ج- إذا كان الحادث بسبب خطأ الغير أو تعديه فيتحمل ذلك الغير المسؤولية.
٣- ما تسببه البهائم من حوادث السير في الطرقات يضمن أربابها الأضرار التي تنجم عن فعلها إن كانوا مقصرين في ضبطها، والفصل في ذلك إلى القضاء.
٤- إذا اشترك السائق والمتضرر في إحداث الضرر كان على كل أحد منهما تبعة ما تلف من الآخر من نفس أو مال.
٥- أ – مع مراعاة ما سيأتي من تفصيل، فإن الأصل أن المباشر ضامن ولو لم يكن متعديا، وأما المتسبب فلا يضمن إلا إذا كان متعديا أو مفرطا.
ب- إذا اجتمع المباشر مع المتسبب كانت المسؤولية على المباشر دون المتسبب إلا إذا كان المتسبب متعديا والمباشر غير متعد.
ج- إذا اجتمع سببان مختلفان كل واحد منهما مؤثر في الضرر، فعلى كل واحد من المتسببين المسؤولية بحسب نسبة تأثيره في الضرر، وإذا استويا أو لم تعرف نسبة أثر كل واحد منهما فالتبعة عليهما على السواء.
والله أعلم
стр. 12847
التطبيقات الشرعية
لإقامة السوق الإسلامية
التطبيقات الشرعية
لإقامة السوق الإسلامية
إعداد
الدكتور علي محيي الدين القره داغي
جامعة قطر – كلية الشريعة
стр. 12848
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين محمد وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه إلى يوم الدين. وبعد:
فإذا كانت الشعوب المسلمة قد خطت خطوات جادة في سبيل عودتها إلى نظامها الإسلامي، ولا سيما في نطاق الاقتصاد من خلال إنشاء المصارف والشركات الإسلامية، حيث أدت دورا جيدا في جذب أموال المسلمين وتدفقها عليها واتساع آفاق التمويل؛ فإن الحاجة ملحة جدا لأن تخطو الدول الإسلامية خطوة جادة أخرى لإيجاد سوق ثانوية لتغطية رؤوس أموالها، لها أدواتها المشروعة وآلياتها الفعالة تكون بمثابة رئتها التي تتنفس فيها شهيقا وزفيرًا، وذلك لأن البنوك الإسلامية اليوم كأنها تسير على رجل واحدة تمثل في السوق الأولوية، أما رجلها الثانية المتمثلة في السوق الثانوية (البورصة) فلا تزال لم تكتمل على الرغم من أهميتها القصوى وحاجتنا الماسة إليها وذلك لأنها الوعاء المتكامل للفائض من سيولة البنوك الإسلامية وامتصاص حاجتها.
فالبنوك الإسلامية إذا لم تحقق لنفسها سوقا إسلامية ثانوية ستظل أسيرة النظام المالي العالمي المتحكم في تدوير أموال الشعب (١) .
لذلك سيكون من أولى الواجبات البحث عن هذه السوق المالية الإسلامية وعن مجموعة كبيرة من آلياتها المشروعة وأدواتها المباحة شرعًا.
стр. 12849
إضافة إلى أن عالمنا الإسلامي قد حباه الله تعالى بوفرة موارده وثرواته ومعادنه ومواده الخام وكثرة السيولة النقدية حتى أن الاستثمارات العربية الخليجية في الغرب تقدر بأكثر من سبعمائة مليار دولار، ومن هنا فإعادة توطين هذه الأموال المهاجرة إلى خارج البلاد تتطلب تعاون الدول الإسلامية لإيجاد سوق إسلامية لرأس المال الإسلامي وتسييله وتدويره لخدمة الأهداف التنموية وتحقيق التكافل والتوازن والتكامل، وفي حالة عدم قيام الدول الإسلامية بهذا الواجب فإن على البنوك الإسلامية والمجامع والهيئات الفقهية أن تبذل كل جهودها للوصول إلى هذا الهدف ولا تألو بأي جهد فكري أو مالي لتحقيق هذا الغرض الملح.
وللإحساس بهذه الأهمية قام مجمع الفقه الإسلامي الموقر بعقد عدة ندوات في المغرب وفي البحرين لبحث الأسواق المالية الإسلامية ضمت عددا كبيرا من الخبراء والباحثين والمتخصصين في مجال الاقتصاد والفقه الإسلامي، بل ناقش المجمع في دورته السابقة مجموعة من البحوث حولها ووصل فيها إلى عدة حلول مرجئا بقية موضوعاتها إلى دورته الثامنة المقبلة إن شاء الله، وكذلك عقدت ندوات فرعية من قبل بعض البنوك حول السوق المالية وأدواتها الشرعية.
وتأتي عناية مجمع الفقه الإسلامي الموقر بالأسواق المالية من خلال تخصيص كل هذه الجهود العلمية السابقة لدراستها دراسة تحليلية دقيقة من قبل المتخصصين في الفقه الإسلامي والاقتصاد. للوصول إلى الهدف المنشود وهو إقامة السوق المالية التي خصص لها حلقة خاصة لبحثها وكيفية تحقيقها في دورته الحالية (الثامنة) .
ونحن بدورنا المتواضع نحاول جاهدين أن نعطي صورة لأدوات السوق الإسلامية التي يمكن تطبيقها، ولذلك سنخصص هذا البحث لأهم الأدوات والآليات للسوق وهي الأسهم والسندات، وكيفية الإفادة من العقود الخاصة، كالسلم والاستصناع والمرابحة، والمشاركة، والإجارة، والوعد ونحوها.
стр. 12850
تصور شامل
لسوق المال الإسلامية
إذا أردنا النجاح لسوق المال الإسلامية فلا بد أن يكون لدينا تصور شامل لها يستوعب جميع جوانبها وآلياتها، وعقودها، بحيث نقدم الحل الإسلامي والبديل العملي الإسلامي لها.
وأعتقد أن مجمع الفقه الموقر يسير في ندواته ودوراته لتحقيق هذا التكامل، وهذه الصورة المتكاملة.
ولذلك نعرض في هذا البحث آليات السوق وأدواتها من الأسهم والسندات، وبدائلهما الإسلامية من خلال عامل ما يحل من الاسهم، وما يمكن أن يكون بديلا عن السندات مثل صكوك المضاربة والمشاركة ونحوهما من العقود التي يمكن أن تصاغ منها الصكوك، ثم أتبعنا ذلك بمباحث هامة للاستفادة العملية من العقود؛ لأن سوق المال (البورصة) لا تقتصر الآن على التعامل بالأسهم، والسندات، وإنما تتعامل أيضا عن طريق مجموعة من العقود النمطية وغيرها، ومن هنا جاء بحثنا في ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: الأسهم.
المبحث الثاني: السندات وبدائلها.
المبحث الثالث: الإفادة العملية من العقود الشرعية في سوق المال الإسلامية.
والله نسأل أن يوفقنا لخدمة الإسلام ونظامه الاقتصادي وأن يعصمنا من الخطأ والزلل في القول والعقيدة والعمل.
стр. 12851
المبحث الأول
سوق الأسهم: أنواعها وحكم كل نوع منها
الأسهم هي جمع سهم، وهو لغة له عدة معان منها: النصيب، وجمعه: "السهمان" بضم السين، ومنها العود الذي يكون في طرفه نصل يرمى به عن القوس، وجمعه: السهام، ومنها: بمعنى القدح الذي يقارع به، أو يلعب به في الميسر، ويقال: أسهم بينهم أي أقرع، وساهمه أي باراه ولاعبه فغلبه، وساهمه أي قاسمه وأخذ سهما، أي نصيبا، جاء في المعجم الوسيط: "ومنه شركة المساهمة " (١) ، وفي القرآن الكريم: ﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾ [الصافات: ١٤١] أي قارع بالسهام فكان من المغلوبين (٢) . والاقتصاديون يطلقون السهم مرة على الصك، ومرة على النصيب، والمؤدى واحد، فباعتبار الأول قالوا: السهم هو صك يمثل جزءا من رأس مال الشركة، يزيد وينقص تبع رواجها.
وبالاعتبار الثاني: قالوا: السهم هو نصيب المساهم في شركة من شركات الأموال، أو جزء الذي على قيمته مجموع رأس مال الشركة المثبت في صك له قيمة اسمية، حيث تمثل الأسهم في مجموعها رأس مال الشركة، وتكون متساوية القيمة (٣) .
стр. 12852
وتتميز الأسهم بكونها متساوية القيمة، وأن السهم الواحد لا يتجزأ وأن كل نوع منها – عاديا أو ممتازا – يقوم من حيث المبدأ – على المساواة في الحقوق والالتزامات وأنه قابل للتداول، ولكن بعض القوانين – مثل النظام السعودي – استثنى الأسهم المملوكة للمؤسسين حيث لا يجوز تداولها قبل نشر الميزانية إلا بعد سنتين ماليتين كاملتين – كقاعدة عامة – وكذلك لا يجوز تداول أسهم الضمان التي يقدمها عضو مجلس الإدارة لضمان إدارته طوال مدة العضوية وحتى تنقضي المدة المحددة لسماع دعوى المسؤولية (١) .
стр. 12853
حكم تقسيم رأس مال الشركة:
ومن الجدير بالتنبيه عليه أن تقسيم رأس مال الشركة إلى حصص وأجزاء واشتراط الشروط السابقة لا يتنافى مع المبادئ العامة للشريعة الإسلامية، والقواعد العامة للشركة في الفقه الإسلامي، إذ ليس فيها ما يتنافى مع مقتضى عقد الشركة، بل فيها تنظيم وتيسير ورفع للحرج، الذي هو من سمة هذه الشريعة، وداخل ضمن الوفاء العام بالعقود ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] ، وتحت قول الرسول ﷺ : ((المسلمون عند شروطهم)) (١) وفي رواية: ((... المسلمون على شروطهم إلا شرطا حرم حلالا أو أحل حراما)) (٢) . قال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح" (٣) .
فهذه النصوص وغيرها تدل على أن كل مصالحة وكل شرط جائزان إلا ما دل الدليل على حرمته، وعلى أن الأصل فيهما هو الإباحة، والحظر يثبت بدليل خاص، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "وهذا المعنى هو الذي يشهد عليه الكتاب والسنة.." (٤) .ويقول أيضا: "إن الأصل في الشروط الصحة واللزوم إلا ما دل الدليل على خلافه... فإن الكتاب والسنة قد دلا على الوفاء والعهود، وذم الغدر والنكث ..... والمقصود هنا: أن مقتضى الأصول أن الشرط يلزم إلا إذا خالف كتاب الله..." (٥) .
стр. 12854
ولا يخفى أن هذه القواعد السابقة تجعل الفقه الإسلامي يقبل بكل عقد، أو تصرف، أو تنظيم مالي أو إداري ما دام لا يتعارض مع نصوص الكتاب والسنة، وقواعدها العامة، وأن الشريعة الغراء تجعل كل حكمة نافعة ضالة المؤمن دون النظر إلى مصدرها أو اسمها، وإنما الأساس معناها ومحتواها، ووسائلها وغاياتها، وما تحققه من مصالح ومنافع، أو مضار ومفاسد.
أنواع الأسهم:
للأسهم أنواع كثيرة وأسماء مختلفة متنوعة، لذلك لا يكون الحكم دقيقا حتى نعرض لكل نوع منها، ثم نبين حكمه مع التوجيه؛ لأن الحكم على الشيء فرع من تصوره.
وهذه الأنواع باعتبارات مختلفة، قد يتداخل بعضها مع بعض، وقد يكون نوع واحد يعتريه عدة أحكام باعتبار حالاته المختلفة التي تحددها الشركة في نظامها الأساسي، لذلك نحاول أن نذكر كل ذلك بشيء من الإيجاز (١) .
стр. 12855
أ- أنواع الأسهم من حيث الحقوق: العادية والممتازة:
لا يخفى أن جميع الأسهم قيمتها متساوية، وهذا يقتضي تساويها في الحقوق والواجبات، وتكون مسؤولية المساهمين بحسب قيمة السهم، ولذلك فالأصل أن تكون الأسهم عادية لا ميزة لأحدها على الآخر، ولكن بعض القوانين تبيح إصدار أسهم ممتازة، وهذه الميزة قد تكون بمنح أصحابها الأولوية في الأرباح، أو في أموال الشركة عند التصفية، أو بغير ذلك.
فحكم الأسهم العادية الجواز من حيث المبدأ إلا إذا كان محلها حراما وحينئذ لا يجوز – كما سبق تفصيلها -.
وأما أسهم الامتياز فحكمها يختلف باختلاف نوعية الامتياز فيها:
١- فإذا كان امتيازها بضمان نسبة مثل ٥ % من قيمة السهم، ثم يوزع باقي الأرباح على جميع الأسهم بالتساوي، أو استيفاء فائدة سنوية سواء ربحت الشركة أم لا.
فإن هذا النوع لا يجوز ألبتة في الشريعة الإسلامية، لأنه يتضمن الربا المحرم شرعا. ولأن هذا الشرط مخالف لمقتضى عقد الشركة في الشريعة الغراء، فمبنى الشركة على المخاطرة، والمشاركة الحقيقية في الغرم والغنم على قدر الحصص، وعلى ذلك إجماع الفقهاء (١) .
стр. 12856
٢- وإذا كان امتياز السهم بإعطاء الأولوية في الأرباح، أي يعطى لصاحبه الربح، ثم إن بقي يعطى لأصحاب الأسهم العادية.... فهذا الامتياز أيضا مخالف لمقتضى عقد الشركة، فلا يجوز.
٣- وإذا كان هذا الامتياز بأن يعطى لصاحب السهم حق استعادة قيمة الأسهم بكاملها عند تصفية الشركة، ثم تعطى البقية الباقية لأصحاب الأسهم العادية، حيث قد يخسرون وهو لا يخسر، فهذا أيضا كسابقه لا يجوز للسبب نفسه.
٤- وأما إذا كان امتياز السهم يعود إلى إعطاء ضمان مالي لصاحبه دون غيره. فإن هذا الضمان مخالف لمقتضى عقد الشركة – كما سبق -.
٥- أما إذا كان الامتياز في حدود الأصوات بأن يتنازل صاحبه عن صوته، بأن لا يكون له حق التصويت في الجمعية العمومية في مقابل أن يعطى له حق دفع قيمة أسهمه بالأقساط.
فلا أرى مانعا من ذلك، لأنه يعود إلى القضايا الإدارية التي يتحكم فيها الاتفاق، وليس فيه أي مخالفة لنصوص الشرع، ولا لمقتضى عقد الشركة، ولا يعود هذا الامتياز إلى الجوانب المالية، وإنما أعطي له نوع من التيسير في مقابل تنازله عن صوته، وكل ذلك قد تم برضا الطرفين، ولا يتعارض هذا الرضا من نصوص الشرع ولا مقتضى العقد، حيث يعود الأمر في ذلك إلى تنازل أحد الشركاء لأن يدير الشركة بعضهم دون الآخرين، وقد أجاز جماعة من الفقهاء استبداد أحد الشريكين بالعمل (١) .
وكذلك الأمر لو تم الاتفاق على أن يعطى لبعض الأسهم صوتان لكل سهم، فلا أرى أنه محرم شرعا – وإن كان فيه خوف من الاستغلال – وذلك لأن هذا الامتياز ليس في نطاق الحقوق المالية، وإنما يعود إلى الجوانب الإدارية والإشراف على العمل – كما سبق -.
ولكن يشترط أن يكون هذا الامتياز منصوصا عليه في قانون الاكتتاب، وبعيدا عن الاستغلال.
وكذلك يجوز أن يكون الامتياز بإعطاء حق الأولوية في الاكتتاب بأسهم جديدة لأصحاب الأسهم القدامى بناء على أن الشركة قد انعقدت بالإيجاب والقبول، فإذا أرادوا توسيع أعمال الشركة فلهم أن يقرروا ذلك، إضافة إلى حق الشفعة (٢) .
стр. 12857
ب- أنواع الأسهم من حيث ما يدفع (نقدا أم عينا) :
وبهذا الاعتبار تقسم إلى قسمين:
١- أسهم نقدية، وهي الأسهم التي تدفع قيمتها نقدا.
٢- وأسهم عينية، وهي التي تدفع قيمتها من الأموال العينية.
وقد اتفق الفقهاء على جواز المشاركة بالنقود، يقول ابن رشد: "فاتفق المسلمون على أن الشركة تجوز في الصنف الواحد من العين، أعني الدنانير والدراهم، وإن كانت في الحقيقة بيعا لا تقع فيه مناجزة، ومن شرط البيع في الذهب وفي الدراهم المناجزة، لكن الإجماع خصص هذا المعنى في الشركة" (١) .
وأما المشاركة بالأعيان – أو كما يعبر عنه الفقه الإسلامي بالعروض أي غير النقود – فمحل خلاف بين الفقهاء على ثلاثة آراء:
الرأي الأول: جواز الشركة بالعروض مطلقا – أي اتفقت جنسا أو اختلفت – حيث تنعقد الشركة بقيمتها يوم عقد الشركة، وهذا مذهب مالك (٢) وإحدى الروايتين عن أحمد، اختارها أبو بكر الخلال، وأبو الخطاب، وابن تيمية، وبه قال ابن أبي ليلى، وبه قال في المضاربة طاوس والأوزاعي، وحماد بن أبي سليمان (٣) .
وقد استدلوا بقياس العروض على النقود. حيث إنها عند تقويمها أصبحت بمثابة النقود، يقول ابن قدامة: "لأن مقصود الشركة جواز تصرفهما في المالين جميعا، وكون ربح المالين بينهما وهذا يحصل في العروض كحصوله في الأثمان". "ويرجع كل واحد منهما عند المفاصلة بقيمة ماله عند العقد، كما أننا جعلنا نصاب زكاتها قيمتها" (٤) .
الرأي الثاني: صحة الشركة بالمثليات كالحبوب، والأدهان، ونحوها، وهذا الرأي الراجح عند الشافعية (٥) ، وبه قال محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة (٦) ، وذلك لأن المثلي إذا اختلط بجنسه ارتفع معه التمييز فأشبه النقدين، ولذلك اشترطوا الخلط.
стр. 12858
وقالوا في الرد على من أجاز في العروض: "وليس المثلي كالمتقوم لأنه لا يمكن الخلط في المتقومات، وربما يتلف مال أحدهما ويبقى مال الآخر، فلا يمكن الاعتداد بتلفه عنهما، وفي المثليات يكون التالف بعد الخلط تالفا عنهما جميعا، ولأن قيمتهما ترتفع، وتنخفض، وربما تنقص قيمة مال أحدهما دون الآخر، وتزيد، فيؤدي إلى ذهاب الربح في رأس المال، أو دخول بعض رأس المال في الربح (١) .
الرأي الثالث: عدم صحة الشركة بالعروض مطلقا، سواء كانت من الطرفين، أو من طرف بحيث يعطى الآخر النقد، وهذا رأي أبي حنيفة وأبي يوسف (٢) ، وظاهر مذهب أحمد، وكره ذلك ابن سيرين، ويحيى بن كثير، والثوري (٣) ؛ غير أن الحنفية وصلوا إلى ما وصل إليه الرأي الأول عن طريق حيلة، وهى أن يبيع كل واحد من الشريكين – مثلا – نصف عرضه بنصف عرض الآخر، ثم عقداها مفاوضة أو عنانا، قال الحصكفي: (وهذه حيلة لصحتها بالعروض، وهذا إن تساويا قيمة، وإن تفاوتا باع صاحب الأقل بقدر ما تثبت به الشركة" (٤) .
стр. 12859
وقد استدل أصحاب هذا الرأي بما يأتي:
أولا: أن العروض يمتنع وقوع الشركة على أعيانها، أو قيمتها، أو أثمانها، أما امتناع وقوعها على أعيانها فلأن الشركة تقتضي الرجوع عند المفاصلة برأس المال أو بمثله، وهذه العروض لا مثل لها حتى يرجع إليه، وقد تزيد قيمة جنس أحدها دون الآخر فيستوعب بذلك جميع الربح، أو جميع المال، وقد تنقص قيمته فيؤدي إلى أن يشاركه الآخر في ثمن ملكه الذي ليس بربح.
وأما امتناع وقوعها على قيمتها فلأن القيمة غير متحققة القدر فيفضي إلى التنازع، وقد يقوم الشيء بأكثر من قيمته، ولأن القيمة قد تزيد في أحدهما قبل بيعه فشاركه الآخر في العين المملوكة له.
وأما امتناع وقوع الشركة على أثمان العروض فلأنها معدومة حال العقد، ولا يملكانها، ولأنه إن أراد ثمنها الذي اشتراها به فقد خرج عن مكانه وصار للبائع، وإن أراد ثمنها الذي يبيعها به فإنها تصير شركة معلقة على شرط وهو بيع الأعيان، وهذا لا يجوز (١) .
ثانيا: إن وقوع الشركة على العروض يؤدي إلى أن يشترك أحد الشريكين في حصة الآخر المالك للعرض إذا ظهر ربحه قبل التصرف فيه، بمقتضى عقد الشركة، مع أن الشريك غير المالك، كيف يستحق هذا الربح الذي هو زيادة فيما لا ملك له فيها ولا ضمان ولا تصرف (٢) .
المناقشة والترجيح:
يمكن أن نناقش أدلة الرأي الثاني والثالث بأنها جميعا تنطلق من منطلق أصحابها في النظرة إلى الشركة في العروض باعتبار ذاتها، ومن منطلق عدم تحقق الضمان إلا بعد التصرف فيها، وكلتا النظرتين تدخل في منطق المصادرة، وإلزام الغير بمقتضيات ومسلمات لا تعتبر مسلمة عنده.
وذلك لأن القائليلن بصحة الشركة في العروض مطلقا يقولون بأن الشركة فيها لا تتم إلا بعد تقويمها، والاتفاق على القيمة، ثم تصبح القيمة هي محل الشركة، وإذا لم يتم الاتفاق على القيمة لم تنعقد، وعلى ضوء ذلك يتحقق الضمان بعد هذا التقويم، وما يحدث للعروض من زيادة أو نقصان يكون من نصيب الشركاء، وحينئذ تطبق عليهما قاعدتا الغرم بالغنم، والخراج بالضمان (٣) .
стр. 12860
وبذلك يتضح رجحان القول الأول، وقوة مسلكه ومناطه، ولا سيما أن المخالفين لم يجدوا لأنفسهم دليلا من الكتاب والسنة الثابتة يدعم اجتهادهم، وحينئذ تبقى المسألة في دائرة المصالح المرسلة وهي تتحقق بالقول الأول الذي يفتح باب الشركة على جميع الموجودات بضوابطها الشرعية – والله أعلم-.
جـ- أنواع الأسهم من حيث الاسم وعدمه:
تقسم الأسهم بهذا الاعتبار إلى ثلاثة أقسام:
١- أسهم أسمية، وهي التي يكتب عليها اسم صاحبها، وهذا هو المطلوب حفاظا على الحقوق، وضمانا لعدم خلط حق شخص بحق آخر، وهذا النوع تنتقل ملكيته بنقل قيده في سجل المساهمين الذي تحتفظ به الشركة (١) .
٢- أسهم لحاملها، أي يصدر السهم دون ذكر الاسم، فيكون حامله هو صاحبه. وهذا النوع لا يجوز في الفقه الإسلامي بدون خلاف – نعلمه – بين الفقهاء المعاصرين (٢) ، والسبب أن عدم كتابة اسم صاحب السهم يؤدي إلى عدم معرفة الشريك، وبالتالي إلى النزاع والخصومة، كما أنه يؤدي إلى إضاعة الحقوق؛ لأن أي شخص وقعت يده عليه، سواء كان عن طريق السرقة، أو الغصب، أو غير ذلك فإنه يعتبر صاحبه، وأحد الشركاء في الشركة بحكم القانون، ولا شك أن كل ما أفضى إلى النزاع والضرر ممنوع شرعا، إضافة إلى أنه قد يصبح فاقد الأهلية حامل السهم، مع أنه لا يصح اشتراكه بنفسه (٣) ،وحتى من الناحية القانونية فإن القانون المصري، والسوري، والكويتي يمنع هذا النوع (٤)
стр. 12861
٣- أسهم للآمر، وهي الأسهم التي يكتب عليها اسم صاحبها، ولكن تضاف عبارة "لأمر أو لإذن" وحينئذ يكون تداولها عن طريق التظهير – أي يكتب على ظهر الصك تحويله إلى آخر مع التوقيع وحينئذ يصبح الثاني مباشرة صاحبه – دون الرجوع إلى الشركة.
وهذا النوع نادر الوقوع، وكذلك نادر في التشريعات حيث لم تتناوله أكثرها (١) .
ومن الناحية الفقهية فإن بعض الباحثين (٢) لا يرى فيه أي مانع شرعي، وذلك لأن الشريك الأول معروف للشركة وقد أجازت له حق نقل سهمه عن طريق التظهير من خلال النظام والعقد التأسيسي للشركة (والمؤمنون عند شروطهم) ، ثم إن الشريك الأول يتخلى عن حقه بنقل مالية السهم إلى الثاني، وهذا النوع من انتقال الحصة إلى شريك آخر، وهو جائز شرعا، سواء أكان بعوض كالبيع ونحوه، أم بدونه كالهبة.
الأسهم قبل تكوين أصول الشركة:
الأسهم إذا كانت نقدية (أو دفعت قيمتها نقدا أو مقطعة) فلا يجوز تداولها بالبيع والشراء إلا بتطبيق قاعدة الصرف، (أي التقابض في المجلس مع التماثل عند اتحاد الجنس، والتقابض فقط عند اختلافه) .
أما إذا تكونت الشركة كلها، أو غالبها من العينيات فيجوز حينئذ التصرف في أسهمها مباشرة بعد تكوينها على ضوء قواعد البيع.
وبعد تكوين الشركة فإذا كانت نقودها تحولت كلها، أو غالبها إلى أصول، أو يتاجر بها في العروض والسلع فإن أسهمها يجوز تداولها وتملكها على ضوء الضوابط العامة للتصرفات في الفقه الإسلامي بناء على أن العبرة بالغالب والأصل، وليس بالقليل والتابع – كما سبق -.
стр. 12862
وأما إذا كانت الشركة أساسا تتعامل في النقود والصيرفة فقط، أو كان غالب أعمالها، فإنه لا بد حينئذ من ملاحظة ضوابط الصرف في الفقه الإسلامي عند تداول أسهمها، وتملكها.
وهذا التقسيم والحكم للشركات التي تتعامل في نطاق المباحات، ولا تزاول الأعمال المحرمة، كالخمر والربا ونحوها.
وكذلك لا مانع شرعا من بيع السهم قبل الوفاء بقيمته كاملة على ضوء القواعد السابقة من العلم بعدد الأسهم، ومقدار رأس مال الشركة، وقيمة السهم ونحو ذلك (١) .
د- أنواع الأسهم من حيث إرجاع قيمتها:
تنقسم بهذا الاعتبار إلى نوعين:
١- أسهم رأس المال: وهي التي تبقى قيمتها إلى حين التصفية النهائية، فهذه الأسهم حكمها من حيث المبدأ الجواز مع ملاحظة ما ذكرناه، وما سنذكره من حكم كل نوع، وهي الأصل والقاعدة في الشركات.
٢- أسهم تمتع: وهي الأسهم التي ترد قيمتها تدريجيا، أو مرة واحدة قبل انقضاء الشركة، أو بعبارة الاقتصاديين: تستهلك قيمتها في حياة الشركة دون انتظار لانتهاء أجلها وتصفية موجوداتها، ويعتبر استهلاك السهم عملية استثنائية.
وهذا النوع في الغالب يكون في الشركات التي تكون محددة بفترة زمنية محددة ثم تفنى أصولها كشركات السفن، أو التي لا يتوقع أن تبقى عند انقضائها أصول توزع على المساهمين، مثل شركات الامتياز للبترول أو المعادن التي يعطى لها حق الامتياز لفترة محددة، والتزمت بأيلولة ما تملك إلى الحكومة مثلا، وحينئذ تعمل على تعويض المساهمين بإعادة القيمة الاسمية إليهم قبل انقضاء الشركة إضافة إلى الأرباح إن وجدت.
وهذه الأسهم لا تسمح بإنشائها كثير من القوانين الوضعية إلا إذا كان غرض الشركة يتعلق باستغلال موارد الثروة الطبيعية أو مرفق عام ممنوح لمدة محدودة، أو كانت أصولها مما يستهلك بالاستعمال، أو يزول بعد مدة معينة (٢) ، وهذا النوع لصاحبه حق التصويت في الجمعية العمومية، والحصول على نصيب من الأرباح، بل وموجودات الشركة إن بقيت.
стр. 12863
وقد اختلف القانونيون في تكييف هذا الاستهلاك، فبعضهم يرى أنه عبارة عن توزيع الأرباح، وبعضهم يقول: إنه رد لرأس المال الذي قدمه المساهمون، وثالث يقول: إنه يعتبر "وفاء معجلا" لنصيب المساهم في رأس مال الشركة (١) إلى غير ذلك مما لا يسع المجال لطرح أدلة كل فريق ومناقشته.
وهناك تفاصيل كثيرة لأسهم التمتع في قوانين الشركات، لذلك لا نخوض فيها، وإنما نبين الصور الشرعية – حسب نظرنا – لأسهم التمتع على ضوء التفصيل الآتي وهو:
١- إن أسهم الشركة إذا جعلت جلها على هذا الشكل (أي ما يسمى بأسهم التمتع) ونص النظام الأساسي لها على هذا التفصيل، ثم مع انقضاء كل سنة يوزع ما حصلته الشركة من النقود على جميع المساهمين بالتساوي حسب الحصص، فهذا جائز لا غبار عليه، وأن ذلك يكيف شرعا على أن ما يعطى يمثل جزءا من الأصول، والأرباح، أو بعبارة أخرى: غن ذلك كان بمثابة تصفية جزئية مستمرة في كل سنة إلى أن تنتهي، وتنتهي معها موجودات الشركة.
لكنه إذا بقي من أصول الشركة يوزع على هؤلاء المساهمين حسب حصصهم، إن كان نظامها ينص على ذلك، كما في شركات السفن ونحوها مما يبلى، أو تفنى، وأما إن كانت الشركة شركة امتياز يعود ملكية ما يتبقى من المكائن للحكومة التي منحتها الامتياز فلا مانع منها أيضا ما دام الشركاء قد أخذوا حقوقهم، ووافقوا في النظام الأساسي على إعطاء ما تبقى للحكومة بناء على أن ذلك كان وعدا بالتنازل ثم يتحقق التنازل الفعلي في الأخير، أو من باب الهبة للدولة.
والخلاصة أن المساواة بين حقوق جميع المساهمين مطلوبة لا يجوز لصاحب حق أن يأخذ أكثر من الآخر، وأن الفقه الإسلامي لا ينظر إلى الأسهم، وإنما إلى المسمى والمقصد، ولذلك يعتبر ما سبق جائزا شرعا، سواء أكان سمي بأسهم التمتع أم لا.
стр. 12864
٢- أما إذا كانت أسهم الشركة نوعين: أسهما عادية، يبقى أصحابها ملتزمين بالتزامات الشركة، وأسهم تمتع يستهلكها أصحابها، ويتخلصون من خسارتها، فهذا لا يجوز، لأنه مخالف لمقتضى عقد الشركة من المساواة بين الجميع، واحتمال المخاطرة للجميع، فلا يجوز أن ينجو مساهمون من تحمل الخسارة حين يأخذون قيمة أسهمهم، ويتحمل الباقون الخسارة كلها، فهذا ظلم وإجحاف وضرر لا يجوز شرعا (١) .
ويمكن أن يعوض عن هذه الفكرة بالمضاربة، وصكوك المضاربة لأجل محدد، أو أن تنشئ الشركة فرعا خاصا لهذا النوع من الشركات تكون جميع أسهمها أسهم تمتع.
أنواع القيم وحكمها:
هناك ثلاث قيم للأسهم:
١- القيمة الاسمية: وهي القيمة التي تحدد للسهم عند إنشاء الشركة، بمعنى أن مجموع القيم الاسمية تساوي رأس مال الشركة عند إنشائها.
فهذه في الواقع حصة الشريك في رأس مال الشركة، فالصك الذي سجلت عليه هذه القيمة بمثابة وثيقة لإثبات المشاركة بهذا القدر، فيجب أن يكون مطابقا للمبلغ الذي ساهم به الشريك حقيقة في رأس المال (٢) .
وهذه المساواة مطلوبة شرعا حتى تتحقق العدالة في توزيع الأرباح والخسائر.
٢- القيمة الحقيقية (الدفترية) : هي نصيب من صافي أصول الشركة بعد إعادة تقديرها وفقا للأسعار الجارية، وبعد إعادة تقدير الخصوم، لإظهار الالتزامات الحقيقية للشركة (٣) .
فالقيمة الحقيقية للسهم هي المقدار الذي يساويه من موجودات الشركة بعد ملاحظة الأرباح والخصوم، فهي بمثابة المؤشر الحقيقي لأرباح الشركة أو خسارتها، وهذا هو المطلوب فقها لمعرفة أرباح الشركة أو خسارتها.
٣- القيمة السوقية: وهي القيمة التي يباع بها السهم، وهي ترتبط بنجاح الشركة، أو فشلها، وبحسب رأس مالها الاحتياطي، والظروف، والأزمات المالية والسياسية، وبحسب الرغبة، والدعاية ونحوها (٤) .
стр. 12865
ومراعاة هذه القيمة، وتداول الأسهم على ضوئها لا تتعارض مع الشريعة الغراء، إذ للإنسان الحق في بيع ماله (المفرز والمشاع) حسب أسعار السوق، بل هو المطلوب.
الإصدار:
بالنظر إلى هذا المصطلح نجد أنه يطلق على معنيين: أحدهما إطلاقه على نسبة محدودة مثل ٥ % مما يدفع للأسهم، تتطلبها الشركة عند تأسيسها لمصاريف الإصدار الإدارية والحكومية والدعائية ونحوها، حتى تبقى قيمة الأسهم صافية لرأس مال الشركة.
فهذه لا بأس بها، ما دامت هذه النسبة مقدرة تقديرا مناسبا، ثم يودع ما يتبقى منها في احتياطي الشركة.
الثاني: إطلاقه على أسهم الإصدار، ولذلك أرى أن يسمى هذا: قيمة أسهم الإصدار.
فهذه الأسهم تصدرها الشركة لزيادة رأس مالها عندما تتوسع في المشاريع، فتحتاج إلى مصادر مالية طويلة الأجل لدعم توسعاتها، وحينئذ تصدر أسهما جديدة للاكتتاب فيها، قد تكون مساوية لقيمة الأسهم الاسمية، وقد تكون أعلى، أو أقل من ذلك.
والحكم الشرعي في هذه المسألة هو أن هذه القيمة لتلك الأسهم الجديدة إن كانت مساوية لقيمة الأسهم الحقيقية أو السوقية؛ فهذا لا مانع منه شرعا سواء كانت مساوية لقيمة الأسهم الاسمية، أو أعلى منها، أو أقل؛ لأن العبرة بالواقع، وبسعر السوق؛ لأن الشركة قد تخسر، وقد تربح – كما لا يخفى -.
أما إذا كانت هذه القيمة أقل من القيمة الحقيقية لأسهم الشركة، فهذا لا يجوز؛ لأن ذلك يضر بحقوق المساهمين حيث يؤدي إلى إنقاص قيمة أسهمهم، أو حرمانهم من حقهم في هذا المال، وكل ما يؤدي إلى ضرر بين، وحرمان من حقوق فعلية لا يجوز شرعا، تطبيقا للقاعدة الشرعية: ((لا ضرر ولا ضرار)) إلا إذا عوضوا عن حقوقهم تعويضا عادلا من خلال منح أسهم جديدة بقدر حقوقهم، أو دفع الفروق نقدا أو مقسطا، أو نحو ذلك.
أما إذا كانت أعلى من القيمة الحقيقية فحينئذ إذا كانت تعبر عن سعرها السوقي فهذا جائز ما دامت الشركة لم تستعمل أية وسيلة محرمة من الخداع والتغرير ونحوهما مما حرمه الإسلام.
هـ – أنواع الأسهم من حيث المنح وعدمه:
تقسم إلى قسمين:
١- أسهم يدفع صاحبها قيمتها.
٢- وأسهم منح: وهي الأسهم التي تمنحها الشركة للمساهمين مجانا في حالة زيادة رأس مال الشركة على شكل ترحيل جزء من الأرباح المحتجزة، أو الاحتياطي إلى رأس المال الأصلي، ويتم توزيعها حسب قدر الأسهم.
وهذا لا غبار عليه شرعا ما دام المنح يتم بالتساوي حسب الأسهم؛ لأن ذلك مال المساهمين، فلهم الحق في الحصول عليه بأي طريق مشروع.
стр. 12866
حصص التأسيس:
وهي عبارة عن نصيب مقدر من أرباح الشركة على شكل صكوك قابلة للتداول تصدرها شركات المساهمة بغير قيمة اسمية، لأولئك الذين قدموا خدمات جليلة أثناء تأسيس الشركة، مثل براءة اختراع، أو تحصيل التزامات من شخص اعتباري عام.
هذه صكوك يعطى لأصحابها نصيب من أرباح الشركة، وتقبل التداول، وبذلك تتفق مع الأسهم، لكنها تختلف جوهريا من حيث إنها تصدر بدون قيمة اسمية على عكس الأسهم، ولا تمثل أي حصة من رأس المال، ولا تخول لأصحابها أي حق لإدارة الشركة، فضلا عن أنه يمكن إلغاؤها (١) .
يقول د. أبو زيد: "لقد ظهرت حصص التأسيس لأول مرة سنة ١٨٥٨ م بمناسبة تأسيس شركة " قناة السويس البحرية " كوسيلة لشراء ذمم رجال السياسة ... ونتيجة لطبيعة الأهداف التي تسعى إليها حصص التأسيس، وما أدت إليه من نتائج بالغة السوء وقفت الكثير من التشريعات منها موقف العداء، فحرمها المشروع الفرنسي في قانون الشركات الصادر سنة ١٩٦٦ م ... كذلك فعل المشروع السوري..، وتجاهلها القانون العراقي والكويتي (٢) . وأقرها قانون الشركات بمصر الصادر لسنة ١٩٨١ م، في مادته ٣٤، وكذلك نظام الشركات في السعودية في مواده ١١٢، ١١٣، ١١٤، ١١٥.
وقد ثار جدل قانوني حول تكييف حصص التأسيس، فيرى البعض أن صاحبها بمثابة الدائن، لا المساهم (٣) ، ويرى آخرون إلى أنه في مركز خاص بحيث لا يعتبر دائنا، ولا شريكا (٤) .
стр. 12867
وحكم هذا النوع على ضوء قواعد الفقه الإسلامي غير جائز؛ لأن صاحب حصة التأسيس ليس شريكا حتى باتفاق القانونيين لأنه لم يقدم حصة نقدية ولا عينية، لا عملا مستمرا مع أن العمل لا يجوز الاشتراك به في شركات المساهمة، والشركات ذات المسؤولية المحددة، حتى عند القانونيين (١) .
وحصة التأسيس تكيف فقها على أن صاحبها قدم للشركة خدمة غير محددة ولا مبينة، ثم تمنحه الشركة عدة صكوك في مقابلها، وهي صكوك غريبة لا هي مثل الأسهم حيث ليس لصاحبها الحق في موجودات الشركة، وإنما في أرباحها، ولا هي مثل السندات، كما أن الشركة لها الحق في إلغائها وإن كان بتعويض.
ولذلك فلا يمكن تكييفها على البيع أي أن الشركة تبيع عدة صكوك في مقابل خدمات صاحبها لجهالة الثمن والمثمن معا، إذ الخدمة التي قدمها ليست محددة حتى يرد عليها عقد البيع، كما أن الصك أيضا غير محدد من حيث ما يأخذه صاحبه، لأنه مقيد بنسبة الربح الذي هو معدوم عند العقد، أو مجهول يظهر في المستقبل.
كذلك لا يمكن تكييفها على عقد الإجارة لأن مقدار الأجرة المتمثلة في الصك مجهول لا يعلم قدره، ولا على عقد الجعالة لنفس السبب السابق، ولا هبة؛ لأن طبيعتها أنها في مقابل عمل، والهبة بعوض يشترط فيها ما يشترط في البيع كمبدأ عام (٢) .
إضافة إلى أن فتح هذا الباب سيؤدي إلى فتح أبواب المجاملات، والمحاباة على مصراعيها، وحتى معظم القانونيين قد هجموا عليها هجوما عنيفا، وكشفوا عن عوارها، وعيوبها، وأخطائها، وبينوا نتائجها السلبية جدا، فطالبوا بإلغائها (٣) .
ويمكن أن تستبدل بهذه الفكرة فكرة المكافأة النقدية أو العينية لهؤلاء الذين قدموا خدمات فعلية، أو براءة اختراع، كما يمكن تحويل قيمة هذه المكافأة بعد تحديدها بأسهم عادية تتساوى معها في جميع الحقوق والالتزامات (٤) .
ملحوظة:
لقد صدر قرار من مجمع الفقه الموقر (التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي) في دورته السابعة أوضح كثيرا من أحكام الأسهم، وأنواعه، فنحيل القارئ الكريم إليه.
стр. 12868
المبحث الثاني:
التعريف بالسندات وخصائصها
السندات لغة جمع السند وهو: بمعنى الاعتماد والركون إليه والاتكاء عليه، وما ارتفع من الأرض من قبل الوادي أو الجبل، والجمع أسناد، ولكن حينما أصبح السند علما لنوع معين من الأوراق المالية جاز جمعه على السندات (١) .
وأما السندات في عرف الاقتصاد الحديث فهي عبارة عن: وثيقة بقيمة محددة يتعهد مصدرها بدفع فائدة دورية في تاريخ محدد لحاملها (٢) .
فهي في حقيقتها حصة إقراض للبنك أو الشركة أو الدولة مع التزام المصدر بنصيب من الفائدة (الربا) دون أن يكون العقد منصبا على الاستثمار ونتائجه من الربح أو الخسارة، وقد عبر كثير من القوانين عن أن السندات تمثل قروضا تعقدها أو تصدرها الشركة متساوية القيمة وقابلة للتداول وغير قابلة للتجزئة (٣) .
стр. 12869
وكما تصدر الحكومة السندات كذلك تصدرها بعض المؤسسات والشركات الخاصة في كثير من الدول.
والتكييف المتفق عليه عند الاقتصاديين للسندات هو أنها وثيقة بدين، ولذلك يعامل مالكها كمقرض وليس كمالك وتسري عليه القوانين المنظمة للعلاقة بين الدائن والمدين.
والسندات تشترك مع الأسهم في تساوي الاسمية لكل فئة وقابليتها للتداول حسب كونها اسمية وللآمر أو لحاملها وفي عدم قابليتها للتجزؤ، غير أن السندات تتميز عن غيرها بالخصائص الآتية:
١- إن السند يعتبر شهادة دين على الشركة وليس جزءا من رأس المال كما هو الحال في الأسهم.
٢- حصول صاحبه على الفائدة الدورية المقررة له دون النظر إلى أن الشركة ربحت أم خسرت أم كانت الأرباح كثيرة.
٣- عدم مشاركة صاحبه في إدارة الشركة.
٤- تحديده بوقت محدد على عكس الأسهم وبالتالي يحصل صاحبه على قيمة سنده وفوائده في التاريخ الذي حدد له دون النظر إلى تصفية الشركة، ومدده مختلفة أقصرها تسعون يوما وبعضها يمتد إلى مائة عام على أن بعض السندات تستمر لحين قيام المصدر باستدعائها أو شرائها من السوق:
٥- يحصل حامله على ضمان خاص على بعض موجودات الشركة وقد يكون الضمان عاما على أموالها، ولذلك يحصل على حقه في حالات التصفية قبل أن يحصل حامل السهم على أي شيء (١) .
стр. 12870
أنواع السندات
للسندات أنواع كثيرة (١) ، ولا تزال الأفكار الاقتصادية تبتكر الكثير، ونحن نذكر أهمها مع حكمها:
أنواعها من حيث مصدرها وهي:
١- سندات الدولة حيث تصدرها لتمويل الإنفاق العام.
٢- سندات الهيئة الدولية – كالبنك الدولي للإنشاء والتعمير – حيث تصدرها لتمويل مشاريعها.
٣- سندات المؤسسات الحكومية المحلية التي تصدرها لتمويل إنفاقها ومشاريعها.
٤- سندات الشركات التجارية والصناعية والخدمات التي تصدرها بضمان بعض أموالها أو جميعها لتمويل مشاريعها.
ولا يخفى أن جميع هذه الأنواع تصدر بفائدة دورية على رأس المال، ولذلك فهي محرم إصدارها وتداولها، ولصاحبها إن عاد إلى رشده رأس ماله ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٩] .
стр. 12871
أنواع السندات باعتبار فوائدها:
١- سندات مستحقة الوفاء بعلاوة إصدار، حيث تصدر الشركة سند الإصدار بمبلغ تسعين ريالا – مثلا – ولكنها تحسبه بمائة ريال إضافة إلى فوائد منخفضة نسبيا عن غيرها.
٢- سندات النصيب: وهي السندات التى تخول لصاحبها الحصول على فوائد سنوية ثابتة، إضافة إلى اليانصيب المخصص لها، والذي يمكن أن يكون من نصيب السندات التي يحالفها الحظ حسب القرعة.
٣- سندات عادية ذات الاستحقاق الثابت التي ليس لها سوى قيمة واحدة وتعطى عليها فوائد ثابتة فضلا عن قيمة السند عند نهاية مدة القرض.
٤- سندات مضمونة، وهي مثل النوع السابق لكنها مضمونة بضمان شخصي أو عيني، والسندات وإن كان جميع أنواعها مضمونة بأصل الشركة لكن هذا النوع يتميز بضمان شخصي أو عيني أيضا.
٥- السندات القابلة للتحول إلى الأسهم التي تعطى للمساهمين بقرار من الجمعية العامة غير العادية، وتعطي هذه السندات لحاملها الحق في طلب تحويلها إلى أسهم حسب القواعد المقررة لزيادة رأس المال. وهذا النوع قد أقره القانون المصري للشركات (م ٥١ / ١) لسنة ١٩٨١ م. والقانون الفرنسي والألماني بينما لم تقره كثير من التشريعات (١) .
٦- سندات الاستثمار أو شهادات الاستثمار: هذه السندات يصدرها البنك الاهلى المصري لتكون حجة لمن حررت له على أنه أودع لديه مبلغا من ماله مبينا بها شروط الاسترجاع والفوائد التي تعطى له أو الجوائز وهي ثلاثة أنواع وفئات (٢) .
стр. 12872
١- فئة (أ) وهي التي تعرف بالشهادات ذات القيمة المتزايدة، حيث يبقى المبلغ عشر سنوات لدى البنك ثم يسترده صاحبه مع فوائده التي تراكمت خلال السنوات العشر، تبدأ قيمتها من (٥) جنيهات مصرية إلى (٥٠٠) جنيه مصري وبفائدة ٥ % أو أكثر. وهذا النوع وإن كان قد سمي بالاستثمار لكنه في الواقع قرض مضمون مع فوائده المحددة، وحينئذ يدخل في الربا كما أقرت ذلك المجامع الفقهية الثلاثة (مجمع البحوث – ومجمع الفقه التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي – وكذلك مجمع الفقه التابع لرابطة العالم الإسلامي) .
٢- فئة (ب) وهي الشهادات ذات العائد الجاري حيث يمكن سحب فوائدها كل ستة أشهر وتبدأ هذه الفئة بعشرة جنيهات مصرية إلى خمسة آلاف جنيه ومدة استغلالها عشر سنوات بفائدة ٥ %. وحكم هذه الفئة كسابقتها حيث إنها في حقيقتها ربا واضح وإن سميت بالاستثمار فالعبرة بالحقائق والمعاني والمقاصد لا بالألفاظ والمباني.
٣- فئة (ج) وهي الشهادات ذات الجوائز التي لا تعطي ربحا محددا كل سنة، ولكنها خصصت جوائز نقدية لأصحابها حسب القرعة. وهذه الفئة تدخل في القرض المشروط بمنفعة محددة تكيف على أن ما يرد هو القرض وما يخصص للجوائز هي جزء من الفوائد المخصصة لرأس المال في مقابل إبقائه فترة زمنية محددة (١) .
стр. 12873
٧- شهادات ادخار العملة المركبة (سلة العملات) : يقوم بنك مصر بإصدار شهادات سماها شهادات ادخار العملة المركبة (سلة العملات التي تتكون من دولار أمريكي وجنيه استرليني ومارك ألماني وفرنك سويسري) .
يضمن البنك باسترداد قيمة الشهادة في تاريخ الاستحقاق بالعملات المكونة للشهادة أو بنفس العملة التي يتم الاشتراك بها مع فوائدها.
ونص نظامه على ما يأتي:
١- الشهادة اسمية وتصدر لأجلين ثلاثة شهور أو ستة شهور.
٢- الحد الأدني للاشتراك ٥٠٠ وحدة قيمتها ١٣٠٠ دولار أمريكي أو ما يعادلها من العملات المكونة للشهادة.
٣- يمكن زيادة الاشتراك بمضاعفات مائة وحدة وبدون حد أقصى.
٤- يمكن الاشتراك بأي عملة أجنبية يقبلها البنك ويتم استبدالها لحساب العميل بالدولار أو بإحدى عملات الوحدة المركبة.
٥- العائد معوم ومرتبط بأسعار يوم الشراء ويسري على العملات الأربعة المكونة للشهادة.
٦- يعلن البنك دوريا عن معدل العائد للشهادات ثلاثة شهور أو ستة شهور كل على حدة. والربا في هذا النوع واضح حيث هو مرتبط بالربا العالمي دون النظر إلى قواعد المضاربة أو المشاركة الشرعية (١) .
стр. 12874
_________
стр. 12875
٨- شهادات الادخار الدولارية: وهذا النوع مثل النوع السابق لكنه خاص بالدولار وينص نظامه بوضوح على الربا حيث نص على أنه "يعلن البنك دوريا عن معدل العائد حتى يتمشى مع آخر تطورات المعدلات العالمية". وجاء في نشرة لاحقة بأن هذه الشهادة تضمن لك أعلى سعر فائدة في سوق المال المصرية وهي ١٦ % صافيا سنويا.
стр. 12876
٩-شهادات التوفير ذات الجوائز: هذا النوع من السندات يتضمن الفائدة المخصصة للتوفير إضافة إلى جوائز تسحب لأصحابها من حين لآخر، فهي بذلك تجمع بين الربا والقمار وهذه صورة من هذا النوع:
стр. 12877
١٠-سندات الدخل حيث يكون لها فوائد ثابتة إضافة إلى نسبة محددة من أرباح الشركة بينما غيرها تكون فائدتها دورية دون مشاركتها في أرباح الشركة.
أنواع السندات من حيث التملك:
حيث توجد سندات اسمية وسندات لحاملها.
أنواع السندات من حيث الرد:
لها ثلاثة أنواع:
١- سداد نقدي في موعد الاستحقاق وحينئذ قد تكون القيمة التي تسترد هي نفس ما دفع وقد تكون أعلى فترد بعلامة الإصدار.
٢- ردها عن طريق تحويلها إلى أسهم كما سبق.
٣- ردها عن طريق الإحلال حيث تقوم الشركة عند تاريخ استحقاقها بإحلالها بسندات أخرى جديدة وبمزايا حسب نظام الشركة (١) .
أنواع أخرى جديدة في كل يوم:
لا تزال المؤسسات الاقتصادية ودور المال تفكر في المزيد من أنواع السندات وغيرها وتتفنن في كيفية جلب أصحاب الأموال وشدهم وجذبهم إلى إيداع مدخراتهم في تلك المؤسسات بأية وسيلة مجدية في نظرها.
وتكاد أبصارنا تقع كل يوم على نوع جديد وابتكار جديد في الأوراق المالية وأدوات السوق وآلياتها وفي العمليات البنكية، ونحن هنا نذكر بعض أنواع السندات التي هي جديدة نوعا ما وهي:
١- سندات بفائدة ثابتة وشروط متغيرة حيث تعطي لصاحبها حرية أكثر من ناحية انتقال الملكية والاستفادة منها.
٢- سندات مسترجعة حيث يعطى لحاملها الحق في استرجاع قيمتها الاسمية بعد فترة محددة مثل ست سنوات، ثم تقوم الشركة المصدرة بإعطاء شروط أحسن من السابق في حالة إبقاء قيمتها فترة أخرى.
стр. 12878
٣- سندات ذات أصوات تعطي صاحبها حق التصويت في الجمعية العمومية للشركة.
٤- سندات بفائدة عائمة تتغير كل سنة أو ستة أشهر على أساس سعر الفائدة الدولية مثلا أو أي أساس آخر إضافة إلى حق صاحبها من تحويلها إلى سندات ذات فائدة ثابتة حسب رغبته.
٥- سندات مربوطة بالقوة الشرائية للنقود، أي يحدد النقد الذي دفع بسعره يوم الدفع حتى يتفادى صاحبها التضخم الذي قد يكون أكثر من نسبة الفائدة.
٦- سندات بشهادة حق حيث تعطي صاحبها الحق في شراء أوراق مالية طيلة فترة محددة وبسعر محدد مسبقا (١) .
الحكم الشرعي لهذه السندات:
إذا كان هناك خلاف طفيف سابق حيث أباحها البعض، فإن هذه الإباحة في نظري تعود إلى عدم فهم طبيعة هذه السندات في وقتها واعتبارها مضاربة أو تكييفها على الضرورة (٢) ، ولذلك لا داعي لمناقشة هؤلاء لأنه الآن قد ظهر بما لا يوجد أدنى شك أن السندات حتى في نظر القانونيين (٣) تكيف على أنها قروض بفوائد كما رأينا في جميع أنواعها، وأن صاحبها دائن للحكومة أو الشركة يستحقها في وقتها إضافة إلى فوائدها دون النظر إلى خسارة الشركة وأرباحها وبذلك يظهر جليا بعدها - بعد المشرقين – عن المضاربة والمشاركة في الشريعة الإسلامية الغراء.
стр. 12879
وهذه الفوائد هي عين ربا النسيئة الذي لا خلاف في حرمته كما أنه لا توجد ضرورة في شراء هذه السندات أو تداولها بل إن بعض أنواعها عبارة عن الربا والقمار كما في سندات اليانصيب (١) .
هذا هو ما عليه واقع السندات اليوم بجميع أنواعها لكنها لو غير واقعها وأطلقت على عقد مشروع مثل سندات المقارضة فالعبرة بالمضمون والمدلول وإن كان الأفضل تسميتها بغير السند لأنه اشتهر في الأعراف الاقتصادية إطلاق السند على القروض بالفوائد التي هي محرمة، ولذلك فالأولى إطلاق لفظ الصكوك أو نحوها على أوراق مالية لو وجدت دفعا للالتباس والغموض والاشتباه.
وقد صدر قرار من المجمع الفقهي حول السندات، وهذا نصه:
قرار رقم (٦٢ / ١١ / ٦) بشأن السندات
إن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره السادس بجدة في المملكة العربية السعودية من ١٧ – ٢٣ شعبان ١٤٠ هـ الموافق ١٤ – ٢٠ مارس ١٩٩٠ م.
بعد اطلاعه على الأبحاث والتوصيات والنتائج المقدمة في ندورة (الأسواق المالية) المنعقدة في الرباط ٢٠ – ٢٤ ربيع الثاني الموافق ١٤١٠ هـ ٢٠ – ٢٤ أكتوبر ١٩٨٩ م. بالتعاون بين هذا المجمع والمعهد الإسلامي للبحوث والتدريب بالبنك الإسلامي للتنمية، وباستضافة وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالمملكة المغربية.
стр. 12880
وبعد الاطلاع على أن السند شهادة يلتزم المصدر بموجبها أن يدفع لحاملها القيمة الاسمية عند الاستحقاق مع دفع فائدة متفق عليها منسوبة إلى القيمة الاسمية للسند أو ترتيب نفع مشروط سواء أكان جوائز توزع بالقرعة أم مبلغا مقطوعا أم خصمة.
قرر
١- إن السندات التي تمثل التزاما بدفع مبلغها مع فائدة منسوبة إليه أو نفع مشروط محرمة شرعا من حيث الإصدار أو الشراء أو التداول لأنها قروض ربوية سواء كانت الجهة المصدرة لها خاصة أو عامة ترتبط بالدولة، لا أثر لتسميتها شهادات أو صكوكا استثمارية أو ادخارية أو تسمية الفائدة الربوية الملتزم بها ربحا أو ريعا أو عمولة أو عائدا.
٢- تحرم أيضا السندات ذات الكوبون الصفري باعتبارها قروضا يجري بيعها بأقل من قيمتها الاسمية ويستفيد أصحابها من الفروق باعتبارها خصما لهذه السندات.
٣- كما تحرم أيضا السندات ذات الجوائز باعتبارها قروضا اشترط فيها نفع أو زيادة بالنسبة لمجموع المقرضين أو لبعضهم لا على التعيين فضلا عن شبهة القمار.
٤- من البدائل للسندات المحرمة – إصدارا أو شراء أو تداولا – السندات أو الصكوك القائمة على أساس المضاربة لمشروع أو نشاط استثماري معين بحيث لا يكون لمالكيها فائدة أو نفع مقطوع وإنما تكون لهم نسبة من ربح هذا المشروع بقدر ما يملكون من هذه السندات أو الصكوك – ولا ينالون هذا الربح إلا إذا تحقق فعلا ويمكن الاستفادة في هذا من الصيغة التي تم اعتمادها بالقرار رقم: ٥ للدورة الرابعة لهذا المجمع بشأن سندات المقارضة.
стр. 12881
البدائل الإسلامية:
بخصوص الأسهم فهي كما رأينا حلال وجائز تملكها وتداولها ما دامت تصدرها شركات لا تزاول نشاطا محرما ولا تتعامل في المحرمات وليس لبعض أسهمها ميزة مالية لا تمنح لجميعها كما سبق. ومن هنا فباب الأسهم مفتوح على مصراعيه بهذه الضوابط السابقة.
وأما السندات فهي كما رأينا صكوك تتضمن القرض وفوائده، ولذلك فهي محرمة لأنها تدخل في ربا النسيئة الذي حرمه الكتاب والسنة وأجمع على حرمته العلماء كما سبق.
والبديل عنها يكمن في إصدار صكوك المضاربة سواء كانت لفترة طويلة الأجل أو لمشروع معين أو صكوك المشاركة لمشروع معين وسواء أكانت هذه الصكوك ترد قيمتها في الأخير مرة واحدة أم بالتدريج.
وفي نظري أن الفقهاء والاقتصاديين الإسلاميين تقع عليهم مسؤولية كبيرة في إبداع مجموعة من البدائل الإسلامية المتطورة تتناسب مع حجم التطور الهائل لدى الاقتصاديين الغربيين؛ حيث توصلوا إلى استنباط أساليب عمل وطرق وآليات لتسهيل الأموال وتغطية الإصدارات الجديدة. كما أن على الحكومات وأصحاب الأموال توفير السوق الثانوية لتسهيل مهمة تبادل الأوراق المالية، فالمسؤولية مشتركة بين الجميع ولن تتحقق المهمة إلا إذا قام الجميع بمسؤوليته أمام الله ثم أمام الأمة (١) .
стр. 12882
ولذلك فإن الاقتصار على الأسهم - مهما كان السبب - غير مجد ولا سيما في العالم يأتي فيه الفكر المالي كل يوم بجديد في نطاق السوق الأولية أو في الآليات والأساليب المالية، ولهذا السبب نحاول أن نذكر أنواعا من أوراق مالية مقبولة شرعًا وهي ما يأتي:
- سندات المقارضة أو صكوك المقارضة (١) وقد وضع المجمع الفقهي الموقر في دورته الرابعة ضوابط هذا النوع وشروطه وهذا هو نص قراره:
القرار رقم ٥ بتاريخ ٤ / ٨ / ١٩٨٨ بشأن
سندات المقارضة وسندات الاستثمار
إن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره الرابع بجدة في المملكة العربية السعودية من ١٨ - ٢٣ جمادى الآخرة سنة ١٤٠٨ هـ. الموافق٦ - ١١ فبراير عام ١٩٨٨ م.
بعد اطلاعه على الأبحاث المقدمة في موضوع " سندات المقارضة وسندات الاستثمار"، التي كانت حصيلة الندوة التي أقامها المجمع بالتعاون مع المعهد الإسلامي للبحوث والتدريب بالبنك الإسلامي للتنمية بتاريخ ٦ - ٩ محرم ١٤٠٨ هـ للمجمع وشارك فيها عدد من أعضاء المجمع وخبرائه وباحثي المعهد وغيره من المراكز العلمية والاقتصادية وذلك للأهمية البالغة لهذا الموضوع وضرورة استكمال جميع جوانبه للدور الفعال لهذه الصيغة في زيادة القدرات على تنمية الموارد العامة عن طريق اجتماع المال والعمل.
وبعد استعراض التوصيات العشر التي انتهت إليها الندوة ومناقشتها في ضوء الأبحاث المقدمة في الندوة وغيرها.
стр. 12883
قرر ما يلي:
أولا: من حيث الصيغة المقبولة شرعا لصكوك المقارضة:
١- سندات المقارضة هي أداة استثمارية تقوم على تجزئة رأس مال القراض (المضابة) بإصدار صكوك ملكية برأس مال المضاربة على أساس وحدات متساوية القيمة ومسجلة بأسماء أصحابها باعتبارهم يملكون حصصا شائعة في رأس مال المضاربة وما يتحول إليه بنسبة ملكية كل منهم فيه. ويفضل تسمية هذه الأداة الاستثمارية: (صكوك المقارضة) .
٢- الصورة المقبولة شرعا لسندات المقارضة بوجه عام لا بد أن تتوافر فيها العناصر التالية:
العنصر الأول:
أن يمثل الصك ملكية شائعة في المشروع الذي أصدرت الصكوك لإنشائه أو تمويله وتستمر هذه الملكية طيلة المشروع من بدايته إلى نهايته.
ويترتب عليها جميع الحقوق والتصرفات المقررة شرعا للمالك في ملكه من بيع وهبة ... ورهن وإرث وغيرها مع ملاحظة أن الصكوك تمثل رأس مال المضاربة.
العنصر الثاني:
يقوم العقد في صكوك المقارضة على أساس أن شروط التعاقد تحددها (نشرة الإصدار) وأن (الإيجاب) يعبر عنه (الاكتتاب) في هذه الصكوك وأن (القبول) تعبر عنه موافقة الجهة المصدرة.
стр. 12884
ولا بد أن تشتمل نشرة الإصدار على جميع البيانات المطلوبة شرعا في عقد القراض (المضاربة) من حيث بيان معلومية رأس المال وتوزيع الربح مع بيان الشروط الخاصة بذلك الإصدار على أن تتفق جميع الشروط مع الأحكام الشرعية.
العنصر الثالث:
أن تكون صكوك المقارضة قابلة للتداول بعد انتهاء الفترة المحددة للاكتتاب باعتبار ذلك مأذونا فيه من المضارب عند نشوء السندات مع مراعاة الضوابط التالية:
أ - إذا كان مال القراض المتجمع بعد الاكتتاب وقبل المباشرة في العمل بالمال ما يزال نقودًا فإن تداول صكوك المقارضة يعتبر مبادلة نقد بنقد وتطبق عليه أحكام الصرف.
ب- إذا أصبح مال القراض ديونا تطبق على تداول صكوك المقارضة أحكام تداول التعامل بالديون.
ج- إذا صار مال القراض موجودات مختلطة من النقود والديون والأعيان والمنافع فإنه يجوز تداول صكوك المقارضة وفقا للسعر المتراضى عليه على أن يكون الغالب في هذه الحالة أعيانا ومنافع، أما إذا كان الغالب نقودًا أو ديونا فتراعى في التداول الأحكام الشرعية التي ستبينها لائحة تفسيرية توضع وتعرض على المجمع في الدورة القادمة.
стр. 12885
العنصر الرابع:
إن من يتلق حصيلة الاكتتاب في الصكوك لاستثمارها وإقامة المشروع بها هو المضارب أي عامل المضاربة ولا يملك من المشروع إلا بمقدار ما قد يسهم به بشراء بعض الصكوك، فهو رب مال بما أسهم به بالإضافة إلى أن المضارب شريك في الربح بعد تحققه بنسبة الحصة المحددة له في نشرة الإصدار وتكون ملكيته في المشروع على هذا الأساس.
وأن يد المضارب على حصيلة الاكتتاب في الصكوك وعلى موجودات المشروع هي يد أمانة لا يضمن إلا بسبب من أسباب الضمان الشرعية.
٣- مع مراعاة الضوابط السابقة في التداول:
يجوز تداول المقارضة في أسواق الأوراق المالية إن وجدت بالضوابط الشرعية وذلك وفقا لظروف العرض والطلب ويخضع لإرادة العاقدين. كما يجوز أن يتم التداول بقيام الجهة المصدرة في فترات دورية معينة بإعلان أو إيجاب يوجه إلى الجمهور تلتزم بمقتضاه خلال مدة محددة بشراء هذه الصكوك من ربح مال المضاربة بسعر معين، ويحسن أن تستعين في تحديد السعر بأهل الخبرة وفقا لظروف السوق والمركز المالي للمشروع كما يجوز الإعلان عن الالتزام بالشراء من غير الجهة المصدرة من مالها الخاص على النحو المشار إليه.
٤- لا يجوز أن تشتمل نشرة الإصدار أو صكوك المقارضة على نص بضمان عامل المضاربة رأس المال أو ضمان ربح مقطوع أو منسوب إلى رأس المال فإن وقع النص على ذلك صراحة أو ضمنا بطل شرط الضمان واستحق المضارب ربح مضاربة المثل.
٥- لا يجوز أن تشتمل نشرة الإصدار ولا صك المقارضة الصادر بناء عليها على نص يلزم بالبيع ولو كان معلقا أو مضافا للمستقل وإنما يجوز أن يتضمن صك المقارضة وعدا بالبيع، وفي هذه الحالة لا يتم البيع إلا بعقد بالقيمة المقدرة من الخبراء وبرضاء الطرفين.