اللحيان
ويرى الشافعي وأحمد أن في اللحيين الدية، وهما العظمان اللذان فيهما الأسنان السفلى لأن فيهما نفعا وجمالا وليس في البدن مثلهما، فكانت فيهما الدية كسائر ما في البدن منه شيئان في أحدهما نصف الدية، وإن قلنا بما عليهما من الأسنان وجبت ديتهما ودية الأسنان ولم تدخل دية الأسنان في ديتهما (١) .
أشفار العينين
تجب الدية في أشفار العينين – أي جفونهما – عند أبي حنيفة والشافعي وأحمد لأن فيهما جمالا ظاهرا ونفعا كاملا، وهي أربعة ليس مثلها في البدن، فيجب ربع الدية في كل واحد منهما ويرى مالك أن في الأشفار الاجتهاد أي الحكومة؛ لأنه لم يرد نص بأن فيها شيئا مقدرا، والتقدير لابد فيه من نص ولا يثبت بالقياس كما يرى بقية الأئمة (٢) .
أهداب العينين
يرى أبو حنيفة وأحمد أن في أهداب العينين الأربعة الدية كاملة؛ لأن فيها جمالا ظاهرا أو نفعا كاملا، وفي كل واحد منها ربع الدية، لكن إذا قطعت الأهداب مع الأجفان ففيها كلها دية واحدة؛ لأن الأهداب تابعة للأجفان كحلمة الثدي مع الثدي والأصابع مع الكف.
ويرى مالك والشافعي أن في الأهداب حكومة لأنها جمال لا منفعة فيه، وإذا قطعت الأهداب مع الأجفان ففي مذهب الشافعي رأيان: رأي يرى أن لا شيء في الأهداب لأنها شعر نابت في العضو وهو الجفن، ورأي يرى أن في الجفنين الدية، وفي الهدب الحكومة لأن فيه جمالا (٣) .
стр. 12777
الأسنان
يجب في كل سن خمس من الإبل لما روي أن رسول الله ﷺ كتب في كتاب عمرو بن حزم: ((في السن خمس من الإبل)) ولما رواه عمرو بن شعيب عن الرسول: ((في الأسنان خمس خمس)) ويستوي السن بالناب والناب بالضرس فأرشها سواء لما روى أبو داود عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: ((في الأصابع سواء، والأسنان سواء الثنية والضرس سواء هذه وهذه سواء)) .
ويجب الضمان في سن من قد ثغر: وهو الذي أبدل أسنانه وبلغ حدا إذا قلعت سنه ولم يعد بدلها، فأما سن الصبي الذي لم يثغر فلا يجب بقلعها في الحال شيء لأن العادة عود سنه، فإن مضت مدة ييأس من عودها وجب أرشها، وإذا عادت لم يجب فيها أرش، ولكن إن عادت قصيرة أو مشوهة ففيها حكومة، وإن عادت خارجة عن صف الأسنان بحيث لا ينتفع بها ففيها الدية، وإن كان ينتفع بها ففيها حكومة.
وإن قلع سن من أثغر وجبت ديتها في الحال، فإن عادت لم تجب الدية وعليه ردها وإن كان قد أخذها، وهذا رأي أبي حنيفة وأحمد ويرى مالك أنه لا يرد شيئا لأن العادة أنها لا تعود، فإن عادت فهي هبة مجردة، وفي مذهب الشافعي يأخذ البعض برأي مالك والبعض بالرأي المضاد.
وتجب دية السن فيما ظهر من اللثة لأن ذلك هو المسمى سنا، وما في اللثة يسمى سنخا، فإذا كسر السن ثم جاء آخر فقلع السنخ ففي السن أرشها وفي السنخ حكومة، كما لو قطع إنسان أصابع رجل ثم قطع آخر كفه، وإن قلعت السن بسنخها لم يجب فيها أكثر من الأرش، وإن كسر بعض السن ففيه من أرشه بقدر ما كسر.
стр. 12778
وإن قلع سنا مضطربة لكسر أو مرض وكانت منافعها باقية من المضغ وضغط الطعام وجب أرشها، وكذلك إذا ذهب بعض منافعها وبقي بعضها في رأي أحمد، أما مذهب الشافعي ففيه رأيان: رأي يرى الأرش، ورأي يرى أن مقدار النقص يجهل قدره فيكون فيها الحكومة، أما إذا ذهبت منافعها كلها ففيها حكومة أو ثلث ديتها على رأي في مذهب أحمد.
وإن قلع سنا فيها داء أو أكلة فإن لم يذهب شيء من أجزائها ففيها دية السن الصحيحة لأنها كاليد المريضة، وإن سقط من أجزائها شيء سقط من أرشها بقدر الذاهب ووجب الباقي.
وإن جني عليه فتغير لون السن إلى السواد أو الخضرة أو الحمرة أو الصفرة ففي مذهب مالك فيها الأرش إن كان التغير إلى الخضرة والحمرة والصفرة يساوي التغير إلى السواد وإلا فحكومة، ومذهب أبي حنيفة فيها الأرش إذا كانت الصفرة بمنزلة السواد، وعند الشافعي يجب فيها حكومة في جميع الحالات في رأي، وفي رأي تجب الدية في السواد إذا زالت المنفعة وإلا فحكومة، وهذا أحد الرأيين في مذهب أحمد، والرأي الثاني في التسويد الدية (١) .
وإذا جنى على أسنانه كلها دفعة واحدة ففيها مائة وستون من الإبل بحساب كل سن خمس من الإبل وهذا رأي مالك وأبي حنيفة وأحمد – ولو أن هذا المقدار يزيد عن دية كاملة لأن النص جعل أرش كل سن خمسا من الإبل، وفي مذهب الشافعي رأيان: أحدهما يأخذ بما يراه الأئمة الثلاثة، وهو الرأي الراجح وحجته أن ما ضمن على انفراد لا ينقص ضمانه بانضمام غيره إليه، وثانيهما أنه لا يجب في الأسنان كلها إذا قلعت دفعة واحدة إلا دية واحدة لأنه جنس ذو عدد فلا يضمن بأكثر من دية كأصابع اليدين (٢) .
стр. 12779
الكفارة
تجب الكفارة في قتل الخطأ – قال تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (٩٢) ﴾ [النساء: ٩٢] .
وتجب الكفارة في مال القاتل لا يشاركه فيها أحد لأنها عبادة، وتجب ولو كان المقتول ذميا عند الجمهور، وقال المالكية: لا تجب بقتل الذمي، وهي كما في الآية عتق رقبة وإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، واختلفوا في الإطعام إن لم يستطع الصيام فقال أبو حنيفة ومالك وأحمد في إحدى روايتيه: إنه لا يجزئ الإطعام، والرواية الأخرى عند أحمد: يجزئ الإطعام، وللشافعي في ذلك قولان، الأصح عنده أنه لا إطعام، ولا تجب الكفارة بالتسبب عند أبي حنيفة، وتجب عند الجمهور (١) .
وللأستاذ عبد القادر عودة – ﵀ – رأي يقول: "إن الكفارة بعد إلغاء الرق لا تكون بعتق رقبة، وإنما تكون بالتصدق بقيمة الرقبة إذا كان لدى القاتل ما يفيض عن حاجته، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، وتقدير قيمة الرقبة يترك لأولياء الأمور" (٢) .
وتجب الكفارة عند الشافعي وأحمد على القاتل إذا كان بالغا أو غير بالغ عاقلا أو مجنونا مسلما أو غير مسلم لا يستثنى من ذلك إلا الحربي، فتجب على الذمي والمعاهد والمستأمن، ويرى مالك أنها تجب على الصبي والمجنون ولكنها لا تجب إلا على مسلم، أما أبو حنيفة فلا تجب عنده إلا على المسلم البالغ العاقل فلا تجب على الصبي ولا على المجنون ولا على غير المسلم.
стр. 12780
وتعدد الكفارة بتعدد الجناة في قتل يوجب الكفارة، وهناك رواية عند أحمد وقول عند الشافعي بأن على الجميع كفارة واحدة، واختلف في قاتل نفسه فرأى الشافعي أن على قاتل نفسه الكفارة في ماله لأن القتل محرم، والنص عام يدخل فيه قاتل النفس، وعند أحمد روايتان، أما الإمام مالك وأبو حنيفة فلا كفارة عندهما على قاتل نفسه؛ لأن النص مقصود به قتل الغير بدليل قوله تعالى: ﴿وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: ٩٢] وقاتل نفسه لا تجب فيه دية، كما أن عامر بن الأكوع قتل نفسه خطأ ولم يأمر النبي ﷺ بكفارة (١) .
العقوبات التبعية
القتل الخطأ: لا يحرم القاتل من الميراث، وإنما يحرمه فقط من الدية عند مالك، وعند أبي حنيفة يحرم قاتل الخطأ من الميراث إذا كان مباشرا فإن كان بالتسبب فلا يحرمه من الميراث.
والرأي الراجح عند الشافعية أنه يحرم من الميراث مطلقا، أما الحنابلة فيرون أن القتل المضمون هو القتل المانع من الميراث، أما القتل غير المضمون فلا يمنع من الميراث كالقتل دفاعا عن النفس والقتل قصاصا.
التعزير والزجر
الأصل في الشريعة أن التعزير لا يكون إلا إذا ارتكب الإنسان معصية ليس فيها حد، ولكن يجوز التعزير للمصلحة العامة وإن لم يرتكب معصية (٢) .
قال الأستاذ عبد القادر عودة: والوصف الذي جعل علة للعقاب هو الإضرار بالمصلحة العامة أو النظام العام، فإذا توفر هذا الوصف في فعل أو حالة استحق الجاني العقاب، وإذا تخلف الوصف فلا عقاب، وعلى هذا يشترط في التعزير للمصلحة العامة أن ينسب إلى الجاني أحد أمرين:
١- أنه ارتكب فعلا يمس المصلحة العامة أو النظام العام.
٢- أنه أصبح في حالة تؤذي المصلحة العامة أو النظام العام.
стр. 12781
ويستدل الفقهاء على مشروعية التعزير للمصلحة العامة بأن الرسول ﷺ حبس رجلا اتهم بسرقة بعير، ولما ظهر فيما بعد أنه لم يسرقه أخلى سبيله، ووجه الاستدلال أن الحبس عقوبة تعزيرية، والعقوبة لا تكون إلا عن جريمة وبعد ثبوتها، وقد يحتج بذلك على السجن خلال التحقيق ليتبين صحة التهمة من عدمها.
ويستدلون أيضا بما فعل عمر ﵁ عندما نفى نصر بن حجاج خشية افتتان النساء به، ونظرية التعزير للمصلحة العامة تسمح باتخاذ أي إجراء لحماية أمن الجماعة وصيانة نظامها من الأشخاص المشبوهين والخطرين ومعتادي الإجرام، ودعاة الانقلابات والفتن، والنظرية بعد ذلك تقوم على قواعد الشريعة العامة التي تقضي بأن الضرر الخاص يتحمل لدفع الضرر العام، وأن الضرر الأشد يزال بالضرر الأخف (١) .
لا ريب أن الخطأ ليس عليه عقوبة، لكن إذا وقع ولي الأمر أنظمة وقوانين للمحافظة على حياة الناس وأموالهم مثل قوانين المرور التي تفرض على الناس التقيد بها من أجل السلامة، فإذا خالف الشخص هذه الأنظمة، وارتكب خطأ بأن تسبب في وفاة شخص أو صدمه فإنه يعاقب عقوبة تعزيرية إلى جانب إلزامه بالتعويض من دية أو أرش، فالعقوبة التعزيرية هنا بسب مخالفته تعليمات ولي الأمر، وولي الأمر تجب طاعته في غير معصية كما هو معروف في الشرع. كما أن الإهمال والتهور وعدم التبصر والتحرز الذي يسبب الضرر بالغير يستحق العقوبة المناسبة كما تنص بذلك القواعد العامة للشريعة.
стр. 12782
ولولي الأمر أن يفرض في هذا الإطار عقوبات مالية انطلاقا من جواز التعزير بالمال في الشريعة كما يرى كثير من الفقهاء في مختلف المذاهب الإسلامية، ومن الأدلة على ذلك إباحته ﷺ سلب من يصطاد في حرم المدينة للذي يجده، وأمره بكسر دنان الخمر وشق ظروفه، وأمره عبد الله بن عمر بحرق الثوبين المعصفرين، وتضعيفه الغرامة على من سرق من غير حرز، وسارق ما لا قطع فيه الثمر والكثر، وكاتم الضالة، وأمر عمر وعلي ﵄ بتحريق المكان الذي يباع فيه الخمر، وأخذ شطر مال مانع الزكاة (١) .
الخلاصة
يتلخص هذا البحث في أن حوادث السير الناتجة عن السيارات والمركبات الميكانيكية مسألة جديدة لم يتعرض لها الفقهاء السابقون، ولكنها تدخل في جرائم الخطأ والإهمال وما تحدثه السفن والبهائم عند تصادمها، وقد ذكرت ما قاله فقهاء المذاهب في هذا الشأن، وما يمكن أن نستخلصه من أحكام فيما يترتب على الحوادث من قتل الخطأ الذي تفرض بسببه الدية والكفارة وما يستطيع الحاكم أن يفرضه من تعزير في حالة التهور أو عدم التبصر، وبينت كيف أن الحكم على العاقلة في هذا الزمان غير عملي، وأن الواجب أن تفرض الدية على الجاني نفسه، والحالات التي يمكن أن يرجع بها إلى بيت المال، وفي نظرى أن ذلك يجب أن ينحصر في حالة عدم تبين الجاني انطلاقا من مبدأ (لا يبطل دم في الإسلام) .
стр. 12783
تعرضت لما ذكره الفقهاء عن المباشرة والتسبب في الحوادث، وبينت ما لحركة السيارات من دور مما يتحتم على القاضي تحمل المسؤولية الموازنة والمقارنة ليتبين إلى من ينسب الحادث حقيقة، وذكرت بعض الأمثلة التي قد تختلف فيها وجهات النظر ووضوح الرأي الأجدر بالترجيح فيها.
وفيما يتعلق بالحوادث التي تسببها البهائم المهملة باعتراضها طرق السيارات، وما جرى في هذه المسألة من اختلاف وجهات النظر، ورأيت أن يتحمل أصحاب البهائم المسؤولية في دفع التعويضات بسبب إهمالهم لمواشيهم، وعدم امتثال تعليمات أولياء الأمور فيما يتعلق بالمحافظة على أرواح الناس وممتلكاتهم، ولا يصح أن نكتفي بالقول: إنهم يأثمون.
وبحثت في مسألة التأمين ضد حوادث السيارات، وبينت أن الرأي الأمثل أن يكون هناك تأمين تعاوني، ولكن في حالة عدم وجود تأمين تعاوني، أليس من الأجدر أن يباح التأمين التجاري فيما يتعلق بحوادث السيارات للحاجة الماسة إلى ذلك؟!
وأوردت فتوى الشيخ عبد الله بن زيد آل محمود في مسألة إباحة التأمين ضد حوادث السيارات.
стр. 12784
وتعرضت لكفارة القتل الخطأ وبينت اختلاف العلماء في مسألة الإطعام التي لم تذكر في الآية وهل يمكن قياسها على كفارة الظهار، وذكرت رأي الأستاذ عبد القادر عودة فيما يتعلق بعتق الرقبة وأن الأولى في هذا العصر أن نقول: أن يتصدق بقيمة الرقبة، وتقديرها من جهة أولياء الأمور.
وتوصلت في هذا البحث بأن من حق ولي الأمر في الدولة الإسلامية أن يضع من الأنظمة والقوانين ما يكفل المحافظة على سلامة الناس وأملاكهم، وأن يضع من العقوبات التعزيرية ما يردع المخالفين بما في ذلك فرض العقوبات المالية.
وختاما، فإن هذا جهد متواضع، فما كان فيه من الصواب فمن الله، وما كان فيه من الخطأ فمني ومن الشيطان.
وأرجو من الله المغفرة، ونسأله تعالى أن يجعل أعمالنا كلها خالصة لوجهه الكريم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الشيخ عبد القادر محمد العماري
стр. 12785
المراجع
أولا: الفقه الحنفي:
١- المبسوط.
٢- بدائع الصنائع.
٣- رد المحتار على الدر المختار (حاشية ابن عابدين) .
٤- فتح القدير.
ثانيا: الفقه المالكي:
١- الشرح الصغير للدردير.
٢- المدونة.
٣- فتح العلي المالك.
٤- منح الجليل.
ثالثا: الفقه الشافعي:
١- روضة الطالبين للنووي.
٢- تحفة المحتاج – لابن حجر الهيتمي.
٣- كفاية الأخيار للحصني.
٤- المجموع.
٥- الأحكام السلطانية للماوردي.
رابعا: فقه الحنابلة:
١- المغني لابن قدامة.
٢- كشاف القناع على الإقناع.
٣- مجلة الأحكام للقاري.
стр. 12786
٤- نيل المآرب.
٥- الطرق الحكمية.
٦- إعلام الموقعين.
١- التشريع الجنائي للأستاذ عبد القادر عودة.
٢- الدية بين العقوبة والتعويض للدكتور عوض أحمد إدريس – ط. دار مكتب الهلال بيروت – لبنان.
٣- الملتزم بتعويض الضرر الناجم عن حوادث السيارات للدكتور إبراهيم الدسوقي أبو الليل – طبع دار السلاسل.
٤- العاقلة في الفقه الإسلامي للدكتور سيف رجب قزامل – الطبعة الأولى.
٥- التعزير في الشريعة الإسلامية للدكتور عبد العزيز عامر.
٦- الجامع لأحكام القرآن للقرطبي.
٧- التشريع الجنائي – عبد الخالق النووي.
٨- مجلة البحوث الإسلامية – الأمانة العامة لهيئة كبار العلماء بالسعودية.
стр. 12787
حوادث السير
إعداد
الدكتور محمد عطا السيد سيد أحمد
الأستاذ بالجامعة الإسلامية بماليزيا وممثل السودان
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
حوادث السير
(١) مسؤولية السائق في حوادث السير (٢) أثر هذه المسؤولية في التعويض والزجر والكفارة
ذكر الله تعالى نوعين من القتل في كتابه الكريم:
القتل العمد:
قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٩٣] .
وبين عقوبته حيث قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٧٨) وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧٩) ﴾ [البقرة: ١٧٨ – ١٧٩] .
وقال رسول الله ﷺ مؤكدا لهذا المبدأ القرآني العظيم: ((العمد قود إلا أن يعفو ولي المقتول)) .
وقال ﷺ : ((من قتل له قتيل فهو بخير النظرين إما أن يقتل وإما أن يفدي)) .
وقد اتفق فقهاء المذاهب الإسلامية على تعريف واحد للعمد المحض الذي يكون فيه الفاعل عامدا في فعله قاصدا النتيجة الضارة، وهو أن يكون القاتل بالغا عاقلا قاصدا إلى القتل وإلى المقتول، أي عامدا في فعله وقصده. وللحنفية آراء في نوع القتل بحسب السلاح الذي يستعمل في القتل، فإن كان بما يقتل به عادة فهو عمد وإلا فهو قتل شبه العمد.
стр. 12788
القتل الخطأ:
قال الله تعالى في كتابه الكريم: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (٩٢) ﴾ [النساء: ٩٢] .
القتل شبه العمد:
وأثبتت السنة نوعا ثالثا من أنواع القتل وهو شبه العمد. جاء في المغني ما نصه: "شبه العمد أحد أقسام القتل: وهو أن يقصد ضربه بما لا يقتل غالبا، إما لقصد العدوان عليه، أو لقصد التأديب له، فيسرف فيه؛ كالضرب بالسوط والعصا والحجر الصغير والوكز واليد، وسائر ما لا يقتل غالبا إذا قتل فهو شبه عمد؛ لأنه قصد الضرب دون القتل. ويسمى عمد الخطأ، وخطأ العمد لاجتماع العمد والخطأ فيه، فإنه عمد الفعل وأخطأ في القتل فهذا لا قود فيه، والدية على العاقلة في قول اكثر أهل العلم. وجعله مالك عمدا موجبا للقصاص، ولأنه ليس في كتاب الله إلا العمد والخطأ، فمن زاد قسما ثالثا زاد على النص، ولأنه قتله بفعل عمده فكان عمدا كما لو غرزه بإبرة فقتله. وقال أبو بكر من أصحابنا: تجب الدية في مال القاتل، وهو قول ابن شبرمة؛ لأنه موجب فعل عمد فكان في مال القاتل كسائر الجنايات.
стр. 12789
ولنا ما روى أبو هريرة قال: اقتتلت امرأتان في هذيل فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها، فقضى النبي ﷺ أن دية جنينها عبد أو وليدة وقضى بدية المرأة على عاقلتها، متفق عليه. فأوجب ديتها على العاقلة والعاقلة لا تحمل عمدا، وأيضا قول النبي ﷺ : ((ألا إن في قتيل خطأ العمد - قتيل السوط والعصا والحجر - مائة من الإبل)) . وفي لفظ أن النبي ﷺ قال: ((عقل شبه العمد مغلظ مثل عقل العمد، ولا يقتل صاحبه)) رواه أبو داود، وهذا نص، وقوله: هذا قسم ثالث، قلنا: نعم، هذا ثبت بالسنة والقسمان الأولان ثبتا بالكتاب، ولأنه قتل لا يوجب القود فكانت ديته على العاقلة كقتل الخطأ (١) .
نفى فقهاء المذهب المالكي والظاهرية وجود القتل شبه العمد (٢) ، وقال به الجمهور من الشافعية والحنابلة والحنفية. وتوسع الحنفية في حالات القتل شبه العمد ذلك لعدم اعتبارهم القتل بالمثقل وغير المحدد والحجر والضرب بالعصا عمدا (٣) . والشافعية والحنابلة مع أنهم قد أخذوا بمبدأ القتل شبه العمد إلا أنهم قد ضيقوا من حالاته (٤) . وتجب الدية في مثل هذا القتل على العاقلة عند الجمهور.
стр. 12790
ورجح بعض العلماء مذهب المالكية في عدم الأخذ بالقتل شبه العمد وقالوا: إن القتل شبه العمد هو القتل في عمية أو عصبية مع استعمال الحجارة أو السوط والعصا. وذلك لقول الرسول ﷺ : ((من قتل في عمية أو عصبية بحجر أو سوط أو عصا فعقله عقل الخطأ)) (١) .
وقال النبي ﷺ : ((من قتل في عمياء أو رمياء فهو خطأ وديته دية خطأ)) (٢) .
والقتل في عمية أو عصبية هو أن يصاب المجني عليه في معركة جماعية من شخص غير معلوم لكثرة المشتركين في المعركة وبشرط أن يكون بحجر أو سوط أو عصا أما إذا حمل سلاحا فهو عمد إذا عرف القاتل.
الجروح:
الأصل في حكم الجروح قول الله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٤٥) ﴾ [المائدة: ٤٥] .
والواجب أخذ القصاص إذا طالب المجروح، ولكن يجوز القصاص في بعض الجروح والكسور دون بعض، ويجوز أن يعفو من له حق القصاص أو أن يعفو في مقابل الدية. وقد فصلت السنة الشريفة الدية تفصيلا كاملا شاملا حددت فيه مقدار دية النفس في العمد وشبه العمد والخطأ، وكذلك الدية لكل جزئية من أجزاء الإنسان. ومن السنة أن لا يؤخذ القصاص أو الدية إلا إذا استقر الضرر نهائيا وعرف نطاقه، وبالتالي معرفة مقدار الدية بتحديد نهائي واضح. وفي الأضرار البدنية ما يكون مستقرا منذ وقوعه مثل القتل وقلع سن الكبير، وبالتالي فإن الدية أو الأرش تكون واجبة منذ وقوع الضرر.
стр. 12791
والجروح وخلع سن الصغير الذي لم يثغر بعد تعتبر جروحا غير مستقرة، وذلك لاحتمال سراية الجرح للنفس أو اتساع نطاقه وانتهائه إلى ضرر أكبر. وأساس هذا المبدأ أن رجلا طعن رجلا بقرن فجاء النبي ﷺ وقال: أقدني، فقال النبي ﷺ : حتى تبرأ، فأعادها عليه مرتين أو ثلاثا، والنبي ﷺ يقول: دعه حتى تبرأ، فأقاده به، ثم عرج المستقيد فجاء النبي ﷺ فقال: عرجت، فقال النبي ﷺ : ألم آمرك أن لا تستقيد حتى يبرأ فعصيتني فأبعدك الله وبطل عرجك، ثم أمر النبي ﷺ بما كان به جرح أن لا يستقيد حتى يبرأ جرحه. فالشريعة الإسلامية بهذا قد اعترفت بالضرر المحتمل وبينت حكمه.
بعد هذا البيان الهام لأنواع القتل والجراحات في الفقه الإسلامي وما يجب أداؤه نتيجة كل منها نتعرض الآن لحوادث السير.
стр. 12792
حوادث السير
تحدث فقهاء المذاهب الإسلامية عن حوادث السير تحت عناوين مختلفة، بعضهم تحدث عنها تحت عنوان مسؤولية السائق، والبعض الآخر تحدث عنها تحت عنوان جناية البهائم، وآخرون تحدثوا عنها تحت عنوان ما يحدثه الرجل في الطريق. وقد اختلفوا في مسؤولية راكب الدابة عما تحدثه الدابة وهي تسير في الطريق العام من وطء وكدم وصدم وهل يضمن الراكب أم لا؟ قال جمهور الفقهاء: إن الراكب يضمن لما أصابت الدابة، واحتجوا في ذلك بقضاء سيدنا عمر ﵁ على الذي أجرى فرسه فوطئ فرسه آخر بالعقل. وخالف أهل الظاهر فلم يوجبوا الضمان على الراكب أو السائق لحديث النبي ﷺ : ((جرح العجماء جبار والبئر جبار والمعدن جبار وفي الركاز الخمس)) (١) . وقد حمل الجمهور الحديث على أنه إذا لم يكن للدابة راكب ولا سائق وهذا هو الصحيح، فإذا وجد الراكب فهو الذي سبب الضرر. وقد بين ذلك الإمام محمد بن الحسن الشيباني حيث قال: "العجماء: الدابة المنفلتة ليس لها سائق ولا راكب، تطأ رجلا فتقتله فذلك هدر" (٢) .
واختلف الفقهاء في ما أصابت الدابة برجلها أو بذنبها، قال الشافعي ﵀: "إن الراكب يضمن ما أصابت دابته برجلها أو بيدها. وبه قال ابن شبرمة وابن أبي ليلى، وسويا بين الضمان برجلها أو بغير رجلها، وقال مالك: إن الراكب أو السائق ضامن لما أصابت الدابة إلا أن ترمح الدابة من غير أن يفعل بها شيء ترمح له، وقد قضى عمر بن الخطاب في الذي أجرى فرسه بالعقل" (٣) .
стр. 12793
والرأي الغالب: هو أن راكب الدابة ضامن لما وطئت الدابة وما أصابت بيدها أو برجلها أو برأسها، أو كدمت، أو ضبطت، أو صدمت، ولا يضمن إذا نفحت الدابة برجلها أو بذنبها إلا إذا أوقفها في الطريق فإنه يضمن النفحة برجلها أو بذنبها لأن الإيقاف يمكن التحرز منه فصار متعديا بالإيقاف وشغل الطريق (١) .
أما النفحة فقد قال أكثر فقهاء المذهب الحنفي بعدم ضمان الراكب لها لعدم إمكانية التحرز من ذلك، إذا كانت برجلها أو بذنبها إذ ليس على رجلها ما يمنعها به بخلاف الكدم لإمكان كبحها بلجامها. وقد خالفهم في ذلك الشافعي، وقال بضمان الراكب النفحة بالرجل أيضا (٢) .
وخلاصة قول الفقهاء: إن المرور في طريق المسلمين العام سواء أكان مشيا أو سيرا بالدابة وخلافها مباح ولكنه مقيد بشرط سلامة العاقبة وذلك من حق المار والمستعملين الآخرين للطريق العام. وقيد أكثرهم حق الضمان على الراكب بما يمكن الاحتراز منه ولا ضمان فيما لا يمكن الاحتراز منه. والنفحة وهي الرفس بالرجل والذنب لا يمكن الاحتراز عنها في حالة سير الدابة لأنها من خلفها فلا يتقيد بشرط السلامة (٣) .
стр. 12794
ومن أهم ما اعتمد عليه فقهاء المذاهب الإسلامية في ترتيب هذه المسؤولية هو قول النبي ﷺ : ((لا ضرر ولا ضرار)) (١) . ووجه الاستدلال به أن الذي يمارس حقه عليه مراعاة ما يمكن احترازه من الإضرار بغيره.
وأيضا الأحاديث التي تضع قواعد خاصة باستعمال الطريق العام والأماكن العامة كالمساجد والأسواق، روي عن النبي ﷺ أنه قال: ((من أوقف دابة في سبيل من سبل المسلمين أو في أسواقهم فأوطأت بيدها أو رجلها فهو ضامن)) (٢) .
وجاء في كتاب الوافي: روى السكوني في الموثق عن الصادق ﵇ قال: قال رسول الله ﷺ : ((من أخرج ميزابا أو كنيفا، أو أوتد وتدا أو أوثق دابة، أو حفر بئرا في طريق المسلمين فأصاب شيئا فعطب فهو له ضامن)) (٣) .
وروى الإمام محمد بن الحسن الشيباني في كتابه الآثار ما نصه: قال محمد: أخبرنا أبو حنيفة عن حماد بن إبراهيم عن النبي ﷺ قال: ((العجماء جبار، والقليب جبار، والرجل جبار، والمعدن جبار)) . وشرح محمد بن الحسن ﵀ هذا الحديث فقال: الجبار الهدر إذا سار الرجل على الدابة فنفحت برجلها، وهي تسير فقتلت رجلا أو جرحته فذلك هدر، ولا يجب على عاقلة ولا على غيرها. والعجماء الدابة المتفلتة ليس لها سائق ولا راكب تطأ رجلا فتقتله فذلك هدر. والمعدن والقليب الرجل يستأجر الرجل ليحفر له بئرا أو معدنا فيسقط عنه فيموت فذلك هدر ولا شيء على المستأجر ولا على عاقلته (٤) .
стр. 12795
والحديث الذي شرحه الإمام محمد أخرجه كما ذكرنا من قبل أصحاب السنن الصحيحة كمسلم والبخاري وابن ماجه.
وهذا الحديث له أهمية كبيرة هنا إذ يفهم منه أن خلاف هذه الحالات مضمونة والمسؤولية على عاتق محدثها. واستدل المالكية زيادة كما ذكرنا بقضاء عمر بن الخطاب على من أجرى فرسه فوطئ (١) ، قال الإمام مالك: "فالقائد والسائق والراكب أحرى أن يغرموا من الذي أجرى فرسه" (٢) .
وبناء على ما ذكره العلماء الأجلاء نستطيع أن نتوصل إلى ما يأتي:
١- يتضح أن حوادث السير والحركة في الطريق العام لا تقاس على القتل والجرح الخطأ مطلقا بل لها قواعد خاصة بها كما ظهر في معرض آراء الفقهاء أعلاه.
والقتل الخطأ إما أن يكون خطأ إيجابيا مباشرا وهو الذي يقع مباشرة بفعل إيجابي من الجاني كإطلاق الرصاص نحو صيد فيصيب آدميا، وإما أن يكون خطأ إيجابيا غير مباشر؛ وهو إحداث الضرر عن طريق التسبب كمن حفر حفرة في طريق المسلمين فتؤدي إلى ضرر بشخص، وهنا كما ذكرنا تتراخي النتيجة عن السبب.
стр. 12796
وهذان النوعان يختلف الفقهاء في وجوب الدية أو الأرش فيهما. وحوادث السير والحركة في الطريق العام أقرب ما تكون إلى نوعين أخريين من الخطأ وهو الخطأ السلبي المباشر، وهو الضرر الذي يحدث من الدابة في الطريق بما يمكن التحرز منه، وفي هذا الضمان، وما لا يمكن التحرز منه فلا ضمان فيه كما بينا. وهنالك أيضا الخطأ السلبي غير المباشر وهو التقصير عن القيام بواجب معين يترتب عليه ضرر للغير. والرأي الغالب هو وجوب الدية أو الأرش إذا كان التلف الناتج عن سقوط الحائط هو قتل آدمي معصوم الدم أو جرحه، وتجب الدية على العاقلة إذا شهد بذلك الشهود ولكن إذا كان إقرارا فقط من الجاني فالدية في ماله (١) .
٢- إذا اتضحت براءة السائق في حوادث السير من أي إهمال أو تقصير من جانبه في حادثة لا يمكن التحرز منها فليس على السائق ضمان ألبتة؛ لأنه مستعمل لحق ثابت له ولم يكن خطأ أو تقصير من جانبه.
٣- وإذا نتج الموت أو الضرر نتيجة خطأ بين من السائق؛ كأن يخالف قواعد الحركة والمرور المعمول بها، كأن يتعدى السرعة القانونية أو يجتاز النور الأحمر أو يلف لفة خطأ، فهو مخطئ خطأ جنائيا يعاقب عليه تعزيرا بما تحدده القوانين من عقوبة رادعة.
والجانب الأول وهو ما سببه من ضرر مادي وبدني فيكون ضمان الضرر المادي كتكسير عربة الشخص الآخر في ماله ولا يتعداه إلى غيره.
والجانب الثاني هو ما سببه من موت أو جرح أو تكسير فيجب فيه الضمان. ذهب بعضهم إلى أن الضمان يكون في ماله، وذهب بعضهم أن تتحمله العاقلة، ونرجح أن يكون الضمان في ماله في هذه الحالة.
стр. 12797
٤- إذا لم يخالف السائق أيا من قوانين المرور ولكن صدم بعربته عربة أخرى أو إنسانا أو وطئت عربته إنسانا، وكان ذلك مما يمكن التحرز منه وإن لم تكن هناك مخالفة لقواعد المرور فإن الواجب هو دفع الدية إذا كانت النتيجة الضارة هي قتل شخص والأرش إن كانت دون ذلك (١) . وذهب كثير من الفقهاء أن الدية تتحملها العاقلة، أما إذا وقع الضرر على غير إنسان كتهشيم عربة أو مرفق فإن جبر الضرر يكون من مال السائق، وعلى السائق الكفارة في حالة القتل، وفي رأي يحرم من الميراث إذا كان المجني عليه مما يرثهم السائق.
٥- إذا أخطأ السائق في حوادث المرور خطأ سلبيا غير مباشر، كأن أوقف عربته في مكان غير معهود، فتدحرجت فأحدثت حادثا؛ فإن كان هذا التدحرج نتيجة عطب في فرامل العربة ولم يصلحها أو لم يثبت الفرامل بالطريقة المطلوبة في حالة الوقوف في مكان متدحرج، فقد استحسن كثير من الفقهاء دفع الدية أو الأرش أو جبر الضرر المادي غير البدني الناتج عن الحادث. والدية والأرش مما تتحمله العاقلة، وجبر ما عدا ذلك يكون في ماله.
٦- كلمة أخيرة: وهي أن الفقهاء عرفوا العاقلة بتعريفات مختلفة فقال بعضهم إنهم أهل ديوان الجاني أو حرفته وبالعدم عشيرته، وقال فريق: عاقلة الجاني هم عشيرته وقبيلته، وقال فريق: أن عاقلة الجاني هم عصبته، وقال فريق: إنها أهل حرفة الجاني وأهل مهنته (٢) .
وكما هو معلوم فإن مبدأ العاقلة يكون أساسا لشركات التأمين الإسلامية المعمول بها في عدد من البلدان الإسلامية. وهذه الشركات طالما أن المقصود منها التعاون والتعاضد عند الحاجة وأنها خالية من شبهة الربا أو المقامرة أو التكسب فإنها تكون حلالا مقبولا، بل مبدأ يحث عليه حتى تطمئن قلوب الناس، خاصة في هذا الزمان الذي كثرت فيه المركبات الخاصة والعامة وأصبحت على الأرض ومن فوقها وفي البحار، بل إن بعض البلدان لجأت إلى مبدأ التأمين الإجباري بأخذ مبلغ معين كل عام من كل مالك لعربة، وهو أيضا مبدأ مقبول وزيادة في التأمين والطمأنينة.
أما الكفارة فتكون بصيام شهرين متتابعين على السائق توبة من الله عليه، وهذا أمر متروك بينه وبين ربه عالم السر وأخفى. وكما هو معلوم فإن عتق النفس المؤمنة وهو المطلب القرآني الأول غير متيسر الآن.
والله ولي التوفيق
الدكتور محمد عطا السيد سيد أحمد
стр. 12798
المناقشة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
حوادث السير
العارض: عبد القادر العماري:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين وبعد.
فأحيي هذه الدولة المضيافة ملكا وحكومة وشعبا، وأحيي الرئاسة والأمانة العامة على مجهودهم لعقد هذه الدورة. البحث كما هو في عنوانه: حوادث السير، وأعتذر مع الأسف عن الأخطاء المطبعية واللغوية الكثيرة بسبب ذلك الاستعجال وعدم التمكن من المراجعة، كما أعتذر للإخوة المشاركين بأبحاثهم في نفس الموضوع عن عدم الإلمام بأبحاثهم، لأنها جاءت متأخرة ولم أجد الفرصة الكافية، ولكن كلنا جميعا كما جاء في الحديث، حواليها ندندن.
تعرضت في المقدمة إلى ما وقع فيه بعض القانونيين العرب تبعا لأساتذتهم الفرنسيين من خطأ عندما زعموا أن الفقه الإسلامي ليس فيه شيء عن قضايا الخطأ والإهمال، وأن الآية الكريمة التي ذكرت قتل الخطأ قد خيرت الجاني بين أن يدفع التعويض أو يصوم شهرين، وأرادوا أن يجاملوا فقالوا: لأن العصر الإسلامي يتميز بأنه عصر ديني يؤمن فيه الناس بالله ورحمته ويطلبون غفرانه، وأن البلاد الإسلامية ومصر خاصة لم تعرف محاكمها قضايا الخطأ والإهمال إلا بعد التشريعات الفرنسية، وفندت هذه الدعوى، وكيف أن العز بن عبد السلام قد كان رئيسا للقضاة في مصر إذ ألف كتابا في الأحكام وتعرض لمثل هذه القضايا.
стр. 12799
وأدخل في البحث فأقول: لا شك أن حوادث السير التي تسببها المركبات الميكانيكية في الطرق العامة هي من الأمور المحدثة في المجتمعات بعد أن اخترعت تلك المركبات لتكون وسيلة للنقل بدلا من الدواب التي كانت وسائل للنقل في تلك العصور السابقة، وقد ترتب على سير هذه المركبات في الطرقات العامة أحداث وإصابات جسمانية ومادية، مما وطد الحكم بالديات والأروش والتعويضات والكفارات والتعزيرات بحسب كل حادثة على حدة، ومن الواضح أن هذه الحوادث تندرج في أغلبها تحت عنوان الخطأ والإهمال، فإذا أدى الحادث مثلا إلى موت شخص بصدمة بالسيارة نقول هنا: إن سائق السيارة قد قتل الشخص الخطأ فيغرم الدية وعليه الكفارة، وهذا الحكم واضح في الآية: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾ [النساء: ٩٢] إلى آخر الآية، والذي ينبغي أن نعرض له في هذه العبارة هي المواضيع الآتية، ولذلك أعرضت عن كثير مما جاء في البحث؛ لأن هذه المواضيع هي المهمة وهي التي نريد فيها توصيات من المجمع الموقر:
أولا: العاقلة، ثانيا: الكفارة، ثالثا: دية غير المسلم، رابعا: التسبب والمباشرة، خامسا: اعتراض البهائم للسيارات في الطرق العامة، سادسا: تحمل بيت المال للدية في بعض الحالات، سابعا: جواز وضع نظام للعقوبات فيه التعزير بالمال أو غرامات مالية كما تسمى.
أولا – العاقلة:
العاقلة عند جمهور الفقهاء: هم العصبة من الذكور، وعند الأحناف ورواية للمالكية: هم أهل الديوان إن كان الجاني من أهل الديوان، وإلا فعاقلته عصبته، لقد أصبح من الصعوبة بمكان في هذا العصر أن تؤخذ الدية من العاقلة، وإذا قلنا: إنها تؤخذ من الجاني عند تعذر العاقلة، فأغلب الذين يرتكبون قتل الخطأ في حوادث السيارات هم من الفقراء الذين لا يستطيعون دفع الديات، كما أنه ليس في الإمكان أن نقول: أن تقوم الدولة بدفع الديات اعتمادا على القول بأن يدفع بيت المال الدية عند تعذر العاقلة.
стр. 12800
ويرى الأستاذ عبد القادر عودة ﵀ أن تقوم الحكومة بفرض ضريبة عامة يخصص دخلها لهذا النوع من التعويض، وتستطيع أن تفرض ضريبة خاصة على المتقاضين لهذا الغرض. وقال: إذا كانت الحكومات العصرية تلزم نفسها بإعانة الفقراء والعاطلين فأولى أن تلزم نفسها بتعويض ورثة القتيل المنكوبين، وقد سبقتنا بعض البلاد الأوروبية إلى هذا العمل فأنشأت صندوقا لتعويض المجني عليهم في الجرائم، ويأتي في إيراده من المبالغ المتحصلة من الغرامات التي تحكم بها المحاكم، وهذا هو بالذات ما قصدته الشريعة الإسلامية من نظام العاقلة، والذي نراه أن النقابات في هذا العصر يمكن أن تقوم مقام العاقلة في البلدان التي فيها نقابات. وتقبل أن تقوم بذلك، كما أن التأمين التعاوني أيضا يمكن أن يقوم مقام العاقلة، لكن إذا لم يكن هناك تأمين تعاوني هل يجوز للمسلم أن يؤمن ضد حوادث السيارات عند شركات التأمين التجارية باعتبار أن ذلك ضرورة وحاجة ملحة تقتضيها حاجات الإنسان الضرورية في هذه الحياة، خاصة في حالة إلزام الدولة بالتأمين لكل من يريد أن يسوق سيارة؟ أعتقد أن ذلك جائز للفرد، لأنه لا حلية له، وإذا كانت هناك مسؤولية فهي على المسلمين جميعا، بوقوفهم موقفا سلبيا، فلم يضعوا حلولا مناسبة عملية تتفق مع شريعتهم، وأعتقد أن هذا لا يتعارض مع ما اتخذه المجمع من قرارات فيما يتعلق بعدم جواز التأمين التجاري، فهذا أمر محصور للحاجة في حالة معينة، هذا عن العاقلة.
стр. 12801
ثانيا – الكفارة:
فكفارة قتل الخطأ – كما هو معروف وموضح في الآية الكريمة: عتق رقبة فإن لم يستطع فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع الصيام فليس فيها إطعام إلا في رواية للإمام أحمد، وقول الشافعي قياسا على كفارة الظهار، وللأستاذ عبد القادر عودة رأي يقول: إن الكفارة بعد إلغاء الرق لا تكون بعتق رقبة، وإنما تكون بالتصدق بقيمة الرقبة إذا كان لدى القاتل ما يفيض عن حاجته، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين؛ لأن معنى عدم الاستطاعة هي عدم توفر المال عنده لشراء الرقبة فيكون عليه الصيام بعد ذلك، أي إذا لم يستطع قيمة الرقبة، ويقوم ولي الأمر بتحديد قيمة الرقبة بمبلغ معين، وليكن مثلا نصف الدية، والسؤال هنا: هل يمكن أن نقول بالإطعام قياسا على الظهار في حالة عدم استطاعة الصيام، بأن تكون الكفارة إطعام ستين مسكينا أو نقول برأي الأستاذ عودة في موضوع الرقبة فتكون قبل الصيام؟ هذا الموضوع الثاني.
ثالثا – دية غير المسلم:
من المعروف أن هناك خلافا بين الفقهاء في دية الذمي، فقال الأحناف: إن دية الذمي مساوية لدية المسلم سواء بسواء، سواء كان من أهل الكتاب أو من غير أهل الكتاب، وقال المالكية والحنابلة والزيدية والإباضية: إن دية الكتابي على المسلم مثل دية المسلم، وغير الكتابي كالمجوسي ثمانمائة درهم، أي ثلث خمس دية المسلم، وقال الشافعية: أن دية الكتابي ثلث دية المسلم، والمجوسي ثلث خمس دية المسلم، أي ثمانمائة درهم، وقال الشيعة الإمامية: إن دية اليهودي والنصراني والمجوسي ثمانمائة درهم بلا تفرقة بين الكتابي والوثني، ولعل القول الأجدر بالترجيح هو قول الأحناف بأنه لا فرق بين دية المسلم وغير المسلم؛ لأن هذا القول يتفق مع ظاهر الآية وهو قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: ٩٢] . إذ المراد حسب الظاهر بقوله تعالى في قتل المؤمن: ﴿فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ ، أما الآثار والأحاديث الواردة في هذا الموضوع، فكل له أثر أو حديث يؤيد رأيه الذي يحتج به، لكنها لم تبلغ مبلغ الصحة بحيث يتفق الأئمة على صحتها، ما عدا حديث: ((لا يقتل مسلم بكافر)) ، وقد حمل أبو حنيفة الكافر هنا على الكافر الحربي، كما أن السياسة الشرعية إظهار عدالة الإسلام يقتضيان أن نقول بهذا الرأي.
стр. 12802
رابعا – السبب أو المباشرة:
لا يخفى ما في حركة السيارات من دور لا ينكر في حوادث السير مما يحتم على القاضي تحمل مسؤولية الموازنة والمقارنة ليتبين إلى من ينسب الحادث حقيقة، فليس من العدل أن يتحمل السائق المسؤولية لمجرد المباشرة. فبعض القضايا لا يسوغ فيها اختلاف وجهات النظر بحجة أن هذا متسبب وهذا مباشر، فلا مجال للاحتمالات واختلاف وجهات النظر في مثل أن تأتي سيارة من شارع فرعي وتدخل فجأة إلى الشارع العام الذي تكون فيه السيارة آتية في طريقها الصحيح. فتعترضها السيارة الآتية من الشارع الفرعي فيصدم سائق السيارة التي تسير في الشارع العام السيارة التي اعترضتها والتي خرجت من شارع فرعي، فإنما القضاة لم يعتبروا الصادم هو المسؤول باعتباره المباشر للصدم اعتمادا على القاعدة الفقهية التي تقول: إذا اجتمع المباشر والمتسبب يضاف الحكم إلى المباشر، والمباشر ضامن وإن لم يتعمد.
إذا كان من المسلم به في الفقه الإسلامي أن لولي الأمر حق وضع الأنظمة والقوانين التي تنظم حياة الناس وتحفظ أرواحهم وممتلكاتهم، ألا يكون من الحق أن تحدد تلك الأنظمة والقوانين الحالات التي يكون فيها سائق السيارة مسؤولا عن الحادث؟ !
стр. 12803
خامسا – اعتراض البهائم للسيارات في الطرق العامة:
لا نجد نصا فقهيا واضحا في هذا الموضوع، وفقهاؤنا في ذلك معذورون، لعدم وجود السيارات في عصرهم، وقد اقتصر بحثهم على ما تحدثه البهائم مستندين إلى حديث البراء بن عازب: ((قضى رسول الله ﷺ أن حفظ الحوائط بالنهار على أهلها وأن حفظ الماشية على أهل الماشية)) ، وحديث: ((العجماء جبار)) وعلى ضوء ذلك نتساءل: هل بإمكاننا أن نجعل إهمال صاحب الناقة مثلا لناقته بتركها تذهب إلى طريق السيارات سببا لأن يتحمل مسؤولية ما يترتب على اعتراضها للسيارات وما تسببه من حوادث؟
نجد هنا قرارا لهيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية يقول: "عدم ضمان البهائم التي تعترض الطرق العامة المعبدة بالأسفلت إذا تلفت نتيجة اعتراضها الطريق المذكورة، فصدمت فهي هدر، وصاحبها آثم بتركها وإهمالها، لما يترتب على ذلك من أخطاء جسيمة تتمثل في إتلاف الأنفس والأموال، وتكرار الحوادث، ولما يترتب على حفظها وإبعادها عن الطرق العامة من أسباب السلامة وأمن الطرق والأخذ بالحيطة، وحفظ الأموال والأنفس تحقيقا للمقتضى الشرعي وتحريا للمصالح العامة، وامتثالا لأوامر ولي الأمر".
هذا القرار حل جزءا من المشكلة، وهو إهدار البهيمة على صاحبها، وعدم استحقاقه لشيء مقابل تلفها، وهذا يعني أن هيئة كبار العلماء ضمنت مالك البهيمة قيمة بهيمته عندما قررت أنها هدر، ألا يمكن أن نقول: إنه أيضا يضمن ما سببته بهيمته بسبب إهماله لها من أضرار أخرى ترتبت على الحادث، فيما لو أدى الحادث إلى موت سائق السيارة فيضمن الدية، ويضمن التلف الذي حصل بالسيارة؟ وما الذي يمنع من ذلك خاصة إذا أمر ولي الأمر أصحاب المواشي أن يحفظوا مواشيهم ولا يهملوها، وأنذرهم بأنهم يتحملون المسؤولية في حالة دخول أي بهيمة إلى الطريق العام الذي تسير فيه السيارات؟ وإذا كانت هيئة كبار العلماء قد صرحت بأن مالك البهيمة يأثم في هذه الحالة، ألا يمكن أن يترتب على هذا الإثم مسؤولية حقوقية نحو الآخرين الذين تضرروا بسبب هذا الحادث؟ !
стр. 12804
سادسا – تحمل الدولة للدية:
فكثيرا ما تراق الدماء في حوادث السير وتذهب هدرا، وبما أنه لا يبطل دم في الإسلام، كما قال سيدنا علي ﵁، فإن الواجب أن تتحمل الدولة دية القتيل في مثل هذه الحوادث، فمثلا لو أن سيارة مجهولة صدمت شخصا ولم يتعرف عليها فالدية على الدولة، ففي خلافة عمر ﵁ دفع دية رجل قتل في زحام ولم يعرف قاتله، ودفع النبي ﷺ دية الأنصاري الذي قتل بين اليهود.
فالمطلوب من المجمع الموقر أن يؤكد هذا الحكم.
سابعا – التعزير بالمال أو العقوبات المالية:
إذا قلنا: إن لولي الأمر أن يضع الأنظمة والقوانين التي تكفل تنظيم السير للمحافظة على أرواح الناس وممتلكاتهم، فهل له أن يضع عقوبات مالية، وبالمعنى الفقهي: هل يجوز التعزير بأخذ المال؟
بينت في بحث الأدلة التي تجيز التعزير بالمال ولا داعي لتكرارها هنا، غير أني ألفت النظر أن هناك مخالفات لا ينبغي أن يكون التعزير لها بالسجن أو الجلد، وإذا كان الفقهاء الذين منعوا التعزير بالمال قالوا: إن السبب في ذلك هو حرمة مال المسلم نرى أن حرمة المسلم نفسه أعظم من ماله، فإذا ارتكب خطأ بسيطا فلا ينبغي أن تنتهك حرمته بالسجن أو الجلد، وكل شخص يفضل أن يدفع قدرا من ماله فلا يدخل في السجن ولا يجلد، فالسجن والجلد ينبغي أن يقتصر على الجرائم التي يستحق مرتكبها العقوبة الشديدة، ومن هنا تجدني في اختلاف مع الزميل المشارك الأستاذ محمود شمام الذي قال في بحثه: إن هناك إجماعا على عدم جواز التعزير بالمال، ونقل عن بعض فقهاء المالكية الإجماع.
أردت أن ألخص وأقتصر حتى يشترك الإخوة في النقاش والوصول إلى حل لهذه المسائل المهمة.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 12805
الشيخ خليل الميس:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
نشكر فضيلة الشيخ عبد القادر العماري على ما تقدم به، وكنا نتمنى لو كان حرفه كنطقه، ولو كان حرفه في الطباعة كنطقه لاستفدنا أكثر فأكثر.
هنالك استدراك وحيد في الحقيقة لا بد منه، ما دمنا قد تطرقنا إلى العاقلة لا بد من تحديدها حتى لا نبقى في فراغ؛ لأن العاقلة شرعت مرجعًا في الفقه الإسلامي، وهذا المرجع قد تغير والمفهوم قد تغير، وحبذا لو كان هناك تحديد من هو المسؤول في هذه الحالة. وأمر آخر، هذا إذا كان السائق مسلما وفي بلده، أما إن كان في غير بلده ما الحكم؟ وإن كان السائق غير مسلم فما الحكم؟ هناك ملاحظة أخرى: بالنسبة لقيمة الرقبة لأول مرة أسمعها، ولم نقرأها: أنه يعدل عن الرقبة إلى قيمتها، بينما الشرع ينتقل من الرقبة إلى أمر آخر، ولم يقل في قيمتها أحد من الفقهاء على ما أعرف، ولكن لاحظت – وقد تصفحت – لا أقول عقوبة بل استدراكا لما فاتنا في الجلسة الأولى في كل الأبحاث فأقول:
أولا: بالنسبة للأستاذ شمام، حكم القتل الناجم عن حوادث السير هل يعتبر قتل عمد أو شبه عمد أو خطأ؟ هذا مغفل عنده، وحكم الدية في القتل لم يرد على ما ذكره الدكتور محمد عطا السيد في البند الثالث عنده، لم يذكر موجب القتل بالنسبة للصوم، هل يصوم هذا السائق أم لا؟ فذكر وجوب الضمان المادي والزجر وسكت عن حكم الصوم ما دام القتل خطأ.
стр. 12806
ثانيا: عندما ذكر العاقلة وأقوال العلماء فيها كان ينبغي أن يميز بين السائق المحترف والسائق غير المحترف، وهنا أود أن ألفت الانتباه، عندنا سائق وظيفته القيادة، أي قيادة السيارات، وعندنا سائق ليست له وظيفة، إذ قلنا: إن نقابة السائقين هي عاقلة السائق المسجل بأنه سائق محترف فيبقى السائق غير المحترف مالك السيارة كأي أحد منا وهو لا ينضم إلى هذا، وهل تعتبر نقابة السائقين عاقلة السائق المحترف أم لا؟ لذلك اقتضى التفكير.
ثالثا: ما حكم من أصيب بعطل دائم أو من مات معه في السيارة وكان السائق أحد الورثة لذلك الميت في الحادث؟ هذا مسكوت عنه.
رابعا: ما الحكم إذا مات السائق المخطئ في الحادث، وأفاد الخبراء أنه لا يتحمل كامل المسؤولية؟ في الحقيقة: كنا نتمنى أن يكون بين يدي الباحثين أمران: أحدهما: الأحكام التي صدرت في المحاكم التي أوردها بعض الإخوة، أمر آخر: أيضا أن يكون بتصرفهم قوانين السير، السير له قوانين تحكمه، فيبدو أن جميعنا أو الإخوة الباحثين قرؤوا كل ما في الفقه الإسلامي، وربما لم يتمكنوا من قراءة قوانين السير، وهذا شيء مهم؛ لأن الذي يخالف قوانين السير ما الذي يحصل له؟ وهو شيء مهم، حتى أن أخانا الشيخ العثماني فاتته هذه، رغم عمق بحثه.
стр. 12807
خامسا: لم يميز كافة الباحثين عن أوجه الفرق بين حوادث السير فيما يعرف بالطرقات الدولية والطرقات الخاصة، وإن ذكر البهائم التي وردت أظن أن ذلك في الطرقات الدولية، سواء في المملكة أو في الجزيرة، لأنها طرقات واسعة، ومعروف أن الدولة تقوم ببعض الصيانة للطرقات حتى لا تصل إليها البهائم، فإذن تكلم عن هذا ولم يتكلم عنها في مكان آخر، وكان يحسن الاطلاع على قوانين السير كما ذكرت، وهل مخالفة قوانين السير بمثابة مخالفة الأحكام الشرعية أم لا؟. نعرف أن الخبراء يقيسون، يأتي الخبير ويقيس المسافات ويحكم بما تمليه القوانين عندهم، ومن المعلوم في كل القوانين الدولية أنه عند حصول أي حادث سير يستدعى الخبراء لتحديد المسؤولية أولا، ولا يستدعى الفقهاء، ولا نقول: إن هذا يخرج الموضوع عن نطاق مسؤولية الفقهاء.
سادسا: هناك فروق عديدة وواضحة بين السيارة والدابة، ولا تخفى على أحد، ويمكن إجماله بأن السيارة إنما يضاف تحركها إلى السائق بكل وجه، بخلاف الدابة كما هو معروف. كما تكلم في مقدمته وما إلى ذلك.
بالنسبة للدكتور العثماني: فوجهت دراسته القيمة بشيء من التفصيل إلى المسؤولية المادية وسكت عن حكم القتل الناجم عن ذلك التسبب أو المباشرة ولزوم الدية، كما سكت عن حكم الكفارة، وكذلك لم يشر إلى نماذج من قوانين السير، كما أحاط إلى حد كبير بقواعد فقهية من مظانها والتي نص عليها الفقهاء بسير الدواب، وما إلى ذلك وشكرا. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 12808
الشيخ عبد الله البسام:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
أشكر فضيلة المحاضر الشيخ عبد القادر على محاضرته، وأؤيد رأيه من أن على المجلس أن يتخذ قرارا، وهذا القرار يدين أصحاب البهائم التي تعترض الطرق البرية، لأنه يحصل في هذا فجائع في إتلاف الأنفس قبل إتلاف الأموال. فيحسن بالمجلس أن يصدر قرارا بهذا، بأن أصحاب البهائم التي تعترض بهائمهم لسير السيارات ولا سيما بالليل أنهم غارمون، وأنهم يجب عليهم تسليم الديات، هذا من ناحية، أما بخصوص العاقلة وما نقله من الشيخ الأستاذ عبد القادر عودة هذا في رأيي فيه ملاحظات:
الأولى: نعم في صدر الإسلام لما كانت العاقلة في زمن النبي ﵊ والصحابة كان الإسلام محصورا في الجزيرة العربية وهي قبائل، أما بعد تدوين الفقه من العلماء فحال المسلمين لا تختلف عن حالها، فيهم ناس ينتسبون إلى قبائل واسعة وكبيرة، وفيهم أيضا جهات لا تنتسب وإنما هي عشائر معروفة وإن كانت من غير العرب فهي كذلك عشائر معروفة، وبناء عليه فإني أرى ما يراه الجمهور، جمهور أهل العلم من أن العاقلة تبقى هي العاقلة، وإن العاقلة لا تكون فيمن يشتركون مثلا في مهن أو يشتركون في أعمال، هذا يصلح أن يكون مثلا تأمينا تعاونيا فيما بينهم ولكننا لا نسميها عاقلة، فالعاقلة باقية على حكمها، والعاقلة يلاحظ فيها أمور: ملاحظ فيها العصبية فيما بين الأقارب، فإنهم يأسو بعضهم بعضا ويتعصب بعضهم لبعض، الأمر الآخر: إن فيها لحمة نسبية، ولحمة النسب لها جذورها ولها أصولها، وهذا كلمه مفقود في المشاركين في المهن والأعمال.
стр. 12809
الثانية: أنه ملاحظ فيها صلة الرحم، وصلة الرحم عبادة، والله جل وعلا يقول – في الحديث القدسي -: ((والله لأصلن من وصلك ولأقطعن من قطعك)) فالعاقلة هذه أيضا من صلة الرحم فيما بين الأقارب، وملاحظ فيها أمور كثيرة كلها متعلقة بالقرابة ولا تتعلق بالمهن، أما أصحاب المهن وأصحاب الحرف ليس بينهم هذه الروابط، وليس بينهم هذه العلاقات وليس بينهم هذه الجذور والأنساب أبدا، هذه أشياء مؤقتة، وإنما فيما أرى أن المجلس الموقر يصدر أمره في ذلك بأن العاقلة هي العاقلة، والآن والحمد لله، حتى في غير جزيرة العرب ومصر والشام وفي غيرها من البلدان في آسيا وأفريقيا أسر معروفة، وتستطيع أن تتحمل العاقلة، والعاقلة تحميلها أمر معروف، القاضي إذا أراد أن يحمل العاقلة رأى إلى الأدنين من الإخوان والأعمام، فإن حملت ووسعت الدية أحوالهم أخذها منهم، وإلا اتسع إلى ما فوقهم من أعمام الأعمام وأبناء العم البعيدين إلى آخره حتى تتم لهم الدية، يحمل كل إنسان بما يطيقه.
أنا أرى أننا نبقي هذا الحكم، وهو أن العاقلة النسبية العصبية هي التي تتحمل دية الجاني الخاطئ، وشكرا.
стр. 12810
الرئيس:
أرجو السماح لي بالتدخل في موضوع أثاره الشيخ عبد القادر وثنى عليه فضيلة الشيخ عبد الله في قضية تغريم صاحب الدابة، لا شك أن هذا الموضوع من الأهمية بمكان، وأنه ينبغي أن يخرج من المجمع سواء في هذه الدورة أو في دورة لاحقة بقرار لأهميته وكثرة الاختلافات التي تحدث بسببه، لكن هل يصح هذا على إطلاقه؟ فمثلا لو كان الجمل شاردا وأثبته مالكه، أثبت شروده فما رأي الشيخ؟
الشيخ عبد الله البسام:
هذه المسائل تعرض على القضاء ويصدر فيها حكم شرعي من القاضي ومن بعد القاضي هيئة التمييز وهكذا.
الرئيس:
المهم أن الموضوع ليس على إطلاقه.
стр. 12811
الدكتور محمد عطا السيد:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، اللهم صل على محمد عبدك ورسولك.
أولا: أحمد الله الذي وفقنا في إدراج هذا الموضوع – وهو موضوع هام وحساس جدا ويهم كثيرا من الناس – من ضمن موضوعات هذه الدورة.
وأبدأ فأقول: إن كثيرا من الفقهاء أو كثيرا من الناس الذين يبحثون في هذا المجال كلما تعرضوا لحوادث الحركة أو حوادث السير في الطريق يقيسون قياسا مطلقا على قتل الخطأ، ولكن بالرجوع إلى كتب البحث، والكتب التي كتبت في هذا المجال نجد أن السابقين من الفقهاء فرقوا بين قتل الخطأ مطلقا وبين هذه الحوادث وتكلموا عنها كأنما هي شيء منفصل، وشبهوها بأنها أقرب ما تكون إلى الخطأ السلبي المباشر والخطأ السلبي غير المباشر، وأخرجوها من مجال الخطأ الإيجابي المباشر أو الخطأ الإيجابي غير المباشر، ولذلك أرى أن من أهم الأشياء لكي نكون واقعيين في هذا المجمع ونخرج بقرار يفيد الناس في هذا المجال أن نتعرض للحالات التي تحدث فيها الحوادث.
أبدأ فأقول: هذه الحوادث اتضح الآن أن سائق العربة أو اللوري أو الحافلة يكون أحيانا بريئا كليا من أي مسؤولية، لم يخطئ قط، مثل السائق الذي يقود بالسرعة المطلوبة في الطريق، ففجأة يخرج أمامه شخص أو يأتي أمامه طفل، فيصيب ذلك الشخص أو ذلك الطفل، فيجرحه أو يقتله، هذه مسألة واضحة جدا أنه لا يمكن تفاديها مهما كانت قدرته البشرية، وكذلك سائق الباص مثلا الذي يقود وحصل في الطريق شيء غير متوقع ولم يكن من جانبه أي خطأ ولا تقصير، فحصل فيه وفاة أو جرح أو ضرر، فهل في هذه الحالة يكون على السائق مسؤولية؟
стр. 12812
أنا وجدت لحسن الحظ أنه من خلال البحوث أن الفقهاء ذكروا أنه إذا اتضحت براءة السائق في حوادث السير من أي إهمال أو تقصير من جانبه في حادث لا يمكن التحرز منه، فليس على السائق الضمان ألبتة، لأنه مستعمل لحقه الثابت له ولم يكن من جانبه الخطأ أو تقصير يعرف.
فأنا أرجو أن نولي هذه المسألة اهتمامنا؛ لأن هذه المسألة – كما ذكرت – تحدث كثيرا، وكثيرا ما يظلم الناس سائق العربة ويقولون: هذا قتل خطأ فيجب أن يدفع الدية، ويجب أن يقوم بالكفارة، وهذا في رأيي يحتاج إلى إعادة نظر وإلى تفكير.
النقطة الثانية: ما ذكره الأخ فضيلة الشيخ خليل الميس بأننا ما تعرضنا له، هذا غير صحيح، وهو مرجع حوادث السير، مثلا في بحثي تعرضت لهذه المسألة فذكرت فيه: (وإذا نتج الموت أو الضرر نتيجة خطأ بين من السائق كأن يخالف قواعد الحركة والمرور المعمول بها، كأن يتعدى السرعة القانونية أو يجتاز النور الأحمر أو يلف لفة خطأ فهو مخطئ خطأ جنائيًّا يعاقب عليه تعزيرا بما تحدده القوانين من عقوبة رادعة، في رأيي هذا السائق يكون مسؤولا مسؤولية كاملة عن كل ما ينتج من ضرر سواء كان بدنيا أو ماديا، كان دية أو كان أرشا؛ فإذن معنى ذلك نحكم قوانين الحركة، إذا كان السائق مخطئا خطأ بينا بأن يتعدى هذه القوانين زيادة على الخطأ الجنائي، فإنه لا بد من التعزير له في هذه المسألة، أنا في رأيي يكون متحملا لهذه المسألة تحملا كاملا، ولا نلحقه في هذا الموضوع بموضوع قتل الخطأ.
стр. 12813
النقطة الثالثة: وهي جديرة بالاهتمام، في هذه المسألة إذا لم يخالف السائق أيا من قوانين الحركة، وكان يسوق وكان يحترم النور الأحمر وكل قواعد السير ولكن صدم بعربته أو أحدث ضررا بدنيا أو ماديا أو عقليا، وكان ذلك مما يمكن التحرز منه ففي هذه الحالة يجب الضمان، ولكن الرأي الراجح أن الدية والأرش في هذه الحالة مما تتحمله العاقلة، وغيرهما من الضرر المادي يكون في ماله. هذا الذي أراه إذا كان السائق يقود واتبع قواعد الحركة وكان متحرزا، ولكن مع ذلك صدمت العربة، وهذه المسألة تحصل وكان يمكن التحرز من هذا الضرر، ففي هذه الحالة – في رأيي – يجب الضمان لا شك ويدخل فيه موضوع العاقلة، أفرق بين هذا وبين الحال الخطأ، إنني أحمله هناك المسؤولية الجنائية والمدنية تحميلا كاملا، في هذه الحالة ليست عليه مسؤولية جنائية، ولكن المسؤولية المدنية يكون مسؤولا عنها وتدخل فيها مسألة العاقلة، وأرد أيضا على الشيخ خليل الميس: إنني ما ذكرت في بحثي موضوع الكفارة، أرجو أن تنظر في السطرين الأخيرين من البحث: وعلى السائق الكفارة التي نص الله تعالى عليها في كتابه في حالة قتل الخطأ، وهو مما تلحق به هذه الحالة، فإذن قد ذكرنا ذلك، وقد تعرضنا له، أما تفصيله فهذا مجال طويل، وإذا ثبت خطؤه في هذه المسألة وكان بغير قصد فلا بد من الدية.
стр. 12814
ناقش المجمع من قبل موضوع تعدد القتيل أي إذا قتل شخصين أو ثلاثة أو أربعة أو أكثر، هل تتعدد الكفارة أم لا؟. هذه المسألة بدأنا النقاش فيها في دورة سابقة ولكن لم نتابع ذلك النقاش، أرجو أيضا أن يخرج المجمع فيه بقرار واضح، لأنه من الأشياء التي يجب الناس أن يعرفوا رأي الفقهاء فيها.
نقطة أخيرة: ولا أريد أن أطيل، وهي موضوع العاقلة، هذا الموضوع بكل أسف أختلف مع فضيلة الشيخ عبد الله البسام، هذا الموضوع صحيح أثبتته الشريعة أي تحمل العاقلة للدية، وهي في أصلها مخالفة لموضوع المسؤولية: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الإسراء: ١٥] وهذا هو المبدأ العام، ولكن الرسول ﷺ عندما رأى ما في الجاهلية من تكاتف وتعاضد في موضوع العاقلة أجاز هذا الأمر، ولكن في عصرنا الحاضر، كما تعلمون أن هذه الصلات الصلة العصبية والصلة بين الناس والصلة القبلية، قد ضعفت هذه الصلات ضعفا شديدا، فاليوم لا يمكن أن تأتي لإنسان يعمل حادثا في بلد من البلاد تمشي لقريبه فيرد عليك بأنني لا أعرف إلا قريبي، لا أعرف إلا الذي لي علاقة معه، وأحيانا بعضهم يقول لك: أنا علاقتي معه سيئة وكيف أدفع؟.. ولذلك نرى أنه من المصلحة، وهذا من واجبنا كفقهاء في هذا المجال أن نرتقي لموضوع العاقلة إلى موضوع مهم جدا وهو موضوع التأمين.
ولذلك قلت في نهاية البحث: إن الفقهاء عرفوا العاقلة بعدة تعريفات منهم من عرفها بأنهم أهل ديوان الجاني، ومنهم من عرفها بأن العاقلة أهل حرفته وبالعدم عشيرته، وقال فريق: إن العاقلة هم أهل المهنة أيضا. وقلت: وكما هو معلوم فإن مبدأ العاقلة يكون أساسا للشركات الإسلامية المعمول بها في عدد من البلدان الإسلامية. وهذه الشركات لا بأس بها طالما أن المقصود منها التعاون والتعاضد عند الحاجة وأنها خالية من شبه الربا والمقامرة أو التكسب فإنها تكون حلالا مقبولا، بل مبدأ يحث عليه الدين حتى تطمئن قلوب الناس، خاصة في هذا الزمان الذي كثرت فيه المركبات الخاصة والعامة، وتنوعت وازدحمت بها الطرقات، وينبغي أن تعممه البلدان الإسلامية لما فيه من فوائد جمة وموافقة لروح الشرع، بل إننا نؤيد ما ذهب إليه بعض البلدان من جعله إجباريا بأخذ مبلغ معين كل عام من كل مالك لعربة أو غيرها من سبل المواصلات ونرى فيه الزيادة في التأمين والطمأنينة، وشكرا للسيد الرئيس.
стр. 12815
الشيخ تقي العثماني:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله الكريم وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
فإني أشكر فضيلة الشيخ عبد القادر العماري حفظه الله تعالى على بحثه القيم والذي أعترف أنه أكثر البحوث المقدمة في هذا الموضوع استيعابا للجوانب المهمة المتعلقة بالموضوع، وكذلك أشكره على عرضه الطيب والقيم الذي حرر لنا موضوع البحث في هذا اللقاء.
أما أنا فقد ركزت بحثي لأسباب ذكرتها على نقطة واحدة فقط، وهو موضوع الحالات التي يحمل فيها السائق ما حدث من ضرر بقيادة سيارته، والذي استمع إليه جميع أصحاب البحوث في الموضوع: هو أن سائق السيارة لا يضمن إلا إذا كان مخطئا متعديا في قيادة سيارته، مثلا يخالف نظام المرور أو القواعد المتبعة في القيادة، ولكن هناك نقطة ذكرها الشيخ عبد القادر العماري: أن كثيرا من القضاة وكثيرا من الفقهاء والمفتين ربما لا يقبلون هذا الحكم ويقولون: إن الفقهاء ﵏ قد ذكروا بأن المباشر ضامن وإن لم يكن متعديا، وإنما يشترط التعدي للمتسبب وليس للمباشر، وكذلك يقولون: إذا اجتمع المباشر والمسبب فالحكم للمباشر والضمان على المباشر، فلم أر في البحوث الموجودة بين أيدينا ما يشرح هذه القاعدة ويطبق ما اقترحه أصحاب البحوث على هذه القاعدة التي ذكرها الفقهاء، وقد حاولت في ذلك محاولة أريد أن أعرضها على أصحاب الفضيلة هنا ليقرروها أو لينقدوها، وهي: أن ما ذكره الفقهاء – ﵏ – من المباشر والمسبب حينما يجتمعان فإن الحكم للمباشر، إنما يختص ذلك إذا كان المباشر السبب الوحيد للإتلاف، أما إذا كان المسبب هو المتعدي أو كان تأثير المسبب أقوى من تأثير المباشر فحينئذ لا تتأتى هذه القاعدة في نظري، وهذا مما يتضح بكثير من الجزئيات التي ذكرها الفقهاء، ربما أنني لم أطلع على هذه القاعدة بهذا اللفظ، ولكن الذي اتضح بعد دراسة جزئيات عدة هو أن المباشر إنما يكون ضامنا عند عدم التعدي إذا كان هو السبب الوحيد، أما إذا كان هناك مسبب ومباشر، وتأثير المسبب أقوى من تأثير المباشر والمسبب متعد والمباشر غير متعد، فهذه القاعدة لا تجري في مثل هذه المسائل، فالذي أرى أنه إذا كان السائق ملتزما بأحكام المرور ولم يصدر منه أي تقصير فحينئذ لا ينبغي أن يحمل الضمان ولا الدية ولا شيء ولا الكفارة.