الدكتور محمد عطا السيد:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، اللهم صل على محمد عبدك ورسولك.
أولا: أحمد الله الذي وفقنا في إدراج هذا الموضوع – وهو موضوع هام وحساس جدا ويهم كثيرا من الناس – من ضمن موضوعات هذه الدورة.
وأبدأ فأقول: إن كثيرا من الفقهاء أو كثيرا من الناس الذين يبحثون في هذا المجال كلما تعرضوا لحوادث الحركة أو حوادث السير في الطريق يقيسون قياسا مطلقا على قتل الخطأ، ولكن بالرجوع إلى كتب البحث، والكتب التي كتبت في هذا المجال نجد أن السابقين من الفقهاء فرقوا بين قتل الخطأ مطلقا وبين هذه الحوادث وتكلموا عنها كأنما هي شيء منفصل، وشبهوها بأنها أقرب ما تكون إلى الخطأ السلبي المباشر والخطأ السلبي غير المباشر، وأخرجوها من مجال الخطأ الإيجابي المباشر أو الخطأ الإيجابي غير المباشر، ولذلك أرى أن من أهم الأشياء لكي نكون واقعيين في هذا المجمع ونخرج بقرار يفيد الناس في هذا المجال أن نتعرض للحالات التي تحدث فيها الحوادث.
أبدأ فأقول: هذه الحوادث اتضح الآن أن سائق العربة أو اللوري أو الحافلة يكون أحيانا بريئا كليا من أي مسؤولية، لم يخطئ قط، مثل السائق الذي يقود بالسرعة المطلوبة في الطريق، ففجأة يخرج أمامه شخص أو يأتي أمامه طفل، فيصيب ذلك الشخص أو ذلك الطفل، فيجرحه أو يقتله، هذه مسألة واضحة جدا أنه لا يمكن تفاديها مهما كانت قدرته البشرية، وكذلك سائق الباص مثلا الذي يقود وحصل في الطريق شيء غير متوقع ولم يكن من جانبه أي خطأ ولا تقصير، فحصل فيه وفاة أو جرح أو ضرر، فهل في هذه الحالة يكون على السائق مسؤولية؟
стр. 12812
أنا وجدت لحسن الحظ أنه من خلال البحوث أن الفقهاء ذكروا أنه إذا اتضحت براءة السائق في حوادث السير من أي إهمال أو تقصير من جانبه في حادث لا يمكن التحرز منه، فليس على السائق الضمان ألبتة، لأنه مستعمل لحقه الثابت له ولم يكن من جانبه الخطأ أو تقصير يعرف.
فأنا أرجو أن نولي هذه المسألة اهتمامنا؛ لأن هذه المسألة – كما ذكرت – تحدث كثيرا، وكثيرا ما يظلم الناس سائق العربة ويقولون: هذا قتل خطأ فيجب أن يدفع الدية، ويجب أن يقوم بالكفارة، وهذا في رأيي يحتاج إلى إعادة نظر وإلى تفكير.
النقطة الثانية: ما ذكره الأخ فضيلة الشيخ خليل الميس بأننا ما تعرضنا له، هذا غير صحيح، وهو مرجع حوادث السير، مثلا في بحثي تعرضت لهذه المسألة فذكرت فيه: (وإذا نتج الموت أو الضرر نتيجة خطأ بين من السائق كأن يخالف قواعد الحركة والمرور المعمول بها، كأن يتعدى السرعة القانونية أو يجتاز النور الأحمر أو يلف لفة خطأ فهو مخطئ خطأ جنائيًّا يعاقب عليه تعزيرا بما تحدده القوانين من عقوبة رادعة، في رأيي هذا السائق يكون مسؤولا مسؤولية كاملة عن كل ما ينتج من ضرر سواء كان بدنيا أو ماديا، كان دية أو كان أرشا؛ فإذن معنى ذلك نحكم قوانين الحركة، إذا كان السائق مخطئا خطأ بينا بأن يتعدى هذه القوانين زيادة على الخطأ الجنائي، فإنه لا بد من التعزير له في هذه المسألة، أنا في رأيي يكون متحملا لهذه المسألة تحملا كاملا، ولا نلحقه في هذا الموضوع بموضوع قتل الخطأ.
стр. 12813
النقطة الثالثة: وهي جديرة بالاهتمام، في هذه المسألة إذا لم يخالف السائق أيا من قوانين الحركة، وكان يسوق وكان يحترم النور الأحمر وكل قواعد السير ولكن صدم بعربته أو أحدث ضررا بدنيا أو ماديا أو عقليا، وكان ذلك مما يمكن التحرز منه ففي هذه الحالة يجب الضمان، ولكن الرأي الراجح أن الدية والأرش في هذه الحالة مما تتحمله العاقلة، وغيرهما من الضرر المادي يكون في ماله. هذا الذي أراه إذا كان السائق يقود واتبع قواعد الحركة وكان متحرزا، ولكن مع ذلك صدمت العربة، وهذه المسألة تحصل وكان يمكن التحرز من هذا الضرر، ففي هذه الحالة – في رأيي – يجب الضمان لا شك ويدخل فيه موضوع العاقلة، أفرق بين هذا وبين الحال الخطأ، إنني أحمله هناك المسؤولية الجنائية والمدنية تحميلا كاملا، في هذه الحالة ليست عليه مسؤولية جنائية، ولكن المسؤولية المدنية يكون مسؤولا عنها وتدخل فيها مسألة العاقلة، وأرد أيضا على الشيخ خليل الميس: إنني ما ذكرت في بحثي موضوع الكفارة، أرجو أن تنظر في السطرين الأخيرين من البحث: وعلى السائق الكفارة التي نص الله تعالى عليها في كتابه في حالة قتل الخطأ، وهو مما تلحق به هذه الحالة، فإذن قد ذكرنا ذلك، وقد تعرضنا له، أما تفصيله فهذا مجال طويل، وإذا ثبت خطؤه في هذه المسألة وكان بغير قصد فلا بد من الدية.
стр. 12814
ناقش المجمع من قبل موضوع تعدد القتيل أي إذا قتل شخصين أو ثلاثة أو أربعة أو أكثر، هل تتعدد الكفارة أم لا؟. هذه المسألة بدأنا النقاش فيها في دورة سابقة ولكن لم نتابع ذلك النقاش، أرجو أيضا أن يخرج المجمع فيه بقرار واضح، لأنه من الأشياء التي يجب الناس أن يعرفوا رأي الفقهاء فيها.
نقطة أخيرة: ولا أريد أن أطيل، وهي موضوع العاقلة، هذا الموضوع بكل أسف أختلف مع فضيلة الشيخ عبد الله البسام، هذا الموضوع صحيح أثبتته الشريعة أي تحمل العاقلة للدية، وهي في أصلها مخالفة لموضوع المسؤولية: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الإسراء: ١٥] وهذا هو المبدأ العام، ولكن الرسول ﷺ عندما رأى ما في الجاهلية من تكاتف وتعاضد في موضوع العاقلة أجاز هذا الأمر، ولكن في عصرنا الحاضر، كما تعلمون أن هذه الصلات الصلة العصبية والصلة بين الناس والصلة القبلية، قد ضعفت هذه الصلات ضعفا شديدا، فاليوم لا يمكن أن تأتي لإنسان يعمل حادثا في بلد من البلاد تمشي لقريبه فيرد عليك بأنني لا أعرف إلا قريبي، لا أعرف إلا الذي لي علاقة معه، وأحيانا بعضهم يقول لك: أنا علاقتي معه سيئة وكيف أدفع؟.. ولذلك نرى أنه من المصلحة، وهذا من واجبنا كفقهاء في هذا المجال أن نرتقي لموضوع العاقلة إلى موضوع مهم جدا وهو موضوع التأمين.
ولذلك قلت في نهاية البحث: إن الفقهاء عرفوا العاقلة بعدة تعريفات منهم من عرفها بأنهم أهل ديوان الجاني، ومنهم من عرفها بأن العاقلة أهل حرفته وبالعدم عشيرته، وقال فريق: إن العاقلة هم أهل المهنة أيضا. وقلت: وكما هو معلوم فإن مبدأ العاقلة يكون أساسا للشركات الإسلامية المعمول بها في عدد من البلدان الإسلامية. وهذه الشركات لا بأس بها طالما أن المقصود منها التعاون والتعاضد عند الحاجة وأنها خالية من شبه الربا والمقامرة أو التكسب فإنها تكون حلالا مقبولا، بل مبدأ يحث عليه الدين حتى تطمئن قلوب الناس، خاصة في هذا الزمان الذي كثرت فيه المركبات الخاصة والعامة، وتنوعت وازدحمت بها الطرقات، وينبغي أن تعممه البلدان الإسلامية لما فيه من فوائد جمة وموافقة لروح الشرع، بل إننا نؤيد ما ذهب إليه بعض البلدان من جعله إجباريا بأخذ مبلغ معين كل عام من كل مالك لعربة أو غيرها من سبل المواصلات ونرى فيه الزيادة في التأمين والطمأنينة، وشكرا للسيد الرئيس.
стр. 12815
الشيخ تقي العثماني:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله الكريم وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
فإني أشكر فضيلة الشيخ عبد القادر العماري حفظه الله تعالى على بحثه القيم والذي أعترف أنه أكثر البحوث المقدمة في هذا الموضوع استيعابا للجوانب المهمة المتعلقة بالموضوع، وكذلك أشكره على عرضه الطيب والقيم الذي حرر لنا موضوع البحث في هذا اللقاء.
أما أنا فقد ركزت بحثي لأسباب ذكرتها على نقطة واحدة فقط، وهو موضوع الحالات التي يحمل فيها السائق ما حدث من ضرر بقيادة سيارته، والذي استمع إليه جميع أصحاب البحوث في الموضوع: هو أن سائق السيارة لا يضمن إلا إذا كان مخطئا متعديا في قيادة سيارته، مثلا يخالف نظام المرور أو القواعد المتبعة في القيادة، ولكن هناك نقطة ذكرها الشيخ عبد القادر العماري: أن كثيرا من القضاة وكثيرا من الفقهاء والمفتين ربما لا يقبلون هذا الحكم ويقولون: إن الفقهاء ﵏ قد ذكروا بأن المباشر ضامن وإن لم يكن متعديا، وإنما يشترط التعدي للمتسبب وليس للمباشر، وكذلك يقولون: إذا اجتمع المباشر والمسبب فالحكم للمباشر والضمان على المباشر، فلم أر في البحوث الموجودة بين أيدينا ما يشرح هذه القاعدة ويطبق ما اقترحه أصحاب البحوث على هذه القاعدة التي ذكرها الفقهاء، وقد حاولت في ذلك محاولة أريد أن أعرضها على أصحاب الفضيلة هنا ليقرروها أو لينقدوها، وهي: أن ما ذكره الفقهاء – ﵏ – من المباشر والمسبب حينما يجتمعان فإن الحكم للمباشر، إنما يختص ذلك إذا كان المباشر السبب الوحيد للإتلاف، أما إذا كان المسبب هو المتعدي أو كان تأثير المسبب أقوى من تأثير المباشر فحينئذ لا تتأتى هذه القاعدة في نظري، وهذا مما يتضح بكثير من الجزئيات التي ذكرها الفقهاء، ربما أنني لم أطلع على هذه القاعدة بهذا اللفظ، ولكن الذي اتضح بعد دراسة جزئيات عدة هو أن المباشر إنما يكون ضامنا عند عدم التعدي إذا كان هو السبب الوحيد، أما إذا كان هناك مسبب ومباشر، وتأثير المسبب أقوى من تأثير المباشر والمسبب متعد والمباشر غير متعد، فهذه القاعدة لا تجري في مثل هذه المسائل، فالذي أرى أنه إذا كان السائق ملتزما بأحكام المرور ولم يصدر منه أي تقصير فحينئذ لا ينبغي أن يحمل الضمان ولا الدية ولا شيء ولا الكفارة.
стр. 12816
والموضوع الثاني الذي تطرق إليه الشيخ العماري: هو موضوع العاقلة، وهو موضوع مهم جدا يحتاج إلى النظر والدراسة، الواقع أن العاقلة إذا كانت هناك حياة قبلية، وربما توجد في بعض البلاد كالمملكة العربية السعودية فلا مشكلة في تطبيق نظام العاقلة، أما إذا لم تكن هناك حياة قبلية كما في سائر البلدان الإسلامية غير المملكة العربية السعودية، فهنا تنشأ مشكلة، والاقتراح الذي ذكره الشيخ العماري عن الشيخ عبد القادر عودة رحمه الله تعالى ليس من الميسور تطبيقه في زمننا هذا، أن تفرض ضريبة جديدة على كل المواطنين، هذا لا يكون قابلا للعمل في أكثر البلاد الإسلامية، والحل كما أرى أنه إذا كانت هناك حياة قبلية فالعاقلة من قبيلة الجاني تتحمل الدية، أما إذا لم يكن هناك حياة قبلية فحينئذ تستطيع النقابات، نقابات المهن أن تقوم مقام العاقلة، والذي ذكره فضيلة الشيخ عبد الله البسام مع كل إجلالي وتقديري لكلامه ولعلمه وفضله، فإني أخالف في ذلك الرأي؛ فإن سيدنا عمر – رضي الله تعالى عنه - قد جعل الدية على أهل الديوان وأهل الديوان لم يكونوا من قبيلة واحدة، فهذا يجعلنا نجزم بأن العلة الحقيقية في تعيين العاقلة هي التناصر والتعاون، وإذا حدث التعاون والتناصر بأي شيء آخر يمكن أن نقول: إنها هي العاقلة، فالنقابة إذا كان هناك نقابة فيمكن أن تحمل الدية، أما إذا لم يكن هناك نقابة ولا قبيلة فالدية يتحملها الجاني نفسه.
стр. 12817
مسألة دية الذمي التي أشار إليها الشيخ العماري، أنا أؤيده في هذا، ولو لم أكن حنفيا لقلت بهذا القول، وذلك لأن الآية القرآنية الكريمة: ﴿فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: ٩٢] هي مساوية للمسلمين وأهل الذمة جميعهم، وهناك حديث صحيح أيضا أخرجه الإمام الترمذي ﵀ أن رسول الله ﷺ ودى العامريين بدية المسلمين، وهذا حديث أصح إسنادا من الحديث الذي يذكر في تصنيف دية الذمي.
ومسألة الحوادث التي تنشأ من تطرق البهائم إلى الشوارع، هذه مسألة نجد فيها أيضا حديثا واضحا، ربما يكون أصرح شيء في هذا الباب، الذين يقولون بأن صاحب البهيمة ليس عليه الضمان ربما يستدلون بالحديث المعروف الذي قال به رسول الله ﷺ : ((العجماء جرحها جبار)) ، ولكن في نفس الوقت هناك حديث أخرجه الإمام مالك في موطئه أن ناقة للبراء بن عازب رضي الله تعالى عنه دخلت بستانا فأفسدت ما فيه فضمن رسول الله ﷺ صاحب الناقة، وفي نفس ذلك الحديث نجد أن رسول الله ﷺ قال: ((إن على أهل الدواب حفظها بالنهار)) فهذه الجملة التي نجدها في هذا الحديث ربما توضح لنا العلة في الضمان. يعني أصحاب البهائم أو أصحاب الدواب هم المسؤولون عن حفظ تلك البهائم والدواب، ما دام الحفظ عليهم، وهم قصروا في ذلك، فإنهم أصحاب الضمان أما إذا كان هناك حالة ذكرها فضيلة الرئيس، أنه إذا كان هناك بعير شارد وانفلت إلى الشارع العام أو إلى الطريق المعبد، فحين ذلك مالك البعير لم يقصر في حفظه، فلذلك لم توجد العلة التي ذكرها رسول الله ﷺ ، فلا ينبغي أن يضمن الدية والضمان.
وأخيرا مسألة التعزير بالمال أو التعزير بالعقوبات المالية، فأنا أؤيد فضيلة الشيخ العماري، إنه وإن كان هناك كثير من الفقهاء قد منعوا التعزير بالمال، ولكن هناك جمع كثير من الفقهاء كالإمام أبي يوسف ﵀ قد أجاز التعزير بالمال، وهناك أدلة كافية على جوازه، فلا بأس بالأخذ بالتعزير بالمال في مسألة مخالفة نظام المرور.
وهذا ما كنت أريد أن أدلي به في هذا الموضوع، والله أعلم، وشكرا.
стр. 12818
الشيخ القره داغي:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله وصحبه ومن تبعه إلى يوم الدين.
أولا: نشكر الشيخ عبد القادر العماري حفظه الله على بحثه القيم حيث جمع بين العلم والتطبيق لما هو قائم منذ فترة طويلة، فعاش هذه المعاملة بالتأكيد، وضمن، بحثه هذه المعاملة التي يلاقيها دائما في القضايا التي تعرض على فضيلته في قطر. هناك بعض الأمور نريد من مجمعنا الموقر أن يحدد خلال هذه البحوث قضية حوادث السير وأن تقسم هذه الحوادث وتنزل على الواقع، حقيقة بعض البحوث يتحدث عن شبه العمد وعن الخطأ، عن قضايا الفقه التي هي موجودة في الكتب، أما كيف تنزل هذه القضية على الواقع فهذا هو السؤال.
стр. 12819
أكثر البحوث تتكلم عن هذه القضايا أن هذا شبه العمد وأنه عمد وأنه قضية الدية، ولكن نحن نريد الآن أن تكون قواعد المرور واضحة مثل ما قال الشيخ خليل، والأمور كلها واضحة، هناك حالات كثيرة جدا، كيف يمكن أن تكون حادثة السير تعتبر من باب الخطأ أو تعتبر من باب شبه العمد أو تعتبر من حالات العمد أيضا في بعض الحالات؟ أكثر البحوث لم تتحدث عن قضية العمد، وإنما أتحفت بقضية الخطأ أو شبه العمد، بينما الحقيقة يمكن أن يكون بعض حوادث السير تتوفر فيها جميع أركان الجريمة العمدية، فمن هنا نريد أن نضع ضوابط لهذه المسألة كقاعدة أساسية ونحدد متى يكون السائق مخطئا أو متعمدا أو شبه متعمد؟ هذه مسألة ومتى تأتي قضية الأوامر وقوانين السير؟ هذه لا بد من رعايتها، كذلك السائح العادي الذي يسير ملتزما بقوانين المرور ثم يطلع بعد ذلك في غير الخطوط المخصصة والأماكن المخصصة لسير المشاة، ما حكم هذه المسائل؟ نفصل هذه التفصيلات ونضع بجانب كل جزئية من هذه الجزئيات الحكم المناسب حتى تكون الأحكام واضحة، كذلك حكم من يموت في السيارة، هل إذا كان للسائق دور أو إذا لم يكن للسائق دور؟ إذا كان الشخص الآخر متعد ولكن السيارة أيضا تجاوز حدود السير المسموح بها في السرعة، مثلا حدود ستين كيلو مترا أو سبعين كيلو مترا، والشخص الثاني أيضا مقصر أيضا في أنه دخل مثل ما قال فضيلة الشيخ عبد القادر من الفرع إلى الشارع العام، يعني ننظر إلى هذه القضايا بنظرة واسعة مفصلة، وبعد ذلك ننزل الأحكام الفقهية على هذه الوقائع العملية، هذا من ناحية الملحوظة الأولى.
ثانيا: العاقلة، أنا أثني على رأي الشيخ عبد القادر، ولكن حسب التسلسل الذي ذكره فضيلة الشيخ العثماني، بحيث يرتب حسب التسلسل، إذا وجدت القبائل فالقبائل هي الأساس، وإذا لم توجد القبائل، وليس بالضرورة المملكة العربية السعودية، هناك بعض الدول لا تزال تسير على قضية القبائل، فحصرها على المملكة العربية السعودية ربما لم يكن دقيقا، وننتقل بعد ذلك إلى قضية النقابات ثم الهيئات وحتى الأحزاب السياسية الآن، العصبية الموجودة بين الأحزاب السياسية أكبر من العصبية الموجودة بين النقابات، فمثلا الحزب الفلاني والحزب الفلاني كذلك، أو الجماعات الإسلامية التعصب أو الحاجات الموجودة فيها ربما تدخل في الحساب، فهذه قضية أيضا مع ملاحظتها حسب التسلسل المطلوب.
стр. 12820
وأنا في اعتقادي انتقال سيدنا عمر من العصبية القبلية إلى عملية الديوان، هذه إشارة خضراء لنا بأنه فتح لنا الباب؛ لأن قضية العاقلة يراد بها تحقيق الهدف المنشود وهو ألا يخل دم في الإسلام إما عن طريق الأشخاص المتعاونين، ثم بعد ذلك عن طريق الدولة.
ثالثا: في قضية رأي الشهيد الشيخ عبد القادر عودة ﵀ فرأي وجيه ما دامت الرقبة غير موجودة في وقتنا الحاضر، فعصرنا اليوم يختلف عن العصر السابق، العصر السابق كان الرجل لا يجد المال لشراء الرقبة، وبالتالي ما دام ليس عنده مال فينتقل إلى الصوم، فلذلك لم يأت إلى قضية الطعام؛ لأن هناك أمرين: هناك مال وهناك عبادة بدنية، أي إذا كان له مال فيعتق ربة، وإذا لم يكن عنده مال فحينئذ يصوم، أما اليوم يوجد مال لكن لا يوجد رقبة أساسا، ألغي حسب نظام الأمم المتحدة.
فأنا في رأيي، رأي الشيخ عبد القادر عودة شبيه، أي يقاس على رأي الشافعية وغير الشافعية الذين جعلوا الإبل أصلا في الدية، ومع ذلك إذا فقدت الإبل في منطقة من المناطق تقوم الإبل بقيمتها ولا ننتقل إلى ألف دينار، كما هو اعتبار الأصل، فالرقبة لم توجد فحينئذ تقوم قياسا، كما أن الإبل لا توجد بالنسبة للدية فتقوم ولا ننتقل إلى ألف دينار إلى إلى اثني عشر ألف درهم، ولذلك الأحاديث في هذه المسألة واردة بين ألف دينار وبين ثمانمائة دينار وبين ثمانية آلاف درهم وبين اثني عشر ألف درهم، كما لا يخفى على حضراتكم، فلذلك رأي الشيخ عبد القادر عودة وجيه، وإن لم يسبق؛ لأن عدم السبق ناتج عن أن هذه الحالة ما كانت متصورة في عصرهم، أي عملية الرقاب.
стр. 12821
رابعا: قضية اعتراض البهائم، نحن لا بد أن نجعل الأصل أن صاحبها مسؤول كقاعدة أساسية، الإبل طبعا معروفة كما لا يخفى على حضراتكم بعلاماتها فتنسب إلى أصحابها، وبالتالي صاحبها مسؤول كقاعدة إلا إذا اثبت بالعكس بأن هذا الرجل قد شرد عنه هذا البعير، وبالتالي نضع الأصل ثم نستثني عنه الاستثناء.
خامسا: قضية التعزير بالمال، فعلا أنا أثني على رأي الشيخ عبد القادر في هذه المسألة، وشيخ الإسلام ابن تيمية في هذه المسألة فصل فيها تفصيلا طيبا، فجزاه الله خيرا، والتعزير بالمال أهون من التعزير بالجلد، ولذلك الإمام أبو حنيفة لا يجيز الحجر على الإنسان بسبب السفه في المال، قال: المال خادم للإنسان، وليس الإنسان خادما للمال، فالمال غاد ورائح، فكيف الآن نحن نجيز الضرب والجلد؟ يبدو هذا متفق مع ما نعيشه نحن في بلادنا الإسلامية، حيث ليس هناك للإنسان وربما القيمة الكبيرة للمال ونحو ذلك.
سادسا: دية غير المسلم، وحقيقة حينما يتكلم الشيخ عبد القادر عن دية غير المسلم ويدافع عن مساواة غير المسلم بالمسلم كنت أعيش – والله شاهد - مع إخواننا في البوسنة والهرسك، قلت: سبحان الله الذي جزى الله الإسلام خيرا لعدالته، يتحدث عن مساواة المسلم بغير المسلم في ديته، وغير المسلمين ماذا يفعلون بالمسلمين؟
هذا ما كنت أريد أن أتكلم عنه من باب أن نتذكر مأساة الأندلس الجديدة، ولو كان في الفقه لا تنسى هذه المأساة الكبيرة، وكذلك مآسينا، أشكركم يا سيدي الرئيس على إتاحة الفرصة.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 12822
الشيخ محمد الشيباني:
بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.
أشكر الشيخ عبد القادر محمد العماري على بحثه القيم، قد أجاد وأفاد.
أولا: الحقيقة إن حوادث السير ليست بجديدة في عصرنا، فقد تكلم عنها العلماء في وسائل السير والنقل الذي كان في عهدهم، تكلموا عن تصادم الفارسين والسفينتين إلى غير ذلك، ثم فرقوا بين اصطدام السفينتين وتصادم السيارتين، وأنا أرى أن السيارة تقاس على الفرس لأن من يحسن السياقة أقدر على كبح سيارته من الفارس على فرسه، وهذا أقوله عن تجربة، لأنني كنت في البدو وكان عندي فرس، وبعد ذلك انتقلت إلى المدن وكانت عندي سيارة، والحقيقة إنني أقدر على كبح السيارة من الفرس، هذه مسألة معروفة.
ثانيا: فيما يخص ما أتلفته البهائم، هذا تكلم عنه العلماء، أما تبيين المخطئ من المعتمد، فهذا أعتقد أننا نرجع فيه إلى قوانين السير؛ لأن هذه القوانين لا تخالف الشرع أو معظمهما لا يخالف الشرع، فهي تندرج تحت الشرع العام، وهو المصالح المرسلة، فالمصالح المرسلة هي التي لم يأمر بها الشرع بإهمال ولا يأمر، لم يأمر بها الشرع ولم ينه عنها وفيها مصلحة، مثلا ننظر هناك في المعتدي وغيره وذلك لنعلم مسائل عدم الالتزام بالسرعة المحددة التي باستطاعة السائق أن يتحكم في سيارته إذا التزم بها، وإلى من له الأسبقية في الطريق وما إلى ذلك، إذن هذه القوانين يمكن أن ندرجها في المصالح المرسلة.
ثالثا: نتكلم عن مسائل وملاحظات عليها، وهي:
أولا: فيما يخص الكفارة، الكفارة أمرها واضح، فالله ﵎ قال: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ﴾ [النساء: ٩٢] هذه تتناول من لم يجد الرقبة أو لم يجد ثمنها، ليس فيها تحديد أن من لم يجد ثمن الرقبة، فمن لم يجد فيها فصيام شهرين متتابعين، إذن ليس هناك إلا صيام شهرين متتابعين، ومن لم يقدر على ذلك، من لم يستطيع فإطعام ستين مسكينا، هذا هو الصحيح في أمرها.
стр. 12823
ثانيا: فيما يخص الدية، كما أن الجمهور يجعل الدية على العاقلة، وهي العصبة، عصبة الجاني، الأقرب فالأقرب، وإن القول بأنها تكون على الديوان أي الذين يعملون مع القاتل في قطاع واحد أولى عندي في هذا الزمن، وهو ما صرح به الإمام أبو حنيفة، وهو أحد قولي الإمام مالك، وصدر به خليل في مختصره فقال: وبدئ بالديوان، وإن كان غير مشهور مذهبه، وخصوصا في بلد ليست فيه قبائل مترابطة فيما بينها؛ لأن القبلية أصبحت اليوم شبه معرض عنها في هذا الزمن، فالبلد الذي فيها قبائل تتناصر فيما بينها نجعلها عليها، والبلد – وهو الأكثر – الذي ليست فيها القبلية وخصوصا المدن الكبيرة، نجعلها على الديوان، تكون على الذين يعملون مع القاتل في قطاع واحد، وهو معنى الديوان.
أما ما يخص دية غير المسلم هو طبعا الجمهور مثل الإمام مالك والإمام أحمد قالا: إن الكتابي ديته نصف دية المسلم، ولكن مذهب أبي حنيفة هو الذي يعمل به اليوم في الإمارات، أي يسوون بين دية المسلم وغيرهن الحقيقة أنه ليس هناك ذمي اليوم في الإسلام فلا نتحدث عن الذمي؛ لأن الذمي هو الكافر الذي تحت السيطرة، وليس هذا موجودا وإنما الموجود هو المستأمن، وسواء عند الإمام أبي حنيفة كان المستأمن كتابيا أو يهوديا أو بوذيا أو مجوسيا فإن ديته تساوي دية المسلم، وهذا ربما يكون أحسن في هذا الزمان؛ لأن الناس تستورد كثيرا من هؤلاء الفنيين، وهذا لا مانع عندي منه.
ثالثا: أما ما يخص البهائم التي تعترض الطرق، أنا أرى أن يفرق بين البلاد، فبعض البلاد كالمملكة العربية السعودية قد قامت الحكومة فيها بعمل جيد، لكن هناك بلاد أخرى وهي البلاد التي أسكن فيها الآن على العكس من هذا، يقولون: أن الإبل تحترم ويعطون إشارات في هذا البلد: خذ انتباهك فيها الإبل، وحتى أن هناك في الغالب صاحب الناقة يكون له جانب عظيم في التعويض، إذن ينبغي أن تكون المسألة ذات شأن أعلى من مؤتمرات إسلامية، لكي توحد الدول قوانينها تجاه هذا الموضوع، لأننا الآن إذا تكلمنا عن هذا الموضوع، لازم أن نعرف قوانين الدولة، يقولون ذلك لا تمش في هذا البلد، وهنا كثير من الناس ماتوا لهذا السبب، هذه المسألة ينبغي أن ننظر فيها بما هو الأحسن.
стр. 12824
رابعا: فيما يخص التعزير بالمال كما قال الشيخ عبد القادر – جزاه الله خيرا – صحيح قال به بعض العلماء، من المالكية قال به ابن فرحون، وقال به ابن القيم، إذا لا مانع منه ومن الأحسن أن يعمل به؛ لأن لكل زمن ما يخصه في هذه الموضوع، وكما قال بعض الجماعة: إن التعزير في الزمان الأول يكون بنزع العمامة، خلع عمامة الإنسان هذا كان تعزيرا، استيقاف إنسان أمام الناس هذا أيضا كان تعزيرا، ومعنى ذلك أن لكل زمن خصوصية مما نص الشارع عليه، ولا مانع من ذلك.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
الشيخ خالد المذكور:
بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
لا شك أن هذا الموضوع من المواضيع المهمة ومن التي تقلق دول العالم جميعا، ولا شك أن الفقه الإسلامي سباق إلى مثل هذه المواضيع، ولكني كنت أود في هذه الجلسة أو في هذه الدورة بمناسبة بحث هذا الموضوع أن يتطلب من خبراء المرور كتابة بحث فيما يتعلق بتنظيم المرور الحديث، وفيما يتعلق بالسيارات وغيرها، وبما يتعلق بالراكب والراجل على وجه الخصوص؛ إذ أن كثيرًا من نظم المرور وتنظم المرور لراكب السيارة وتحمله الأخطاء وتعاقبه على خطئه، ولكن غالبها لا ينظم للراجل غير البهائم، ولا ينظم للراجل الإنسان كيف يستفيد من العلامات والإرشادات، وما هي العقوبة التي يوقعها عليه نظام المرور إذا خالف هذه العلامات وهذه الإرشادات على الطرق، فحتى نكون عمليين وحتى نستطيع أن نستفيد من هذه الأبحاث التي كتبت ومن هذه المناقشات التي ذكرت حبذا لو أن هناك من الخبراء من يعطينا مبحثا عن تنظيم المرور؛ لأن تنظيم المرور عالمي، يعني الإشارات والخطوط، هذه نجدها في كل دولة من هذه الدول حتى نستطيع أن نواكب ما هو موجود، وبالتالي نستطيع كذلك أن نضمن نظم المرور، هذه الأمور الشرعية التي نبحثها الآن. وجزاكم الله خيرًا.
стр. 12825
الشيخ وهبة الزحيلي:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
هناك الكثير من المسائل التي كنت أود أن أتحدث بها سبقني إليها الإخوة الكرام، وأريد أن أؤيدهم في هذا لما تبين جانب الصواب من غيره في هذه القواعد، ففيما يتعلق بالمسؤولية عن حوادث السير وهي بيت القصيد والعنصر الأهم في هذا الموضوع، ولا شك أنه ينبغي أن يكون التأصيل الشرعي مراعا فيه ما عليه أحوال الناس وأعرافهم في الوقت الحاضر؛ لأن تلك الأعراف إنما نسجت من أوضاع القوانين والأنظمة المعروفة للناس، كما أشار الدكتور خالد، ولذلك أصبحت تلك القوانين بمثابة أعراف محكمة في هذه القضايا، وفقهنا لا يعارض هذه الأعراف ولا تلك الأوضاع، لأنها تقوم على أساس توجيه المسؤولية بناء على وجود إما الخطأ وإما تلك الأوضاع، لأنها تقوم على أساس توجيه المسؤولية بناء على وجود إما الخطأ وإما التقصير وإما الإهمال، وأما إذا لم توجد هذه العناصر فإنه لا مسؤولية، هذا شيء. الشيء الثاني: كنت أود من الإخوة الكرام أن يستفيدوا في قضايا حوادث السير مما كتبه فقهاء الحنفية والمالكية عن تصادم الفارسين وتصادم السفينتين، فلهم كلام طويل وواضح في هذا الموضوع يمكن أن يعد ذلك أصلا في قضية حوادث السير، ولا يمكن أن نستبعد وجود الفرق بين السيارة والسفينة، فكلاهما يقومان على أساس المحركات المعروفة، فلذلك لم أجد أحدا تنبه إلى هذا وأشار إليه، ولذلك الاستفادة من موضوع تصادم السفن وما بحثه فقهاؤنا في هذا المجال يعد أصلا لكثير من المسائل التي تقع.
стр. 12826
أما القضايا الأخرى التي بحثها الأساتذة الكرام أو قضية العاقلة، فلا شك أن هناك مذهبين في هذا الموضوع: مذهب الجمهور ومذهب الحنفية، وقد جلى الموضوع الأستاذ الشيخ تقي في قضية وجود عنصر القبيلة وعدم وجود عنصر القبيلة، والحقيقة عالمنا العربي والإسلامي ما يزال منقسما في هذا الموضوع، فهناك أنظمة اجتماعية ما يزال للقبيلة والعشيرة تأثير فيها كدول الخليج والأردن في الشام، ولكن ما عدا الأردن مثل مصر وسورية لا تأثير لهذه الظاهرة على الإطلاق، ولهذا ينص ابن عابدين في هذا الموضوع حيث أن رابطة القبيلة والعشيرة قد زالت، والديوان لم يعد موجودا، فلذلك أرتأي ما ارتآه متأخرو الحنفية أن تكون المسؤولية على الفاعل أو الجاني أو المتسبب، هذا واضح في كلامه، بقية الفقهاء غير الحنفية ما يزالون يقررون أن المسؤولية في قضايا الخطأ هي على الجاني، وهذا رأي جمهور الفقهاء، ولكن ينبغي ألا ننسى أن ما يتعلق بقضية العاقلة القاعدة الشرعية المأخوذة من الأحاديث هي: أن العاقلة لا تعقل عمدا ولا عبدا ولا صلحا ولا اعترافا، فإذا وجد الاتفاق والإقرار أو الصلح عندئذ لا مجال لدور العاقلة، وهذا يخفف البحث عن تحميل العاقلة كثيرا من القضايا التي تقع في العصر الحاضر.
стр. 12827
أما ما يتعلق بقضية التغريم المالي فلا شك أن الاتجاه الحديث هو الأخذ بهذا المبدأ، وقد وجدت رسائل دراسات عليا في هذا الموضوع، وإن كان الغالب عند جمهور الفقهاء في الماضي عدم القول بهذا المبدأ فقد أصبح الاتجاه الحديث مناصرا لهذا المبدأ وأن العدالة وأن الأيسر على الناس هو أن يدفع شيئا من ماله ولا يتحمل شيئا من العقوبات الجسدية أو التأديبية.
أما قضية تطرق البهائم إلى الشوارع؛ أيضا أؤيد الشيخ تقي العثماني في هذا الموضوع، وأعتبر أن قضية الحديث في ناقة البراء بن عازب تصلح أساسا لكثير من القضايا، بالإضافة إلى الحديث الآخر: ((العجماء جبار والمعدن جبار والبئر جبار)) ، هذه القضايا عن هدر، هذه في الواقع لم تكن في الحوادث بالكثرة التي تقع الآن، فلذلك حديث البراء يعد ألصق بالموضوع في تحديد المسؤولية عن حوادث البهائم في الوقت الحاضر.
أخيرًا ما يتعلق بالقتل الخطأ كأني وجدت اختراقا في هذا الموضوع لدى سماعي للحديث في هذه القضايا، النص القرآني واضح؛ لأن قضية القتل الخطأ وكل حوادث الخطأ إنما فيها الدية أو فيها الأرش المالي لأنه قد لا يكون هناك قتل وإنما فيها الأرش، والأرش إما مقدر أو غير مقدر، والحكومة العدل وهي ما يقرره الخبراء، يمكننا أن نجعل الآية أصلا في هذا الموضوع، في قضية الدية أو حوادث الأرش، وأما فيما يخص القتل بعينه فلا بد من إصلاح العلاقة بين الإنسان وربه، وذلك عن طريق الكفارة، والكفارة القرآن واضح فيها في أنها هي صيام شهرين متتابعين، وانفرد فقهاء الشافعية بأنه إذا عجز عن الصيام فيمكن أن يأخذ بمبدأ إطعام ستين مسكينا، وهذا لم يقل به غير فقهاء الشافعية.
فقضية ما ينقل عن المرحوم الشيخ عبد القادر عودة وغيره في هذا الموضوع لا أجد له تلامسا صحيحا مع الدقة الفقهية التي نحن بأشد الحاجة إليها.
هذا ما ارتأتيه، فنرجو الله تعالى أن يوفقنا لما فيه الصواب.
стр. 12828
الشيخ عبد العزيز الخياط:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
أولا: أشكر الباحثين والأستاذ عبد القادر العماري عما قدموا، والاعتذار عنهم في إغفال بعض الأمور التي تتعلق بالسير؛ لأن الأمر جديد، وهو جديد من حيث كثرة الحوادث وتنوع المركبات المنتشرة في العالم والتي اهتم بها العالم، ثم رأيت أن الإخوة الباحثين اهتموا بما يتعلق بالأشخاص، ولم يكن ثمة اهتمام فيما يتعلق بالمركبات نفسها، أو بما يتلف من الأموال الخاصة والعامة من حوادث السير، ولذلك لا بد من التعرض لها، وسأتناولها بإيجاز نقطة نقطة، وكنت أتمنى صدوره من الباحثين – ولعل هذا أسلوب من الأساليب في البحث – وسأعمد إلى استخلاص ذكر القواعد العامة من أبحاث الفقهاء ثم أرتب عليها أو أستخرج الأحكام الشرعية التي نستنبط منها حتى يتبين الدليل المستخلص.
أولا: من المسائل التي تناولت، أنا مع تأييدي لما تناوله الإخوة الكثيرون مما كنت سأتناول بعضها، أولا: لا أقول بقيام النقابات العامة وإحلالها محل العاقلة، العاقلة إذا وجدت في بلد يمكن أن تكون كما ذكر الإخوة فهذا مطلوب، وأما غير ذلك فنحن أمام أمرين أو جهتين: أؤيد من قال بالتأمين، التأمين في هذا الأمر ربما يكون من أوسع أو من أفضل الأمور في دفع هذا الموضوع، وفي بعض البلدان ترجع الحكومة نفسها أو الحكومات نفسها إلى وضع التعويضات للناس في هذا الأمر إذا لم يتيسر التعويض من جهة معينة، كذلك أؤيد ما رآه الدكتور العماري في رأي الأحناف في تساوي الدية بالنسبة للمسلم وغير المسلم.
ثم لم يكن فيما قرأت من الأبحاث التفريق بين القتل العمد والقتل شبه العمد ورأي الأحناف في تنوع أنواع القتل وأرى أن ينظر فيها، ثم لم يتعرض الباحثون إلا قليلا لما يتعلق بإصابات العمل الناجمة عن حوادث السيارات إلا ما ذكره ونبه عليه الأستاذ الزحيلي في آخر الأمر، هناك إصابات تتعلق – كما هو معلوم – ليست بالقتل وإنما بإصابات وعاهات في هذا الأمر.
стр. 12829
وموضوع الأروش يمكن أن يستخلص من قواعدها العامة ما يطبق على حوادث السير إذا ثبت تعمد السائق أو الخطأ المتعلق بالسائق، أيضا أنا لا أفرق بين السيارة والدابة، نعم قد يكون هناك فرق، هذه آلة وذلك حيوان إلا أن خطأ الدابة أحيانا مثله قد يقع في السيارة عن غير رغبة من السائق، فإذا تلفت آلة حديد بالسيارة دون رغبة السائق فهو تماما خارج عن إرادته في هذا الموضوع. الإخوة أيضا لم يتعرضوا إلى مقارنة أو استعراض لأحكام السير في القوانين الحاضرة ورأي الشريعة فيها؛ لأن بعض هذه الأحكام قد تكون مخالفة للشريعة الإسلامية، ولذلك لا بد من التعرض لهذا الأمر.
ثم لم يحدث تعرض في الأبحاث فيما يتعلق بالمركبات الفضائية في النقل، ثم نقل الطائرات وحوادث الطائرات، وما يحصل لها من تصادم، ثم إذا سقطت هذه الطائرات، وطاقم الطائرة هل يكون مسؤولا أو لا؟ وهل يعتمد على الصندوق الأسود في بيان حوادث الطائرات أم لا؟ لأن في كل طائرة كما تعلمون صندوقا أسود يبين الخلل الذي حصل أو المتسبب في سقوط الطائرة أو الحوادث لها.
ثم أيضا مع أننا نتحدث عن السير أشار بعض الإخوان إلى سير الناس، لم تنظم هذه الأمور ونحن نعلم ما حدث في بلدان كثيرة ويحدث من تصادم الناس بعضهم ببعض، ما حدث في نفق المعيصم وما حدث مثلا في الطواف حول الكعبة في هذا العام من تزاحم هل يعتبر هذا ويطبق عليه أحكام السير أم لا؟. هذه أمور عامة.
ثم أمر آخر أقول به، لم يتعرض للمال العام الذي يصاف، يعني إذا أصابت السيارة مالا عاما، كأعمدة الكهرباء أو أتلفت الطريق، فهل يغرم السائق أم لا؟ بعض قوانين السير لم تتعرض لهذا، وهل من الضرورة أن نبين حكم الشريعة فيه أم لا؟ ونعلم أن بعض الطائرات تسقط على أموال عامة، كما تسقط أيضا على بيوت خاصة، من يدفع تعويض هذا؛ هل الدولة أم التأمين أم من تسبب في هذا الحادث؟
стр. 12830
هذه نقاط أحببت أن أنبه إليها، وأقترح في التوصيات أن يبين الحكم بالنسبة للمقتولين والمصابين من حوادث السير وما يتعلق بضمان المتلفات والجهة التي تدفع التعويض، ثم التعرض كذلك لموضوع الميراث عندما يتوفى أعداد من الطائرة، كيف يكون التوارث فيما بينهم؟ إذا كانت السيارة فيها إخوة أو فيها أقارب فمات بعضهم، والبعض الآخر لم يمت، هل يرث بعضهم البعض في مثل هذه الحالة؟ ومن يرث إذا ماتوا معها، نعم الفقهاء تعرضوا لهذا في حوادث الزلزال وحوادث الدفن الجماعي، لكن لا بد أن نتعرض لها في هذا الأمر.
هذه أمور أحببت أن أبينها، وأخيرا أقول: بالنسبة للتعزير بالمال أعتقد أن التركيز على التعزير بالمال وحده لا يكفي، أقول أن نترك الأمر كما تركه الفقهاء؛ لأن التعزير متعدد وأن مرجعه إلى القاضي، يرى حسب الظروف، وفي رأيي أن العقوبة البدنية ينبغي ألا تغفل؛ لأن التعزير وحده لا يكفي، ونحن نحتاج خاصة في كثرة حوادث السير في هذه الأيام واستهتار الكثيرين بحوادث السير واستهتار أبناء الأغنياء، وهذا يحدث في كثير من البلدان، وقد يكون سكران أو سهران إلى آخر ذلك مما يؤدي إلى وفاة أو إتلافات، فالتعزير بالمال وحده لا يكفى، فلا بد من التعزير بالعقوبات الجسدية.
وشكرا أخي الرئيس، والسلام عليكم ورحمة الله.
стр. 12831
الشيخ محمد المختار السلامي:
بسم الله الرحمن الرحيم، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه.
شكري لمقدم الموضوع ولمن تقدمني، فقد أغنوني عن كثير من القضايا التي كنت أريد أن أبسطها وإن بقيت بعض المسائل.
أولا: من ناحية التقعيد، فإني أرى أن قضية قتل الخطأ في الشريعة الإسلامية هي قضية سلكت فيها مسلكا خاصا لا نجده في غير هذه القضية من القضايا؛ لأن من شأن الخطأ أنه معفو عنه وأنه إذا ترتب منه ضرر للغير تحمل المخطئ جبر الضرر بمقدار الضرر، هذه القواعد التي سارت عليها الشريعة لا نجدها تسير هذا المسلك في القتل، وفي قتل الخطأ سلكت الشريعة أن الشخص الذي قتل يجبر الضرر حبرا يختلف عن البقية؛ لأن قيمة الإنسان أو قيمة الحياة هي كما قال تعالى: ﴿فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٣٢] .
الأمر الثاني: أنه لا يتحمل هو نتيجة الخطأ، ولكن تتحمله العاقلة أو العائلة الكبرى، وهما مسلكان انفرد بهما الخطأ وأحكامه، ولذلك عندما يعمل مثل المفتي في قياس القضايا قتل الخطأ أو التعدي خطأ بالنسبة للأنفس وبالنسبة للجوارح، عليه ألا يند به جماح القياس، فيقيس هذه القضية على بقية قضايا الخطأ.
стр. 12832
الأمر الثالث: هو أن المخطئ تارة يبقى حيا وتارة يموت هو أيضا، فإذا مات المخطئ فلا بد من البحث في القضية هذه وفي أحكامها.
الأمر الرابع: الذي تقدمني به الدكتور الخياط، وهو لا بد من تقسيم وسائل النقل إلى وسائل تسير في البر وفي البحر وفي الجو، وهي متحدة الأحكام ومختلفة الأحكام، فقضية القتل أو التعدي أو الخطأ تتناول المحاور الآتية:
أولا: الدية وقد كثر الكلام في الدية ومن يتحملها. لما جاء الإسلام كان هناك نظام اجتماعي أقره الإسلام، هذا النظام الاجتماعي موجود في الوضع الإسلامي في عهد رسول الله ﷺ ، لكنه غير ما هو موجود في بقية المجتمعات الأخرى، إن تطور الزمن وظهور ظاهرتين، هما التحرر من ناحية، ثم وسائل النقل المساعدة على تجرؤ العائلات وانتقالها من مكان إلى مكان؛ أفقد من معظم بلاد العالم الإسلامي العاقلة أو الأسرة الكبيرة، ولم يبق إلا في بعض المناطق أو في بعض البلدان، إذا قيست بمليار مسلم كان جزءا قليلا، فلا تهمل العاقلة حيث وجدت، إذا بقي النظام الاجتماعي في بلد من البلدان على الترابط فلا بد من نظام العاقلة، فالعاقلة أمر قررها رسول الله ﷺ واستمر الأمر عليها في كل بلد من البلدان عليه، فإذا انتهى من بلد أو أن النظام الاجتماعي لا يقوم على أساس الأسرة الكبيرة وعلى أساس الترابط فأعتقد أنه لا وجه للحديث عن العاقلة هنا، ولا يمكن أن أجعل أو أقيس قضية العاقلة على النقابات، لأنه ما قتل شخص ولو خطأ إلا ولا بد أن هناك من تقصير، تقصير ولو جزئي، وشأن الأسرة أنها تترابط فيما بينها حتى بتأديب الشخص، هذا غير موجود في النقابات.
بالنسبة لما نقل عن الشيخ عبد القادر عودة رحمه الله تعالى، فإجلالنا أو إكبارنا لهذا الشخص وجهاده واستشهاده، هذا الرجل لا يسبغ عليه جهاده أن يصبح فقيهًا مجتهدا يرجع إلى كلامه، ولا موته يعطيه هذه القيمة، فما أظن أن الشيخ عبد القادر عودة قد وصل إلى درجة الاجتهاد حتى يصبح كلامه بعد موته مرجعا يرجع إليه، وإن ذكره في كتبه، فإن وضعنا الاجتماعي ووضعنا الحضاري ألزم ألا تهدر الأرواح البشرية وألا تضيع العائلات؛ لأن شخصا ملك سيارة فقتل رب العائلة أو قتل الزوجة وأبقى البنين يتامى، لا بد من حل لهذه المشكلة، والحل ظفر به الغرب في التأمين، لكن كانت الصورة للتأمين في الغرب فيها كثير من الباطل وفيها شيء من الحق، فقد وصل علماء المسلمين في عصرنا هذا إلى التأمين التعاوني، فلو أخذت الدول بالتأمين التعاوني الإلزامي لكل من يملك سيارة يسير بها حفظا لحقوق العائلات وحفظا للأيتام من التعدي عليهم، لكان ذلك صوابا وأمرا مؤكدا.
стр. 12833
ثانيا: الكفارة، والكفارة من الأشياء التي سلك بها التشريع الإسلامي بالنسبة للخطأ غير المسالك الموجودة في الأخطاء الأخرى في بقية أنواع القضايا، فقد يخطئ الإنسان فيفسد مال غيره، وقد يخطئ الإنسان فيتصل جنسيا بزوجة غيره وأنواع الخطأ كثيرة لكن ليس هناك إلزام بكفارة إلا هنا؛ لأن النفس البشرية أو الحياة قيمتها قيمة خاصة، وبذلك يشعر الإنسان دائما في ضميره وفي ذاته وفي باطنه أنه قتل نفسا وإن كان خطأ، ولهذا حتى تجد النفس اللوامة ذلك النقص كان من حكمة الشريعة أن وضعت في مقابل النفس المقتولة نفسا تحرر من الأسر، ولذلك وقعت البشرية في نظري عند حدود إما القتل وإما إحياء نفس بتحريرها وإما بتنظيف باطن الإنسان بصورة الصيام، ولا يمكن أن نجعل القضية المالية أو دفع المال مساويا لما ذكرت، لأني قلت: إن مسلك الشريعة في قتل الخطأ والتعدي خطأ على الإنسان هو غير مسلكها في غيره.
التعزير، الحقيقة إن التعزير لا يكون إلا إذا كان هناك تعمد بمعنى أنه يندر صدوره في القتل الخطأ، فإذا كان يندر صدوره في قتل الخطأ ولكن هناك من ناحية أخرى التقصير، تقصير معتمد من صاحب السيارة أو من صاحب المركبة أو من صاحب الطائرة أو من شركة الطيران أو من شركة البواخر، فهنا يأتي التعزير، بما يمنع المستعملين لهذه الوسائل من التحرر بهذه الوسائل الفتاكة بالبشرية، والتعزير أراه واجبا ومؤكدا وأن يقنن تقننيا واضحا، وهذا التعزير قد يكون بالمال وقد يكون بالسجن وقد يكون بما يراه من ينظر في المصلحة العامة، ما يراه أولى وأجدر بردع الناس في تجاوزهم لحدود استعمال هذه الوسائل.
أمر آخر: وهو السائر في الطريق، إذا تسبب في الحادث، قطع الطريق في مكان ليس له الحق أن يقطعه فإذا بالسائق يضغط على الكابح فصدم وجهه أو الذي بجانبه على البلور الأمامي فمات، فإذا وقعت مثل هذه الواقعة فم إذا يتحمل السائر في الطريق الذي تسبب في موت السائق في السيارة؟ وهو من النواحي التي ينبغي أن تبحث في نظري.
стр. 12834
ثالثا: من القضايا التي ينبغي أن تبحث وهي: السيارة نفسها إذا انفجرت فتسببت في المشاكل التي عرض لها الدكتور الخياط – جزه الله خيرا – وكذلك القضية التي تعرض لها فضيلة السيد الرئيس، وهو: ما هو الحكم إذا انفلتت وشردت؟ أي إذا كانت السيارة اصطدمت بسبب الشرود، وكثيرا ما وقع، يسوق السيارة بقوة أو هو يضغط على المنبه بقوة فتشرد السيارة فتشرد الدابة فترتطم بالسيارة فيموت السائق أو بعض من يحمله أو يعطب له عطب، هذه قضية لا أقول فيها حكمي، لكن لا بد أن تبحث وأن يعطي لها حكم في مثل هذا.
الأمر الآخر: وهو أنه قد يكون المتسبب في حوادث السير الدولة، بما أن الدولة هي المحافظة على الطريق، وهذا نجد له أثرا في مقالة عمر: أنه يخشى على نفسه "لو عثرت دابة" وإهمال الدولة هذا يجب أن يبحث أيضا، وأن يعطي له أحكام، وأن تعرف الدولة أنها مسؤولة، وأن القضاء يحاكمها إذا كانت هي السبب في الحادث الذي وقع للسيارة فمات بها السائق أو مات بها من معه، ولهذا أرى في موضوع كهذا الذي وقعت دراسته من كثير ممن تقدمنا أو خاصة عن استعمال هذه الوسائل من قبلنا وأعطوها صورا كثيرة وأحكاما كثيرة، فأعتقد أنه لا بد من تتبع قانوني ثم تسوية الحكم الشرعي على الصورة التي أبرزها القانونيون عبر قرن كامل.
هذا ما أردت أن أعقب به وشكرا لكم على الاستماع. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 12835
الدكتور درويش جستنيه:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
النقطة الأولى: فيما يتعلق بموضوع المتسبب في الحادث، والمتسبب - كما ذكر الدكتور الخياط وغيره – إما أن تكون له ثروة بحيث إنه لا يهمه التعزير المالي ويعيث في الأرض فسادا، فلذلك ينبغي أن نقول: أن التعزير المالي والبدني في حوادث السير وغيرها ينبغي أن يكون بالشكل الذي يرضاه الدين الإسلامي.
النقطة الثانية: لم يتعرض كثير من السادة الأفاضل في بحوثهم عن مسؤولية الشركات والمؤسسات الناقلة لأن الاتجاه الحديث الآن النقل الجماعي بالأوتوبيسات بالقطار وبالسفن والنقل السياحي إلى آخره، هذه الوسائل تختلف عن العربة التي يملكها الشخص، وهناك أصحاب السيارات والسائقون وأولياء الأمور والأطفال الذين يقودون برخص قيادة إلى آخره، مشاكل كثيرة ومسؤوليات كثيرة، فلا بد أن تكون هذه محصورة، أقصد أن تكون ملاحظة في كتابات الذين يتحدثون عن مشاكل وحوادث السير؛ لأن المسؤوليات لو وجدت في شركة النقل، هل نقول: هي مسؤولية السائق، فالسائقون فقراء وليس لدهم مال حتى لو ألزمناهم، فهل نلزم الشركة أن تؤمن؟ وبالتالي نخرج من هذه المشكلة، مشكلة التأمين، فنقول بإلزامية التأمين، تفاديا لهذه الحوادث، أرجو أن يكون محور الحديث يدور حول أشياء أوسع من المسؤولية المباشرة لسائق سيارة الركوب العادية.
стр. 12836
النقطة الثالثة: ينبغي أن يقودنا الكلام عن حوادث السير إلى موضوع هام جدا، أقترح أن يدرس في إحدى دورات المجمع إن شاء الله، وهو عن المخاطر الصناعية، والمخاطر التجارية، والمخاطر العمالية، والحوادث الصناعية التي تقع، وهدم المنازل؛ هذه مسائل مهمة، هذه المصانع والصناعات الكبيرة سمة من سمات العصر، فلو تصورنا مثلا أنه حدث فيها انفجار كبير من المسؤول؟ المصنع أو الشركة؟ وكيف يتم هذا أو كيف تتم معالجته؟ وعلى أي أساس؟ أيضا هدم المنازل، هل المسؤول أو المالك أو المقاول أم المهندس أم المخطئ أم الحكومة التي اطلعت على المخططات قبل الإنشاء؟ أيضا هذه مشاكل مهمة تتعلق بأرواح الناس ومتلكاتهم، المخاطر الصناعية كثيرة منها المباشر مثل التلوث ومنها غير المباشر، فأرجو أن تتاح الفرص لمثل هذه الأشياء.
مسألة أخرى أيضا مهمة، أريد أن أوجه إليها، وهي الغش التجاري الذي يؤدي أحيانا إلى التسمم والهلاك؛ إما بطريق الغذاء أو عن طريق الاستعمالات الأخرى، وإما أن تؤدي إلى الهلاك أو الإصابات بالأمراض المختلفة، فإذن هذه مسائل لا بد أن نلاحظها في إحدى دورات المجمع ونتكلم فيها.
لذلك أقترح أن تدرس المخاطر والمسؤوليات الجنائية كوحدة واحدة، وفي النهاية تصل إلى شيء، هل نقول بإلزامية التأمين على أساس أن هذا يحقق مسألة شرعية معتبرة أم لا؟ أي ننتهي إلى هذه النتيجة وبعدها ندرس هذه الأشياء، ولا شك أننا جميعا نشعر بأهمية هذه المسائل للعمل التجاري والصناعي وهذه الأمور المتقدمة، وحوادث السير جزء من هذه الأمر.
وأرجو الله التوفيق وأشكركم على إتاحة الفرصة، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 12837
الدكتور عمر جاه:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد ﷺ ، الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.
أشكر فضيلة الرئيس وأشكر للمشائخ والعلماء الذين كتبوا في هذا الموضوع، وأشكر للذين تدخلوا وعلقوا تعليقات جيدة، ومما لا شك فيه أن الذين تدخلوا قبلي أغنوني عن كثير من النقاط التي كنت أود أن أتناولها في هذا التعليق الموجز، لكنني أود أن أشير إلى أن وسائل المرور التي تكلم عنها الفقهاء تطورت وتنوعت وتشعبت، وقد أضيفت إليها الآن وسائل أخرى، فالنقل الجوي والمرور الجوي لم يتناولهما العلماء لأنهما غير معروفين في زمنهم، ومن الملاحظ أن الفقهاء الذين تناولوا البحث في هذا الموضوع ركزوا على جوانب معينة ولعل عامل الوقت لم يسعفهم للتنبه إلى جوانب أخرى من الأهمية بمكان، فالنقل ومشاكل المرور تتعلق به أشياء كثيرة تمس حياتنا كدول وكشركات وأفراد، فالنقل يعتمد عليه اقتصاديات الدول والتعامل التجاري والاقتصادي، والتعامل الصناعي يعتمد اعتمادا كليا على النقل.
ومما لا شك فيه أن دولنا الإسلامية التي كلفتنا بالنظر في هذه المسائل الشرعية للخروج بحلول من الممكن استعمالها، هذه الدول التي كونت المجمع والتي نمثلها والدليل على ذلك أن كل واحد منا يجلس أمام علم من الأعلام، وهذه الأعلام تشير إلى الدول، فهذه التكلفة تشمل أشياء كثيرة، وأن هذه الدول قننت ووضعت أنظمة للمرور، هي قوانين ينبغي أن نستأنس بها وأن نستنير بها في كل فتوى نصدرها من هنا، وقد سبقني في هذا مشائخ، الشيخ خليل أشار إلى هذا، والشيخ الخياط أشار إليه كذلك وغيرهما من المتكلمين، ولكنني أريد أن أضيف إضافات بسيطة هذا مما تفضلوا بها، فقوانين المرور في الوقت الحاضر هي قوانين دولية معروفة لدى الجميع، تقنن وتحمل المسؤولية على ثلاث جهات مختلفة، هناك الشيخ السلامي جزاه الله خيرا أشار إلى مسؤولية الدولة، فالطريق لها اعتبارات في تحميل المسؤولية، والمركب له اعتبارات والسائق عليه المسؤولية، ولذلك نرى أن الدول في قوانينها المرورية سواء المرور البحري أو الجوي أو البري تؤهل السائق؛ لأن هذا السائق يخضع لاختبارات متعددة وشائكة لكي يضمن أنه يستحق المؤهل لكي يسوق، وأما المركب فينبغي أن يكون في حالة جيدة، وأن الطريق ينبغي أن يكون في حالة جيدة.
стр. 12838
ويقولون: ما من حادث حدث إلا ووراءه خطأ، فينبغي أن يكون هناك من يتحمل مسؤولية هذا الخطأ، إذا كان السائق لا يجيد السياقة فهو مخطئ أو إذا كانت حالته غير جيدة أو سكران أو غير ذلك، وأن المركب ينبغي أن يصان ويؤكد أنه صالح للسير، وأن الطريق الذي يسلكه صالح أيضا. ومن هنا ينبغي، قبل إصدار أي فتوى أن نكون على بينة من القوانين التي تطبقها دولنا فيما يخص هذه المسألة، لأنه من الواضح البين أننا كلفنا بالبحث عن مشاكل شكلية نستطيع أن نقدم فيها حلولا لدولنا، وكيف نستطيع أن نقدم فتوى إلى دولة من الدول الإسلامية إذا لم نكن ملمين ومستنيرين بقوانين المرور التي تستعمل في هذه الدول؟
ولذلك وددت أن أضيف هذه الإضافات البسيطة إلى ما تفضل به العلماء الذين سبقوني في التعليق على هذا الموضوع الهام، والسلام عليكم ورحمة الله.
الشيخ علي السالوس:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله.
توضيحات قليلة؛ لأن الإخوة شكر الله لهم وجزاهم خيرا، أفادوا في هذا الموضوع، بالنسبة للذين رفضوا تحمل النقابات وأجازوا التأمين، أقول هنا بأن تحمل النقابات هو نوع من التأمين التعاوني، النقابة عندما تتحمل هي تأخذ أصولا من أعضاء النقابة، هذا نوع من التأمين التعاوني فهو أولى، أما التأمين التجاري فقرار المجمع فيه واضح ولا يجوز أن نلجأ إليه إلا عند الضرورة. يعني الإنسان إذا كان غنيا قادرا على أن يتحمل الدية لا يلجأ إلى التأمين، إنما إذا كان - كما تفضل الشيخ عبد القادر العماري – لا يستطيع أن يتحمل الدية ومن هنا يباح له في هذه الحالة أن يؤمن تأمينا تجاريًّا.
بالنسبة للنقابات والوزارات والهيئات، أنا أعتقد أن المجمع عندما يصدر قرارا أو توصيات يجب أن يدعو هؤلاء إلى أن يجعلوا من ضمن أهداف التأمين عندهم حوادث المرور.
стр. 12839
بالنسبة للكفارة: أعتقد أن عتق الرقبة فيه معنى الإحياء مقابل الموت وليست المسألة مادية بحتة، فتحرير الرقبة هنا فيه معنى الإحياء، ولذلك وجدنا أن فك الرقبة والإطعام والصيام والمال المنصوص عليه، إذن المسألة ليست مسألة مال فقط، وأرجو أن يوضع في قرارنا الحالات التي يكون فيها السائق غير مسؤول؛ لأن هذا يكاد يقطع الآن المعروف بين الناس، واحد يسير بسيارته يخشى أن يركب معه أحد حتى لا تحدث حادثة فيصبح مسؤولا، لذلك أرجو أن نوضح هذا جيدا، ويكون واضحا بارزا.
وفي المقابل كذلك نوضح الحالات الأخرى، وجدنا من يتسابق في الشوارع العامة، يتسابقون بسيارات في الشوارع العامة، هؤلاء هل يعتبر قتلهم قتل خطأ أم يعتبر عمدا أو شبه عمد؟ هي نقطة أرجو أيضا أن توضح.
بالنسبة كذلك للبهائم، وهذه حوادثها كثيرة في بعض البلاد، أرجو أن يكون القرار واضحا بالنسبة لمسؤولية صاحب هذه البهائم، متى كان مستطيعا أن يمنعها من أن تتسبب في الحوادث.
بالنسبة للمتسبب والمباشر، أرجو أيضا أن يكون واضحا؛ لأن أحيانا كثيرة يكون المباشر غير مسؤول ويكون المتسبب هو المسؤول.
تصادم السفن والفارسين، بعض الإخوة أشاروا إليه في أبحاثهم – جزاهم الله خيرا – ووضحوه توضيحات طيبة. ونشكرهم ونكتفي بهذا، والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.
стр. 12840
الشيخ عبد الله بن منيع:
بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله على نبينا محمد، وبعد:
أقدر لإخوتي الأعزاء الباحثين: الدكتور عبد القادر العماري، والشيخ تقي العثماني، والدكتور عبد الله محمد، والأستاذ محمود شمام، ومحمد عطا؛ أقدر لهم هذه المجهودات الجيدة التي أثرت الموضوع ثراء علميا، نعتز باقتنائه والحصول عليه، فجزاهم الله خيرا.
في الواقع: محبكم أحد أعضاء هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية، والدكتور عبد القادر العماري أشار إلى ما صدر من الهيئة، وأحب أن أذكر حقيقة ما صدر من الهيئة أو حقيقة الأمر الذي جرى عند هيئة كبار العلماء.
في الواقع موضوع حوادث السير عرضت على الهيئة وأعد فيها بحث، هذا البحث تناول ما ذكره الفقهاء من تصادم السفن والخيول والإبل وغيرها من المراكب، وتأملوا في الموضوع وقارنوا بين هذه الصور التي ذكرها فقهاؤنا الأجلاء القدماء وبين حوادث السير الناتجة عن مخالفات وتجاوزات، فوجد أن هناك فارقا كبيرا بين الصور التي ذكرت في السابق وبين حوادث السير، ذلك أن حوادث السير في الواقع تحكمها أنظمة، هذه الأنظمة صدرت من جهات مختصة بالسير والمرور تعنى بنظام الطريق وتعنى بنظام منح رخصة السير، وتعنى بما يجب أن تكون عليه آلة السير من صلاحية كاملة لا تكون سببا من أسباب التفريط والتعدي والتقصير في تسليطها على هذه الطرق وبالتالي تسليطها على من يتأذي بسيرها والحال أنها غير مؤهلة لذلك؛ الهيئة بحثت الموضوع ولكنها رأت أن حوادث السير في الواقع ليست منضبطة حتى يصدر فيها قرار، وإنما هي محكومة بهذه الأنظمة، وكل قضية من قضايا حوادث السير لها في الواقع أحوالها الخاصة، فهذه القضية أحد المتسببين يتحمل نسبة كبيرة من حيث خطؤه وتقصيره، والآخر قد لا يتحمل نسبة صغيرة، فقد وكل الأمر إلى القضاة أنفسهم وإلى ما يقدم إليهم من قرارات فنية من الجهات المعنية بالمرور.
стр. 12841
هذا جانب، وجانب آخر بحثته هيئة كبار العلماء وهو ما يتعلق بتضمين أصحاب المواشي الذين يطلقون مواشيهم، فبحثوا الموضوع وانتهوا إلى القرار الذي تفضل بالإشارة إليه فضيلة الدكتور عبد القادر، وهو أن الدابة ضمانها هدر، ثم نظروا هل يمكن أن يضمن صاحب الدابة ما تلف من هذا الحادث فترددوا في إصدار قرار، ورأوا أن ذلك ينبغي أن يعود إلى القضاء نفسه، فالقضاء هو الذي يقدر المسؤولية، وبالفعل وجه هذا التوجيه إلى بعض القضاة الذين أثاروا الموضوع لدى هيئة كبار العلماء، وفي نفس الأمر صدرت قضايا من القضاة في المملكة بتضمين بعض ملاك المواشي، وجاءت هذه القضايا أو هذه الأحكام إلى محكمة التمييز وأيدت هذا.
والأمر كما تفضل به فضيلة الرئيس من أن الأمر بتضمين الملاك ليس على إطلاقه، ولكن ينبغي أن يلاحظ أن لديهم من التفريط وعدم الاهتمام بمواشيهم ما يجعلهم مسؤولين من حيث الجملة.
هذه ناحية، وناحية أخرى وهي ما يتعلق بالتردد في قبول العقوبة المالية، وبعض الإخوة المعلقين قالوا بهذا التردد، في الواقع إن العقوبة – كما هو معروف – تكون عقوبة جسدية من حيث الجلد أو الحبس وتكون عقوبة مالية، وللإمامين الكريمين رحمهما الله، شيخ الإسلام ابن تيمية وتليمذه ابن القيم مجال واسع في توضيح هذه المسألة وفي ذكر مجموعة كبيرة من الأمثلة التي تدل دلالة واضحة لا غبار عليها في أن العقوبة المالية معتبرة، فيمكن أن يصادر مال ويمكن أن يحرق مال، ويمكن أن يغرم المتسبب، وتكون هذه الغرامة لمن تضرر بهذا السبب، وفي الطرق الحكمية وفي الحسبة الشيء الكثير مما ذكرت.
стр. 12842
نقطة سمعتها كذلك من الإخوة – جزاهم الله خيرا – وهي: إثارة بدل الرقبة، الرقبة الآن في الكفارة غير موجودة أو متعسرة، يتعسر الحصول عليها، وقال بعض الإخوة: يمكن أن نأخذ بالبدل المالي، ولكن لو نظرنا إلى ما ذكره علماؤنا الأفاضل حدثا وسلفا، لا نجد أحدا فيما أعلم قال بهذا القول، وهذا يذكرنا بفتوى صدرت وصارت مجال تندر، وقد صدرت من أحد الفقهاء في الأندلس حينما كان من الوالي جماع زوجته في نهار رمضان، فأفتاه بأن عليه أن يصوم ولا يعتق رقبة، ولفتواه شيء من النظر، لكنها مخالفة للإجماع فهي مردودة، وقال في فتواه: إن لديه الاستعداد أن يعتق مئات من الأرقاء في سبيل إشباع شهوته وانتهاك حرمة رمضان، فرأى أن يعاقب بالصوم، ولكن هذه النظرة بالرغم من أن لها من حيث ما يبررها، أو لها ما يجعلها مقبولة من حيث العاطفة لا من حيث الدلالة الشرعية، فهو يقول: يمكن أن يعتق مئات الأرقاء ويتمتع بشهوته، ولكنه لا يستطيع أن يصوم شهرين أو يصوم لكل واقعة شهرين، فأفتاه بالصيام دون الإعتاق، ولا يخفى أن الكفارة مبنية على الترتيب: عتق رقبة فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فكانت هذه الفتوى مجال تندر، والحاصل أنه لا ينبغي لنا أن نأتي بشيء لم يقل به أحد من أهل العلم، فقد كفينا، لكن حينما نختار بعض آراء لعلمائنا الأفاضل ونقول: إن المقتضى يقتضي الأخذ بها، هذا يمكن أن يكون، أما أن نأخذ بشيء لم يقل به أحد، وهو مخالف للنص، فهذا لا يجوز أن نأخذ به، وإن كنا نستحسنه من حيث العاطفة ومن حيث انشراح الخاطر له، وعلى كل حال، نحن بشر، والله تعالى حكيم حميد، وقد مَنَّ علينا بهذا التشريع المبارك، وهو أعلم بنا وبما يصلح أحوالنا.
فهذا ما أحببت أن يشار إليه، وشكرا يا فضيلة الرئيس وأيها الإخوة الأعزاء.
стр. 12843
الرئيس:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
من هذه المداولات التي تمت في حوادث السير تناولت الجوانب الآتية:
الجانب الأول: ترتيب المسؤولية في حوادث السير، والاتجاه الآن إلى نسبة التسبب.
والملحظ الثاني في العاقلة، والثالث في الكفارة، والرابع في التعازير المالية، والخامس في تغريم صاحب الدابة.
وعلى الرغم من أن البحوث لم تتناول هذه المسائل الخمسة بأكملها، وإنما تناولت عددا منها، إلا أن المناقشة تجاوزت إلى هذه المسائل وإلى مسائل فرعية أخرى، إضافة إلى أن التوجه العام الذي تفيده المداولة في هذه المسائل هو أنها أو عددا منها بحاجة إلى مزيد من البحث واستقطاب النظر وإحضار الدارسات المتخصصة في هذا الموضوع، وبجانب ذلك يوجد بعض المسائل يمكن أن يوضع فيها التقعيدات الفرعية الشرعية التي اتضحت من خلال المداولات وأن يبت فيها بالرأي، والمقرر والعارض على بصيرة بذلك.
ويمكن تأليف اللجنة لهذا من أصحاب الفضيلة: الشيخ عبد الله البسام، والشيخ تقي العثماني، والشيخ وهبة الزحيلي، والشيح علي التسخيري، والدكتور عبد الله محمد؛ بالإضافة إلى العارض والمقرر. مناسب، وبهذا ترفع الجلسة، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 12844
القرار
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين
وعلى آله وصحبه
قرار رقم: ٧٥ / ٢ / د٨
بشأن
حوادث السير
إن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره الثامن ببندر سيري باجوان، بروناي دار السلام من ١ إلى ٧ محرم ١٤١٤ هـ الموافق ٢١ – ٢٧ يونيو ١٩٩٣ م.
بعد اطلاعه على البحوث الواردة إلى المجمع بخصوص موضوع: "حوادث السير".
وبعد استماعه إلى المناقشات التي دارت حوله.
وبالنظر إلى تفاقم حوادث السير وزيادة أخطارها على أرواح الناس وممتلكاتهم، واقتضاء المصلحة سن الأنظمة المتعلقة بترخيص المركبات بما يحقق شروط الأمن كسلامة الأجهزة وقواعد نقل الملكية ورخص القيادة والاحتياط الكافي بمنح رخص القيادة بالشروط الخاصة بالنسبة للسن والقدرة والرؤية والدراية بقواعد المرور والتقيد بها وتحديد السرعة المعقولة والحمولة.
قرر ما يلي:
١- أ- أن الالتزام بتلك الأنظمة التي لا تخالف أحكام الشريعة الإسلامية واجب شرعا، لأنه من طاعة ولي الأمر فيما ينظمه من إجراءات بناء على دليل المصالح المرسلة، وينبغي أن تشتمل تلك الأنظمة على الأحكام الشرعية التي لم تطبق في هذا المجال.
стр. 12845
ب- مما تقتضيه المصلحة أيضا سن الأنظمة الزاجرة بأنواعها، ومنها التعزير المالي، لمن يخالف تلك التعليمات المنظمة للمرور لردع من يعرض أمن الناس للخطر في الطرقات والأسواق من أصحاب المركبات ووسائل النقل الأخرى أخذا بأحكام الحسبة المقررة.
٢- الحوادث التي تنتج عن تسيير المركبات تطبق عليها أحكام الجنايات المقررة في الشريعة السلامية، وإن كانت في الغالب من قبيل الخطأ، والسائق مسؤول عما يحدثه بالغير من أضرار سواء في البدن أو المال إذا تحققت عناصرها من خطأ وضرر ولا يعفى من هذه المسؤولية إلا في الحالات الآتية:
أ- إذا كان الحادث نتيجة لقوة قاهرة لا يستطيع دفعها وتعذر عليه الاحتراز منها، وهي كل أمر عارض خارج عن تدخل الإنسان.
ب- إذا كان بسبب فعل المتضرر المؤثر تأثيرا قويا في إحداث النتيجة.
стр. 12846
ج- إذا كان الحادث بسبب خطأ الغير أو تعديه فيتحمل ذلك الغير المسؤولية.
٣- ما تسببه البهائم من حوادث السير في الطرقات يضمن أربابها الأضرار التي تنجم عن فعلها إن كانوا مقصرين في ضبطها، والفصل في ذلك إلى القضاء.
٤- إذا اشترك السائق والمتضرر في إحداث الضرر كان على كل أحد منهما تبعة ما تلف من الآخر من نفس أو مال.
٥- أ – مع مراعاة ما سيأتي من تفصيل، فإن الأصل أن المباشر ضامن ولو لم يكن متعديا، وأما المتسبب فلا يضمن إلا إذا كان متعديا أو مفرطا.
ب- إذا اجتمع المباشر مع المتسبب كانت المسؤولية على المباشر دون المتسبب إلا إذا كان المتسبب متعديا والمباشر غير متعد.
ج- إذا اجتمع سببان مختلفان كل واحد منهما مؤثر في الضرر، فعلى كل واحد من المتسببين المسؤولية بحسب نسبة تأثيره في الضرر، وإذا استويا أو لم تعرف نسبة أثر كل واحد منهما فالتبعة عليهما على السواء.
والله أعلم
стр. 12847
التطبيقات الشرعية
لإقامة السوق الإسلامية
التطبيقات الشرعية
لإقامة السوق الإسلامية
إعداد
الدكتور علي محيي الدين القره داغي
جامعة قطر – كلية الشريعة
стр. 12848
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين محمد وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه إلى يوم الدين. وبعد:
فإذا كانت الشعوب المسلمة قد خطت خطوات جادة في سبيل عودتها إلى نظامها الإسلامي، ولا سيما في نطاق الاقتصاد من خلال إنشاء المصارف والشركات الإسلامية، حيث أدت دورا جيدا في جذب أموال المسلمين وتدفقها عليها واتساع آفاق التمويل؛ فإن الحاجة ملحة جدا لأن تخطو الدول الإسلامية خطوة جادة أخرى لإيجاد سوق ثانوية لتغطية رؤوس أموالها، لها أدواتها المشروعة وآلياتها الفعالة تكون بمثابة رئتها التي تتنفس فيها شهيقا وزفيرًا، وذلك لأن البنوك الإسلامية اليوم كأنها تسير على رجل واحدة تمثل في السوق الأولوية، أما رجلها الثانية المتمثلة في السوق الثانوية (البورصة) فلا تزال لم تكتمل على الرغم من أهميتها القصوى وحاجتنا الماسة إليها وذلك لأنها الوعاء المتكامل للفائض من سيولة البنوك الإسلامية وامتصاص حاجتها.
فالبنوك الإسلامية إذا لم تحقق لنفسها سوقا إسلامية ثانوية ستظل أسيرة النظام المالي العالمي المتحكم في تدوير أموال الشعب (١) .
لذلك سيكون من أولى الواجبات البحث عن هذه السوق المالية الإسلامية وعن مجموعة كبيرة من آلياتها المشروعة وأدواتها المباحة شرعًا.
стр. 12849
إضافة إلى أن عالمنا الإسلامي قد حباه الله تعالى بوفرة موارده وثرواته ومعادنه ومواده الخام وكثرة السيولة النقدية حتى أن الاستثمارات العربية الخليجية في الغرب تقدر بأكثر من سبعمائة مليار دولار، ومن هنا فإعادة توطين هذه الأموال المهاجرة إلى خارج البلاد تتطلب تعاون الدول الإسلامية لإيجاد سوق إسلامية لرأس المال الإسلامي وتسييله وتدويره لخدمة الأهداف التنموية وتحقيق التكافل والتوازن والتكامل، وفي حالة عدم قيام الدول الإسلامية بهذا الواجب فإن على البنوك الإسلامية والمجامع والهيئات الفقهية أن تبذل كل جهودها للوصول إلى هذا الهدف ولا تألو بأي جهد فكري أو مالي لتحقيق هذا الغرض الملح.
وللإحساس بهذه الأهمية قام مجمع الفقه الإسلامي الموقر بعقد عدة ندوات في المغرب وفي البحرين لبحث الأسواق المالية الإسلامية ضمت عددا كبيرا من الخبراء والباحثين والمتخصصين في مجال الاقتصاد والفقه الإسلامي، بل ناقش المجمع في دورته السابقة مجموعة من البحوث حولها ووصل فيها إلى عدة حلول مرجئا بقية موضوعاتها إلى دورته الثامنة المقبلة إن شاء الله، وكذلك عقدت ندوات فرعية من قبل بعض البنوك حول السوق المالية وأدواتها الشرعية.
وتأتي عناية مجمع الفقه الإسلامي الموقر بالأسواق المالية من خلال تخصيص كل هذه الجهود العلمية السابقة لدراستها دراسة تحليلية دقيقة من قبل المتخصصين في الفقه الإسلامي والاقتصاد. للوصول إلى الهدف المنشود وهو إقامة السوق المالية التي خصص لها حلقة خاصة لبحثها وكيفية تحقيقها في دورته الحالية (الثامنة) .
ونحن بدورنا المتواضع نحاول جاهدين أن نعطي صورة لأدوات السوق الإسلامية التي يمكن تطبيقها، ولذلك سنخصص هذا البحث لأهم الأدوات والآليات للسوق وهي الأسهم والسندات، وكيفية الإفادة من العقود الخاصة، كالسلم والاستصناع والمرابحة، والمشاركة، والإجارة، والوعد ونحوها.
стр. 12850
تصور شامل
لسوق المال الإسلامية
إذا أردنا النجاح لسوق المال الإسلامية فلا بد أن يكون لدينا تصور شامل لها يستوعب جميع جوانبها وآلياتها، وعقودها، بحيث نقدم الحل الإسلامي والبديل العملي الإسلامي لها.
وأعتقد أن مجمع الفقه الموقر يسير في ندواته ودوراته لتحقيق هذا التكامل، وهذه الصورة المتكاملة.
ولذلك نعرض في هذا البحث آليات السوق وأدواتها من الأسهم والسندات، وبدائلهما الإسلامية من خلال عامل ما يحل من الاسهم، وما يمكن أن يكون بديلا عن السندات مثل صكوك المضاربة والمشاركة ونحوهما من العقود التي يمكن أن تصاغ منها الصكوك، ثم أتبعنا ذلك بمباحث هامة للاستفادة العملية من العقود؛ لأن سوق المال (البورصة) لا تقتصر الآن على التعامل بالأسهم، والسندات، وإنما تتعامل أيضا عن طريق مجموعة من العقود النمطية وغيرها، ومن هنا جاء بحثنا في ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: الأسهم.
المبحث الثاني: السندات وبدائلها.
المبحث الثالث: الإفادة العملية من العقود الشرعية في سوق المال الإسلامية.
والله نسأل أن يوفقنا لخدمة الإسلام ونظامه الاقتصادي وأن يعصمنا من الخطأ والزلل في القول والعقيدة والعمل.