ولئن بدت هذه الركائز في نظر البعض متخاصمة، فقد يكون هذا صحيحًا حينًا وباطلًا وخداعًا حينًا آخر، ولكن الأمر الذي لا تختلف فيه ركيزة مع أخرى هو العداء الشديد للإسلام والمسلمين، والعداء الظاهر حينًا والمستتر حينًا آخر. والعداء الذي تشنه علينا أجهزة هذه الركائز ورجالها غير المسلمين حينًا، والذي تشنه علينا أجهزة ورجال مسلمين في بعض الأحيان (١) وقد حرص أعداء الإسلام من المستشرقين ومن تأثر بفكرهم من المسلمين على التنويه ببعض الفرق الإسلامية الشاذة، ونحاول أن نشير هنا إلى بعض هذه الفرق، فمنها على سبيل المثال: ١- القرامطة: اهتم المستشرقون بالقرامطة وصوروهم بأنهم طلاب العدل والإصلاح، وهم الذين عجزوا عن أن يحققوا أي منهج يمكن أن يوصفوا به على أنهم دعاة حق حين امتلكوا زمام الحكم في القرن الرابع الهجري , بل انكشف باطلهم وزيفهم، وظهرت حقيقتهم أنهم صنائع لليهود وانقضوا على الدولة الإسلامية بالتآمر والتعاون مع أعداء المسلمين وخصومهم (٢) فقد تعددت أبحاث في هذا العصر تحاول أن تصف حركة القرامطة بأنها حركة العدل الاجتماعي في الإسلام أشار إلى هذا الدكتور طه حسين في "مجلة الكاتب المصري" التي كان يصدرها لحساب اليهود في أواخر الأربعينيات وقد أضاف إليها حركة الزنج أيضًا وتحدث عن هذا الكاتب الفرنسي جارودي - قبل إسلامه - حين ربط بين نحلة القرامطة وبين العدالة الاجتماعية في الإسلام. وقد كتب بعض أهل العلم في دحض هذه الشبهات المفتراة في مقدمتهم الدكتور محمود قاسم الذي قال: "إن دعوة القرامطة لم تكن تسعى في الحقيقة إلى تحقيق كرامة الإنسان وتمهد لاحترامها بل كانت حركة انفصالية تمت في عصر تحلل الدولة العباسية إلى دويلات , فكانت حركة القرامطة استمرارًا لثورة الزنج التي قامت قبل منتصف القرن الثالث الهجري , وكانت نوعًا من الأخذ بالثأر , وقد حرص هؤلاء العبيد الذين حرروا أنفسهم على إذلال العرب عن طريق استرقاقهم والتنكيل بهم, أما حركة القرامطة التي قامت في الشمال الغربي لبلاد العراق، فقد اتخذت مركزا لها في منطقة الكوفة، وفي بعض بلاد الشام وفي سواحل الجزيرة العربية المطلة على الخليج العربي، ثم استقرت آخر الأمر في البحرين) (٣) .

стр. 11902

٢- الباطنية: بذل المستشرقون جهودًا في إحياء التراث الباطني المجوسي مستهدفين أصالة الفكر الإسلامي، ويبدو ذلك واضحًا في تركيزهم على إحياء كل المخطوطات التي تحمل هذه السموم, وخاصة ما يتصل بالإلحاد والإباحية، وما يتصل بوحدة الوجود والحلول والاتحاد، والمجون.. أمثال شعر بشار بن برد، وأبي نواس، وكتب ابن سبعين وغلاة الرافضة والإسماعيلية والفاطميين. ٣- ثورة الزنج: ومن ناحية أخرى فقد استغل دعاة التفسير المادي للتاريخ بعض المواقف الهدامة في التاريخ الإسلامي، لمحاولة وصفها بأنها حركة تقديمية أو ثورية، ويولون (ثورة الزنج) نفس الاهتمام (بحركة القرامطة) , وقد جعلوا من (علي بن محمد) بطلًا، وهو الذي تجمع المصادر على عدم صحة ما ادعاه من نسب علوي، وقد خدع الناس بهذا النسب، وجعل من البصرة مركز نشاطه فجمع حوله (الزنج) في البصرة في ثورة عارمة , أشعل نارها سنة ٢٥٥ هـ , وادعى خلال ذلك أنه المهدي المنتظر، كما ادعى بعد ذلك النبوة. ولا يمكن لمنصف ولا لمثقف أن يؤمن بأن مثل ثورة الزنج أو فئة القرامطة يمكن أن تمثل منهجًا إسلاميًّا أصيلًا. وكانت لهم تفسيرات باطنية للقرآن والحديث، وقد لعب اليهود وراء هذه الحركات، وكانت الإسرائيليات مادة فكرهم, ويذهب بعض المؤرخين إلى أن القرامطة وغيرها من الدعوات الباطنية يهودية الأصل والفروع (١) . ٤- رسائل إخوان الصفا ودعواهم: سبق الحديث عن إخوان الصفا ورسائلهم في الصفحات الماضية، ولكن الذي أود أن أنبه عليه هنا هو أن كثيرًا من الباحثين يرددون الإشادة برسائل إخوان الصفا على نحو يوحي بأنها جزء من التاريخ الثقافي الإسلامي، وقد أولى المستشرقون والمبشرون والدكتور طه حسين، مثل هذه الأعمال المشبوهة اهتمامًا، وأعادوا طبعها ونشرها، ودفعوا كثيرًا من الباحثين المسلمين الذين يسافرون إلى الغربـ على حساب بعثات التبشير والاستشراق إلى دراستها، وإلى تبني وجهة نظرهم فيها، واستغل ذلك لخدمة أهواء الفكر الليبرالي والماركسي على السواء. وقد كشف الباحثون المنصفون فساد هذه الدعوى وأن العلاقة بين إخوان الصفا والباطنية وثيقة الصلة، حتى قال المستشرق كازنوفا: (إنني على أتم الثقة من أن آراء إخوان الصفا هي برمتها آراء الإسماعيلية , ومحور هذه الآراء يتصل بوحدة الكون أي وحدة الوجود وما يتصل بها من الاتحاد والحلول مما يتنافي مع مفهوم الإسلام الصحيح) (٢) .

стр. 11903

ومن الأساليب التي سار عليها المستشرقون وهي أنهم كانوا يجمعون الشبهات المختلفة ويؤلفون بينما لإعطائها صورة كاملة. ومن الأمثلة على ذلك ما قام به المستشرق الألماني (ولهم هورنباخ ـ الأستاذ في جامعة بون بألمانيا) من جمع قطع ونتف بعض الأقوال من كتاب (الإصابة) للحافظ ابن حجر العسقلاني ثم نشرها على أنها كتاب (الردة) لابن حجر الذي ألفه أبو زيد ابن الفرات المتوفي سنة ٢٣٧ هـ وهو فارسي الأصل. وقد ضاع هذا الكتاب، فاشار ابن حجر إليه في بعض المواضع، فما كان من المستشرق (ولهلم) إلا أن جمع هذه القطع على أنها تراجم لأشخاص ارتدوا عن الإسلام، ولا يقوم بمثل هذا العمل إلا مغرض صاحب هوى، لأنه يخالف منهج البحث العلمي السليم , إلى غير ذلك من الشبهات التي زعمها المستشرقون ولا أصل لها في الإسلام (١) . ٥- القاديانية والبهائية: كما عمل أعداء الإسلام على تبني دعوات ضالة أخرى كالقاديانية والبهائية والادعاء بأنها حركات النهضة الإسلامية كذبًا وبهتانًا , واستعمالها لضرب الإسلام من الداخل، وتعمل القوى التغريبية جميعًا ممثلة في الاستشراق والتبشير والغزو الثقافي عن طريق الصحيفة والثقافة والمدرسة إلى تبني هذه الحركات الهدامة , واحتضانها وخداع البلاد الإسلامية. ومن يراجع هاتين الدعوتين المبطلتين البهائية والقاديانية يعرف أنهما استهدفتا ضرب حركة اليقظة الإسلامية التي كانت قد قطعت مرحلة كبيرة في طريق التماس المنابع الأصلية وجوهر الإسلام بمفهوم التوحيد الخالص، وأن كلتا الحركتين قد نشأ في أحضان النفوذ الأجنبي، واستهدف ضرب الإسلام في أعظم قيمه الأساسية وهي فريضة الجهاد. وقد كشفت الأبحاث التاريخية عن علاقة أكيدة بين الدعوتين وبين الاستعمار والصهيونية والهندوكية (٢)

стр. 11904

يقول العلامة أبو الحسن الندوي في كتابه (القادياني والقاديانية) : (لقد ظهرت الديانية القاديانية في آخر القرن التاسع عشر المسيحي في الهند بعد استقرار الحكم الإنكليزي فيها، وهي ثورة على النبوة المحمدية ـ على صاحبها الصلاة والسلام ـ وعلى الإسلام، ومؤامرة دينية وسياسية، إن وجد لها نظير في الخطر والضرر على الإسلام ففي الحركة الإسلامية الباطنية التي تولى كبرها عبيد الله بن ميمون القداح في القرن الثالث الهجري، وأشك أنها بلغت مبلغ الأولى ـ القاديانية ـ في أصالة الفساد ودقة المؤامرة ومعاداة الإسلام. وتبنتها الحكومة الإنكليزية واحتضنتها وساعدتها العوامل الاجتماعية والسياسية والفكرية الكثيرة التي توفرت في عصر ظهورها , فانتشرت على بعدها من الإسلام، وأصبحت طائفة كبيرة يحسب لها الحساب، وأصبحت (قاديان) مركز دعوة ودعاية وسياسة يدين لها ويؤم شطرها بعض كبار المثقفين ـ الثقافة العصرية ـ ورجال الدولة، ولا يرى نشاطها إلا في المناظرات، وإثارة الشكوك والشبهات في المسلمين وتأييد السياسة الإنكليزية، ونشر الدعاية لعقيدتها الخاصة في الهند وخارج الهند) ثم قال في موضع آخر: (أطبق العلماء على تضليل القاديانيين وتكفيرهم , وأصبح ذلك كلمة اجتماع لم يشذ منها إلا شاذ , وأفتوا وألفوا في ذلك مؤلفات كثيرة , وأصدرت مركز الفتوى فتاوى صريحة بكفرهم وارتدادهم عن دين الإسلام , وأصدرت محكمة بهاولبور سنة ١٩٣٥ م ـ بعد مناقشة طويلة دامت عامين كاملين واشترك فيها كبار علماء أهل السنة وكبار علماء القاديانية ـ حكمها بكفر القاديانيين، وعدم صحة نكاح المسلمة بالقادياني. اهـ (١) . وقد انتقلت ثمار هذه الدعوة الهامة إلى أفريقية بين المسلمين هناك، فسمى القاديانيون هناك أنفسهم (أحمدية) تمويهًا على الناس وإيهامًا لهم بأنهم منتسبون إلى النبى ﷺ بينما الحق أنهم ينتسبون إلى غلام أحمد القادياني. ولقد تطاول القاديانيون على مقام الرسول الكريم ﷺ وعلى المسيح عيسى بن مريم ﵇، وكذلك تخبطوا في فهم القرآن الكريم، مما يدل على جهلهم وضلالهم (٢) . فالقاديانية ركيزة من ركائز الغزو الفكري للإسلام والمسلمين حتى يومنا هذا.

стр. 11905

٦ـ البابية والبهائية: البابية والبهائية من المذاهب الخطرة والفلسفات المعادية للإسلام، والتي كان لليهود فيها يد طولى، وإن اختيار بلاد فارس ليفرخ فيها هذان المذهبان لم يكن عبثًا من المدبرين والكائدين للإسلام. وأثر اليهود في الحركتين الخبيثيتين واضح، وذلك أن زعيم البهائية في فترة ما من تاريخها كان أحد حاخامات اليهود، ومنشأ البابية ـ هي أصل البهائية ـ أن الميراز على محمد الشيرازي أغواه يهوديان فأوهماه أنه سيكون له شأن وأدخلا في روعه أنه سيصبح منقذ الإنسانية، فنادى بما ينادى به اليهود، فأنكر البعث والجنة والنار، وقال بوحدة الوجود كما يقول اليهود، وأودع ذلك في كتابه (البيان) ، وصادفت دعوة الميرزا هوى في نفوس بعض الضالين من الفرس، فاغتر ميرزا بهذا وسمى نفسه (الباب) أي الطريق الوحيد الذي يوصل الإنسان إلى الله، وسميت الفرقة التي تبعته (بالبابية) ثم زاد غرور هذا المخدوع فادعى انه (النقطة) أي منبثق الحق وروح الله، وجعل الباب إليه أحد مريديه المخلصين له واسمه (حسين يسرويه) من خراسان (١) . ولقد ألغى الباب الصلوات الخمس وصلاة الجمعة والجماعة إلا في الجنازة، وأباح نكاح الأخت من أخيها. وفي مؤتمر برشت ١٢٦٤ هـ ١٨٤٧ م أعلن البابيون انسلاخهم عن الإسلام، وحاربوا الإسلام واللغة العربية، ودخلوا مع الحكومة في فارس في حروب ومنازعات أدت في النهاية إلى إصدار الحكم بإعدام الميرزا (النقطة) وخبا صوت هذه الفلسفة الضالة والمذهب المعادي للإسلام حينًا غير طويل من الزمان، ثم أخذ أتباعه يعملون في الخفاء والسرية ودخل فيها عدد كبير من اليهود. وفي عام ١٢٨٥ هـ ١٨٦٧ م خرجت البابية من عكا باسم جديد هو البهائية نسبة إلى زعيمها الجديد ميرزا حسين علي المازندراني الذي يلقب (بهاء الله) . وقد رعى اليهود ـ ولا يزالون يرعون ـ البهائية، ودفعوا إلى أقطار الأرض يؤيدونها بالفكر والمال، فأصبحت حركة (صهيونية أمريكية) ، وظهر ذلك جليًّا حينما توفي (شوقي رباني) حفيد البهاء، حيث اجتمع المجلس الأعلى للطائفة البهائية في إسرائيل، وانتَخَبَ صهيونيًّا أمريكيًّا اسمه (ميسو) ليكون رئيسًا روحيًّا لجميع أفراد الطائفة في العالم كله.
следующие страницы →