البدائل الإسلامية:
بخصوص الأسهم فهي كما رأينا حلال وجائز تملكها وتداولها ما دامت تصدرها شركات لا تزاول نشاطا محرما ولا تتعامل في المحرمات وليس لبعض أسهمها ميزة مالية لا تمنح لجميعها كما سبق. ومن هنا فباب الأسهم مفتوح على مصراعيه بهذه الضوابط السابقة.
وأما السندات فهي كما رأينا صكوك تتضمن القرض وفوائده، ولذلك فهي محرمة لأنها تدخل في ربا النسيئة الذي حرمه الكتاب والسنة وأجمع على حرمته العلماء كما سبق.
والبديل عنها يكمن في إصدار صكوك المضاربة سواء كانت لفترة طويلة الأجل أو لمشروع معين أو صكوك المشاركة لمشروع معين وسواء أكانت هذه الصكوك ترد قيمتها في الأخير مرة واحدة أم بالتدريج.
وفي نظري أن الفقهاء والاقتصاديين الإسلاميين تقع عليهم مسؤولية كبيرة في إبداع مجموعة من البدائل الإسلامية المتطورة تتناسب مع حجم التطور الهائل لدى الاقتصاديين الغربيين؛ حيث توصلوا إلى استنباط أساليب عمل وطرق وآليات لتسهيل الأموال وتغطية الإصدارات الجديدة. كما أن على الحكومات وأصحاب الأموال توفير السوق الثانوية لتسهيل مهمة تبادل الأوراق المالية، فالمسؤولية مشتركة بين الجميع ولن تتحقق المهمة إلا إذا قام الجميع بمسؤوليته أمام الله ثم أمام الأمة (١) .
стр. 12882
ولذلك فإن الاقتصار على الأسهم - مهما كان السبب - غير مجد ولا سيما في العالم يأتي فيه الفكر المالي كل يوم بجديد في نطاق السوق الأولية أو في الآليات والأساليب المالية، ولهذا السبب نحاول أن نذكر أنواعا من أوراق مالية مقبولة شرعًا وهي ما يأتي:
- سندات المقارضة أو صكوك المقارضة (١) وقد وضع المجمع الفقهي الموقر في دورته الرابعة ضوابط هذا النوع وشروطه وهذا هو نص قراره:
القرار رقم ٥ بتاريخ ٤ / ٨ / ١٩٨٨ بشأن
سندات المقارضة وسندات الاستثمار
إن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره الرابع بجدة في المملكة العربية السعودية من ١٨ - ٢٣ جمادى الآخرة سنة ١٤٠٨ هـ. الموافق٦ - ١١ فبراير عام ١٩٨٨ م.
بعد اطلاعه على الأبحاث المقدمة في موضوع " سندات المقارضة وسندات الاستثمار"، التي كانت حصيلة الندوة التي أقامها المجمع بالتعاون مع المعهد الإسلامي للبحوث والتدريب بالبنك الإسلامي للتنمية بتاريخ ٦ - ٩ محرم ١٤٠٨ هـ للمجمع وشارك فيها عدد من أعضاء المجمع وخبرائه وباحثي المعهد وغيره من المراكز العلمية والاقتصادية وذلك للأهمية البالغة لهذا الموضوع وضرورة استكمال جميع جوانبه للدور الفعال لهذه الصيغة في زيادة القدرات على تنمية الموارد العامة عن طريق اجتماع المال والعمل.
وبعد استعراض التوصيات العشر التي انتهت إليها الندوة ومناقشتها في ضوء الأبحاث المقدمة في الندوة وغيرها.
стр. 12883
قرر ما يلي:
أولا: من حيث الصيغة المقبولة شرعا لصكوك المقارضة:
١- سندات المقارضة هي أداة استثمارية تقوم على تجزئة رأس مال القراض (المضابة) بإصدار صكوك ملكية برأس مال المضاربة على أساس وحدات متساوية القيمة ومسجلة بأسماء أصحابها باعتبارهم يملكون حصصا شائعة في رأس مال المضاربة وما يتحول إليه بنسبة ملكية كل منهم فيه. ويفضل تسمية هذه الأداة الاستثمارية: (صكوك المقارضة) .
٢- الصورة المقبولة شرعا لسندات المقارضة بوجه عام لا بد أن تتوافر فيها العناصر التالية:
العنصر الأول:
أن يمثل الصك ملكية شائعة في المشروع الذي أصدرت الصكوك لإنشائه أو تمويله وتستمر هذه الملكية طيلة المشروع من بدايته إلى نهايته.
ويترتب عليها جميع الحقوق والتصرفات المقررة شرعا للمالك في ملكه من بيع وهبة ... ورهن وإرث وغيرها مع ملاحظة أن الصكوك تمثل رأس مال المضاربة.
العنصر الثاني:
يقوم العقد في صكوك المقارضة على أساس أن شروط التعاقد تحددها (نشرة الإصدار) وأن (الإيجاب) يعبر عنه (الاكتتاب) في هذه الصكوك وأن (القبول) تعبر عنه موافقة الجهة المصدرة.
стр. 12884
ولا بد أن تشتمل نشرة الإصدار على جميع البيانات المطلوبة شرعا في عقد القراض (المضاربة) من حيث بيان معلومية رأس المال وتوزيع الربح مع بيان الشروط الخاصة بذلك الإصدار على أن تتفق جميع الشروط مع الأحكام الشرعية.
العنصر الثالث:
أن تكون صكوك المقارضة قابلة للتداول بعد انتهاء الفترة المحددة للاكتتاب باعتبار ذلك مأذونا فيه من المضارب عند نشوء السندات مع مراعاة الضوابط التالية:
أ - إذا كان مال القراض المتجمع بعد الاكتتاب وقبل المباشرة في العمل بالمال ما يزال نقودًا فإن تداول صكوك المقارضة يعتبر مبادلة نقد بنقد وتطبق عليه أحكام الصرف.
ب- إذا أصبح مال القراض ديونا تطبق على تداول صكوك المقارضة أحكام تداول التعامل بالديون.
ج- إذا صار مال القراض موجودات مختلطة من النقود والديون والأعيان والمنافع فإنه يجوز تداول صكوك المقارضة وفقا للسعر المتراضى عليه على أن يكون الغالب في هذه الحالة أعيانا ومنافع، أما إذا كان الغالب نقودًا أو ديونا فتراعى في التداول الأحكام الشرعية التي ستبينها لائحة تفسيرية توضع وتعرض على المجمع في الدورة القادمة.
стр. 12885
العنصر الرابع:
إن من يتلق حصيلة الاكتتاب في الصكوك لاستثمارها وإقامة المشروع بها هو المضارب أي عامل المضاربة ولا يملك من المشروع إلا بمقدار ما قد يسهم به بشراء بعض الصكوك، فهو رب مال بما أسهم به بالإضافة إلى أن المضارب شريك في الربح بعد تحققه بنسبة الحصة المحددة له في نشرة الإصدار وتكون ملكيته في المشروع على هذا الأساس.
وأن يد المضارب على حصيلة الاكتتاب في الصكوك وعلى موجودات المشروع هي يد أمانة لا يضمن إلا بسبب من أسباب الضمان الشرعية.
٣- مع مراعاة الضوابط السابقة في التداول:
يجوز تداول المقارضة في أسواق الأوراق المالية إن وجدت بالضوابط الشرعية وذلك وفقا لظروف العرض والطلب ويخضع لإرادة العاقدين. كما يجوز أن يتم التداول بقيام الجهة المصدرة في فترات دورية معينة بإعلان أو إيجاب يوجه إلى الجمهور تلتزم بمقتضاه خلال مدة محددة بشراء هذه الصكوك من ربح مال المضاربة بسعر معين، ويحسن أن تستعين في تحديد السعر بأهل الخبرة وفقا لظروف السوق والمركز المالي للمشروع كما يجوز الإعلان عن الالتزام بالشراء من غير الجهة المصدرة من مالها الخاص على النحو المشار إليه.
٤- لا يجوز أن تشتمل نشرة الإصدار أو صكوك المقارضة على نص بضمان عامل المضاربة رأس المال أو ضمان ربح مقطوع أو منسوب إلى رأس المال فإن وقع النص على ذلك صراحة أو ضمنا بطل شرط الضمان واستحق المضارب ربح مضاربة المثل.
٥- لا يجوز أن تشتمل نشرة الإصدار ولا صك المقارضة الصادر بناء عليها على نص يلزم بالبيع ولو كان معلقا أو مضافا للمستقل وإنما يجوز أن يتضمن صك المقارضة وعدا بالبيع، وفي هذه الحالة لا يتم البيع إلا بعقد بالقيمة المقدرة من الخبراء وبرضاء الطرفين.
стр. 12886
٦- لا يجوز أن تتضمن نشرة الإصدار ولا الصكوك المصدرة على أساسها نصا يؤدي إلى احتمال قطع الشركة في الربح فإن وقع كان العقد باطلا. ويترتب على ذلك:
أ- عدم جواز اشتراط مبلغ محدد لحملة الصكوك أو صاحب المشروع في نشرة الإصدار وصكوك المقارضة الصادرة بناء عليها.
ب- إن محل القسمة هو الربح بمعناه الشرعي وهو الزائد عن رأس المال وليس الإيراد أو الغلة، ويعرف مقدار الربح إما بالتنضيض أو بالتقويم للمشروع بالنقد وما زاد عن رأس المال عند التنضيض أو التقويم فهو الربح الذي يوزع بين حملة الصكوك وعامل المضاربة وفقا لشروط العقد.
ج- أن يعد حساب أرباح وخسائر للمشروع وأن يكون معلنا وتحت تصرف حملة الصكوك.
٧- يستحق الربح بالظهور ويملك بالتنضيض أو التقويم ولا يلزم إلا بالقسمة وبالنسبة للمشروع الذي يدر إيرادا أو غلة فإنه يجوز أن توزع غلته وما يوزع على طرفي العقد قبل التنضيض (التصفية) فإنه يعتبر مبالغ مدفوعة تحت الحساب.
٨- ليس هناك ما يمنع شرعا من النص في نشرة الإصدار على اقتطاع نسبة معينة في نهاية كل دورة إما من حصة حملة الصكوك في الأرباح في حالة وجود تنضيض دوري وإما من حصصهم في الإيراد أو الغلة الموزعة تحت حساب، ووضعها في احتياطي خاص لمواجهة مخاطر خسارة رأس المال.
٩- ليس هناك ما يمنع شرعا من النص في نشرة الإصدار أو صكوك المقارضة على وعد طرف ثالث منفصل في شخصيته وذمته المالية عن طرفي العقد بالتبرع بدون مقابل بمبلغ مخصص لجبر الخسران في مشروع معين. على أن يكون التزاما مستقلا عن عقد المضاربة، بمعنى أن قيامه بالوفاء بالتزامه ليس شرطا في نفاذ العقد وترتب أحكامه عليه بين أطرافه، ومن ثم فليس لحملة الصكوك أو عامل المضاربة الدفع ببطلان المضاربة أو الامتناع عن الوفاء بالتزاماتهم بها بسبب عدم قيام المتبرع بالوفاء بما تبرع به بحجة أن هذا الالتزام كان محل اعتبار في العقد.
- انتهى قرار المجمع -
стр. 12887
أ- صكوك المضاربة:
هذا وقد كانت وزارة الأوقاف الأردنية قد بدأت بإجراء دراسات اقتصادية وشرعية لإصدار سندات المقارضة وتوفقت في إصدار قانون سندات المقارضة من قبل الحكومة الأردنية عام ١٩٨١ م، ثم إن صكوك المضاربة يمكن أن تتفرع عنها عدة أنواع:
١- صكوك مضاربة طويلة الأجل (عشر سنوات، عشرين مثلا) غير مخصصة لمشروع معين، وإنما تخول مستثمرها (المضارب) حق الاستثمار المطلق (المضاربة المطلقة) ويبين في كل سنة (مثلا) الأرباح التي تحققت أو الخسارة التي لحقت فينال كل صك حصته من الأرباح أو الخسائر وفي حالة الأرباح يمكن صرفها أو إضافتها إلى عملية المرابحة فيعطي في مقابلها صك أو صكوك حسب قدرها وحسب الضوابط السابقة التي بينها المجمع الفقهي.
وحينئذ قد يكون مصدرها الحكومة أو شركة معينة أو بنكا إسلاميا فيكون المضارب وصاحب الصك هو (رب العمل) ، ويأخذ كل واحد منهما نسبته من الربح المتفق عليها.
٢- صكوك المضاربة لمشروع معين (سواء أكان صناعيا أم زراعيا أم تجاريا..) وتكون محددة بمدة معينة حسب عمر المشروع.
وذلك بأن يقسم ما يحتاج إليه المشروع على صكوك متساوية محددة القيمة فيصدرها البنك - مثلا - ثم تطرح في الأسواق فيقوم البنك (المضارب) باستثمار قيمة هذه الصكوك في المشروع نفسه، ويمكن أن توزع الأرباح كل سنة حسب الميزانية ولا مانع من ترحيل جزء منها للاحتياطي الذي سوف يوزع على أصحاب الصكوك والبنك حسب النسب المتفق عليها وعلى ضوء الضوابط التي بينها المجمع الموقر حيث أجاز أن يقوم طرف ثالث بالوعد بالتربع - دون مقابل - بمبلغ مخصص لجبر الخسران في مشروع معين إلى آخر فقرة ٩ من القرار السابق.
وهذه الصكوك تمتاز بعدة مميزات:
وجود نوع من الاطمئنان للمكتتب من خلال وعد الطرف الثالث بجب الخسران لو حدث، وعدم وجود ذلك أكبر عقبة في سبيل التشجيع على المضاربة.
стр. 12888
قابلية هذه الصكوك للتداول - كما أقر ذلك المجمع الموقر- ولا مانع شرعا من أن تكون هذه الصكوك (أو شهادات الاستثمار) محددة بمدة طويلة أو قصيرة حسب قدرة البنك (أو الشركة) فيمكنها أن تصدر صكوك المضاربة أو شهادات الاستثمار لمدة ثلاثة أشهر وحينئذ يمكن استثمارها في المرابحات والمعاملات قصيرة الأجل ويمكن أن يكون لمدد مختلفة.
ومن هنا يتنوع من هذا النوع أنواع مختلفة مما يعطي المصرف مرونة وسيولة جيدة وقدرة على النمو والازدهار.
٣- صكوك المضاربة (أو شهادات الاستثمار) المستردة بالتدرج:
وذلك بأن ترد قيمة الصكوك مع أرباحها (إن وجدت) في مدة زمنية محددة فمثلا أن ترد نسبة معينة مثل (العشر أو الربع) بعد سنتين مثلا وهكذا.
٤- صكوك المضاربة المستردة في آخر المشروع:
وذلك بأن يكون رد المبلغ مع ملاحظة الخسائر والأرباح إن وجدت في آخر المشروع. ويمكن أن توزع الأرباح ويبقى أصل المال لآخر المشروع.
стр. 12889
٥- صكوك المضاربة (الاستثمار) المنتهية بتمليك المشروع:
ويمكن أن يكون رد قيمة صكوك المضاربة من خلال التعويض عنها بجزء من المشروع وذلك بأن تطرح فكرة مشروع معين كبناء عمارة ويصدر له مجموعة من الصكوك (أو شهادات الاستثمار) بحصص متساوية ويكون رد قيمتها في الآخر من خلال تمليك المشروع لأصحاب هذه الصكوك حسب حصصهم وشهاداتهم، ولا شك أن البنك المصدر يأخذ نسبته من الأرباح السنوية وهكذا.
٦- صكوك المضاربة على شكل فئات متنوعة مثل ١٠٠ دولار أو أكثر أو أقل لمدة محددة لثلاث سنوات قابلة للتجديد ويصرف الربح إن وجد كل ستة أشهر مثلا.
ب- شهادات الاستثمار للبنك الإسلامي للتنمية:
حيث قام البنك بإصدار شهادات تمثل ملكية المستثمرين، وجاء وصف شهادات الاستثمار في محفظة البنوك الإسلامية التي يديرها البنك الإسلامي للتنمية بأنها "المستندات التي تمثل نصيبا في ملكية المحفظة، ويصدرها البنك الإسلامي للتنمية وتسجل في سجل الشهادات بأسماء مالكيها".
стр. 12890
وتخصص هذه المحفظة لتمويل تجارة الدول الإسلامية، وتكون موجوداتها تحت يد البنك بصفته مضاربا (١) .
ويوجد لهذه الشهادات نوعان:
النوع الأول:
شهادات الإصدار الأساسي:
وهي مجموع الشهادات التي تصدر عند تأسيس المحفظة وتقتصر ملكيتها على البنك الإسلامي للتنمية والبنوك والمؤسسات المالية الإسلامية الأخرى.
النوع الثاني:
شهادات الإصدارات اللاحقة:
وهي مجموع الشهادات التي تصدر بعد تأسيس المحفظة وتطرح للاكتتاب العام. وهذه الشهادات تتمتع بإمكانية التسييل بإحدى الوسيلتين:
١- البيع إلى مؤسسة مصرفية إسلامية بالسعر الذي يتفق عليه (وذلك بعد فترة الاكتتاب والتشغيل الفعلي)
٢- شراء البنك الإسلامي للتنمية حيث تعهد بشراء ما قد تعرض البنوك الإسلامية بيعه مما تملكه من شهادات وذلك بحد أقصى ٥٠ % مما يملكه البنك الواحد من الإصدار الأساسي (٢) .
ج- أسهم المشاركة دون التصويت:
القاعدة العامة في الأسهم هي الحل إلا إذا كان مجال نشاطها المحرمات - كما سبق تفصيله - وإلا أسهم امتياز يكون الامتياز فيها عائدا إلى ميزة مالية - كما سبق -.
стр. 12891
ونظرا لحاجة المؤسسات الإسلامية إلى هذا النوع وبعد نظرها في عدم هيمنة من لا يرغب فيه على مقدرات الشركة، فإن هذه المؤسسات بالتعاون مع الفقهاء والاقتصاديين الإسلاميين قد وفقوا إلى أسهم امتياز يكون لصاحبها جميع الحقوق الممنوحة للأسهم العادية ما عدا حق التصويت في الجمعية العمومية، وقد يسر الله تعالى عملية نقل الأفكار من الإطار النظري إلى الواقع العملي من خلال تأسيس شركة التوفيق للصناديق الاستثمارية في ٥ / ١ / ١٩٨٧ م، وشركة الأمين للأوراق المالية في ٢٨ / ٦ / ١٩٨٧ في دولة البحرين، وهما تهدفان إلى طرح أدوات مالية جديدة لجمهور المكتتبين. كما تتخذ الصناديق الاستثمارية أشكالا متنوعة من حيث الربحية والمخاطرة والمدة، حيث يمكنها أن تكون صناديق مرابحات أو تأجير أو سلم أو مشروعات، وقد صدر بذلك قرار وزاري رقم ١٧ في البحرين لسنة ١٩٨٦ يسمح بتأسيس شركات مساهمة إسلامية (١) .
стр. 12892
وكذلك قام بنك التقوى (الذي أسس في بهاما عام ١٩٨٨) بتطبيق هذا النوع حيث يصدر نوعين من الأسهم؛ يخصص النوع الأول للأسهم العادية، والنوع الثاني لأسهم الامتياز التي ليس لصاحبها حق حضور الجمعية العامة، أو التصويت فيها ويمكن دفع قيمتها على ثلاثة أقساط متساوية بين كل قسط وآخر ستة أشهر ويدفع أولها من الاكتتاب.
وقد كان لهيئة الرقابة الشرعية للبنك دور كبير في الوصول إلى هذه الصيغة كما نص على ذلك النظام الأساسي (١) .
وإعطاء هذه الميزة (أي التقسيط) لهذا النوع من الأسهم لا يخالف الشريعة الغراء لأنه لا يحسب له الربح إلا بقدر قسطه المدفوع وإنما هو نوع من التيسير أعطوه برضا المساهمين، ثم إن التكييف الشرعي لهذه المسألة يكمن في أن صاحب الأسهم الممتازة حينما دفع القسط الأول لهذا أصبح مشتركا بهذا القدر ثم وعد بأن يكمل البقية، فمثلا لو دفع شخص الأقساط الأولية لثلاثين سهما فهو قد شارك فعلا بعشرة أسهم وبالقسط الثاني قد شارك في العشرة الأخرى وبالقسط الثالث قد أكمل الثلاثين، أي أنه اشترى أولا عشرة ووعد أن يشتري البقية المتفق عليها، وهذا لا مانع منه شرعا.
стр. 12893
أما قضية التصويت في الجمعية العمومية فهي عملية إدارية يجوز لأي واحد من الشركاء أن يتنازل عن حقه في هذه المشاركة الإدارية - كما سبق -.
د- شهادات التأجير أو الإيجار المتناقصة:
وهي شهادات اهتدى إليها بيت التمويل التونسي السعودي بفضل استشارات وتوصيات رقابته الشرعية، اشتراها من الشركة التونسية للتأجير، وذلك كالآتي:
تقتني الشركة التونسية للتأجير معدات وتؤجرها إلى زبائنها بسعر كراء معين، وتنقل ملكية المعدات إلى الزبون عند انتهاء العقد ودفع كل أقساط الكراء، وطوال مدة الإيجار تصدر الشركة التونسية للتأجير شهادات لصالح مشترين بقيمة معينة تمثل قسطا من ثمن شراء المعدات، ويتقاضى المشترون للشهادات نصيبا من دخل الكراء.
ويقول الدكتور المنصف: ويبدو أن هذا النوع من التمويل يحترم السلامة الاقتصادية فلا يوزع ثروة (صورية) ، كما يراعي قواعد الشريعة الإسلامية ويساهم في تنشيط سوق الأوراق المالية ويفتح المجال أمام تداولها في أسواق الإصدار أو الأسواق الثانوية (١) .
وهذه الشهادات تشبه شهادات الاستثمار المخصص، لكنها تختلف عنها في أنها تمثل نوعا من المساهمة المتناقصة حيث تشمل أقساط الإيجار أرباح المؤجر إضافة إلى استهلاك رأس المال؛ وعلى هذا فإن شهادات الإيجار هذه سوف تصفى تدريجيا حتى تنتهي تماما مع آخر الأقساط (٢) .
стр. 12894
وبالإضافة إلى هذا النوع الذي رأى النور فليس هناك ما يمنع من إصدار شهادات إيجار غير متناقصة القيمة تقدم كاملها معدل ربح أعلى من الشهادات المتناقصة نتيجة لإمكان إعادة استثمار الأقساط المدفوعة، وذلك لأن المصرف (مثلا) يستثمر حصيلة الأقساط المدفوعة في عقود إيجارات جديدة.
وهذا النوع يمكن تسميته بشهادات الإيجار الثابتة (١) .
هـ – صكوك المشاركة:
إذا نظرنا إلى فلسفة الاقتصاد الإسلامي لوجدنا أنها تقوم على أساليب للمشاركة بمختلف صورها من المشاركة بالأموال، ثم المشاركة الحقيقية في أرباحها وخسائرها، أو المشاركة بالمال من جانب والعمل والخبرة من جانب آخر ثم مشاركة الطرفين في الربح وفى الخسارة حيث خسر صاحب المال ماله أو جزءا منه وخسر صاحب العمل عمله وضاع عليه الوقت دون أن يربح، وهكذا فالمشاركة في الربح والخسارة وفي الغرم والغنم وفي المخاطرة هي أساس الاقتصاد الإسلامي.
وهذا الأساس (أي المشاركة) هو الذي يمكن الاقتصاد من ربط الدورة الاقتصادية (أي إنتاج السلع والخدمات) بالدورة المالية (أي النقود) وحينئذ يتقلص خطر الانزلاق بين هاتين الدورتين، ذلك الانزلاق الخطير الذي سبب كوارث مختلفة للبنوك والمؤسسات الاقتصادية والأسواق المالية (٢) .
وإذا كانت المشاركة ضمانا لتقليص خطر الانزلاق فإن هذا المبدأ يكمله مبدأ آخر إسلامي وهو التكافل والتعاون من خلال تخصيص جزء معين من أرباح الشركة للمخاطر وذلك بأن يتنازل المساهمون عن نصيب ضئيل من أرباحهم يكمل به الخسارة التي تلحق بعض الصفقات أو في بعض السنوات.
وهذا بلا شك لا مانع منه شرعا بالنسبة للمساهمين؛ لأن الشركة أولا وأخيرا لهم، وهذا القدر يرحل إلى احتياطي الشركة وهو بدوره جزء منها.
стр. 12895
ولكن المشكلة من الناحية الشرعية تظهر بالنسبة للمودعين المستثمرين، حيث إن هؤلاء لا يتحملون الخسارة إلا بقدر الخسارة التي تحققت لأموالهم وحسب سنوات المشاركة؛ ولذلك فالعلاج يمكن أن يتم في إحدى الصور التالية:
١- أن يعد طرف ثالث بالتربع لمثل هذه الخسارة إن تحققت كما في البند ٩ من قرار المجمع بخصوص صكوك المضاربة - كما سبق -.
٢- أن يتم تحديد مشروع معين يشترك فيه المضاربون ويلتزمون بالمدة المحددة له وحينئذ يتفقوا على تخصيص جزء من الأرباح لمثل هذه المخاطر ثم يتم توزيع الأرباح جميعا بما فيها الاحتياطي على الجميع حسب النسب المتفق عليها.
وهذا العمل يكيف فقها بأن المضاربة أو المشاركة لم تنته إلا بإتمام المشروع، أو بعبارة أخرى: إن البضاعة لم تنضض إلا بانتهاء المشروع، ومن هنا فجميع الأرباح والخسارة محسوبة حسب المشروع كله، وما عمل من الميزانيات السنوية فهي من باب التنضيض الجزئي والحكمى.
وصكوك المشاركة - غير المضاربة - لها صور:
١- الأسهم بجميع أنواعها المباحة - كما سبق -.
٢- شهادات المشاركة في مشروع معين والإدارة لمصدرها وذلك بأن يطرح المصرف الإسلامي (أو الشركة) مجموعة من الشهادات بحصص متساوية تخصص لمشروع معين يشترك المصرف نفسه بنسبة محددة (كالنصف والربع مثلا) فيكون الجميع شركاء بما فيهم المصرف مصدر الشهادات، وسواء أكان المشروع صناعيا أم زراعيا أم تجاريا أم نحو ذلك من هذا كله.
ثم يقوم المصرف بإدارة هذا المشروع لقاء نسبة من الأرباح.
стр. 12896
وهذه الشهادات بهذه الصورة تختلف عن الأسهم في عدة صور؛ من أهمها أن أصحابها لا يشتركون في إدارة المشروع، ومنها أنها محددة بمدة معينة ولا تنطبق عليها مواصفات شركة المساهمة.
٣- شهادات المشاركة في مشروع معين تكون الإدارة لجهة أخرى.
وهذا النوع هو مثل النوع الأول لكن إدارة المشروع المشترك بين المصرف (مصدر الشهادات) وأصحاب الشهادات تكون لجهة أخرى نسبة من الأرباح.
٤- ومن جانب آخر يمكن إصدار صكوك أو شهادات المشاركة بالطرق التالية:
* صكوك المشاركة الدائمة.
* صكوك المشاركة المؤقتة بفترة زمنية محددة.
* صكوك المشاركة المنتهية بالتمليك. أما النوع الأول (صكوك المشاركة الدائمة) فله تطبيقاته من خلال الأسهم بجميع أنواعها المباحة، وكذلك يمكن للبنك أن يطرح صكوكًا لمشروع معين يشترك فيه البنك بنسبة معينة ويطرح الباقي على شكل صكوك سواء أكانت الإدارة للبنك المصدر أم للمجموعة المشاركة أم لجهة ثالثة كما سبق.
وأما النوع الثاني (صكوك المشاركة المؤقتة بفترة زمنية محددة) فله عدة صور:
١- صكوك المشاركة المستردة بالتدرج:
وهذا النوع قد تبناه بنك التقوى بعد إقرار هيئة الرقابة الشرعية (١) ، وإجراء التعديلات والضوابط المطلوبة، وخلاصة هذه الفكرة أن تدفع القيمة الدفترية لشراء هذه الأسهم إلى جانب مصاريف الإصدار، ثم تعامل معاملة الأسهم التي ليس لها حق التصويت في الجمعية العمومية ولا حق الحضور إليها، ثم يسترد قيمتها على خمسة أقساط متساوية، ويصرف لحاملها سنويا ما يتقرر توزيعه من حساب الربح أو الخسارة مثله مثل حاملي الأسهم الأخرى على أن يكون فقط بنسبة الرصيد الذي لم يحن موعد استرداده.
ولهذا النوع مميزات بالنسبة للمضاربة، حيث يكون لأصحاب هذا النوع من الأسهم نسبة أرباح تساوي بقية الأسهم الأخرى، أي يكون لهم نسبة ربح أموال البنك من المضاربة إضافة إلى المشاركة في أرباح البنك (كمضارب) أي أنهم كحاملي الأسهم العادية في هذه المسألة، ولذلك تكون نسبة أرباحهم أكثر من أصحاب المضاربة.
стр. 12897
وأما مميزاتها بالنسبة للأسهم الأخرى فتكمن في أن هذه الأسهم القابلة للاستراد سترد في الفترات المحددة، أي البنك ملزم برد قيمتها مع ملاحظة أنهم سيكونون في حاجة إلى أموالهم بعد بضع سنين ولا يستطيعون الاستمرار في استثمارها في رأس مال البنك.
وأما سلبياتها بالنسبة للمضاربة فهي أنها لا يمكن سحب قيمتها إلا حسب الجدول المذكور في حين أن أموال المضاربة يمكن سحبها بإخطار قبل سنة ميلادية تبدأ في أول يناير.
وأما سلبياتها بالنسبة للأسهم الأخرى فهي أنها ليس لها صوت ولا حضور في الجمعية العمومية للبنك وأن نسبة زيادة قيمتها حسب الرصيد الباقي سنويا (١)
ويمكن طرح هذا النوع للمشروعات الخاصة أو العامة.
٢- صكوك المشاركة المستردة خلال زمن محدود كأن يصدر البنك صكوكا للمشاركة في مشروع معين أو في مشروعات عامة دون تخصيص ويحددها بخمس سنوات أو عشر أو أكثر أو أقل ويشترك فيه البنك بنسبة معينة ثم يصفى المشروع ويأخذ كل واحد نصيبه أو يبقى المشروع ويتفق فيه على أن ينتهي بأن يتملكه الطرف الأول أو الثاني حسب الاتفاق.
٣- صكوك المشاركة المنتهية بالتمليك:
والمشاركة المنتهية بالتمليك لها عدة صور؛ من أهمها ما أقره مؤتمر المصرف الإسلامي الذي انعقد بدبي عام ١٣٩٩ هـ وهي:
الصورة الأولى: أن يتفق المصرف مع عميله على تحديد حصة كل منهما في رأس مال المشاركة وشروطها، وقد رأى المؤتمر أن يكون بيع حصص المصرف الى العميل بعد إتمام المشاركة بعقد مستقل بحيث يكون للعميل شريك المصرف حرية التصرف ولا يلتزم بأن يبيع حصصه للبنك خاصة؛ بل يكون له الحق في بيعها للمصرف أو لغيره، وكذلك يكون الأمر بالنسبة للمصرف بأن تكون له حرية بيع حصصه للعميل شريكه أو لغيره.
الصورة الثانية: أن يتفق المصرف مع عميله على المشاركة في التمويل الكلي أو الجزئي لمشروع ذي دخل متوقع، وذلك على أساس اتفاق المصرف مع الشريك الآخر لحصول المصرف على حصة نسبية من صافي الدخل المتحقق فعلا مع حقه بالاحتفاظ بالجزء المتبقي من الإيراد أو أي قدر منه يتفق عليه ليكون ذلك الجزء مخصصا لتسديد أصل ما قدمه المصرف من تمويل.
الصورة الثالثة: يحدد نصيب كل من المصرف وشريكه في الشركة في صورة أسهم تمثل قيمة الشيء موضوع المشاركة (عقار مثلا) ، يحصل كل من الشريكين (المصرف والشريك) على نصيبه من الإيراد المتحقق من العقار.
стр. 12898
وللشريك إذا شاء أن يقتني من هذه الأسهم المملوكة للمصرف عددا معينا كل سنة بحيث تكون الأسهم الموجودة في حيازة المصرف متناقصة إلى أن يتم تمليك شريك المصرف الأسهم بكاملها، فتصبح له الملكية المنفردة للعقار دون شريك آخر (١) .
و سندات الخزينة المخصصة للاستثمار الإسلامي:
وقدم الدكتور سامي حمود هذه الفكرة، وأسس فكرة إصدارها على القواعد التالية:
١- إصدار سندات الخزينة للمشاركة في المشاريع المنتجة للدخل وذلك على أساس بيع المشروع المعين، وجملة من المشروعات مقابل إعطاء سندات تمثل حصص امتلاك وانتفاع بريع المشروع أو المشروعات المعينة.
٢- إصدار الخزينة الإيجارية لمشاريع مملوكة لمؤسسات وشركات مساهمة ذات نفع عام، وذلك باعتبار أن هذه السندات تمثل حصص امتلاك قابلة للتأجير.
٣- إصدار سندات الخزينة البترولية بطريق السلم، وذلك على أساس بيع الإنتاج المستقبل مع تنظيم بيوع السلم الأول والبيوع الموازية من أجل الموازنة بين الكميات المسلم فيها بالبيع والمطلوبة بالشراء.
стр. 12899
ويقول الدكتور سامي: "وتعتبر هذه الإدارة واحدة من أنجح الوسائل الملائمة للدول البترولية حيث يساعد الإنتاج البترولي الضخم على اجتذاب آلاف الملايين من الدراهم والدنانير والريالات التي لا تجد طريقها للمشاركة في التنمية الوطنية" (١) .
غير أن هذه السندات (أو الصكوك أو الشهادات) لا بد من ملاحظة القواعد الشرعية فيها؛ من حيث المشاركة وعدم ضمان المصدر لرأس المال (أي وجود المخاطرة) وعدم تحديد أية نسبة من الفوائد، وإنما ربطها بالأرباح الحقيقية؛ إضافة إلى شروط عقد السلم من حيث المواصفات، ومن حيث تسليم الثمن في مجلس العقد عند الجمهور أو في خلال أيام عند مالك (٢) .
ز- صكوك المرابحة:
وقد طرح هذه الفكرة الدكتور سامي حمود في ندوة البركة الثانية التي عقدت بتونس من ٤ إلى ٧ نوفمبر سنة ١٩٨٤ م، وقال: "وقد كان بيع المرابحة من أبرز الأمثلة المختارة لبيع الحصص الاستثمارية باعتبار أن بيع المرابحة بعد أن يتم يمكن فيه تماما معرفة الربح وموعد تحققه ونسبة ما يستحق من الزمن وما يتبقى لما هو باق من الأيام، وإذا كانت الديون بحد ذاتها لا تباع إلا مثلا بمثل، فإن هذه الديون إذا كانت جزءا من موجودات مختلطة مع النقود والأعيان فإنها تصبح قابلة للبيع؛ ولذا جاز في المخارجة (٣) .
وقد كانت هذه الفكرة متمثلة في إنشاء شركة تابعة لبنك البركة الإسلامي في البحرين تكون متخصصة في تمويل المرابحة وتكون أسهمها قابلة للبيع والشراء وفق أسعار معلنة مقدما على أساس محسوب تبعا للعمليات المنفذة والأرباح المستحقة في بيوع المرابحة القائمة، وذلك باعتبار أن السهم في الشركة التابعة يمثل جزءا شائعا في موجودات الشركة بكاملها، وقد صدر قرار وزاري بالبحرين لإنشاء شركة إسلامية مساهمة تمارس الإصدارات المختلفة في صناديق المرابحة والإيجار والسلم والمشروعات وإيجاد أدوات مالية إسلامية تتمتع بالسيولة والربحية والقابلية للتسويق المنظم على أساس السعر المعلن والمكشوف (٤) .
стр. 12900
مدى إمكانية رد السندات إلى المضاربة الشرعية:
السندات التي تصدرها الحكومات أو البنوك الربوية أو الشركات بصورتها الحالية عقد قرض بفوائد محددة سنويا، فهي إذن من الربا المحرم حسب التكييف الشرعي - كما سبق -.
ولكنه مع ذلك إذا أريد أن تكون هذه السندات مشروعة لا بد أن تصاغ عقودها وإصداراتها على أساس المضاربة الشرعية التي يكون للمضارب ورب المال المشاركة في الربح حسب الاتفاق، وإذا حدثت الخسارة فإن رب المال يتحملها، فإذا صيغت بهذه الصورة فلا مانع منها شرعا إذا لم يكن متضمنة أمورا أخرى لا يجيزها الشرع.
وكذلك يمكن صياغتها على أساس عقود المشاركات أو أي عقد لا يتوفر فيه مصادمة مع نص شرعي، وذلك لأن الأصل في العقود والشروط الإباحة إلا إذا دل دليل على الإفادة منها (١) .
وقد وضع قرار المجمع الفقهي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي مجموعة من الضوابط يمكن الإفادة منها (٢) .
العقود التي يمكن أن تصاغ منها الصكوك أو السندات المشروعة:
١- المضاربة بجميع صورها - كما سبق -.
٢- المشاركة بجميع صورها - كما سبق -.
٣- الإجارة، وقد سبق أننا ذكرنا شهادات التأجير أو الإيجار المتناقصة - كما سبق-.
ويمكن صياغة صكوك للإجارة المنتهية بالتمليك، بحيث تصدر سندات لمشروع خاص يقوم به البنك، ثم يتفق مع مجموعة من الناس (أو شخص أو جهة) أن يؤجره لهم على شكل الإيجار المنتهي بالتمليك فيصدر البنك مجموعة من السندات لهذا المشروع.
وقد صدر قرار من مجمع الفقه الإسلامي بشأن التأجير المنتهي بالتمليك هذا نصه:
стр. 12901
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه.
قرار رقم (٦) ٥ / ٩ / ١٩٨٨
بشأن الإيجار المنتهي بالتمليك
إن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره الخامس بالكويت من ١ إلى ٦ جمادى الأولى ١٤٠٩هـ الموافق ١٠ـ١٥ ديسمبر ١٩٨٨.
بعد اطلاعه على البحوث المقدمة من الأعضاء والخبراء في موضوع الإيجار المنتهي بالتمليك واستماعه للمناقشات التي دارت حوله.
واطلاعه على قرار المجمع في الدورة الثالثة بشأن الإجابة عن استفسارات البنك الإسلامي للتنمية رقم (١) فقرة (ب) بخصوص عمليات الإيجار.
قرر
أولًا: الأولى الاكتفاء عن صور الإيجار المنتهي بالتمليك ببدائل أخرى، منها البديلان التاليان:
الأول: البيع بالأقساط مع الحصول على الضمانات الكافية.
الثاني: عقد إجارة مع إعطاء المالك الخيار للمستأجر بعد الانتهاء من وفاء جميع الأقساط الإيجارية المستحقة خلال المدة في واحد من الأمور التالية:
• مد مدة الإجارة.
• إنهاء عقد الإجارة ورد العين المأجورة إلى صاحبها.
• شراء العين المأجورة بسعر السوق عند انتهاء مدة الإجارة.
ثانيًا: هناك صور مختلفة للإيجار المنتهي بالتمليك تقرر تأجيل النظر فيها إلى دورة قادمة بعد تقديم نماذج لعقودها وبيان ما يحيط بها من ملابسات وقيود بالتعاون مع المصارف الإسلامية بدراستها وإصدار القرار بشأنها. والله أعلم.
وقد صدرت فتوى عن الندوة الفقهية الأولى لبيت التمويل الكويتي ١٩٨١ بشأن التأجير المنتهي بالتمليك تنص على أنه:
إذا وقع التعاقد بين مالك ومستأجر على أن ينتفع المستأجر بمحل العقد بأجرة محددة بأقساط موزعة على مدة معلومة على أن ينتهي هذا العقد بملك المستأجر للمحل فإن هذا العقد يصح إذا روعي فيه ما يأتي:
أـ ضبط مدة الإجارة وتطبيق أحكامها طيلة تلك المدة.
ب ـ تحديد مبلغ كل قسط من أقساط الأجرة.
ج ـ نقل الملكية إلى المستأجر في نهاية المدة بواسطة هبتها إليه تنفيذًا لوعد سابق بذلك بين المالك والمستأجر.
مجالات تطبيق الإجارة المنتهية بالتمليك:
يمكن تطبيقها في نطاق العقارات أرضًا أو بناءً أو موزعة، وفي الآلات والمعدات المختلفة، وفي السفن والطائرات والسيارات وأجهزة الكمبيوتر ونحوها.
ويمكن كذلك إصدار سندات للإجارة العادية (أي غير منتهية بالتمليك) سواء أكانت إجارة الأعيان منقولة أم غير منقولة أم إجارة على الأعمال.
والبنوك الإسلامية اليوم تستخدم إجارة الأعيان بشكل واسع فتشتري السفن أو الطائرات وتؤجرها في مقابل أجرة معينة، ويمكن توسيع نطاقها إلى جميع الأعيان، وتنظم حالاتها من خلال عقود نمطية.
стр. 12902
والإجارة كما هي معروفة إما إجارة على عين معينة كتحديد عقار معين للاستئجار أو على شخص، أو على شيء موصوف في الذمة مثل الإجارة على أن يلتزم البنك بتوفير سفينة موصوفة بالأوصاف الدقيقة لإيجارها.
ويمكن إصدار سندات بالإجارة بكل أنواعها في مشروعات معينة، يقوم البنك بتخصيصها لهذه المشروعات على ضوء الضوابط الشرعية (١) .
٤ ـ المزارعة: وهي شركة في الزرع بحيث يقدم صاحب الأرض المزروعة أرضه والآخر عمله وجهده الزراعي ويكون الناتج من الزرع بينهما حسب الاتفاق.
٥ ـ وكذلك الأمر في المساقاة: وهي شركة في الثمرة ويقدم صاحب الأشجار أشجاره والآخر يقوم برعايتها على أن يكون الناتج من الثمر بينهما حسب الاتفاق.
وهذان العقدان محل إجماع بين الفقهاء (٢) ويمكن صياغة صكوك المزارعة وصكوك المساقاة على غرار صكوك المضاربة التي ذكرناها.
٦، ٧ ـ صكوك السلم وبيع الأجل:
كذلك يمكن إصدار صكوك بعقد السلم تنظم فيه مسائله حيث إنه يعالج العقود التي ترد على السلع المستقبلية، كما أن بيع الأجل يعالج الأثمان الآجلة، ويمكن صياغة صكوك في هذين النوعين بضوابطهما الشرعية، ولا سيما في السلم (٣) ، وسيأتي له تفصيله.
٨ ـ صكوك الاستصناع:
وهذا النوع في نظري أهم الأنواع في علاج كثير من الموضوعات المعاصرة، ومع ذلك لم يول عناية مناسبة، لذلك سيكون بحثنا الخاص بالاستصناع منصبًّا على هذا الجانب بشكل تأصلي إن شاء الله (٤)
стр. 12903
٩ ـ المرابحة:
كما هي معروفة، وقد ألفت فيها كتب كثيرة ولاسيما في عصرنا الحاضر حيث لا تزال البنوك الإسلامية تعتمد عليها اعتمادًا كبيرًا باعتبارها أسلوبًا مرنًا من أهم أساليب التداول الشائعة (١) .
وقد نوقش في ندوة البركة للاقتصاد الإسلامي التي عقدت بتونس في ٤ـ٧ نوفمبر ١٩٨٤. كيفية صياغة صكوك بيع المرابحة باعتباره من أبرز الأمثلة المختارة لبيع الحصص الاستثمارية، حيث يمكن بعد إتمام العقد معرفة الربح وموعد تحققه ونسبة ما يستحق من الزمن وما يتبقى كما هو باقي من الأيام (٢)
وكان مبنى الفكرة المعروضة على العلماء المشاركين في الندوة قائمًا على أن تنشأ شركة تابعة لبنك البركة الإسلامي في البحرين تكون متخصصة في تمويل المرابحة وتكون أسهمها قابلة للبيع والشراء وفق أسعار معلنة مقدمًا على أساس محسوب تبعًا للعمليات المنفذة والأرباح المستحقة في بيوع المرابحة القائمة باعتبار أن السهم في الشركة التابعة يمثل جزءا شائعًا في موجودات الشركة بكاملها (٣)
ضمانات السندات:
يوجد عادةً حسب النظام السائد ـ نوعان من الضمان لأصحاب هذه السندات هما:
النوع الأول: أن تعطي الجهة المصدرة ضمان رأس المال أو رأس المال وفوائدها وقد تقوم جهة ثانية بإعطاء هذا الضمان لمن يشتري هذه السندات.
النوع الثاني: خلو السندات عن أي ضمان، وهذا ما يقع بالنسبة للشركات الكبرى حيث تعتمد على سمعتها وثقة الناس بها بحيث تصبح قابلة للتداول ما دامت الشركة الكبيرة الفلانية أصدرتها (٤)
стр. 12904
ولكن السندات في ظل النظام الرأسمالي لا تخلو من تحديد فوائدها مقدمًا كما أنه من الطبيعي استرداد رأس مالها وفوائدها حسب المدة المتفق عليها مقدمًا.
وفي الفقه الإسلامي لا يجوز بالإجماع (١) ضمان رأس مال الصكوك من قبل الجهة المصدرة ولكنه يجوز أن تقوم جهة ثانية ـ كالدولة مثلًا ـ بإعطاء هذا الضمان للسندات التي أصدرتها البنوك أو الشركات. وهذا ما أجازه مجمع الفقه الإسلامي في قراره رقم ٥ في دورت هالرابعة بجدة في ١٨ـ٢٣ جمادى الآخرة ١٤٠٨هـ، القاضي بأنه: "ليس هناك ما يمنع شرعًا من النص في نشرة الإصدار أو صكوك المضاربة على وعد طرف ثالث منفصل في شخصيته وذمته المالية عن طرفي العقد بالتبرع بدون مقابل بمبلغ مخصص لجبر الخسران في مشروع معين، على أن يكون التزامًا مستقلًّا عن عقد المضاربة ".
ومن المعلوم بداهةً حرمة الفوائد المضافة إلى رأس المال في السندات (وفي غيرها) وكذلك ضمانها.
كذلك لا مانع شرعًا من أن تضمن الجهة المصدرة للصكوك قيامها بشرائها تطمينًا لمن يشتريها وهذا هو الحال في شهادات الإصدار اللاحقة من شهادات الاستثمار للبنك الإسلامي للتنمية حيث يتمتع هذا النوع بإمكانية التسييل بإحدى الوسيلتين.
الأولى: البيع إلى مؤسسة مصرفية إسلامية بالسعر الذي يتفق عليه وذلك بعد فترة الاكتتاب والتشغيل الفعلي.
الثانية: شراء البنك الإسلامي للتنمية، حيث تعهد بشراء ما قد تعرض البنوك الإسلامية بيعه مما تملكه من شهادات وذلك بحد أقصى ٥٠ % مما يملكه البنك الواحد من الإصدار الأساسي (٢)
стр. 12905
المبحث الثالث
الاستفادة العملية من العقود في سوق المال الإسلامية
ذكرنا فيما سبق أن العقود التي يمكن صياغة الصكوك منها تسعة عقود مع مراعاة الضوابط الشرعية لكل عقد، ونقول هنا: إنه لا مانع من التفكير في أي عقد جديد يصلح أن يكون أداة من أدوات السوق ما دام لا يتعارض مع نصوص الكتاب والسنة والإجماع الصريح، وذلك لأن الأصل في العقود والشروط الإباحة إلا إذا دل دليل على حرمتها (١)
وبما أن المجمع الموقر في ورقته قد طرح عدة أمور وعقود لبحثها، لذلك سنخصصها بمزيد من البحث:
١ ـ الاستفادة من السلم:
السلم كما هو معروف بيع شيء موصوف في الذمة إلى أجل معلوم بثمن معجل، أو أنه عقد على موصوف في الذمة، ويجوز أن يكون الثمن نقودًا أو غيرها، والمسلم فيه أي شيء يمكن ضبطه عن طريق الوصف، ويشترط فيه تعجيل الثمن في مجلس العقد عند الجمهور، وعدم تأخيره أكثر من ثلاثة أيام عند المالكية (٢) ، وأن يكون الأجل معلوما، إما تحديدا، أو حسب العرف كالحصاد والجذاذ، والمقدار محدد وزنًا أو وكيلًا، أو عددا، أو ذرعًا، وأن يكون المسلم فيه مما ينضبط بالصفات التي يختلف الثمن باختلافها، وأن يكون مقدور التسليم عليه عند الحلول.
والسلم يمكن أن يكون في جميع السلع والمعادن، والحيوان والبضائع، وحتى في المنافع عند جماعة من الفقهاء، كما أنه يمكن تجزئة تسليم المسلم فيه على أوقات متفرقة معلومة، وأيضًا يمكن أن يكون سلمًا حالًّا، أو مؤجلًا، وكذلك يمكن أن يكون رأس مال السلم نقدًا، أو سلعة أو طعامًا، أو حيوانًا، أو نحو ذلك (٣) .
والمقصود أن دائرة عقد السلم واسعة تسع كثيرًا من الأمور، ولذلك يمكن الإفادة منه في سوق المال الإسلامية إفادة كبيرة، باعتباره عقدًا فيه مرونة كبيرة، ويحقق كثيرًا من مصالح المجتمع، ومنافع للعاقدين، ولاسيما لمن لم يكن لديه السيولة، أو لديه الأعيان في المستقبل، أو هو قادر على توفيرها في الوقت المحدد، كما أن تداول عقود السلم يؤدي إلى نوع من الضمان، والتشجيع على الإنتاج المستقبلي في الزراعة والصناعة ونحوهما.
стр. 12906
ففيه فائدة للمسلم إليه (البائع) حيث يستفيد من السيولة المتحققة لديه للإنتاج الزراعي، أو الصناعي، أو التجارة، كما أن المسلم (المشتري) يستفيد من تصريف نقوده وتدويرها واستثمار فائض أمواله من خلال رخص الثمن، وتحقيق الأرباح.
وإدارة سوق المال يمكن الإفادة منها من خلال تداول عقود السلم، وصكوكه والسمسرة فيها ونحو ذلك.
التصرفات في المسلم فيه:
تصرفات المسلم في المسلم فيه إما أن تكون بعد القبض، أو قبله، ولذلك تنقسم إلى نوعين:
النوع الأول: التصرفات في المسلم فيه بعد القبض:
فللمسلم (المشتري) بعد قبض المسلم فيه (حسب العرف) (١) جميع التصرفات المشروعة من بيع عاجل، وآجل، ومرابحة، ومشاركة، وتولية، وتأجير، ورهن ونحو ذلك بدون خلاف، لأنه دخل في ملكه التام.
стр. 12907
الثاني: التصرف في المسلم فيه قبل القبض:
هذه المسألة تحتاج إلى تفصيل لأنها تحتمل عدة احتمالات:
الاحتمال الأول: التصرف فيه عن طريق الاعتياض عنه ممن عليه السلم.
الاحتمال الثاني: بيع المسلم فيه لشخص آخر.
الاحتمال الثالث: التصرف في المسلم فيه بالمشاركة،والحوالة، والتولية، ونحو ذلك.
الاحتمال الرابع: أن ينفسخ عقد السلم بالإقالة أو نحوها، فهل يجوز أن يصرف الثمن في عوض آخر غير المسلم فيه.
ومجمع الفقه الإسلامي تحدث في قراره في دورته السابعة عن حالة واحدة وهي:
"عدم جواز بيع السلعة المشتراة قبل قبضها"، ولذلك أرى إعادة الموضوع بكامله وطرحه على بساط البحث والمناقشة للوصول إلى رؤية شاملة واضحة.
وهأنذا أعرض هذا الموضوع بجمع جوانبه واحتمالاته وما ثار فيه من خلاف، وما نراه راجحًا على ضوء ما يأتي:
الاحتمال الأول: ـ الاعتياض عن المسلم فيه من المسلم نفسه عند حلول الأجل:
وقد فصل شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم (رحمهما الله) في هذه المسألة، ننقل منهما بعض النصوص (١)
جاء في مجموع الفتاوى: "سئل ﵀ عن رجل أسلف خمسين درهمًا في رطل من حرير إلى جل معلوم، ثم جاء الأجل فتعذر الحرير، فهل يجوز أن يأخذ قيمة الحرير؟ أو يأخذ عوضه أي شيء كان؟
فأجاب: "هذه مسألة فيها روايتان عن الإمام أحمد:
إحداهما: لا يجوز الاعتياض عن دين السلم بغيره كقول الشافعي.
стр. 12908
والقول الثاني: يجوز ذلك، كما يجوز في غير دين السلم وفي المبيع من الأعيان وهو مذهب مالك، وقد نص على هذا في غير موضع، وجعل دين السلم كغيره من المبيعات، فإذا أخذ عوضًا غير مكيل، ولا موزون يقدر دين السلم حين الاعتياض لا بزيادة على ذلك، أو أخذ نوعه يقدره مثل أن يسلم في حنطة فيأخذ شعيرًا بقدر الحنطة، فإنه يجوز، وقد ذكر ذلك طائفة من الأصحاب، لكن في بعض الصور.. روايتان".
ثم قال: " وأما المطلعون على نصوص أحمد فذكروا ما هو أعم من ذلك وأنه يجوز الاعتياض عن دين السلم بغير المكيل والموزون مطلقًا.. وكذلك إن أخذ قيمته مما لا يكال، ولا يوزن كيف شاء..".
ثم ذكر أن بعض الروايات قيدت بأن لا يأخذ مكان المسلم فيه إلا بقيمته أو أنقص منه، وهذا هو قول ابن عباس ﵄ (١) . وجاء في المجموع أن السلم إذا فسخ لانقطاع المسلم فيه كان لصاحب رأس المال بيعه قبل استرداده (٢) .
وقد استدل المانعون بعدة أدلة أهمها ما يأتي:
١ـ ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "من أسلف في شيء فلا يصرفه إلى غيره (٣)
٢ ـ أن هذا يدخل في بيع الشيء قبل قبضه، وهذا لا يجوز، لأنه يدخل ضمن النهي عن ربح ما لم يضمن.
يقول ابن تيمية: "فإن علته في منع بيع دين السلم كونه مبيعًا، فلا يباع قبل القبض" (٤) ثم بين بأن مبنى ذلك على ما رواه ابن عباس ((أن النبي ﷺ نهى عن يع الطعام قبل قبضه)) وقال: ((ولا أحسب كل شيء إلا بمنزلة الطعام)) (٥)
стр. 12909
٣ ـ الإجماع: حيث ذكر صاحب المغني الإجماع على ذلك فقال: "أما بيع المسلم فيه قبل قبضه فلا نعلم في تحريمه خلافًا (١)
وهذه الأدلة كلها مجال للنقاش والرد والبدل على ضوء ما يلي:
١ ـ فبالنسبة للدليل الأول (الحديث) هو أولًا: ضعيف لا ينهض حجة في مثل هذه القضايا، حيث في سنده عطية بن سعد وهو كما قال عبد الحق في أحكامه: لا يحتج به، وقد ضعفه أحمد، وغيره، وقال ابن عدي: وهو مع ضعفه يكتب حديثه، وقال مسلم بن الحجاج: قال أحمد: وذكر عطية العوفي فقال: هو ضعيف، ثم قال: بلغني أن عطية كان يأتي الكلبي ويسأله عن التفسير وكان يكنيه بأبي سعيد فيقول: قال أبو سعيد: وكان هشيم يضعف حديث عطية، وقال أبو حاتم: ضعيف يكتب حديثه، وقال النسائي: هو ضعيف، وذكر ابن عدي أن عطية مع أهل البدعة، وذكره ابن حبان في الضعفاء، وذكر أنه كان يسمع أحاديث من الكلبي ويرويها فإذا قيل: من حدثك بهذا؟ فيقول: حدثني أبو سعيد فيتوهمون أنه يريد أبا سعيد الخدري، وإنما أراد الكلبي، قال ابن حبان: لا يحل كتب حديثه إلا على التعجب (٢)
فرجل هذا حاله كيف يؤخذ منه أحاديث الأحكام؟ لذلك فالحديث ضعيف لا ينهض حجة لأن مداره على رجل "مجمع على ضعفه" (٣)
стр. 12910
ثانيًا: أن الحديث ـ على فرض ثبوته ـ ليس نصًّا على الدعوى، حيث يحتمل أكثر من معنى فقد قال الطيبي: "يجوز أن يرجع الضمير في (غيره) إلى (من) في قوله: _من أسلف) يعني لا يبيعه من غيره قبل القبض، أو إلى شيء، أي لا يبدل المبيع قبل القبض بشيء آخر (١) .
وقد أجاب شيخ الإسلام ابن تيمية عن هذا الحديث بجوابين أحدهما: أنه ضعيف، ثم قال: "والثاني: المراد به أن لا يجعل السلف سلمًا في شيء آخر، فيكون معناه النهي عن بيعه بشيء معين إلى أجل وهو من جنس بيع الدين بالدين، ولهذا قال: (لا يصرفه إلى غيره) أي لا يصرف المسلم فيه إلى مسلم فيه آخر، ومن اعتاض عنه بغيره قابضًا للعوض لم يكن قد جعله سلمًا في غيره" (٢)
ثالثًا: أن الحديث رواه الدارقطني بلفظ آخر ليس فيه ما يدل عليه اللفظ السابق، وهو "من أسلف في شيء فلا يأخذ إلا ما أسلم فيه، أو رأس ماله (٣) فهذا اللفظ ليس فيه النهي عن صرفه إلى غيره، لكن الحديث ضعيف جدًّا، ومضطرب ومعلول كما قال الحافظ ابن حجر وغيره (٤) ، فلا ينهض حجة.
٢ ـ وأما البيع قبل القبض ـ كقاعدة عامة ـ ستأتي مناقشته فيما بعد عند كلامنا عن بيع المسلم فيه لغير المسلم إليه.
стр. 12911
٣ ـ وأما الإجماع الذي ادعاه صاحب المغني ابن قدامة، فقد رد عليه شيخ الإسلام ابن تيمية فقال: "وأما ما ذكره الشيخ أبو محمد في (مغنيه) .. قال: (بيع المسلم فيه قبل قبضه لا نعلم في تحريمه خلافًا) فقال ﵀ بحسب ما علمه، وإلا فمذهب مالك أنه يجوز بيعه من غير المستسلف، كما يجوز عنده بيع سائر الديون من غير من هو عليه، وهذا أيضًا إحدى الروايتين عن أحمد نص عليه في مواضع بيع الدين من غير من هو عليه، كما نص على بيع دين السلم ممن هو عليه، وكلاهما منصوص عن أحمد في أجوبة كثيرة من أجوبته، وإن كان ذلك ليس في كتب كثير من متأخري أصحابه، وهذا القول أصح، وهو قياس أصول أحمد (١)
وإذا كان هذا هو القول الأصح للإمام أحمد، فلنذكر رأي المالكية في هذه المسألة، جاء في المدونة: "قلت: فإن كنت أسلفت في شعير، فلما حل الأجل أخذت سمراء، أو عمولة؟ قال: لا بأس بذلك هو قول مالك، قلت: ولا ترى هذا بيع الطعام قبل أن يستوفي؟ قال: لا إذا حل الأجل، فأخذت بعض هذا من بعض مثل الذي ذكرت لي، وأخذت مثل كيله، فإنما هذا بدل، وليس هذا بيع الطعام قبل أن يستوفي (٢)
стр. 12912
ثم ذكر أن هذا " إنما يجوز بعد محل الأجل، أن يبيعه من صاحبه الذي عليه السلف، ولا يجوز أن يبيعه من غير صاحبه الذي عليه السلم.. حتى يقبضه من الذي عليه السلف، لأنه إن باعه من غير الذي عليه ذلك بمثل كيله وصفته صار حوالة، والحوالة عند مالك بيع من البيوع، فلذلك لا يجوز أن يحتال بمثل ذلك الطعام الذي سلف فيه على غير الذي عليه السلف، لأنه يصير دينًا بدين وبيع الطعام قبل أن يستوفي (١)
هذا في السلم في الطعام حيث يجوز الاعتياض عنه إلا ممن عليه السلم، ويكون بعد حلول الأجل، أما قبل حلول الأجل فتجوز الإقالة، وحينئذ يكون له الحق أن يأخذ رأس ماله، أو الطعام الذي أسلم فيه (٢)
فالاعتياض عن الطعام يجوز عند مالك ممن عليه السلم، ولكنه لا يجوز بيعه قبل القبض (٣)
أما غير الطعام فيجوز بيعه لغير المسلم إليه مطلقًا، أما له فلا يجوز قبل حلول الأجل بأكثر، جاء في المدونة في كتاب السلم: "قلت: أرأيت إن أسلمت في طعام معلوم.. أيجوز لي أن أبيع ذلك الطعام قبل أن أقبضه؟ قال: لا يجوز ذلك في قول مالك. قلت: وما سوى الطعام والشراب مما سلفت فيه كيلًا أو وزنًا فلا بأس أن أبيعه قبل أن أقبضه من الذي باعني، أو من غيره؟ قال: قال مالك: "لا بأس أن تبيع ما سلفت فيه إذا كان من غير ما يؤكل ويشرب من غير الذي عليه ذلك السلف بأقل أو بأكثر، أو بمثل ذلك إذا انتقدت، وأما الذي عليه ذلك السلف فلا تبعه منه قبل الأجل بأكثر، ولا تبعه منه إلا بمثل الثمن، أو بأقل، ويقبض ذلك (٤)
стр. 12913
وجاء في الشرح الكبير: "وجاز بلا جبر قبل زمانه أي أجل المسلم فيه قبول صفته ـ أي موصوفها فقط ـ لا أوفى ولا أجود، ولا أقل ولا أكثر.. قبل محله إلا الموضع الذي اشترط فيه القبض أو موضع العقد عند عدم الشرط فيجوز في العرض مطلقًا حل الأجل أم لا، وفي الطعام إن حل".
وعلق الدسوقي على ذلك بأن في العرض والطعام قولين أحدهما لابن القاسم، وأصبح الجواز قبل محله بشرط الحلول فيهما، والثاني: لسحنون، واختاره ابن زرقون: الجواز قبل محله وإن لم يحل فيهما (١)
وجاء فيه أيضًا: " وجاز قضاؤه ولو قبل الأجل بغير جنسه، أي المسلم فيه بشروط أربعة" وهي: إن جاز بيعه قبل قبضه كسلم ثوب في حيوان فأخذ عنه دراهم، إذ يجوز بيع الحيوان قبل قبضه، وثانيها: قوله: وجاز بيعه أي المأخوذ عن المسلم فيه بالمسلم فيه مناجزة كدراهم في ثوب أخذ عنه طشت نحاس، إذ يجوز بيع الطشت بالثوب يدًا بيد.. والثالث: قوله: وأن يسلم فيه ـ أي في المأخوذ ـ رأس المال، كالمثال المتقدم، إذ يجوز سلم الدراهم في طشت نحاس، والرابع: أن يعجل المأخوذ ليسلم من نسخ الدين في دين (٢)
وجاء في بداية المجتهد: "اختلف العلماء في بيع المسلم فيه إذا حان الأجل من المسلم إليه، فمن العلماء من لم يجز ذلك أصلًا، وهم القائلون بأن كل شيء لا يجوز بيعه قبل قبضه.. وأما مالك فإنه منع شراء المسلم فيه قبل قبضه في موضعين:
أحدهما: إذا كان المسلم فيه طعامًا.
стр. 12914
والثاني: إذا لم يكن المسلم فيه طعامًا فأخذ عوضه المسلم ما لا يجوز أن يسلم فيه رأس ماله..".
ثم قال: "وأما بيع السلم من غير المسلم إليه فيجوز بكل شيء يجوز التبايع به ما لم يكن طعامًا، لأنه لا يدخله بيع الطعام قبل قبضه" (١)
الخلاصة أن مالكًا أجاز الاعتياض عن المسلم فيه ممن هو عليه السلم إلا الطعام حيث لا يجوز فيه بيعه قبل قبضه، وهذا رواية عن أحمد، وفي رواية أخرى أجاز بيع المكيل والموزون بغير المكيل والموزون، وكذلك الاعتياض عن المكيل والموزون أو بالعكس، إذا كان بقدره. (٢)
وأما الدليل على جواز الاعتياض عن المسلم فيه ممن عليه السلم فهو ما يأتي:
١ ـ الاستدلال بالحديث الثابت الذي يرويه ابن عمر ﵄ قال: "كنت أبيع الإبل بالنقيع ـ بالنون: سوق المدينة، وبالباء: مقبرتها ـ فأتيت رسول الله ﷺ وهو في بيت حفصة، فقلت: يا رسول الله، رويدك اسألك، إني أبيع الإبل بالنقيع فأبيع بالدنانير وآخذ الدراهم، وأبيع بالدراهم وآخذ الدنانير، آخذ هذه من هذه، فقال رسول الله ﷺ : ((لا بأس أن تأخذها بسعر يومها ما لم تتفرقا وبينكما شيء)) (٣)
стр. 12915
وقد اعتبر شيخ الإسلام هذا الحديث دليلًا على جواز الاعتياض عن المسلم فيه فقال: "والدليل على ذلك أن الثمن يجوز الاعتياض عنه قبل قبضه بالسنة الثابتة عن النبي ﷺ .. فقد جوز النبي ﷺ أن يعتاضوا عن الدين الذي هو الثمن بغيره مع أن الثمن مضمون على المشتري لم ينتقل إلى ضمان البائع، فكذلك المبيع الذي هو دين السلم يجوز بيعه وإن كان مضمونًا على البائع لم ينتقل إلى ضمان المشتري، والنبي ﷺ إنما يجوز الاعتياض عنه إذا كان بسعر يومه لئلا يربح فيما لم يضمن (١) ثم ختم كلامه بقوله: "والصواب الذي عليه جمهور العلماء.. أنه يجوز بيع الدين ممن هو عليه؛ لأن ما في الذمة مقبوض للمدين، لكن إن باعه بما لا يباع به نسيئة اشترط فيه الحلول والقبض لئلا يكون ربا، وكذلك إذا باعه بموصوف في الذمة، وإن باعه بغيرهما ففيه وجهان:
أحدهما: لا يشترط، كالاشتراط في غيرهما.
والثاني: يشترط؛ لأن تأخير القبض نسيئة كبيع الدين بالدين، ومالك لم يجوز بيع دين السلم إذا كان طعامًا؛ لأنه بيع، وأحمد جوز بيعه وإن كان طعامًا أو مكيلًا، أو موزونا من بائعه إذا باعه بغير مكيل، أو موزون؛ لأن النهي عن بيع الطعام قبل قبضه هو في الطعام المعين، وأما في الذمة فالاعتياض عنه من جنس الاستيفاء، وفائدته سقوط ما في ذمته عنه، لا حدوث ملك له، فلا يقاس هذا بهذا، فإن البيع المعروف هو أن يملك المشتري ما اشتراه، وهنا لم يملك شيئا، بل سقط الدين من ذمته، وهذا لو وفاه ما في ذمته لم يقل: إنه باعه دراهم بدراهم، بل يقال: أوفاه حقه، بخلاف ما لو باعه بدراهم معينة فإنه بيع، فلما كان في الأعيان إذا باعها بجنسها لم يكن بيعًا، فكذلك إذا وفاها من غير جنسها لم يكن بيعًا بل هو إيفاء فيه معنى المعاوضة (٢)
стр. 12916
ومما يدل على تسامح أكثر في بيع اعتياض دين السلم من المسلم إليه أن ابن عباس الذي لم يجوز بيع البيع قبل قبضه مطلقًا (١) أجاز بيع دين السلم ممن هو عليه إذا لم يربح، حتى أنه لم يفرق بين الطعام وغيره، ولا بين المكيل والموزون وغيرهما، قال ابن تيمية: "لأن البيع هنا من البائع الذي هو عليه، وهو الذي يقبضه من نفسه لنفسه، بل ليس هنا قبض، لكن يسقط عنه ما في ذمته فلا فائدة في أخذه منه، ثم إعادته إليه، وهذا من فقه ابن عباس" (٢)
٢ ـ بل إن شيخ الإسلام ذكر في توضيح الرأي القائل بجواز الاعتياض عنه سواء تعذر المسلم فيه أم لا (٣) : إن قول ابن عباس في جواز ذلك لا يعرف له في الصحابة مخالف، وذلك لأن السلم دين ثابت فجاز الاعتياض عنه كبدل القرض، وكالثمن في المبيع، ولأنه أحد العوضين في البيع فجاز الاعتياض عنه كالعوض الآخر ما دام بسعر يوم الاعتياض (٤)
قال ابن القيم: "قال ابن المنذر: ثبت عن ابن عباس أنه قال: (إذا أسلفت في شيء إلى أجل، فإن أخذت ما أسفلت فيه، وإلا فخذ عوضًا أنقص منه ولا تربح مرتين) رواه شعبة، فهذا صحابي، وهو حجة ما لم يخالف".
ثم قال: "والذين منعوا جواز بيعه لمن هو في ذمته قاسوه على السلم، وقالوا: لأنه دين فلا يجوز بيعه كدين السلم، وهذا ضعيف من وجهين:
أحدهما: أنه قد ثبت في حديث ابن عمر جوازه، (حيث يدل على جواز بيع الثمن ممن هو في ذمته قبل قبضه، فما الفرق بينه وبين الاعتياض عن دين السلم بغيره؟) .
والثاني: أن دين السلم غير مجمع على منع بيعه ـ كما سبق ـ.
стр. 12917
والذين فرقوا بين دين السلم وغيره لم يفرقوا بفرق مؤثر، والقياس التسوية بينهما (١)
وقد أطال العلامة ابن القيم النفس في هذه المسألة وناقش المانعين مناقشة رائعة نذكرها بنصها لأهميتها فقال: "وما نهى النبي ﷺ عن بيع الطعام قبل قبضه فهذا إنما هو في المعين أو المتعلق به حق التوفية من كيل أو وزن، فإنه لا يجوز قبل قبضه، وأما ما في الذمة فالاعتياض عنه من جنس الاستيفاء، وفائدته: سقوط ما في ذمته عنه، لا حدوث ملك له فلا يقاس بالبيع الذي يتضمن شغل الذمة، فإنه إذا أخذ منه عن دين السلم عرضًا أو غيره أسقط ما في ذمته. فكان كالمستوفي دينه لأن بدله يقوم مقامه. ولا يدخل في هذا بيع الكالئ بالكالئ بحال. والبيع المعروف: هو أن يملك المشتري ما اشتراه. وهذا لم يملكه شيئا، بل سقط الدين من ذمته. ولهذا لو وفاه ما في ذمته لم يقل: إنه باعه دراهم بدراهم، بل يقال: وفاه حقه، بخلاف ما لو باعه دراهم معينة بمثلها فإنه بيع. ففي الأعيان إذا عاوض عليها بجنسها أو بعين غير جنسها يسمى بيعًا. وفي الدين إذا وفاها بجنسها لم يكن بيعًا. فكذلك إذا وفاها بغير جنسها لم يكن بيعًا، بل هو إيفاء فيه معنى المعاوضة. ولو حلف ليقضينه حقه غدًا، فأعطاه عنه عرضًا برَّ في أصح الوجهين.
وجواب آخر: أن النهي عن بيع الطعام قبل قبضه أريد به بيعه من غير بائعه. وأما بيعه من البائع ففيه قولان معروفان.
стр. 12918
وذلك لأن العلة في المنع إن كانت توالي الضمانين اطرد المنع في البائع وغيره، وإن كانت عدم تمام الاستيلاء، وأن البائع لم تنقطع علقه عن المبيع بحيث ينقطع طمعه في الفسخ، ولا يتمكن من الامتناع من الإقباض إذا رأى المشتري قد ربح فيه، لم يطرد النهي في بيعه من بائعه قبل قبضه لانتفاء هذه العلة في حقه. وهذه العلة أظهر، وتوالي الضمانين ليس بعلة مؤثرة، ولا تنافي بين كون العين الواحدة مضمونة له من وجه وعليه من وجه آخر، فهي مضمونة له وعليه باعتبارين. وأي محذور في هذا؟ كمنافع الإجارة، فإن المستأجر له أن يؤجر ما استأجره، فتكون المنفعة مضمونة له وعليه، وكالثمار بعد بدو صلاحها له أن يبيعها على الشجر، وإن أصابتها جائحة رجع على البائع فهي مضمونة له وعليه، ونظائره كثيرة.
وأيضًا فبيعه من بائعه شبيه بالإقالة، وهي جائزة قبل القبض على الصحة.
وأيضًا فدين السلم تجوز الإقالة فيه بلا نزاع، وبيع المبيع لبائعه قبل قبضه غير جائز في أحد القولين.
فعلم أن الأمر في دين السلم أسهل منه في بيع الأعيان، فإذا جاز في الأعيان أن تباع لبائعها قبل القبض فدين السلم أولى بالجواز، كما جازت الإقالة فيه قبل القبض اتفاقًا بخلاف الإقالة في الأعيان.
ومما يوضح ذلك: أن ابن عباس لا يجوز بيع المبيع قبل قبضه، واحتج عليه بنهي النبي ﷺ عن بيع الطعام قبل قبضه وقال: "أحسب كل شيء بمنزلة الطعام" ومع هذا فقد ثبت عنه أنه جوز بيع دين السلم ممن هو عليه إذا لم يربح فيه. ولم يفرق بين الطعام وغيره، ولا بين المكيل والموزون وغيرهما. لأن البيع هنا من البائع الذي هو في ذمته. فهو يقبضه من نفسه لنفسه، بل في الحقيقة ليس هنا قبض، بل يسقط ما في ذمته، بل يسقط ما في ذمته فتبرأ، وبراءة الذمم مطلوبة في نظر الشرع، لما في شغلها من المفسدة، فكيف يصح قياس هذا على بيع شيء غير مقبوض لأجنبي لم يتحصل بعد، ولم تنقطع علق بائعه عنه؟
وأيضًا: فإنه لو سلم المسلم فيه ثم أعاده إليه جاز. فأي فائدة في أخذه منه: ثم إعادته إليه، وهل ذلك إلا مجرد كلفة ومشقة لم تحل بها فائدة؟
ومن هنا يعرف فضل علم الصحابة وفقههم على كل من بعدهم.
стр. 12919
قالوا: وأما استدلالكم بنهي النبي ﷺ عن ربح ما لم يضمن: فنحن نقول بموجبه، وأنه لا يربح فيه، كما قال ابن عباس: "خذ عرضًا بأنقص منه، ولا تربح مرتين".
فنحن إنما نجوز له أن يعاوض عنه بسعر يومه، كما قال النبي ﷺ لعبد الله بن عمر في بيع النقود في الذمة: " لا بأس إذا أخذتها بسعر يومها" فالنبي ﷺ إنما جوز الاعتياض عن الثمن بسعر يومه لئلا يربح فيما لم يضمن.
وقد نص أحمد على هذا الأصل في بدل العوض وغيره من الديون أنه إنما يعتاض عنه بسعر يومه لئلا يربح فيما لم يضمن.
وكذلك قال مالك: يجوز الاعتياض عنه بسعر يومه كما قال ابن عباس لكن مالكًا يستثني من الطعام خاصةً؛ لأن من أصله أن بيع الطعام قبل قبضه لا يجوز بخلاف غيره.
وأما أحمد: فإنه فرق بين أن يعتاض عنه بعرض أو حيوان أو نحوه، دون أن يعتاض بمكيل أو موزون، فإن كان بعرض ونحوه جوزه بسعر يومه، كما قال ابن عباس ومالك، وإن اعتاض عن المكيل بمكيل، أو عن الموزون بموزون، فإنه منعه لئلا يشبه بيع المكيل بالمكيل من غير تقابض، إذ كان لم توجد حقيقة التقابض من الطرفين. ولكن جوزه إذا أخذ بقدره مما هو دونه، كالشعير عن الحنطة، نظرًا منه إلى أن هذا استيفاء لا معاوضة، كما يستوفي الجيد عن الردئ، ففي العوض جوز المعاوضة، إذ لا يشترط هناك تقابض. وفي المكيل والموزون منع المعاوضة، لأجل التقابض، وجوز أخذ قدر حقه أو دونه، لأنه استيفاء. وهذا من دقيق فقهه ﵁.
قالوا: وأما قولكم: إن هذا الدين مضمون له، فلو جوزنا بيعه لزم توالي الضمانين فهو دليل باطل من وجهين:
أحدهما: أنه لا توالي ضمانين هنا أصلًا، فإن الدين كان مضمونًا له في ذمة المسلم إليه، فإذا باعه إياه لم يصر مضمونًا عليه بحال. لأنه مقبوض في ذمة المسلم إيه، فمن أي وجه يكون مضمونًا على البائع؟ بل لو باعه لغيره لكان مضمونا له على المسلم إليه ومضمونًا عليه للمشتري، وحينئذ فيتوالى ضمانان.
الجواب الثاني: أنه لا محذور في توالي الضمانين. وليس بوصف مستلزم لمفسدة يحرم العقد لأجلها. وأين الشاهد من أصول الشرع لتأثير هذا الوصف؟ وأي حكم علق الشارع فساده على توالي الضمانين؟ وما كان من الأوصاف هكذا فهو طردي لا تأثير له.
стр. 12920
وقد قدمنا ذكر الصور التي فيها توالي الضمانين. وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه جوز المعاوضة عن ثمن المبيع في الذمة. ولا فرق بينه وبين دين السلم.
قالوا: وأيضًا فالمبيع إذا تلف قبل التمكن من قبضه كان على البائع أداء الثمن الذي قبضه من المشتري. فإذا كان هذا المشتري قد باعه فعليه أداء الثمن الذي قبضه من المشتري الثاني، فالواجب بضمان هذا غير الواجب بضمان الآخر، فلا محذور في ذلك.
وشاهده: المنافع في الإجارة والثمرة قبل القطع. فإنه قد ثبت بالسنة الصحيحة التي لا معارض لها وضع الثمن عن المشتري إذا أصابتها جائحة. ومع هذا يجوز التصرف فيها. ولو تلفت لصارت مضمونة عليه بالثمن الذي أخذه، كما هي مضمونة له بالثمن الذي دفعه.
قالوا: وأما قولكم: إن المنع منه إجماع، فكيف يصح دعوى الإجماع مع مخالفة حبر الأمة ابن عباس، وعالم المدينة مالك بن أنس؟
فثبت أنه لا نص في التحريم،ولا إجماع ولا قياس، وأن النص والقياس يقتضيان الإباحة كما تقدم، والواجب عند التنازع: الرد إلى الله وإلى رسوله ﷺ " انتهى:
٣ ـ أن الأصل في العقود أنها تنعقد بمجرد الإيجاب والقبول ـ مع توافر الشروط المطلوبة ـ فإذا انعقد العقد تحققت التزامات الطرفين، ويجب الوفاء بها تنفيذًا لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة:١]