١٠-وقد وافق المجتمعون على اقتراح الأمين العام على أن يجري المجمع الاتصالات العلمية اللازمة مع المفتين في العالم الإسلامي ومجالس الإفتاء ولجانه فيه. كما وافقوا على أن يجري المجمع الاتصالات مع الجامعات الإسلامية والتنسيق معها للقيام بمشاريع محددة في مجال البحوث وتحقيق كتب التراث الإسلامي الداخلة في خطة المجمع وفي إعداد قوائم من الباحثين والمحققين من أعضاء هيئة التدريس في الجامعات.
١١-وقد أبدى المجتمعون كل الاهتمام بفكرة نشرة المجمع وطلبوا من الأمانة العامة إعطاءها الأولوية للتعريف بالمجمع في أوساط المسلمين الرسمية والشعبية.
١٢-وقد بحث المجتمعون في الاقتراح المقدم من معالي رئيس المجمع للقيم بعملين علميين كبيرين هما:
أولا: مدونة لأدلة الفقه الإسلامي من القرآن والسنة النبوية الشريفة وأقوال الصحابة.
стр. 1227
ثانيا: معلمة للقواعد الفقهية.
وقد وافق المجتمعون على التوصية بإدخال مشروع معلمة القواعد الفقهية ضمن المشاريع العلمية الي يتبناها المجمع.
وأما بخصوص مدونة الأدلة فقد وافق المجتمعون على التوصية بهذا المشروع من ناحية المبدأ على أن يقدم معالي رئيس المجلس: الدكتور بكر أبو زيد ما يقترحه بخصوص المنهج الخاص بإعدادها وخطة عملها ويرسل بذلك إلى الأمانة العامة لموافاة الأعضاء بها ثم تعرض على المجمع في دورته القادمة.
١٣-ثم بحث المجتمعون في مشروع المنهج المقترح لسير عمل المجلس ومناقشات وإدارة جلساته المقدم من اللجنة التي شكلها المجلس في دورته الثانية والمكونة من:
- الدكتور عبد السلام داود العبادي.
- الدكتور طه جابر العلواني.
- الدكتور عمر جاه
- الدكتور عبد الستار أبو غدة
- الدكتور عبد الله إبراهيم
- الشيخ محمد هشام البرهاني.
وبعد مناقشات موسعة واستعراض المشروع مادة مادة تمت الموافقة على التوصية به وفق الصيغة المرفقة ليعرض على اجتماع المجلس في دورته القادمة.
١٤-عرض معالي الأمين العام، ما تم بخصوص مشروع الموسوعة الفقهية، وقدم الدكتور عبد الستار أبو غدة التصور الذي أعده بخصوص الموسوعة الفقهية وقد جرت مناقشة ذلك بتوسع وتمخض النقاش عن الحاجة بتشكيل لجنة علمية لوضع تصور تفصيلي واضح بخطة الموسوعة ليعرض على المجمع في دورته القادمة.
стр. 1228
العدد الثالث
стр. 1229
تقديم بقلم معالي الأستاذ سيد شريف الدين بيرزاده
الأمين العام لمنظمة المؤتمر الإسلامي
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد.
فبين يدي القارئ عدد من المجلة العلمية الفقهية التي يصدرها مجمع الفقه الإسلامي بجدة مرة كل سنة والتي يضمنها جملة من الأبحاث العلمية المتناولة لمجالات متعددة، شرعية واقتصادية واجتماعية ونحوها، يكتبها نخبة من العلماء الأجلاء.
وإنني حريص وأنا أقدم هذا العدد أن أتجنب عن قصد الإشارة إلى محتواه الزاخر بالدراسات القيمة والهامة، وذلك كي أفسح المجال للتذكير بالدور الذي يضطلع به المجمع من خلال ما يضطلع بإنجازه بكل كفاية من أعمال تدل ولا ريب على أن هذا الجهاز لم يقم بصفة اعتباطية ولكنه جاء نتيجة تفكير معمق وشعور ملح بضرورة إيجاد مؤسسة إسلامية تضطلع بدور خطير يتمثل أساسيا في توحيد كلمة المسلمين وإنارة سبيلهم وتبصيرهم بأمور دينهم حتى يكونوا بحق خير أمة أخرجت للناس.
ومن منطلق المسؤولية التي أشرف بها وأنا على رأس الأمانة العامة لمنظمة المؤتمر الإسلامي، أرى لزاما علي أن أنوِّه بالإنجازات الطيبة التي حققها المجمع، وهو ما يزال في عامه الثالث. ذلك أنه عقد ثلاث دورات شارك فيه خيرة علماء العالم الإسلامي ورددت وسائل الإعلام الإسلامية صدى نجاحها بما تطارحه أولئك العلماء خلالها من موضوعات مهمة، تعكس بصورة جلية قدرة شريعتنا المطهرة على تقديم الحلول المناسبة والمعالجات الجديدة للمشكلات المعاصرة بما يحقق خير المجتمع الإسلامي ومصلحته.
ولقد عقد المجمع إلى جانب ذلك (بالاشتراك مع بعض المؤسسات الإسلامية) ندوات تمهيدية تناولت قضايا اقتصادية ومصرفية معاصرة بالغة الأهمية كان لزاما أن يبحها مجلس المجمع بصورة معمقة ودقيقة قبل درسها والبت فيها على نطاق أوسع.
стр. 1230
ووضع المجمع أيضا ضمن خطة عمله جملة من المشروعات العلمية سيكون لها بإذن الله الأثر في تقريب المسائل الفقهية من المسلمين، خاصتهم وعامتهم:
- فهناك الموسوعة الفقهية التي خصصت في مرحلتها الحاضرة للمعاملات الاقتصادية القديمة والحديثة، وقد شرع عدد من العلماء في إعداد البحوث التي حددت موضوعاتها لجنة علمية عينها المجمع لهذا الغرض.
- وهناك معلمة القواعد الفقهية ويمكن أن تعد من أبرز الإنجازات التي ستكون للباحثين والدارسين والمفتين والمجتهدين منارات هدي وإرشاد للكليات والقواعد والمبادئ والضوابط المعتمدة في استنباط الأحكام من أقوم السبل وأدقها.
- وهناك طائفة من كتب التراث النفيسة التي سترى النور بإذن الله قريبا بعد الفراغ من تحقيقها الذي يضطلع به حاليا نخبة من المختصين الأكفياء.
- وهناك مشروع تيسير الفقه الإسلامي الذي بإنجازه مؤتمر القمة الإسلامي الخامس، وهو مشروع يتطلع إليه المسلمون من غير المتخصصين في الفقه لإرواء تعطشهم إلى التفقه في الدين بطريقة تناسب إمكاناتهم وظروفهم، وتساعدهم على التكوين الملتزم بشرع الله في شؤون حياتهم، وتحميهم من مخاطر الأفكار والتصورات الهدامة المناقضة لعقيدتهم وأحكام دينهم.
إن هذه الحركة العلمية النشيطة التي يقف وراءها مجمع الفقه الإسلامي الذي يجمع في رحابه أهل الحل والعقد من علماء أمتنا المجيدة، لجديرة بكل عناية ودعم، لما ستسهم به بإذن الله، من تكثيف الوعي لدى المسلمين في البلاد الإسلامية وفي أطراف العالم بأن الدين الذي اختاره الله لهم صالح لكل زمان ومكان، إذ يتحقق به صالح معاشهم وخير معادهم.
والله سبحانه المسؤول أن يرعى هذه الحركة المجمعية المباركة ويسدد خطاها، وهو عزت حكمته من وراء القصد ولي التوفيق.
الأمين العام لمنظمة المؤتمر الإسلامي
سيد شريف الدين بيرزاده
стр. 1231
كلمة معالي د/ بكر بن عبد الله أبو زيد
رئيس مجلس مجمع الفقه الإسلامي
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:
فطوع يد القارئ اليوم، العدد الثالث من (مجلة مجمع الفقه الإسلامي بجدة) بأجزائه الثلاثة بعد أن آنسنا من أقلام العلماء رشدا وأثرا لهذه المجلة (تخللت مسلك الروح) في أبحاث وخطابات تعني الشكر والثناء، وهذا من فضل الله علينا وعلى الناس أجمعين. وذلك لما فيها – والحمد لله – من بحوث أمينة بأقلام بارعة، تطارح القارئ بأسلوب رصين لا يُتعصب لقديم لقدمه، ولا يُفتتن بجديد لجدته، لكنه الفقه في الدين، بإقامة التدليل من كتاب، أو سنة، أو إجماع، أو قياس... مطاردة لأبحاث ناشزة تجلل باسم الشرع وهي تمكر بالحق، وتنابذ هداية الله وحكمته وتشريقه. وهذه المنابذة مصدر خطر عظيم على الأمة في دينها ووحدتها، وتطلعها، وطموحها لحياة راشدة آمنة تسري على الأرض مسار الشمس.
فعسى أن يكون في هذا (المجمع) ما يكف هذا البأس.
وهذا العدد كشقيقيه السابقين بين خاصرتيه، وقائع الدورة الثالثة، المنعقدة في (عمان) عاصمة المملكة العربية الأردنية الهاشمية، التي استضافتها حكومة جلالة الملك الحسين بن طلال حفظه الله في رحاب (المجمع الملكي لبحوث الحضارة الإسلامية) من ٨ / ٢ / ١٤٠٧ هـ إلى ١٣ / ٢ / ١٤٠٧ هـ.
وهي أمامك بمقدماتها وخاتمتها، وأبحاثها، ومداولاتها، وقراراتها، وأستغني عن ذكرها بفهرسها، وفي مقدمة محتوياتها خطاب صاحب السمو الملكي ولي عهد المملكة العربية الأردنية الهاشمية الأمير الحسن بن طلال، والذي حوى الشد على معالم الحضارة الإسلامية .... وما أن اقترحت على المجمع أن يكون خطاب سموه من وثائق المجمع إلا وتلقاه رجاله بالقبول.
стр. 1232
وكان لمعالي الأستاذ ناصر الدين الأسد (رئيس المجمع الملكي) فضل كبير بعد الله تعالى في نجاح هذه الدورة، فلمعاليه ورجال أمانة المجمع وافر الشكر والتقدير.
ومن أبرز المشاريع المستقبلية التي تبناها المجمع بموافقته على اقتراح منا ما يلي:
١- مدونة الأدلة للأحكام الشرعية، من الكتاب، والسنة، وأقوال الصحابة ﵃.
٢- معلمة القواعد الفقهية.
٣- تحقيق وطبع كتاب (معرفة السنن والآثار) للبيهقي رحمه الله تعالى.
وقد قامت أمانة المجمع بإجراء الخطوات التنفيذية لها، فالخطة المنهجية لمعلمة القواعد الفقهية على وشك الانتهاء بالتعاون مع بعض الأساتذة المختصين. وتحقيق كتاب (معرفة السنن والآثار) قد عهد بقسم منه إلى الشيخين الفاضلين، الشيخ بدر البدر، والشيخ محمد بن ناصر العجمي، وقد استلما نسخه الخطية لبدء العمل فيه.
فأرجو أن يكون في إنجازات المجمع، ومشاريعه المستقبلية، ما يجسد أمام أهل الإسلام – عظمة دور المجمع في الأمة، وتكوينها فكريا، وثقافيا، وتخليصها من شوائب طالما كدرت عليها حياتها. وهذا تذكير لإخواني رجال هذا المجمع بأن مهمتهم عظيمة وكبيرة، ونشكر لهم جهودهم ومثابرتهم، وفق الله الجميع لصالح القول والعمل والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
بكر بن عبد الله أبو زيد
стр. 1233
كلمة العدد
لمعالي الدكتور محمد الحبيب ابن الخوجة
الأمين العام لمجمع الفقه الإسلامي
الحمد لله الذي لا يؤدي أحد من خلقه شكر نعمة من نعمه إلا بفضل ونعمة منه توجب على مؤدي الشكر بأدائها على ماضي النعم من لدنه نعمة حادثة جديدة يجب عليه شكره بها.
نحمده حق حمده ونثني عليه كما هو أهله ثناء يكافئ نعمة وآلاءه، ونستعينه ونستهديه ونستغفره ونتوب إليه ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، لا يبلغ مدحته المادحون ولا يقدر على وصف عظمته الواصفون، فهو جل ثناؤه كما وصف نفسه وفوق ما يصفه به خلقه، ونشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، خيرته من خلقه، وصفيه لوحيه، المبلغ لرسالته، المرفوع ذكره، والذي ورد في محكم التنزيل قول ربه في حقه: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وقوله : ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه وأزواجه وذريته ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
وبعد فإن الله العلي القدير قد يسر لنا مواصلة الجهد وبذل الوسع لتحقيق الغايات والأهداف التي من أجلها أسس هذا المجمع "مجمع الفقه الإسلامي" والتي نبه إليها خادم الحرمين الشريفين الملك فهد أعزه الله بقوله: "إن هذا العصر يشهد الكثير من التناقضات والاجتهادات وإن على علماء المسلمين الأفاضل المشاركين في هذا المجمع أن يقدموا الحلول الإسلامية وأن يوضحوا الطريق الصحيح وأن يساعدوا الأجيال على تفادي البلبلة والارتباك، وأشار من جهة أخرى حفظه الله ونصره إلى: "أن من الخير للأمة الإسلامية أن تجمع أمرها وتوحد صفوفها في إطار عقيدتها السمحة لأن فيها خيرها وعزها وهي مصدر قوتها الحقيقية"، ولا بدع إذا ألفيناه بعد ذلك يقول أيده الله وسدد خطاه: "إننا ندعم هذا المجمع لأننا نعتقد بأن مهمته كبيرة ومسئولياته عظيمة، وأن أمة الإسلام تنتظر من ورائه الخير والفلاح إن شاء الله".
وقد سار على هذا النسق الشريف في تقديره جهود المجمع وتعزيزه مع بيان المسالك العملية التي عليه أن يسعى إلى تحقيقها بجانب المشروعات العلمية التي يعدها والمؤتمرات والندوات التي يعقدها حضرة صاحب السمو الملكي الأمير حسن بن طلال حين قال: إن من ذلك: بيان تعاليم الإسلام السمحة التي يتقوم بها السلوك وبث القيم والمبادئ التي يعتمدها الإسلام منهجا للحياة، وعرض المتغيرات والقضايا المستجدة على أصول الشريعة الإسلامية التي تدرأ ما خبث وتقبل ما حسن وتوجد لكل أمر فيه رضا الله وصلاح الأمة طريقا عمليا ووجها شرعيا يرتفع به الحرج عن الناس، وبيان الأوجه العملية والطرق القريبة لمحاربة أسباب التخلف والضعف والوهن في المجتمعات الإسلامية وتجميع أسباب العزة والقوة والمنعة".
стр. 1234
وهذا الأمر لا يمكن أن يتحقق إلا باجتماع علماء الأمة وأهل الحل والعقد فيها من أصحاب النظر العلمي والشرعي الدقيق القادرين على تعمق النصوص نظرا وتدبرا واستنباط الأحكام على هدى من أسرار الشريعة ومقاصدها في ما يعرض للناس من حاجات في هذا العصر.
ولقد أشاد معالي الدكتور ناصر الدين الأسد وزير التعليم بالمملكة الهاشمية الأردنية ورئيس مجمع بحوث الحضارة الإسلامية برجال المجمع حين قال – حفظه الله –: "إن هذا الموكب من مواكب العلم والنور والهداية – الذي نستقبل الساعة مفتتحه - ليسير في حناياه وعلى جنباته رجال نذروا أنفسهم لدين الله الحق الذي رضيه الله تعالى لهم، لا يألونه بحثا ودرسا وتنقيبا وتفهما واستخراجا للأحكام على قواعد وأصول ومناهج تضبط الاستنباط وتحكم الاستقراء وتوجه القياس ".
كما أعلن عن دور المجمع في بحث القضايا المعروضة عليه معالي الدكتور أحمد محمد علي رئيس البنك الإسلامي للتنمية وهو يتابع بنفسه في المؤتمر الثالث للمجمع المنعقد بعمان تداول العلماء النظر بشأن الاستفسارات المقدمة من طرفه ليصدروا بشأنها الفتاوى الشرعية والقرارات الحكيمة المناسبة حين قال – حفظه الله -: "إن عملكم الرائد في مواجهة التطور في الحياة المعاصرة ومشكلاتها بالاجتهاد المتبصر والاسترشاد بمبادئ الشرع الحنيف هو قبلة اهتمام هذه الأمة التي تتطلع إلى ثمرة اجتهادكم الأصيل الفاعل بهدف إيجاد الحلول الناجعة النابعة من التراث الإسلامي والواعية لمتطلبات الأمة المتغيرة".
وفعلا وبعون الله التأمت بعمان وباستضافة من الدولة الهاشمية الأردنية الكريمة الدورة الثالثة لمجمع الفقه الإسلامي المنعقدة بين ٨ - ١٣ صفر ١٤٧٩هـ ١١ - ١٦ أكتوبر ١٩٨٦ م. وتقدم أعضاء المجمع المحترمون والخبراء الموقرون الذين وفدوا على عمان بهذه المناسبة من أطراف العالم ومن الدول الإسلامية المختلفة بدراسات وبحوث جد مفيدة تم - بعد عرضها في الجلسات المتوالية لهذه الدورة مناقشة محتوياتها مناقشة جادة - اتخاذ القرارات الصادرة عن المجلس في دورته هذه.
وأنه ليسرنا اليوم أن نقدم في هذا العدد الثالث للقراء الأكارم والباحثين والدارسين في أطراف العالم الإسلامي أعمال هذه الدورة وما تناولته بالدرس من قضايا هامة تشغل أفكار مختلف الجهات في المجتمع الإسلامي المعاصر.
وهكذا فإن العدد الثالث من مجلتنا يقدم من نتائج اجتماع مجلس المجمع في هذه الدورة البحوث المعروضة فيها والقرارات المتخذة بشأن القضايا المطروحة على النظر والمشاريع والتوصيات التي أقرتها.
стр. 1235
وقد اشتملت البحوث على قضايا شرعية واجتماعية واقتصادية ومصرفية: أما البحوث الشرعية فقد تناولت: توظيف الزكاة في مشاريع ذات ريع بلا تمليك فردي للمستحق، وتوحيد بدايات الشهور القمرية، وتحرير الإجابة عن الاستفسارات المقدمة للمجمع من المعهد العالمي للفكر الإسلامي بواشنطن والإحرام للقادم للحج والعمرة بالطائرة والباخرة.
وأما البحوث الاجتماعية فقد كانت هي أيضا متنوعة منها التلقيح الاصطناعي وأطفال الأنابيب وأجهزة الإنعاش.
وتناولت البحوث الاقتصادية أحكام النقود الورقية وتغير قيمة العملة.
واشتملت القضايا المصرفية المعروضة على المجمع في استفسارات البنك الإسلامي للتنمية والتي بحثت في هذه الدورة على رسوم الخدمة على القروض، وعملية الإيجار، وعمليات البيع بالأجل مع تقسيط الثمن، وعمليات تمويل التجارة الخارجية، والتصرف في فوائد الودائع.
وبالرغم عما أثارته هذه الدراسات وموضوعاتها من نقاش طويل وتبادل للأنظار والآراء المتباعدة والمختلفة غير أنها بعد الجدال والتدبر والتمحيص والجهد والاجتهاد المتأني انتهت إلى قرارات حظيت بإجماع أعضاء المجلس.
ونحن في نهاية هذه الكلمة نحمد الله على ما يسر، ونشكر للقادة دعمهم ورعايتهم، وللعلماء والباحثين دراساتهم وجهودهم، ولا ننسى في النهاية أن ننوه بالأيادي البيضاء التي قدمها لنا معالي الشيخ حسن عباس شربتلي إذ تفضل مشكورا – رعاه الله وحفظه – بالإذن بطبع هذا العدد الثالث بأجزائه في مطبعته وعلى نفقته، وقد قام القيمون والمشرفون على المطبعة بجهود جيدة وموفقة يستحقون عليها كل الثناء والتقدير.
والله المسئول أن يجزل ثواب العاملين المخلصين والموجهين والمتبرعين وأن يسدد خطانا وخطاهم لإعلاء الحق وخدمة الشرع ونصرة الدين والنصح لهذه الأمة إنه سميع مجيب وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
محمد الحبيب ابن الخوجة
стр. 1236
كلمة افتتاح الدورة
ألقاها
معالي الدكتور ناصر الدين الأسد
وزير التعليم العالي ورئيس مؤسسة آل البيت
بالمملكة الأردنية الهاشمية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سيدي صاحب السمو الملكي، نائب جلالة الملك، ولي العهد المعظم.
سلام عليكم... وتحية إليك ... يعطرهما شذى العرف من الحب الذي يملأ قلوبنا، ونفح الطيب من التقدير الذي يعمر عقولنا. كيف لا، وأنت منا في الذؤابة: نسبا زكيا، وفؤادا ذكيا، وخلقا رضيا، وهي صفات وخصائص عرفها فيك كل من اتصل بك من قريب أو بعيد، وهي وحدها التي تثني عليك، وتستغني بنفسها عن كل ثناء.
وهذا اللقاء الكريم الذي تستضيفه وتفتتحه اليوم هو من بعض ما طمحت إليه همتك، وتوجه إليك عزمك، حين دعوت صاحب السماحة الأخ الجليل، العلامة الفقيه، الدكتور الحبيب ابن الخوجة الأمين العام لمجمع الفقه الإسلامي في جدة ليعقد الدورة الثالثة للمجمع في عمان في رحاب آل البيت ومجمعهم الملكي لبحوث الحضارة الإسلامية، امتدادا لجهدك الموصول في تشجيع العلم والعلماء والفكر والمفكرين، والحفاوة بهم، واستضافة مؤتمراتهم ونداوتهم، في ظل وارف من رعاية سيدنا، الملك الهاشمي، الحسين بن طلال، واتساقا مع توجيهاته، وإنفاذا لرغباته السامية.
سيدي صاحب السمو الملكي
سادتي العلماء الأجلاء
إن هذا الموكب من مواكب العلم والنور والهداية – الذي نستقبل الساعة مفتتحه – ليسير في حناياه وعلى جنباته، رجال نذروا أنفسهم لدين الله الحق الذي رضيه تعالى لهم، لا يألونه، بحثا ودرسا وتنقيبا، وتفهما، واستخراجا للأحكام، على قواعد وأصول ومناهج: تضبط الاستنباط، وتحكم الاستقراء، وتوجه القياس.
وقبل هذا الموكب كانت مواكب، توالت على مدى العصور: موكبا إثر موكب، ولكل موكب في كل عصر أئمته: يهدون الطريق، ويسددون الخطى، ويصوبون المسيرة، حتى لا تضل الأفهام، ولا تضطرب المعايير، ولا تتفرق السبل، وحتى لا ينفصل الحاضر – بما يجد فيه – عن الأصول والجذور، ولا ينطلق المستقل منفلتا في متاهات الضياع.
стр. 1237
ويناظر مجمع الفقه الإسلامي، ويرفده: المجمع الملكي لبحوث الحضارة الإسلامية: مؤسسة آل البيت، الذي يجمع في عضويته العاملة والمراسلة، وفي نشاط لجانه وكتابة بحوثه، نحو مئتي عالم من جلة علماء المسلمين في مختلف بقاع الأرض، وهو يوجه عنايته إلى البحث العلمي في مختلف ميادين الحضارة الإسلامية وخاصة ما يتصل بأصول هذا البحث ومصادره بتوفير ما يسمى ببنوك المعلومات، وقد أصدر منها حتى الآن عشرة مجلدات من فهارس المخطوطات العربية في العالم، وفي خطته لهذا العام إصدار عشرة مجلدات أخرى، وأصدر أيضا سبعة مجلدات تتضمن كشافات تحليلية للمواضع التي ورد فيها ذكر للاقتصاد وللتربة في الإسلام، في أمهات كتب التراث، وكدنا نستوفي هذه الأمهات وننتقل إلى الكتب الحديثة، فالدوريات، ثم ما صدر باللغات الأجنبية، بحيث تصبح هذه السلاسل من الكشافات والفهارس وبنوك المعلومات، المنهل الذي لا غنى عنه لكل باحث في هذه الميادين. ذلك بالإضافة إلى إصدار ثلاثة مجلدات تتضمن ما يزيد قليلا عن اثني عشر ألفا من رؤوس المواد أو عناوين الموضوعات، أو المداخل، تمهيدا للعمل في موسوعة الحضارة الإسلامية، وقد بدأنا بتنظيم العمل في مجالين من مجالات هذه الموسوعة، ونأمل أن نتمهما خلال العام القادم، ثم نبدأ بنشر الموسوعة وإصدارها، على صورة فصول متفرقة، إن شاء الله تعالى. وقد بدأ المجمع الملكي طباعة البحوث التي أنجزت من موضوعات الخطة المتوسطة المدى، وهي: الشورى، والتربية، والإدارة المالية، ومعاملة غير المسلمين، وسيصدر خلال الشهر القادم مجلدان من مجلدات هذه البحوث. وما هذا كله إلا نماذج وأمثلة، قد يغني ما ذكرت منها عما لم أذكر.
سيدي صاحب السمو الملكي
سادتي العلماء الأجلاء:
إن مجمع الفقه الإسلامي في جدة يمثل ظاهرة إسلامية فريدة، إذ أنه يلبي – بطبيعة تكوينه – حاجة المسلمين في هذا العصر إلى الاجتهاد الجماعي – في أوسع نطاق – فيلتقي أهل الحل والعقد من علماء المسلمين من مختلف البلاد والبيئات والمذاهب، لمواجهة القضايا المستجدة على المجتمع الإسلامي في هذا العصر في المجالات المتعددة، وخاصة المجال الاقتصادي والاجتماعي، ثم إن هذا المجمع يسعى بعلمائه الأجلاء إلى تحقيق هدف أساسي آخر، وهو: التيسير على المسلمين بتبسيط معرفة دينهم، وتقريب هذه المعرفة إليهم، من أجل تمكينهم من الالتزام بأحكام هذا الدين التزاما يوحد بين المسلمين عامة، فبارك الله في علمائه، وجزاهم عن الإسلام خير الجزاء كفاء ما يبذلون من جهد.
سيدي صاحب السمو الملكي
الموقف موقفك، والكلمة كلمتك، وهذا الجمع الكريم متشوق إلى سماعك، فلتتفضل مشكورا بافتتاح هذه الدورة الثالثة لمجمع الفقه الإسلامي باسم الله وعلى بركته.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
стр. 1238
خطاب (١)
صاحب السمو الملكي الأمير الحسن بن طلال
ولي عهد المملكة الأردنية الهاشمية
الحمد لله
والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وإمام المتقين، سيدنا ومولانا محمد، وعلى آله وصحبه.
أصحاب السماحة والفضيلة
أيها السادة الأماثل، أود بادئ ذي بدء أن أرحب بكم وأن أنقل إليكم تحيات جلالة أخي الملك الحسين.
إنها لمناسبة سعيدة حقا تتاح لنا اليوم، لاستقبال أعلام الفقه ورجالات الفكر الإسلامي من أنحاء العالم، ممثلين في أسرة مجمع الفقه الإسلامي، هذا الصرح الفقهي الدولي الإسلامي، الذي نغتبط باستضافة الدورة الثالثة لمؤتمره السنوي في عمان عاصمة الأردن العربي الهاشمي الذي لا يفتأ يناضل من أجل العروبة، وحماية المقدسات وعزة الإسلام، وتجديد مقومات سيادته وبعث حضارته.
وإننا لنرحب أجمل ترحيب بأهل الحل والعقد، وأصحاب النظر والفتوى الوافدين علينا من الأقطار الإسلامية كلها، وبممثلي المؤسسات العديدة العاملة في مجال البحوث الفقهية والدراسات الشرعية بتداخل نظمها ووحدة أهدافها الذين تنتظمهم جميعا عضوية مجمع الفقه الإسلامي، كما نرحب أيضا بأصحاب الفضيلة الأساتذة الخبراء، ذوي الشهرة في ميادين البحث والدراسة للقضايا الاجتماعية، والصحية، والاقتصادية، والشؤون المالية، في العالم الإسلامي.
стр. 1239
أيها السادة الأفاضل
إن الفقهاء والعلماء في المملكة الأردنية الهاشمية، ليبتهجون بمقدمكم، متخذين من دورتكم هذه – التي تعقدونها بين ظهرانينا – موسما علميا مشهودا، يتطلعون فيه كما نتطلع جميعا في أسرتكم الأردنية إلى الوقوف على ما سيقدم من بحوث ودراسات عن القضايا المعروضة على المجمع في مؤتمره السنوى الثالث وإلى ما سيفضي إليه النقاش والنظر، من مواقف وفتاوى وقرارات علمية ومجمعية لها شأنها في حياة المسلم في كل زمان ومكان، وإن المسلمين كافة ينتظرون الكثير من هذا المجمع الزاهر الذي يعمل جادا لربط ماضي الأمة المجيد بحاضرها المتطور فيرسخ في نفسها الثوابت التي هي مقومات ذاتها وأساس وجودها ويواجه فيها المتغيرات بما تهدي إليه أصول النظر الشرعي ومناهج الفكر الإسلامي في مختلف مجالات الحياة المعاصرة.
وهذا القصد المزدوج السوي أيها الأخوة السادة الأفاضل الذي كان وما يزال بحمد الله شعار أمتنا، هو الذي ينطق به قول الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ فقد وصفها سبحانه بالعدالة والعزة والخيار، وبتأكد هذه المعاني لديها وصدق هذه النعوت فيها وانطباقها عليها يتم تفضيلها الذي يؤذن به قوله ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ وهو يرفعها إلى المرتبة السامية.
ولا شك أيها السادة الأفاضل أن للآية الكريمة التي صارت لهذه الأمة شعارا، دلالة على أن الله تعالى أكمل عقول هذه الأمة بما تنشأ عليه من اتباع العقائد السليمة ومجانبة الأوهام الضالة، ومن وجوب تلقي الشريعة من طرق العدول وإثبات أحكامها بالاستدلال استنباطا يقوم به العلماء ليتلقاه العامة فهما وممارسة.
وفي هذا يكمن سر التجدد والخلود لهذه الأمة لأن علماءها والمجتهدين فيها لا تحكمهم الأهواء ولا تلوي أعناقهم الشهوات، ولكنهم – في كل ما يصدر عنهم من اجتهادات وأحكام – آخذون بالقول الفصل والهدي المبين من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ومما تلقاه الصحابة رضوان الله عليهم من رسول الله ﷺ من بيان وحكمة، فذلك هو الأصل والمرجع الذي امتن الله به على عباده في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ .
стр. 1240
ولا بدع – بعد ذلك – أن كان علماء هذه الأمة وفقهاؤها يعكفون على الكتاب والسنة في كل عصر، يدرسون ويتدربون ويفكرون ويبينون حتى نشأت من ذلك علوم القرآن وعلوم السنة، وأحكمت أصول الرواية وقواعد الدراية، ووضعت التفاسير والشروح، وجمعت الأحكام وأصولها من الأدلة التفصيلية في الكتاب والسنة، وأصبح جماع ذلك دليل الإيقان ومبلغ الاطمئنان، لقوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ ولقول الرسول ﷺ : ((إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها وحد حدودا فلا تعتدوها، وحرم أشياء فلا تنتهكوها وعفا عن أشياء رحمة بكم من غير نسيان فلا تسألوا عنها)) .
وقد نبعت من أصول الشريعة أفهام ومدارك، وتبينت أيضا أسرار ومقاصد، واتبعت مناهج وطرائق، وضبطت أصول وقواعد، كانت جميعا مرآة ظهرت عليها أقوال الصحابة والتابعين، وآراء الأئمة والمفتين، وأنظار الفقهاء والمجتهدين، وكان ذلك سببا لغنى الفقه واتساع دائرته وتأصيل نظرياته وتجديد اتجاهاته، في كل المجالات وجميع الشؤون، ولا يمكن لأي عالم أو أي فقيه أن يتنكر لهذا التراث العظيم ولتلك الثروة المميزة من الفقه الإسلامي، لما يقتضيه النظر الدقيق والبحث العلمي من الاستقراء التام للمذاهب والأقوال والاتجاهات والآراء ولما يتطلبه الاجتهاد في كل عصر من عميق التصور لغايات الشارع ومقاصده، ومن كمال الوقوف على الأحوال والملابسات للقضايا والنوازل، عند تطبيق الشريعة عليها وتنزيل الأحكام بها، وهكذا يتوصل إلى الحق ويقام العدل ويعتمد من الأدلة والأحكام ما يكون الأثبت والأقوى حجة وبرهانا والأيسر والأوفق لمصالح الناس، وإن في استيفاء النظر وفي المقارنة بين مذاهب الأئمة وآراء الفقهاء، وفي القيام بعد ذلك بالترجيح والاختيار للنصوص التي ينبغي اعتمادها في القضايا المتداولة - لجهدا تنوء به طاقات الأفراد، ولا يستطيعه إلا مجمع يكون لأعضائه من الإحاطة بمصادر الشريعة والعلم بالفقه الإسلامي، ومن الخبرة بالأصول والأسس والنظريات والقواعد، ومن القدرة على التمييز والتفريق بين الحالات المتشابهة، وعلى البت في القضايا المشكلة ما يعينه على تخريج المناط وتنقيحه وتحقيقه.
стр. 1241
وإذا كانت القضايا العادية معروفة أحكامها للناس، في العبادات والأحوال الشخصية والمعاملات والحدود وكل فروع الفقه ومسائله بما يشمل اليوم كل القوانين العامة والخاصة الدولية وغيرها، فإن التطور المادي الحضاري من جهة وما نجم عنه في أطراف العالم الإسلامي من تيارات فكرية جديدة، واكتشافات واختراعات وتقدم علمي وتكنولوجي وتنظيمات وتراتيب وشركات ومؤسسات وأعراف وعادات، يواجه الإسلام والمسلمين بتحدياته ويهدد بتقويض القواعد العظيمة التي قامت عليها معالم الفكر والحضارة الإسلامية، وليس أمام المجمع الذي ينتظم صفوة العلماء في هذا العصر ويستضيف كما ذكرت قبل قليل أصحاب اختصاص في مجالات مختلفة والذي أقيم باتفاق الدول الإسلامية عامة، إلا أن يجتهد ويبذل الوسع من أجل إنارة سبيل المؤمنين ورفع حواجز الغموض والضلال والجهل والضعف من طريقهم ومدهم من جديد بما صلح لآبائهم عند تشييدهم أكمل نظام وتأسيسهم أعظم حضارة، ويصلح لهم اليوم من التعاليم والحكمة التي تأخذ بأيديهم إلى طريق المجد، يستعيدون بها سيادتهم وإدارتهم ويتبوأون بها من جديد مقام الريادة ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾
فعلى أساس هذا الهدي، وما تنبثق منه من أحكام وقواعد وأصول ونظريات يستطيع المجمع أن يحقق حماية المسلمين والحفاظ على توازن المجتمع الإسلامي. ودعم الوحدة الإسلامية بعناصر القوة والمنعة مع التأكيد على الأصول والتشاور المشروع والمحبب بكل موضوعية وعمق، ويتولى دراسة المشكلات التي تعترض سبيل النمو والتقدم في العالم الإسلامي دون تمييز ومواجهة التحديات التي تقهر الإنسان العربي والمسلم وإيقاظ الروح والمنظور الإسلامي في النفوس بعثا لنهضة جديدة.
وهذا الشرف التالد الذي تميزت به الأمة الإسلامية يجعل الله إياها مرجعا لغيرها، ودليلا لسواها على الخير والحق تتمسك به وتلتزمه وتبينه وتدعو إليه، هو الذي يدفع اليوم مجمع الفقه الإسلامي لاستجابة الأمر الإلهي في قوله : ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ وفي قوله سبحانه ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ .
стр. 1242
ولا يقتصر هذا الواجب الجماعي على المشروعات العلمية المختلفة التي تعدونها، ولا على المؤتمرات واللقاءات التي تقومون بها بل يتجاوز ذلك إلى جملة وظائف، منها:
بيان تعاليم الإسلام السمحة التي يتقوم بها السلوك، وينضبط بها السير وتشد الفرد والجماعة إليها بما فيها من سهولة ويسر.
ومنها: بث القيم والمبادئ التي يعتمدها الإسلام منهجا للحياة وذلك بوسطيته التي تجمع بين جانبي الروح والمادة، وطلب الدنيا والآخرة والقيام بالعبادة مع تحقيق معاني الاستخلاف في الأرض.
ومنها: عرض المتغيرات والقضايا المستجدة على أصول الشريعة الإسلامية التي تدرأ ما خبث وتقبل ما حسن وتوجد لكل أمر فيه رضا الله وصلاح الأمة طريقا عملية ووجهاً شرعيا يرتفع به الحرج عن الناس، وإن في القياس والاستحسان والاستصلاح وتحكيم الأعراف المعتبرة شرعا ما يواجه التحديات وييسر على العباد معاشهم ويحقق لهم مصالحهم، فإن من مقاصد الشارع تحقيق مصالح الخلق، وقد قال رسول الله ﷺ : ((إن الله لم يبعثني معنتا ولا متعنتا ولكن بعثني معلما وميسرا)) . ومن حكمته ﵇ قوله: ((إن الدين يسر، ولن يشادَّ الدينَ أحدٌ إلا غلبه، فسددوا وقاربوا وأبشروا)) ، وقوله: ((إن الله شرع الدين فجعله سهلا سمحا واسعا ولم يجعله ضيقا)) .
ومنها: بيان الأوجه العملية والطرق القريبة لمحاربة أسباب التخلف والضعف والوهن في المجتمعات الإسلامية وتجميع أسباب العزة والقوة والمنعة التي بفضلها تعود هذه الأمة من الافتراق إلى الاتفاق، ومن الاختلاف إلى الوحدة، وفي هذا المسمى تكمن أسرار العبادة الخالصة لله التي يجزي سبحانه عنها عباده.
تلك هي الأهداف التي يعمل المجمع من أجل تحقيقها وتلك هي الرسالة التي يجب أن يضطلع العلماء في هذا العصر بها على الوجه الأكمل، وهم قادرون على ذلك، ماضون للوصول إلى ما يؤملون، والله من وراء القصد، وهو ولي التوفيق.
أشكركم مرة ثانية وأذكر بأن حسن الأداء والخروج بقرارات واضحة في هذا اللقاء المبارك لدلالة أخرى على وجود الإرادة الإسلامية في هذا الزمن، وفي كل زمان إن شاء الله مواجهة للتحدي والتحديات.
أرجو المعذرة أن أطلت وإن أفضت ببعض العاطفة التي أشعر بها في مثل هذا الموقف، وأسلم عليكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 1243
خطاب (١)
معالي السيد سيد شريف الدين بيرزاده
الأمين العام لمنظمة المؤتمر الإسلامي
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
والصلاة والسلام على رسول الله خاتم النبيين والمرسلين وعلى آله وأصحابه أجمعين
صاحب السمو الملكي
أصحاب المعالي
الإخوة الأعزاء
يشرفني أن أتوجه بخطابي هذا إلى الجلسة الافتتاحية للدورة الثالثة لمجلس مجمع الفقه الإسلامي، وأود أن أعرب عن تقديري وامتناني لجلالة الملك الحسين بن طلال ولحكومة المملكة الأردنية الهاشمية لاستضافة هذا الاجتماع ولصاحب السمو الملكي الأمير حسن لتفضله بافتتاحه.
وإني أرحب بالحقوقيين والعلماء البارزين وممثلي الدول الأعضاء بمنظمة المؤتمر الإسلامي المشاركين في هذه الدورة، وأرجو لهم جميعا طيب الإقامة في هذه المدينة الجميلة، وأتمني لهذه الدورة النجاح.
صاحب السمو
الإخوة الأعزاء
لقد صدر قرار إنشاء مجمع الفقه الإسلامي عن مؤتمر القمة الإسلامي الثالث التاريخي الذي انعقد في مكة المكرمة، وسوف يتابع المجمع السعي لتحقيق الأهداف الحيوية للوحدة الإسلامية وتقريب المجتمع الإسلامي من الإيمان بالعمل على إيجاد حلول لمشاكل الحياة العصرية والجيل المعاصر وفقا لأحكام الشريعة.
ويشكل قرار القمة الإسلامية الثالثة تطورا مهما في تاريخ جهودنا الرامية إلى تحقيق أهدافنا المشتركة، وباتخاذها هذا القرار صممت الدول الإسلامية الواقعة في مختلف بقاع الأرض وذات الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية المتباينة، على إنشاء مؤسسة تعمل على إبراز وحدة العالم الإسلامي وتقويته في ميدان الفقه والتشريع.
وأكد إنشاء مجمع الفقه إجماع الأمة الإسلامية على الحاجة إلى جهود نظامية يقوم بها أفراد أكفاء ومؤسسات مؤهلة للنظر في مختلف جوانب هذا العصر وتهدف إلى تمكين المسلمين من تكييف حياتهم مع القواعد والتعاليم الأساسية لديننا الحنيف، وليس هذا أمرا سهلا أية حال من الأحوال، ولكنه شرط مسبق لازم للجهود الإسلامية المقررة لضمان مطابقة عملهم الفردي والجماعي لتعاليم الإسلام.
стр. 1244
صاحب السمو
الإخوة الأعزاء
إن من دواعي سرورنا أن نلاحظ ما وصل إليه مجمع الفقه الإسلامي برئاسة فضيلة الشيخ محمد الحبيب ابن الخوجة أمينه العام الفذ، من تقدم كبير خلال فترة وجيزة من الزمن، والمجمع يتلقى دعما فعالا لنشاطاته من عدد كبير من العلماء المسلمين البارزين، والواقع أن المجمع أصبح مركزا لالتقاء علمائنا الأفاضل ومنبرا لهم، وقد بادر المجمع إلى النظر بتعمق في عدد من المسائل التي شغلت بال الحقوقيين منذ عشرات السنين، وتشمل هذه المسائل مختلف جوانب الاقتصاد الحديث مثل الصناعة المصرفية والفوائد المصرفية والتأمين وإعادة التأمين وجمع الزكاة وتوزيعها الخ...
ونحن نتطلع إلى اليوم الذي يتطور فيه هذا المجمع الإسلامي ليصبح مركزا رئيسيا تلتف حوله الهيئات الفقهية الحالية المتعددة، وأنا واثق من أن المجمع سوف يعمل على تشجيع التعاون والتنسيق بصورة أفضل بين هذه الهيئات على أسس خطط مدروسة وعملية.
الإخوة المحترمون:
إن أهمية الفقه الإسلامي تتمثل في حقيقة أنه يرشد أفراد المجتمع إلى كل ما يهمهم في أمور حياتهم، كما أنه يشمل العلاقة بين المسلمين والدولة الإسلامية وكذلك أبناء الأقليات المسلمة في المجتمعات غير الإسلامية.
وقد استجابت الشريعة للحاجات التشريعية للدولة الإسلامية على مر العصور وأمدتها بالمبادئ والقواعد المتعلقة بأعمالها ومسؤولياتها والتزاماتها.
منذ البداية قام أفراد مستنيرون كرسوا حياتهم لدراسة القرآن الكريم وسنة الرسول ﵊ بتفسير الشريعة، وذلك عمل جليل، وحاول الفقهاء والعلماء المسلمون تحديد قواعد الفقه بدقة وتجميعها وتصنيفها ونقلها إلى الأجيال القادمة. نتيجة لذلك تجمعت لدينا ثروة فقهية عظيمة من المؤلفات والدراسات والبحوث، كما أن عددا من معاهد الفقه في العديد من الدول الإسلامية نشرت كتبا في الفقه.
ولذلك توفر لمجمع الفقه الإسلامي مصدر ضخم مما خلفه العلماء والفقهاء المسلمون، ومن واجبنا أن ننتفع من تراث أسلافنا وأن نبدأ من حيث انتهوا لنزيد في إثرائه. والمجمع مدعو إلى المحافظة على هذا التراث وإلى العمل على تطوير الفقه الإسلامي.
стр. 1245
كلمة معالي الدكتور بكر بن عبد الله أبو زيد
رئيس مجلس المجمع
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
بسم الله الرحمن الرحيم ... الحمد لله نستلهمه التوفيق والرشد، وألجأ إليه من مواطن العثار والزلل، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك لله في الغدو والأصل، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله وخيرته من خلقه وأمينه على وحيه خاتم الأنبياء والرسل اللهم صل وسلم عليه كلما ذكره الذاكرون وغفل عن ذكره الغافلون ما اتصلت عين بنظر وأذن بخير، ورضي الله عن الصحابة الكرام وآل نبيه الطيبين الأطهار والتابعين لهم بإحسان...
أما بعد:
فإن هذا المجمع المبارك قد أتم دورتين في حولين كاملين على أرض المملكة العربية السعودية واليوم نعود والعود إن شاء الله تعالى أحمد مستقبلين له في دورته الثالثة لعامه الثالث دون النمو والارتقاء على أرض المملكة الأردنية الهاشمية مفتتحا برعاية صاحب الجلالة الملك الحسين بن طلال ورعاية صاحب السمو الملكي ولي العهد نائب جلالته الأمير الحسن بن طلال فأبدي جزيل الشكر ومحمود الثناء على هذه المكرمة الملكية الكريمة في سبيل العلم وحملته خدمة للإسلام والمسلمين، وأثني بذلك لكل من له قدم صدق من رجال هذه الحكومة الهاشمية الكريمة وأخص بالذكر مؤسسة آل البيت وفي مقدمتهم العلامة ذو اللغون والأدب والفنون الأستاذ ناصر الدين الأسد، وانطلاقا من شخصية هذا المجمع التي لا تعيش بين جذور محلية وإنما تمتد إلى أقصى حدود العالم الإسلامي فأينما حل ذلكم المجمع فهو يحل في دياره ومنازله، أقول بكل فخر واعتزاز: حياكم الله وأهلا وسهلا ودمتم في صحة وهناءة عيش وفوقة في سبيل العلم وحمل رايته.
стр. 1246
صاحب السمو الملكي ... أيها الحفل الكريم.
لقد دأبت الحياة المجمعية كشأن أي كائن حي لا بد أن يمر بمراحل التكوين وإن تكلأه عين التعاهد وقد سار ذلكم المجمع كذلك يتعاهده رجاله ببليغ العناية لأن حياته تهم كل مسلم ناصح على وجه الأرض وفي كريم معارفكم العلم عسير المطلب بطئ الخطى يحتاج إلى الصبر ومطاولة السنين، والعمل المجمعي بوجه خاص يحتاج إلى ذلك وإلى جد وإلى عمل جاد لا يعرف الغلبة ولا الجلبة متأنيا لا يعرف التسرع ولا جني الثمار قبل نضوجها وأنه قد سار هذا المجمع على هذه الخطوط العريضة يتفيأ في ظلال الشرع المطهر ومن خلال ذلك وفي هذا المسار الكريم أصدر ذلكم المجمع عدة قرارات شرعية في قضايا ونوازل عصرية لجت فيها الأقلام والأفهام وفي أمور فقهية كانت تستدعي بحثا معمقا ورأيا جماعيا، وإن المجمع من خلال قراراته هذه يؤدي وظيفة مهمة في الإسلام، إذ يشد آصرة إخوانه علماء الإسلام في الصد والإيصاد لتلكم الأبواب التي يفتحها الأكالون البطالون على أمة محمد ﷺ ، وفي مقدمة تلك الأبواب باب الملاينة وخفض الجناح على حساب الشرع المطهر، وقد توعد الله الفعلة لذلك من طراز آخر فقال سبحانه: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ (٢٦) فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾ وإذا كان هذا في حال من أطاع في بعض الأمر فكيف بحال من رضي وتابع وولج في الأمر جملة واحدة نسأل الله الصون والعافية، وتجسيدا لأهداف هذا المجمع التي من أبرزها شد الأمة إلى وحدتها وصفاء عقيدتها فإنه على لسان رجال هذا المجمع وأمانة هذه المجمع ورئاسة هذا المجمع أبعث رسالة حق من مقامي هذا إلى قادة العالم الإسلامي من مجمعهم هذا قائلا: إنه لا سبيل إلى حياة آمنة مطمئنة يحق فيها الحق ويبطل فيها الباطل ويدفع العدو الصائل إلا بالاعتصام بالكتاب والسنة والأخذ بالدليل من التنزيل ومن أقوال النبي الكريم عليه من الله أفضل الصلاة والتسليم.
стр. 1247
ولن يتجلى ذلك إلا بمسلكين بارزين:
أحدهما: مسلك تحكيم شريعة الله بين عباده في بلاده فوق أرضه وتحت سمائه إذ الكل ملك لله فيتعين على مملوكيه أن يدينوا لمالكهم بأمره ونهيه وتشريعه.
والمسلك الثاني: تنقية التعليم وتصفيته وتخليصه، من كل شائبة يزنها الإسلام، والعمل على إمداده في ضوء الشارع المطهر، وقد رأينا بوادر ذلك ولله الحمد في ديار الإسلام من الصحوة الإسلامية التي تعيشها ديار الإسلام، وفي عدد من القرارات القيادية التي ترشد هذه المسالك وتجعلها في ساحة العمل، فلله الحمد على ما أنعم وتفضل وأسأله أن يوفقنا جميعا إلى طريق الحق والصواب.
صاحب السمو الملكي... أيها الحفل الكريم:
لا بد لي أن أبدي شكرا وتقديرا وأرفع ذكرا لأمانة هذا المجمع التي عملت جادة في طوال العام على بذل الجهود في عقد هذه الدورة.. وشكر لجلالة الملك الحسين بن طلال، ولسموكم على هذه الاستضافة الكريمة وعلى هذا اللقاء العظيم، وإنني أستأذن سموكم بأن تكون كلمتكم هذه ميثاقا من مواثيق مجمع الفقه الإسلامي سيطبع منفردا نظرا لما تتمتع به من روح التشريع ومن الأمور المهمة ورسم الخطوط العريضة وأسأل الله أن يوفقنا جميعا لما فيه صلاح العباد والبلاد وأن يأخذ بأيدينا جميعا إلى كل عمل صالح مبرور والله يحفظنا وإياكم بالإسلام، والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
стр. 1248
كلمة
معالي الدكتور محمد الحبيب ابن الخوجة
الأمين العام للمجمع
الحمد لله الذي ميزنا على سائر الأمم برابطة ثابتة دائمة هي العروة الوثقى التي لا انفصام لها، وقد جعلها الله لنا ذكرا وشريعة ومنهاجا، ووصف الذكر فقال : ﴿هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾
وفصل الشريعة التي ختم بها الشرائع كلها وقابل بها بين الحق والباطل فقال لنبيه ﷺ : ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (١٨) إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ﴾ ووضع لنا منهاج حياتنا، يجمع شملنا، ويسدد سلوكنا، ويدعم صفنا ويوحد كلمتنا، وذلك هو الدين الخالص الذي ارتضاه الله لنا: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ .
وصلى الله على إمام الأئمة ونبي الرحمة سيد المرسلين وقائد الغر المحجلين سيدنا ومولانا محمد الذي أرسله الله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله فأدى الرسالة، وبلغ الأمانة وعبد الله حتى أتاه اليقين وعلى آله وصحبه وسلم.
حضرة نائب جلالة الملك صاحب السمو الملكي الأمير الحسن بن طلال المعظم.
صاحب المعالي الدكتور ناصر الدين الأسد رئيس مجمع الحاضرة الإسلامية، مؤسسة آل البيت الموقر.
حضرة صاحب المعالي الأمين العام المساعد لمنظمة المؤتمر الإسلامي المبجل.
حضرات أصحاب السماحة والفضيلة والسعادة أعضاء المجمع الأكارم.
حضرات الأساتذة.. أيها السادة.
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، وبعد:
ههنا بعاصمة البلقاء عمان قاعدة المملكة الأردنية الهامشية أرض البطولات والأمجاد، حيث يستبسل المناضلون ويرابط المجاهدون، وتزخر الحياة اليومية بألوان الكفاح من أجل تحرير الأوطان، ورفع التحديات وتحقيق عزة العروبة والإسلام وحيث تقوم الجامعات العلمية والمجامع الحضارية واللغوية والمؤسسات الاجتماعية والاقتصادية بجلائل الأعمال وشتى الخدمات في مختلف مجالات الحياة، وحيث تنعقد باستمرار وطوال الفصول والشهور المؤتمرات والندوات والأيام الدراسية واللقاءات، يأتلف جمعهم الكريم هذا في المؤتمر الثالث لمجمع الفقه الإسلامي بالأردن الحبيب، في ظل رعاية برة كريمة من المقام العالي صاحب الجلالة الملك المعظم الحسين بن طلال أعزه الله ونصره، بدعوة سنية من قواعد الفكر الأمير العالم أمير البيان حضرة صاحب السمو الملكي ولي العهد الأمير الحسن حرس الله كماله وزان بالتأييد علاءه، ولقد وجدنا من صاحب المعالي وزير التعليم العالي ورئيس مجمع الحضارة الإسلامية مؤسسة آل البيت العلامة الجليل والناقد الأديب الدكتور ناصر الدين الأسد عناية فائقة ومساعدة قيمة أسهمتا بفضل الله في توفير الأسباب الكافية لإنجاح دورة مؤتمرنا هذا، أسبغ الله على معاليه نعمه وأمده بروح منه.
стр. 1249
وإن مجمعكم الفتي الذي يشعر بدون شك يوما بعد يوم بالرعاية تحوطه، ومظاهر التقدير تسنده وتعزز جانبه، لتحفزه هذه المواقف الكريمة منه، وهو في بداية الطريق، فيمضي قدما بإذن الله في أداء رسالته والاضطلاع بالأمانة الثقيلة التي حملها من العالم الإسلامي كله، مستعينا بالله مستمدا منه الآد والتوفيق والهداية إلى أقوم السبيل ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ .
وهنا نحن بمناسبة عقد هذه الدورة الجديدة لمؤتمركم السنوي نضع بين أيدي حضراتكم العددين الأول والثاني من مجلة مجمع الفقه الإسلامي يكتسي الأول منهما صبغة تاريخية وثائقية فيعرض أولا القرارات التأسيسية للمجمع ويصور وقائع المؤتمر التأسيسي الذي انعقد بمكة المكرمة، وحظي بالرئاسة الفعلية لخادم الحرمين الشريفين صاحب الجلالة الملك المعظم فهد بن عبد العزيز عاهل المملكة العربية السعودية الذي أشرف عليه وتكرم فيه بإلقاء خطابه السامي المنهجي الذي يعتز المجمع به ويعتمده دستورا وخطة عمل لبلوغ العالم الإسلامي أهدافه المنتظر تحقيقها عن طريقه، ثم وقائع المؤتمر الأول لمجلس المجمع الذي انعقد بمكة المكرمة وشهده أعضاء المجمع المنتدبون فيه من طرف دول العالم الإسلامي، كما يتضمن في نهايته صورة دقيقة لأعمال شعبة التخطيط التي اجتمعت بمقر المجمع بجدة إثر انعقاد الدورة الأولي لمؤتمر مجلس المجمع.
ويمثل العدد الثاني من المجلة سجلا علميا حافلا يجمع كل ما قدم من بحوث وعرض من دراسات على الدورة الثانية لمؤتمر مجلس المجمع الذي انعقد بمقره بمدينة جدة في العام الماضي، كما يتناول المناقشات الفقهية العميقة التي دارت به والقرارات المجمعية التي صدرت عنه بعد طول مداولة وإنعام النظر.
стр. 1250
وقد كان إنجازنا لهذا العمل المادي المعتبر من أعمال المجمع بمطابع رابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة، وإنا لنشكر جزيل الشكر الآذن بطبعه معالي الأمين العام للرابطة الدكتور عبد الله عمر نصيف جازاه الله خير الجزاء عن حسن تعاونه وكريم مساعدته.
وفي الفترة ما بين المؤتمرين الماضي والحاضر قام المجمع بنشاطات عدة تجدونها حضراتكم مثبتة بالتقرير العام الذي يوزع عليكم، ومن جملة تلك النشاطات اجتماع ممثلي شعب المجلس الذي تم انعقاده بجدة أوائل شهر رجب الفرد.
وإن المعروض على أصحاب السماحة والفضيلة والمعالي والسعادة أعضاء المجمع وخبرائه في هذه الدورة المباركة أحد عشر موضوعا، وصلتنا بشأنها تقارير وبحوث نرجو من الله أن نوفق لدراستها دراسة موضوعية، ونتخذ بشأنها القرارات المجمعية الدقيقة، وهذه الموضوعات والقضايا المطروحة علينا اليوم قسمان:
الأول منها فيه مواصلة نظر واستكمال بحث لمسائل وقع عرضها في الدورة الثانية للمجلس، وقد قرر تأجيل البت فيها لهذه الدورة، ومن بين هذه القضايا والموضوعات:
استفسارات البنك الإسلامي للتنمية التي احتاجت بعد المؤتمر الماضي إلى عقد اجتماع تمهيدي بمقر المجمع لتفصيلها وضبطها، ثم إلى اجتماع علمي بمقر بنك التنمية الإسلامي بجدة دعا إليه معالي الدكتور أحمد محمد علي، وتفضل رئيس البنك مشكورا بحضور جلساته والإجابة على كل الملاحظات التي تقدم بها الأعضاء ابتغاء تصحيح المسار الشرعي وتعديل بعض مشاريع العقود حرصا من بنك التنمية الإسلامي على الالتزام بقواعد الشريعة الإسلامية وأحكامها في معاملاته مع الأطراف المتعاونة معه.
والقسم الثاني من المسائل المطروحة لأول مرة على المجمع في دورته هذه يتناول كما هو مثبت بجدول الأعمال جوانب جديدة من أحكام الزكاة ومصارفها، وقضية تعبدية تتصل بالمناسك، وموضوعين اقتصاديين ماليين جدا في عصرنا الحاضر يقتضيان الدرس والنظر وتحديد الأحكام الشرعية فيهما.
стр. 1251
وبعد هذا ينكب المجلس بإذن الله على دراسة المشاريع المعروضة عليه من طرف اللجان أو الأعضاء والتي تتعلق بالموسوعة الفقهية في قضايا المعاملات القديمة والجديدة، ومعجم المصطلحات الفقهية، وكتب إحياء التراث، والطرق الكفيلة بتيسير الفقه وتقريبه مثل معلمة القواعد الفقهية ومدونة الأدلة للأحكام الفقهية الشرعية وغيرها.
وإن صفوة زكية ونخبة مختارة من فقهاء الإسلام من أطراف العالم تمثل الدول الإسلامية كلها، والمذاهب الفقهية المعتمدة جميعها، تجتمع دوريا وفي كل سنة لدراسة المشاريع العلمية، والعمل على إنجازها، ولاستعراض القضايا المستجدة للإصداع بحكم الله فيها، وتحديد المنهج الشرعي لها، لخير هيئة دولية إسلامية لتجديد الذات على أساس من صحة العقيدة، وللهيمنة على المشاكل بالتزام شريعة الله السمحة، ولتوحيد الصف بين أفراد المجتمع الإسلامي استجابة لمدلول الأمة الواحدة وتحقيقا له، وإنها لثلاثة من ثلاث تكسب العزة وتوجب السيادة وتبرئ مقام الريادة يلهم الله عباده المؤمنين طرق اكتسابها وسبل الحصول عليها في قوله : ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ .
ولا يستولين اليأس على قلوبنا في زمننا هذا لما نرى عليه المجتمع الإسلامي من انحراف عن الدين، أو ضلال عن الحق، وتقاطع وتدابر بين شعوبه، أو تخلف أو تأخر في مجالات الحياة العلمية الجديدة، فإن للدين ربا يحميه، وللإسلام الخالد مناهج تجديدة تعتمل وسط المجتمع الإسلامي في كل صقع من أصقاعه تبعثه وتحييه وتجدد أسباب السؤدد والعزة فيه، أكد ذلك الرسول ﷺ فيما رواه عنه أبوهريرة من قوله: فيما أعلم عن رسول الله ﷺ قال: ((إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها)) ، وقد تنبه إلى هذا أيضا المجاهدون والمصلحون والمجددون حتى قال الأستاذ الإمام محمد عبده:
إن هذه العوارض التي غشيت الدين وصرفت قلوب المسلمين عن رعايته، وإن كان حجابها كثيفا لكن بينها وبين الاعتقادات الصحيحة التي لم يحرموها بالمرة تدافع دائم وتغالب لا ينقطع، والمنازعة بين الحق والباطل كالمدافعة بين المرض وقوة المزاج، وحيث إن الدين الحق هو أول صبغة صبغ الله بها نفوسهم، ولا يزال وميض برقه يلوح في أفئدتهم بين تلك الغيوم العارضة، فلا بد يوما أن يسطع ضياؤه ويقشع سحاب الأغيان، وما دام القرآن يتلى بين المسليمن، وهو كتابهم المنزل وإمامهم الحق، وهو القائم عليهم يأمرهم بحماية حوزتهم والدفاع عن ولايتهم ومغالبة المعتدين وطلب المنعة من كل سبيل، لا يعين لها وجها ولا يخطط لها طريقا، فإننا لا نرتاب في عودتهم إلى مثل نشأتهم ونهوضهم إلى مقاضاة الزمان ما سلب منهم".
стр. 1252
ولقد كانت الجماعة الإسلامية التي أنشأها الرسول ﷺ فئة قليلة من المؤمنين والمستضعفين، تحولت بعد قليل إلى قوم أولى قوة وبأس، وما فتئت بعد ذلك يزداد عدد أفرادها ويتسع جمهورها حتى أصبحت أمة واحدة تشد أواصر الأخوة بين جماعاتها وفئاتها في أطراف المعمورة رابطة العقيدة التي تذوب أمامها كل العلاقات وتنحل عراها، فإذا هي الآصرة الخالدة التي تتميز بها الجماعة الإسلامية، وتتجاوز بها وعن طريقها حدود الأوطان والأقاليم، وتتلاقي وتتمازج في إطارها الأعراق والأجناس، لتقوم بعد ذلك بالوظيفة السامية التي هيئت لها وأقامها على أساسها نبي الرحمة.
ولقد صور هذا المعنى الدقيق ونفذ فيه إلى غايته محمد فريد وجدي حين قال: "بعث الله خاتم رسله محمدا لإحداث هذا الحدث العالمي الفذ فأنزل عليه الدين في لقائه الأول خالصا من جميع الشوائب البشرية، وأتم على يديه تأليف أمة مثالية في عشر سنين، وهي الأمة التي أعدها الحق لنشر الدين الحق وإيقاظ العقول في سباتها التقليدي إلى النظر في الوجود، والاستفادة من خصائصها الفطرية للوصول إلى الحقائق الإلهية نقية من كل ما يلابسها من وساوس الظنون وأوهام النفوس. لتحدث في العالم ما أراده الخالق له من نقاء العقيدة وصحة الإيمان، وسلامة الصدور".
وقد تولدت عن هذه الرابطة العقدية التي انتظمت في سلكها عناصر أمة التوحيد جملة مقومات، منها العادات والتقاليد المشتركة، والثقافة المميزة الجامعة، والأحوال الاجتماعية المتماثلة، والتاريخ الواحد المتجانس، ووحدة القيم والأسس الأخلاقية والفكرية، ذلك أن المجتمع الإسلامي من أقصاه إلى أقصاه لم يقم إلا على أساس الاستجابة للرسول الداعي، بالإيمان بالله وحده، وتنزيهه عن الشبيه والنظير وإعلان كلمة الشهادة، والانتظام في سلك الموحدين المؤمنين الذي يشرفهم الله بالحديث عنهم في قوله: ﴿آَمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آَمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ .
وقد جاءت هذه العقيدة المتجسمة في الإيمان بالله وحده وإفراده بالعبادة الخالصة، آمرة وناهية، بل مقتضية من المسلم جانبا سلوكيا يتعانق مع الإيمان ويجد ما صدقه في العمل الصالح والاستقامة، يدل على ذلك ما رواه مسلم من حديث سفيان بن عبد الله الثقفي قال: قلت: يا رسول الله قل لي في الإسلام قولا لا أسأل عنه أحدا بعدك. قال: ((قل: آمنت بالله أو ربي الله ثم استقم)) .
стр. 1253
والاستقامة التزام النظم التي شرعها الله في تحديد علاقة الإنسان بربه، وعلاقته بأخيه المسلم وبالناس جميعا، وعلاقته بالكون وبالحياة، وقد جاء القرآن ضابطا لأصول الاستقامة، مبينا لطرق العدل، مقابلا بين العمل الصالح والعمل السيء داعيا إلى الأخذ بما شرعه الله وأمر به ونبذ ما سواه، قال : ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ . وقد رتبت أحكام الشريعة التي تضمنها الكتاب الكريم وفصلتها السنة النبوية الشريفة على مقاصد وغايات كانت أساس التحليل والتحريم ومدار الأمر والنهي، وهي صلاح كلها ورحمة كلها، لا يقدر المؤمن على مخالفتها وإن أباح له ذلك ما تواضع الناس عليه من القوانين، ففي الأخذ بالشريعة أخذ بالعدل والحق، وإرضاء لله ولرسوله، وبين الإيمان الصحيح والتزام شرع الله تمام التماسك والترابط في ذهن المسلم، لأن في ذلك طاعة الله الذي آمن به، وامتثالا لحكمه، ورفض الانقياد والاستسلام منه لما شرعه الله وقدره بحكمته يحتاج إلى معالجة العقيدة وإصلاحها، ويقتضي الأوبة إلى الله وتجديد الإيمان.
وقد قامت الدراسات والبحوث على بيان حقيقة الشريعة وأحكامها ومقاصدها وأهدافها فلمسنا ما بينها وبين غيرها من الشرائع والقوانين من تفاوت يدل عليه أنها الدين وقد كمل، وأنها النعمة وقد أتمها الله على عباده المؤمنين، وأنها الإسلام وقد ارتضاه رب العزة دينا للعالمين: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ .
وهكذا امتزجت الشريعة بالعقيدة وارتبطت بها، وكانت هذه أصلا والشريعة لها فرعا، وأدرك المؤمنون أن القطعي فيها الذي لا اجتهاد فيه معدودة مسائله، محدودة قضاياه، وأنها فيما سوى ذلك تخاطب العقل والوجدان والضمير والأخلاق، وتضع الأحكام على النحو الذي يخدم الجماعة ويحقق المصلحة العامة، وكان وما زال من المسلم عند كل مسلم أن الشريعة من الله، وأنها لا تزيغ ولا تحيف، وأنها صالحة لكل زمان ومكان. وقد اهتدى بها المسلمون وجربوها في علاج أوضاعهم الأخلاقية والاجتماعية والاقتصادية، فوجودها الأصح والأنجح والأكمل بما فيها من قواعد كلية، وأصول عامة، ونظريات تشريعية، تواكب تطورات الزمان، وتراعي الملابسات والظروف، وتبني أحكامها على العلل والأسباب، وتعتمد القياس والاستحسان والاستصلاح.
وتجري في كل الأحوال بما يناسبها من الأخذ بالعزائم مرة، وبالرخص أخرى بحسب طاقات المكلفين وأنواع الضرورات والأعذار، وهي في كل ذلك متسمة باليسر لتحقيق الوسطية، وبلوغ قمة العدالة، مع حفظ كرامة الإنسان والبعد به دائما عن مساوئ الإفراط والتفريط في أداء الواجب واقتضاء الحق.
стр. 1254
وإذا كان المجمع الفقهي بأعضائه وخبرائه ومجلسه وهيآته قد هيأه الله لتأصيل العقيدة وتصحيحها، وحماية الشريعة وتفصيلها، فإن الدول الإسلامية والمجتمع الإسلامي من ورائها لينتظران منكم أصحاب السماحة والفضيلة في ظل العدالة الإلهية ووفق أصول الشريعة الإسلامية السمحة، ومبادئها الثابتة، وقواعدها المرنة، أن تقربوا الفقه الإسلامي من المجتمعات الإسلامية لتعي أحكامه، وتعرف مسائله وفروعه، وتكون على بصيرة من أمر دينها في كل تصرفاتهم وجميع أحوالها، وإن تحددوا مجمعيا أحكام الشريعة في القضايا المستجدة على وجه يعين الناس على تحقيق معاشهم وطلب مصالحهم من غير أن تتعارض تلك الأحكام مع الأصول الثابتة والدلائل القطعية للشريعة الحكيمة الفاصلة بين الحق والباطل، ولتحرصوا بارك الله جهودكم وأمدكم بعون منه على وضع ما يمكن ويتأكد من التنظيمات والتراتيب والطرق الإجرائية لضمان قيام متطلبات العصر الراهن ومقتضيات الزمن المعاصر مثل المؤسسات الجديدة والشركات المستحدثة وما يجري بها من التصرفات والأعمال وفق أصول الشريعة الإسلامية.
وإن تطبيق الشريعة لمطلب شريف وضروري وأمر حتمي تصان به الحقوق، ويستتب به الأمن، ويتحقق به العدل، وهو ممكن ويسير على المؤمنين كافة متى تبين لهم الحلال والحرام، وضبطت لهم الأحكام، وأدركت مقاصد الشارع.
وقوي الوازع الديني في النفوس يجنبها الوقوع في محارم الله.
وهذا كتاب الله الكريم وهذه سنة نبيه الشريفة معالم على الطريق ينيران لكم السبيل في مهامكم الشاقة وأعمالكم الجليلة.
فمرحبا بكم أئمة هداة مهديين، ومرحبا بكم فقهاء مجتهدين، في هذا المؤتمر الفخور باجتماعكم فيه وفي غيره من المؤتمرات واللقاءات: تقربون ما شرد من الأنظار الصحيحة والآراء الصائبة السديدة، وتضعون الحلول للمشاكل المستعصية، وتسلكون بالناس منهجا يقيهم على الصراط المستقيم ويزيدهم تمكنا من الدين القيم الذي انتسبوا إليه مختارين، فيتحد طريق المؤمنين كما عهدنا ذلك في صدر الإسلام، وتجتمع كلمتهم، وتلتقي الأمة الواحدة أمة التوحيد أمة محمد ﷺ على منهج الله وسبيل المؤمنين متآخية متضامنة متناصرة متعاونة ومستجيبة دعوة الحق سبحانه ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾
стр. 1255
٢ - وقال الله تعالى ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٥) آَخِذِينَ مَا آَتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ (١٦) كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (١٧) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (١٨) وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ . جعل الله أخص صفات الأبرار الإحسان، وأن مظهر إحسانهم يتجلى في القيام من الليل، والاستغفار في السحر تعبدًا لله وتقربًا إليه، كما يتجلى في إعطاء الفقير حقه، رحمة وحنوا عليه.
٣ – وقال الله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ﴾ . أي أن الجماعة التي يباركها الله ويشملها برحمته، هي الجماعة التي تؤمن بالله، ويتولى بعضها بعضا بالنصر والحب، وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وتصل ما بينها وبين الله بالصلاة، وتقوي صلاتها ببعضها بإيتاء الزكاة
٤ - وقال الله تعالى ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾
جعل الله إيتاء الزكاة غاية من غايات التمكين في الأرض.
١- وروى الترمذي عن أبي كبشة الأنماري، أن النبي ﷺ قال: ((ثلاثة أقسم عليهن وأحدثكم حديثا فاحفظوه: ما نقص مال من صدقة، ولا ظلم عبد مظلمة فصبر عليها إلا زاده الله بها عزا، ولا فتح عبد باب مسألة إلا فتح الله عليه باب فقر))
٢- وروى أحمد والترمذي وصححه، عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: ((إن الله يقبل الصدقات ويأحذها بيمينه فيربيها لأحدكم كما يربي أحدكم مهره أو فلوه أو فصيله حتى إن اللقمة لتصير مثل جبل أحد)) ، قال وكيع: وتصديق ذلك في كتاب الله قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ﴾ ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾
٣- وروى أحمد بسند صحيح – عن أنس ﵁ قال: أتى رجل من تميم رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله: إني ذو مال كثير، وذو أهل ومال وحاضرة فأخبرني كيف أصنع وكيف أنفق؟ فقال رسول الله ﷺ : ((تخرج الزكاة من مالك فإنها طهرة تطهرك، وتصل أقرباءك وتعرف حق المسكين والجار والسائل))
стр. 1256
٤- وروي أيضًا عن عائشة ﵂، أن رسول الله ﷺ قال: ((ثلاث أحلف عليهن، لا يجعل الله من له سهم في الإسلام كمن لا سهم له، وأسهم الإسلام ثلاثة الصلاة، والصوم، والزكاة، ولا يتولى الله عبدًا في الدنيا فيوليه غيره يوم القيامة، ولا يحب رجل قوما إلا جعله الله معهم. والرابعة لو حلفت عليها رجوت أن لا آثم لا يستر الله عبدًا في الدنيا إلا ستره يوم القيامة)) .
٥- وروى الطبراني في الأوسط، عن جابر ﵁ قال: قال رجل يا رسول الله: أرأيت إن أدى الرجل زكاة ماله؟ فقال رسول الله ﷺ : ((من أدى زكاة ماله ذهب عنه شره))
٥- وروى البخاري، ومسلم، عن جابر بن عبد الله قال: بايعت رسول الله ﷺ على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة، والنصح لكل مسلم.
٣- الترهيب من منعها:
١- قال الله تعالى ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٤) يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ .
٢- وقال ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ .
١ - وروى أحمد والشيخان عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما من صاحب كنز لا يؤدي زكاته إلا أحمي عليه في نار جهنم فيجعل صفائح فتكوى بها جنباه وجبهته حتى يحكم الله بين عباده في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة ثم يرى سبيله، إما إلى الجنة، وإما إلى النار. وما من صاحب إبل لا يؤدي زكاتها إلا بطح لها بقاع قرقر كأوفر ما كانت تستن عليه كلما مضى عليه أخراها ردت عليه أولاها، حتى يحكم الله بين عباده في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، ثم يرى سبيله أما إلى الجنة وإما إلى النار وما من صاحب غنم لا يؤدي زكاتها إلا بطح لها بقاع قرقر كأوفر ما كانت فتطؤه بأظلافها وتنطحه بقرونها ليس فيها عقصاء ولا جلحاء كلما مضى عليه أخراها ردت عليه أولاها حتى يحكم الله بين عباده في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة مما تعدون، ثم يرى سبيله، إما إلى الجنة وإما إلى النار قالوا: فالخيل يا رسول الله؟ قال:والخيل في نواصيها)) ، أو قال: ((الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة)) ، الخيل ثلاثة: هي لرجل أجر، ولرجل ستر، ولرجل وزر، فأما التي هي له أجر فالرجل يتخذها في سبيل الله ويعدها له فلا تغيب شيئا في بطونها إلا كتب الله له أجرا، ولو رعاها في مرج فما أكلت من شي إلا كتب الله له بها أجرا، ولو سقاها من نهر كان له بكل قطرة تغيبها في بطونها أجر حتى ذكر الأجر في أبوالها وأوراثها ولو استنت شرفا أو شرفين كتب له بكل خطوة يخطوها أجر، وأما التي هي له ستر، فالرجل يتخذها تكرما وتجملًا، لا ينسى حق بطونها وظهورها في عسرها ويسرها، وأما التي هي عليه وزر، فالذي يتخذها أشرا وبطرا وبذخا، ورياء الناس فذلك الذي عليه الوزر. قالوا: فالحمر يا رسول الله؟ قال: ما أنزل الله علي فيها شيئا إلا هذه الآية الجامعة الفاذة: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ .
стр. 1257
٢- وروى الشيخان عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: ((من آتاه الله مالا فلم يؤد زكاته مُثِّل له يوم القيامة شجاعا أقرع له زبيبتان يطوقه يوم القيامة ثم يأخذ بلهزمتيه – يعني شدقيه – ثم يقول: أنا كنزك، أنا مالك)) ثم تلا هذه الآية: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ الآية
٣- وروى ابن ماجه، والبزار، والبيهقي – واللفظ له – عن ابن عمر ﵄، أن رسول الله ﷺ قال: ((يا معشر المهاجرين خصال خمس، إن ابتليتم بهن ونزلن بكم أعوذ بالله أن تدركوهن: لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الأوجاع التي لم تكن في أسلافهم. ولو ينقصوا المكيال والميزان، إلا أخذوا بالسنين وشدة المؤنة وجور السلطان. ولم يمنعوا زكاة أموالهم، إلا منعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا. ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلط عليهم عدو من غيرهم فيأخذ بعض ما في أيديهم، وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله، إلا جعل بأسهم بينهم))
٤- وروى الشيخان عن الأحنف بن قيس قال: جلست إلى ملأ من قريش فجاء رجل خشن الشعر والثياب والهيئة حتى قام عليهم فسلم ثم قال: بشر الكانزين برضف يحمى عليه في نار جهنم، ثم يوضع على حلمة ثدي أحدهم حتى يخرج من نغض كتفه، ويوضع على نغض كتفه حتى يخرج من حلمة ثديه فيتزلزل ثم ولى فجلس إلى سارية، وتبعته وجلست إليه وأنا لا أدري من هو – فقلت: لا أرى القوم إلا قد كرهوا الذي قلت. قال: إنهم لا يعقلون شيء قال لي خليلي، قلت: من خليلك؟ قال النبي ﷺ : ((أتبصر أحدا؟)) قال: فنظرت إلى الشمس ما بقي من النهار، وأنا أرى رسول الله ﷺ يرسلني في حاجة له. فقلت: نعم: قال: ((ما أحب أن لي مثل أحد ذهبا أنفقه كله إلا ثلاثة دنانير. وإن هؤلاء لا يعقلون، إنما يجمعون الدنيا، لا والله لا أسألهم دنيا ولا أستفتيهم عن دين حتى ألقى الله ) .
حكم مانعها:
الزكاة من الفرائض التي أجمعت عليها الأمة واشتهرت شهرة جعلتها من ضروريات الدين بحيث لو أنكر وجوبها أحد خرج عن الإسلام، وقتل كفرا، إلا إذا كان حديث عهد بإسلام فإنه يعذر لجهله بأحكامه.
стр. 1258
على من تجب الزكاة؟
تجب الزكاة على المسلم الحر المالك للنصاب، ومن أي نوع من أنواع المال الذي تجب فيه الزكاة.
ويشترط في النصاب:
١- أن يكون فاضلا عن الحاجات الضرورية التي لا غنى للمرء عنها، كالمطعم والملبس والمسكن والمركب وآلات الحرفة.
٢- وأن يحول عليه الحول الهجري، ويعتبر ابتداؤه من يوم ملك النصاب، ولا بد من كماله في الحول كله، فلو نقص أثناء الحول ثم كمل اعتبر ابتداء الحول من يوم كماله.
قال النووي: مذهبنا ومذهب مالك وأحمد والجمهور: أنه يشترط في المال الذي تجب الزكاة في عينه – ويعتبر فيه الحول، كالذهب والفضة والماشية – وجود النصاب في جميع الحول فإن نقص النصاب في لحظة من الحول انقطع الحول. فإن كمل بعد ذلك استؤنف الحول من حين يكمل النصاب.
أداؤها وقت الوجوب:
يجب إخراج الزكاة فورًا عند وجوبها، ويحرم تأخير أدائها عن وقت الوجوب، إلا إذا لم يتمكن من أدائها فيجوز له التأخير حتى يتمكن.
لما رواه أحمد والبخاري عن عقبه بن الحارث قال: صليت مع رسول الله ﷺ العصر. فلما سلم، قام سريعًا فدخل على بعض نسائه. ثم خرج ورأى ما في وجوه القوم من تعاجبهم لسرعته، قال ((ذكرت وأنا في الصلاة تبرا عندنا، فكرهت أن يمسي أو يبيت عندنا فأمرت بقسمته)) .
وروى الشافعي، والبخاري في التاريخ عن عائشة، أن النبي ﷺ قال: ((ما خالطت الصدقة مالا قط إلا أهلكته)) رواه الحميدي وزاد، قال: ((يكون قد وجب عليك في مالك صدقة فلا تخرجها فيهلك الحرام الحلال))
الأموال التي تجب فيها الزكاة:
أوجب الإسلام الزكاة في الذهب والفضة، والزرع، والثمار وعروض التجارة، والسوائم والمعدن، والركاز.
زكاة النقدين: الذهب والفضة
وجوبها:
جاء في زكاة الذهب والفضة قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٤) يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ .
والزكاة واجبة فيهما سواء أكان نقودا أم سبائك أم تبرا متى بلغ مقدار المملوك من كل منهما نصابا وحال عليه الحول وكان فارغا عن الدين والحاجات الأصلية.
стр. 1259
نصاب الذهب ومقدار الواجب:
لا شيء في الذهب حتى يبلغ عشرين دينارا فإذا بلغ عشرين دينارا وحال عليه الحول ففيها ربع العشر أي نصف دينار وما زاد على العشرين دينار يأخذ ربع عشره كذلك فعن علي ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((ليس عليك شيء في الذهب – حتى يكون لك عشرون دينارا فإذا كانت لك عشرون دينارا وحال عليه الحول ففيها نصف دينار فما زاد فبحساب ذلك وليس في مال زكاة حتى يحول عليه الحول)) . رواه أحمد وأبو داود والبيهقي وصححه البخاري وحسنه الحافظ وعن زريق مولى بني فزارة: أن عمر بن عبد العزيز كتب إليه – حين استخلف: - خذ ممن مر بك من تجار المسلمين فيما يديرون من أموالهم من كل أربعين دينارا: دينارا واحدا فيما نقص فبحساب ما نقص حتى يبلغ عشرين فإن نقصت ثلث دينار فدعها لا تأخذ منها شيء واكتب لهم براءة بما تأخذ منهم إلى مثلها من الحول. رواه ابن أبي شيبة.
قال مالك في الموطأ: السنة التي لا اختلاف فيها عندنا أن الزكاة تجب في عشرين دينارا كما تجب في مائتي درهم.
نصاب الفضة ومقدار الواجب:
وأما الفضة فلا شيء فيها حتى تبلغ مائتي درهم فإذا بلغت مائتي درهم ففيها ربع العشر وما زاد فبحسابه قل أم كثر فإنه لا عفو في زكاة النقد بعد بلوغ النصاب.
فعن علي ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((قد عفوت لكم عن الخيل والرقيق فآتوا صدقة الرقة الفضة من كل أربعين درهما: درهم وليس في تسعين ومائة شيء فإذا بلغت مائتين ففيها خمسة دراهم)) رواه أصحاب السنن
زكاة الزروع والثمار:
وجوبها:
أوجب الله تعالى زكاة الزروع والثمار فقال ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ والزكاة تسمى نفقة قال تعالى ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآَتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ قال ابن عباس: حقه الزكاة المفروضة.
فقد أورد الإمام مالك في موطئه الحديث التالي فيه تحديد لمقادير الزكاة في الثمار فقال: حدثني يحيى عن مالك عن الثقة عنده عن سليمان بن يسار وعن بسر بن سعيد أن رسول الله ﷺ قال: ((فيما سقت السماء والعيون والبعل العشر وفيما سقي بالنضح نصف العشر)) .
стр. 1260
الأصناف التي كانت تؤخذ منها الزكاة على عهد الرسول:
وقد كانت الزكاة على عهد الرسول ﷺ تؤخذ من الحنطة والشعير والتمر والزبيب فعن أبي بردة عن أبي موسى ومعاذ ﵄ أن رسول الله ﷺ بعثهما إلى اليمن يعلمون الناس أمر دينهم فأمرهم أن لا يأخذوا الصدقة إلا من هذه الأربعة: الحنطة والشعير والتمر والزبيب.
رواه الدارقطني والحاكم والطبراني والبيهقي وقال: رواته ثقات وهو متصل قال ابن المنذر وابن عبد البر: وأجمع العلماء على أن الصدقة واجبة في الحنطة والشعير والتمر والزبيب.
وجاء في رواية ابن ماجة أن رسول الله ﷺ إنما سن الزكاة في الحنطة والشعير والتمر والزبيب والذرة. وفي إسناد هذه الرواية محمد بن عبيد الله العرزمي وهو متروك.
الأصناف التي لم تكن تؤخذ منها:
ولم تكن تؤخذ الزكاة من الخضروات ولا من غيرها من الفواكه إلا العنب والرطب.
نصاب زكاة الزروع والثمار: ذهب أكثر أهل العلم إلى أن الزكاة لا تجب في شيء من الزروع والثمار حتى تبلغ خمسة أوسق.
فعن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: ((ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة)) رواه أحمد والبيهقي بسند جيد.
زكاة الحيوان:
جاءت الأحاديث الصحيحة مصرحة بإيجاب الزكاة في الإبل والبقر والغنم واجتمعت الأمة على العمل.
ويشترط لإيجاب الزكاة فيها:
١- أن تبلغ نصابا.
٢- وأن يحول عليه الحول.
٣- وأن تكون سائمة أي راعية من الكلأ المباح أكثر العام.
والجمهور على اعتبار هذا الشرط ولم يخالف فيه غير مالك والليث فإنهما أوجبا الزكاة في المواشي مطلقًا سواء أكانت سائمة أو معلوفة عاملة أو غير عاملة.
стр. 1261
زكاة الإبل:
لا شيء في الإبل حتى تبلغ خمسا فإذا بلغت خمسا، وحال عليها الحول ففيها شاة فإذا بلغت عشرا ففيها شاتان وهكذا كلما زادت خمسا زادت شاة فإذا بلغت خمسا وعشرين ففيها بنت مخاض (وهي التي لها سنة ودخلت في الثانية) أو ابن لبون (وهو الذي له سنتان ودخل في الثالثة) فإذا بلغت ستة وثلاثين ففيها ابنة لبون وفي ست وأربعين حقة (وهي التي لها ثلاث سنين ودخلت في الرابعة) وفي إحدى وستين حقتان إلى مائة وعشرين فإذا زادت ففي كل أربعين ابنة لبون وفي كل خمسين حقة.
زكاة البقرة:
وأما البقرة فلا شيء فيها حتى تبلغ ثلاثين فإذا بلغت ثلاثين سائمة وحال عليها الحول ففيها تبيع أو تبيعة (وهو ما له سنة) ولا شيء فيها غير ذلك حتى تبلغ أربعين فإذا بلغت ففيها مسنة (وهي ما لها سنتان) ولا شيء فيها حتى تبلغ ستين فإذا بلغت ستين ففيها تبعان وفي السبعين مسنة وتبيع وفي الثمانين مسنتان وفي التسعين ثلاثة أتباع وفي المائة مسنة وتبيعان وفي العشرة والمائة مسنتان وتبيع وفي العشرين والمائة ثلاثة مسنات أو أربعة أتباع وهكذا ما زاد ففي كل ثلاثين تبيع وفي كل أربعين مسنة.
زكاة الغنم:
لا زكاة في الغنم حتى تبلغ أربعين فإذا بلغت أربعين وحال عليها الحول ففيها شاة إلى مائة وعشرين فإذا بلغت مائة وإحدى وعشرين ففيها شاتان إلى مائتين فإذا بلغت مائتين وواحدة ففيها ثلاث شياه إلى ثلاثمائة فإذا زادت على ثلاثمائة ففي كل مائة شاة.
ويؤخذ الجذع من الضمأن والثني من المعز.
هذا ويجوز إخراج الذكور في الزكاة اتفاقًا إذا كان نصاب الغنم كله ذكورا فإن كان إناثا أو ذكورا وإناث جاز إخراج الذكور عند الأحناف وتعينت الأنثى عند غيرهم.
مصارف الزكاة
تصرف الزكاة للأصناف الثمانية المذكورة في قوله تعالى ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ وفي تعريف كل واحد من هؤلاء الأصناف وما يتعلق ذلك من الأحكام تفصيل في المذهب
١- الحنفية قالوا:
) الفقير) هو الذي يملك أقل من النصاب أو يملك نصابا غير تام يستغرق حاجته أو يملك نصبا كثيرة غير تامة تستغرق الحاجة فإن ملكها لا يخرجه عن كونه فقيرا يجوز صرف الزكاة له وصرفها للفقير العالم أفضل.
стр. 1262
(المسكين) هو الذي لا يملك شيء أصلا فيحتاج إلى المسألة لقوته أو لتحصيل ما يواري به بدنه ويحل له أن يسأل لذلك بخلاف الفقير فإنه لا تحل له المسألة ما دام يملك قوت يومه بعد سترة بدنه.
(العامل) هو الذي نصبه الإمام لأخذ الصدقات والعشور فيأخذ بقدر ما عمل.
(والرقاب) هم الأرقاء المكاتبون.
(والغارم) هو الذي عليه دين ولا يملك نصابا كاملًا بعد دينه والدفع إليه لسداد دينه أفضل من الدفع للفقير.
(وفي سبيل الله) هم الفقراء المنقطعون للغزو في سبيل الله على الأصح.
(وابن السبيل) هو الغريب المنقطع عن ماله فيجوز صرف الزكاة له بقدر الحاجة فقط والأفضل له أن يستدين.
أما (المؤلفة قلوبهم) فإنهم منعوا من الزكاة في خلافة الصديق.
ويشترط لصحة أداء الزكاة النية المقارنة لإخراجها أو وجب إخراجه.
هذا وللمالك أن يصرف الزكاة لجميع الأصناف المذكورة في الآيات الكريمة أو لبعضهم ولو واحد من أي صنف كان والأفضل أن يقتصر على واحد إلا إذا كان المدفوع أقل من نصاب فإن دفع نصابا كاملا فأكثر أجزأه مع الكراهة.
إلا إذا كان استحق الزكاة مدينا فإنه يجوز للمالك أن يسدد له دينه بالزكاة ولو كانت أكثر من نصاب وكذا لو كان ذا عيال فإنه يجوز أن يصرف له من الزكاة أكثر من نصاب لكن بحيث لو وزع على عياله يصيب كل واحد منهم أقل من نصاب.
стр. 1263
ولا يجوز أن يصرف الزكاة في بناء مسجد أو مدرسة أو في حج أو جهاد أو في إصلاح طرق أو سقاية أو قنطرة أو نحو ذلك أو تكفين ميت وكل ما ليس فيه تمليك لمستحق الزكاة وقد تقدم أن التمليك ركن للزكاة ويجوز صرف الزكاة لمن يملك أقل من النصاب وإن كان صحيحا ذا كسب أما من يملك نصابا من أي مال كان فاضلا عن حاجته الأصلية وهي مسكنه وثيابه وخادمه ومركبه وسلاحه فلا يجوز صرف الزكاة له.
ويجوز دفع الزكاة إلى ولد الغني الكبير إذا كان فقيرا أما ولده الصغير فلا يجوز دفع الزكاة له وكذا يجوز دفعها إلى امرأة الغني وهي فقيرة وإلي الأب المعسر إن كان ابنه موسرا ويكره نقل الزكاة من بلد إلى بلد إلا أن ينقلها إلى قرابته أو إلى قوم هم أحوج إليها من أهل بلده ولو نقل إلى غيرهم أجزأه مع الكراهة وإنما يكره النقل إذا أخرجها في حينها أما إذا أعجلها قبل حينها فلا بأس بالنقل.
المعتبر في الزكاة مكان المال حتى لو كان المالك في بلد وماله في بلد أخرى تفرق الزكاة في مكان المال وإذا نوى الزكاة بما يعطيه لصبيان أقاربه أو لمن يأتيه ببشارة ونحوها أجزأه وكذا ما يدفعه للفقراء من الرجال والنساء في المواسم والأعياد. ويجوز التصدق على الذمي بغير مال الزكاة ولا تحل لبني هاشم بخلاف صدقات التطوع والوقف.
٢ – الحنابلة قالوا:
(الفقير) هو من لم يجد شيئا أو لم يجد نصف كفايته.
(والمسكين) هو من يجد نصفه أو أكثر فيعطى كل واحد منهما من الزكاة تمام كفايته مع عائلته سنة.
(والعامل عليها) هو كل من يحتاج إليه في تحصيل الزكاة فيعطى منها بقدر أجرته ولو غنيا.
(والمؤلف) هو السيد المطاع في عشيرته ممن يرجى إسلامه أو يخشى شره أو يرجى قوة إيمانه أو إسلام نظيره من الكفار أو يحتاج إليه في جبايتها ممن لا يعطيها فيعطى منها ما يحصل التأليف.
و (الرقاب) هو المكاتب ولو قبل حلول شيء من دين الكتابة ويعطى ما يقضي به دين الكتابة.
و (الغارم) قسمان: أحدهما: من استدان للإصلاح بين الناس ثانيهما: من استدان لإصلاح نفسه في أمر مباح أو محرم وتاب ويعطى ما يفي به دينه.
و (في سبيل الله) هو الغازي إن لم يكن هناك ديوان ينفق منه عليه ويعطى ما يحتاج إليه من سلاح أو فرس أو طعام أو شراب وما يفي بعودته.
стр. 1264
و (ابن السبيل) هو الغريب الذي فرغت منه النفقة في غير بلده في سفر مباح أو محرم وتاب ويعطى ما يبلغه لبلده ولو وجد مقرضا سواء كان غنيا أو فقيرا.
ويكفي الدفع لواحد من هذه الأصناف الثمانية، ويجوز أن يدفع الجماعة زكاتهم لواحد كما يجوز للواحد أن يدفع زكاته لجماعة، ولا يجوز إخراج الزكاة بقيمة الواجب، وإنما الواجب إخراج عين ما وجب، ولا يجوز دفع الزكاة للكافر، ولا لرقيق، ولا لغني بمال أو كسب، ولا لمن تلزمه نفقته ما لم يكن عاملا، أو غازيا، أو مكاتبا، أو ابن سبيل، أو غارما لإصلاح ذات بين، ولا يجوز أيضًا أن تدفع الزوجة زكاتها لزوجها، وكذلك العكس، ولا يجوز دفعها لهاشمي فإن دفعها لغير مستحقها جهلا ثم علم عدم استحقاقه لم تجزئه، ويستردها ممن أخذها وإن دفعها لمن يظنه فقيرا أجزأه كما يجزئه تفرقتها للأقارب إن لم تلزمه نفقتهم والأفضل تفرقتها لفقراء بلده ويجوز نقلها لأقل من مسافة القصر من البلد الذي فيه المال. والأفضل تفرقتها جميعا لفقراء بلده ويجوز نقلها لأقل من مسافة القصر من البلد الذي فيه المال. ويحرم نقلها إلى مسافة القصر وتجزئه.
٣ – الشافعية قالوا:
(الفقير) هو من لا مال له أصلا ولا كسب من حلال أو من له مال أو كسب من حلال يكفيه بأن كان أقل من النصف الكافي ولم يكن له منفق يعطيه ما يكفيه كالزوج بالنسبة لزوجته. والكفاية تعتبر بالنسبة لعمره الغالب وهو اثنان وستون سنة. إلا إذا كان له مال يتجر فيه فيعتبر ربحه في كل يوم على حده فإن كان ربحه في كل يوم أقل من نصف الكفاية في ذلك اليوم فهو فقير وكذا إذا جاوز العمر الغالب فالعبرة بكل يوم على حده فإن كان عنده من المال أو الكسب ما يكفيه في نصف اليوم فهو فقير.
و (المسكين) من قدر على مال أو كسب حلال يساوي نصف ما يكفيه في العمر الغالب المتقدم أو أكثر من النصف فلا يمنع من الفقر والمسكنة وجود مسكين لائق به أو وجود ثياب كذلك ولو كانت للتجمل وكذا لا يمنع من وصف المرأة بالفقر والمسكنة وجود حلي لها تحتاج للتزين به عادة وكذا وجود كتب العلم الذي يحتاج لها للمذاكرة أو المراجعة كما أنه إذا كان له كسب من حرام أو مال غائب عنه بمرحلتين أو أكثر أو دين له مؤجل فإن ذلك كله لا يمنعه من الأخذ من الزكاة بوصف الفقر أو المسكنة.
стр. 1265
و (العامل على الزكاة) هو من له دخل في جمع الزكاة: كالساعي والحافظ والكاتب وإنما يأخذ العامل منه إذا فرقها الإمام ولم يكن له أجرة مقدرة من قبله فيعطى بقدر أجر مثله.
و (المؤلفة قلوبهم) هم أربعة أنواع الأول: ضعيف الإيمان الذي أسلم حديثا فيعطى منها ليقوم إسلامه. الثاني: من أسلم وله شرف في قومه ويتوقع بعطائه من الزكاة إسلام غيره من الكفار. الثالث: مسلم قوي الإيمان: يتوقع بعطائه أن يكفينا شر من وراءه من الكفار. الرابع: من يكفينا شر مانع الزكاة.
(والرقاب) هو المكاتب يعطى من الزكاة ما يستعين به على أداء نجوم الكتابة ليخلص من الرق وإنما يعطى بشروط: أن تكون كتابته صحيحة وأن يكون مسلما وأن لا يكون عنده وفاء بما عليه من دين الكتابة وأن لا يكون مكتوب لنفس المزكي.
(والغارم) هو المدين وأقسامه ثلاثة: الأول: مدين للإصلاح بين المتخاصمين فيعطى منها ولو غني. الثاني: من استدان في مصلحة نفسه ليصرف في مباح أو غير مباح بشرط أن يتوب. والثالث: من عليه دين بسبب ضمان لغيره وكان معسرا هو والمضمون إذا كان الضامن بأذنه فإن تبرع هو بالضمان بدون أذن المضمون يعطى متى أعسر هو ولو أيسر المضمون ويعطى الغارم في القسمين الآخرين ما عجز عنه من الدين بخلاف القسم الأول فيعطى منها ولو غنيا.
(وفي سبيل الله) هو المجاهد المتطوع للغزو وليس له نصيب من المخصصات للغزاة في الديوان ويعطى منها ما يحتاج إليه ذهابا وإيابا وإقامة ولو غنيا كما تعطى له نفقة من يمونه وكسوته وقيمة سلاح وفرس ويهيأ له ما يحمل متاعه وزاده إن لم يعتد حملها.
(وابن السبيل) هو المسافر من بلد الزكاة أو المار بها فيعطى منها ما يوصله لمقصده أو لماله إن كان له مال بشرط أن يكون محتاجا حين السفر أو المرور وأن لا يكون عاصيا بسفره وأن يكون سفره لغرض صحيح شرعا.