← Фикх общий

Фикх общий · id 8356

مجلة مجمع الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (22 276 стр.). Показаны 11936–11975 · переход к 11941.

стр. 11936

إن هذا الغزو الجديد بأشكاله هذه يمكن أن نشير إلى أهم انعكاساته أو أهم المؤشرات عليه: أولًا: إن أي مجتمع إنساني لا يمكن أن يخلو من إجراءات العلمنة؛ إذ إن على الإنسان مهما بلغ من التقوى والورع لابد له أن يتعامل مع الحياة الدنيا من خلال منطلقاته المعرفية , من خلال قيمه وعقيدته، لكن التعامل مع الدنيا مهما يبلغ من حركة واتساع كان دائمًا بالنسبة للأديان السماوية بصفة خاصة كان دائمًا يتم داخل إطار يشير إلى مرجع من خارج الإنسان مرجع نهائي , ذلك هو الدين يرجع الناس إليه ليضبطوا حركتهم ويضعوا لها الضوابط، حركة الدنيوية أو العلمانية المعاصرة ترفض هذه المرجع تمامًا وتنفيه وتستبعده استبعادًا تامًّا, هذه نقطة أساسية، وعلى الرغم من أن الحضارة الغريبة في العصور الوسطى كانت حضارة دينية إلا تراث الغرب الهيليني والروماني كان يحوي داخله نزعة مادية قوية تسوي بين الجسد والروح وتوحد بينهما.

стр. 11937

ثانيًا: يذهب المؤرخون إلى أن تآكل نفوذ الكنيسة في العصور الوسطى وتزايد هيمنة الملوك عليها سبب نفورًا شديدًا من المؤسسات الدينية ونفورًا من الدين بصفة عامة، يشير ماكس فيبر إلى أن السمة الأساسية للحضارة الغربية المعاصرة هي نزوعها المتزايد نحو الترشيد وأنها تعبر عن هذا الترشيد بعملية العلمنة أو الدنيوية. الترشيد في أحد جوانبه يعني أن المفهوم الغربي تحويل الواقع إلى وسيلة، ولذلك قد صموا آذاننا بوجوب الرجوع إلى الواقع وتحتيم الواقع والنظر بالواقع والأخذ من الواقع، ولكن بهذا المفهوم، بمفهوم تحويل إلى وسيلة بحيث يمكن توظيفه في خدمات معينة. لكن عملية الترشيد هذه تتطلب قدرًا عاليًا من التجريد، إذ إن الإنسان إذا أدرك واقعه بشكله المعين فإنه لا يمكنه توظيفه ولا يمكن التحكم فيه ولابد أنه سيلتفت شاء أو أبي إلى ذلك الإطار المرجعي الذي هو من خارج الإنسان وخارج الحياة، مع تزايد انتشار ما يسمى بالاقتصاد العائلي والصناعات المرتبطة به زادت الحاجة لشراء المواد الخام ولدفع أجور العمال والتكاليف الأخرى، ولذلك تم البحث عن مصادر المعادن النفسية واكتشافها لتوفير العملة اللازمة للتبادل، فابتني الاقتصاد المعاصر كله على النقود، والنقود هي أكثر الأمور تجريدًا، فهي ليست سلعة ولا خدمة، وإنما هي علامة تشير إلى قيمة مجردة، كان هذا القطاع الاقتصادي الجديد من أول القطاعات التي انسلخت من نفوذ النظام الإقطاعي والكنيسة، بحيث أصبح قطاعًا مستقلًا إلى حد كبير يتحرك حسب قيمه المادية الكامنة فيه وقوانين حركته المجردة التي ترفض أن تقيد بأية ضوابط أو قيم أخلاقية، إذ كانت النقود دالًّا يشير إلى مدلول غامض، خدمات وسلع، فهو يصبح دالًّا دون مدلول أو هدف، وفي هذا قمة التجريد، وحين يدخل الاقتصاد الجديد مرحلة التراكم يصبح الإنسان جزءًا من عملية لا يحكمها تمامًا ثمثل بذاتها الغاية والوسيلة عملية تتحرك دون هدف واضح، ساهمت حركة الاكتشاف في توسيع آفاق الإنسان وظهور تعددية في الرؤيا تولد إحساسًا بنسبة الواقع مما قوى من دعائم الإيمان الديني، ولكن هذه النسبية جعلت العقل قادرًا على تجاوز المعطيات المتعينة التي يشاهدها ويشعر بها الإصلاح الديني البروتستاني الذي شكل أول خطوة نحو علمنة عقل الإنسان الغربي، إذ جعل الخلاص مسألة فردية , وجَعْلُ الدين أمرًا فرديًّا خاصًّا هو الذي ساعد على جعل عمليات التحول تتم من خلال قضايا سميت بقضايا التقشف والعمل المضني المستمر، وقد قضي الإصلاح الديني على أهم المؤسسات الوسيطة وهي الكنيسة بكل مؤسساتها، وظهرت الفلسفة الإنسانية التي وضعت الإنسان في مركز الكون بحيث يصبح هو الهدف النهائي لوجوده ولا هدف له بعد ذلك، وتطور العلم والفلسفات العلمية والمادية التي وضعت المادة في مركز الكون وحاولت أن تنظر لكل شيء من منظور دنيوي محض، هذه الفلسفة بكل تضاريسها، بكل أبعادها شهدت تصاعدًا ملحوظًا وتنمية لتجعل منها دينًا بديلًا يمكن أن يحل - أو يريد أن يحله أصحابه - محل سائر الأديان وليس الإسلام وحده. وتتخذ العلوم الإنسانية والاجتماعية الغربية الإطار الذي تنطلق منه ومن خلاله هذه الدنيوية لفرض ذاتها على العالم الجديد، وما لم تتم عملية أسلمة مقابل علمنة لهذه العلوم الإنسانية والاجتماعية تجعل للمسلمين علومًا إنسانية واجتماعية من منطلق إسلامي تستمد من كتاب الله ومن سنة رسول الله ﷺ وتلاحظ تراثنا واحتياجاتنا وتلاحظ هذا العالم من منظور الإسلام لا من منظور الغرب ويكون لها مرجعها لا يمكن أن تواجه هذه الهجمة الجديدة للدنيوية وشكرًا.

стр. 11938

الشيخ محمد الزياني: بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده. موضوع الغزو الفكري من المواضيع التي كانت ولا تزال السمة البارزة في كتابات هذا القرن منذ بدايته، ولكثرة ما كتب فيه من كتب ومقالات ولكثرة ما عمل حوله من ندوات على مدار هذا القرن، فقد خيل للبعض أن هذا الموضوع هو نوع من الوهم، ولذلك رأينا باحثًا إسلاميًّا يصدر في الفترة الأخيرة كتابًا بعنوان الغزو الفكري وهم أم حقيقة؟ وعلى أساس ذلك كان اطلاعي على بعض البحوث وليس على كلها اطلاعًا جزئيًّا لعدم وجود الوقت لذلك ,ولذلك أجدني أختلف مع معظم البحوث على الأقل في تحديد بدايات هذا الغزو، ومعظمها مال إلى أن هذا الغزو الفكري قد بدأ في أكثر الأحوال منذ الحروب الصليبية، وأنا أعتقد أن الغزو الفكري أمر استهدف العقيدة الإسلامية، ولذلك فهو قد بدأ منذ صدع بها رسول الله ﷺ , الغزو الفكري مرحلته الأولي تبدأ في عهد الرسول ﷺ ، وكانت أدواتها تتمثل في الشرك والنفاق إلى جانب اليهود، وحتى ما تناولته هذه البحوث التي نحن بصددها اليوم من قضية الطعن بالقرآن الكريم وأن المستشرقين يطعنون في القرآن الكريم بأشكال متعددة، فإن هذه أيضًا ليست جديدة، فلقد تم ذلك في الفترة المبكرة التي أشرت إليها وقد عبر عنها القرآن، ونظرًا لخطورتها وأثرها في الدعوة الإسلامية فقد تكفل القرآن بالرد عليها وكان الرد قويًّا لدرجة أنه لا يمكن أن يتحمل أي طعن جديد ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾ ليس هناك طعن أكثر من هذا الطعن في مصدرية القرآن وليس هناك رد أبلغ من هذا الرد، ولذلك كل محاولات المستشرقين بعد ذلك في تناول القرآن بالطعن تعتبر ثانوية إذا ما قيست بهذه القضية، ثم بعد ذلك توالت صور الغزو الفكري في عهد الرسول ﷺ ، من تلك الفتن التي أثارها المنافقون وتلك الأسئلة التي كان يثيرها اليهود أيضًا من حين لآخر مستهدفين بها خلخلة أفكار المسلمين وخلخلة عقائدهم، وأنتم أعلم بهذا مني ولا داعي للتذكير بها، بعد ذلك جاءت المرحلة الثانية، وهي مرحلة ما بعد الخلافة الراشدة والتي توسعت بها صور الغزو الفكري وشملت تدخل اليهود في الفكر الإسلامي من خلال بعض المفاهيم التي سربت إلى هذا الفكر والتي نتج عنها كما تعلمون ما يسمى بالإسرائليات، ونتج عنها في الإطار الآخر تجديد الطائفية والفرقة والتنازع بين المسلمين، ثم تأتي المرحلة الثالثة والتي أشارت لها بعض البحوث وهي مرحلة ما بعد الحروب الصليبية، ومرحلة ما بعد الحروب الصليبية كانت نتيجة لتاريخ مطول أو تاريخ طويل من الصراع بين الإسلام والكفر، هذا الصراع اتخذ مظهرًا مسلحًا عبر كل اللقاءات التي لقي المسلمون فيها أعداءهم، وهذا النوع من الصراع كانت الغلبة فيه دائمًا للمسلمين على الرغم من قلة العدد والعدة في كل المعارك الإسلامية، ولذلك جاءت ثمرة الحروب الصليبية أن تعطي مؤشرًا بأن هؤلاء المسلمين لا يمكن لأي إنسان أن يتغلب عليهم لأن في دينهم شيء يسمى الجهاد، فالجهاد لابد أن يطمس من حياتهم حتى يمكن التغلب عليهم، من هنا حصل التحول الخطير في تاريخ العلاقات الإسلامية الغربية أو اليهودية، وبدأ المشركون بجميع أشكالهم يخططون لما يمكن أن يسمى بالغزو الفكري اليوم، تعلمون أن موضوع الجهاد من أخطر المواضيع، ويوم أن ابتعد المسلمون عن الجهاد فإن الخط الحضاري الذي كان يصعد بدأ ينحدر , وهذه المشكلة مشكلة الجهاد لا زالت حتى هذه اللحظة تعد من أخطر المسائل التي إذا بحث فيها المسلمون دق ناقوس الخطر عند أعدائهم، وحتي في صراعاتنا الحالية تتولى وكالات الأنباء بجميع أنواعها وصورها طمس هذا المفهوم، حتى إذا تحدثت عن قتلى المسلمين فلا تقول استشهد من المسلمين كذا أو استشهد في فلسطين كذا وإنما تقول قتل.

стр. 11939

تأتي بعد ذلك المرحلة الرابعة ربما، وهي المرحلة ما بعد استعمار العالم الثالث، تلك المرحلة التي قسم بها العالم الإسلامي، قسمت فيها دول العالم الإسلامي، هذه المرحلة استهدفت شيئًا آخر، استهدفت وضع الحدود بين دول العالم الإسلامي كما تعلمون، كان المسلمون يتواصلون , وكان الإنسان المسلم يذهب من أقصى المغرب إلى أقصى المشرق يدرس ويتزوج ويمتلك ويعيش ولا أحد يتعرضه ولا أحد يتوجس خيفة منه، ولنا في العلماء الكبار صور كثيرة أنتم أعلم بها أيضًا , فبعد استعمار العالم الثالث وضعت الحدود بين دول العالم الإسلامي , وبوضع الحدود تم قطع التواصل بين أفراد العالم الإسلامي، وخاصة بين مثقفيه. والنتيجة أننا لا نعلم شيئًا عن الآخر , ولولا هذه المؤتمرات التي تجمعنا فإننا لا نعلم عن بعضنا شيئًا إلَّا ما يقال عبر إذاعات الغرب، لا أحد يعلم بما في الشرق من إصدارات ثقافية , ولا أحد يعلم بما في الغرب من إصدارات ثقافية أيضًا، وبقطع التواصل الثقافي تم إدخال الريبة والتوجس من المسلمين بعضهم ببعض، وبدأنا نشك في كل كلمة يقولها إنسان مسلم آخر ونحورها إلى مناحٍ شتى نتيجة عدم علمنا بما يجري بداخل هذه الأمة، أنا أشك في جاري التونسي، وجاري التونسي يشك فيَّ أنا كذلك، وهكذا بقية العالم الآخر الذي أدت هذه الحدود نهائيًّا ما يدور في العالم الإسلامي بين أجزائه، ثم تأتي المرحلة المعاصرة، وهي التي دخلت فيها الصهيونية كطرف في الصراع قوي جدًّا والتي أدت إلى نشوء التيارات الفكرية المختلفة , وأدت إلى ظهور الحركات الهدامة، ونعرف اليوم في جميع أنحاء العالم الإسلامي كثيرًا من الحركات الهدامة كالليونز والروتاري وشهود يهوه وما إلى ذلك، ويتم الإعلان عنها في دول العالم الإسلامي في كل مكان وبصورة واضحة، هذه في تصوري تاريخ هذه المرحلة مرحلة الغزو الفكري، أما جناحاه فإنني أحصرهما في شيئين اثنين الجناح الذي تعامل مع العالم الإسلامي أكاديميًّا، وكما يقولون علميًّا ولا أعتقد بأنه علمي، وهو الاستشراق، والاستشراق تعهد للعالم الغربي بأن يعرف الغرب بالعالم الإسلامي بأن يعرفه بكل شيء ثم يتولى بعد ذلك مهمة تسريب كل الأفكار التي يريدها الغربيون كما تحدث فضيلة الدكتور طه ـ حفظه الله ـ لكن هذا الاستشراق الآن قد أدى إلى أن يكتسب منه المسلمون حساسية معينة، ولذلك في المؤتمرات الأخيرة للاستشراق أعلنوا عن موت الاستشراق، ولم يعد هناك كما يتصورون استشراقًَا، بينما تدل الإحصاءات على أن اثني عشر في المائة من ميزانية التعليم يخصص لتكون المستشرقين الذين هم خبراء شرق أوسطيين الآن , وإذا حولنا هذا الرقم اثنا عشر في المائة إلى رقم عددي فإنه ما يقرب من أربعين ألفًا كما تدل المصادر، أما الجناح الآخر وهو التنصير، وهنا أنبه إلى أن مصطلح التبشير مصطلح خاطئ، ولا أعتقد أن له أصلًا لغويًّا, التنصير وهو ذلك الذي تولى الدخول إلى بلدان العالم الإسلامي في تلك المناطق التي لا يستطيع الفكر أن يدخلها دخل بآلياته المختلفة , وأنا لا يهمني فيه الشكل القديم الذي كما تعرفون يعتمد على الخبز والدواء والعلاج، وإنما يهمني به الشكل المعاصر الآن، ومن الشكل المعاصر أذكر تلك الخطة الجهنمية التي يحاول المنصرون الآن استخدامها في مواجهة المناطق التي يسمونها مغلقة أمام العمل التنصيري، هذه المناطق التي يقصدون بها دول العالم الإسلامي التي لا يمكن للتنصير أن يدخل فيها علنًا، هذه الخطة يسمونها بالجوالون، والجوّالون هم أولئك النفر من الناس الذين يدخلون إلى العالم الإسلامي تحت ستار العمل في الشركات والمؤسسات التجارية المختلفة، وهؤلاء يتم اختيارهم بصورة دقيقة، وتدل المصادر على أن بعض الدول الإسلامية قد أخذت بعض العاملين من مصر، وكان التخطيط أن يتم أخذهم كلهم من الأقباط وبتخطيط من الكنيسة، وهذه الفكرة فكرة الجوالون يستهدف منها محاولة الوصول إلى ما لم تصل إليه جحافل المنصرين علانية. إذا انتقلنا إلى نقطة أخرى، ما هو حجم الغزو الفكري؟

стр. 11940

أعتقد أن حجم الغزو الفكري أكب من أن يكون حجم فرد، وأكبر من أن يكون حجم كتاب أو صحيفة أو ما إلى ذلك، إنه حجم دول، دول كاملة، العالم الغربي كله وأمريكا معه، كلها تشترك في هذا الغزو الفكري المعاصر، وتخصص له من الإمكانيات المادية ما لو استعرضناها لأصحبنا في خجل من أمرنا حين نتكلم عن الاتفاقات التي ننفقها في مجال التعليم أو حتى في مجال الدعوة الإسلامية. النقطة التي بعدها، ما هي آثاره؟ ما هي آثار هذا الغزو الفكري في عالمنا المعاصر الآن؟ أعتقد أن آثاره تبرز فيما نحن عليه الآن من وضع في كل مناحي حياتنا على المستوى السياسي، نحن كمسلمين الآن نقبل بالديمقراطية الغربية ونقبل بالتعددية الحزبية ونصر عليها ونعتبرها مظهرًا من مظاهر التقدم والحضارة، ولا أعتقد أن أحدًا منكم يستطيع أو على الأقل يمكن أن يدلني على تأصيل التعددية الحزبية تأصيلًا إسلاميًّا. المظهر الثاني في النشاط الاقتصادي، أصبحنا نحن الآن ندعو ونتمسك ونتعامل بالنظام الاقتصادي الحرّ، ولا أعتقد أن هذا له علاقة بنظامنا الاقتصادي الإسلامي الذي يدعو إلى توزيع الثروة بالعدالة , ويدعو إلى كل ما يمكن أن يحقق للفرد كرامته ويبعد عنه سرقة أمواله، كان لذلك أيضًا آثاره في مظاهرنا السلوكية، أصبحنا نميل إلى أن نقلد الغرب في كل مظهر سلوكي ابتداء من ملابسنا وبطرق أكلنا ومواصلاتنا ومسكننا وما إلى ذلك، وهذا ربما نعذر فيه لأنه يعتبر من تقليد المغلوب للغالب كما يقول بعض العلماء، من مظاهره أيضًا أننا أصبحنا ننفتح على الفكر الغربي انفتاحًا كبيرًا لدرجة أنه تسربت من ذلك كل القضايا التي تحدثت عنها هذه البحوث، وأصبحنا نتحرج من أن ننفتح على الفكر الإسلامي، وحتي أولئك الذين درسوا في الغرب وتعلموا لغته لم يستطيعوا أن ينفتحوا على فكرنا الإسلامي وأن يقدموه للعالم، وتركوا المجال للآخرين أن يقدموا الفكر الإسلامي بالصورة التي يريدها. الذين ملكوا اللغة العربية يتحرجون حتى من تحقيق كتاب أو من نقله إلى لغة أخرى لأن ذلك يعتبر مظهرًا من مظاهر التأخر كما يقولون، الأثر الكبير هو اختفاء الشعور الإسلامي، هذا هو الأثر الخاتم لهذه الآثار التي غزانا بها الفكر الغربي. نحن نعيش اليوم في عصر يذبح فيه المسلمون في كل مكان ويقتلون بأبشع صور، ونشاهد ذلك أمام أجهزة الإعلام ولا نحرك ساكنًا بل نتندر أحيانًا بما نفعل، وأحسن حال أن يقول بعضنا: لا حول ولا قوة إلَّا بالله، هذه هي في تصوري آثار الغزو الفكري الذي نحن نعيشه الآن، والسؤال المهم والخاتم، ما العمل؟ هل يمكن بكتابة كتاب حول الغزو الفكري أن نفعل شيئًا؟ هل يمكن بإقامة ندوة أن نفعل شيئًا؟ أعتقد أنه كما أن الحجم حجم دول فإن المجابهة يجب أن تكون مجابهة دول، ما لم تتبنى الحكومات الإسلامية وعدتها الشعوب الإسلامية خطة تستهدف تحسين العالم الإسلامي بتربية إسلامية نقية تدخل كل مدارسنا ومؤسساتنا العلمية فإننا لن نستطيع أن نخلق النموذج المسلم الذي يستطيع أن يجابه هذا الفكر الغازي وشكرًا.

стр. 11941

الشيخ عبد القادر العماري: بسم الله الرحمن الرحيم. نشكر الأخوة الذين قدموا هذه البحوث القيمة، وإن شاء الله يكون لها أثرها في العمل، الغزو الفكري له مطايا، لم يأت إلينا بدون مطايا يركبها، من هم هؤلاء المطايا؟ إنهم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا كما قال الرسول ﷺ ، والغزو في المجال الثقافي وفي المجال القضائي وفي مجال الأسرة والمرأة وفي الحكم وفصل الدين عن الدولة، من يقوم بذلك هنا في العالم الإسلامي غير أناس من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا؟ أجهزة الإعلام مفتوحة أمامهم، الصحف أمامهم كل يوم نقرأها والمجلات الأنيقة الجميلة فيها المقالات التي تطعن في القرآن وتطعن في السنة، الكاتب الذي هو في موقف وفي مركز مرموق يتكلم ويطعن في القرآن ويقول إن تَّبت، سورة تبت هذه وضعها الأمويون، يقوله بصراحة في مجلات تنشر بأموال الحكومات ويقول عن الحديث الشريف، ويعلق على حديث ((كل بدعة ضلالة)) يقول: هذا الحديث لا يمكن أن يصح وليس صحيحًا؛ لأنه يمنع الإبداع , يقوله في مجلات تصدر في بلاد إسلامية وبأموال إسلامية ولا أحد ينتقده , ويطعن في علماء المسلمين ويطعن في الرموز من الصحابة، حزب من الأحزاب اليسارية الذين أفلسوا وأرادوا أن يلجأوا إلى فكر يريدون أن يلبسوا على الناس بأنه من التاريخ الإسلامي، هو فكر القرامطة، ويصدر كتابًا يسميه الثقافة الإسلامية، يطعن في سيدنا علي بن أبي طالب رضوان الله عليه، ويقول إنه كان يجامل ابن عمه عبد الله بن العباس ويهيئ له الاستقلال، ويطن في الخلفاء االراشدين جميعًا، في البلاد الإسلامية هذا يجري، ولكن ماذا نعمل نحن؟ الحكم في القضاء، أي دولة إسلامية تحكم بالشريعة الإسلامية؟ وللزوج أن يتنازل في القضية أمام المحكمة إذا زنت امرأته ويعتبر الأمر كأن لم يكن، أليس هذا مصادم لنصوص شرعية في الكتاب والسنة، ألسنا مسلمين؟ نقول نحن مسلمون ولكن بالكلام، والعمل لا شيء من ذلك، كيف يقولون الآن في جميع الجرائد وفي جميع المجلات: هناك إسلام سياسي؟! هم يريدون إسلامًا سياحيًّا، إسلامًا يعتني بالزخرفة وبالمنائر والتراث، بالأغاني والخيام والتراث القديم والحديث، إسلام سياحي لا يريدون إسلامًا سياسيًّا، يقولون: هؤلاء الأصوليون دعاة الإسلام السياسي، دعاة تطبيق كتاب الله وسنة رسوله ﷺ , يقولون: إنهم دعاة الإسلام السياسي، هذه في كل المجالات في كل العالم الإسلامي يقال ذلك، أين الذين يتصدون؟ أجهزة إعلامنا كلها ضحايا للغزو الفكري، هناك ممسوخون، يجب علينا أولًا ـ قبل أن نحارب أولئك البعيدين الذين أرسلوهم والذين يمولونهم، الدول الغربية كلها لها عملاء في عالمنا الإسلامي ـ أولًا علينا أن نحارب العملاء ونعريهم , ثم بعد ذلك نتقوى ونكون أقوياء ونكون وحدة واحدة على أولئك البعداء. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وشكرًا.

стр. 11942

الدكتور عدنان صقال: بسم الله الرحمن الرحيم. إنني كطبيب أرى أن السادة الباحثين في موضوع الغزو الفكري أغفلوا ناحية مهمة جدًّا وهي الغزو عن طريق الناحية الصحية , وأقصد بها المستشفيات والبعثات الطبية والمدربة تدريبًا جيدًا على التبشير، أما التركيز على الناحية الطبية فهم أصابوا قلب المشكلة، إن الأمراض التي تفتك بالعالم الثالث ـ إن صحّت التسمية ـ كثيرة، فجاءت البعثات الطبية تريد أن تمسح آلام هؤلاء الناس كما كان المسيح يمسح آلام الناس ـ كما هم يقولون ـ فأعطوهم الدواء والمريض كالغريق، فكما أن الغريق لا يهمه الكلام عن النجاة بل يحتاج إلى من يمد له يد السلامة، فكذلك المريض. والمريض كالجائع، فكما أن الجائع لا يشبعه التكلم عن أنواع الطعام فكذلك المريض لا يرتاح إلَّا لقطعة من دواء أو لمسة يمسحها الطبيب على جبينه، هناك زميل مسلم يعمل في إحدى الدول الإسلامية بشركة بترول، وهذه الشركة كانت شركة أمريكية، حدثني هذا الزميل وهو يحمل الجنسية الأمريكية أنه حضر فريق من أمريكا إلى الشركة، وأعلن عن اجتماع مغلق للأمريكان، وأثناء الإجتماع تقدم قس وقال لهم: يجب أن تعلموا أن لكم مهمتين؛ الأولى أن تقوموا بالأعمال الفنية الموكلة إليكم، أما الثانية، فلا تنسوا أنكم مبشرون، ونعلم ـ والكلام للقس ـ أعلم أنكم لا تستطيعون أن تقولوا للمسلم: أترك دينك وكن مسيحيًّا ,ة فإنه غباء ويجب أن لا نتصرف بمثل ذلك، ولكن عليكم أولًا بدعوتهم إلى ترك الدين بصورة عامة لأنه لا يتلائم مع هذا العصر، ثانيًا إشراكهم بالحفلات الماجنة المغلقة، ثالثًا تبيان أن الخمر مفيد للجسم وخاصة بالبلاد الحارة، رابعًا أن تدخلوا إلى بيوتهم عن طريق الطب والتطبيب وإعطاؤهم الأدوية وإرسالهم على حسابنا إلى أمريكا لإجراء بعض المداخلات الجراحية إن لزم ذلك. أخيرًا هناك طبيب أفريقي كان يحضر مؤتمرًا في لندن أخبرني أن في أفريقيا أرسلت إسرائيل أئمة علم وخطباء للجوامع لوعظ المسلمين الأفارقة. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وشكرًا.

стр. 11943

الدكتور محمد علي الرفاعي: بسم الله والحمد لله والسلام على رسول الله. احترامًا لوقتكم ولفضل علمكم فإن مداخلتي ألخصها بنقاط محددة إن شاء الله تعالى. الفكرة الأولى: أحسب أن الغزو الفكري هو وسيلة من وسائل التدافع الدولي وهذه الوسيلة يسخرها البعض لإضعاف أو تغيير طرف لحساب طرف آخر يسعى للهيمنة على القرار الدولي ثقافيًّا وسياسيًّا واقتصاديًّا، وبعبارة أخرى إن الغزو الثقافي هو وسيلة من وسائل الصراع الحضاري بين الدول والثقافات والأديان. الفكرة الثانية: إن قضية الغزو الفكري أو الثقافي قضية قديمة والجديد فيها ما سخر لها من وسائل وامكانات وما سخر لها من استراتيجيات دولية ضخمة تقف وراءها دول ومنظمات دولية ذات شأن كبير، أما عن قدمها فهو في قول الله تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ ؛ ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ هذا أمر محسوم قرآنيًّا وبالتالي ما ينبغي أن نطيل به الحديث إلَّا إذا أردنا أن نتعرف على الوسائل لنحاكيها بوسائل مكافئة إن لم تكن متفوقة. الفكرة الثالثة: نحسب أن قضيتنا الرئيسية مع الغزو الثقافي أو الغزو الفكري هي: كيف نتعامل مع هذا الغزو ما دام أن قضية الغزو هي قضية قديمة وقد واجهها رسول الله ﷺ وواجهها النهج الإسلامي , فكيف نحن نواجه هذا الغزو في تاريخنا المعاصر؟ نحسب أن هذه هي الإشكالية الكبرى التي يجب أن نبحث عن أسبابها ومقوماتها وإمكانياتها التي نواجه بها هذا الغزو، وهذا هو بتقديري موضوع الجهاد البياني في نهجنا الإسلامي، أنا أقول أن الجهاد ذو شقين شق بياني وشق قتالي , وأن الشق القتالي هو طارئ في منهجية الجهاد الإسلامي، الأصل في الجهاد هو جهاد البيان كما جاء في قول الله تعالى: ﴿فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾

стр. 11944

الأصل بيننا وبينهم هو جهاد بيان وجهاد أديان وجهاد عقائد وجهاد ثقافات، ويوم نحن نرتقي بأنفسنا لمثل هذه المواجهة الثقافية الفكرية نكون نحن قد تعاملنا مع منهجنا، كيف نواجه هذا الزحف الثقافي ونحن نتمنى أن يبقى الصراع بيننا وبينهم صراعًا ثقافيًّا وفكريًّا؟ إلَّا أن الإشكالية التي نواجهها هو أن هذا الغزو الثقافي عندهم هو مقدمة لغزو عسكري وغزو هيمني على الأمة، إلَّا أننا نحن عندما نتحدث عن تحركنا الثقافي نتكلم عن ذلك ونحن معزولون عن أي استراتيجية تكمل خطوات توجهاتنا أو خطوات ما نريد في مواجهة هذا الغزو، وهذا ما أشار إليه الإخوة بأن ذاك الغزو تدعمه قوى وتدعمه منظمات ونحن أمة لا بواكي لها، إلَّا أنه هذا لا يجعلنا نقف مكتوفي الأيدي ولا ينبغي أن يكون مبعثًا لليأس في نفوسنا، فلا بد أن نورث أجيالنا استراتيجية أو منطلقات أو ثوابت أو مفاهيم محددة بين يدي استراتيجية عمل إسلامي، لعل أجيالنا المستقبلية أن تجد ما يعينها بإذن الله تعالى على مواجهة هذا الغزو الحضاري أو الثقافي أو الديني، وهنا اسمحوا لي أن أحدد بعض النقاط التي تشكل أساس استراتيجيتنا أو أساس استراتيجية إسلامية مضادة لهذا الغزو الذي أطلعنا عنه الحديث وعن تفصيلاته، أحسب أن أول مقوم وأساس هذه الاستراتيجية يقوم على وحدة فهم الأمة لأساسيات وكليات الإسلام , إن غياب وحدة مفهوم الأمة حول أساسيات وكليات الإسلام هو مبعث تمزق هذه الأمة ومبعث فرقتها وبالتالي لا بد أن نركز، وهذا المجمع الطيب المبارك يعتبر القاعدة الأساسية للأمة، بأن يخرج من بين أيديكم ما يوحد مفهوم هذه الأمة ومفهوم أجيالها في أساسيات وكليات الإسلام في التعامل مع مجتمعاتنا القائمة، وبالتعامل ما بين مجتمعنا الإسلامي المنتظر والمجتمعات الغير الإسلامية القائمة، واسمحوا لي كذلك أن أشير إلى بعض ثوابت فهمنا لاستراتيجيتنا الإسلامية التي لو استطاع المجلس أو هذا المجلس الفقهي المبارك أن يشكل لجنة طويلة الأمد تبحث هذه الثوابت وتجمعها وتشكل منها قاعدة لوحدة فهم إسلامي، أحسب أنه سيكون هذا العمل هو عمل مبارك سيجعلنا نتحول بأنفسنا من الأقوال إلى الأعمال.

стр. 11945

أما ثوابت فهمنا فألخصها بالنقاط التالية: أولًا لابد أن يكون واضحًا أن الدين عند الله الإسلام، ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ ؛ ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ ؛ ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ ؛ ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ ؛ ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ﴾ ؛ ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ ؛ ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ . وهناك نصوص من السنة والسيرة تشير إلى أدبيات وقيم تعاملنا مع غير الإسلام، مثل ما جاء في موقف رسول الله ﷺ من حلف الفضول , ومثل ما جاء من طلب رسول الله ﷺ للصحابة بالهجرة الأولى أن يذهبوا إلى رجل لا يظلم عنده أحد وهو نصراني، مثل كذلك ما جاء في وثيقة صلح الحديبية، وكذلك في محاور التحرك يوم الأحزاب، وكذلك ما جاء في وثيقة المدينة المنورة ثم جاء من أقوال على لسان أئمة هذه الأمة، وأذكر منها مثلًا في إطار دراسات ولا سيما في ما جاء على لسان الإمام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمة الله عليه، إذ يقول في السياسة الشرعية كلامًا أقف أمامه وأجد أنه قابل لأن يعتبر منطلقًا من منطلقات التعامل الدولي، يقول ابن تيمية: إن الله لينصر الدولة الكافرة العادلة على الدولة المسلمة الجائرة، وقفت عند هذا النص وقلت هل يوجد دولة كافرة عادلة؟ وهل يتحقق العدل بغير الإسلام؟ وقفت أمام هذا الكلام وأطلت النظر به ثم رجعت إلى كتب وإلى أقوال، فوجدت مع مقابلة النصوص ومقابلة الأقوال فوجدت بالفعل أنه يمكن لدولة كافرة أن تقيم عدلًا، لكن هذا العدل لا يقوم على أساس إيمان إسلامي أو عقدي، إنما يقوم هذا العدل على أساس فطرة الإنسان ونزوعه نحو الخير ونزوعه لإلحاق الحق في حياته الخاصة، فقلت: إذن العدل هو قضية الإسلام الأولى، ومادام العدل هو قضية الإسلام الأولى وأن الله وصف الشرك بالظلم ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ إن أكبر قضية وأساس قضية الإسلام في الأرض هي إقامة العدل ومن هنا لا بد في الحقيقة أن تجمع هذه النصوص، وهناك قول آخر جاء كذلك بفتاوى ابن تيمية رحمة الله عليه، يقول: الشريعة جاءت لتحسين المصالح وتكميلها وإلغاء المفاسد أو تقليلها. هذا القول بالإضافة إلى أقوال كثيرة لأئمة المسلمين ولسلفهم وللتابعين أجدها كلها تشكل موضوعًا متكاملًا لو شكلت لها لجنة من هذا المجمع الطيب المبارك لاستطاعت أن توفق بين هذه النصوص وتخرج لنا باستراتيجية تنظيرية أولًا، ثم استراتيجية عملية كيف نواجه فيها هذا الغزو.

стр. 11946

ثانيًا: بعد هذا التفصيل الموجز أقول: إخواني إن الإسلام كما تعلمون عقيدة وفكرة ومنهج ونظام، وهذه الرباعية المتسقة تتمحور كلها حول قضية العقيدة، إذا صححت مفاهيم العقيدة في الأمة اتضحت فكرة الأمة , ومن ثم اتضح مسارها المنهجي , ومن ثم اتضحت هويتها النظامية. والسؤال الذي هنا أطرحه على نفسي ويطرح علينا في كثير من الملتقيات الأوربية وفي كثير من الملتقيات الثقافية خارج البلدان الإسلامية، وهذه الأسئلة ألخصها إليكم وأعتبرها هي مثار سؤال واحد ينبغي أن يكون موضع اهتمامكم، يقول لنا غير المسلمين: هل المسلمون يصرون على أن السيادة الكاملة الشاملة في الأرض ينبغي أن تكون للإسلام عقيدة وفكرة ومنهاجًا ونظامًا فحسب أم أن المسلمين في إطار معاني لا إكراه في الدين يقبلون بسيادة النظام الإسلامي وهيمنته دون عقيدته على حياة الناس مع قبول استمرار كيانات سياسية غير مسلمة؟ ثم يقولون سؤالا ثالثًا: هل المسلمون يخولهم إسلامهم بقبول مبدأ المشاركة الدولية لتحقيق مصالح عليا للإنسانية , لتحقيق تعايش بشري على أساس من العدل والأمن والاستقرار؟ وهل المسلمون يصرون على أن لا يحقق العدل إلَّا بالسيادة السياسية من خلالهم أم أنهم يقبلون بكل ظاهرة تحقق العدل في الإنسانية ويصحبون هم شركاء في إقامة العدل بالأرض ويقبلون بالتعددية السيادية للكيانات السياسية من غير المسلمين؟ هذه أسئلة أيها الإخوة، أسئلة نواجهها ونحن نلتقي مع غير المسلمين بملتقياتنا وندواتنا وفي مؤتمراتنا ونجد أنفسنا، لا أقول عاجزين، ولكن مضطربين في الإجابة الدقيقة عليها؛ لأننا إذا رجعنا إلى كتبنا المرجعية نجد اختلافًا كبيرًا، والبارحة سهرت سهرة طويلة مع ما قدم في قضايا العلاقات الدولية وفي قضايا الغزو الفكري، مع تقديري لكل ما قدم من جهود، لكل ما قدم وبذل من إمكانيات ودراسات موضوعية وعلمية، لكن عندما يقترب الأخ من قضية العلاقات الدولية يصبح متحفظًا ويتحدث كلامًا مقننًا صغيرًا لا يستطيع أن يقول فيه شيئًا، فكأنه يرى أن هذه النقطة إما أنه غير مؤهل أو أنه محرج أدبيًّا أن يقول كلامًا أو يقول قناعاته، فأرجو أيها الأحباب في مثل هذا المجلس أن نكون صرحاء وأن نواجه القضايا بجرأة وبجدية وبموضوعية، وأن نكون موضوعيين مع أنفسنا حتى نستطيع أن نكون موضوعيين مع غيرنا وهذه قضية، قضية ثانية الحقيقة أريد أن أختم بها حديثي، عندما تحدث الأخ الكتور طه العلواني وهو يعيش الآن في الغرب وكنت أحسب أنني سأسمع منه كلامًا يشفي غليلي إلَّا أنني للأسف صدمت، صحيح أنه قال معاني كثيرة هي موضع اتفاق لاشك في ذلك , إلَّا أنني صدمت أنه قال معاني أحسبها أنها موضع نظر وتحتاج منه إلى مراجع لأنها تشكل أساسيات في الفهم الإسلامي في مواجهاتنا الدولية مع الآخرين، وبالتالي ما ينبغي نحن أن نواجه القضايا بعاطفية وأن نواجهها باستعلاء إيماني معزول عن واقعية، نعم الاستعلاء الإيماني عندنا شيء أساسي لاشك في ذلك , لكن هذا الاستعلاء الإيماني كيف تعامل من خلاله رسول الله ﷺ مع أعدائه ومع خصومه ومع غير المسلمين؟ نجد أن السيرة في الحقيقة تكتنز لنا كثيرًا من المآثر التي تجعلنا أن نعيد النظر في قضية تعاملنا مع غيرنا مع الحفاظ على الثوابت والمنطلقات ومع الحفاظ على الاستعلا الإيماني في إطار قوله تعالى: ﴿وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ . هذه مداخلة متواضعة ورؤوس أقلام ما أردت أن أفصل بها والتفصيل بها يطول , وشكرًا لكم. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 11947

الشيخ مصطفي الزرقاء: بسم الله الرحمن الرحيم. إخواني الأساتذة الكرام، أنا لا أريد أن أكرر أو أخوض في الموضوعات الأساسية التي عرضها الأساتذة الكرام وأوفوا فيها على الغرض، ولكني أريد أن ألفت الأنظار إلى ناحية هي في ذاتها فرعية من مئات فروع قاعدة الغزو الفكري وأساليبه ووسائله، ولكنها في نظري هي أهم في عصرنا هذا وحياتنا الواقعية من الجوانب الأخرى الأساسية في هذه القاعدة، تلك هي قضية التلفاز، وكنت أحب أن يركز عليها الكلام بالقدر الذي تستححقه قضية التلفاز، تعلمون ولا أريد أن أطيل فكلّكم يعلم التفاصيل وكلكم أو معظمكم ومعظم المسلمين أصبح هذا الجهاز في بيته يغزو عائلته وأولاده وبناته وزوجته وما إلى ذلك , وكل هذا ينقل الحياة الغربية بما فيها من أمور تتنافي تمامًا مع الإسلام ومن سلوكيات انحلالية، وتعرفون مدى هذه الكلمة ومدلولها كل هذا ينقل، كان ينقل قديمًا قبل التلفاز عن طريق السينما وكان للإنسان أن يمنع أولاده أو أسرته عن السنيما فلا يأذن لهم، ولكنه لم يعد يستطيع أحد أن يخلي بيته من التلفاز الذي أصبح وسيلة معشوقة لدى أولاده ولو كانوا طلابا بالمدارس ويلهيهم عن دروسهم وكذا وكذا، وخاصة سلوك النساء الذي يراه في التلفاز، هناك غزو دخل بيوتنا يعنى الكتب والأساليب والمستشفيات، وكل ما تحدث عنه الإخوان إنها في مجال خارجي ولكن هذا الجهاز وما أسس عليه في برامجه التي معظمها برامج يهودية إخراجاتها السينمائية مخططة من قبل اليهود هذا خصص خصيصًا لهذا التهديم الأخلاقي والسلوكي وما إلى ذلك مما تعلمون ونشر الانحلالية، هذه الانحلالية هي التي تسهل بعد ذلك كل وسائل الغزو الفكري الأخرى أن تنفذ بلا معارض ولا حاجز، لا أريد أن أكثر الكلام لأنكم تعلمون من واقعه مثلما أعلم ولكني أيضًا في الوقت نفسه أحب أن ألفت النظر إلى ظاهرة نأسف لها، وهي أنه في البلاد الموثرة وخاصة في بلاد الخليج أصبحت هناك وسيلة لتعميم الاطلاع على جميع محطات وقنوات التلفاز، ذلك الهوائي الراداري الذي هو شبيه برادار الأقمار الصناعية، وقد بلغ خمسة أمتار وقد يبلغ مترًا واحدًا وينقل إلى صاحب البيت وأسرته وأولاده وبناته وزوجته، ينقل إليهم القنوات التلفازية وبرامجها التي تعمل وخاصة في أمريكا على مدي أربع وعشرين ساعة، ينتقل فيها من برنامج إلى برنامج ومن محطة إلى محطة ويعرض فيها في منزله وفي بيته وتعرض فيها الأفلام الماجنة والخلاعية التي لا تعرض عادة في السهرات العادية وحدودها من الليل، كل هذا أصبح موجودًا ومنتشرًا، وتعلمون ما وراءه من مآسٍ وما أنتج من سلوكيات ومن انحلاليات، أنا أرى وأريد أن أوجز جدًّا أن يصدر عن هذا المجمع الكريم توصية وترسل إلى حكومات البلاد الإسلامية جميعها عربية وغير عربية، نظرًا لأن هذا الجهاز وهذه الهوائيات المتطورة جدًّا والتي تساعد على نجاح الغزو الفكري في كل آفاقه وسلوكياته هو بيد الحكومات، يعني اليوم في العالم الإسلامي كله والعربي قضية التلفاز والبث وما يتبعها، كلها في يد وسائل الإعلام في حكومات البلاد الإسلامية.

стр. 11948

لذلك أقول أن يتوجه هذا المجمع الكريم بتوصية إلى حكام البلاد الإسلامية جميعًا بأن يتقوا الله في توسعة وتوسيل اقتناء هذه الرادارات على الأقل وأن يهتموا بالأفلام التي يستوردونها ويبثونها من محطاتهم المحلية، أن يهتموا بتنقيتها وأن لا يسمحوا فيها لكل ما يراد، فهناك من العروض التي عرضت في التلفاز في البلاد الإسلامية والعربية في مدى الحقب الماضية ما يندي له الجبين من المناظر الانحلالية والدعوات الانحلالية، ولا أريد أن أذكر بلدًا بعينه، جاء هذا الجهاز الهوائي المتطور فزاد الطينة بلة، فأرجو أن يصدر توصية بأن تتقي الحكومات الله في أخلاق رعيتها وأن يراقبوا الأفلام المستوردة، فلا يسمحوا لكل فيلم وإن كانت هذه المراقبة حاصلة ولكنها ضعيفة جدًّا، والأفلام الانحلالية كثيرة الوقوع في كثير من البلاد دون اكتراث فأن يدعوهم إلى ذلك وأن يعطوا توصية في منع الهوائيات المتطورة هذه الرادارية، ومنعها على الأسر والعائلات وأن لا تكون في البيوت، هذه يجب أن تبقي في يد الحكومة لتلتقط ما تشاء باعتبار أنها تحتاج أن تعرف كل شيء عما يجري , ولكن لا يسمح بها للبيوت فتكون مثالًا، على أن هذه الأمة كلما زاد ثراء أحدها يزداد إقبالًا وانهماكًا وشهوة عارمة في أن يستجلب إلى بيته وأسرته كل مظاهر الغرب وانحلالياته والسلام عليكم.

стр. 11949

الشيخ عبد العزيز الخياط: بسم الله الرحمن الرحيم. أود يا فضيلة الرئيس بهذه الكلمة أن أنوه بأمور ربما لم يتعرض لها الإخوة الكرام، نحن نعلم أن الغزو الفكري هو أشد خطرًا من غزو السلاح وأن الاتحاد السوفاتي لم يسقط بالقنبلة النووية ولا بالسلاح الذري النووي وإنما سقط بغير ذلك، ولهذا خشيتنا من هذا الغزو أن نزداد سقوطًا، لذلك أحببت أن أقول لإخوتنا الذين تناولوا الأبحاث ـ وهم مشكورون ـ ولم يتناولوا الغزو الصهيوني الفكري في الإذاعات، في التلفزيونات، في الكتب، في المجلات، في الأندية، في الدعوات المشبوهة مثل شهود يهوه، مثل ثورة المسيح، مثل الماسونية، مثل كذلك النوادي التي ثبت الغزو الفكري من خلال الطرق الكثيرة مثل نادي الروتاري، مثل الليونز، وأمثالها، فاستكمالًا للغزو الفكري الإسرائيلي الذي بدأ في مطلع فجر الإسلام من أيام عبد الله بن سبأ وبعد ذلك استمر في التفسير وغيره. الأمر الثاني أن هناك غزوًا فكريًّا عانينا منه وما زلنا نعاني يتسلل من خلال الأحزاب سواء كانت هذه الأحزاب مسلحة أو غير مسلحة وسواء توصلت إلى الحكم أم لم تتوصل إليه، وأذكر على سبيل المثال أننا عرفنا في المنظمات المسلحة التي كانت في الأردن وفي بعض البلاد العربية أثناء ما يسمي بالنضال ضد الصهيونية دخلت علينا منظمات تحمل الفكرة الماركسية وتحمل الفكر التبشيري، واسمحوا لي أن أكون صريحًا في هذا الأمر فقد عاينت منه الكثير وحاولوا اغتيالي، وعلى سبيل المثال منظمة جورج حبش ومنظمة نايف حواتمه وأمثالهم الذين كانوا يدعون صراحة وعلانية إلى هدم الإسلام، أذكر أنه في منتدى عام في مجمع النقابات في عَمّان مرة ومرات وقف أحدهم يخطب ويقول: إن أول ثورة عربية هي ثورة مسيلمة ضد الإمبريالي أبي بكر، فهذه دخلت وأفسدت كثيرًا من شبابنا، ومازلنا نذكر حزب البعث العربي استكمالًا للأحزاب التي تولاها القوميون النصرانيون مثل قسطنطين زيريف وأنطون سعادة وأمثلهم استطاعوا أن يعبثوا في بلاد عربية وأن يفسدوا شبابها، ولقد علمت مؤخرًا ولا أدري إن كان هذا الخبر موثوقًا أم لا، لكن في نشرة وصلت إليَّ قبل ستة أيام أن ميشيل عفلق أصله يهودي من اليونان وأن زوجته هي ابنة جولدا مائير، نعم هذا علمته أخيرًا فإذن هذه ينبغي أن ننتبه إليها وأن نطلع عليها.

стр. 11950

هذه الناحية لكن أيضًا هناك مؤسسات كثيرة ولعل بعض الأخوة يعرفون عن مؤسسة أريد أن أعرف بها لأننا وقعنا في مواجهة صريحة وخفية معها، هذه المؤسسة هي في نيويورك تسمي مؤسسة الأديان العالمية في نيويورك، هذه المؤسسة هي إحدي المؤسسات للحركة التوحيدية وقد تأسست في منتصف القرن الحالي على يد رجل كوري يُدعى الأب مون ويلقب بآدم الثالث والمسيح، وهذا الرجل حسب تعبيرهم جاءه الوحي منذ ثلاثين عامًا وتركت روحه الأرض وصعدت إلى العالم الروحي وهناك التقي بسيدنا آدم وسيدنا محمد ﷺ وجميع الأنبياء وقد باركوا خطواته في نشر تعاليم الحركة التوحيدية في الأرض، ويقول مون: بأن الوحي طلب منه أن يبدأ بنشر دعوته في أمريكا لأنها مركز الفساد والانحلال في العالم ومن خلال إصلاحها يصلح العالم كله، ولهذه الحركة أتباع يصل عددهم إلى خمسة ملايين يتركزون في أمريكا وكوريا واليابان، يعتقد مون أن كوريا هي إسرائيل الثالثة التي ستحقق رسالة موسى وعيسى ﵉، وكلمة التوحيد لديهم تعني أن يتوحد الإنسان مع ربه وكذلك أن تتوحد جميع الأديان تحت مظلة هذه الحركة، العقيدة في هذا الدين الجديد كما يزعم مبنية على أرضية من التاريخ اليهودى النصراني المأخوذ من التوراة والإنجيل، وهذا في نظرهم هو التاريخ الأساسي أما تاريخ الأمم الأخرى بما فيها التاريخ الإسلامي فيعتبر هامشيًّا، هذه الحركة تحرم على أتباعها التدخين وشرب الخمر وأكل لحم الخنزير والزنا، وتعتبر العائلة من أهم مرتكزاتها حتى يستجلبوا الناس والمسلمين بصورة أخص، فقد حدثت عن أعضاء منهم يحفظون القرآن الكريم ويحفظون البخاري ويناقشون على أساس هذه الحركة في الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، وعلى كل من ينضم إليها أن يتزوج وينجب أطفالًا، ومون هذا هو الذي يختار الزوجة أو الزوج، وغالبًا ما يكون الزواج بين عرقين مختلفين، وهو الذي يحدد للزوجين متى ينجبان الأطفال؟ ويتلخص تاريخ الإنسانية في نظرهم كالآتي:

стр. 11951

خلق الله آدم لأنه كان بحاجة إلى الحب وكان على آدم أن يقيم ملكوت الله بالأرض، ولكن الخطيئة التي ارتكبتها حواء يإغوائه بأكل الثمرة المحرمة ثم عندما ارتكبت الخطيئة مع الشيطان أسقطته وأفشلت مهمته وأورثت الخطيئة لذريته وحواء. عندما جاء عيسى ﵇ أراد الله أن يقيم الملكوت وأن يرفع الخطيئة عن البشر، لكن عيسى ﵇ فشل في مهمته لأنه لم يتزوج ولم يولد له ولد، فنجاح المهمة مرهون بشروط ثلاثة: أن يبلغ الإنسان الكمال في نفسه وأن يتزوج ويتكاثر وأن يسيطر على الكون، فمون هذا حقق الشرطين الأولين وهو بصدد تحقيق الشرط الثالث كما يزعم وهو أن يسيطر على الكون، ومن ضمن معتقدات أتباع هذه الحركة أن جميع الأنبياء والأديان بما فيهم الإسلام كانوا عبارة عن تمهيد لقدوم آدم الثالث والمسيح المنتظر وهو كما يسمي نفسه الأب مون الذي حلت عليه روح المسيح وأنه عاد ليكمل رسالته في تحقيق ملكوت الله في الأرض وإحلال السلام في العالم، أما عن مفهوم الثواب والعقاب لديهم فهم لا يؤمنون به، ويقولون إن الجنة والنار ما هي إلَّا رموز، وخاصة عندما ذكر القرآن الكريم أن الجنة هي الملكوت في الأرض والنار هي بعد الإنسان عن ربه. لهذه الحركة مشاريع اقتصادية ضخمة يستغلون عددًا كبيرًا من الناس ومن المسلمين بالذات في أنحاء العالم، ولدي أسماء بعضهم في الأردن ولا أدري في البلاد الأخرى وهم من وزراء وأصحاب مشاريع، ولمؤسسة الأديان العالمية مسرح في منهاتن واستديوهات لتسجيل أغاني الروك أندرول ومزارع لتربية الخيول وإقامة مباريات القفز عن الحواجز، ولها أيضًا مؤسسات عالمية منتشرة مثل مؤسسة الأديان العالمية وتحالف الحرية الأمريكي ومنظمة كاوزا لمحاربة الشيوعية وأكاديمية السلام العالمي للأساتذة ومجلس القمة للسلام العالمي وغيرها، يؤكد مسؤولون في هذه الحركة بأن مون كان له دور كبير في إسقاط الشيوعية وتفتيت الاتحاد السوفياتي وأنه سعى جاهدًا أثناء أزمة الخليج ألا تتحول الحرب إلى حرب دينية، وقد بدأ الآن اهتمام هذه الحركة ينصب على العالم العربي والإسلامي، ويؤكد بعض أعضاء هذه الحركة بأن حل القضية الفلسطينية موجود لدى مون وسوف يعرضه في الوقت المناسب وله فندق في نيويورك من عشرات الطوابق لا ينزل فيه نزلاء بالأجرة وإنما ينزل فيه الناس الذين يستضيفهم، ويستضيف مجموعات متعددة شهريًّا من أنحاء العالم العربي والإسلامي وغيرهم من مجموعات من الشباب والفتيان والفتيات لدعوتهم إلى هذه الدعوة الحركة الصهيونية التبشيرية الجديدة. وشكرًا.

стр. 11952

الشيخ معروف الدواليبى بسم الله الرحمن الرحيم. سيدى الرئيس أحاول أن تكون كلمتى مختصرة ولكنها في جوهر القضية، وذلك حول مفهوم العلمانية. من درس الكهنوت دراسة ليتعرف على التشريع الكنسي يجد أن الكهنوت يقسم الشعب إلى طبقتين؛ طبقة تتصل مع الله وهي طبقه الكهنوت؛ ثم طبقة الشعب التي تأخذ الأوامر من الكهنوت وتسمى الشعب , والتعبير الأصلى اليونانى: (لايوس، والله: تيوس) ولذلك نشأ عنها ما يسمى بالدول التيوقراطية الذين لا تصح رئاستهم في استعمال السلطة - الملك ورئيس جمهورية ونحو ذلك، أو الأصح الملك - إلا بعد أن يأخذ السلطة من الكهنوت؛ لأن الكهنوت يمثل الله، وأما الشعب فلا يمثل الله، ولذلك يخضع الشعب والملوك إلى الكهنوت لتزويدهم بالسلطة , وعندئذ يكون للملك حق الملك.. وكان مما يؤخذ على الملوك منذ نشأت الكثلكة وحتى الآن في مختلف العقائد الفرعية عن الكثلكة عندما يتوج الملك يتوج نكاية في إسرائيل الذين يعتقدون أن إسرئيل صلبت المسيح فيتوجونه، فملك إنجلترا في الصيغة الرسمية حتى الآن يتوج ملك إسرائيل نكاية في إسرائيل التي تقول إنها صلبت المسيح، ويقولون إن الإسرائيليين أصبحوا هم إسرائيليين الروح، فمن آمن بالمسيح وأنه صلب فهو إسرائيلى , وأما من لم يؤمن بالمسيح وبأنه لم يصلب فهو ليس بإسرائيلى، ولذلك يتوج الملك ملك إنكلترا حتى الآن بملك إسرائيل، ومن الغريب منذ سنتين كنت اجتمعت مع بعض الإخوان الذين كانوا في زيارة لملك إسبانيا فقال الملك إسبانيا الحاضر كارلوس مع إخوان من الفلسطينيين: أنا توجت أيضًا باسم ملك إسرائيل، فالصيغة قامت اليهودية لأن يتولى عندما يتوج يطلب منه منع لعن اليهود، ولذلك الحركة اليهودية قامت واستطاعت أن تتوصل في معنى لأخذ السلطة من الشعب لا من الكهنوت أي لا من الله، وتوفقت إليها، غير أن النهضة الصناعية والعلمية التي ابتدأت منذ الخامس عشر حتى الثامن عشر وظهر علماء ومنهم جاليليه الذي قال بدوار الأرض فكفرته الكنيسة وحكمت عليه بالطرد ومنهم من حرقتهم، فانفصل العلم عن الدين عندئذ , ووضعوا معرفة بالمعرفة العلمية , فيقولون المعرفة العلمية هي كل معرفه خضعت للحس والتجربة، ولما كان القول بالله لا يخضع بالحس والتجربة فليس القول به من العلم، ومن هنا تمكنت العلمانية من معنى آخر وتبنتها الأنظمة الدولية خاصة عن طريق اليونيسكو أنه لا يجوز أن يكون تعريف المعرفة العلمية إلا ما يسمى بالمعرفة التجريبية أي التي خضعت للحس والتجربة، وما لا يخضع للحس والتجربة لا يجوز أن يدرس في المدارس العالمية كلها، وهذا التعريف موجود في مدارسنا , في كليات التريبة حتى في البلاد الإسلامية بأجمعها، المعرفة العلمية ما خضع للحس والتجربة وما لا يخضع للحس والتجربة ليس القول به من العلم، ولكن في التعريف الكامل في الكتب الشيوعية يقولون: لما كان الله لا يخضع للحس والتجربة فليس القول به من العلم، فالعلمانية إذن نشأت من معنيين معنى كانت اليهودية تريد أن تقاوم السلطة حتى تتخلص من نفوذ الملوك ليتلقوا من الكهنوت اللعن وكان واجبًا في كل أسبوع أن تخطب الكنيسة بلعن اليهود وبأمر الملك وإذا لم يخطبوا فإنهم يكونون ملعونين، فاليهودية تخلصت بذلك فأصدرت المعنى الأخير في المعرفة العلمية التجريبية بالاتفاق مع العلماء بإقصاء الدين كله، هذا معنى ثان وليس هو المعنى الأول لكن المعنى الثاني أصبح أخطر لأنه يمشى ليس على أساس عداء ما بين اليهود والكنيسة وإنما أصبح دستورًا في نظام اليونيسكو، ولا يجوز أن يسمح للمدارس ابتدائية وثانوية وعالية أن يدرس فيها الدين باسم العلمانية، ومن الأسف أن هذا التعريف موجود في كل الكليات التربية بدون استثناء في جميع الجامعات بالعالم الإسلامي، ومن الواجب أن يتفرغ مؤتمر المجمع الفقهي للتنبيه على هذا التعريف وضرورة تعديله، كما كنت اقترحته في مجتمع دولى عام عقد في سنة تسعمائة وثمانية وسبعين في هيروشيما بطلب من مائة عالم من علماء الذرة المتطورة وأرادوا أن يعقدوا ذكرى إلغاء القنبلة الذرية في هيروشيما في نفس الموعد تحت عنوانه " أما آن للعلم أن يصطلح مع الدين " ودعا هؤلاء العلماء ممثلوا الأديان الثلاثة دعوا البابا فأرسل كردينالًا ودعوا أيضا البوذية فأرسلت أكبر عالم عندهم ودعوا المملكة السعودية بإعتبارها تمثل الإسلام فانتدبت فكان لى شرف أن أمثل باسم الإسلام وعن طريق المملكة بأن أحضر هذه الندوة، فأنا ذهبت وليس عندى من عنوان وخلفيات غير العنوان الذي وضعوه: (أما آن العلم أن يصطلح مع الدين) فتوليت كتابة كلمة الإسلام، وبنيت بأن الإسلام يولى العلم أهمية قصوى حيث يعرض كل شيء على العقل والفكر والعلم، وقد جاء في غير آية من القرآن، لقوم يعقلون، لقوم يتفكرون، لقوم يعلمون.......إلخ

стр. 11953

فأما الكردينال فحضر ولم يتكلم طول الاجتماع وكذلك البوذى حضر ولك يتكلم طول الاجتماع، أما مندوب الإسلام والمتمثل في شخصى، فأنا أرسلت كلمتى مسبقًا فوجدوا أن الديانتين الأخريين ما كتبوا شيئًا ولذلك جعلوا كلمة الإسلام تلقى في الافتتاح الذي يعى إليه عادة جمهرة من مختلف الجامعات، ولكن بعد الافتتاح يبقى المجلس مغلقًا خاصًّا بمن دعي من حوار فألقيت كلمة الإسلام أمام الجميع وأنها هي المتفقة مع المفهوم الدينى الإسلامي يقول كل شيء عنده , حتى ذات الله لا يعرفه إلا العلماء ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ ﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُون﴾ فدهشوا من هذا التعريف، ولما افتتحت جلسة المناقشات مائة عالم من علماء الذرة وكان في مقابلهم الكردنيال ورئيس البوذية وأنا الذي أمثل الإسلام، فالمائة عالم كانوا يحملون على الكنيسة يقولون: إنكم بحرق العلماء وتفكيرهم أجبرتمونا على أن نتخذ تعريفًا للعلم هذا التعريف التجريبى وأن كل معلوم خضع للحس والتجربة، ولذلك أبعدنا الدين نكاية بكم عن العلم.

стр. 11954

الشيخ أبو بكر دوكورى: بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيد المرسلين وإمام المتقين سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. شكرًا يا سيدى الرئيس، أساتذتى الكرام، لا يخفي عليكم أن هذا الموضوع-أعنى الغزو الفكري- موضوع هام وخطير؛ لأنه أفتك سلاح سلط على شعوبنا الإسلامية حتى الآن؛ لأنهم استطاعوا بهذا السلاح أن يحققوا ما لم يستطيعوا تحقيقه بأسلحتهم الفتاكة والمتطورة، فالصواريخ والقنابل تستطيع أن تحرق وأن تقتل وأن تدمر الشعوب الإسلامية، ولكنها لا تستطيع أن تغير عقائد المسلمين، بل أثبتت التجارب أنه كلما حورب المسلمون بهذا السلاح كان تشبثهم بعقيدتهم أكثر وتمسكهم بدينهم أقوى، وقد أدرك الأعداء هذه الحقيقة بعد تجارب عديدة وكثيرة؛ ولذلك لم يعودوا يعولون كثيرًا على هذا السلاح، وإنما ركزوا على الغزو الفكرى الذي أعطاهم نتائج إيجابية تتمثل في تشكيك المسلمين في عقيدتهم، احتقارهم لقيمهم الدينية وحضاراتهم التاريخية، وربما انتهي الأمر بهم إلى الارتداد عن الإسلام والعياذ بالله، إذن فلو خصصت دورة بأكملها لهذا الموضوع الخطير موضوع الغزو الفكري لما كان ذلك كثيرًا.

стр. 11955

وأنا وإن كان موضوع بحثى عن الشبه التي تثار حول تطبيق الشريعة الإسلامية إلَّا أننى أدرك أن أخطر أنواع الغزو الفكري تمكن أعداء الإسلام من الهيمنة على التعليم في عالمنا الإسلامي أسلوبًا ومنهجًا، فهنا مكمن الشر كله حيث فرضوا التعليم المختلط بين الرجال والنساء , فانتهي الأمر إلى وقوع بنات المسلمين في أحضان المشركين أو النصارى يفجرون بهن ويتزوجون منهن على مرأي ومسمع من آبائهن وأقاربهن، فلا يستطيعون فعل شئ، فهذه الفتاة المسكينة وإن كانت مسلمة إلَّا أنها لا تعرف من الإسلام إلا اسمه، فأهلها ليس لهم الثقافة الإسلامية الكافية لتثقيفها وحمايتها وتحصينها، فإذا وقعت في غرام مع زميل لها في الدراسة وتطور الغرام إلى قرار الارتباط التزاوجى بينهما وتقدم الشاب إلى أهلها بإعلان الخطبه فإن الأهل طبعًا سيرفضون لأن الإسلام لا يقر على التزاوج بينهما، ففي هذه الحالة فإما أن يكون أبو البنت قوى الشخصية أو ضعيفها , فإن كان قوى الشخصية ضحكوا عليه وتظاهر الشاب بالإسلام وتسمى باسم إسلامي أمام الناس لكي يتمكن من الزواج منها , وينتهي كل شيء فلا هو لايصلى ولا يصوم ولا يتغير شيء من سلوكه، وإن كان ضعيف الشخصية ففي هذه الحالة إما أن يستمر التعاشر بينهما بدون زواج وينجبون من الأولاد ما شاء الله أن ينجبا أو أن يرفع قضيتهما أمام محكمة مدنية لعقد الزواج بينهما، وهما أمران أحلاهما مر، والغريب في الأمر أن هذه الفتاة لا تزال تحتفظ بغيرتها الدينية، فعندما يولد لها مولود ويسميه الوالد باسم نصرانى تصر أن تسمى ولدها باسم إسلامي هي الأخرى.

стр. 11956

وكثيرا ما نرى في مجتمعاتنا من يحملون أسماء إسلامية ونصرانية مزدوجة، فإذا سألت أحدهم عن سبب ذلك قال لك إن أبويه وجميع أهله مسلمون وقد سموه بهذا الاسم الإسلامي بعد ولادته ولكنه تنصر في المدرسة وأخذ اسما نصرانيًّا إضافيًّا إلى اسمه الإسلامي الأصلي، فهذه الظاهرة متفشية كثيرًا في مجتمعاتنا الإفريقية، فالمدارس عندنا نوعان مدارس حكومية ومدارس خاصة أهلية، فالمدارس الحكومية ينتدب لها المعروفون بالكوبرا أي المعانون، يمكن كل الذين ينتمون إلى هذه الدول يعرفون هذا الاصطلاح , فهؤلاء الكبرى يرسلون من الدول الغربية ويغدق عليهم الأموال بدعوى أنهم خبراء يوكلون بوضع مناهج دراسية لهذه الدول، ولا يكتفون بذلك بل يقومون بتدريس المواد الأساسية في المدارس الحكومية، فهذا يتيح لهم فرصة نشر وبث سمومهم كما يحلو لهم، والمدارس الخاصة الأهلية معظمها كما تعلمون مدارس تبشيرية، فهذه المدارس التبشيرية ـ مع الأسف الشديد لا يتقدم أحد إلى المدارس الحكومية إلا بعد العجز عن تسجيل اسمه بهذه المدارس لماذا؟ أولًا لأن الدراسة فيها بدون مقابل، فالوالد الذي يعانى من أعباء الحياة والمشاكل الاقتصادية الحادة عندما تتاح فرصة لولده للتعلم دون أن يدفع مليمًا واحدًا فإنه لا يتردد إلا إن كان عنده إيمان أبي بكر وعمر، وأيضًا فإن هذه المدارس تمتاز بجودة مدرسيها وكذلك باستقامة مناهجها وتفوقها على المناهج الحكومية، كل ذلك جعل الإقبال على هذه المدارس إقبالًا شديدًا جدًّا، فهذه مشكلتنا ولعل وعسى أن نجد من مجمعنا هذا الموقر حلًّا لهذه المشكلة فإنها جد خطيرة، ولا يفوتنى أن أتقدم بالشكر الجزيل إلى أستاذنا ووالدنا الشيخ عبد العزيز الخياط الذي قدم لمحة موجزة عن حركة مون الخبيثه، فهذا المذهب الجديد بدأ يهدد هو الآخر مجتمعنا الإسلامي، وقد وصل إلى بلادنا في هذه السنة رجل يابانى جاء خصيصًا للتبشير بهذا المذهب الجديد ووجهوا دعوة إلى زعيم إسلامي بارز لحضور مؤتمرهم السنوى في نيويورك، والزعيم الكبير له ما لا يقل عن مليون من الأتباع فكان مشغولًا فأرسل أخاه الصغير الذي يدير مدرسة إسلامية، طبعًا تعلم في العالم العربى وأنا لا أشك في إيمان هذا الشاب وإخلاصه، ولكن غرر به؛ لأن المسلم عندما يسمع كلمه التوحيد في إصطلاحنا الإسلامي، التوحيد معروف طبعًا ولكن حركة مون يقصدون بالتوحيد توحيد الأديان الثلاثة، فهذا الشاب عندما رجع وقدم لي تقريًرا عن رحلته هذه استغربت لوجود شخصيات إسلامية كثيرة في هذه الندوة أو في هذا المؤتمر السنوى، والعجيب أن وزيرًا من وزراء الشؤون الدينية في دولة إسلامية شارك في هذا المؤتمر، فإن كان هو الآخر قد غرر به، كما غرر بذاك الشاب , وإلا فلا يسعنا إلا أن نقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، وشكرًا سيدى الرئيس.

стр. 11957

الشيخ عبد الله بن بيه: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين اللهم صلَّ وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا. أحاول أن أعلق بجملة من النقاط وإن كان الموضوع قد يحتاج إلى كلام كثير وهو موضوع يهم جميع المسلمين في حياتهم وفي معادهم ألا وهو موضوع الغزو الفكري، هذه النقاط تتمثل أولًا بتعريف بسيط ومختصر للغزو الفكري، ثانيًا في تفاوت الغزو الفكري وألوانه. ثالثًا بعض المقترحات التي تتعلق بمواجهة الغزو. أولًا الغزو الفكري هو عبارة عن أفكار واردة إلى الساحه الإسلامية عمدًا تحاول أن تنافس الإسلام وأن تحل مساحة من المساحات التي يشغلها الإسلام في حياة الناس سواء في ما يتعلق بالعقيدة أو يتعلق بالتشريع والمعاملات والعلاقات بين المسلمين، وهو مرادف تقريبًا للإحداث في الأمر وهذه الإحداث يكون من أصغر الأمور التي تدخل إلى الإسلام وأكبرها وهو الكفر، ومن أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد، إذن الغزو الفكري هو إحداث في أمرنا هذا، هو أن يحدث شيء في أمرنا وليس منه، قد يكون كبيرًا وقد يكون صغيرًا يتفاوت طبعًا، يتفاوت انطلاقًا من هذا التعريف، فإن الغزو الفكري قد يأخذ أشكالًا وألوانًا تتفاوت خطورة وإلحاحًا، ولهذا فعلينا أن نرتب الأولويات، بعض مظاهر الغزو الفكري تحاول اجتذاذ، أو بعض نواحى الغزو الفكري تحاول اجتذاذ شجرة الإسلام من أصلها، حيث تقدم نظامًا حياتيًّا متكاملًا كبديل للإسلام سواء كان دينًا كالمسيحية أو اليهودية أو المجوسية في الهند أو نظامًا بشريًّا كالعلمانية التي هي إلحاد للدين عن شؤون الحياة والماركسية كذلك التي نرجو أن تكون قد ماتت إلى غير رجعة، وتارة يأخذ شكلًا أكثر خبثا ودهاء كتقديم النزعة القومية لتفريق المسلمين وتجميد الأقوام سواء كانوا عربًا أو فرسًا أو تركًا طورانيين أو بربرًا وتقديم العنصرية كبديل للدين حيث عاشت الأمة العربية تحت الديانة التي تسمى بالقومية العربية فبنوا عليها ما يسمى بالاشتراكية العربية. وفي إفريقيا أيضًا انتحلوا اسم الإسلام الإفريقى وألف عن ذلك بعض الباحثين الفرنسين كتبًا سموها (إسلام أفريكا) يعنى الإسلام الإفريقى ويريدون بذلك أن الإسلام في أفريقيا هو إسلام آخر ليس الإسلام العربى وليس الإسلام كما نعرفه وكما جاء في التعريف من الله ورسوله، ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ .

стр. 11958

وسائل الغزو الفكري كثيرة، وأنتم تعرفونها يا سيدى الرئيس ويعرفها كل الذين درسوا هذا الموضوع، وتتمثل في مناهج التعليم، وتتمثل في المساعدات الغذائية، في برامج عندنا في إفريقيا، برنامج الفاو، وهو برنامج تابع للأمم المتحدة للغذاء، وهو برنامج يقوم عليه منصرون في شكل مساعدين يجولون كل القرى الإفريقية بما فيها تلك الواقعة في غرب أفريقيا وفي شمالها، وكذلك يكون في شكل مساعدات طبية. وأحكى لكم هنا قصة ذكرها لى بعض المسؤولين في أفريقيا أخيرًا بعد مؤتمر القمة الإسلامي الذي انعقد في داكار، قام البابا بزيارة لأفريقيا كانت مبرمجة كان يريد أن يمحو آثار هذا المؤتمر الذي أظهر انتساب إفريقيا للعالم الإسلامي، فقام البابا بزيارة لجملة من الدول في غرب إفريقيا، في إحدى هذه الدول جاء ترافقه سفينة، هذه السفينة تقدم المساعدات للناس كمساعدات بريئة ولكنها في نفس الوقت تقدم لهم كتبًا مسيحية كما أخبرنى أحد المسؤولين في غرب أفريقيا بعد مؤتمر الأخير للقمة الإسلامية في داكار , حيث قام البابا بزيارة لجملة الدول الإفريقية الواقعة على المحيط الأطلسى، هذا مثال لطريقة الغزو، تقديم المساعدات الغذائية، تقديم المساعدات الطبية، أهم وسائل هذا الغزو هي الإعلام الذي أصبحت مهمته كبيرة جدًّا، ونعرف أن بعض الإذاعات الدولية الموجهة إلى العالم الإسلامي بجميع اللغات هذه الإذعات تابعة، بعضها تابع لوزارة الخارجية مباشرة وأنا أعرف ذلك، في بعض الدول الغربية وزارة الخارجية هي التي توجه هذه الإذاعات، وتقدم في هذه الإذاعات تعليقات بعد النشرة يقوم بها خبراء على أعلى مستوى من المسؤولية سواء كان في وزارة الخارجية أو في معاهد الدفاع، ونحن سمعنا عن هؤلاء الخبراء كثيرًا الذين يتحركون كلما برقت بارقة من ظهور الإسلام في منطقة أو إقدام المسلمين في منطقة من المناطق على قرار تطبيق شريعتهم في شؤونهم الخاصة، فإنه تقوم قيامة هذه الإذعات وتكيل لهم السباب والشتم وتدعى أن القيامة قد قامت وأن الأصوليين قد قاموا في المكان الفلانى وأن غرقًا وطوفانًا قادمًا لا محالة في وجود هؤلاء. هذه الإذاعات موجهة إلى العالم الإسلامي تشكل أخطر سلاح في الغزو الفكري يوجهه إلى العالم الإسلامي، حيث - ونحن نعلم أن العالم الإسلامي مستهدف الآن - وردت تصريحات أخيرًا تشير إلى هذا وتقول من ركاب المسؤولين في الغرب تقول: إن الحضارة اليهودية المسيحية مهددة من طرف العالم الإسلامي , واليهود بذلك يريدون أن يقولوا للمسيحيين: حضارتنا هذه واحدة وإن العالم الإسلامي يمثل تهديدًا لهذه الحضارة هذه أمور معروفه لدينا، أعتقد أنه يجب على جميع المسلمين أن يواجهوا هذا المد وهذا الغزو الفكري المتنامى، مواجهة عاقله ذكية حكيمة لا أقول أن يحملوا السلاح , طبعًا حمل السلاح هو وسيلة من الوسائل ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾

стр. 11959

تلك أمور، في البوسنة يحملون السلاح، في أفغانستان حملوا السلاح، في كشمير أيضًا حملوا السلاح وهذه وسيلة من الوسائل ليست مستبعدة أبدا عندما يضطهد المسلم وعندما يفتن في أعز شيء عنده وهو دينه، ولكن نحن كعلماء أو كطلبة علم علينا أن نحاول أن نقدم صورة واضحة عن هذا الغزو الفكري، يمكن أن نتبنى إنشاء موسوعة إسلامية حول مشكلة الغزو والانحرافات التي وقعت على هذه الأمة، يمكن أيضًا أن نقدم إلى الجهات الفكرية والمرجعية والحكومات الإسلامية تقريرًا واضحًا يحدد ما يراد بالعالم الإسلامي من استلاب، حيث يفقد بالتدريج كل مناعة , فيسقط بسهولة ضحية لهذا الغزو، لنحاول إلهام المسؤولين في العالم الإسلامي هذا الوضع الجديد الذي نعيشه، يمكن أيضًا - وهذا اقتراح مهم جدًّا - إنشاء مرصد فكرى لدراسة تفاصيل خريطة الغزو الفكري وتضاريسها، ووضع الخطوط البيانية لهذا الغزو، هذا المرصد الفكري يمكن أن يكون تابعًا لمنظمة المؤتمر الإسلامي أو رابطة العالم الإسلامي أو أي جهة أخرى، يقدم هذا المركز إستراتيجية متكاملة تواجه هذا الغزو الفكري ويقدم النصح لمن يريد أن يستمع إليه، يجب أن نقدم كذلك للعالم كله وجهًا صحيحًا وجميلًا للإسلام الذي لا يدعو إلى الحرب ولكنه يدعو إلى الإسلام يدعو إلى الحوار يدعو إلى الجدال ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ ، ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ . يجب في النهاية أن نحاول ترتيب البيت الإسلامي لتجنيب المسلمين حروبًا أهلية يكونون هم حطبها: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ﴾ ، إن العالم الإسلامي يا سيدى الرئيس يقف اليوم على مفترق الطرق في كل أنحاء العالم الإسلامى أصبح الجدل أكثر حدة وإلحاحًا التيار الغربي فيه أصبح ملحًّا ومحاولًا متحفزًا، وأكاد أقول أصبح عدوانيًّا أكثر من ذى قبل لفرض قطيعة مع الإسلام وفي نفس الوقت أصبحت قوة الرفض في العالم الإسلامي أيضًا شديدة في مقابل هذا التيار، إن هذا الوضع يحتاج إلى ترشيد وللرجوع إلى منطق الشرع والعقل، ولا بد أن يقوم العلماء والمفكرون بدور أساسى للمصالحة مع النفس وللسير في الطريق الصحيح لبناء الحضارة الصحيحة: فقلت أدعي وأدعو إن أَندى لصوت أن ينادى داعيان وخلاصة القول، سيدى الرئيس، إن مدخل أي إصلاح ينطلق من المصالحة بين المسلمين والمسلمين، فيجب أن نكوّن لجنة لتقديم المنهج الوسط في جميع نواحى الحياة للمسلمين حتى يتجنبوا خطورة الحروب الأهلية والقفزات للمجهول. والسلام عليكم ورحمة الله.

стр. 11960

الشيخ معروف الدواليبى: بسم الله الرحمن الرحيم، سيدى الرئيس، كما قلت، ما كنت أريد أن أتكلم، أما وقد أثير التعريف فقلت أولًا: التعريف للعلمانية، وبالنسبة للكنيسة يراد به الشعب يقسم إلى طبقتين الكهنوت والشعب، والكهنوت هو يتصل مع الله والشعب هو تابع الكهنوت، فالعلمانية هو إلغاء الاتصال، ولا يجوز تعيين الملك ولا يجوز أن يمارس أي سلطة ما لم يباركه البابا عندئذ بإذن من الله، فقامت الثورة حتى تخلصوا من أن يكون للكهنوت سلطة في الدولة، وكلمة علماني هي ترجمة لكلمة لايوس اليونانية بمعنى الشعب، ولذلك ليست اللفظة هي علمانية وإنما هو من العَلْم في بعض اللغات العربية يراد بها الشعب، أما المعنى الثاني الذي طرأ فهو عندما اصطدم العلماء في القرن الثامن عشر مع الكنيسة عندما حرقت بعض العلماء مثل جاليليه وغيره الذين قالوا في بعض الاكتشافات، فأرادوا أن يخرجوا عن الكنيسة ويقصوا تدريس الدين من أساسه تحت ستار العلمانية، ولذلك قالوا: لا يجوز أن يدرس في المدارس الابتدائي والثانوية والعالية إلا ما يقر به تعريف المعرفة العلمية. أرجو من بعض الإخوان الذين ينتقدون لفظة المعرفة أن لا يدخلوا في متاهات، نحن نترجم الآن ما يقولون، لا يجوز أن يدرس في المدارس الابتدائي والثانوية والعالية إلا ما كان خاضعًا لتعريف المعرفة العلمية , والمعرفة العلمية التي وضعوها هي ما تؤدى إلى المعلوم الخاضع للحس والتجربة، ولما كان الله كما يقولون ـ لايرى ولا يمكن أن نحدث عليه تجربة، ولذلك القول به ليس من العلم.

стр. 11961

فأولًا نحن نترجم , ولما كان كلام يتعلق بلفظ (الله) يصعب على أن أقول الله ـ ونحن كمسلمين ـ بدون ما نقول أو نحل محله الشخص الإلهي ونقول الذات الإلهية، ولكن لسنا في مقام التجسيم، فهذا ما أردت أن أنبه إليه، فلما دعينا من قبل العلماء الآن , علماء الذرة ومائة عالم من أمريكا ومن كندا الذين يشرفون على تطوير الذرة المتطورة وقالوا نحن الآن مدركون أنا ـ لسنا ببعيد ـ سنصل إلى إحداث قنبلة واحدة يكفي لأن تنفجر الآن نظام الكون كله، وليست هنالك سلطة تقضى على الإنسان في استعمال هذه القنبلة إذا كان لا يؤمن بالله، لذلك ندعوكم ـ والخلاف كان مع الكنيسة ـ إلى أن يصطلح العلم مع الدين، فلم يجب الكردنيال وأمضوا المدة كلها لم يتكلموا لا سلبًا ولا إيجابًا، ولذلك فكنت أنا المتدخل باسم الإسلام، فقلت: العلم بوجود الله عندنا يخضع إلى قواعد العلم، نفسر الآيات: لقوم يعقلون، لقوم يعملون، لذلك عندنا ليس هناك تناقض ما بين الإيمان بوجود الله وما بين العلم وما بين العقل- فانشرحت صدورهم- ولكنكم لا تستفيدون من هذا المؤتمر بالعودة إلى الإيمان ما لم نعدل تعريف المعرفة العلمية والتي تتكفل اليونسكو بتطبيقها في الجامعات وفي المدارس الابتدائية والثانوية، ولا تسمح أن تدرس العقائد الدينية لأنها ترجع إلى الإيمان بالله الذي لا يمكن أن يرى، فلا بد من تعديل هذا التعريف، فكان في جانبى بعض الشخصيات الإسلامية، بكل أسف الدارس لعلم التربية، وقال: أرجوك لا تهدم لنا هذا التعريف التجريبى لأنه إذا هدمنا المعرفة العلمية التي تعرف بعلم التربية وعلم النفس بأنها المعرفة التجريبية عندئذ فقدنا الوصول إلى الحقائق، قلت له: يا أخى أريد أن أصحح، فعندما تقول المعرفة العلمية هي كل معلوم خضع للحس، معنى ذلك أن المعلوم المتفق على الإيمان به لا بد أن يكون مرئيًّا، فأنا أقول عوض أن نقول: خضع المعلوم دل عليه العلم، فأنتم لماذا تدرسوننا في المدارس أن الأرض خاضعة تمسكها الجاذبية؟ فهل الجاذبية تخضع للمخبر؟ هل نراها؟ قال: لا، قلت له: لماذا غيبكم يدرس على أنه علمي؟ نحن نقول إن يمسكها إلا الله، أسألكم الجاذبية هل ترى؟ قال: لا، هل تبصر؟ لا، هل لها عقل؟ منطقنا يقول الله، نصفه بجميع صفات الكمال، لذلك أعدل المعرفة العلمية المنتشرة في كتب التربية في جميع كليات التربية من قولكم: هي ما خضع المعلوم فيها إلى العلم وإلى الحس والتجربة، ونقول: هي ما دل عليه الحس والتجربة، ما دامت الأرض واقفة وليس هناك شيء يحملها، الأفلاك واقفة، إذن هناك من يمسكها، والله علمنا في قرآنه الكريم: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ .

стр. 11962

إذن تعريفكم كان تضليلًا ويجب تعديله، لأنكم تدرسوننا الجاذبية وهي لاتخضع للحس والتجربة فيجب أن يعدل هذا التعريف ويطلب إلى اليونسكو بتعديله وتوزيعه حتى نستطيع أن ندخل الإيمان بالله في جميع مدارس العالم، فوافق المؤتمر بإجماعه بكبار العلماء , وصدر القرار وطلعت التوصية، ولكن اليهودية العالمية المسيطرة من وراء اليونسكو تحول حتى الآن في هذا التعديل، وعلينا نحن معشر المسلمين أن نعدل في جامعاتنا المعرفة العلمية ونقول: هي كل معلوم دل عليه الحس والتجربة وليس خضع المعلوم للحس والتجربة. وشكرًا سيدى.

стр. 11963

الشيخ عجيل جاسم النشمى: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين , والصلاة والسلام على نبينا الهادى الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين. ما ذكره الإخوة فيه الكفاية، لكن أنوه تنويهًا إلى بعض القضايا التي لم يتطرق إليها أو أذكرها من باب تأكيدها، قبل هذا تعليق على كلمة العلمانية مجمع اللغة العربية طلب استبدال كلمة عَالَمانية بزيادة الألف على العين عالمانية بكلمة علمانية يعنى نستبدل كلمة العلمانية بالعالمانية، أما القضايا فأولًا: لا يمكن أن نواجه الغزو الفكري قبل توحيد جبهتنا الداخلية، وأهم ما يحتاج إلى التنبيه عليه في هذه الجبهة الداخليه أمران، أولا: ما زال هناك فجوة فيما بين الجماعات الإسلامية، فما زالت هذه الجماعات مشغولة بالجزئيات دون الكليات بحيث أصبحت تنميتها الفكرية تنمية إن صح التعبير تآكلية، فتُنَمِّى كل جماعة فكرها على حساب الطعن في منهجية غيرها، ويقع على الجامعات دور كبير في هذه الإشكالات بالتوجيه والتأصيل الشرعى السليم، ثانيًا: مازال هناك فجوة فيما بين بعض الحكومات والجماعات الإسلامية، وهذه الفجوة تغذيها الدول المعادية للإسلام، فكل من يرفع شعار الإسلام يواجه بأنه أصولى وأنه إرهابى ولو كان أسلوب دعوته بالحكمة والموعظة الحسنة، ولو كان أيضًا تحقيقه لمكاسبه بطريق ـ كما يقولون ـ ديمقراطى، ومن يتكلم نصرة لإخوانه قالوا هذه قضايا داخلية، لكن ماذا كان الأمر يتعلق بالمصالح الأجنبية فليس هناك شيء اسمه داخلي وخارجي، الغزو الفكري اليوم أصبح عبارة عن هجمات منظمة ترعاها دول، وهي بالتالى تحتاج إلى جهود الدول، وهذا يحمل دولنا المسؤولية , فمثلًا أهم واجهتين تحتاجان إلى جهود الدول أولا: الاستشراق الذي تكلم عنه الزملاء، فنريد أن نواجه الاستشراق بإنشاء المراكز لا للاستشراقية وإنما مراكز الاستغراب إن صح التعبير، وتعنى هذه المراكز بدراسة المناهج والفلسفات الغربية وتفنيدها ليكون موقفنا ليس موقف المدافع وإنما موقف الهجوم إن صح التعبير، القضيه الثانية التبشير الذي تكلم عنه الإخوة بما فيه الكفاية نريد مواجهة هذا التبشير بجهود الدول، ما زالت الدعوة الإسلامية تعتمد بعد الله ﵎ على جهود الأفراد في كل أنحاء العالم بأجمعه خاصة في إفريقيا تقوم على جهود الأفراد والجماعات، ونحن نؤمن بأن الله ﵎ يبارك هذه الجهود: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ . والغرب يدرك الآن أن المستقبل للإسلام، وكل دراساته تشير إلى أن الإسلام قادم، فجهودهم الآن هي في تعطيل مجئ الإسلام وكل هذا طبعًا فتح باب الأمل، لكن لا يخلينا من السمؤولية، هذا ما أحببت أن أضفيه وأقول قولى هذا وأستغفر الله لى ولكم.

стр. 11964

الشيخ الخليلى: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وصلَّى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فقد سمعنا الكثير عن الغزو الفكري وأساليبه ولا أريد أن أضيف شيئًا جديدًا، وإنما هي خواطر خطرت بالبال تدفعنى إلى أن أترجمها في هذا المقال المختصر، العالم الإسلامي في هذا الوقت بالذات كان حريًّا أن يقود البشرية ويخرجها من حيرة وقعت فيها، إذ أفلست القيم المادية في هذا الوقت، ولا أدلُّ على ذلك من انهيار الشيوعية التي صورت للناس أنها الفردوس الذي يحلمون به، وما إفلاس الشيوعية إلا إفلاس للرأسمالية في حقيقة الأمر، فإن لجوء الذين كانوا يعتنقون الشيوعية إلى الرأسمالية لتحل لهم مشكلاتهم ما هو إلا هروب من الجحيم إلى الهاوية، والعياذ بالله، وما كانت الشيوعية في يوم من الأيام إلا إفرازًا للرأسمالية لأنها كانت كردة فعل للظلم الرأسمالى، ومن الذي يستطيع أن يخلص هؤلاء من حيرتهم التي وقعوا فيها ما بعد أفلست مبادئهم، إنما هم المسلمون الذين يحملون أمانة الله ﵎ في أعناقهم، وقد تحدث قبل ما يقرب من نصف قرن أحد مفكرى الأمة الإسلامية عن فشل الرأسمالية وعن فشل الشيوعية، وقال بهذا النص أو بهذه الترجمة: سيأتى بلا شك اليوم الذي تتحجر فيه الشيوعية في موسكو نفسها بدون أي ملجأ، وتتدهور فيه الرأسمالية في واشنطن نفسها بدون أي ملجأ، وتهيم فيه المادية في جامعات لندن وباريس بدون أي منقذ، وتتلاشى فيه العنصرية حتى عند البراهمة والألمان، وإنما تبقى عبرة في التاريخ قصة من يحمل عصا موسى تحت إبطه وهو يخشى من الحبال والخشب، إننا نتحدث عن واقع نعيش فيه الآن، فنحن نخشى من الحبال والخشب ونحمل عصا موسى تحت إبطنا، لأن في يدنا كتاب الله , والله سبحانه وعد بأن يظهر هذا الدين على الدين كله ولو كره المشركون.

стр. 11965

فما أجدر هذه الأمة أن تعتز أولًا بقيمها، فما دامت الشيوعية التي تعتمد المادية أفلست، فإن هذا الفراغ الذي تركته لا يمكن أن يملأها إلا الإسلام الذي يعطى كل شيء من جوانب الحياة البشرية حقه، فيعطى الجانب الروحى حقه ويعطى الجانب المادي حقه، والذي جاء لما يحل مشكلات الناس إلى أن تقوم الساعة، سواء من ناحية اقتصادية أو ناحية اجتماعية أو ناحية ثقافية أو ناحية إعلامية أو أي ناحية أخرى، ولكن هل المسلمون اليوم يطبقون الإسلام، إن الفراغ العظيم الذي عند المسلمين أنفسهم هو المصيبة الكبرى، فهناك فجوة كبيرة بين قيم الإسلام وواقع الأمة الإسلامية، فإذا نظر أحد إلى الناحية السياسية أو الناحية الإعلامية أو الناحية الاجتماعية أو الناحية الثقافية أو الناحية التربوية يجدها بعيدًا عن الإسلام، فالإعلام الذي في بلاد الإسلام يغزو المسلمين في عقر ديارهم، يتخطى الحدود ويقتحم السدود ليغزو المسلمين في بيوتهم، ومناهج التربية والتعليم هي أيضًا بعيدة عن قيم الإسلام، عن غرس الروح الإسلامية في نفوس المسلمين، ثم من ناحية أخرى فإن أعداء الإسلام قد توصلوا إلى زعزعة ثقة المسلمين بموارثهم الفكرية والتاريخية، وهم بذلك قد أحرزوا نصرًا تحدثوا عنه بأنفسهم، فالمنصرون كانوا قبل كل شيء يهمهم أن يُنَصِّروا المسلمين، والمجتمعات التنصيرية أو المؤتمرات التنصيرية التي انعقدت كلها ينصب أهمها في ذلك , فالمؤتمر التنصيري الذي انعقد في مصر برئاسة زويمر في عام ١٩٠٦م، ثم تلاه بعد ذلك المؤتمر التنصيري في أدنبرج ثم المؤتمر في عام ١٩١٠ , ثم المؤتمر التنصيري في لاكتيو في عام ١٩١١م، كلها كانت تصب همها في هذا الإطار، وفي المؤتمر الذي انعقد في مصر وضعوا حدًّا لتنصير المسلمين في مدة خمسة وعشرين عامًا، وكان من كلام زويمر: إننا واثقون بأن المسلمين سيتلقون التعاليم النصرانية تلقائيًّا ما داموا يتلقون المعارف الأوروبية، وقال: بأنه يجب أن تقطع الشجرة ببعض أغصانها أي أن يحارب السملمون بأبنائهم الذي يتلقون المعارف من الأوروبين، إلا أن المدة التي حددوها انتهت وتحطمت آمالهم على صخرة الإسلام، فأفضى بهم الأمر أخيرًا إلى محاولة إبعاد المسلمين عن الإسلام، وبهذا يرون بأنهم يحققون أعظم المكاسب، وقد تحدث زويمر عن ذلك أيضًا في مؤتمر القدس في عام ١٩٣٥م، إذ قال في هذا المؤتمر: إن مهمة التبشير التي ندبتكم من أجلها الدول المسيحية للقيام بها في البلاد المحمدية ليست في تنصير المسلمين، لأن في ذلك هداية لهم وتكريمًا، وإنما هي في إخراج المسلم من الإسلام وجعله مخلوقًا لا صلة له بالله وبالتالى لا صلة له بالأخلاق التي تعتمد عليها الأمم في حياتها، وبهذا تكونون بعملكم هذا طليعة الفتح الاستعمارى في الممالك الإسلامية. وهم حققوا نصرًا لا يستهان به في هذا المجال، لأنهم زهدوا المسلمين في مواردهم الفكرية والتاريخيه، فأصبح المسلم اليوم يرى أن مجده وعزه وشرفه في تقليد الآخرين، مع أن الدين الحنيف جاء بغرس اعتزاز المسلمين بالقيم الإسلامية وعدم تأثر المسلمين بسلوك الآخرين، كما جاء أيضًا بما يغرس في نفوس المسلمين الثقة بالعقيدة الإسلامية، وحذر الإسلام الحنيف من أية موالاة لأعداء الإسلام، فالله ﵎ يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ﴾ إلى أن قال سبحانه: ﴿وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ﴾ . هذه أمنية كل كافر.

стр. 11966

وقال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾ . أي أن هذه الموالاة لا تنجم إلا عن مرض نفسانى، وفي هذا السياق نفسه حذر الله ﵎ من الارتداد؛ إذ قال عز من قائل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ . هذا كله يدل على أن هذه الموالاة والاسترسال فيها تؤدى والعياذ بالله إلى الردة، لأن المسلم يزهد في قيم الإسلام شيئًا فشيئًا، قد يزهد أولًا في ما يسميه في الشكليات ثم ينتهي به المطاف إلى الزهد في الجوهريات، والمسلم الواثق بالله عليه أن يشعر أن أي مسلم كان على ظهر هذه الأرض هو حارس أمين، أولًا: هو حارس أمين يقف على ثغرة من ثغور هذا الدين يخشى أن يؤتى الإسلام من قبله. ومن ناحية ثانية هو مبلغ لأمانة الله إلى عباد الله، مبلغ لدعوة هذا الدين، والمسلمون الذي انطلقوا من صحراء الجزيرة العربية وكانوا كما يصفهم أحد الكاتبين كأنما جاء هذا القرآن ولفظ هذه الصحراء تحت شعاع الشمس فتفرقت ذرات هذه الصحراء في الأرض، ووقعت وراء كل ذرة عربية من هداية القرآن، أولئك المسلمون ساسوا الممالك التي كانت من قبل تساس من قبل أباطرة الأرض مع أنه لم يسبق للعرب قبل هذا الإسلام الذي شرفهم الله تعالى به أن ساسوا أمة من الأمم، لم يبسق لهم أن بنوا لأنفسهم دولة، اللهم إلا بعض الدويلات في بعض الأماكن، فكيف أمكن هؤلاء الذين خرجوا من صحراء الجزيرة العربية أن يسوسوا ممالك كسرى وممالك الروم على ضوء القرآن لولا أن الله ﵎ غرس في نفوسهم الإيمان، وكان أحدهم يقول: إن الله قد ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، والآن ونحن غزينا هذا الغزو ومع كوننا غزينا هذا الغزو نثق في وعد الله بأن ينصر هذا الدين ونثق بأن أية قوة في الأرض لا يمكنها أن تقف في وجه انتشار هذا الإسلام وظهور هذا الإسلام، كما لا يمكن لأي قوة في الأرض أن تمنع الشمس أن تطلع وأن تمنع النهار بأن يسطع، إلَّا أننا مع ذلك ما الذي أعددناه، إنما علينا أن نعد العدة، عملًا بقول الله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ .

стр. 11967

أولًا: علينا أن نقوى جبهتنا الداخلية كما سمعنا من بعض الإخوة، وذلك باجتماع شمل المسلمين ورأب صدعهم وتوحيد صفهم، دين الإسلام جاء داعيًا للوحدة كما جاء داعيًا إلى التوحيد نهي عن التفرق كما نهي عن الإشراك بالله ﵎: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ ، ثم بجانب ذلك علينا أن نغرس أيضًا في نفوسنا ونفوس أبنائنا الثقة بهذا الدين وأن نغرس هذه الثقة في حكامنا، بحيث لا يتصورون الإسلام شبحًا مخيفًا وخطرًا رهيبًا، كما يحاول أعداء الإسلام أن يصوروه لهم، علينا أن نعرفهم بأن عزتهم إنما تكمن بهذا الإسلام، وذلتهم إنما هي في البعد عن الإسلام الحنيف، وقد حرص أعداء الإسلام ـ كما سمعنا ـ أن يصوروا كل شاب مسلم يتمسك بدين الله خطرًا يهدد الأمن في البلاد، فوصموا المتمسكين بالإسلام بشتى التهم وألبسوهم أثواب الدعايات الفاجرة المختلفة، وحاولوا أن ينبزوهم بشتى الألقاب المنفرة منهم، كل ذلك لأنهم يعملون بأن تمسك المسلم بالإسلام هو الذي سيزلزل الأرض من تحت أقدامهم ما داموا معرضين عن هدى الله ﵎، وعلينا أن نسعى لنشر المعارف الإسلامية، ونشر المعارف الإسلامية إنما يتم بوسائله المعروفة , ومن أهم هذه الوسائل نشر اللغة العربية، فاللغة العربية يجب أن تنشر في أوساط المسلمين جميعًا من أقصى المشرق إلى أقصى المغرب، وإذا كان المستعمر في كل البلاد يفرض لغته لأجل أن تنقل هذه اللغة إلى أبناء تلك البلدة أدبه وأفكاره فكيف بلغة الدين الحنيف لا تنشر في أوساط المسلمين، مع أن هذه اللغة لم تعد لغة العرب وحدهم بعد ما كانت وعاء لكلام الله ، وقد خاطب الله ﵎ بها عباده في كتابه المبين، كما أن العباد المسلمين عندما يمثلون بين يدى الله تعالى يخاطبونه بها عندما يقولون: إياك نعبد وإياك نستعين، وقد قلت غير مرة إن من العار والخزى أن يحسن المسلم ـ أيًّا كانت جنسيته وأيًّا كان جنسه ـ اللغة الأجنبية لغة المستعمر الدخيل ولا يحسن اللغة التي خاطبه الله ﵎ بها، نحن معاشر المسلمين علينا أن نسعى إلى نشر هذه اللغة حتى لا نحتاج إلى ترجمة فيما بيننا، يجب أن تزول التراجم في بلاد الإسلام من أقصاها إلى أقصاها، ولا ترشح لغة لربط المسلمين بعضهم ببعض غير لغة القرآن بعدما كانت وعاء لكلام الله وكانت أيضًا وعاء لسنة رسول الله ﷺ ، وكيف يفهم المسلم الإسلام الصحيح على أصوله وهو لا يفهم هذه اللغة، وعلينا أن نردم أو نسعى إلى ردم هذه الهوة السحيقة ما بين قيم الإسلام ومبادئ الإسلام وبين واقع الأمة الإسلامية، وعلينا أن نعرف أن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين، بحيث نعتد بموراثنا الفكرية وتاريخنا العظيم، ولا نحاول أن ننفصل عن ماضينا، ونحن فصلنا عن ماضينا في كثير من القضايا على الأقل قضية التاريخ، الآن مع الأسف الشديد تسأل المسلم عن اليوم فيجيب بالشهر الأفرنجى عن الشهر غير الإسلامي، ولا يتحدث عن الشهر الإسلامي، مع أن الله ﵎ يقول ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ﴾ .

стр. 11968

ويقول الله ﵎: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ ، جعلها من الدين القيم، والتاريخ الهجرى تاريخ أجمع عليه المسلمون في عهد الخلافة الراشدة في عهد الخليفة عمر بن الخطاب رضى الله عنه واستمروا على هذا التاريخ طيلة ثلاثة عشر قرنًا ونصف القرن، وإنما تأثروا من بعد عندما غزوا من قبل أعداء الإسلام، هذا مثال من ضمن الأمثلة التي يجب علينا أن لا نتهاون بها وأن لا نهون من أمرها، هذا ما أردت أن أقوله. وأسأل الله ﵎ التوفيق للجميع وشكرًا. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 11969

الرئيس: بسم الله الرحمن الرحيم. مع اعتذارنا الشديد عن كلمات بعض أصحاب الفضيلة ننهي هذه الجلسة المباركة بتأليف لجنة من أصحاب الفضيلة المشايخ: الشيخ الخليلى، الشيخ طه، الشيخ العجيل، الشيخ محمد الزيادى، الشيخ عبد القادر العمارى، الأستاذ الجناحي والعارضان والمقرر، ونرجو أن يتفضلوا بالتنسيق مع الشيخ عبد السلام قبل انصرافهم من هذه القاعة نظرًا لأنه لا بد من إنهاء القرار إعدادًا وصياغة قبل الصباح بإذن الله تعالى، ونرجو من الله التوفيق للجميع، وثمت أمران، الأمر الأول هناك الجلسة الصباحية مغلقة وتقتصر على الأعضاء ممثلى الدول والأعضاء الرسميين لهذا المجمع، وأما الجلسة الختامية إن شاء الله تعالى فهي في المساء بعد صلاة المغرب أي في الساعة السابعة والنصف تمامًا، والله ولى التوفيق، وبه ترفع الجلسة والسلام عليكم ورحمة الله وبركات.

стр. 11970

القرار بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبين وعلى آله وصحبه. قرار رقم: ٧١/ ٧/ ٧ بشأن الغزو الفكري إن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره السابع بجدة في المملكة العربية السعودية من ٧ إلى ١٢ ذو القعدة ١٤١٢هـ الموافق ٩ـ١٤ مايو ١٩٩٢م. بعد إطلاع على البحوث الواردة إلى المجمع بخصوص موضوع: (الغزو الفكري) ، والتي بينت بداية هذا الغزو وخطورته وأبعاده وما حققه من نتائج في بلاد العرب والمسلمين، واستعرضت صورًا مما أثار من شبه ومطاعن، ونفذ من خطط وممارسات، استهدفت زعزعة المجتمع المسلم ووقف انتشار الدعوة الإسلامية، كما بينت هذه البحوث الدور الذي قام به الإسلام في حفظ الأمة وثباتها في وجه هذا الغزو وكيف أحبط كثير من خططه ومؤامراته. وقد اهتمت هذه البحوث ببيان سبل مواجهة هذا الغزو وحماية الأمة من كل آثاره في جميع المجالات وعلى كل الأصعدة، وبعد استماعه إلى المناقشات التي دارت حول هذه البحوث يوصى بضرورة ما يلى: ١- العمل على تطبيق الشريعة الإسلامية واتخاذها منهجًا في رسم علاقاتنا السياسية المحلية منها والعالمية. ٢- الحرص على تنقية مناهج التربية والتعليم والنهوض بها بهدف بناء الأجيال على أسس تربوية إسلامية معاصرة وبشكل يعدهم الإعداد المناسب الذي يبصرهم بدينهم ويحصنهم من كل مظاهر الغزو الثقافي. ٣- تطوير مناهج إعداد الدعاة من أجل إدراكهم لروح الإسلام ومنهجه في بناء الحياة الإنسانية بالإضافة إلى إطلاعهم على ثقافة العصر ليكون تعاملهم مع المجتمعات المعاصرة عن وعى وبصيرة. ٤- إعطاء المسجد دوره التربوى الكامل في حياة المسلمين لمواجهة كل مظاهر الغزو الثقافي وآثاره وتعريف المسلمين بدينهم التعريف السليم الكامل. ٥- رد الشبهات التي أثارها أعداء الإسلام بطرق علمية سليمة بثقة المؤمن بكمال هذا الدين دون اللجوء إلى أساليب الدفاع التبريري الضعيف. ٦- الاهتمام بدراسة الأفكار الوافدة والمبادئ المستوردة والتعريف بمظاهر قصورها ونقصها بأمانة وموضوعية. ٧- الاهتمام بالصحوة الإسلامية ودعم المؤسسات العاملة في مجالات لدعوة والعمل الإسلامي لبناء الشخصية الإسلامية السوية التي تقدم للمجتمع الإنساني صورة مشرقة للتطبيق الإسلامي على المستوى الفردى والجماعى وفي كل مجالات الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية.

стр. 11971

٨- الاهتمام باللغة العربية والعمل على نشرها ودعم تعليمها في جميع أنحاء العالم باعتبارها لغة القرآن الكريم واتخاذها لغة التعليم في المدارس والمعاهد والجامعات في البلاد العربية الإسلامية. ٩- الحرص على بيان سماحة الإسلام وأنه جاء لخير الإنسان وسعادته في الدنيا والآخرة, وبحيث يكون ذلك على المستوى العالمي وباللغات الحية جميعها. ١٠ـ الاستفادة الفاعلة والمدروسة من الأساليب المعاصرة في الإعلام مما يمكن من إيصال كلمة الحق والخبر إلى جميع أنحاء الدنيا ودون إهمالٍ لكل وسيلة متاحة. ١١ـ الاهتمام بمواجهة القضايا المعاصرة بحلول إسلامية والعمل على نقل حلول الإسلام لهذه المشكلات إلى التنفيذ والممارسة لأن التطبيق الناجح هو أفعل طرق الدعوة والبيان. ١٢ـ العمل على تأكيد مظاهر وحدة المسلمين وتكاملهم على كل الأصعدة وحل خلافاتهم ومنازعتهم فيما بينهم بالطرق السليمة وفق أحكام الشريعة المعروفة إفسادًا لمخططات الغزو الثقافي في تفتيت وحدة المسلمين وزرع الخلافات والمنازعات بينهم. ١٣ـ العمل على بناء قوة المسلمين واكتفائهم الذاتى اقتصاديًّا وعسكريًّا. ١٤ـ مناشدة الدول العربية والإسلامية مناصرة المسلمين الذين يتعرضون للاضطهاد في شتى بقاع الأرض ودعم قضاياهم ودرء العدوان عنهم بشتى الوسائل المتاحة. كما يوصى المجلس أيضًا الأمانة العامة للمجمع باستمرار الإهتمام بطرح أهم قضايا هذا الموضوع في لقاءات المجمع وندواته القادمة نظرًا لأهمية موضوع الغزو الفكري وضرورة وضع إستراتيجية متكاملة لمجابهة مظاهره ومستجداته ويمكن البدء بقضيتى التنصير والاستشراق في الدورة القادمة. والله ولى التوفيق.

стр. 11972

القَرار بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه. قرار رقم: ٦٥/١/٧ بشأن الأسواق المالية إن مجلس الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره السابع بجدة في المملكة العربية السعودية من ٧ إلى ١٢ ذي القعدة ١٤١٢هـ الموافق ٩-١٤ مايو ١٩٩٢م. بعد إطلاعه على البحوث الواردة إلى المجمع بخصوص موضوع: " الأسواق المالية " الأسهم، الاختيارات، السلع، بطاقة الائتمان. وبعد استماعه إلى المناقشات التي دارت حوله. قرر: أولًا – الأسهم: ١- الإسهام في الشركات: (أ) بما أن الأصل في المعاملات الحل فإن تأسيس شركة مساهمة ذات أغراض وأنشطة مشروعة أمر جائز. (ب) لا خلاف في حرمة الإسهام في شركات غرضها الأساسي محرم، كالتعامل بالربا أو إنتاج المحرمات أو المتاجرة بها. (ج) الأصل حرمة الإسهام في شركات تتعامل أحيانًا بالمحرمات، كالربا ونحوه، بالرغم من أن أنشطتها الأساسية مشروعة.

стр. 11973

٢- ضمان الإصدار (UNDER WRITING) : ضمان الإصدار: هو الاتفاق عند تأسيس شركة مع من يلتزم بضمان جميع الإصدار من الأسهم، أو جزء من ذلك الإصدار، وهو تعهد من الملتزم بالاكتتاب في كل ما تبقى مما لم يكتتب فيه غيره وهذا لا مانع منه شرعًا إذا كان تعهد الملتزم بالاكتتاب بالقيمة الاسمية بدون مقابل لقاء التعهد، ويجوز أن يحصل الملتزم على مقابل عن عمل يؤديه – غير الضمان – مثل إعداد الدراسات أو تسويق الأسهم. ٣- تقسيط سداد قيمة السهم عند الاكتتاب: لا مانع شرعًا من أداء قسط من قيمة السهم المكتتب فيه وتأجيل سداد بقية الأقساط، لأن ذلك يعتبر من الاشتراك بما عجل دفعه، والتواعد على زيادة رأس المال، ولا يترتب على ذلك محذور لأن هذا يشمل جميع الأسهم، وتظل مسؤولية الشركة بكامل رأس مالها المعلن بالنسبة للغير، لأنه هو القدر الذي حصل العلم والرضا به من المتعاملين مع الشركة. ٤- السهم لحامله: بما أن المبيع (السهم لحامله) هو حصة شائعة في موجودات الشركة وأن شهادة السهم هي وثيقة لإثبات هذا الاستحقاق في الحصة فلا مانع شرعًا من إصدار أسهم في الشركة بهذه الطريقة وتداولها.

стр. 11974

٥- محل العقد في بيع السهم: إن المحل المتعاقد عليه في بيع السهم هو الحصة الشائعة من أصول الشركة، وشهادة السهم عبارة عن وثيقة للحق في تلك الحصة. ٦- الأسهم الممتازة: لا يجوز إصدار أسهم ممتازة لها خصائص مالية تؤدي إلى ضمان رأس المال أو ضمان قدر من الربح أوتقديمها عند التصفية، أو عند توزيع الأرباح. ويجوز إعطاء بعض الأسهم خصائص تتعلق بالأمور الإجرائية أو الإدارية. ٧- التعامل في الأسهم بطرق ربوية: (أ) لا يجوز شراء السهم بقرض ربوي يقدمه السمسار أو غيره للمشتري لقاء رهن السهم، لما في ذلك من المراباة وثوثيقها بالرهن وهما من الأعمال المحرمة بالنص على لعن آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه. (ب) لا يجوز أيضًا بيع سهم لا يملكه البائع وإنما يتلقى وعدًا من السمسار بإقراضه السهم في موعد التسليم، لأنه من بيع ما لا يملكه البائع، ويقوي المنع إذا اشترط إقباض الثمن للسمسار لينتفع به بإيداعه بفائدة للحصول على مقابل الإقراض.

стр. 11975

٨- بيع السهم أو رهنه: يجوز بيع السهم أو رهنه مع مراعاة ما يقتضي به نظام الشركة، كما لو تضمن النظام تسويغ البيع مطلقًا أو مشروطًا بمراعاة أولوية المساهمين القدامى في الشراء، وكذلك يعتبر النص في النظام على إمكان الرهن من الشركاء برهن الحصة المشاعة. ٩- إصدار أسهم مع رسوم إصدار: إن إضافة نسبة معينة مع قيمة السهم، لتغطية مصاريف الإصدار، لا مانع منها شرعًا ما دامت هذه النسبة مقدرة تقديرًا مناسبًا. ١٠- إصدار أسهم بعلاوة إصدار أو حسم (خصم) إصدار: يجوز إصدار أسهم جديدة لزيادة رأس مال الشركة إذا أصدرت بالقيمة الحقيقية للأسهم القديمة (حسب تقويم الخبراء لأصول الشركة) أو بالقيمة السوقية. ١١- ضمان الشركة شراء الأسهم: يرى المجلس تأجيل إصدار قرار في هذا الموضوع لدورة قادمة لمزيد من البحث والدراسة. ١٢- تحديد مسؤولية الشركة المساهمة المحدودة: لا مانع شرعًا من إنشاء شركة مساهمة ذات مسؤولية محدودة برأس مالها، لأن ذلك معلوم للمتعاملين مع الشركة وبحصول العلم ينتفي الغرر عمن يتعامل مع الشركة. كما لا مانع شرعًا من أن تكون مسؤولية بعض المساهمين غير محدودة بالنسبة للدائنين بدون مقابل لقاء هذا الالتزام. وهي الشركات التي فيها شركاء متضامنون وشركاء محدودو المسؤولية.
следующие страницы →