← Фикх общий

Фикх общий · id 8356

مجلة مجمع الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (22 276 стр.). Показаны 11901–11940 · переход к 11906.

стр. 11901

ولئن بدت هذه الركائز في نظر البعض متخاصمة، فقد يكون هذا صحيحًا حينًا وباطلًا وخداعًا حينًا آخر، ولكن الأمر الذي لا تختلف فيه ركيزة مع أخرى هو العداء الشديد للإسلام والمسلمين، والعداء الظاهر حينًا والمستتر حينًا آخر. والعداء الذي تشنه علينا أجهزة هذه الركائز ورجالها غير المسلمين حينًا، والذي تشنه علينا أجهزة ورجال مسلمين في بعض الأحيان (١) وقد حرص أعداء الإسلام من المستشرقين ومن تأثر بفكرهم من المسلمين على التنويه ببعض الفرق الإسلامية الشاذة، ونحاول أن نشير هنا إلى بعض هذه الفرق، فمنها على سبيل المثال: ١- القرامطة: اهتم المستشرقون بالقرامطة وصوروهم بأنهم طلاب العدل والإصلاح، وهم الذين عجزوا عن أن يحققوا أي منهج يمكن أن يوصفوا به على أنهم دعاة حق حين امتلكوا زمام الحكم في القرن الرابع الهجري , بل انكشف باطلهم وزيفهم، وظهرت حقيقتهم أنهم صنائع لليهود وانقضوا على الدولة الإسلامية بالتآمر والتعاون مع أعداء المسلمين وخصومهم (٢) فقد تعددت أبحاث في هذا العصر تحاول أن تصف حركة القرامطة بأنها حركة العدل الاجتماعي في الإسلام أشار إلى هذا الدكتور طه حسين في "مجلة الكاتب المصري" التي كان يصدرها لحساب اليهود في أواخر الأربعينيات وقد أضاف إليها حركة الزنج أيضًا وتحدث عن هذا الكاتب الفرنسي جارودي - قبل إسلامه - حين ربط بين نحلة القرامطة وبين العدالة الاجتماعية في الإسلام. وقد كتب بعض أهل العلم في دحض هذه الشبهات المفتراة في مقدمتهم الدكتور محمود قاسم الذي قال: "إن دعوة القرامطة لم تكن تسعى في الحقيقة إلى تحقيق كرامة الإنسان وتمهد لاحترامها بل كانت حركة انفصالية تمت في عصر تحلل الدولة العباسية إلى دويلات , فكانت حركة القرامطة استمرارًا لثورة الزنج التي قامت قبل منتصف القرن الثالث الهجري , وكانت نوعًا من الأخذ بالثأر , وقد حرص هؤلاء العبيد الذين حرروا أنفسهم على إذلال العرب عن طريق استرقاقهم والتنكيل بهم, أما حركة القرامطة التي قامت في الشمال الغربي لبلاد العراق، فقد اتخذت مركزا لها في منطقة الكوفة، وفي بعض بلاد الشام وفي سواحل الجزيرة العربية المطلة على الخليج العربي، ثم استقرت آخر الأمر في البحرين) (٣) .

стр. 11902

٢- الباطنية: بذل المستشرقون جهودًا في إحياء التراث الباطني المجوسي مستهدفين أصالة الفكر الإسلامي، ويبدو ذلك واضحًا في تركيزهم على إحياء كل المخطوطات التي تحمل هذه السموم, وخاصة ما يتصل بالإلحاد والإباحية، وما يتصل بوحدة الوجود والحلول والاتحاد، والمجون.. أمثال شعر بشار بن برد، وأبي نواس، وكتب ابن سبعين وغلاة الرافضة والإسماعيلية والفاطميين. ٣- ثورة الزنج: ومن ناحية أخرى فقد استغل دعاة التفسير المادي للتاريخ بعض المواقف الهدامة في التاريخ الإسلامي، لمحاولة وصفها بأنها حركة تقديمية أو ثورية، ويولون (ثورة الزنج) نفس الاهتمام (بحركة القرامطة) , وقد جعلوا من (علي بن محمد) بطلًا، وهو الذي تجمع المصادر على عدم صحة ما ادعاه من نسب علوي، وقد خدع الناس بهذا النسب، وجعل من البصرة مركز نشاطه فجمع حوله (الزنج) في البصرة في ثورة عارمة , أشعل نارها سنة ٢٥٥ هـ , وادعى خلال ذلك أنه المهدي المنتظر، كما ادعى بعد ذلك النبوة. ولا يمكن لمنصف ولا لمثقف أن يؤمن بأن مثل ثورة الزنج أو فئة القرامطة يمكن أن تمثل منهجًا إسلاميًّا أصيلًا. وكانت لهم تفسيرات باطنية للقرآن والحديث، وقد لعب اليهود وراء هذه الحركات، وكانت الإسرائيليات مادة فكرهم, ويذهب بعض المؤرخين إلى أن القرامطة وغيرها من الدعوات الباطنية يهودية الأصل والفروع (١) . ٤- رسائل إخوان الصفا ودعواهم: سبق الحديث عن إخوان الصفا ورسائلهم في الصفحات الماضية، ولكن الذي أود أن أنبه عليه هنا هو أن كثيرًا من الباحثين يرددون الإشادة برسائل إخوان الصفا على نحو يوحي بأنها جزء من التاريخ الثقافي الإسلامي، وقد أولى المستشرقون والمبشرون والدكتور طه حسين، مثل هذه الأعمال المشبوهة اهتمامًا، وأعادوا طبعها ونشرها، ودفعوا كثيرًا من الباحثين المسلمين الذين يسافرون إلى الغربـ على حساب بعثات التبشير والاستشراق إلى دراستها، وإلى تبني وجهة نظرهم فيها، واستغل ذلك لخدمة أهواء الفكر الليبرالي والماركسي على السواء. وقد كشف الباحثون المنصفون فساد هذه الدعوى وأن العلاقة بين إخوان الصفا والباطنية وثيقة الصلة، حتى قال المستشرق كازنوفا: (إنني على أتم الثقة من أن آراء إخوان الصفا هي برمتها آراء الإسماعيلية , ومحور هذه الآراء يتصل بوحدة الكون أي وحدة الوجود وما يتصل بها من الاتحاد والحلول مما يتنافي مع مفهوم الإسلام الصحيح) (٢) .

стр. 11903

ومن الأساليب التي سار عليها المستشرقون وهي أنهم كانوا يجمعون الشبهات المختلفة ويؤلفون بينما لإعطائها صورة كاملة. ومن الأمثلة على ذلك ما قام به المستشرق الألماني (ولهم هورنباخ ـ الأستاذ في جامعة بون بألمانيا) من جمع قطع ونتف بعض الأقوال من كتاب (الإصابة) للحافظ ابن حجر العسقلاني ثم نشرها على أنها كتاب (الردة) لابن حجر الذي ألفه أبو زيد ابن الفرات المتوفي سنة ٢٣٧ هـ وهو فارسي الأصل. وقد ضاع هذا الكتاب، فاشار ابن حجر إليه في بعض المواضع، فما كان من المستشرق (ولهلم) إلا أن جمع هذه القطع على أنها تراجم لأشخاص ارتدوا عن الإسلام، ولا يقوم بمثل هذا العمل إلا مغرض صاحب هوى، لأنه يخالف منهج البحث العلمي السليم , إلى غير ذلك من الشبهات التي زعمها المستشرقون ولا أصل لها في الإسلام (١) . ٥- القاديانية والبهائية: كما عمل أعداء الإسلام على تبني دعوات ضالة أخرى كالقاديانية والبهائية والادعاء بأنها حركات النهضة الإسلامية كذبًا وبهتانًا , واستعمالها لضرب الإسلام من الداخل، وتعمل القوى التغريبية جميعًا ممثلة في الاستشراق والتبشير والغزو الثقافي عن طريق الصحيفة والثقافة والمدرسة إلى تبني هذه الحركات الهدامة , واحتضانها وخداع البلاد الإسلامية. ومن يراجع هاتين الدعوتين المبطلتين البهائية والقاديانية يعرف أنهما استهدفتا ضرب حركة اليقظة الإسلامية التي كانت قد قطعت مرحلة كبيرة في طريق التماس المنابع الأصلية وجوهر الإسلام بمفهوم التوحيد الخالص، وأن كلتا الحركتين قد نشأ في أحضان النفوذ الأجنبي، واستهدف ضرب الإسلام في أعظم قيمه الأساسية وهي فريضة الجهاد. وقد كشفت الأبحاث التاريخية عن علاقة أكيدة بين الدعوتين وبين الاستعمار والصهيونية والهندوكية (٢)

стр. 11904

يقول العلامة أبو الحسن الندوي في كتابه (القادياني والقاديانية) : (لقد ظهرت الديانية القاديانية في آخر القرن التاسع عشر المسيحي في الهند بعد استقرار الحكم الإنكليزي فيها، وهي ثورة على النبوة المحمدية ـ على صاحبها الصلاة والسلام ـ وعلى الإسلام، ومؤامرة دينية وسياسية، إن وجد لها نظير في الخطر والضرر على الإسلام ففي الحركة الإسلامية الباطنية التي تولى كبرها عبيد الله بن ميمون القداح في القرن الثالث الهجري، وأشك أنها بلغت مبلغ الأولى ـ القاديانية ـ في أصالة الفساد ودقة المؤامرة ومعاداة الإسلام. وتبنتها الحكومة الإنكليزية واحتضنتها وساعدتها العوامل الاجتماعية والسياسية والفكرية الكثيرة التي توفرت في عصر ظهورها , فانتشرت على بعدها من الإسلام، وأصبحت طائفة كبيرة يحسب لها الحساب، وأصبحت (قاديان) مركز دعوة ودعاية وسياسة يدين لها ويؤم شطرها بعض كبار المثقفين ـ الثقافة العصرية ـ ورجال الدولة، ولا يرى نشاطها إلا في المناظرات، وإثارة الشكوك والشبهات في المسلمين وتأييد السياسة الإنكليزية، ونشر الدعاية لعقيدتها الخاصة في الهند وخارج الهند) ثم قال في موضع آخر: (أطبق العلماء على تضليل القاديانيين وتكفيرهم , وأصبح ذلك كلمة اجتماع لم يشذ منها إلا شاذ , وأفتوا وألفوا في ذلك مؤلفات كثيرة , وأصدرت مركز الفتوى فتاوى صريحة بكفرهم وارتدادهم عن دين الإسلام , وأصدرت محكمة بهاولبور سنة ١٩٣٥ م ـ بعد مناقشة طويلة دامت عامين كاملين واشترك فيها كبار علماء أهل السنة وكبار علماء القاديانية ـ حكمها بكفر القاديانيين، وعدم صحة نكاح المسلمة بالقادياني. اهـ (١) . وقد انتقلت ثمار هذه الدعوة الهامة إلى أفريقية بين المسلمين هناك، فسمى القاديانيون هناك أنفسهم (أحمدية) تمويهًا على الناس وإيهامًا لهم بأنهم منتسبون إلى النبى ﷺ بينما الحق أنهم ينتسبون إلى غلام أحمد القادياني. ولقد تطاول القاديانيون على مقام الرسول الكريم ﷺ وعلى المسيح عيسى بن مريم ﵇، وكذلك تخبطوا في فهم القرآن الكريم، مما يدل على جهلهم وضلالهم (٢) . فالقاديانية ركيزة من ركائز الغزو الفكري للإسلام والمسلمين حتى يومنا هذا.

стр. 11905

٦ـ البابية والبهائية: البابية والبهائية من المذاهب الخطرة والفلسفات المعادية للإسلام، والتي كان لليهود فيها يد طولى، وإن اختيار بلاد فارس ليفرخ فيها هذان المذهبان لم يكن عبثًا من المدبرين والكائدين للإسلام. وأثر اليهود في الحركتين الخبيثيتين واضح، وذلك أن زعيم البهائية في فترة ما من تاريخها كان أحد حاخامات اليهود، ومنشأ البابية ـ هي أصل البهائية ـ أن الميراز على محمد الشيرازي أغواه يهوديان فأوهماه أنه سيكون له شأن وأدخلا في روعه أنه سيصبح منقذ الإنسانية، فنادى بما ينادى به اليهود، فأنكر البعث والجنة والنار، وقال بوحدة الوجود كما يقول اليهود، وأودع ذلك في كتابه (البيان) ، وصادفت دعوة الميرزا هوى في نفوس بعض الضالين من الفرس، فاغتر ميرزا بهذا وسمى نفسه (الباب) أي الطريق الوحيد الذي يوصل الإنسان إلى الله، وسميت الفرقة التي تبعته (بالبابية) ثم زاد غرور هذا المخدوع فادعى انه (النقطة) أي منبثق الحق وروح الله، وجعل الباب إليه أحد مريديه المخلصين له واسمه (حسين يسرويه) من خراسان (١) . ولقد ألغى الباب الصلوات الخمس وصلاة الجمعة والجماعة إلا في الجنازة، وأباح نكاح الأخت من أخيها. وفي مؤتمر برشت ١٢٦٤ هـ ١٨٤٧ م أعلن البابيون انسلاخهم عن الإسلام، وحاربوا الإسلام واللغة العربية، ودخلوا مع الحكومة في فارس في حروب ومنازعات أدت في النهاية إلى إصدار الحكم بإعدام الميرزا (النقطة) وخبا صوت هذه الفلسفة الضالة والمذهب المعادي للإسلام حينًا غير طويل من الزمان، ثم أخذ أتباعه يعملون في الخفاء والسرية ودخل فيها عدد كبير من اليهود. وفي عام ١٢٨٥ هـ ١٨٦٧ م خرجت البابية من عكا باسم جديد هو البهائية نسبة إلى زعيمها الجديد ميرزا حسين علي المازندراني الذي يلقب (بهاء الله) . وقد رعى اليهود ـ ولا يزالون يرعون ـ البهائية، ودفعوا إلى أقطار الأرض يؤيدونها بالفكر والمال، فأصبحت حركة (صهيونية أمريكية) ، وظهر ذلك جليًّا حينما توفي (شوقي رباني) حفيد البهاء، حيث اجتمع المجلس الأعلى للطائفة البهائية في إسرائيل، وانتَخَبَ صهيونيًّا أمريكيًّا اسمه (ميسو) ليكون رئيسًا روحيًّا لجميع أفراد الطائفة في العالم كله.

стр. 11906

٥ـ محاربة الفكر الإسلامي والدعوة إلى فصله عن جذوره: كان للغزو الغربي المنظم المخطط، الذي تساندت فيه كل القوى الاستعمارية واستخدمت فيه كل الوسائل والأساليب، آثاره ونتائجه الخطيرة في حياة المسلمين، تلك الآثار التي بدأت تبرز وتتسع يومًا بعد يوم، ومن أخطر نتائج هذا الغزو الفكري شيوع التبعية الفكرية للغرب، والعبودية الذليلة لكل ما يصدر عن الفكر الدخيل من مبادئ وقيم ومناهج وأنظمة وأخلاق وتقاليد وأفكار ومفاهيم. وكان من مظاهر هذه العبودية بروز أناس يدعون إلى اتباع الغرب في كل شأن من شؤون حياته الفردية والأسرية والاجتماعية، والمادية والروحية والثقافية. وبرز من بين ظهراني المسلمين من يدعو ـ في صراحة حينا، وبالتواء أحيانًا ـ إلى إطراح الإسلام، وشريعة الإسلام، وحضارة الإسلام. رأينا ذلك في الهند ورأيناه في تركيا ومصر وفي غيرها من بلاد العرب والإسلام، ورأينا بعض المسلمين في هذه البلاد من يقول لأمته: انسلخي من دينك وتاريخك وشخصيتك، حتى لا تستعبدي للأجنبي. وأي استعباد أشد وأدهي من انسلاخها من ذاتيتها، واتباعها لهذا الأجنبي نفسه، وذوبانها فيه؟ (١) ولو كان هؤلاء دعاة التغريب مؤمنين حقًّا ما رضوا لأنفسهم ولا لأمتهم بالتبعية والانصهار في خصومها الطامعين فيها، ولو كانوا مسلمين حقًّا لرفضوا كل منهج غير منهج الإسلام، ولم يقبلوا أن يبيعوا دينهم وملتهم ليتبعوا ملة اليهود أو النصارى، فيرضوا عنهم ويثنوا عليهم. وما أروع القرآن وهو يجلي هذا الموقف إذ يقول: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (٢) . وقال تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ (٣) .

стр. 11907

لقد بذل اليهود والنصارى ومن شايعهما كثيرًا من الجهود لمحاربته وفصله عن جذوره، وكان ذلك وفق مخطط بعيد المدى، جرى تنفيذه مرحلة بعد مرحلة في دقة متابعة خطيرة, وقد ارتبط هذا المخطط بخيوط مختلفة منها الإرساليات التي استقدمت إلى الشرق واستقرت في بيروت والقاهرة واستانبول، ومنها فئة ١٨٦٠ ومنها مناهج كرومر وليوتن ولاتيمري ودنلوب، ودراكور وزويمر وهانوتو ولورنس وجلوب من بعد (١) , وهي المناهج التي وضعت ووصفت من بعد بأنها أعمال التغريب، وأشار إليها هاملتون جب المستشرق البريطاني ومعه أربعة في بحث مستفيض ظهر تحت عنوان (وجهة الإسلام) عام ١٩٣٠ م. ولقد اشترك الاستعمار والصهيونية والنفوذ الغربي جميعًا في مخطط واحد يستهدف وضع الفكر الإسلامي العربي تحت النفوذ التغريبي ومحاولة غزوه وتدميره والتشكيك فيه، وإثارة الشبهات من حوله من أجل القضاء على الذاتية العربية الإسلامية والتهام هذه الأمة وإذابتها في بوتقة النفوذ العالمي الذي تسيطر عليه اليهودية التلمودية بعد أن استوعبت الفكر الغربي المسيحي واحتوته. إن أخطر ما يدعونا إليه الغزو الثقافي هو (التبعية) , وإن أخطر ركائز الفكر الإسلامي هو الأصالة والتميز واستحالة الاندماج أو الذوبان أو الاحتواء في الفكر الأممي. فالإسلام هوالنموذج المتميز بالتكامل من ناحية بينما الفكر الغربي يتسم بالتجزئة والانشطار، وهو الجامع بين العقيدة والفكر في وحدة لا تفصل، وهو الذي يعتمد على الوحي والنبوة ورسالة السماء أساسًا له، ثم يكون العقل وسيلة من وسائلة والعلم منهجًا يجري في مجراه.

стр. 11908

ومن أخطر الوصايا التي تجاهلها المسلمون، والتي كانت بعيدة الأثر في حمايتهم من ضربات الغزو الفكري والتغريب، لو أنهم حرصوا على التمسك بها، هي دعوة القرآن لهم إلى (الحذر) من الأوهام والشبوهات التي حفل بها التاريخ القديم، وذلك بعد أن كشف القرآن عن زيفها وأبان وجه الحق في مختلف القيم التي طرحت، وخالفت كلمة الله، وتعارضت مع الفطرة والعقل. ولو أن المسلمين تمسكوا بهذا التحذير لكفاهم ذلك عن كثير مما وقعوا فيه من محاذير، وقد بين القرآن الكريم محاولة الاحتواء في أكثر من موضع، قال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾ (١) . وقال جل شأنه: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٢) . وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ﴾ (٣) . كما حذر الرسول الكريم ﷺ من الوقوع في خطر العقائد الزائفة وأن الله قد ختم به النبوة والرسالة وأمر المسلمين بما أمرهم به القرآن الكريم من النظر في ملكوت السموات والأرض، كما حثهم على طلب العلم، وبين لهم أن أي علم نافع أوتيه المسلم فهو أحق الناس به. لقد كان لإحياء الفكر البشري القديم آثاره البعيدة في إثارة الشبهات وإحياء الزندقة والإباحية، غير أن علماء المسلمين وأئمتهم قد واجهوا هذه الأزمة الخطيرة، ودحضوا الشبهات وأبانوا وجه الحق في الأمور كلها.

стр. 11909

وفي العصر الحديث حاول الاستعمار الذي دخل إلى بلاد المسلمين وهو يحمل معه التغريب والغزو الثقافي وأداتيهما التبشير والاستشراق، أن يعيد هذه الشبهات من جديد ويقدمها في صورة مذاهب وفلسفات. ومن أبرز هذه المفاهيم المخالفة للفطرة المعارضة للعقل المختلفة مع رسالة الإسلام ومفهوم القرآن الكريم: ١- الدعوة إلى إنكار الغيب والبعث والجزاء والجنة والنار. ٢- الدعوة إلى سقوط التكليف عن كل من وصل إلى معرفة الله. ٣- عبادة قوى الطبيعة. ٤- نظريات الفيض والإشراق والاتحاد والحلول. ٥- دعاوى الروحية الحديثة وتحضير الأرواح. ٦- مذاهب البهائية والماسونية. ٧- دعوات الإقليمية كالفرعونية والفينيقية. ٨- فصل الدين عن المجتمع والدولة. ٩- طرح المفاهيم الوافدة في القومية والعدل الاجتماعي والقانون. ١٠- الدعوة إلى العالمية والأممية. ١١- ادعاء التعارض بين العروبة والإسلام. ١٢- طرح النظرية المادية المنكرة لوجود الخالق. ١٣- الدعوة إلى التحلل والإباحية والحرية الدينية والأخلاقية (١) . وهذه الدعوات كلها قد وجدت في غير بلاد المسلمين، ونشأت هذه الدعوات لا تعرف التوحيد، وأنها هي القاتل التي صرعت الأمم والحضارات، والإسلام جاء ليمحوها ويقيم للإنسانية منهجًا ربانيًّا في مصدره، إنسانيًّا في تطبيقه , يقوم على العدل والحق والإيمان بالله تعالى.

стр. 11910

كما رسم الإسلام للحياة الدنيا طريقها الواضح إلى العمران في نطاق الأخلاق وإقامة المسؤولية الفردية، والالتزام الخلقي وربط الدنيا بالآخرة. إن هدف أعداء الله هو (ذوبان الشخصية الإسلامية) وذلك بالقضاء على مقومات كيانها وعلامات القوة فيها، واحتوائها بأخلاق الضعف والانحلال والإباحة حتى لا تقوى على مواجهة التحديات. ذلك أخطر أهداف العدو: بناء أجيال ذليلة ضعيفة، لا تؤمن بحقها، ولا تؤمن بربها، ولا تستطيع البقاء، ولا تصمد أما الخطر والتحدي. إن إعادة بناء الفكر الإسلامي في إطار الإسلام وعلى قواعده الرئيسية من وحدانية الله، واستخلاف الناس في الأرض تحت حكم الله، إنما يمثل جوهر الأيديولوجية التي لم تتخلف طوال تاريخ الإسلام والتي لا يستطيع العرب والمسلمون أن ينحرفوا عنها. لقد أثبت الفكر الإسلامي صلابته واستقلاليته وقدرته على البقاء فإنه في عديد من أزمانه لم يسقط ولم يتداع، ولم تضطرب أصول مقوماته، بل بقي محتفظًا بذاتيته في مواجهة الغزو (١) . إن محاربة الفكر الإسلامي وبذل الجهود المتتالية من أعداء الإسلام لفصله عن جذوره سوف تفشل وتتحطم على صرخة الإسلام، وذلك إذا ما تمسكنا بكتاب الله تعالى الذي رسم لنا الطريق المعبَّد بالأمن والاستقرار، قال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (٢) . إن الطريق الصحيح لمواجهة الغزو الفكري، هو طريق الشريعة الإسلامية والأخلاق الإسلامية، والعقيدة الإسلامية، وهو الطريق الذي يهدي إلى بناء الشخصية المؤمنة التي تبيع نفسها في سبيل الله، وتسترخص الموت والجهاد في سبيل نصرة الحق.

стр. 11911

المحور الثالث العلمانية والحداثة أولًا: ـ اتجاهاتها الخطيرة في محاربة الإسلام. ثانيًا: ـ الطريق الأنجح في دفع تحركاتهما العدوانية وردّ نشاطاتهما المتنوعة في المجالات الفكرية، والتعليمية والإعلامية ١- معنى العلمانية وأثرها في فكر المسلمين: لفظ العلمانية ... قد تشعر الكلمة في اشتقاقها أنها تعني رفع شعار العلم، ومن ثم فلا تعارض بينها وبين الإسلام.. بل إنها إحدى وسائل الإسلام وبعض أهدافه. وهو ما نحسب أنهم قصدوا إليه حين ترجموا معنى الكلمة في لغتها الأصلية.. ليقع المسلمون، في هذا الوهم (١) . فالعلمانية ترجمة خاطئة لكلمة (Secularism) في الإنجليزية، أو (Secularite) بالفرنسية، وهي كلمة لا صلة لها بلفظ (العلم) ومشتقاته على الإطلاق. فالعلم في الإنجليزية والفرنسية معناه (Science) والمذهب العلمي نطلق عليه كلمة (Scientism) (٢) والنسبة إلى العلم هي (Scientific) أو (Scientifique) في الفرنسية. والترجمة الصحيحة للكلمة هي (اللادينية) أو (الدنيوية) ، لا بمعنى ما يقابل الآخروية فحسب، بل بمعنى أخص هو: ما لا صلة له بالدين أو ما كانت علاقته بالدين علاقة تضاد، ومن ثم كانت العلمانية تعني اللادينية. فالعلمانية هي أول عناصر الاتجاه الليبرالي الديمقراطي الذي ساد حياة المسلمين بتأثير الاستعمار. وكان ذلك أخطر النتائج، وأعمق الآثار التي حفرها الاستعمار، وخلفها من بعده؛ عزل الإسلام عن الدولة, وعن توجيه الحياة العامة، وعن قيادة المجتمع. وبعبارة أخرى: العمل على سيادة المفهوم الغربي لما يسمى دينًا، وما يسمى دولة، وتأكيد الفصل بينهما، حتى لا يعود في يوم قريب إلى الدين سلطانه، فيسيطر على الدولة ويوجهها. يقول المستشرق الفرنسي (هانوتو) : (إن الإسلام دين وسياسة، وإن شعور المسلمين مبهم من حيث الجامعة السياسية أو الرابطة الوطنية، فالوطن عندهم هو الإسلام، وهم يقولون: إن السلطة مستمدة من الألوهية، فلا يجوز أن يتولاها إلا المسلمون) (٣) . ثم أشار (هانوتو) إلى نجاح فرنسا في فصل السلطة الدينية عن السلطة السياسية، في تونس، وقال: (إنها قد استطاعت أن تحقق هذا الانقلاب العظيم بلباقة وحذق، دون أن تثير ضجيجًا أو تذمرًا، فتوطدت دعائم السلطة المدنية من غير أن يلحق بالدين مساس، وتسربت الأفكار الأوربية بين السكان بدون أن يتألم منها إيمان المحمدي (يعني المسلم) وبذلك انفصل الحبل بين هذا البلد والبلاد الإسلامية الأخري، الشديدة الاتصال بعضها ببعض) ودعا (هانوتو) في آخر كلامه إلى أن تتخذ تونس مثالًا يقاس عليها ونموذجًا ينسج على منواله.

стр. 11912

فالعلمانية: أوجدها اليهود لتقضي على نفوذ الكنيسة في أوروبا، وأول ثورة نجح بها في هذا الموضوع هي الثورة الفرنسية، ثم جاءت بعد ذلك ثورات أخرى في أقطار أوربية كثيرة، تمكنت أن تقوم بفصل الدين عن الدولة، وبدأ التعليم العلماني في الدول الغربية بعد تلك الخطوات، وفقدت الكنيسة مكانتها التي كانت تتبوؤها في التربية والتعليم. هكذا عرف الفصل بين الدين والدولة في أمم الغرب، لقد حدث هذا، لأن رجال الدين عجزوا عن تقديم الحلول الصحيحة السليمة للمشكلات التي كان يعاني منها المجتمع. أما الإسلام فإنه لا يعرف شيئًا من هذا الفصل المزعوم، والقرآن الكريم يدعو الناس إلى الإيمان بأحكامه الدينية والدنيوية، ويعتبر الإيمان ببعض القرآن والكفر ببعضها الآخر كفرًا، وأن القرآن أنزله الله تعالى ليكون الحاكم بين المسلمين، قال تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ اللهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللهُ إِلَيْكَ﴾ (١) . والإسلام ينظم شؤون الفرد والأسرة والدولة، بل ينظم شؤون المجتمعات: قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ (٢) . إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة التي وردت في هذا المعنى. ولقد كان النبي ﷺ يقوم بوظيفة الدعوة إلى الله تعالى، وتعليم الناس القرآن الكريم وأحكام الإسلام , في الوقت نفسه كان رسول الله ﷺ رئيس الدولة والقائد لجيوش المسلمين، ذلك أن الإسلام يمثل ثلاثة عناصر: ١- العقيدة. ٢- الشريعة. ٣- الأخلاق.

стр. 11913

وإذا كان الغرب قد بذل جهودًا جهيدة في غزو الفكر الإسلامي، فإنه أراد من ذلك إيقاع العالم الإسلامي في براثن الاحتواء الغربي، إذ عند ذاك يتخلى الفكر الإسلامي عن مكانته، وفي ذلك نجاح كبير للصهيونية وأهدافها التي عملت ـ ولا تزال كذلك تعمل ـ من أجل البقاء في فلسطين. إن الحضارة الغربية تعاني اليوم آلامًا كثيرة وساعة احتضارها ليست بالبعيدة، هذه حقيقة أقرها كثير من كتاب الغرب وفلاسفته الذين عرفوا الحضارة الغربية من الداخل لا من الخارج فقط. ومن أجل ذلك عقد في (إنكلترا) في أوائل القرن التاسع عشر مؤتمر خطير، قرر المؤتمرون فيه هذه الحقيقة ـ حقيقة انهيار الحضارة الغربية ـ لكنهم تواصوا أن يوجهوا سهامهم بعنف وقوة أشد من ذي قبل إلى هذا البديل الذي يحتمل أن يتبوأ مكان الحضارة الغربية، ويحل محلها، هذا البديل هو الأمة الإسلامية: بعقيدتها وشريعتها وقيمها وثقافتها وحضارتها، وقد عملوا منذ يومئذ إلى يومنا هذا على أن يضاعفوا من جهودهم ليفتنوا الأمة الإسلامية عن طريق الغزو الفكري ليتأخر زمن انهيار حضارتهم، وذلك بإذابة (الشخصية الإسلامية) واحتواء (الفكر الإسلامي) (١) .

стр. 11914

٢- آثار العلمانية في التعليم: كانت البلاد الإسلامية في العصور الماضية إسلامية التعليم، ولكن الاستعمار الغازي كبر عليه أن يترك للمسلمين دينهم بعد أن سلب منهم خيرات أرضهم، وسعى بكل وسائله ليحقق فيهم جهلهم بدينهم مما كان لهذا أعظم الأثر في حياة المسلمين سلبًا، ولقد تناولت هذا الموضوع بشيء من التفصيل في المحور الأول (الفقرة الثانية بعد الاقتصاد) . ٣- آثار العلمانية في الإعلام: العلمانية في التعليم أقدم وأخطر، والعلمانية في الإعلام أعم وأشمل.. ومن هنا تكمن خطورتها، فإذا كان التعليم يخاطب الآلاف بمناهجه، فإن الإعلام يخاطب الملايين ببرامجه؛ وأكثر هذه الملايين ساذجة تؤثر فيها الكلمة، مقروءة أو مسموعة، أو متطورة، وقد بذل الاستعمار جهده في السيطرة على أجهزة الإعلام في البلاد الإسلامية، واستطاع أن يوجه الصحافة والإذاعة المسموعة والمرئية والمسرح، وفنون الغناء، والتصوير، والهدف من ذلك هو تشكيل أجيال وفق قيم وأسس بعيدة عن الإسلام في عقيدته وشريعته، وقد فصلت القول في هذا الموضوع في المحور الأول (الفقرة الخامسة) .

стр. 11915

أما الحداثة: إذا كان المراد منها المدنية الحديثة وما نجم عنها من أنظمة الحياة الإنسانية من مبادئ فاسدة منحرفة، جرت على العالم كثيرًا من العواقب الوخيمة وويلات الثبور والدمار، وسوف تتجرع الإنسانية غصص شرورها ومآسيها وتعاني منها الكثير من الآثار السيئة، والنتائج البشعة ما دامت تسير في ركابها وتتبع خطواتها. فإن مثل هذه الحداثة والحياة العصرية المنحرفة يرفضها الإسلام، ويدعو إلى قيام المدينة الفاضلة التي تنبثق من أسسه وقواعده، وقد أقام للإنسانية أعظم مدينة عرفها التاريخ. ونحن المسلمين لا نعيش بمعزل عن هذا العالم، لأننا جزء منه، وقد تأثر نفر من أبناء الشرق بمظاهر تلك المدينة المنهارة، ووقع في أسرها، وأصبح من عبيدها، فلم يعد الشعور بفساد مبادئها وسوء عاقبتها كافيًا لأن تكون بمنجاة منها، وصار من الضروري أن نعمل جاهدين للتخلص من نظام هذه المدينة وتحرير أنفسنا من ربقة قادتها من الغربيين وأتباعهم، وإلا واجهنا المصير السيئ بالسقوط في الهوة المرتقبة التي ينحدر إليها العالم كله يوما بعد آخر، وسيلقى حتفه فيها إن عاجلًا أو آجلًا. فالحياة الإجتماعية الحاضرة تقوم على مبادئ الزيغ والضلال والنظريات الخاطئة , والأفكار الهدامة هي التي تسود انحاء العالم. وأنظمة التعليم ووسائل التوجيه والإعلام تنضح بالشر، وتثير الغرائز، وتهتك الفضيلة وتقتل الأخلاق، وتدعو إلى الإباحية والتحلل، حيث سيطرت على العقول الآداب الماجنة والصحافة الفاجرة، والإذاعات اللاهية والأفلام الخليعة. والنظام الاقتصادي الذي يتحكم في معيشة الناس نظام منحرف فاسد لا يعرف الخير من الشر، ولا يميز بين الحلال والحرام. والسلطة القانونية التي توجه المدينة وتسخر إمكانياتها تستوحي تصوراتها للأخلاق والتمدن من المبادئ المادية البحتة. ولهذا يتحتم على المسلمين مقاومة هذه النظم بعزم حديدي لا يعرف الوهن حتى يستبدلوا بها شرعة الله لإنقاذ العالم كله أولًا , من تلك العواقب الوخيمة، وإنقاذ أنفسنا بالتالي منها، وهذا أمر يحتاج إلى جهاد مرير متواصل للقضاء على أنظمة الحياة الفاسدة، وإقامة قواعد الحياة الإنسانية بشتى نظمها على شرع الله الذي نؤمن بصلاحه، ونثق في قدرته على إسعادنا وتوفير الرفاه والسلام لنا، ونعتقد أنه الوسيلة الوحيدة لنجاة الإنسانية كلها وخلاصها. والمدنية الحديثة التي يقوم في ظلها نظام الحياة الحالي بمختلف فروعه العقائدية والأخلاقية والاقتصادية والسياسية والثقافية ترتكز على دعائم ثلاث هي المبادئ الرئيسية الآتية: ١- العلمانية أو اللادينية (Sacularism) . ٢- القومية (Nationalism) . ٣- الديمقراطية (Democracy) . وهذه المبادئ الثلاثة خاطئة فاسدة، وهي منبع الشرور والمصائب والمآسي التي تعاني الإنسانية من جرائها اليوم ما تعانيه. أما كيف ننتقد هذه المبادئ؟ وما المنهج الذي نسلكه في نقدها فهذا يحتاج إلى بحث مستفيض، لا يتسع المقام للخوض فيه, راجع مزيدًا في التفصيل ـ في كتاب ـ الإسلام والمدنية الحديثة أبو الأعلى المودودي، ص ٢٧ وما بعدها.

стр. 11916

أسس ووسائل مقاومة الغزو الفكري إن الغزو الفكري الذي عمت ضلالته، وكثرت اتجاهاته، إن لم نقف أمامه وقفة جادة فسوف تكون العاقبة أليمة، والخطب جسيمًا (ولات ساعة مندم) , ذلك أن نصر الله وتأييده يتوقف على مقدار تمسكنا بكتاب ربنا وسنة نبينا ﷺ وإن الهزائم التي تعرضنا لها كانت نتائج طبيعية لبعدنا عن القرآن والسنة، قال جل شأنه: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ (١) . وقوله جل شأنه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (٢) فوسائل مقاومة الغزو يجب أن تشمل المباشرة وغير المباشرة، المدرسية واللامدرسية، والجماعية والفردية، والداخلية والخارجية، البشرية والمادية، التقليدية والمستحدثة، الدفاعية والهجومية.. وبذلك لا نترك وسيلة من غير استثمار، ولا أداة بغير توجيه.

стр. 11917

ومقاومة الغزو الفكري عمل كبير لا يمكن أن يقوم على الاجتهادات الفردية، بل لابد من تخطيط مدروس، وأسس عميقة لكي نستطيع مواجهة الغزو الفكري، مواجهة نشطة. ولا يمكن الإحاطة بكل وسائل المقاومة في مثل هذه العجالة لأن هذا موضوع يحتاج إلى بحوث متعددة، وسوف أشير إلى أهم هذه الوسائل بإيجاز كما بدا لي: ١- إنشاء لجان عملية متخصصة لرصد الكتب والدوريات القديمة والجديدة، في مجال الأدب والتاريخ والثقافة، والتي تحمل كثيرًا من السموم والشبهات حول الإسلام في جميع نواحيه والتي كتبها المبشرون والمستشرقون عن الإسلام بهدف التشكيك فيه. ٢- إنشاء دوريات بلغات متعددة ونشرها في البلدان القريبة لتعريف الناس بالإسلام، وبيان الأخطاء التي وقعت في كتب المبشرين والمستشرقين عن الإسلام. ٣- عقد المؤتمرات العلمية في البلدان الغربية، يشارك فيها العلماء المسلمون المتهمون بالغزو الفكري، ويدعى لها علماء الغرب المهتمون بدراسة الإسلام. ٤- إقامة صلات علمية بالمبشرين والمستشرقين لبيان الجوانب التي أخطاوا في فهمها أو عرضها. ٥- تبني إعداد الرسائل العلمية في الجامعات الإسلامية للرد على حملات الغزو الفكري، تترجم فيما بعد إلى لغات أخرى.

стр. 11918

٦- إدخال مادة الغزو الفكري كمقرر إجباري يدرسه جميع الطلاب في المرحلة الثانوية والجامعية لمعرفة هذا الخطر الذي يهدد كيانهم، ويقضي على الإسلام من داخله. ٧- الشمول لكافة القطاعات والفئات: إذ كان الغزو موجهًا لجميع جوانب ونظم حياتنا، فلابد أن يكون الدفاع كذلك عن جميعها بحيث لا تترك جبهة يمكن للغزو الفكري أن يتسلل منها، أو يتغلغل فيها، فيشمل الرد على الغزو الثقافي في مجالات التعليم والإعلام والاقتصاد، فتكون هذه المجالات معبرة عن وجهة نظر الدولة الإسلامية. لهذا كله يبدو (الشمول) كأول أساس في استراتيجية مواجهة الغزو الفكري بحيث لا يجد الغازي ـ الواضح أو المستتر ـ جانبًا يستطيع تحصنًا فيه، أو جيبًا يستطيع تحوصلًا في داخله (١) . ٨- التنسيق بين الدول والهيئات: إذ كان للغزو الفكري بنوك معلومات، وغرف عمليات بين كافة دوله وهيئاته الرسمية والشعبية، العلنية والسرية، فكذلك ينبغي أن يكون الأمر في المقاومة، بل ينبغي أن يتجاوز ذلك ويعلو عليه. فمن المستحيل على بلد إسلامي بمفرده ـ أيا كان حجمه، وأيا كانت إمكاناته ـ أن يواجه تيارات الغزو بمفرده، أو يتغلب على الطوفات بمعزل عن زملائه وإخوانه في الإسلام. وإذا كان هذا التنسيق ضرورة وجود لجميع الدول الإسلامية، فينبغي أيضًا أن يكون ضرورة حياة لجميع الهيئات الإسلامية داخل البلد الواحد، بحيث تتكامل الجهود، وتتكاتف الإمكانات وتتآزر القوى. أما الفرقة والتناحر، فلا نتيجة لها إلا تبديد الجهود، وتمزيق الصف، وتفتيت الشمل، ومن هنا لابد للدول الإسلامية ـ إن أرادت العزة والمنعة والتمكين في الأرض ـ أن تغلق باب الخلاف وتفتح باب الوفاق، وتوجه إمكاناتها وجهدها للعدو الأصلي. وللخطر الداهم في إطار من العقيدة والشريعة، وبذلك تصنع الحاجز الحقيقي، والسد المنيع ضد التسلل للغزو الفكري داخل ديار المسلمين، وهذا ما ندبهم إليه القرآن لكريم، ليتعاونوا على ما ينفعهم في دينهم ودنياهم، قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (٢) . ٩- الاعتماد على الذات: من أنجع الوسائل في مقاومة الغزو الفكري، أن نعتمد على أنفسنا، ويظهر هذا الاعتماد في أمور مختلفة، وجوانب متعددة، من بينها الفكر، والمعلومات، والعاملون، والميزانية، فإذا كانت مقاومة الغزو الفكري تعتمد على أفكار مستوردة، ونظريات مستعارة، يستحيل أن تكون هذه المقاومة فعالة ولها نتائج إيجابية، ومن هنا فلابد أن نركز على الإسلام عقيدة وشريعة، نظريًّا وتطبيقيًّا، فلكي نستطيع مقاومة الغزو ـ ينبغي أن تكون مُثل الإسلام ومفاهيمه وقيمه ومضامينه واضحة في أذهان القيادات والدعاة والمسؤولين والولاة، ففاقد الشيء لا يعطيه. ١٠- تعدد وسائل الدفاع والهجوم: فالمقاومة التي يكتب لها النجاح والاستمرار يجب أن لا تقتصر على جانب دون آخر لأن البعض منا قد يتصور أحيانًا أن الخطبة والعظة، والدرس والتوجيه هي أفضل وسائل الدعوة، وأقوى وسائل الرد والكشف، بيد أن الأمر يتجاوز ذلك، ومن هنا كان لابد لوسائل الدفاع والهجوم أن تتجاوز ذلك إلى الكتاب والمجلة والصحيفة، والبرنامج الإذاعي، وبرنامج التلفاز، والمسرحية الإسلامية، والقصة والشعر، والنادي الإسلامي، والنشاط الرياضي والترويحي الموجه وجهة إسلامية، والمتحف والمعرض الإسلامي، والمكتبة والمرسم، والمختبر والمسجد فمن أخطر ما يكون أن نتصور أن مقاومة الغزو يمكن أن تكون بالكلمة وحدها، مع أن الهجوم بمختلف الأسلحة، وعلى سائر الجبهات.

стр. 11919

١١- دراسة نفسية المهاجمين والمقاومين: من وسائل مقاومة الغزو الفكري، الدراسة العميقة العلمية لنفسية المهاجمين من أعداء الإسلام، ومعرفة نفسية المدافعين عن الإسلام من أهل التوحيد. فكيف لنا أن نعمل بطريقة علمية ومنظمة ونحن لا نعرف أهداف الغزو المعرفة الكافية؟ ومن المؤكد أنه لا تكفي المعرفة السطحية، أو المعرفة المبنية على سرعة حكم، كما أن المعرفة المبنية على معلومات قديمة وخبرات سالفة لا تكفي، لأن الغزو يغير من أساليبه وألوانه، كما قد يغير من أهدافه، ويبدل في ترتيب أولوياته، من هنا فلابد من دراسة متعمقة دونما تحيز أو انفعال لهذه الغزوات لتحليل أساليبها وتطورها، وللوقوف على أسرارها ودقائقها. ومثل هذه الدراسة تقتضي حيطة ونزاهة، وموضوعية، وأمانة، وجلدًا ومثابرة، وطول نفس وأناة، ومعاشرة وفهم، وبذلك كله نستطيع اكتشاف الدوافع والاتجاهات والوسائل والغايات. أما دراسة نفسية المدافعين من المسلمين، فلابد من دراسة عميقة لنفسية الجماعات الإسلامية في مختلف بقاعها ومناطقها, وأن تكون هذه الدراسة شاملة للاحتياجات والدوافع، وللمحركات والمثيرات، وللاستجابات وردود الفعل، فقد تكون المشكلة في جماعة إسلامية نقص خدمة طبية، أو نقص تموين أو مياه، وقد تكون المشكلة نقص مدارس وجامعات، أو ضعف تمويل أو ادخار، وقد تكون المشكلة في عدم وجود سوق للعمل، أو سوق لتصريف المنتجات، وقد تكون في الجهل والأمية بأنواعها ودرجاتها المختلفة. من هذه الثغرات يتسلل الاستعمار، وتتغلغل الشيوعية، وتحاول الصهيونية والمؤسسات المرتبطة بها تدميرًا وتخريبًا لأصالتنا، وتفكيكًا لعرى ديننا ووحدتنا. لهذا كله لا بد من الدراسة العميقة لنفسية وظروف ومتغيرات كل جماعة استهدفت أو تستهدف للغزو حتى نفهم الأرضية الثقافية، والنقص الموجود، والثغرة التي حاول الأعداء التسلل منها. فالعدو يدرك نقطة الضعف ومركز الاهتمام وينهال عليه (١)

стр. 11920

١٢- الدفاع والتبليغ: فمن بين الأسس الراسخة التي يجب اعتمادها في مقاومة الغزو الفكري أن المقاومة خير وسيلة للدفاع، والوقاية خير من العلاج، والتحصن المبكر أفضل من انتظار العدوى، لهذا من الطبيعي جدًّا أن تتحرك المقاومة في خطوط متواصلة، ودفاعات منتظمة بحيث لا تنتظر في قواعدها وخنادقها، بل تتقدم في نقاط أمامية، ومواقع تبادلية. فبدلًا من انتظار وقوع الغزو علينا استخدام كل الوسائل التي تحول دون وقوعه.. كما ينبغي الانتقال إلى مواقع الأحداث لأن ذلك يتيح لنا متابعة ذكية، وصدًّا نشطًا واكتشافًا مبكرًا، وبذلك نتابع الأحداث فور وقوعها، ونتعقب التغييرات حال قيامها مما يجعلنا باستمرار على بينة بما يدور على المسرح وخلف ستائره، بما يجري عندنا وحولنا، ومثل هذه المتابعة لا تقتصر على مجرد رصد الأحداث، بل المشاركة أيضًا في صنعها. فالقوة اليوم ليست في انتظار ماذا سيحل بنا من هجوم، أو يطرأ علينا من غزو، بل في تداركه قبل وقوعه، واكتشافه قبل بدايته. لهذا كانت الدعوة الإسلامية دفاعًا وتبليغًا (١) . ١٣- التربية الإسلامية: لا سبيل إلى تحقيق تلك الأسس والوسائل التي تحدثنا عنها فيما مضى إلا بالتربية الإسلامية، والتنشئة الإسلامية، التي يمكن بها إعداد الإجيال إعدادًا صالحًا وسليمًا ومستقيمًا، وراسخًا وعميقًا، وبهذه التربية نضمن حصانة للأجيال يعصمها من الانحراف، ويمنعها من الانزلاق. لقد انتصر المسلمون بالتربية الصالحة، وبناء الأجيال وصياغتها على الإيمان والرجولة، ثم إعادة صياغتها كلما واجهتهم الأزمات، وفي مختلف الأحداث الضخام، ففي مواجهة حملات الصليبيين والتتار والفرنجة أعاد المسلمون تكوين الفرد المسلم على أخلاق الإسلام، فاستطاعوا أن يحققوا النصر على نفس المستوى الذي حققه المسلمون الأوائل، أو قريبًا منه. وقد فهم المسلمون أن التربية في مفهوم الإسلام تعتبر الفرد المسلم بناء متكاملًا , قوامه الروح والعقل والجسم، وتعني به وفق فهم شامل، أساسه الإيمان بالله، والعمل في الأرض من أجل النماء والبناء والإنشاء. وتقوم التربية الإسلامية على بناء الفرد في البيت بالقدوة، وإقامة علاقة وطيدة بين البيت والمدرسة من خلال الأب والأستاذ والمتعلم جميعًا، كما أكد علماء التربية الإسلامية على ضرورة تلقي العلم من الأساتذة لا من الكتب وحدها، وربطوا بين التعليم والتربية على أساس أن العلم وحده لا يكفي، مالم تصحبه تربية الذوق والعقل والروح. وقوام التربية الإسلامية أساسًا هو (الأخلاق) , ولا يقر الإسلام الفصل بين التعليم والتربية أو بين التربية والأخلاق. وفي مفهوم الإسلام: أن العلم لابد أن تحميه وتظاهره قيمة أخلاقية واضحة، وذلك حتى لا ينحرف أو يفسد أو يتجه وجهة ضارة بالمجتمع الإنساني؛ لقد آمن المسلمون بأن العلوم الحديثة لا تنهض بالمسلمين نهوضًا حقيقيًّا إلا إذا حصلت ضمن دائرة لغتهم وتاريخهم ومشربهم.

стр. 11921

ومن هنا حق عليهم أن يترجموا العلوم الرياضية والطبيعية والفلكية، والتكنولوجية، والطبية جميعًا إلى لغتهم، ثم ينطلقوا من خلالها إلى بناء قوتهم الذاتية على مقتضى بناء الأجيال المسلمة المحصنة بالإيمان والتقى , المفطومة عن الشهوات، المندفعة لتحقيق رسالة المرابطة في الثغور في سبيل حماية الحدود مع الأعداد بالقوة لإرهاب العدو، ثم إقامة المجتمع الإسلامي على النحو الذي رسمه القرآن الكريم، وبينته السنة المشرفة (١) . ١٤- البعثات إلى خارج بلاد المسلمين: المسلمون كفُرادى وجماعات في المجتمع الإنساني لا يمكن أن يعيشوا بمعزل عن العالم من حولهم، فلابد من الاختلاط بالناس على مختلف مستوياتهم وتباين ثقافتهم وبلدانهم، وقد تضطرنا ظروف الدراسة والعمل إلى إرسال بعثات ومهمات للخارج تستغرق شهورًا أو سنينًا. وهذا مطلب ضروري وهام لا يمكن التراجع عنه لصالح التنمية: إنتاجًا وخدمات، كما أن وجود شركات أجنبية كثيرة في مجتمعاتنا الإسلامية قد يلزمها ابتعاث عدد من خبراتنا وفنيِّينا وعمالنا للتدريب في مراكزها. وهذا مطلب حيوي ونافع يسهم في إعداد رأس مال بشري قاعدة كل تنمية، وأساس كل تطوير إداري وتقني، وهذا أمر مشروع وعادل، لا غبار عليه. إلا أن هذه البعثات والمهمات من غير توجيه وتحصين، واهتمام ورعاية قد ينفرط عقد بعض أصحابها: فقد لا يعودون إلى الوطن، أو يعودون وقد أصبحوا من الرافضين لكل ما هو إسلامي، ومن المنادين بكل ما هو غربي.

стр. 11922

وهؤلاء هم قادة الغد.. وهم الذين سيضعون، وينفذون خطط التنمية التي تنعقد عليها الآمال.. وهم الذين أنفقنا في سبيلهم كل غال ورخيص من أجل تعليمهم، وانتقائهم، وابتعاثهم، وهم الذين سيحتلون المراكز الهامة في الجامعات ومراكز البحث، والوظائف العليا.. وهم الذين سيديرون المؤسسات بعد تدريبهم وإعدادهم لشهور أو سنوات.. إلخ. ويمثل هذا القطاع من المسلمين قلب التنمية والتقدم، لهذا كان مستهدفًا أكثر من غيره؛ وأجهزة الغزو تحاصر طلاب البعثات قبل ابتعاثهم، وبعد عودتهم إلى أوطانهم، وفي بعض الحالات تكون مسؤولة عن الانتقاء والإشراف على المبعوثين (١) . ولاشك أنها تحاول اصطياد هؤلاء أثناء دراستهم وتدريبهم على أساس أنهم قادة المستقبل، وزعماء الغد، وهناك عشرات الأمثلة المشهورة والخفية لعملية الانتقاء، الإعداد، التجهيز، الابتعاث، الإشراف، العودة، التصعيد، والمؤازرة بالدعم. ومما ينبغي الإشارة إليه هنا أنه ليس كل مبعوث يتأثر بأجهزة الغزو الفكري، بل هناك آلاف مؤلفة أثناء بعثتهم وبعد عودتهم كانوا خير مثال للإسلام والمسلمين، وبعضهم كان من الدعاة إلى الله المخلصين، وقد عادوا إلى بلادهم أكثر تمسكًا بدينهم لأنهم عرفوا قيمة الإسلام، فالقضية ليست في البعثة، بل في المبعوث؛ ومع وجود هذه العناصر الطيبة بين المبعوثين، ولكي نضمن سلامة كل المبعوثين فلابد من مجهود إداري وبشري ومالي مضاعف لخدمة مبعوثينا بالدعوة الهادفة، والكلمة الطيبة، والمطبوعة الواضحة، واللقاء المثمر، والتوجيه الفعال، والنشاط المنتج، والإشراف الأبوي، والمشرفين الأكفاء، والتنظيم الجيد، والدعم المالي، وزيادة أقطار الدعوة والتنسيق بين الدول، والتعاون بين المنظمات، وعدم التطاحن، وانتقاء قيادات الإشراف، فبمثل ذلك التدعيم والتحصين يمكن لنا حماية بعثاتنا بقدر الطاقة والاستفادة منها بقدر الإمكان (٢) .

стр. 11923

وختامًا: فلعل القارئ الكريم يجد فيما كتبنا المنبه الذي يلفت نظره إلى خطورة الغزو الثقافي، ويكفيه أن يفتح عينيه لكي يرى بنفسه أمارات هذا الغزو قائمة حوله، وربما يستطيع أن يستخلص من الوقائع المعروضة لنظره، نتائج لم تلفت انتباهنا، أو غفلناها عمدًا خلال هذا العرض احتياطًا من التطويل ورغبة في الموضوعية. إن المسلم في هذا العصر مدعو لأن يفهم دينه فهمًا صحيحًا , ويجعل من نفسه قرآنًا يمشي على رجلين: يتمثل أوامر الله ونواهيه، منشرح الصدر، لا يجد في نفسه حرجًا مما قضى الله ورسوله، ويسلم به تسليمًا، ثم يدعو إلى الله بالحكمة والموعظة عن بينة وبرهان، متبعًا أسلوب القرآن الحكيم في دعوة الناس إلى الهدى.. فهل في الوجود من هدي أعظم من هدي الإسلام؟ إن العالم ـ كله ـ اليوم، يخطط البرامج، ويضع المناهج من أجل إطفاء نور الشريعة أو حجب شمسها عن العالم.. فهل ينتبه المسلمون إلى ما يراد بهم وبدينهم؟ يقول الحق جل شأنه: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ (١) . وحين تتجه البشرية إلى الإسلام، فعندئذ فقط يصبح التقدم العلمي والتكنولوجي دافعًا إلى الأمام، ومعينًا على الخلافة الراشدة، بدلًا من وضعه الحالي، الذي يدفع البشرية إلى الإنحلال النفسي والخلقي، كما يدفعها إلى الدمار.. والدلالات التاريخية التي أبرزت الصحوة الإسلامية إلى الوجود اليوم، في الوقت الذي تميل فيه الحضارة المادية الغريبة إلى الهبوط، هي قدر الله الغالب، الذي يشير إلى المستقبل، وحين يقف العالم ـ كله ـ يحارب الإسلام الذي هو قدر الله تعالى، فمن يكون الغالب، ومن يكون المغلوب؟ قال جل شأنه: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (٢) . وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٣) . وكل ما نتمناه هو أن تقوم في البلاد الإسلامية رابطة من المثقفين لكشف هجمات الغزو الفكري على الإسلام، ورد هجماتهم على حصوننا، وبذلك نكون قد أدينا بعض ما أوجب الله علينا، وسوف يكتب لنا في النهاية النصر على أعدائنا: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (٤) . وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. الدكتور عُمَر يُوسف حَمزة

стр. 11924

أهم مراجع البحث (١) . مرتبة على حروف المعجم ١- الإتقان في علوم القرآن، للسيوطي، الطبعة الرابعة، دار المعرفة، بيروت، ١٣٩٨ هـ ١٩٧٨ م. ٢- أساليب الغزو الفكري للعالم الإسلامي: د. علي محمد جريشة، ومحمد شريف الزيبق دار الاعتصام. ٣- الاستشراق والخلفية الفكرية للصراع الحضاري: د. محمود حمدي زقزوق، كتاب الأمة، الطبعة الأولى، صفر ١٤٠٤ هـ. ٤- الاستشراق والمستشرقون، مالهم وما عليهم، د. مصطفي السباعي، طبعة المكتب الإسلامي، بدون تاريخ. ٥- الإسلام والثقافات العربية في مواجهة تحديات الاستعمار: أنور الجندي، دار الاعتصام. ٦- الإسلام والحضارة الغربية: محمد محمد حسين، نشر دار الفتح، طبعة ثانية، ١٣٩٣ هـ. ٧- البرهان في علوم القرآن: الزركشي، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، دار المعرفة، الطبعة الثانية ١٣٩١ هـ ـ ١٩٧٢ م، بيروت. ٨- تاريخ السودان الحديث: ضرار صالح ضرار، مكتبة الحياة، بيروت، طبعة رابعة، ١٩٦٨م. ٩- تاريخ الفرق الإسلامية: د. محمود محمد مزروعة، دار المنار، طبعة أولى، ١٤١٢ هـ ١٩٩١ م.

стр. 11925

١٠- تاريخ القرآن: د. عبد الصبور شاهين، لبنان ـ بيروت. ١١- تاريخ القرآن، لابن عبد الله الزنجاني، الكتاب العربى. ١٢- التاريخ الكبير: الإمام البخارى، الدار اللبنانية. ١٣- التبشير والاستعمار: مصطفي خالدي وعمر فروخ، دار صادر، بيروت. ١٤- تجديد التفكير الديني، الدكتور محمد إقبال، دار الكتب اللبنانية. ١٥- التعليم باللغات الأجنبية في المدارس الرسمية ... إلخ القاهرة سنة ١٤٠٠ هـ. ١٦- تفسير القرآن العظيم، الإمام ابن كثير الدمشقي، دار الفكر، بيروت. ١٧- تقريب التهذيب، للإمام ابن حجر العسقلاني، تحقيق عبد الوهاب عبد اللطيف، دار المعرفة للطباعة والنشر، بيروت، الطبعة الثانية ١٣٩٥ هـ ـ ١٩٧٥م. ١٨- تهذيب التهذيب، للإمام الحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، طبعة مجلس دائرة المعارف النظامية. الهند (مصورة بدار صادر، بيروت) . ١٩- حصوننا مهددة من داخلها: محمد محمد حسين، الطبعة الخامسة، المكتب الإسلامي، ١٣٩٨ هـ ١٩٧٨م. ٢٠- الحلول المستوردة وكيف جنت على أمتنا: د. يوسف القرضاوي، مكتبة وهبة، الطبعة الثالثة، ربيع ١٣٩٧ هـ مارس ١٩٧٧ م. ٢١- دراسات في الحديث النبوي، وتاريخ تدوينه، د. محمد مصطفي الأعظمي، المكتب الإسلامي، سنة ١٤٠٥ هـ ـ ١٩٨٥ م. ٢٢- دراسات في القرآن: الدكتور السيد خليل، دار الفكر، بيروت. ٢٣- دائرة المعارف الإسلامية، طبعة دار الشعب بالقاهرة.

стр. 11926

٢٤- سنن أبي داود، للإمام أبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، مطبعة السعادة بمصر. ٢٥- السنن الكبري، للإمام البهيقي، أحمد بن الحسين بن على البهيقى، طبعة أولى، مطبعة مجلس دائرة المعارف النظامية في حيدر آباد ـ الدكن ـ الهند ١٣٤٤ هـ. ٢٦- السنة ومكانتها في التشريع: الدكتور مصطفي السباعي المتوفى سنة ١٩٦٤ م ـ طبعة ثانية ـ المكتب الإسلامي ـ بيروت ١٣٩٨ هـ. ٢٧- سموم الاستشراق والمستشرقين في العلوم الإسلامية، أنور الجندي، دار الجيل، بيروت، مكتبة التراث الإسلامي، القاهرة. الطبعة الثانية، ١٤٠٥ هـ ـ ١٩٨٥ م ٢٨- شرح إحياء علوم الدين، المرتضى الزبيدي، دار الفكر، بيروت. ٢٩- شبهات التغريب في غزو الفكر الإسلامي، أنور الجندي، المكتب الإسلامي، الطبعة الثانية، سنة ١٤٠٣ هـ ـ ١٩٨٣ م. ٣٠- صحيح البخاري بحاشية السندي، للإمام أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري، دار الفكر، بيروت. ٣١- صحيح ابن حبان: ترتيب الأمير علاء الدين الفارسي، تحقيق عبد الرحمن محمد عثمان، مطبعة المجد، الطبعة الأولى سنة ١٣٩٠ هـ ـ ١٩٧٠م. ٣٢- صحيح المسلم للإمام ابن الحسين مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي، بيروت. ٣٣- طبقات ابن سعد، للإمام محمد بن سعد بن منيع البصري، دار صارد، بيروت، ١٣٧٦ هـ ١٩٥٧ م. ٣٤- العواصم من القواصم، لأبى بكر بن العربي بتحقيق محب الدين الخطيب، المطبعة السلفية، بالقاهرة، ١٣٧١ هـ. ٣٥- الغارة على العالم الإسلامي، ترجمة مساعد اليافي ومحب الدين الخطيب منشورات العصر الحديث، الطبعة الثانية، جدة سنة ١٣٨٧ هـ.

стр. 11927

٣٦- الغزو الفكري للتاريخ والسيرة: سالم على البهنساوي، دار القلم، الكويت، الطبعة الأولى، سنة ١٤٠٦ هـ. ٣٧- الغزو الفكري والتيارات المعادية للإسلام، نشر جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، (مجموعة بحوث) سنة ١٤٠١ هـ ـ ١٩٨١م. ٣٨- قضية التخلف العلمي والتقني في العالم الإسلامي المعاصر، د. زغلول راغب النجار، كتاب الأمة الطبعة الأولي، صفر ١٤٠٩ هـ. ٣٩- كتاب المصاحف، لابن داود: آثر جفري. ٤٠- مباحث في علوم القرآن: الدكتور صبحي الصالح، دار العلم للملايين، طبعة ١٣، سنة ١٩٨١ م. ٤١- المدخل لدراسة السنة النبوية، د. يوسف القرضاوي، مكتبة المدارس ـ الدوحة ـ قطر ١٤١١ هـ ـ ١٩٩١ م. ٤٢- المدخل لدراسة القرآن الكريم: محمد محمد أبو شهبة، الطبعة الثانية، الأزهر ١٩٥٨. ٤٣- المدخل إلى القرآن: بلاشير، ترجمة رضا سعادة. ٤٤- المرشد الوجيز، لأبي شامة، دار الفكر، بيروت. ٤٥- مسند الإمام أحمد، للإمام أحمد بن حنبل الشيباني، بتحقيق أحمد محمد شاكر، طبع دار المعارف بالقاهرة. ٤٦- المستدرك على الصحيحين، لأبي عبد الله النيسابوري (الحاكم) طبع حيدر آباد، ١٣٤١ هـ. ٤٧- المسلمون أمام تحديات الغزو الفكري، إبراهيم النعمة، طبعة ثانية. ٤٨- المستشرقون والمبشرون في العالم العربي الإسلامي، مكتبة الوعي بالقاهرة سنة ١٣٨٤ هـ. ٤٩- ما يقال عن الإسلام، موسوعة العقاد الإسلامية، المجلد الخامس، دار الكتاب العربي، بيروت، ١٣٩١ هـ. ٥٠- من قضايا القرآن، د. إسماعيل أحمد الطحان، المكتبة العربية، الدوحة ـ قطر. ٥١- الموافقات في أصول الأحكام، للإمام إبراهيم بن موسى الغرناطي المعروف بالشاطبي المتوفي ٧٩٠ هـ، مكتبة محمد علي صببيح وأولاده، القاهرة. ٥٢- وسائل مقاومة الغزو الفكري للعالم الإسلامي، تأليف الدكتور حسان محمد حسان، ١٤٠١ هـ. ٥٣- واقعنا المعاصر: الأستاذ محمد قطب، مؤسسة المدينة للصحافة والطباعة والنشر، الطبعة الأولى، سنة ١٤٠٧ هـ ـ ١٩٨٦ م.

стр. 11928

المناقشة الغزو الفكري الرئيس: بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. الغزو الفكري هو موضوع هذه الجلسة المسائية والعارضان هما الشيخ محمد معروف الدواليبي والشيخ محمد نبيل غنايم، وحيث إن الشيخ محمد معروف قد تضمن عرضه اليوم في الجلسة الصباحية فإنا نرجو من الشيخ محمد نبيل غنايم أن يتفضل، والمقرر هو الشيخ البيهقي. الدكتور محمد نبيل غنايم: بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ وعلى آله وأصحابه ومن والاه. أيها الحضور الكرام. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد فالبحوث المقدمة في موضوع الغزو الفكري وبنوده تربو على العشرة، أولها ورقة مقدمة من معالي الدكتور معروف الدواليبي حول ندوة أمريكا والإسلام وتحديات التسعينات التي نظمها قبل أيام معهد دراسات الشرق الأوسط الأمريكي في واشنطن، وقد تفضل معاليه بالكلام عنها في الجلسة الصباحية. والبحث الثاني تقدم به فضيلة الشيخ محمد علي التسخيري، وقد قسم بحثه إلى خمسة فصول، تناول في الأول منها مقدمة عن الغزو الفكري وأهدافه بصفة عامة، وفي الثاني قدم نموذجًا تطبيقيًّا لآثار هذا الغزو في إيران، وفي الفصل الثالث تكلم عن كيفية مواجهة هذا الغزو وإحباط مخططاته بالرجوع للمصادر الإسلامية والعمل بها في جميع مناحي الحياة وليس بالإعلام السطحي المعتمد على الشعارات الجوفاء، وفي الفصل الرابع تناول شبهات أعداء الإسلام في مصدريه الرئيسين القرآن الكريم والسنة النبوية، من حيث التشكيك في حجة الاستدلال بالقرآن الكريم والاستدلال بالنسبة النبوية، وأثبت بطلان تلك الشبهات، ثم تناول في الفصل الخامس علاقة الإسلام بالحكم والدولة وأكد التحامها ورد على شبهات العلمانين في ضرورة فصل الدين عن الدولة وأبطلها بأسلوب جميل وعرض طيب. أما البحث الثالث فهو لفضيلة الحاج شيت محمد ثان، وقد جاء مختصرًا وأشار فيه إشارات سريعة إلى معنى الغزو الفكري وخطورته ومنافذه، ثم أشار إلى عدد من مجمل من الشبهات التي أثيرت حول القرآن الكريم والسنة النبوية ولم يقم بالرد عليها، كما تحدث إجمالًا عن كل من العلمانية والقومية والصهيونية، وفي النهاية قدم عدة مقترحات وأساليب لمقاومة هذا الغزو والقضاء عليه. والبحث الرابع من إعداد الدكتور أبو بكر دوكوري، وقد ركزه حول الشبهات التي أثيرت ضد التشريع الإسلامي والعمل على عدم تطبيقه لعدم مرونته ولعدم صلاحيته ومناسبته للعصر وأنه من آراء الفقهاء وابتكارهم، وأحكامه تتسم بالقسوة والوحشية، ومذاهبه الكثيرة , وفرق المسلمين العديدة , وقام بالرد على كل منها بما أبطلها وبين جمال التشريع الإسلامي وعظمته وصلاحيته لكل زمان ومكان لما فيه من المرونة والقواعد والثوابت والمتغيرات التي تناسب كل عصر وتلبي احتياجات كل أمة.

стр. 11929

أما فضيلة الشيخ الحاج تيرنو عبد الرحمن فقد بين في مقدمة بحثه تعريفًا للغزو الفكري، ومفهومه ثم قسم بحثه إلى أربعة أبواب، تناول في الباب الأول منها الدعوة إلى القومية، وبين في فصول هذا الباب الخمسة آثارها في المجتمع العربي والإسلامي وموقف الإسلام منها، وفي الباب الثاني تحدث عن التبشير وآثاره في إفساد عقائد المسلمين وإعلامهم وثقافتهم وتربيتهم، أما الباب الثالث فقد تحدث فيه عن أساليب الغزو الفكري في التشكيك من طعن في القرآن إلى طعن في شخصية الرسول ﷺ إلى طعن في الإسلام عقيدة وشريعة إلى طعن في المسلمين، وخصص الباب الرابع للكلام عن العلمانية ووسائل نشرها وآثارها في التعليم والقانون والإعلام. أما الدكتور أحمد السايح فقد تحدث عن مفهوم الغزو الفكري وبين أسبابه المتمثلة في العداء الصليبي للإسلام والمسلمين والرغبة في استعمار بلادهم وعقولهم وتقدم الغرب العلمي وتخلف المسلمين فكريًّا واجتماعيًّا في العصر الحديث، ثم تكلم عن مظاهر الغزو الفكري من حملات تشويه إلى إحياء النزاعات الجاهلية والقومية وإبعاد العلماء عن مراكز التوجيه والسلطة والتعليم والثقافة والخدمات الاجتماعية، ومثّل لحملات التشويه ببعض المطاعن في القرآن الكريم والسنة النبوية وشخصية النبي ﷺ وتشويه التاريخ الإسلامي والتراث الإسلامي وغير ذلك، ثم انتقل إلى تيارات الغزو الفكري وحركاته وتناول منها بالتعريف وبصفة خاصة الاستشراق والتبشير والصهيونية والماسونية والعلمانية والقومية والتغريب والوجودية وغيرها، ثم تناول أهداف الغزو الفكري في القضاء على الإسلام وتعاون جميع التيارات والحركات في تحقيق هذا الهدف الكبير عن طريق عدة أهداف جزئية يقوم كل تيار بتحقيقها، ثم عقد القسم الأخير لنقد الغزو الفكري ومواجهته مع التركيز على الاستشراق والتبشير باعتبار الاستشراق المنجم الفكري الذي يمد المبشرين والمستعمرين بأدوات الهدم ومعاول التخريب التي يعملون بها في تخريب الإسلام وأهله، وقدم لهذه المواجهة عدة أصول ومقترحات طيبة.

стр. 11930

وأما بحث فضيلة الشيخ القاسم البيهقي المختار فقد جعل تحت عنوان (المسلمون وتحديات الفكر المعاصر) , تحدث في المدخل الرئيسي عن عظمة الإسلام وأثره وانتشاره، ثم عن المواجهة بين الإسلام والفكر الغازي منذ الحروب الصليبية وحتى وقتنا الحاضر حيث كان الغزو أولًا عسكريًّا ثم أصبح فكريًّا، وقد أخذ الغزو الفكري طريقه إلى المسلمين عبر عدة قنوات منها: التعليم والاقتصاد والسياسة والتشريع والإعلام والثقافة والأخلاق والحياة الاجتماعية وكل مظاهر الحياة، ثم تقدم تطبيقات لهذا الغزو فتحدث عن العلمانية وآثارها وعن حملات التشويه للقرآن الكريم واللغة العربية، وقدم نداء إلى المسلمين باليقظة والاعتزاز بالإسلام، ورسم طريقًا للخروج من المأزق بالعودة إلى العقيدة الصحيحة والشريعة الصافية في القرآن الكريم والسنة النبوية والتراث الإسلامي الصحيح، ودعا إلى تطبيق الإسلام في كل مجالات الحياة. وتناول فضيلة الدكتور عمر يوسف حمزة الغزو الفكري من حيث منافذ دخوله ووسائل مقاومته فالتقى مع البحوث السابقة في منافذ الغزو الفكري: في الاقتصاد والتعليم والصحة والسياسة ووسائل الإعلام، وبين آثار الغزو الفكري في كل منها، ثم انتقل إلى المحور الثاني وهو أساليب الغزو الفكري في التشكيك من طعن في القرآن الكريم إلى طعن في السنة إلى اعتماد ما جاء في بعض كتب السيرة ونظريات بعض الفرق الشاذة، وأخيرًا محاربة الفكر الإسلامي والدعوة إلى فصله عن جذوره وقواعده واستشهد لكل حقل من هذه الحقول بمثال أو اثنين، ثم رد على الشبهات بما يبطلها، أما المحور الثالث فقد خصصه للحديث عن العلمانية والحداثة، فبين اتجاهاتها الخطيرة في محاربة الإسلام والطريق الأنجع في دفع تحركاتها العدوانية ورد نشاطاتها المتنوعة في مجالات الفكر والتعليم والإعلام، واختتم بحثه ببيان أسس ووسائل مقاومة الغزو الفكري. وقدم الدكتور عويد بن عياد المطرفي بحثًا عن ورقة بن نوفل حاول فيه أن يبطل مزاعم النصاري فيما نسبوه إليه من تعليم الرسول ﷺ وسلم وتشويه صورة الإسلام ونقله من النصرانية , وأكد أن ورقة بن نوفل كان من الحنفاء ولم يكن نصرانيًّا في يوم من الأيام.

стр. 11931

وللأستاذ الدكتور عبد السلام العبادي دراسة حول الغزو الثقافي للعالم الإسلامي، بين فيها بدايات هذا الغزو والدوافع التي كانت وراء ذلك وخطورته ووسائل مواجهته، وقد قدم فضيلته في هذا المجال عدة مقترحات طيبة. أما فضيلة الشيخ مصطفي العلوي فقد قدم بحثًا عن الغزو الفكري وأثره في المجتمعات الإسلامية اليوم وكيف يمكن مواجهته وبين أفكاره حول المحاور السابقة التي يلتقي فيها مع الأفكار التي عرضناها من قبل، وقدم في نهاية بحثه عدة مقترحات لمواجهة هذا الغزو. وقدم الأستاذ تيجاني صابون محمد تصوره عن خلفية الغزو الاستعماري الغربي المسلح للدول الإسلامية منذ صدور الإسلام، ثم تعرض للحملات التبشيرية الصليبية وأنواعها وأعوانها من المستشرقين ,ة ومثّل لهذه الحملات بمطاعنهم في النبي ﷺ ودعمهم للفرق الضالة المعادية للإسلام كالقاديانية والبهائية، ثم بين الوسائل الحديثة للغزو الفكري من اقتصاد وتربية وثقافة وإعلام. أما الدكتور محمد عبد اللطيف الفرفور، فعنون بحثه (بالغزو الفكري في المعيار العلمي الموضوعي) ، وقد جعل بحثه في مدخل وأربعة أبواب وخاتمة، تناول في المدخل التعريف بالغزو الفكري وبيان خطره وأهدافه، وخصص الباب الأول للتيارات المعاصرة لدى المفكرين المسلمين في مواجهة مشكلة الغزو الفكري وجعله في فصلين، وفي الباب الثاني تناول في فصلين أساليب الغزو الفكري ومدارسه، وفي الباب الثالث تناول في ثلاثة فصول ظواهر الغزو الفكري، أما الباب الرابع فجعله في فصلين أحدهما لبيان أسباب قيام الغزو الفكري في العالم الإسلامي والثاني لبيان العوامل المساعدة لقيامه، وخصص الباب الخامس لبيان الوقاية والعلاج من هذا الغزو ثم القيام بالغزو الفكري المعاكس.

стр. 11932

أما بحثنا بعنوان (من أساليب الغزو الفكري في مجال الطعن في القرآن الكريم) فقد اتفق مع البحوث السابقة في كثير من الأمور التي تخص التعريف بالغزو الفكري وأهدافه ووسائله وأنواعه ثم انفرد بالحديث عن الغزو الفكري في مجال الطعن في القرآن الكريم، وقد جعلته في ثلاثة فصول، تناول الفصل الأول منها التعريف بالغزو الفكري بصفة عامة في ماضيه وحاضره وأهدافه ووسائله وأنواعه، أما الفصل الثاني فجعلته لسرد مطاعن الغزاة في القرآن الكريم وقسمته طبقًا لهذه المطاعن إلى سبعة بنود تناول كل بند منها مجالًا من مجالات الطعن في القرآن، فبند عن ادعاء بشريته، وبند عن اقتباسه من الكتب السابقة، وثالث عن عدم إعجازه، ورابع عن وقوع التحريف فيه، وخامس عن الأخطاء العلمية واللغوية والتاريخية والتشريعية فيه، وسادس عن وقوع التناقض بين آياته، وسابع عن عجزه وعدم تقديمه للنظريات والمبادئ الحديثة. أما الفصل الثالث، وهو بيت القصيد، فقد خصصته لتفنيد تلك المطاعن والرد عليها وإبطالها، وقد تناولتها بندًا بندًا وناقشتها فكرة فكرة، وقدمت الآدلة النقلية والعقلية على إبطالها، ففي البند أولًا قدمنا أربعة عشر دليلًا منوعًا على أن القرآن الكريم وحي من عند الله تعالى وليس بشريًّا ولا من عمل محمد ﷺ , وفي البند ثانيًا قدمت خمسة أدلة عامة وستة تطبيقية على أن القرآن الكريم ليس مقتبسًا من التوراة ولا الإنجيل ولا غيرهما، وفي البند ثالثًا قدمت خمسة أدلة على أن القرآن الكريم معجز بل هو أكبر معجزة للنبي ﷺ وفي البند رابعًا قدمت سبعة أدلة على أن القرآن الكريم معافى من أي تحريف أو تبديل على عكس الكتب السابقة، وفي البند خامسًا ذكرت أربعة أدلة إجمالية على إبطال دعوى تناقض بين بعض آيات القرآن الكريم، ثم وضحت ذلك في اثني عشر موضعًا مما استندوا إليه وظنوه تعارضًا، وفي البند سادسًا ناقشت ما اسموه أخطاء القرآن الكريم فبينت أنهم هم المخطؤون وأن القرآن الكريم بريء من أي خطأ؛ لأنه تنزيل من حكيم حميد، وفي البند سابعًا ناقشت موضوع النظريات التي يتساءلون عنها وبينت ما قدمه القرآن الكريم في هذا المجال مما لم يسبق إليه ولم يلحق فيه، ودعمت ذلك كله بأقوال العلماء والمفكرين وبعض المنصفين من غير المسلمين. أسأل الله ﵎ أن ينفع بهذه البحوث وأن يجعلها جميعها خالصة لوجه الكريم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وشكرا.

стр. 11933

الدكتور محمد عبد اللطيف الفرفور: شكرًا للسيد الرئيس، أتقدم بخالص الشكر والتقدير لأخي العارض حفظه الله تعالى حيث كان أمينًا على البحث العلمي وأمينًا على ما جاء فيه من دراسات جديدة وحديثة أو قديمة وعلى آراء الباحثين، ووددت لو أن أكثر العارضين أو كلهم مع احترامي وتقديري لهم اقتدوا بهذا الأخ الفاضل في حسن عرضه وفي حسن تقديمه لآراء زملائه. هذه ناحية، والناحية الثانية هي أننا في هذه الأمسية الكريمة التي خصصت للغزو الفكري يجدر بنا أن نبحث عن الوسائل العلمية للوقوف في وجه الغزو الفكري، فالبحوث والخطب والمحاضرات والكلمات والكتب التي ألفت وصنفت وكتبت في هذا البحث تصنف مكتبة كاملة، يعني نستطيع أن نقول إننا اليوم نئن من التخمة في قضية البحث في هذه المسألة، نحن بحاجة ـ كما أرى والله الملهم الذي يشرح الصدور ـ إلى الأساليب العلمية. مثلًا أنا أرى أن تكون هناك ندوات فعلية للغزو الفكري، يعني أن ننزل إلى الميدان وأن يشكل المجمع بأمانته الكريمة ورئاسته الرشيدة منا لجانًا تنزل إلى الجامعات فتحاضر، فكلنا على مستوى أستاذ جامعة تقريبًا، لماذا لا نحاول في هذا الموضوع؟ لماذا لا ننزل؟ لماذا نبقى مقطورين ضمن نطاق المجمع فقط؟ وطبعًا هذا عمل كبير ومشرف ولكنه لا يكفي ولا يفي بالغرض، نحن نعد هذا المجمع منطلقًا إلى العمل كقاعدة ننطلق منها إلى العمل المنتج المثمر. إن الناس يريدون منا أن نتكلم لهم، أن نحاضر عليهم، أن نبحث معهم، أن نعقد معهم ندوات. الصحوة الإسلامية اليوم، يا سادة، تناشدنا وتهيب بنا، الشباب المسلم يغلي إيمانًا وإخلاصًا، يريد من يرشده إلى الحق إلى الخير، يريد من يخلصه من شبهاته. يرى الغزو الفكري والثقافي هاجمًا ولكن لا يرى ولا يستطيع ولا يجد الوسائل لدفع هذا الخطر الداهم, من الذي يوجد له هذه الوسائل، نحن خدام العلم وسدنة الشريعة المتشرفين بحمل هذه الأمانة، يجب علينا أن نذهب - لوجه الله إلى أقصى الأرض ونحاضر ونخطب في المساجد، في الجامعات، في الكليات، في المنتديات، وفي المراكز الثقافية حيثما استطعنا ونكون رسل المجمع إلى العالم الإسلامي، هذه هي الوسائل العملية أو إحدى الوسائل العملية للوقوف في وجه الغزو الفكري. يا سادة أنا أتحرق ولا أقول هذا مجاملة، إنني أرى غيرنا من أصحاب الأديان الباطلة وأنتم تعلمون أن التبشير ماذا يصنع في إفريقيا، ماذا يصنع في الفلبين، وماذا يصنع في أندونيسيا، وماذا يصنع في أنحاء الأرض، المبشرون لا يتكلمون بالمجمع (الفاتيكان) ولكن يتكلمون في كل مكان، لقد بنوا أكبر كنيسة بالعالم حيث لا يوجد فيها في ذلك المكان أكثر من عشر آلاف نصراني، في جنوب أفريقيا أكبر كنيسة في العالم، الإرساليات التبشيرية تغزو الأرض، تغزو شعوب العالم، فماذا صنعنا نحن الدعاة إلى الحق , إلى الإسلام , ضعفاء لا نتقن إلا صناعة الكلام , فمتى نتقن صناعة العمل؟ أقول قولى هذا وأستغفر الله العظيم، وشكرًا.

стр. 11934

الدكتور طه جابر العلواني: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ لا شك أن فترة السنوات الثلاثة الماضية قد شهدت مرحلة انهيار التوازن العالمي الذي قام في العالم بعد الحرب العالمية الثانية وأدى بدوره إلى تفرد الولايات المتحدة الأمريكية نسبيًّا في الشؤون الدولية، ولا شك أن انهيارًا عربيًّا قد حدث خلال هذه الفترة , عبرت عنه تلك السياسة المعروفة التي كانت كارثة الخليج الثانية التعبير المتأخر عنه بقدر ما كانت كارثة الخليج الأولي تمهيدًا ضروريًّا له، وقد بدأ هذا الانهيار بوضوح بتجاوز كل ما كان متعارفًا عليه في ظل نظام ما بعد الحرب العالمية الثانية الدولي , أو ما يسمى بفترة الخمسينيات والستينيات كالجامعة العربية ومؤتمرات القمة ومنظمة المؤتمر الإسلامي وغيرها من أطر ومحاور التفاهم والتنسيق خاصة في عالمنا الإسلامي.. , ومن الواضح أن النظام العالمي الجديد الذي يأخذ المسلمون فيه دور المفعول به والمفعول فيه بأجلى شك يقوم على قواعد ثلاث: الديمقراطية في المجال السياسي، الاقتصاد الحر الرأسمالي في المجال الاقتصادي، العلمانية كفلسفة فكرية وثقافية وإطار مرجعي لسائر قضايا الفكر والثقافة والنظم ومناهج الحياة. الغزو الفكري بشكله المألوف قد تغير ليصبح الآن محاولة ذات ثلاث شعب تقوم على هذه الأسس الثلاث: الديمقراطية في النظام السياسي، الاقتصاد الحر الرأسمالي في المجال الاقتصادي، العلمانية كفلسفة فكرية وثقافية وإطار مرجعي لسائر قضايا الفكر والثقافة والنظم ومناهج الحياة. أود أن أتجاوز المجالين الأول والثاني المجال السياسي والمجال الاقتصادي إلى المجال الثالث الذي هو المجال الفكري. العلمانية مصطلح من أكثر المصطلحات غموضًا وإبهامًا في لغتنا العربية، وقد رأيت الأخوة الباحثين الذين تناولوا هذا المصطلح ترددوا بين معان مختلفة لهذا المصطلح الغامض، ذلك لأنه مصطلح منقول من نسب حضاري مختلف، فدلالته الحقيقة لا يمكن تحديدها إلا بمعرفة ذلك النسب الحضاري بكل تفاصيله وبحل جوانبه , هذا النسب الحضاري فيه عدة تشكيلات فرعية , فهناك التشكيل الفرنسي الكاثوليكي وهناك التشكيل الإنجليزي والألماني والتشكيل الأمريكي مؤخرًا , وكل تشكيل له تعريفه ومصلحه الخاصة بالنسبة للعلمانية. ولقد خاضت هذه التشكيلات الحضارية تحولات مختلفة وتزايدت فيها معدلات العلمنة , واختلفت مواقفها من العلمانية باختلاف المرحلة التاريخية , وباختلاف الجماعة التي تقوم بعملية التعريف، ومع انتقال المصطلح إلى عالمنا العربي والإسلامي فإن المجال الدلالي للكلمة أصبح مجالًا شديد الاضطراب وسبّب اختلالًا في الفكرة المأخوذة عن هذا المجال. فمن المفكرين ومن بعض الباحثين من يرى أن أدق ترجمة للمصطلح هي العلمانية بكسر العين نسبة إلى العِلم أو بفتح العين نسبة إلى العالم، ويذهب البعض إلى تسميتها بالدنيوية، أي: الإقبال على الحياة الدنيا وحدها والإعراض عن الآخرة , وحسب هذه التسمية , فالعلمانية هي الظاهرة ـ باعتبارها ـ الزمنية أي أن كل الظواهر مرتبطة بالزمان وبالحياة الدنيا ولا علاقة لها بأي غيب، وأن كل ما يحدث في هذه الحياة لا يجوز نسبته إلى أي غيب , وأن هذه الحياة الدنيا هي الإطار المرجعي لكل شيء.

стр. 11935

وأفضل تجاوز الترجمة ومصطلحات أهلها إلى النظر في المظاهر نفسها, فأقرب المصطلحات أو أقرب تعريف عربي آراه من خلال ملاحظة الظاهرة هو الدنيوية، فهي ليست عِلمانية بمعنى العلم وليست عَلمانية بمعنى العالم , لكنها دنيوية يعنى التركيز على الحياة الدنيا واتخاذ الحياة الدنيا وتجارب الإنسان وخبراته إطار مرجعيًّا لا يجوز تجاوزه في أي شيء من الأشياء، وفي هذه الحالة لا تعني العلمانية أن يتحول معتنقها إلى ملحد لكنه يكون دنيويًّا له حق الإلحاد وله حق الإيمان. تلك مسألة شخصية , لكن ليس له أن يحتم هذا الإيمان بأي شأن من شؤون الحياة، لا في سياسة ولا في اقتصاد ولا في تعليم ولا في اجتماع ولا في فكرة ولا في شيء من هذه الأسياء. هذه الدعامة التي بدأ النظام الدولى الجديد يبشر بها ويحاول أن يصوغ العالم أو يعلنه أو يدخله مرحلة هذا الدين الجديد الذي سماه بما شاء هو الوجه الجديد لهذا الغزو الفكري الذي يمكن أن نواجهه. إن المصطلح اكتسب مجالًا دلاليًّا أوسع بكثير وأصبح مصطلحًا يصف ظاهرة اجتماعية وتحولات دنيوية ليست لها علاقة محددة بأية حركة فكرية، ولو نظرنا في قواميس هؤلاء لوجدنا مصداق ذلك، إن الدنيوية ـ كما نود أن نشيع هذا المصطلح فيما بيننا ـ حركة كونية شاملة كاسحة تغطي كل جوانب الحياة، خطأ أن ننظر إليها على أنها لا تعني إلا فصل الدين عن الحياة أو فصل الدين عن الدولة , أو إعطاء مجال لحرية أو تحرك سياسي بعيد عن القيم الدينية, ليس هذا إطلاقًا هو مفهوم العلمانية ولكنها كما قلت حركة كونية شاملة كاسحة تغطي كل جوانب الحياة، وهي في وضعنا الحالي تشكل ثورة شاملة، ثورة في مجال المعرفة، وثورة في مجال النظم, فلقد تأسست على ضوء من هذه الدنيوية وعلى دعامة أساسية منها هذه العلوم الإنسانية والاجتماعية التي تدخل عقولنا وأدمغتنا كعلوم نفس وتربية واجتماع واقتصاد وسياسة وقانون وإدارة وإعلام وغيرها , والتي من المؤسف أنها أصبحت المشكلة للعقل الإنساني كله وعلى مستوى عالمي والتي لم يستطع المسلمون حتى يومنا هذا أن يفكروا في مواجهتها واختراقها، اللهم إلا محاولات ضعيفة ضحلة لا تستطيع أن تواجه هذا التيار الكاسح.

стр. 11936

إن هذا الغزو الجديد بأشكاله هذه يمكن أن نشير إلى أهم انعكاساته أو أهم المؤشرات عليه: أولًا: إن أي مجتمع إنساني لا يمكن أن يخلو من إجراءات العلمنة؛ إذ إن على الإنسان مهما بلغ من التقوى والورع لابد له أن يتعامل مع الحياة الدنيا من خلال منطلقاته المعرفية , من خلال قيمه وعقيدته، لكن التعامل مع الدنيا مهما يبلغ من حركة واتساع كان دائمًا بالنسبة للأديان السماوية بصفة خاصة كان دائمًا يتم داخل إطار يشير إلى مرجع من خارج الإنسان مرجع نهائي , ذلك هو الدين يرجع الناس إليه ليضبطوا حركتهم ويضعوا لها الضوابط، حركة الدنيوية أو العلمانية المعاصرة ترفض هذه المرجع تمامًا وتنفيه وتستبعده استبعادًا تامًّا, هذه نقطة أساسية، وعلى الرغم من أن الحضارة الغريبة في العصور الوسطى كانت حضارة دينية إلا تراث الغرب الهيليني والروماني كان يحوي داخله نزعة مادية قوية تسوي بين الجسد والروح وتوحد بينهما.

стр. 11937

ثانيًا: يذهب المؤرخون إلى أن تآكل نفوذ الكنيسة في العصور الوسطى وتزايد هيمنة الملوك عليها سبب نفورًا شديدًا من المؤسسات الدينية ونفورًا من الدين بصفة عامة، يشير ماكس فيبر إلى أن السمة الأساسية للحضارة الغربية المعاصرة هي نزوعها المتزايد نحو الترشيد وأنها تعبر عن هذا الترشيد بعملية العلمنة أو الدنيوية. الترشيد في أحد جوانبه يعني أن المفهوم الغربي تحويل الواقع إلى وسيلة، ولذلك قد صموا آذاننا بوجوب الرجوع إلى الواقع وتحتيم الواقع والنظر بالواقع والأخذ من الواقع، ولكن بهذا المفهوم، بمفهوم تحويل إلى وسيلة بحيث يمكن توظيفه في خدمات معينة. لكن عملية الترشيد هذه تتطلب قدرًا عاليًا من التجريد، إذ إن الإنسان إذا أدرك واقعه بشكله المعين فإنه لا يمكنه توظيفه ولا يمكن التحكم فيه ولابد أنه سيلتفت شاء أو أبي إلى ذلك الإطار المرجعي الذي هو من خارج الإنسان وخارج الحياة، مع تزايد انتشار ما يسمى بالاقتصاد العائلي والصناعات المرتبطة به زادت الحاجة لشراء المواد الخام ولدفع أجور العمال والتكاليف الأخرى، ولذلك تم البحث عن مصادر المعادن النفسية واكتشافها لتوفير العملة اللازمة للتبادل، فابتني الاقتصاد المعاصر كله على النقود، والنقود هي أكثر الأمور تجريدًا، فهي ليست سلعة ولا خدمة، وإنما هي علامة تشير إلى قيمة مجردة، كان هذا القطاع الاقتصادي الجديد من أول القطاعات التي انسلخت من نفوذ النظام الإقطاعي والكنيسة، بحيث أصبح قطاعًا مستقلًا إلى حد كبير يتحرك حسب قيمه المادية الكامنة فيه وقوانين حركته المجردة التي ترفض أن تقيد بأية ضوابط أو قيم أخلاقية، إذ كانت النقود دالًّا يشير إلى مدلول غامض، خدمات وسلع، فهو يصبح دالًّا دون مدلول أو هدف، وفي هذا قمة التجريد، وحين يدخل الاقتصاد الجديد مرحلة التراكم يصبح الإنسان جزءًا من عملية لا يحكمها تمامًا ثمثل بذاتها الغاية والوسيلة عملية تتحرك دون هدف واضح، ساهمت حركة الاكتشاف في توسيع آفاق الإنسان وظهور تعددية في الرؤيا تولد إحساسًا بنسبة الواقع مما قوى من دعائم الإيمان الديني، ولكن هذه النسبية جعلت العقل قادرًا على تجاوز المعطيات المتعينة التي يشاهدها ويشعر بها الإصلاح الديني البروتستاني الذي شكل أول خطوة نحو علمنة عقل الإنسان الغربي، إذ جعل الخلاص مسألة فردية , وجَعْلُ الدين أمرًا فرديًّا خاصًّا هو الذي ساعد على جعل عمليات التحول تتم من خلال قضايا سميت بقضايا التقشف والعمل المضني المستمر، وقد قضي الإصلاح الديني على أهم المؤسسات الوسيطة وهي الكنيسة بكل مؤسساتها، وظهرت الفلسفة الإنسانية التي وضعت الإنسان في مركز الكون بحيث يصبح هو الهدف النهائي لوجوده ولا هدف له بعد ذلك، وتطور العلم والفلسفات العلمية والمادية التي وضعت المادة في مركز الكون وحاولت أن تنظر لكل شيء من منظور دنيوي محض، هذه الفلسفة بكل تضاريسها، بكل أبعادها شهدت تصاعدًا ملحوظًا وتنمية لتجعل منها دينًا بديلًا يمكن أن يحل - أو يريد أن يحله أصحابه - محل سائر الأديان وليس الإسلام وحده. وتتخذ العلوم الإنسانية والاجتماعية الغربية الإطار الذي تنطلق منه ومن خلاله هذه الدنيوية لفرض ذاتها على العالم الجديد، وما لم تتم عملية أسلمة مقابل علمنة لهذه العلوم الإنسانية والاجتماعية تجعل للمسلمين علومًا إنسانية واجتماعية من منطلق إسلامي تستمد من كتاب الله ومن سنة رسول الله ﷺ وتلاحظ تراثنا واحتياجاتنا وتلاحظ هذا العالم من منظور الإسلام لا من منظور الغرب ويكون لها مرجعها لا يمكن أن تواجه هذه الهجمة الجديدة للدنيوية وشكرًا.

стр. 11938

الشيخ محمد الزياني: بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده. موضوع الغزو الفكري من المواضيع التي كانت ولا تزال السمة البارزة في كتابات هذا القرن منذ بدايته، ولكثرة ما كتب فيه من كتب ومقالات ولكثرة ما عمل حوله من ندوات على مدار هذا القرن، فقد خيل للبعض أن هذا الموضوع هو نوع من الوهم، ولذلك رأينا باحثًا إسلاميًّا يصدر في الفترة الأخيرة كتابًا بعنوان الغزو الفكري وهم أم حقيقة؟ وعلى أساس ذلك كان اطلاعي على بعض البحوث وليس على كلها اطلاعًا جزئيًّا لعدم وجود الوقت لذلك ,ولذلك أجدني أختلف مع معظم البحوث على الأقل في تحديد بدايات هذا الغزو، ومعظمها مال إلى أن هذا الغزو الفكري قد بدأ في أكثر الأحوال منذ الحروب الصليبية، وأنا أعتقد أن الغزو الفكري أمر استهدف العقيدة الإسلامية، ولذلك فهو قد بدأ منذ صدع بها رسول الله ﷺ , الغزو الفكري مرحلته الأولي تبدأ في عهد الرسول ﷺ ، وكانت أدواتها تتمثل في الشرك والنفاق إلى جانب اليهود، وحتى ما تناولته هذه البحوث التي نحن بصددها اليوم من قضية الطعن بالقرآن الكريم وأن المستشرقين يطعنون في القرآن الكريم بأشكال متعددة، فإن هذه أيضًا ليست جديدة، فلقد تم ذلك في الفترة المبكرة التي أشرت إليها وقد عبر عنها القرآن، ونظرًا لخطورتها وأثرها في الدعوة الإسلامية فقد تكفل القرآن بالرد عليها وكان الرد قويًّا لدرجة أنه لا يمكن أن يتحمل أي طعن جديد ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾ ليس هناك طعن أكثر من هذا الطعن في مصدرية القرآن وليس هناك رد أبلغ من هذا الرد، ولذلك كل محاولات المستشرقين بعد ذلك في تناول القرآن بالطعن تعتبر ثانوية إذا ما قيست بهذه القضية، ثم بعد ذلك توالت صور الغزو الفكري في عهد الرسول ﷺ ، من تلك الفتن التي أثارها المنافقون وتلك الأسئلة التي كان يثيرها اليهود أيضًا من حين لآخر مستهدفين بها خلخلة أفكار المسلمين وخلخلة عقائدهم، وأنتم أعلم بهذا مني ولا داعي للتذكير بها، بعد ذلك جاءت المرحلة الثانية، وهي مرحلة ما بعد الخلافة الراشدة والتي توسعت بها صور الغزو الفكري وشملت تدخل اليهود في الفكر الإسلامي من خلال بعض المفاهيم التي سربت إلى هذا الفكر والتي نتج عنها كما تعلمون ما يسمى بالإسرائليات، ونتج عنها في الإطار الآخر تجديد الطائفية والفرقة والتنازع بين المسلمين، ثم تأتي المرحلة الثالثة والتي أشارت لها بعض البحوث وهي مرحلة ما بعد الحروب الصليبية، ومرحلة ما بعد الحروب الصليبية كانت نتيجة لتاريخ مطول أو تاريخ طويل من الصراع بين الإسلام والكفر، هذا الصراع اتخذ مظهرًا مسلحًا عبر كل اللقاءات التي لقي المسلمون فيها أعداءهم، وهذا النوع من الصراع كانت الغلبة فيه دائمًا للمسلمين على الرغم من قلة العدد والعدة في كل المعارك الإسلامية، ولذلك جاءت ثمرة الحروب الصليبية أن تعطي مؤشرًا بأن هؤلاء المسلمين لا يمكن لأي إنسان أن يتغلب عليهم لأن في دينهم شيء يسمى الجهاد، فالجهاد لابد أن يطمس من حياتهم حتى يمكن التغلب عليهم، من هنا حصل التحول الخطير في تاريخ العلاقات الإسلامية الغربية أو اليهودية، وبدأ المشركون بجميع أشكالهم يخططون لما يمكن أن يسمى بالغزو الفكري اليوم، تعلمون أن موضوع الجهاد من أخطر المواضيع، ويوم أن ابتعد المسلمون عن الجهاد فإن الخط الحضاري الذي كان يصعد بدأ ينحدر , وهذه المشكلة مشكلة الجهاد لا زالت حتى هذه اللحظة تعد من أخطر المسائل التي إذا بحث فيها المسلمون دق ناقوس الخطر عند أعدائهم، وحتي في صراعاتنا الحالية تتولى وكالات الأنباء بجميع أنواعها وصورها طمس هذا المفهوم، حتى إذا تحدثت عن قتلى المسلمين فلا تقول استشهد من المسلمين كذا أو استشهد في فلسطين كذا وإنما تقول قتل.

стр. 11939

تأتي بعد ذلك المرحلة الرابعة ربما، وهي المرحلة ما بعد استعمار العالم الثالث، تلك المرحلة التي قسم بها العالم الإسلامي، قسمت فيها دول العالم الإسلامي، هذه المرحلة استهدفت شيئًا آخر، استهدفت وضع الحدود بين دول العالم الإسلامي كما تعلمون، كان المسلمون يتواصلون , وكان الإنسان المسلم يذهب من أقصى المغرب إلى أقصى المشرق يدرس ويتزوج ويمتلك ويعيش ولا أحد يتعرضه ولا أحد يتوجس خيفة منه، ولنا في العلماء الكبار صور كثيرة أنتم أعلم بها أيضًا , فبعد استعمار العالم الثالث وضعت الحدود بين دول العالم الإسلامي , وبوضع الحدود تم قطع التواصل بين أفراد العالم الإسلامي، وخاصة بين مثقفيه. والنتيجة أننا لا نعلم شيئًا عن الآخر , ولولا هذه المؤتمرات التي تجمعنا فإننا لا نعلم عن بعضنا شيئًا إلَّا ما يقال عبر إذاعات الغرب، لا أحد يعلم بما في الشرق من إصدارات ثقافية , ولا أحد يعلم بما في الغرب من إصدارات ثقافية أيضًا، وبقطع التواصل الثقافي تم إدخال الريبة والتوجس من المسلمين بعضهم ببعض، وبدأنا نشك في كل كلمة يقولها إنسان مسلم آخر ونحورها إلى مناحٍ شتى نتيجة عدم علمنا بما يجري بداخل هذه الأمة، أنا أشك في جاري التونسي، وجاري التونسي يشك فيَّ أنا كذلك، وهكذا بقية العالم الآخر الذي أدت هذه الحدود نهائيًّا ما يدور في العالم الإسلامي بين أجزائه، ثم تأتي المرحلة المعاصرة، وهي التي دخلت فيها الصهيونية كطرف في الصراع قوي جدًّا والتي أدت إلى نشوء التيارات الفكرية المختلفة , وأدت إلى ظهور الحركات الهدامة، ونعرف اليوم في جميع أنحاء العالم الإسلامي كثيرًا من الحركات الهدامة كالليونز والروتاري وشهود يهوه وما إلى ذلك، ويتم الإعلان عنها في دول العالم الإسلامي في كل مكان وبصورة واضحة، هذه في تصوري تاريخ هذه المرحلة مرحلة الغزو الفكري، أما جناحاه فإنني أحصرهما في شيئين اثنين الجناح الذي تعامل مع العالم الإسلامي أكاديميًّا، وكما يقولون علميًّا ولا أعتقد بأنه علمي، وهو الاستشراق، والاستشراق تعهد للعالم الغربي بأن يعرف الغرب بالعالم الإسلامي بأن يعرفه بكل شيء ثم يتولى بعد ذلك مهمة تسريب كل الأفكار التي يريدها الغربيون كما تحدث فضيلة الدكتور طه ـ حفظه الله ـ لكن هذا الاستشراق الآن قد أدى إلى أن يكتسب منه المسلمون حساسية معينة، ولذلك في المؤتمرات الأخيرة للاستشراق أعلنوا عن موت الاستشراق، ولم يعد هناك كما يتصورون استشراقًَا، بينما تدل الإحصاءات على أن اثني عشر في المائة من ميزانية التعليم يخصص لتكون المستشرقين الذين هم خبراء شرق أوسطيين الآن , وإذا حولنا هذا الرقم اثنا عشر في المائة إلى رقم عددي فإنه ما يقرب من أربعين ألفًا كما تدل المصادر، أما الجناح الآخر وهو التنصير، وهنا أنبه إلى أن مصطلح التبشير مصطلح خاطئ، ولا أعتقد أن له أصلًا لغويًّا, التنصير وهو ذلك الذي تولى الدخول إلى بلدان العالم الإسلامي في تلك المناطق التي لا يستطيع الفكر أن يدخلها دخل بآلياته المختلفة , وأنا لا يهمني فيه الشكل القديم الذي كما تعرفون يعتمد على الخبز والدواء والعلاج، وإنما يهمني به الشكل المعاصر الآن، ومن الشكل المعاصر أذكر تلك الخطة الجهنمية التي يحاول المنصرون الآن استخدامها في مواجهة المناطق التي يسمونها مغلقة أمام العمل التنصيري، هذه المناطق التي يقصدون بها دول العالم الإسلامي التي لا يمكن للتنصير أن يدخل فيها علنًا، هذه الخطة يسمونها بالجوالون، والجوّالون هم أولئك النفر من الناس الذين يدخلون إلى العالم الإسلامي تحت ستار العمل في الشركات والمؤسسات التجارية المختلفة، وهؤلاء يتم اختيارهم بصورة دقيقة، وتدل المصادر على أن بعض الدول الإسلامية قد أخذت بعض العاملين من مصر، وكان التخطيط أن يتم أخذهم كلهم من الأقباط وبتخطيط من الكنيسة، وهذه الفكرة فكرة الجوالون يستهدف منها محاولة الوصول إلى ما لم تصل إليه جحافل المنصرين علانية. إذا انتقلنا إلى نقطة أخرى، ما هو حجم الغزو الفكري؟

стр. 11940

أعتقد أن حجم الغزو الفكري أكب من أن يكون حجم فرد، وأكبر من أن يكون حجم كتاب أو صحيفة أو ما إلى ذلك، إنه حجم دول، دول كاملة، العالم الغربي كله وأمريكا معه، كلها تشترك في هذا الغزو الفكري المعاصر، وتخصص له من الإمكانيات المادية ما لو استعرضناها لأصحبنا في خجل من أمرنا حين نتكلم عن الاتفاقات التي ننفقها في مجال التعليم أو حتى في مجال الدعوة الإسلامية. النقطة التي بعدها، ما هي آثاره؟ ما هي آثار هذا الغزو الفكري في عالمنا المعاصر الآن؟ أعتقد أن آثاره تبرز فيما نحن عليه الآن من وضع في كل مناحي حياتنا على المستوى السياسي، نحن كمسلمين الآن نقبل بالديمقراطية الغربية ونقبل بالتعددية الحزبية ونصر عليها ونعتبرها مظهرًا من مظاهر التقدم والحضارة، ولا أعتقد أن أحدًا منكم يستطيع أو على الأقل يمكن أن يدلني على تأصيل التعددية الحزبية تأصيلًا إسلاميًّا. المظهر الثاني في النشاط الاقتصادي، أصبحنا نحن الآن ندعو ونتمسك ونتعامل بالنظام الاقتصادي الحرّ، ولا أعتقد أن هذا له علاقة بنظامنا الاقتصادي الإسلامي الذي يدعو إلى توزيع الثروة بالعدالة , ويدعو إلى كل ما يمكن أن يحقق للفرد كرامته ويبعد عنه سرقة أمواله، كان لذلك أيضًا آثاره في مظاهرنا السلوكية، أصبحنا نميل إلى أن نقلد الغرب في كل مظهر سلوكي ابتداء من ملابسنا وبطرق أكلنا ومواصلاتنا ومسكننا وما إلى ذلك، وهذا ربما نعذر فيه لأنه يعتبر من تقليد المغلوب للغالب كما يقول بعض العلماء، من مظاهره أيضًا أننا أصبحنا ننفتح على الفكر الغربي انفتاحًا كبيرًا لدرجة أنه تسربت من ذلك كل القضايا التي تحدثت عنها هذه البحوث، وأصبحنا نتحرج من أن ننفتح على الفكر الإسلامي، وحتي أولئك الذين درسوا في الغرب وتعلموا لغته لم يستطيعوا أن ينفتحوا على فكرنا الإسلامي وأن يقدموه للعالم، وتركوا المجال للآخرين أن يقدموا الفكر الإسلامي بالصورة التي يريدها. الذين ملكوا اللغة العربية يتحرجون حتى من تحقيق كتاب أو من نقله إلى لغة أخرى لأن ذلك يعتبر مظهرًا من مظاهر التأخر كما يقولون، الأثر الكبير هو اختفاء الشعور الإسلامي، هذا هو الأثر الخاتم لهذه الآثار التي غزانا بها الفكر الغربي. نحن نعيش اليوم في عصر يذبح فيه المسلمون في كل مكان ويقتلون بأبشع صور، ونشاهد ذلك أمام أجهزة الإعلام ولا نحرك ساكنًا بل نتندر أحيانًا بما نفعل، وأحسن حال أن يقول بعضنا: لا حول ولا قوة إلَّا بالله، هذه هي في تصوري آثار الغزو الفكري الذي نحن نعيشه الآن، والسؤال المهم والخاتم، ما العمل؟ هل يمكن بكتابة كتاب حول الغزو الفكري أن نفعل شيئًا؟ هل يمكن بإقامة ندوة أن نفعل شيئًا؟ أعتقد أنه كما أن الحجم حجم دول فإن المجابهة يجب أن تكون مجابهة دول، ما لم تتبنى الحكومات الإسلامية وعدتها الشعوب الإسلامية خطة تستهدف تحسين العالم الإسلامي بتربية إسلامية نقية تدخل كل مدارسنا ومؤسساتنا العلمية فإننا لن نستطيع أن نخلق النموذج المسلم الذي يستطيع أن يجابه هذا الفكر الغازي وشكرًا.
следующие страницы →