هذا وقد قلنا: إن أصل الإشكال في تكييف العلاقة بين الاثنين بما يحقق إمكانية خصم جزء من ثمن الفاتورة لصالح المصدر، كما يحقق الالتزامات والخصائص الأخرى للبطاقة. هذا هو أصل الإشكال. من هنا جاءت تكييفات فقهية أشار إلى بعضها الدكتور القري بإشارة عابرة، ولكن بشكل غير مباشر عندما قدم مقترحاته للبديل. ذكر الشيخ الجواهري مجموعة منها بالتفصيل، - فهذا هو التكييف الأول- من قبل الحامل للتاجر على المصدر. فلنلاحظ هذا التكييف وتفصيلاته ثم نستعرض تكييفات أخرى.
التكييف الأول: الإيرادات التي تذكر على تكييف الحوالة والتي ذكرها الشيخ:
أولًا: قيل: إن أحد أطراف الحوالة لم يدخل في العقد وهو المصدر فلا يعلم رضاه أثناء عقد الحوالة، المصدر لا يعلم بتحقق هذا، متى يتحقق هذا المعنى؟ وأجاب بأنه وإن كان هناك اختلاف بين الفقهاء في اعتبار رضا المحال عليه إلا أنه حتى لو قلنا باعتباره، كما هو الأقوى لو كانت على مليء فإن المصدر أعلن رضاه منذ قبوله بإعطائه الكارت أو البطاقة.
стр. 13092
ثانيًا: تم الإشكال في صحة الحوالة على المليء في حالة ما إذا لم يكن للحامل رصيد لدى المصدر حتى مع رضاه، وأجاب عن ذلك بأنه المشهور لدى علماء الإمامية، وعقب هو بأننا لو بقينا والعمومات الشرعية فإنها تصححها باعتبارها عقدًا عرفيًّا ولم يتعرض لرأي العلماء الآخرين.
الشيخ الجواهري يقول: هذا مؤشر على أن هذه النسبة عندما كانت مئوية فهي ربوية، وأضاف الشيخ الجواهري مؤكدًا على أن قبول الحوالة ليس مما يقابل بالمال فمالية قبول الضمان أو الحوالة هي نفس مالية المال المعطى للتاجر، فالعمولة ليست إلا بإزاء المال المقترض فهي ربا. والحقيقة هي أننا لو لاحظنا مجمل الخدمات والتسهيلات التي قدمها المصدر كخدمات التحويل وتسهيل التعامل والخبرة ومنها أيضًا مسألة قبول الحوالة برمتها وما يترتب عليها لرأينا أن أخذ عمولة عليها لا يعد عرفًا أكلًا للمال بالباطل ولا يعد في مقابل القرض ليعود ربا.
التكييف الثاني: ملخصه أن المصدر أقرض الحامل ثمن السلعة وأخذ من التاجر العمولة، وربما كان ذلك في قبال تسديد المصدر لدين التاجر. يعني التاجر يطالب الحامل، المصدر هو يسدد دين التاجر وفي مقابل هذا التسديد وهذه الخدمة يأخذ أجرة، لا في قبال القرض المقدم للحامل، فهو يؤخذ حتى ممن له حساب دائن لدى المصدر، أي لو كان الحامل له حساب دائن لدى المصدر، مع ذلك يؤخذ من التاجر هذا المقدار. وقد رده الشيخ الجواهري بأن الواقع يقرر أن المبلغ مأخوذ في قبال القرض وإلا فإن التاجر لن يقدم على تقديم عمولة لو لم يقدم المصدر على الإقراض، فهو إذن قرض جر نفعًا فهو محرم. والحقيقة هي أن هذا التصوير غير واقعي في نفسه، أي أنه لا ينطبق على الواقع القائم، ولكنه لو كان واقعيًّا فلا مانع من أن يتصور التاجر كل عمليات التسهيل التي يقدمها المصدر ويلاحظ منافعه ثم يقدم على دفع العمولة.
стр. 13093
التكييف الثالث: إن هذه العمولة تؤخذ على تحصيل الثمن من الحامل المدين للتاجر هنا على تحصيل الثمن، طبعًا مع ملاحظة أن في العملية تقديمًا وتأخيرًا، يعني البنك هو يقدم رأسًا ثم هو يذهب ويحصل، هذا التقديم والتأخير لا يضر.. اقتضته سهولة دفع المصدر ليكون التزامه منضبطًا، ولا مانع من أخذ أجرة لقاء تحصيل الدين أو توصيله، والمصدر هنا ليس ضامنًا للحامل وضمانه إنما هو لضبط التزاماته، وإذا لم يكن للحامل لدى المصدر حساب كانت العملية عملية إقراض له دون فائدة، فهي عملية إقراض للحامل وأخذ هذا المبلغ من التاجر لتحصيل دينه. وقد رده الشيخ الجواهري أيضًا ذاكرًا بعض المنبهات على القصد الحقيقي للعملية. حقيقة هذه المنبهات لم تنبهني فبقيت مع صحة هذا المعنى، ولا أريد أن أذكرها كلها إلا أن الظاهر أن المعمول به في الخارج لا ينسجم مع هذا التكييف ولو انسجم فلا بأس به.
التكييف الرابع: إن العمولة أجر على قبول البنك لضمان الحامل، فينتقل ما في ذمة الحامل إلى المصدر عند إقراضه الحامل، وقبول هذا الضمان وإن كان عقدًا إرفاقيًّا للحامل فلا يمكن أن يأخذ أجرة من الحامل باعتبار أنه عقد إرفاقي، فلا يجوز أخذ نسبة من الثمن منه، لكنه ليس كذلك بالنسبة للتاجر فيمكنه أن يدفع الأجرة لقاء قبول الضمان. وقد ناقشه الشيخ الجواهري أيضًا باعتبار أن الارتكاز العرفي يرى أن قبول الضمان لا يقابل بمال، بل ماليته هي مالية المال المعطى للتاجر؛ وسبق أننا لم نقبل مثل هذا الاستدلال.
التكييف الخامس: ملخصه أن ما يأخذه المصدر من ثمن البضاعة هو أجرة سمسرة، وبطبيعة الحال هو دلال، وبطبيعة الحال هو يقوم بجملة خطوات تسهل العملية وتنفع التجار والعملاء. وقد ذكره الشيخ الجواهري وهو وجه وجيه كما أعتقد.
هذا وقد ذكر تكييفا سادسا أعرض عنه لأنه غير واقعي، يعني يجعل الحامل في الواقع نائبًا عن المصدر في الشراء. وهكذا نجد أن كل الوجوه المذكورة تامة لتصحيح العملية في رأينا، وإن لم يتم بعضها في رأي بعض الباحثين الكرام. بقيت هنا مسائل فرعية نتركها اختصارًا للوقت. إلا أن من الضروري أن نلاحظ أن البطاقة إذا كانت مما يسحب بها النقود والعملات من المصارف والشركات والأشخاص فلا محال هي حوالة عليهم، ولا تصدر إلا بعد قبول المحال عليه، والظاهر صحة الحوالة وجواز السحب بها. في الخاتمة ذكر الأستاذ القري بعض الخطوط العامة أذكرها سريعًا للوصول للصيغة المشروعة في رأيه، وهي:
أولًا: أن يكون الإصدار من جهة حكومية عامة وذلك لأسباب اقتصادية باعتبار أن الإصدار هو في الواقع في مثيل إصدار النقود.
стр. 13094
ثانيًا: بناء العلاقة بين المصدر والتاجر على أساس الحوالة، فإذا لاحظنا شرط المالكية باشتراط أن يكون للمحيل على المحال عليه دين، أي أنهم يرفضون الحوالة على مليء وإلا كانت حمالة، فالمقتطع هو أجرة الحمالة، وينص في العقد على عدم براءة ذمة المحيل.
ثالثًا: يجب حذف عملية القروض المتجددة، فإذا ماطل العميل يعاقب بإلغاء عضويته، ويهدد بظروف جزائية أو وضعه في القائمة السوداء، وما إلى ذلك.
رابعًا: ويحسن أن ينص في عقود الإصدار على أنه لا يسمح لحاملها – وهذا غريب إذا جاء هذا النص بعد ... لا يصبح بطاقة- ببيع البضاعة على نفس البائع، وإلا فهي أداة للعينة ولا لسواه؛ لأن ذلك نوع من التورط، ففي الأول يقال: لا تملك الحق، أي لا تبعها للبائع ولا لغيره.
خامسًا: ويجب تقديم البطاقات دون مقابل، وهنا يجعل المصدر مجرد ضامن فليس له أخذ رسوم من الحامل؛ لأن أخذ الأجرة على الضمان باطل. ويمكن صياغة العلاقة بين المصدر والحامل ضمن عقد الضمان فلا يجوز الأجر على ضمان، كما يمكن صياغتها وفق الوكالة وحينئذ يستطيع أن يأخذ أجرًا على وكالته، ولكن بشكل خصم من فاتورة التاجر.
هذه هي سيدي الرئيس – وأعتذر إن كنت قد أطلت- الخلاصة، ولكني أعتبرها وافية جاءت بلب الموضوع، وأعتذر لكم، وأشكركم على حسن الاستماع، وشكرًا.
الرئيس:
شكرًا، في الواقع الشيخ أعطى ملخصًا جيدًا عن بطاقة الائتمان، لكن كان بودي لو ربطت بين الحاضر والماضي، وهو أن هذه البطاقة سبق أن درست في الندوة التي عقدت في البحرين وأن الندوة لم تصل إلى شيء بات فيها، وكان من أعضائها الحاضرين الشيخ المختار والشيخ الصديق، وكذلك درست في الدورة السابعة الماضية قريبًا ووزع على الجميع الآن القرار الذي حصل فيه التوقف، ثم هناك لفتة مهمة وهو أنه كان بودي لو ذكر ملخص أسباب التوقف التي حصلت في الدورة الماضية لأجل أن ينظر هل هي لا تزال قائمة؟ وحصلت بحوث استكتب أصحابها فغطت هذه الجوانب أم لا؟ هذه أشياء مهمة لأن بطاقة الائتمان أذكر أن الإخوة الاقتصاديين في الدورة قالوا: إنها غير مستقرة، يعني في كل وقت، من وقت لآخر يحصل لها أوصاف زيادة ونقصان، فعلى كل شكرًا للشيخ علي.
стр. 13095
الشيخ محمد علي التسخيري:
سيدي الرئيس، أنا أولًا: ما كان ينبغي أن أكون أنا العارض لأنني لم أكتب فيه، وعندما جئت إلى هنا فقط قيل لي. وثانيًا: لم توزع أو لم أعط السوابق حتى ندوة البحرين، وثالثًا: ما قلته تقريبًا فيه روح ما قيل في الموضوع، يعني فيه كل الإشكالات وفيه كل الأجوبة. معذرة هناك شيء، أصبح هذا مثل النقود، يعني هذه واقعة مرحلة نقدية فيجب أن نلحظ الأهمية، وعندما نقول ندرك أن الأثر السلبي قوي، والأثر الإيجابي قوي؛ يعني كلا الطرفين.
الدكتور محمد عطا السيد:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، اللهم صل على محمد عبدك ورسولك.
في الحقيقة نفس الملاحظة، لاحظت أن المرة الماضية عندما ناقشنا بطاقة الائتمان وصلنا إلى مشاكل معدودة، وبالتالي توقفنا عن إصدار قرار في هذه المسألة، وبكل أسف لاحظت أن هذه البحوث –أيضًا- لم تتغلب على هذه الصعوبات التي توقفنا عندها المرة الماضية، وهذه الصعوبات بالتحديد، وأنا أريد أن أذكر بعضها:
الأولى: أن بطاقة الائتمان بالطريقة المعمول بها الآن، أن الذي يحمل البطاقة يذهب إلى التاجر أو المحل التجاري ويشتري البضاعة وذلك ببطاقة الائتمان ولا يدفع نقودًا، ولكن بالبطاقة يحول المبلغ إلى البنك، ثم بعد ذلك يدفع البنك هذا المبلغ ويأخذ عمولة من التاجر. التاجر لا يضع أسعارًا معينة منفصلة لأصحاب البطاقات ولكن هذه الأسعار عامة، فمعنى ذلك أن التاجر يأخذ في حسبانه النسبة التي يأخذها البنك من أصحاب البطاقة ويضيف ذلك السعر في أسعاره؛ يعني هذا المبلغ في حساباته للأرباح في جملة التجارة الموجودة في المحل التجاري. ولذلك أرى أن في هذا إجحافًا كبيرًا جدًّا ببقية المشترين الكثر الذين لا يمتلكون بطاقة الائتمان يأتون إلى المحل، ويشترون وهم الناس الضعاف الذين لا يستطيعون أن يتحصلوا على بطاقة الائتمان؛ لأن بطاقة الائتمان لا تعطى إلا للذين يستطيعون أن يدفعوا، أي عندهم دخل عال، وعندهم مصدر كبير ولذلك يعطيهم البنك هذه البطاقات. فإذا معنى ذلك أن الأشخاص الذين لا يمتلكون ذلك الدخل يشترون البضاعة بأثمان أكثر، والسبب في ذلك هو العمولة التي يأخذها البنك من أصحاب بطاقات الائتمان، فلا بد أن ذلك يؤثر في زيادة الأسعار في السوق، وفيه خطورة على التضخم –لا شك في ذلك- وظلم وإجحاف ببقية الناس الذين لا يحملون بطاقة الائتمان.
стр. 13096
الناحية الثانية: بطاقة الائتمان بالطريقة المعمول بها الآن، العقد فيه ناحية ربوية لا شك فيها؛ لأن البنك يريد من الذين يحملون بطاقة الائتمان أن يشتروا البضائع، يعني يمكن لهم أن يشتروا ما شاءوا، ودائمًا البنوك تبتغي أن يدفعوا هذا المبلغ بالتقسيط وتضع عليهم أرباحًا بناء على هذا التقسيط، وهذه الفائدة التي تبنى على هذا التقسيط في دفع ثمن البضاعة هذا التقسيط هو بعينه الربا، حتى أنه ذكر في أحد البحوث أنه قد يمضي هذا البنك هذا العقد الربوي ويكون في نيته أن يدفع المبلغ بدون تأخير، لكن قد يحصل – وهذا شيء متوقع- أنه في يوم من الأيام نسبة للمشغوليات لا يدفع المبلغ، فإذن يضع عليه البنك أتوماتيكيًّا فائدة ربوية يكون مجبرًا، ولا مخرج له إلا أن يدفع هذه الفائدة أو أن تلغى بطاقة الائتمان.
فإذن معنى ذلك توقيعه على هذا العقد من البداية توقيع على عقد ربوي، وفي رأيي هذه المسألة غير مقبولة، أنا لا أعارض على مبدأ بطاقة الائتمان، لكن الأخذ به بصورته الحالية الموجودة بين البنوك والمتعاملين – أصحاب البطاقة- غير مقبول إسلاميًّا في رأيي.
ولذلك أرى أنه إذا كنا نريد أن نقدم هذا النظام في وضعنا الإسلامي الشرعي يجب أن نكيف بطاقة الائتمان بطريقة مختلفة تمام الاختلاف عما هي عليه الآن في البنوك التجارية التي في بلادنا، وشكرًا.
стр. 13097
الشيخ وهبة مصطفى الزحيلي:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحقيقة أؤيد جملة ما قاله الأخ الشيخ عطا في أن هذا العقد يشتمل على قرض جر نفعًا وفيه ربا؛ لأن احتمال ضم الفائدة على هذه الديون التي تستقر على صاحب البطاقة إنما هو من قبيل ضم الشرط الفاسد إلى العقد الأصلي، وهذا عند الإمام أبي حنيفة الشرط الطارئ يفسد العقد تمامًا كما لو كان مصحوبًا به أصل العقد، هذا شيء.
كذلك في حالة أخرى، هذا الذي يضم من البنك على نفس التاجر وهو الخصم من ١ % إلى ٨ % هو يشبه أيضًا حالة خصم الكمبيالة، فخصم الكمبيالة أيضًا نحن لم نقر هذا العقد لأنه من قبيل دفع شيء في مقابل التأجيل، وذلك خاضع أيضًا للقواعد الربوية، إذن لا مجال لتصحيح هذه البطاقات إلا على أساس الحالتين اللتين ذكرهما فضيلة الشيخ التسخيري –وقد أجاد في عرضه- إما أن تكون هذه البطاقة كما تفعل مؤسسات الراجحي بحساب للعميل عند البنك وهذا لا إشكال فيه، وإما أن تكون من غير مقابل وهذا أمر مقبول. هذا شيء.
وأنتقل إلى شيء آخر له صلة بالقضايا العامة، وعودًا على بدء افتتاح هذه الجلسة المباركة والتي أهنئ فيها رئاسة المجمع وأمانته، إن هذه الجلسة كانت غنية بمواضيع ومستويات ارتقت عن كثير من الدورات السابقة وخصوصًا فيما يتعلق بالإعداد واختيار الموضوعات، وحبذا لو كنا سعداء لما حذفنا موضوع (حقوق الإنسان) لأن هذا العام عام حقوق الإنسان فلو صادفنا الحظ وكان لنا قرار في هذا العام يكون أوقع للاعتبارات العالمية. هذا ما يتعلق بموضوعات هذه الجلسة، أما ما يتعلق في جلسات الافتتاح فإني باعتبار أننا في آخر يوم من جلسات المؤتمر، أرجو كما هو المتبع حينما نوجه برقية شكر لسلطان هذه البلاد على استضافته لهذه الدورة أرجو أن نضمن أن المؤتمر يتعاطف ويؤكد على ما أبداه السلطان من الاتجاه نحو تطبيق الشريعة الإسلامية في بلاده والتسريع في هذا الأمر، هذا شيء.
стр. 13098
والشيء الآخر النقطة الهامة التي تشغل العالم الإسلامي أيضًا أن يكون هناك عمل رسمي من الدول الإسلامية في دعم جهاد إخواننا في البوسنة والهرسك وإن كان الغالب أن المجمع لا يتعرض للقضايا السياسية؛ لكن هذه قضية الساعة على الأقل إن لم يكن لنا فيها توصية أو قرار أن نضمنها في برقية للسلطان فهذا مهم؛ لأن العالم دائمًا يسألون ماذا فعلتم في قضية البوسنة والهرسك؟
القضية الثانية: إنني سعدت حينما قرأت خطاب معالي وزير الشؤون الدينية في أنه تضمن اقتراحًا يصلح أن يكون محلا لندوة مستقلة أو موضوعًا من الموضوعات المستقبلية للمجمع، وهو قضية العمل على وضع منهجية للفكر الإسلامي والعمل الإسلامي فقد أشار سعادة الوزير إلى أن هناك أناسًا كثيرين يرفضون العمل بالسنة ولا يعتبرون إلا القرآن الكريم وهذا فيه مسخ للشريعة. وهناك توضيح لا أريد أن أضيفه إلى ما قاله سعادة الوزير وهذا كلام في غاية الدقة. أمر آخر وهو أن المدرسة الحديثة ممن تربوا في أحضان الغرب وعلى أيدي المستشرقين ينكرون كل هذا العمل الذي نقوم به ويدعون لأنفسهم أنهم أنصار البحث الحر والتجديد وأننا نحن المتخلفون وهم المتقدمون، وهؤلاء يتربعون على كراسي مهمة في الجامعات العربية والإسلامية بحجة التجديد ولهم دعم وتأييد، ودائمًا نحن نتهم بأننا في مرتبة ثانية وهم في الطليعة، فهؤلاء أنكروا كثيرًا من العلوم منها: علم أصول الفقه – كما يذكر الوزير- ومنها علوم أخرى، فأرجو أن يضمن في موضوعاتنا المستقبلية إما ندوة أو بحث لهذا الموضوع وهو يدور حول المنهجية الإسلامية لنلقي حجر أولئك الذين يتطفلون على الفكر الإسلامي وعلى قضاياه وعلى أصوله وعلى أسسه، وحينئذ نكون قد أبرأنا الذمة أمام هؤلاء.
القضية الأخرى التي أشار إليها فضيلة الرئيس في العام الماضي وفي هذا العام في افتتاح كلتا الدورتين أن هناك سيلًا من الكتب التي تحمل السموم وفيها الزيف والانحراف والضلال، ويؤثر في تفريق وتمزيق الأمة الإسلامية وهذه الكتب كثيرة منها في تونس ومنها في مصر ومنها في سوريا ومنها في الحجاز وبلاد أخرى في الخليج وما أكثر هذه الكتب التي تدس السم في الدسم وتسيء إلى الفكر الإسلامي إساءة بالغة والتي كما أشار فضيلة الرئيس بالذات قضية الطعن في الصحابة وفي السلف الصالح، والحقيقة نحن كلنا تألمنا، وإذا كنا نطعن في أصول تاريخنا فلا خير فينا، والله لو حملنا وقلنا لأننا نحن الأوصياء على الإسلام في هذا العصر ونطعن في واحد من أصول سلفنا الصالح فلا خير في هذه الأمة ... كتب تدرس وتنقح ويشار لها، ويكون لنا قرار يشجب هذه الكتب وأصحابها ونبين حكم الله وشرعه في أصحاب هذه الكتب التي لا تريد بالإسلام والمسلمين إلا شرًّا.
стр. 13099
وأشكر سلفًا كلا من معالي الرئيس والأمين العام على الاستجابة لهذين المقترحين أو الاقتراحات الثلاثة وشكرًا، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الأمين العام:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
صلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
أنا أشكر أخي فضيلة الدكتور وهبة الزحيلي على هذه الاقتراحات التي تفضل بالإعلان عنها وطلب من الأمانة العامة أن تضعها موضع الاعتبار بالنسبة للدورات القادمة، لكني أريد أن أبادر من الآن إلى القول بأننا في تخطيطنا هذه السنة وضعنا جملة ندوات من بينها ندوة حول الفكر الإسلامي وبنائه، هذا وقع الاتفاق عليه وسيقع الاستكتتاب لبعض المتسكتبين قريبا إن شاء الله. أما بقية الموضوعات فهي تشغل بال المسلمين عامة والمفكرين منهم والذين يهمهم أمر هذه الأمة وهذا الدين، لأنه قد نخره كثير من الأمراض والأدواء، ومن واجبنا أن نقف أمام هذه التيارات لنحد من شرها ولندعم البناء الإسلامي دعما حقيقيا، ولذلك فإن ما تفضلتم به من إشارة الشيخ حفظه الله العام الماضي وفي هذه السنة في مفتتح الدورة إلى هذه القضايا هو في الواقع شغل بال كثير من الإخوان أيضا، وقد أشرت إلى هذا عند الحديث عن السنة النبوية والرد على خصومها بأن هيئة تكونت في المملكة العربية السعودية لدراسة هذه القضايا من أطرافها- كل هذه الموضوعات- والإخوان الذين اجتمعوا في هذه الندوات قد تقاسموا الموضوعات، وكونوا ملفا لكل قضية من القضايا، ونحن ماضون- إن شاء الله - في دراستها، فهذا للتطمين.
وأنا أشكركم مجددا على هذا الاقتراح. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 13100
الشيخ إبراهيم فاضل الدبو:
بسم الله الرحمن الرحيم.
الأساتذة الأفاضل.
عندما قرأت الأبحاث التي قدمها الأساتذة عن بطاقة الائتمان تبين لي أن الإخوة يخرجون هذه البطاقة على عقود مالية - كما يدعون- شرعية بغية إيجاد المخرج الشرعي لها، فالذي فهمت من هذه الأبحاث ما يلي:
أولا: إن هذه البطاقة تعتبر من قبيل الكفالة أو ما يعبر عنه في الفقه الإسلامي بكفالة الدرك، وقد اختلف الفقهاء في جوازها بين مجوز وممانع، ولو أخذنا برأي القائلين بالجواز فكيف نسوغ للكفيل أخذ الأجرة على كفالته؟
ثانيا: إن هذه البطاقة تعتبر من قبيل الجعالة، وأيضا لا يمكن تخريج هذه البطاقة على الجعالة، لأن الجعالة من المعروف لدى حضراتكم أنها تصدر عن إرادة منفردة، يلتزم شخص بدفع شيء من المال لمن يأتي له بجعله من سيارة أو دابة أو ما أشبه ذلك.
وفي بطاقة الائتمان - كما يصورها الإخوة - هي عقد يتم بين أطراف ثلاثة. إذن لا يمكن أن نخرج هذه المسألة على الجعالة.
ثالثا: من الإخوة الباحثين من اعتبر أن المسألة هي عبارة عن حوالة. أقول: كذلك لا ينطبق على هذه المسألة مفهو الحوالة، لأن الحوالة تفترض وجود دين مسبق بذمة المحال عليه ولا بد هنا من رضا المحيل، وهنا لا يوجد دين على البنك لنعتبر المسألة من قبل الحوالة، ولا يتصور لنا في هذه المسألة أيضا رضا المحيل.
رابعا: الفوائد التي يجنيها البنك من جراء إصداره البطاقة، منها ما هو مقبول شرعا ومنها ما هو مرفوض، فالمقبول منها مثل استيفاء رسوم تجديد البطاقة أو رسوم تبديلها أو ما شابه ذلك، إذ أنه لا يعدو عن كونه فعلا كما ذكر الإخوة الباحثون أنه أجر على عمل أو منفعة تؤديه الشركة التي تصدر هذه البطاقة ووكلاؤها لحامل البطاقة.
أما تحصيل البنك على نسبة من مثمن البضاعة يستوفيها من التاجر حسب الاتفاق معه عند تسديده لقيمة قسيمة البيع أو الخدمة أو يحصل على نسبة من الثمن عند تسديد العميل ما عليه كأجر على تسديد البنك دينه الذي للتاجر وهذا لا يجوز. وما يقال: لدفعه إلى أصحاب المحلات التجارية، أقول: إن هذا التكييف غير مقبول شرعا أيضا، لأنه لو تصورنا بأن البنك كفيل أو وكيل بدفع الدين مثلا: فعلى أي أساس يجوز له أن يأخذ أكثر مما دفع؟ وعلى أي أساس يدفع له التاجر الذي هو دائن في الأصل جزءا من الدين؟ ففي هذه الحالة لا تعدو المسألة عن أن تكون إبراء للكفيل لجزء من الدين، وينبغي أن يكون ذلك إبراء للأصيل أيضا كما قرره الفقهاء في محله - رحمهم الله تعالى - والله الموفق، وشكرا سيادة الرئيس.
стр. 13101
الشيخ عبد الوهاب أبو سليمان:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الواقع أن البحثين الذين قدما بين أيدينا درسا الموضوع دراسة متسفيضة، وأود أن أنوه بالتصوير الواقعي الاقتصادي لسعادة الأخ الدكتور محمد علي القري، وهو رجل اقتصادي معروف في المملكة العربية السعودية ومن الاقتصاديين الإسلاميين ذوي الغيرة، فهنا قسم بطاقة الائتمان إلى ثلاثة أقسام، ولهذا لا يمكن أن نعطي أو نصدر حكما عاما على البطاقات جميعها لأنها ثلاثة أنواع، منها التي تحدث عنها بطاقة الخصوم أو البطاقة المدينة وقال: إنها تمثل شيكا وذلك عندما يكون لصاحب البطاقة رصيدا في ذلك البنك، فالبنك يسحب من رصيده القيمة التي يشتري بها تلك السلعة، وقال: هذه تأخذ حكم الشيك، وهذه واضحة جدا.
البطاقة الائتمانية القرضية: وهذه الحكم فيها واضح، وذلك لأن حامل البطاقة يعتمد في مشترياته على البطاقة دون دفع للثمن ويوفر دخله للاستثمار في نواح أخرى، ويضع البنك على كل مبلغ يشتري به فائدة وعمولة، وهذا هو المعمول به في الغرب، وليس لهذه البطاقة - عادة - وجود في الشرق الأسلامي على الأقل أو في البلدان العربية.
تبقى البطاقة العادية وهي التي نعرف تصويرها تماما، ذلك أن البنك يدفع قيمة المشتريات إلى التاجر ويدفع العميل القيمة إلى البنك. أظن بهذا التصوير وبهذه الطريقة يمكن أن نصل إلى نتيجة.
البحثان نظرا إلى العملية، عملية واحدة، ابتداء من شراء العميل وانتهاء بتسديد البنك دون أن ينظر إلى جانب فقهي آخر، هذا الجانب الفقهي الآخر وهو ما يسمى في الفقه بـ"تفريق الصفقة"، والذين ذهبوا إلى تحريم هذه البطاقة ركزوا أو كل إشكالياتهم على العمولة التي يأخذها البنك المصدر من التاجر، ولذلك أبطلوا العمل بهذه البطاقة. هذا هو تحرير محل الإشكال، وهو العمولة التي يأخذها البنك المصدر من التاجر، كما قلت سابقا: إنهم نظروا إلى الموضع على أنه معاملة واحدة. عندنا في الفقه الإسلامي ما يسمى بـ"تفريق الصفقة"، وهو إذا تمضنت الصفقة قسما حلالا وقسما حراما فعندئذ تجوز الصفقة فيما هو حلال وتحرم فيما هو حرام وهذا هو مذهب الحنفية، وكذلك بعض المذاهب الأخرى لا أذكر ذلك أكانوا الحنابلة أم المالكية إنما أنا متأكد أن الحنفية يقولون بتفريق الصفقة. فعندئذ العلاقة بين العميل وبين البنك سليمة جدا خصوصا إذا سدد في الموعد المحدد. اشتريت السلعة بثلاثين ريالا أدفع للبنك ثلاثين ريالا دون زيادة أو نقص، فهنا العلاقة ما بين حامل البطاقة وبين البنك المصدر علاقة شرعية مئة بالمئة ولا غبار عليها، عندئذ العلاقة ما بين المصدر وما بين التاجر فالبنك المصدر يأخذ عمولة على ذلك.
فضيلة الأستاذ الجواهري بتكييفاته الستة رأى أن التكييف الخامس والسادس تكييفان جائزان، وحمل أحدهما على أساس السمسرة، وجعل هذين الوجهين صحيحين- الذي هو التكييف الخامس والسادس - وعندئذ كما هي القاعدة عند الحنفية " إذا احتمل العقد وجها للصحة ووجها للبطلان فيجب أن يحمل على وجه الصحة " وشكرا.
стр. 13102
الشيخ عجيل جاسم النشمي:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى وآله وصحبه وسلم.
لا شك أن موضوع بطاقات الائتمان موضوع هام، وأخشى إن انتظرنا إلى الدورة القادمة ربما يتوسع في تطبيقاته، لأن الاتجاه في كثير من البنوك الإسلامية هو التوسع في بطاقات الائتمان. وأعتقد أن الصورة الأولى صورة ليس عليها إشكال، وهي أن يفتح العميل له حسابا في البنك ويسحب منه عن طريق البطاقة، وهذه حكمها حكم الشيك.
لكن الإشكال في الحالة الثانية والثالثة. فالحالة الثانية - حقيقة- أخف من الحالة الثالثة، وإشكالها هو الدخول في عقد فيه شرط ربوي. أنا أميل إلى أنه لا يجوز الدخول في عقد فيه شرط ربوي ابتداء، وإن التزم بينه وبين نفسه بأن يسدد قبل أن تترتب عليه فوائد.
الإشكال في البطاقة الثالثة؛ وهي التي تتجدد فيها الفائدة كلما استعمل العميل البطاقة ولا يدفع - حقيقة - هو ما عليه من دين وإنما يدفع فوائد التأخير. وإذا أخذنا بالاعتبار أن سعر الفائدة بالبطاقة هو ضعف سعر الفائدة في الحالات العادية وأحد الأبحاث ذكر أن سعر الفائدة وصل في بطاقة الائتمان إلى ٢٣ % بينما هو سعر الفائدة لم يزد عن ١٠ % في ذلك العام. يضاف إلى أن مصدر البطاقة يحصل على رسوم، لكن هذه الرسوم في الحقيقة غير محددة قد تكون ١ % لكن هي في الحقيقة تزيد. فإذا كان عند استخدام البطاقة خارج البلاد تزيد النسبة وهو فرق تحويل العملة، وإذا كانت لسحب نقدي أيضا تزيد.
فمعنى هذا أن هذه الرسوم غير ثابتة.
وينبغي أنه ننتبه إلى الآثار السلبية التي وردت في بعض الأبحاث، لعل أهم هذه الآثار أنها بالنسبة للدول النامية كدولنا هي دول استهلاكية، فاستخدام البطاقة يرتب على مستخدمها ديونا وتتراكم عليه الديون، والمحصلة هو أن يصبح العملاء مدينين للبنوك؛ لذلك ليس من الحكمة في هذا أن نوجه دولنا إلى النوع الثالث بالصورة التي هي مطبقة في البلدان الغربية.
بالنسبة للعلاقة بين حامل البطاقة والتاجر، لعل الاتجاه إلى تكييف العلاقة على حوالة- هذا طبعا بالنسبة للصورة الأولى والثانية إذا أجزناها- هي أقرب التصورات المطروحة كتخريج فقهي. فالعميل الذي هو مستخدم البطاقة هو المحيل والتاجر هو المحال، ومصدر البطاقة أو البنك هو المحال عليه، إذا لم يكن هناك دين على المحال عليه، وهذا شرط عند المالكية فيمكن أن يخرج على الحمالة- كما أشار أحد الباحثين- ويكون ما يأخذه البنك أو مصدر البطاقة حينئذ أجرة على الحمالة.
أعتقد إذا استطعنا أن نخرج من هذه الدورة بتصور واضح حول البطاقة الثانية نكون قد قدمنا شيئا، والله أعلم. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 13103
الشيخ عبد الله بن سليمان بن منيع:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
الواقع أن الغالب على بطاقات الائتمان أنها تنتهي إلى غاية سيئة هي نوع من التعاون على الإثم والعدوان، وذلك أن الغالب على نهاية مديونية هذه البطاقات- في الواقع- تنتهي إلى البنوك الربوية، وهم يفرحون بتضخم أو بكثرة هذه المديونية حتى يكون لهم من الفوائد الربوية ما يعتبرونه ربحا لهم.
أما من حيث تعليل ذلك فهي أولا، أول ما تبدأ باختصاص حيث يعطي مصدر هذه البطاقة حاملها الاختصاص في أن يقوم باستعمالها في شراء وتبادل ما يريد شراءه دون أن يدفع ثمنا، وهذا- في الواقع- يبدأ بالاختصاص ثم بمزاولته هذا الاختصاص. ومزاولة هذا الاختصاص يعتبر في قوة الحوالة من حامل البطاقة نفسه إلى الدائن نفسه ثمن البضاعة التي اشتراها منه. ممكن أن يجاب على القول أن من شروط الحوالة أن تكون على دين مستقر، هذا ليس محل اتفاق بل هناك من أهل العلم من قال بأن الحوالة لازمة ومعتبرة، ولو لم يكن في ذمة المحال عليه شيء من المبلغ أو من الدين نفسه، لا سيما إذا كان راضيا بذلك إلا أنها تنتهي إلى ما ذكرته من أنه نوع من التعاون على الإثم والعدوان في إتاحة الفرصة للبنوك الربوية في أن تحصل على نشاطاتها الربوية، وهذا لا شك أنه وسيلة أو غاية سيئة، ولا شك أن للوسائل حكم الغايات.
الراجحي عالج هذه القضية وأصدر بطاقات ائتمان ولكن هيئة الرقابة الشرعية لديه ألزمته بأن من شروط هذه البطاقة ألا يطالب مزاول حق هذه البطاقة بأي فوائد ربوية أو أي حسومات تؤخذ عليه لقاء استعماله هذا الحق. وهذه على كل حال أبعدت هذا المحظور، فإذا أبعدت المحظور فهي تبدأ باختصاص، والاختصاص يجوز بيعه أو يجوز الاستعاضة عنه. تبدأ بحوالة، والحوالة هناك من لا يشترط أن تكون مستقرة؛ أي لا يكون الدين مستقرا في ذمة المحال عليه إذا لم يترتب على نهايتها ما هو محظور من شأنها أن تقي حاملها من الاعتداء على ما يملكه من مال أو ما يمكن أن يضيع عليه أو ما يمكن أن يكون سببا من أسباب قلقه.
هذا هو رأيي، وشكرا لكم.
стр. 13104
الشيخ رضا عبد الجبار العاني:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وعلى آله وصحبه وسلم.
لقد اطلعت على البحثين المقدمين، ومجمل الرأي في البحثين أن جهودا محمودة قد بذلت في إعدادهما ويشكر صاحباهما عليهما.
بالنسبة للشيخ الجواهري، أخذ الإجراءات واحدة بعد الأخرى ثم بدأ يخرجها صورة صورة، وكأن التصرف مستقل أو كأن هذه التصرفات مستقلة عن بعضها ولكنها كلها مترابطة، وقد وقع في إشكالات حينما تعرض لمسألة التأمين فافترض أنها هبة بعوض مع أنه قرر أن التأمين يكون مؤقتا لمدة معينة، والهبة بعوض عند جماهير العلماء هي بيع، فأين العوضان هنا؟ ثم هل يجوز أن يكون العقد هنا مؤقتا؟ الهبة لا تكون مؤقتة، وخاصة الهبة بعوض هي بيع، والبيع لا يؤقت.
الدكتور القري أيضًا لم يحسم المسألة، لأنه في الحقيقة السؤال القائم في المجمع هو: ما هو تكييف هذه البطاقات؟ فلم يحسم المسألة، فتردد بين الحوالة وغيرها، وقد وقع في تجويز أخذ الأجر على الكفالة في بحثه حينما اعتبر جواز الأجر على الحمالة، والحمالة – كما نعرفها- هي الكفالة، والكفالة بأجر لا تجوز.
стр. 13105
الشيخ محمد المختار السلامي:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا.
لا أريد أن أكرر ما قلته في السنة الماضية وفي الندوة التي عقدت بإعدادها بالبحرين، ولكن ناحية جديدة بعد تتبعي لبطاقة الائتمان وهو في تكييف رسم الإصدار، فهل يصح أن رسم الإصدار هو مقابل خدمات لإعطاء البطاقة؟ هذا ما كنت أظنه وهذا ما بنيت عليه بحثي ومناقشاتي ولكن بعد النظر في حقيقة البطاقة الذهبية وجدت أنها تتضمن أيضًا تأمينًا على الحياة، وأن صاحب البطاقة إذا اشترى تذكرة سفره بالبطاقة فهو مؤمن على حياته وفي حدود معينة، ذلك التأمين إنما هو ناتج من تأمين عام لكل المشتركين، فإذن ارتبطت البطاقة بموضوع آخر وهو موضوع التأمين على الحياة الذي أظن أننا قد حسمناه وأنه لا يجوز.. وبناء على ذلك لابد من تكييف البطاقة تكييفًا من جميع نواحيها وزيادة البحث في كل مقوماتها، لأنه في كل يوم تظهر لنا ظاهرة.
стр. 13106
الدكتور عبد الله إبراهيم:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
شكرًا لسيادة الرئيس بحيث إني لم أتمكن من الكلام إلا اليوم وأشكر العارض على عرضه القيم، ووأشكر جميع المناقشين قبلي الذين استفدت منهم الشيء الكثير.
فبالنسبة للموضوع المعروض للمناقشة أمامنا اليوم وهو بطاقة الائتمان، فإنني أعتقد بالنسبة لهذا الموضوع إنما يمكننا الرجوع إلى المبدأ الذي سار عليه الرسول ﷺ عندما قدم المدينة فوجد الناس يتعاملون في المعاملات التي منها ما يتفق ومبادئ الشريعة الإسلامية ومنها ما لا يتفق، فهنا عندما نسمع من المناقشات ومن العرض الواضح فإننا نجد هناك نوعًا من الأنواع وهو النقود، وهي بعض البطاقات التي أصدرتها بعض المؤسسات المالية كشركة الراجحي، حيث إننا يمكن أن نقبل هذه البطاقة على أساس عقد الإقالة بأجرة، ويفترض للإقراض عليه أن يكون الحاصل على هذه البطاقة على عقد واضح وهو عقد الوكالة بأجرة، إلا أن هذه البطاقة يمكن أن نتعامل بها في نطاق ضيق، ولا يمكن مثلًا بالنسبة للدول المتقدمة حيث إنها لا تقبل المعاملات إلا بالبطاقة، فحينئذ يمكن أن نأخذ بمبدأ الحاجة ويسمح على نطاق ضيق بالتعامل بأي بطاقة من البطاقات التي لا تتعارض مع مبادئ الشريعة، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 13107
الشيخ الصديق محمد الأمين الضرير:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
كما هو واضح من البحثين المقدمين في هذه الدورة في البحوث السابقة أن بطاقة الائتمان ثلاثة أنواع، ولذلك فالحكم عليها من وجهة النظر الشرعية لا يمكن أن يكون حكمًا واحدًا كما قال أحد الذين سبقوني بالكلام، ولذلك رأيت أن أقسمها قسمين لإصدار الحكم على كل قسم:
القسم الأول: وهو ما إذا كان حامل البطاقة له رصيد في نفس البنك الذي أصدر البطاقة (عند المصدر) .
القسم الثاني: وهو ما عداه إذا كان حامل البطاقة ليس له رصيد في البنك.
والمرجع في هذا التقسيم هو هل في هذا العقد المركب عقد قرض أم ليس فيه؟
في الصورة الأولى ليس هناك قرض بين المصدر وحامل البطاقة، في الصورة الثانية التي تضمن صورتين، فيه قرض من المصدر إلى صاحب البطاقة، لأنه واضح في كل ما قلت في هذين النوعين أن المصدر (البنك) يدفع الثمن للتاجر ثم يحصله بعد شهر أو كيفما كانت المدة من حامل البطاقة وأحيانًا قد تأتيه الفرصة وهو يسحب على المكشوف حتى لو كان عنده حساب، وفرق بينهما لأن بعضها بأنه يأخذ فائدة، وهذه لا محل للكلام فيها، وبعضها سكت عن أخذ الفائدة.
رأيي في هذا النوع الثاني أنه لا يجوز لأنه إما فيه نص صريح على أخذ الفائدة صراحة أو بصفة ضمنية وفيه شبهة الربا، وهو أخذها ضمنيًّا مستترة في مبلغ آخر هو إما الرسوم التي تدفع أولًا أو النسبة التي يأخذها مصدر البطاقة من التاجر، لأنني أشك شكًّا كبيرًا في أن هذه النسبة تدفع من التاجر فعلًا، بل هي تدفع من التاجر ظاهرًا لكنها في واقع الأمر تدفع من حامل البطاقة، وقد رأيت بعض البحوث صرح بهذا، التاجر يحمل حامل البطاقة هذه النسبة ٣ % أو ٤ % ويضيفها إلى الأسعار، وإلا لا يفهم أنه يدفع من عنده، وخصوصًا أنا سألت في هذه الحالة هل التاجر يبيع لحامل البطاقة بنفس السعر الذي يبيع به لغير حاملها؟ فكان الجواب: نعم، فقلت: كيف إذن يدفع ٣ % أو ٤ % من الثمن الذي باع به لحامل البطاقة، معنى ذلك أنه يبيع لحامل البطاقة بأقل من الثمن الذي يبيع به لمن يدفع نقدًا وهذا بالطبع رأيي في عالم التجار.
стр. 13108
ولذلك الرأي الذي انتهيت إليه هو أن النوع الثاني والثالث والذين أدمجتهما في نوع واحد لا يجوز، النوع الأول هو الذي يمكن الأخذ به والذي هو أن حامل البطاقة له رصيد، المصدر يعطيه البطاقة ويقول له: اذهب فقدم هذه البطاقة إلى من شئت من الأماكن التي تتعامل معها وخذ ما شئت من السلع، ويقول له حامل البطاقة أيضًا: إذا جاءتك فاتورة وعليها توقيعي فادفع من المبلغ الذي عندك للتاجر، وتكييف هذه يسير، تكييفها وكالة واضحة، حامل البطاقة يوكل المصدر في أن يدفع من رصيده للتاجر، ما يتقدم به من الفواتير.
بقيت نقطة خاض فيها جميع الكاتبين وهي موضوع التكييف، والواقع أنه لم يعجبني أي واحد من التكييفات التي ذكرت لا حوالة ولا كفالة في الصور؛ لأن الذي استقر عندي أن حامل البطاقة ليس في ذمته شيء، هو يأتي ويقدم هذه البطاقة ويأخذ السلعة وليس مدينًا للتاجر، وبعض البحوث ذكرت صراحة أن البطاقة مملوكة لمصدرها، ولذلك الذي ترجح عندي أن العلاقة هي بين التاجر والمصدر، وحامل البطاقة هذا رسول فلا يمكن أن نقول: إن هناك كفالة أو حوالة لأنه لا يوجد أصيل؛ حامل البطاقة ليس أصيلًا بدليل أن البحوث جميعها متفقة على أن التاجر لا يستطيع أن يطالب حامل البطاقة، هو سيطالب مصدر البطاقة، فكيف تكون كفالة؟
على أي حال الذي توصلت إليه مما قرأته أن حامل البطاقة لا يطالب، والمعروف في الكفالة أن المكفول له يستطيع أن يطالب الكفيل، وهو في هذه الحالة يجب أن يكون حامل البطاقة ويستطيع أن يطالب الكفيل، وهذا غير متحقق في بطاقات الائتمان، فالمصدر لا يطالب حامل البطاقة إلا في حالة ما إذا كان هناك تزوير أو شيء من هذا القبيل، الموضوع ينقلب إلى موضوع آخر، لكن في أصل العقد لا يطالبه.
فمن هنا استبعدت التكييف بالحوالة والكفالة ولا أرى داعيًا للتكييف فيها، فلنقل معاملة جديدة بين ثلاثة أطراف بهذه الكيفية وليس فيها غرر، وأستغرب من الذين يتحدثون عن الغرر، لا أدري أين الغرر في هذا؟ لم يبينوا ذلك أكتفي بهذا.
стр. 13109
الرئيس:
شكرًا، يا شيخ الصديق، النقطة التي أثارها بعض الباحثين على أن حامل البطاقة لحملها أثر على التأمين على الحياة، هل تؤثر في الحكم؟
الشيخ الصديق محمد الأمين الضرير:
لا، أنا رفضت هذا بتاتًا، هذا لا يكون إلا فيما يسمى بالبطاقات الذهبية وهذه تدخل في القسم الثاني الذي منعته، هذا بمجرد ما وجد عقد قرض في بطاقة الائتمان هذه أمنعها بتاتًا، لأنها تؤدي إما إلى الربا الصريح أو الربا المستتر، وقد تأتي هذه الإضافات إذا كان هناك تقييد، في الواقع هذا يكون نتيجة عقد جديد، كما لو أضيف فيها تأمين على الحياة، وهذا قطعًا كما قال الإخوة: المجمع فصل فيه وانتهينا منه، يعني قد يأتي السؤال: لو اشترط في النوع الأول التأمين على الحياة؟ قطعًا هذا ممنوع، وشكرًا.
стр. 13110
الشيخ تقي العثماني:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على الرسول الكريم وعلى آله وأصحابه أجمعين.
الواقع أن الكلام في موضوع بطاقة الائتمان ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: وهو ما يتعلق بالعلاقة بين المصدر والحامل، وموضع النظر والإشكال في هذه العلاقة شيئان بين مصدر البطاقة وبين حاملها.
١- هو رسوم الدخول أو الرسوم السنوية التي تدفع إلى المسلف من قبل حامل البطاقة، كيف تكيف هذه الرسوم؟ فالذي يتضح لي أن رسوم الدخول أو الرسوم السنوية في الواقع هي عوض عن بعض الخدمات التي يؤديها مصدر البطاقة، وليس فيه خدمة القرض فقط بل هناك خدمات أخرى، فإن حامل البطاقة يستطيع بفضل هذه البطاقة أن يحصل على عدة خدمات في عدة مجالات، فرسوم الدخول هذه رسوم أو عوض عن خدمات يقدمها المصدر، والنقطة التي أثارها فضيلة الشيخ المختار السلامي –حفظه الله- هو أن في البطاقة الذهبية تأمينًا وتأمينًا على الحياة، فالذي أراه أنه إذا كان هناك زيادة في رسوم الدخول لقصد التأمين فحينئذ لا يجوز بتاتًا لأننا قد انتهينا من موضوع التأمين على الحياة وأنها حرام وفيها قمار وفيها ربا، أما إذا لم يكن هناك إضافة أو زيادة في رسوم الدخول لغرض التأمين بل تكون رسوم الدخول كما هي للبطاقات العادية ولا أعرف ما هو الواقع ولكن إذا كانت رسوم الدخول هي هي وقد أفاد مصدر البطاقة بأنه أمن على حياة الحامل بدون اشتراط منه فحينئذ هي شيء قد فعله بنفسه، فحينئذ لا يحمل حامل البطاقة مسؤوليته ولكن لا يجوز له أن يأخذ ما تعطيه شركة التأمين إليه أو إلى ورثته بعد وفاته.
٢- النقطة الثانية في العلاقة بين المصدر والحامل هي أن المصدر يشترط على الحامل أنه إذا لم يؤد الثمن في موعد محدد فإنه يحمل فائدة، فهل يجوز للمسلم أن يدخل في مثل هذه المعاملة؟ والمخرج من هذا هو ما ذكره فضيلة الشيخ محمد الصديق الضرير أنه إذا كان هناك رصيد من قبل الحامل في نفس البنك ويأخذ البنك من ذلك الرصيد ويدفع به الثمن للتاجر، فهذا لا مانع منه شرعًا، أما إذا لم يكن هناك رصيد ولكن عزم حامل البطاقة وحصل على البطاقة بعزمه الصميم على أنه لا يتأخر في الأداء، ومن المعروف أن مصدر البطاقة لا يتقاضى الفائدة فورًا، وإنما يعطيه فرصة لمدة شهر أو شهرين أو ثلاثة أشهر، فإذا كان الرجل على العزم الصميم بأنه لا يتأخر في الأداء ولا يحمل الفائدة ولا يدخل في معاملة ربوية، فهل يجوز له ذلك أن يحصل على مثل هذه البطاقة أو لا يجوز؟ هذا أمر توقفت فيه لأن هناك ناحية ينبغي أن ننظر فيها وأنا أقول ذلك على سبيل التفكير بصوت عال، وهو أننا نجد في كثير من قوانين البلاد تفرض على المشارك أي مشتري الكهرباء أو مستخدم التليفون أنه إذا لم يؤد الفواتير في موعدها المحدد فإنه سيحمل الفائدة، فهل نقول: إنه لا يجوز لمسلم أن يشتري الكهرباء أو يشتري التليفون من أجل أنه قد دخل في هذا الشرط الربوي؟ فالظاهر أنه إذا كان على عزم صميم بأنه يدفع الفواتير في موعدها وقبل أن تفرض عليه الفائدة فإنه ينبغي أن يجوز له ذلك، فهل يجوز قياس هذه المسألة على مسألة البطاقة، بأنه إذا حصل على البطاقة بعزمه الصميم على أنه يدفع الفواتير في موعدها فإنه يمكن أن نقول: إنه يجوز.
стр. 13111
القسم الثاني: وهو العلاقة بين المصدر والتاجر، فمعروف أن المصدر يأخذ من التاجر نسبة معينة، ما هو تكييف هذه النسبة التي يأخذها المصدر من التاجر؟ فقد تحدث البحثان عنها، والذي أميل إليه هو أنه في الواقع ما يأخذه المصدر هو عمولة من التاجر لجلب الزبائن إليه؛ لأن هذه البطاقة توفر للتاجر زبائن ومن يكون حاملًا للبطاقة فإنه لا يذهب إلى تاجر إلا إذا قبل هذه البطاقة فييسر له الزبائن ويجلب له الزبائن، فيمكن تخريجه على هذا الأساس، أنه عمولة لجلب الزبائن.
أما ما ذكره فضيلة الشيخ الصديق الضرير –حفظه الله- أن التاجر يأخذ من الحامل نسبة، فهذا ليس موافقًا للواقع، هناك أكثر التجرة الذين يحملون هذه البطاقات لا يتقاضون شيئًا زائدًا على ذلك وهو موضوع آخر، ولكن لا نستطيع أن نقول: إن النسبة التي يتقاضاها المصدر من التاجر يأخذها التاجر من الحامل مرة أخرى، هذا ليس موافقًا للواقع.
والنقطة الثانية التي ذكرها فضيلة الشيخ الصديق الضرير وهي أنه لا يمكن أن يكون هناك كفالة؛ لأن الأصيل هو المصدر بفضل أن البطاقة مملوكة له، فهذا يخالف الواقع تمامًا؛ لأن عقد البيع عندما يقع بين الحامل وبين التاجر وحينما يدفع إليه التاج السلعة يوقع الحامل ويثبت على أنه هو المشتري، فالأصيل هو وليس المصدر، فإذا نظرنا من هذه النواحي ربما يظهر أنه إذا كان عند مصدر البطاقة رصيد للحامل، فلا مانع إذن ولا إشكال للمسلم أن يحصل على هذه البطاقة، أما إذا لم يكن عنده رصيد فأنا في ذلك متوقف والذي أميل إليه أنه يمكن القول بجوازه أيضًا.
هذا ما رأيت، والله سبحانه أعلم.
стр. 13112
الدكتور عبد الستار أبو غدة:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
كنت قد قدمت بحثًا في ندوة البحرين عن هذا الموضوع وأشار إليه فضيلة الشيخ حسن الجواهري في بحثه، وهناك وقع التباس لأنه أورده مرتين، مرة في التكييف الأول على أنه قرض من مصدر البطاقة وعمولة من التجار، وأشار إليه ثانية في التكييف الثاني وهو أنها عمولة على تحصيل الثمن من العميل لدفعه إلى أصحاب المحلات.
فالتكييف الذي اخترته في البحث هو الثاني، أما الأول فقد أوردته نقلًا عمن حرمه أو منعها، لهذا اقتضى التنبيه.
التكييف الثاني الذي أوردته والذي ذكرته أورد عليه الشيخ حسن بعض الإيرادات وأريد الإجابة عنها.
الأول: أشار إلى أن هذا الوجه يفترض أنه ليس هناك ضمان ولا كفالة ولا تعهد بالسداد، هذا موجود في البحث بالإضافة للكفالة هناك وكالة بين التاجر وبين مصدر البطاقة، وبين حامل البطاقة وبين مصدرها، وتلخيصًا لهذا الأمر فإن العملية تتم هكذا.
стр. 13113
هناك علاقة بين مصدر البطاقة وحاملها وهي الوكالة في تقديم الخدمة سواء بإعطاء البطاقة وتنظيمها وفتح الملف والمرسلات التي تتم بين مصدر البطاقة وبين حاملها والتوكيل بالدفع عنه، وعلى هذا تستوجب الرسوم التي تؤخذ سنويًّا، وأحيانًا يتبرع مصدر البطاقة بهذه الخدمة لجلب الزبائن فلا يأخذ رسومًا على إصدار البطاقة. العلاقة الثانية بين التاجر وحامل البطاقة هي علاقة عادية شراء مع قبول كفالة المصدر، وأما العلاقة بين مصدر البطاقة وبين التاجر فهي علاقة كفالة، فمصدر البطاقة كفيل عن حاملها في مواجهة التاجر وملتزم ومتعهد بالسداد.
إذن هناك وكالة مع الكفالة وقد يقال: كيف تجتمع الوكالة مع الكفالة؟ الوكالة إذا كانت بعقد لا يجوز أن تجتمع مع الكفالة لأن هناك تنافيًا بين المفهومين فالوكيل أمين والكفيل ضمين، ولكن إذا كانت الوكالة بالقبض فيجوز أن تجتمع مع الكفالة وقد نص على هذا فقهاء الحنفية، لأنه مادام وكيلًا بالقبض فيمكن أن يختصر المراحل ويدفع ويجمع بين الكفالة وبين الوكالة، فالإيرادات الأخرى التي جاءت الإشارة إليها في ورقة الشيخ حسن وهي أن هناك نسبة يأخذها مصدر البطاقة من التاجر، هذه النسبة هي أجر عن الوكالة بتحصيل الدين لأن التاجر حينما يبيع لحامل البطاقة يبيعه بدون أن يتسلم منه الثمن، فهو عملية مداينة، والتاجر يكل إلى مصدر البطاقة أمر تحصيل هذه الديون فهو يدفع عمولة على تحصيل هذا الدين، ولكن قد ينغص على هذا كيفية تمام العملية في البطاقة، فالذي يتم في البطاقة ليس المطالبة لحاملها بثمن ما اشتراه بالأجل أو بالدين ثم أخذ هذه الفلوس وإيصالها إلى التاجر، وإنما تتم العملية معكوسة لأن مصدر البطاقة يريد أن ينظم أمر هذه البطاقة فهو يعلم أن هناك زبونًا اشترى، لأنه تأتي إليه القسيمة عن طريق التاجر فيقوم بالسداد والدفع قبل أن يحصل من حامل البطاقة لأنه يستطيع أن يضبط هذا الأمر لأن الدفع عمله، وأما التحصيل من التاجر فيحتاج إلى متابعة وظروف، وهذا كما لو وكلت إنسانًا بأن يشتري لك فإما أن يقول: هات الثمن حتى أشتري لك، وإما أن يدفع منه ثم يأتي إليك ويقول اشتريت وأعطني الثمن الذي قمت بتنفيذ الوكالة به، فهذا هو الترتيب الذي يتم، وهذه النسبة التي تؤخذ من التاجر هي نسبة موحدة لا تختلف بين عميل وآخر سواء تأخر السداد من العميل أو تقدم، وطريق السداد من العميل أنه يرسل إليه إشعارًا، وهذا كلامي كله عن النوع الثاني الذي فيه الجدل، أما النوع الأول الذي فيه ربط بحساب لحامل البطاقة فهذا أمره واضح، والنوع الثالث الذي فيه إقراض وكشف للحساب الذي هو النوع الربوي، وهذا أيضًا واضح، لكن النوع الثاني الذي فيه البحث والجدل والذي يأتي الإشعار إلى حامل البطاقة بالسداد، وهذا الإشعار يطلب منه أن يسدد ما تقاضاه أو ما استخدمه من البطاقة خلال الشهر الذي يؤرخ به الإشعار، فقد يشتري في أول الشهر فيستفيد فترة سماح إلى آخره، وقد يشتري في أوسطه فيستفيد فترة سماح إلى نصف الشهر، وقد يشتري في آخر الشهر وتدرج هذه المشتريات في الإشعار فيطالب بأن يدفعه ولا يمر إلا يوم أو يومان أو ثلاثة بحسب وسائل الاتصال؛ إذن ليس هناك أجل ممنوح قصدًا في هذه البطاقة وإنما هي تحت الطلب ولكن هناك فترة سماح بسبب المراسلات والإشعار، هذا بالنسبة للمدد والتساؤلات.
стр. 13114
الذي أراه أنها وكالة مع الكفالة.
من قبل هناك تساؤل لفضيلة الشيخ الصديق الضرير وهو هل يستطيع التاجر أن يطالب حامل البطاقة؟ الأصل أنه يستطيع أن يطالبه ولكن نظرًا إلى أن تصميم هذه البطاقة قائم على استخدامها من أناس متعددين ومن أقطار متباعدة وصفات كثيرة فهي كفالة مع عدم الرجوع على الأصل، ليس بصميم العقد وإنما بتنازل التاجر وعزوفه عن مطالبة الأصل، يعني كما لو جاء شخص اشترى من جهة –شخص نكرة غير معروف- وجاء بكفيل موثوق معروف وهو مصدر البطاقة، فالدائن يتغاضى عن الأصيل ويطالب الكفيل لأن له حق الرجوع على الطرفين كواقع عملي وليس كجزء من صميم البطاقة. والله أعلم.
стр. 13115
الشيخ علي التسخيري:
بسم الله الرحمن الرحيم، طبعًا بعض أصحاب البحوث –حفظهم الله- موجودون يمكنهم أن يجيبوا على بعض الإشكالات التي وردت على بحوثهم، ولكني أشير باختصار إلى أن الإشكالات كانت بعضه على القضايا التي تصاحب هذه العملية مثل مسألة التأمين على الحياة ومثل مسألة التأخير، التأخير أنا أعتبره عملًا عرضيًّا تأخير الديون والفوائد التي تأتي، هذا عمل عارض على نفس التكييف الموجود، خصوصًا إذا صمم حامل البطاقة على تسديد المبلغ في الموعد المناسب، أو مسألة بيع الدين على غيره، كل هذه المسائل عارضة تعتبر، أو مسألة تسييل الديون وأمثال ذلك وبعض الإشكالات انصب في صميم الموضوع، أنا اختار منها بعضها وأصل إلى نقطة أريد أن أوضحها في نهاية الحديث.
إشكال الشيخ عطا في الواقع فيه إجحاف يقول: هذا العقد فيه إجحاف، هذا المعنى يرده آخرون يقولون: لا، هذا العقد أولًا ليس فيه رفع للسعر بل بالعكس البائعون يخفضون أسعارهم لصالح المصدرين ولصالح الحاملين لكي يجلبوا زبائن أكبر لهم، فصحيح والدول تمنع من التسعيرتين في الأمر، فلا نستطيع أن نتبين وجه الإجحاف في مسألة السعر فيمكن أن يقول إنسان: هذا.... يقول: فيه إجحاف وذاك يقول: ليس فيه إجحاف. لا يمكن أن يشكل إشكالا شرعيا على صيغة العقد. كذلك إشكال الشيخ وهبة من هذا القبيل وأنه فيه ربا أو تعبير سماحة الشيخ وهبة: أن يشبه حالة خصم الكمبيالة. رأينا أن المسألة أبعدت عن مسألة بيع الدين والمسائل الأخرى طبق التكييفات التي طرحت.
стр. 13116
الشيخ الدكتور فاضل ركز على أن فيها ضمانًا والأجر أجر بضمان، وقد رأينا أن كل التخريجات ابتعدت تمامًا عن أن تكون العملة أجرًا للضمان أو في مقابل القرض، هي كلها تركيز على إبعاد هذه العمولة، وليس المهم رسم العضوية الأول البسيط الذي يؤخذ، وقد رأينا أن الشيخ ابن منيع أبعد في قوله: إنه بيع لحق الاختصاص وأمثال ذلك، والواقع أنا أراه التفت إلى هذه النقطة بشكل جيد، المشكل كله على هذه العمولة، البحوث كلها صرفتها عن مسألة أن تكون أجرة بالضمان أو زيادة على القرض مبلغًا في مقابل القرض.
الشيخ عجيل قبل ما عدا البطاقة القرضية السالفة، وإن كان أشكل في مسألة الدخول في عقد فيه شرط لو حقق هذا الرجل موضوعه لكان باطلاًَ، يعني لو تأخر فأخذ منه الربا لكان هذا الشرط باطلاًَ، ونبحث أيضًا الشرط الباطل الفاسد يفسد العقد أم لا؟ وأيضًا هناك كلام وقد أحسن سماحة الشيخ العثماني عندما أجاب على هذه النقطة بكل وضوح، ما أكثر العقود التي ندخل فيها – في داخل بلداننا وخارجها- فيها شروط نصمم على ألا نلتزم بها كما في قضية الكهرباء والماء والتليفون ... إلخ.
стр. 13117
سماحة الشيخ الضرير – حفظه الله- جعل العلاقة قائمة بين التاجر والمصدر وجعل الحامل وسيطًا وهذا – كما يبدو لي وكما تفضل السادة- بعيد عن الواقع القائم، فعقد البيع يجزيه الحامل بشكل كامل هو والتاجر، إذن الشيخ الضرير هكذا تفضل، ونقطة أخرى عند الشيخ الضرير – حفظه الله- أنه هو يفرق في مرجع البحث هل فيه عقد قرض أم لا؟ يعني هل في هذه الصيغة عقد قرض أم لا؟ فإن كان فيها عقد قرض فهو باطل وإلا فلا، الواقع يجب أن نركز على أنه هل أخذت العمولة على القرض أم لا؟ وليس وجود القرض، قد يكون في التركيبة عقد قرض ولكن لم تؤخذ العمولة عليه، المرجع هو أن نركز أن الذي أخذ، هل هو في مقابل القرض أم لا؟ وليس المرجع أن نقول: هل هناك قرض أم لا؟ كثير من التكييفات قالت: هناك قرض لكن المأخوذ ليس في قبال القرض.
على أي حال الشيخ العثماني كأنه قبل البطاقة، وإن كان قد توقف في مسألة الدخول في عقد فيه هذا الشرط لكنه واضح أنه قبل هذا المعنى، والشيخ عبد الستار هو من أصله يبدو أنه موافق إذا صح لي أن أنسب له ذلك.
стр. 13118
الرئيس:
شكرًا، في الواقع بقي عدد قليل من الطالبين للكلام، وتعرفون أن اللجنة لا بد أن يكون عندها وقت قبل موعد الجلسة الختامية، فبهذا ننهي هذه الجلسة ونقول:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
سمعتم العرض والمناقشات المستفيضة حوله من بيان أنواع بطاقات الائتمان الثلاثة، بطاقة الخصوم والبطاقة العادية والبطاقة القرضية، وأهم الإشكالات التي ترد عليها من الرسوم والفوائد والتكييفات والتخريجات الفقهية التي يمكن لبعضها، وسمعتم من عرض الشيخ الضرير التحديد للحالتين أو تكييفهما في وعاءين، حالة لها رصيد حالة ليس لها رصيد، وتفصيله – جزاه الله خيرًا وجزى الجميع خيرًا- فيما يجوز وما لا يجوز، وكل هذه الأشياء مقيدة لدى مقر اللجنة، ولهذا فقد ترون مناسبًا أن تتألف اللجنة بالإضافة إلى العارض والمقرر من كل من: الشيخ الصديق الضرير، الشيخ تقي العثماني، الشيخ عطا السيد، الشيخ عبد الله بن منيع، الأستاذ عبد الحميد الغزالي.
وبهذا ترفع الجلسة،
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 13119
القرار
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على
سيدنا محمد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه
قرار رقم: ٨٢ / ٩ / د٨
بشأن
بطاقات الائتمان
إن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره الثامن ببندر سيري باجوان، بروناي دار السلام من ١ إلى ٧ محرم ١٤١٤ هـ الموافق ٢١ – ٢٧ يونيو ١٩٩٣ م.
بعد إطلاعه على البحوث الواردة إلى المجمع بخصوص موضوع: "بطاقات الائتمان".
وبعد استماعه إلى المناقشات التي دارت حوله..
ونظرا لأهمية هذا الموضوع وضرورة استكمال جميع جوانبه وتغطية كل تفصيلاته والتعرف إلى جميع الآراء فيه..
قرر:
أن تقوم الأمانة العامة للمجمع باستكتاب المزيد من البحوث فيه ليتمكن مجلس المجمع من اتخاذ القرار المناسب في دورة قادمة.
والله الموفق
стр. 13120
أخلاقيات الطبيب، مسؤوليته وضمانه
الأحكام المتعلقة
ببعض ذوي الأمراض المستعصية
إعداد
الدكتور علي داود الجفال
عميد كلية العين
خطة البحث
الباب الأول: سر المهنة.
- الفصل الأول: - المقصود بسر المهنة.
- متى يستثنى من وجوب كتمان السر.
- ما هي العقوبات التي تقع على من يكشف سر مريضه.
- الفصل الثاني: - مداواة الرجل للمرأة، والمرأة للرجل.
- الفصل الثالث: - التداوي بالمحرمات.
- الفصل الرابع: - واجبات الطبيب في السلم والحرب.
- الفصل الخامس: - استطباب غير المسلم.
الباب الثاني: مسؤولية الطبيب
- الفصل الأول: - الكلام على معنى المسؤولية ومشروعيتها في الفقه الإسلامي.
- الفصل الثاني: - الكلام على أسباب المسؤولية، وطرق رفعها وتضمين الطبيب الجاهل.
- الفصل الثالث: - هل يمكن أن تقوم نقابة الأطباء أو شركة التأمين بدور العاقلة؟
الخاتمة: في الآداب التي يجب على الطبيب أن يتحلى بها.
стр. 13121
الباب الأول
سر المهنة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الفصل الأول
المقصود بسر المهنة
المهنة:
مهن الرجل مهناً، ومهنة، ومهنة: اتخذ صنعة (١) المهنة: بالفتح الخدمة، وحكى أبو زيد والكسائي: المهنة بالكسر، وأنكره الأصمعي (٢) .
والماهن: الخادم، وقد (مهن) القوم يمهنهم بالفتح فيهما (مهنة) أي خدمهم.
المهنة بالكسر والفتح والتحريك: الحذق بالخدمة والعمل، مهنه كمنعه ونصره، مهنا ومهنة، وبكسر: خدمه وضربه وجهده، وامتهنه: استعمله للمهنة (٣) .
مهن الرجل مهناً ومهنة: عمل في صنعته، و ... فلاناً: جهده و ... الثوب: ابتذله.
امتهن: اتخذ مهنة، يقال: امتهن الحياكة مثلاً.
المهنة: العمل، العمل يحتاج إلى خبرة ومهارة وحذق بممارسته، ويقال: ما مهنتك هاهنا؟ عملك. وهو في مهنة أهله: في خدمتهم (٤) .
السر: واحد الأسرار، وهو ما يكتم، والسريرة مثله، قال تعالى: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾ [الطارق: ٩] ، أي يوم القيامة تختبر الأسرار وتعرف، وهو ما يسر في القلوب من النيات والاعتقادات وغيرها فيعرف الحسن منها من القبيح.
وتقول: أسررت إلى فلان إسراراً وساررته سراراً، إذا أعلمته بسرك، وأسرار الكف الخطوط بباطنها.
وفي قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه: ٧] .
السر ما حدث به الإنسان غيره وأسره إليه، والأخفى من السر ما حدث به المرء نفسه وأخطره بباله من غير أن يخبر به أحداً، وهذا من السر أيضاً، إلا أنه أشد الأسرار خفاء.
وإفشاء السر نشره وإظهاره، نقيض الحفظ والكتمان، وكل شيء انتشر فقد فشا، ومنه فشو الخير.
وجاء في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ (٣) إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ (٤) ﴾ [التحريم: ٣-٤] .
стр. 13122
والمتظاهرتان عليه في الآية هما أما المؤمنين عائشة وحفصة ((أسر إلى إحداهما أنه حرم على نفسه العسل، وقيل: إنه حرم على نفسه جاريته مارية)) ، فأفشت سره إلى الأخرى (١) ، فأنزل الله تعالى الآيتين وجعل إفشاءهما لسر رسوله جرماً ينبغي المسارعة إلى التوبة منه، وهكذا أدبهما الله تعالى بهذا الأدب الجم فأحسن تأديبهما.
كما روي عن النبي ﷺ أنه قال: ((إن من أشد الناس عذاباً يوم القيامة الرجل يفضي إلى امرأته، أو تفضي إليه ثم ينشر سرها)) (٢) .
وقال ﷺ : ((إذا حدث الرجل الحديث ثم التفت فهي أمانة)) (٣) .
وعن ثابت عن أنس قال: ((أتى علي الرسول ﷺ ، وأنا ألعب مع الغلمان، قال: فسلم علينا، فبعثني إلى حاجة، فأبطأت على أمي، فلما جئت قالت: ما حبسك؟ قلت: بعثني رسول الله ﷺ لحاجة، قالت: ما حاجته؟ قلت: إنها سر، قالت: لا تحدثن بسر رسول الله ﷺ أحداً، قال أنس: والله لو حدثت به أحداً لحدثتك)) (٤) .
وعن أنس بن مالك ﵁ أنه قال: ((احفظ سري تكن مؤمناً)) .
وقد ذهب بعض الفقهاء إلى أن إفشاء الأسرار يعد من الكبائر (٥) ، وكان الخليفة الفاروق ﵁ يختص المتميزين من الصحابة بالعلم والإيمان والرأي، فيختارهم ليكونوا أهل شوراه، وأدخل فيهم عبد الله بن عباس، على صغر سنه، فجعله من المقربين إليه، فقال له أبوه العباس: (إني أرى هذا الرجل قد اختصك بمجلسه، فاحفظ عني ثلاثاً: لا تفشين له سراً، ولا تغتابن عنده أحداً، ولا يجربن عليك كذباً) ، فقال رجل للشعبي: كل واحدة منهن خير من ألف، فقال: بل كل واحدة منهن خير من عشرة آلاف.
من هذا نستنتج أن الشريعة الإسلامية قد أمرت بحفظ الأسرار وكتمانها وعدم إفشائها؛ لدوام الألفة ولصون حقوق الإنسان.
(وسر المهنة) أصل عميق الجذور من أصول المهنة الطبية، وقيمة من قيمها المطلقة التي لم تترك لتقدير الطبيب أو لاجتهاده أو استحسانه في كل حالة على حدة، وهي تلتقي تماماً مع تعاليم الإسلام، فهي بالإسلام تتقوى وتزداد رسوخاً.
والتفريط فيها يقوض صلاح المهنة الطبية، فيحرم الإنسانية مما لا غنى لها عنه، وفي هذا بلاء خطير وشر مستطير وخسارة فادحة.
إن قدسية سر المهنة الطبية تراث موغل في القدم، حصلته المهنة حتى في أدوارها الباكرة، ولا زالت تحرص عليه حتى الآن.
стр. 13123
كان الطبيب (أمحوتب) في مصر القديمة يأخذ العهد والقسم على طلابه ألا يذيعوا لمريض سراً، وجاء من بعده (أبقراط) اليوناني، وما زال قسمه سارياً على الخريجين من معظم كليات الطب حتى الآن، وفيه أن كل معلومات حصل عليها الطبيب خلال أدائه مهمته، سواء أكانت المعلومات طبية أم غير طبية، سواء أعرفها سماعاً أم مشاهدة أم مجرد استنتاج، فهو سر لا يفشى، مغطى بسر المهنة، حتى أشرقت على العالم شمس الإسلام عقيدة فشريعة فدولة فدعوة فحضارة، فإذا أمة الإسلام خير أمة أخرجت للناس وإذا حضارته خير حضارة استظلوا بها.
وإذا الإسلام يثبت مما سبقه من الأعراف ولو نشأت في وعاء الجاهلية ما يراه غير مجاف للشريعة أو العقيدة، ويعتبره من فضائل الإنسانية التي اكتسبتها على مدى التاريخ.. ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩] .
فكان من جراء ذلك أن ازداد (سر المهنة) في مزاولة الطب ثباتاً واستقراراً، ذكر ذلك ابن أصيبعة في كتابه طبقات الأطباء، وأكده علي بن رضوان كبير أطباء مصر (٤٥٣) هـ، وأوصى بالقسم على حفظ السر مهذب الدين بن هبل البغدادي، وكان من وظائف المحتسب أنه يأخذ على الأطباء قسم (أبقراط) في حفظ السر.
ولا نود أن يفهم أن الإسلام أوصى الأطباء وحدهم بصيانة الأسرار، بل أوصى بذلك أمته كلها؛ لأن الشريعة الإسلامية تأمر الناس بأن يحفظوا الأسرار، فيجب على المسلم أن يلتزم بها، وأن يحافظ عليها، وإن الشخص إذا علم سراً أو اؤتمن عليه أو عرفه بحكم مهنته عليه ألا يفشي السر.
والقاعدة في الشريعة الإسلامية هي حرمة الإفشاء متى كان من شأن ذيوع السر أن يلحق الضرر بصاحبه، وهو على قيد الحياة أو بعد موته، وقد سئل أديب: كيف تحفظ السر؟ قال: أنا قبره، وقالوا: صدور الأحرار قبور الأسرار، وقال آخر: أستره وأستر أني أستره.
стр. 13124
فدين الإسلام هو الدين الذي رعى الإنسان ورسم له طريق الحياة الآمنة المستقرة، رعاه في ظاهره وباطنه، رعاه في روحه وجسده، رعاه في يقظته وغفلته، رعاه في كل أموره، فشرع له ما يحافظ على مقومات إنسانيته؛ فحفظ له دينه، ونفسه وعرضه، وماله، وعقله من أن يمس إلا بحق، حتى يسير آمناً مطمئناً مستقراً، مؤدياً حق الله عليه وحقوق العباد، دون تقصير أو تهاون، فيسعد وتسعد بسعادته الإنسانية جمعاء.
فالإسلام أوصى بصيانة الأسرار للأمة كلها، وإنما كان الأطباء على رأس الهرم في ذلك؛ نظراً لأن مهمتهم ذات مساس مباشر بكيان الإنسان ذاته، وهي لا تقوم قائمتها إلا إن استقرت لدى الطبيب والمريض أن ما بينهما غير معرض للإفشاء أو الإفضاء، يستوي في ذلك ما كان خيراً أو شراً، أو قبيحاً أو حسناً، أو مشرفاً أو مخجلاً، وبغير هذا تهتز المهنة الطبية وتزلزل زلزالاً عنيفاً، لقد جعل الإسلام من الأخلاق العامة ألا تذكر أخاك في غيابه بما لا يحب، ولو كنت صادقاً، وحتى في الأمور ذات الخطر جعل للحصول على المعلومات ضوابط إجرائية لا ينبغي تجاوزها بدعوى الوصول إلى الحقيقة.
فهذا عمر بن الخطاب ﵁ يعتلي السور ليتحقق أن رجلاً في بستان داره يشرب الخمر، ويراه كذلك، ولكن الرجل يذكره بأنه تسور عليه والله يقول: ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا﴾ [الحجرات: ١٢] ، ولا يملك أمير المؤمنين إلا أن يذعن لشريعة الإسلام، لا غرو إذن وهذه تعاليم الإسلام (العامة) أن تكون التعاليم (الخاصة) التي تحكم المهنة الطبية أقوى أشد؛ فلذا يجب على الأطباء ألا يفشوا الأسرار، وأن يغضوا الأبصار عن المحارم، ولا يهتكوا الأستار.
ولئن قضت سنة الله وعدالته بأن يتقهقر المسلمون عن مركز القيادة والريادة في العالم بتخليهم عن المواصفات والشروط التي فرضها الله عليهم وجعلها شرطاً لنصرهم، لقد صح كذلك أن أوروبا وهي تخرج من عصورها الوسطى المظلمة إلى عصر النهضة إنما فعلت ذلك بفضل حضارة الإسلام التي أقبلت عليها أوروبا وفرط فيها أصحابها الأصليون، وفي غمار الحياة التي كانت تزداد تعقيداً نظروا إلى سر المهنة الطبية كقيمة حضارية، وضرورة إنسانية، فلم يأتمنوا عليها قوة العرف والإلف والتقاليد، وإنما أحاطوها بسياج القانون، وسبق إلى ذلك القانون الفرنسي سنة ألف وثمانمائة وخمس وعشرين، فجعل خرقها جنحة تعاقب بالحبس والغرامة، وانتشر ذلك في كل البلاد.
وقد يظن البعض أن السر الجدير بالصيانة هو ما ينطوي على معلومات سيئة أو مهينة أو مشينة بالنسبة للمريض، وهو ظن خاطئ، وإن شاع، فحفظ المعلومات الخاصة بالمريض هو حفظ مطلق ومقصود لذاته، ولا يلزم إطلاقاً أن يكون المريض قد طلب من الطبيب صراحة ألا يدلي بهذه المعلومات، بل هو سر بطبيعته وبطبيعة المهنة، ولو لم يطلب المريض ذلك.
стр. 13125
متى يستثنى من وجوب كتمان السر؟
حفظ الأسرار شيء فطري ترشد إليه الطبيعة البشرية، فكل إنسان يحب أن يحفظ من الأسرار الكثير، سواء كانت خيراً لما ورد في الأثر: ((استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان)) ، أو شراً كما ورد في الحديث: ((الإثم ما حاك في الصدر وكرهت أن يطلع عليه الناس)) .
وقد عدد الناس من قديم الزمان كثيراً من الفضائل، وكان من أبرزها المحافظة على الأسرار والوعود والعقود، وخاصة إذا أمنهم الناس عليها، والأطباء في القديم والحديث من أوائل من ائتمنهم الناس على أسرارهم، وقد التزم من قاموا بهذه المهنة بحفظ الأسرار من أقدم العصور، التزم به أطباء مصر كما التزم به أطباء اليونان، وقد ضمنوا هذا الالتزام قسماً يقسمه الأطباء وعهداً يقطعونه على أنفسهم قبل ممارستهم هذه المهنة.
وسر المهنة أصل عميق الجذور من أصور المهنة الطبية، وقيمة من قيمها المطلقة التي لم تترك لتقدير الطبيب أو لاجتهاده أو استحسانه في كل حالة على حدة.
وهي تلتقي تماماً مع تعاليم الإسلام، فهي بالإسلام تتقوى وتزداد رسوخاً، فحثت تعاليم الإسلام على الالتزام بالقيم وإحياء ما اندثر منها وجعل هذا ديناً وعقيدة وأسلوب حياة.
وسار على ذلك أطباء المسلمين، وقد أثبت ابن أبي أصيبعة في كتابه (عيون الأنباء في طبقات الأطباء) بعضاً من العهود التي أخذت على الأطباء في زمانه، منها:
(وأما الأشياء التي أعاينها أو أسمعها وقت علاج المرضى أو في غير أوقات علاجهم مما لا ينطق به خارجاً فأمسك عنه) ، ويروي ابن أبي أصيبعة بعضاً من التعاليم التي كانت تعلم للأطباء ويطلب منهم التحلي بها، ومنها:
(كمال التخلق وتوافر العقل والحرص على كتمان أسرار المرضى، والعفة، والعزوف عن إسقاط الأجنة، إلى غير ذلك من مكارم الأخلاق) (١) . هذا وقد حبب الإسلام كثيراً في المحافظة على الشعور الإنساني والحس البشري؛ لأن ذلك من أسباب الرقي والصعود في حلقات السمو الإنساني على هذه الأرض، ولأنه من أسباب التكريم الإلهي للإنسان الذي وكلت إليه الخلافة عن الله في الأرض، لهذا أحاط الله كرامة هذا الإنسان بحصون واقيات؛ حتى لا يهتك له ستراً، ويفضح له سراً، فشرع له أموراً معينة في ذلك ينبغي اتباعها، منها المحافظة على سره وصون كرامته وعرضه.
стр. 13126
فالتفريط بسر المهنة يقوض صرح المهنة الطبية، فيحرم الإنسانية مما لا غنى لها عنه، وفي هذا بلاء خطير وشر مستطير وخسارة فادحة.
على أن لكل قاعدة شواذاً تمليها ضرورة أقوى منها، وتحديد الشواذ من مهام الشارع لأمن مهام الطبيب أو السلطات الصحية، ومن منطلق الالتزام الخلقي أن تكون مواطن إفشاء السر معلنة للناس، موضحة لهم دائماً من قبل المهنة الطبية؛ حتى لا يظن الناس بها غرراً مقصوداً أو غير مقصود.
ولكن هناك حالات في الشريعة الإسلامية يكون فيها إفشاء السر واجباً، وذلك في الحالة التي يكون فيها كتم السر مؤدياً إلى مفسدة، فإذا عهد شخص بسر إلى آخر، مضمونه ارتكاب جريمة زنا أو سرقة أو قتل، أو حيازة رخصة قيادة مع ضعف البصر الشديد؛ فعلى من عرف هذا السر أن يفشيه، فقد يكون في إفشائه مصلحة ترجى عسى من سمع بالخبر قبل وقوع المفسدة يهب لمنع تلك المفسدة، أو إذا وقعت تلك المفسدة يساعد على كشف الحقيقة للمصلحة العامة، كما روي عن الرسول ﷺ حين قال: ((المجالس بالأمانة إلا ثلاثة: مجلس سفك دم حرام، أو فرج حرام، أو اقتطاع مال بغير حق)) (١) .
هذا وقد ورد في ندوة الرؤية الإسلامية لبعض الممارسات الطبية المنعقدة في الكويت بتاريخ العشرين من شعبان لعام ألف وأربعمائة وسبعة للهجرة الموافق الثامن عشر من إبريل لعام ألف وتسعمائة وسبع وثمانين بحث قيم للدكتور محمد سليمان الأشقر خبير الموسوعة الفقهية في وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية الكويتية حول إفشاء السر في الشريعة الإسلامية، أورده بكامله لما له من أهمية في موضوعنا.
стр. 13127
إفشاء السر في الشريعة الإسلامية
للدكتور: محمد سليمان الأشقر
خبير بالموسوعة الفقهية – وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية
السر واحد الأسرار، وهو ما يكتم، والسريرة مثله، قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾ [الطارق: ٩] ، أي يوم القيامة تختبر الأسرار وتعرف، وهي ما يسر في القلوب من النيات والاعتقادات وغيرها، فيعرف الحسن منها من القبيح.
وتقول: أسررت إلى فلان إسراراً، وساررته سراراً: إذا أعلمته بسرك، وأسرار الكف: الخطوط بباطنها.
وفي قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه: ٧] ، السر ما حدث به الإنسان غيره وأسره إليه، والأخفى من السر ما حدث به المرء نفسه وأخطره بباله من غير أن يخبر به أحداً، وهذا من السر أيضاً، إلا أنه أشد الأسرار خفاء.
وإفشاء السر: نشره وإظهاره، نقيض الحفظ والكتمان، وكل شيء انتشر فقد فشا، ومنه فشو الحبر في الورق الرقيق، وفشت الأنعام ترعى: انتشرت، ولذا تسمى السائمة: فاشية.
صور من الكتمان والإفشاء في الكتاب والسنة وآثار الصالحين:
- جاء في سورة التحريم: ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ (٣) إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ [التحريم: ٣-٤] .
والمتظاهرتان عليه في الآية هما أما المؤمنين عائشة وحفصة أسر إلى إحداهما أنه حرم على نفسه العسل، وقيل: إنه حرم على نفسه جاريته مارية، فأفشت سره إلى الأخرى (١) ، فأنزل الله تعالى الآيتين وجعل إفشاءهما لسر رسوله جرماً ينبغي المسارعة إلى التوبة منه، وهكذا أدبهما الله تعالى بهذا الأدب الجم فأحسن تأديبهما.
стр. 13128
- عن عبد الله بن عمر: ((أن عمر بن الخطاب حين تأيمت حفصة (أي مات زوجها) قال عمر: فأتيت عثمان بن عفان فعرضت عليه حفصة، فقال: سأنظر في أمري، فلبث ليالي، ثم لقيني، فقال: قد بدا لي أن لا أتزوج يومي هذا، قال عمر: فلقيت أبا بكر الصديق، فقلت: إن شئت زوجتك حفصة بنت عمر، فصمت أبو بكر فلم يرجع إلى شيئاً، وكنت أوجد عليه مني على عثمان، فلبثت ليالي، ثم خطبها رسول الله ﷺ فأنكحتها إياه، فلقيني أبو بكر، فقال: لعلك وجدت علي حين عرضت علي حفصة فلم أرجع إليك شيئاً؟ قال عمر: قلت: نعم، قال أبو بكر: فإنه لم يمنعني أن أرجع إليك فيما عرضت علي إلا أني كنت علمت أن رسول الله ﷺ قد ذكرها، فلم أكن لأفشي سر رسول الله ﷺ ، ولو تركها قبلتها)) (١) .
وفي رواية أحمد: وكان سراً فكرهت أن أفشي السر.
قال ابن حجر: يستفاد منه عذر أبي بكر في كونه لم يقل كما قال عثمان: قد بدا لي أن لا أتزوج.
- كان الخليفة الفاروق يختص المتميزين من الصحابة بالعلم والإيمان والرأي فيختارهم ليكونوا أهل شوراه، وأدخل فيهم عبد الله بن عباس، على صغر سنه. فجعله من المقربين إليه، فقال له أبوه العباس: (إني أرى هذا الرجل قد اختصك بمجلسه، فاحفظ عني ثلاثاً: لا تفشين له سراً، ولا تغتابن عنده أحداً، ولا يجربن عليك كذباً) فقال رجل للشعبي: كل واحدة منهن خير من ألف. فقال: بل كل واحدة منهن خير من عشرة آلاف.
- قال أنس بن مالك ﵁: ((أسر إلي النبي ﷺ سراً، فما أخبرت به أحداً بعده، ولقد سألتني أم سليم فما أخبرتها به)) رواه البخاري (٢) ، وأم سليم هي أم أنس. وفي رواية أنها سألت أنساً عن حاجة النبي ﷺ التي أرسل أنساً فيها فقال: إنها سر، فقالت له: لا تخبر بسر رسول الله ﷺ أحداً، وفي رواية أن أنساً قال لثابت البناني: (والله لو حدثت به أحداً لحدثتك يا ثابت) .
стр. 13129
تحميل الأسرار:
الأولى بالعاقل أن يكون سره وعلانيته سواء، فلا يفعل في غيبة الناس ما يسوءه أن يطلع عليه الناس؛ لأنه وإن غاب عنهم فإن الله عليه شهيد، ولا يضمر في قلبه لأحد من المسلمين ضغينة تحمله على أن يسيء القول، وأن يعلم أن سره ما دام بين حنايا صدره فهو أمير نفسه، فإن أطلع غيره على سره خرج الخيار من يده وأصبح الخيار لغيره.
وإن لم يكن له بد أن يُحَمِّلَ أحداً سره، فلا يبثه إلى كل أحد، فإنه كما قيل: (لسان العاقل في قلبه، وقلب الأحمق في فمه) .
فيختار من يحمله سره اختياراً، بأن يكون عاقلاً ثقة أميناً، وليكن شخصاً واحداً إن أمكن لا أكثر، فإن انتشر السر عرف أن الذي نشره هو صاحبه هذا بعينه، فإن كانوا أكثر ضاع سره، كما قال الشاعر:
وسرك ما كان عند امرئ
وسر الثلاثة غير الخفي
بين حفظ السر وستر العورة:
عن النبي ﷺ أنه كان يدعو بهذا الدعاء: ((اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا)) ، وعنه أنه قال: ((من ستر على مسلم ستره الله في الدنيا والآخرة)) رواه الشيخان.
وقال للمنافقين: ((يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه: لا تغتابوا المسلمين، ولا تتبعوا عوراتهم، فإن من يتبع عورة أخيه يتبع الله عورته، ومن يتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف بيته)) (١) .
والعورة ما يستقبح ظهوره للناس، حسياً كان كالعورة المغلظة والتشوهات الخلقية، أو معنوياً كسيئ الأفعال والأقوال والأخلاق، ثم إن كانوا يجهلونه منك فهو سر وعورة، وإن كانوا يعلمونه فهو عورة وليس بسر، وقد لا يكون السر عورة، وإن كان صاحبه يكره إظهاره؛ كصدقة السر وصلاة السر.
стр. 13130
فضل كتمان السر:
إن كان السر مما يقبح ظهوره للناس فهو عورة كما تقدم، وفي حفظه فضل ستر العورة على المسلم، وقد تقدم الحديث: ((من ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة)) وهو حق من حقوق كل مسلم على أخيه.
وفي السنة في قصة ماعز الذي اعترف بالزنى، فأقام ﷺ الحد عليه بالرجم، جاء هزال فقال: أنا أمرته أن يأتي فيعترف، فقال النبي ﷺ : ((يا هزال، لو سترته بثوبك لكان خيراً لك)) (١)
وروي عن أبي بكر الصديق ﵁ أنه قال: (لو وجدت شارباً لأحببت أن يستره الله، ولو وجدت سارقاً لأحببت أن يستره الله) .
وإن لم يكن السر عورة، فإن المحافظة عليه من كمال المروءة، وكمال الأمانة، وقوة الإرادة.
ومن هنا الحكمة المأثورة: (صدور الأحرار قبور الأسرار) ، فالحر المسيطر على إرادته يموت السر في صدره، أما الذي هو عبد لهواه فإن السر لا يزال يختلج في صدره ويضطرب حتى يفر هارباً.
وحفظ الأسرار على أهل الإيمان من كمال الإيمان؛ لقول النبي ﷺ : ((لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)) قال الغزالي: لا شك أنك تنتظر من أخيك أن يستر عورتك، ويسكت عن مساوئك وعيوبك، ولو أنك ظهر لك من أخيك نقيض ما تنتظره إن اشتد غيظك وغضبك عليه، فما أبعدك إذ كنت تنتظر منه ما لا تضمره له ولا تعزم عليه لأجله، وويل لمن يفعل ذلك في نص كتاب الله، حيث يقول في سورة المطففين: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (٣) ﴾ (٢) [المطففين: ١-٢-٣] .
وفضل حفظ الأسرار التي في كشفها قبح ومساءة يكون فيه أحياناً معنى إقالة العثرة، والمعونة على استقامة من وقعت منه الزلة، قال النبي ﷺ : ((أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا الحدود)) (٣) .
وفي حديث آخر: ((من رأى عورة فسترها، فكأنما أحيا موءودة)) (٤) .
صفات كتمان السر:
الأولى بمن حمل السر لغيره أن يمحوه من قلبه، وأن يوحي إلى نفسه أنه قد أمات ذلك السر، حتى كأنه لم يسمع به، أو سمع به ونسيه، فذلك أدعى إلى أن يخفيه من أن يرى أنه سيبثه في فرصة آتية.
ثم إن سئل عن السر فليتجاهل أنه يعرفه، فإن عزم عليه فرأى أنه إن قال: إنها أمانة ولن أخبر بها اكتفي منه، فليقل ذلك، وإن رأى أن ذلك يزيد السائل ضراوة، ويحفزه على متابعة الكشف، فليترك ذلك القول وليتلمس أن يستعمل المعاريض، روي أن النبي ﷺ قال: ((إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب)) (٥) وروي قول ذلك عن بعض السلف، والتعريض: التورية.
ثم إن لم يتيسر التعريض واضطر إلى الجواب قسراً فقد قال بعض العلماء: إن له أن ينكر، وإن كان حمل السر أمانة أو يخاف على صاحب السر الضرر في نفسه أو أهله أو ماله بغير حق فله أن يكذب، وإن استحلف فله أن يحلف على الكذب، والإثم على من اضطره إلى ذلك بغير حق (٦) .