← Фикх общий

Фикх общий · id 8356

مجلة مجمع الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (22 276 стр.). Показаны 13126–13165 · переход к 13131.

стр. 13126

فالتفريط بسر المهنة يقوض صرح المهنة الطبية، فيحرم الإنسانية مما لا غنى لها عنه، وفي هذا بلاء خطير وشر مستطير وخسارة فادحة. على أن لكل قاعدة شواذاً تمليها ضرورة أقوى منها، وتحديد الشواذ من مهام الشارع لأمن مهام الطبيب أو السلطات الصحية، ومن منطلق الالتزام الخلقي أن تكون مواطن إفشاء السر معلنة للناس، موضحة لهم دائماً من قبل المهنة الطبية؛ حتى لا يظن الناس بها غرراً مقصوداً أو غير مقصود. ولكن هناك حالات في الشريعة الإسلامية يكون فيها إفشاء السر واجباً، وذلك في الحالة التي يكون فيها كتم السر مؤدياً إلى مفسدة، فإذا عهد شخص بسر إلى آخر، مضمونه ارتكاب جريمة زنا أو سرقة أو قتل، أو حيازة رخصة قيادة مع ضعف البصر الشديد؛ فعلى من عرف هذا السر أن يفشيه، فقد يكون في إفشائه مصلحة ترجى عسى من سمع بالخبر قبل وقوع المفسدة يهب لمنع تلك المفسدة، أو إذا وقعت تلك المفسدة يساعد على كشف الحقيقة للمصلحة العامة، كما روي عن الرسول ﷺ حين قال: ((المجالس بالأمانة إلا ثلاثة: مجلس سفك دم حرام، أو فرج حرام، أو اقتطاع مال بغير حق)) (١) . هذا وقد ورد في ندوة الرؤية الإسلامية لبعض الممارسات الطبية المنعقدة في الكويت بتاريخ العشرين من شعبان لعام ألف وأربعمائة وسبعة للهجرة الموافق الثامن عشر من إبريل لعام ألف وتسعمائة وسبع وثمانين بحث قيم للدكتور محمد سليمان الأشقر خبير الموسوعة الفقهية في وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية الكويتية حول إفشاء السر في الشريعة الإسلامية، أورده بكامله لما له من أهمية في موضوعنا.

стр. 13127

إفشاء السر في الشريعة الإسلامية للدكتور: محمد سليمان الأشقر خبير بالموسوعة الفقهية – وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية السر واحد الأسرار، وهو ما يكتم، والسريرة مثله، قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾ [الطارق: ٩] ، أي يوم القيامة تختبر الأسرار وتعرف، وهي ما يسر في القلوب من النيات والاعتقادات وغيرها، فيعرف الحسن منها من القبيح. وتقول: أسررت إلى فلان إسراراً، وساررته سراراً: إذا أعلمته بسرك، وأسرار الكف: الخطوط بباطنها. وفي قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه: ٧] ، السر ما حدث به الإنسان غيره وأسره إليه، والأخفى من السر ما حدث به المرء نفسه وأخطره بباله من غير أن يخبر به أحداً، وهذا من السر أيضاً، إلا أنه أشد الأسرار خفاء. وإفشاء السر: نشره وإظهاره، نقيض الحفظ والكتمان، وكل شيء انتشر فقد فشا، ومنه فشو الحبر في الورق الرقيق، وفشت الأنعام ترعى: انتشرت، ولذا تسمى السائمة: فاشية. صور من الكتمان والإفشاء في الكتاب والسنة وآثار الصالحين: - جاء في سورة التحريم: ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ (٣) إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ [التحريم: ٣-٤] . والمتظاهرتان عليه في الآية هما أما المؤمنين عائشة وحفصة أسر إلى إحداهما أنه حرم على نفسه العسل، وقيل: إنه حرم على نفسه جاريته مارية، فأفشت سره إلى الأخرى (١) ، فأنزل الله تعالى الآيتين وجعل إفشاءهما لسر رسوله جرماً ينبغي المسارعة إلى التوبة منه، وهكذا أدبهما الله تعالى بهذا الأدب الجم فأحسن تأديبهما.

стр. 13128

- عن عبد الله بن عمر: ((أن عمر بن الخطاب حين تأيمت حفصة (أي مات زوجها) قال عمر: فأتيت عثمان بن عفان فعرضت عليه حفصة، فقال: سأنظر في أمري، فلبث ليالي، ثم لقيني، فقال: قد بدا لي أن لا أتزوج يومي هذا، قال عمر: فلقيت أبا بكر الصديق، فقلت: إن شئت زوجتك حفصة بنت عمر، فصمت أبو بكر فلم يرجع إلى شيئاً، وكنت أوجد عليه مني على عثمان، فلبثت ليالي، ثم خطبها رسول الله ﷺ فأنكحتها إياه، فلقيني أبو بكر، فقال: لعلك وجدت علي حين عرضت علي حفصة فلم أرجع إليك شيئاً؟ قال عمر: قلت: نعم، قال أبو بكر: فإنه لم يمنعني أن أرجع إليك فيما عرضت علي إلا أني كنت علمت أن رسول الله ﷺ قد ذكرها، فلم أكن لأفشي سر رسول الله ﷺ ، ولو تركها قبلتها)) (١) . وفي رواية أحمد: وكان سراً فكرهت أن أفشي السر. قال ابن حجر: يستفاد منه عذر أبي بكر في كونه لم يقل كما قال عثمان: قد بدا لي أن لا أتزوج. - كان الخليفة الفاروق يختص المتميزين من الصحابة بالعلم والإيمان والرأي فيختارهم ليكونوا أهل شوراه، وأدخل فيهم عبد الله بن عباس، على صغر سنه. فجعله من المقربين إليه، فقال له أبوه العباس: (إني أرى هذا الرجل قد اختصك بمجلسه، فاحفظ عني ثلاثاً: لا تفشين له سراً، ولا تغتابن عنده أحداً، ولا يجربن عليك كذباً) فقال رجل للشعبي: كل واحدة منهن خير من ألف. فقال: بل كل واحدة منهن خير من عشرة آلاف. - قال أنس بن مالك ﵁: ((أسر إلي النبي ﷺ سراً، فما أخبرت به أحداً بعده، ولقد سألتني أم سليم فما أخبرتها به)) رواه البخاري (٢) ، وأم سليم هي أم أنس. وفي رواية أنها سألت أنساً عن حاجة النبي ﷺ التي أرسل أنساً فيها فقال: إنها سر، فقالت له: لا تخبر بسر رسول الله ﷺ أحداً، وفي رواية أن أنساً قال لثابت البناني: (والله لو حدثت به أحداً لحدثتك يا ثابت) .

стр. 13129

تحميل الأسرار: الأولى بالعاقل أن يكون سره وعلانيته سواء، فلا يفعل في غيبة الناس ما يسوءه أن يطلع عليه الناس؛ لأنه وإن غاب عنهم فإن الله عليه شهيد، ولا يضمر في قلبه لأحد من المسلمين ضغينة تحمله على أن يسيء القول، وأن يعلم أن سره ما دام بين حنايا صدره فهو أمير نفسه، فإن أطلع غيره على سره خرج الخيار من يده وأصبح الخيار لغيره. وإن لم يكن له بد أن يُحَمِّلَ أحداً سره، فلا يبثه إلى كل أحد، فإنه كما قيل: (لسان العاقل في قلبه، وقلب الأحمق في فمه) . فيختار من يحمله سره اختياراً، بأن يكون عاقلاً ثقة أميناً، وليكن شخصاً واحداً إن أمكن لا أكثر، فإن انتشر السر عرف أن الذي نشره هو صاحبه هذا بعينه، فإن كانوا أكثر ضاع سره، كما قال الشاعر: وسرك ما كان عند امرئ وسر الثلاثة غير الخفي بين حفظ السر وستر العورة: عن النبي ﷺ أنه كان يدعو بهذا الدعاء: ((اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا)) ، وعنه أنه قال: ((من ستر على مسلم ستره الله في الدنيا والآخرة)) رواه الشيخان. وقال للمنافقين: ((يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه: لا تغتابوا المسلمين، ولا تتبعوا عوراتهم، فإن من يتبع عورة أخيه يتبع الله عورته، ومن يتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف بيته)) (١) . والعورة ما يستقبح ظهوره للناس، حسياً كان كالعورة المغلظة والتشوهات الخلقية، أو معنوياً كسيئ الأفعال والأقوال والأخلاق، ثم إن كانوا يجهلونه منك فهو سر وعورة، وإن كانوا يعلمونه فهو عورة وليس بسر، وقد لا يكون السر عورة، وإن كان صاحبه يكره إظهاره؛ كصدقة السر وصلاة السر.

стр. 13130

فضل كتمان السر: إن كان السر مما يقبح ظهوره للناس فهو عورة كما تقدم، وفي حفظه فضل ستر العورة على المسلم، وقد تقدم الحديث: ((من ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة)) وهو حق من حقوق كل مسلم على أخيه. وفي السنة في قصة ماعز الذي اعترف بالزنى، فأقام ﷺ الحد عليه بالرجم، جاء هزال فقال: أنا أمرته أن يأتي فيعترف، فقال النبي ﷺ : ((يا هزال، لو سترته بثوبك لكان خيراً لك)) (١) وروي عن أبي بكر الصديق ﵁ أنه قال: (لو وجدت شارباً لأحببت أن يستره الله، ولو وجدت سارقاً لأحببت أن يستره الله) . وإن لم يكن السر عورة، فإن المحافظة عليه من كمال المروءة، وكمال الأمانة، وقوة الإرادة. ومن هنا الحكمة المأثورة: (صدور الأحرار قبور الأسرار) ، فالحر المسيطر على إرادته يموت السر في صدره، أما الذي هو عبد لهواه فإن السر لا يزال يختلج في صدره ويضطرب حتى يفر هارباً. وحفظ الأسرار على أهل الإيمان من كمال الإيمان؛ لقول النبي ﷺ : ((لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)) قال الغزالي: لا شك أنك تنتظر من أخيك أن يستر عورتك، ويسكت عن مساوئك وعيوبك، ولو أنك ظهر لك من أخيك نقيض ما تنتظره إن اشتد غيظك وغضبك عليه، فما أبعدك إذ كنت تنتظر منه ما لا تضمره له ولا تعزم عليه لأجله، وويل لمن يفعل ذلك في نص كتاب الله، حيث يقول في سورة المطففين: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (٣) ﴾ (٢) [المطففين: ١-٢-٣] . وفضل حفظ الأسرار التي في كشفها قبح ومساءة يكون فيه أحياناً معنى إقالة العثرة، والمعونة على استقامة من وقعت منه الزلة، قال النبي ﷺ : ((أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا الحدود)) (٣) . وفي حديث آخر: ((من رأى عورة فسترها، فكأنما أحيا موءودة)) (٤) . صفات كتمان السر: الأولى بمن حمل السر لغيره أن يمحوه من قلبه، وأن يوحي إلى نفسه أنه قد أمات ذلك السر، حتى كأنه لم يسمع به، أو سمع به ونسيه، فذلك أدعى إلى أن يخفيه من أن يرى أنه سيبثه في فرصة آتية. ثم إن سئل عن السر فليتجاهل أنه يعرفه، فإن عزم عليه فرأى أنه إن قال: إنها أمانة ولن أخبر بها اكتفي منه، فليقل ذلك، وإن رأى أن ذلك يزيد السائل ضراوة، ويحفزه على متابعة الكشف، فليترك ذلك القول وليتلمس أن يستعمل المعاريض، روي أن النبي ﷺ قال: ((إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب)) (٥) وروي قول ذلك عن بعض السلف، والتعريض: التورية. ثم إن لم يتيسر التعريض واضطر إلى الجواب قسراً فقد قال بعض العلماء: إن له أن ينكر، وإن كان حمل السر أمانة أو يخاف على صاحب السر الضرر في نفسه أو أهله أو ماله بغير حق فله أن يكذب، وإن استحلف فله أن يحلف على الكذب، والإثم على من اضطره إلى ذلك بغير حق (٦) .

стр. 13131

قال ابن حجر الهيتمي: الكذب قد يباح، وقد يجب، والضابط كما في الإحياء: إن كان مقصود محمود لا يمكن التوصل إليه إلا بالكذب فهو مباح وإن كان واجباً وجب، كما لو رأى معصوماً اختفى من ظالم يريد قتله أو إيذاءه، فالكذب هنا واجب، أو سأل الظالم عن وديعة يريد أخذها، فيجب الإنكار، وإن كذب، بل لو استحلفه لزمه الحلف، ويوري، وإلا حنث ولزمته الكفارة، ولو سأله سلطان عن فاحشة وقعت منه سراً، كزنى أو شرب خمر، فله أن يكذب ويقول: ما فعلت، وله أيضاً أن ينكر سر أخيه، ثم قال: ينبغي أن يقابل مفسدة الكذب بالمفسدة المترتبة على الصدق، فإن كانت مفسدة الصدق أشد، فله الكذب، وإن كان العكس، أو شك، حرم الكذب. ثم استشهد لصحة ذلك بحديث الترخيص بالكذب في الحرب، وفي الصلح بين الناس، وفي حديث الرجل زوجته ليرضيها (١) ولنا فيما قاله الغزالي وأقره ابن حجر الهيتمي توقف، فليست كل مفسدة تترتب على الصدق يستباح بها الكذب، وليس كل مصلحة محمودة تتوقف على الكذب تبيحه، فإنه ما من كاذب إلا ويرى أن في الكذب مصلحة له أو درء مفسدة عنه أو عن غيره، والنبي ﷺ أخرج كلامه مخرج الحصر عندما قال: ((إن الكذب لا يحل إلا في ثلاث ... )) الحديث. والذي نراه وتقتضيه الأصول أن تكون القاعدة في ذلك: أنه لا يحل الكذب لجلب مصلحة أصلاً ما عدا الحرب، وأما لدرء المفاسد فلا يحل إلا للثلاثة المذكورة في الحديث، أو ما كان مثلها أو أعظم، لا ما كان دونها في العظم. والله أعلم. وليحذر حامل السر ممن قد يستدرجه لفضاء بمضمون السر من حيث لا يشعر، فإن للناس في ذلك أساليب لا تخفى على ذوي الفطانة. من يستحق الستر عليه ومن لا يستحق: قال الحليمي: (الستر هو في الفواحش التي لا تخرج من الملة، فأما إذا سمع مسلماً يتكلم بكلام الكفر، فعرف به أنه من المنافقين، فلا ينبغي أن يستر عليه ... ليعلم المسلمون أنه خارج من جملتهم، ولئلا يغتروا بما يظهره لهم فينكحوه، أو يأكلوا ذبيحته، أو يصلوا خلفه، أو يوصي أحد منهم إليه بولاية أطفاله، ولأن من أظهر الكفر زالت حرمته، فإن الحرمة فيما أوجبنا ستره، إنما كان لدين المتعاطي له، فإذا لم يكن دين فقد زالت العلة، والله أعلم) (٢) . وواضح أن هذا إنما هو فيما كان من الأسرار من قبيل ستر العورات، أما إن كان من قبيل حمل الأمانة فإن الخيانة لا تجوز، ولو كان من حملك الأمانة زنديقاً، إن التزمت له بحفظها. لماذا حفظ الأسرار؟ أولاً- لما في كشف السر من الأضرار في أغلب الأحوال: ولا ينبغي لمسلم أن يسعى فيما فيه ضرر أخيه المسلم، ولا يحل لمسلم أن يتعمد الإضرار بأخيه بغير حق، ولا أن يسعى في أمر يكون سبباً في إيقاع الضرر بأخيه؛ لقول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٥٨] .

стр. 13132

والأضرار التي قد يسببها إفشاء الأسرار مختلفة، فمنها: أ- الأضرار النفسية والمعنوية: وذلك إن كان السر عورة يسترها أخوك على نفسه، من إثم ارتكبه، أو فعل شائن زلت قدمه فأقدم عليه، ثم استتر بستر الله تعالى، فإن كشفته عنه آلمته ألماً شديداً، فاستاء وحزن، وقد تسقط شهادته، وقد تسقط بذلك كرامته، ويجفوه بعض من كان يألفه، ويحقره من كان يعظمه، وقد يفسد ذلك ما بينه وبين أهله، فيكون في ذلك تحطيم الروابط الأسرية والعلاقات الاجتماعية. وقال الحليمي: في هتك ستر أصحاب القروف تخفيف أمر الفاحشة على قلب من يشاع فيه؛ لأنه ربما كان يخشى أن يعرف أمره، فلا يرجع إلى ما قارفه أو يستتر منه. فإذا هتك ستره اجترأ وأقدم، واتخذ ما وقع منه عادة يعسر بعدها عليه النزع عنها، وهذا إضرار به (١) وقد نهى الله تعالى عن التجسس: وهو تتبع ما يخفيه الناس من أمورهم، وقال النبي ﷺ لمعاوية ﵁: ((إنك إن تتبعت عورات المسلمين أفسدتهم، أو كدت تفسدهم)) (٢) . قال بعض السلف: (كلمة سمعها معاوية من النبي ﷺ نفعه الله بها) ، يعني استقام له شأن خلافته مع الناس. ب- الأضرار البدنية: فقد يلزمه بكشف سره حد أو عقوبة. ج- الأضرار المهنية: فإن المتعاملين مع أصحاب الصنائع كالطبيب والمحامي، إذا شعروا بأن أسرارهم في خطر، يحجمون عن التعامل معهم، أو لا يطلعونهم بالقدر الكافي على ما يريدون الاطلاع عليه لينجحوا في مهماتهم، وبذلك يفقدون وتفقد المهنة ككل نسبة كبيرة من فرص النجاح، وهكذا المهن الأخرى، حتى السائق والخادم إذا كان حافظاً للأسرار التي يطلع عليها تزيد الثقة به، فإن كان عكس ذلك فقد نسبة كبيرة من فرص العمل، وخسر غالباً ما بيده منها. د- الأضرار المالية: فربما أفقده إفشاء السر فرصة كسب ينتظره، أو مصلحة خطط لتحصيلها، وكم يكسب أصحاب الصناعات من الحقائق التي اكتشفوها فأدرَّت عليهم الأموال الطائلة، واعتبروها أسراراً مملوكة لهم، فهم يستثمرونها وينعمون بخيراتها، ويحرصون عليها كما يحرص كل منا على ما ينفعه، قال رسول الله ﷺ : ((احرص على ما ينفعك واستعن بالله)) . وربما أدى كشف أسرار الناس المالية إلى تسلط اللصوص وأشباه اللصوص حتى يعود الغني فقيراً، وتَؤُول الثروات التي جمعت بالكدح الدؤوب، والعمل الشريف، إلى الأيدي الظالمة، تعبث بها يميناً وشمالاً. وربما لزمته بكشف سره غرامات وتكاليف مالية كان عنها في عافية. وربما أفقده فضح السر منصباً يكتسب به رزقه. وكم قد ثلت الفضائح عروشاً، وأوهنت حكومات، وأتلفت أمماً.

стр. 13133

ثانياً- لأنه قد يكون في إفشاء السر خيانة للأمانة: وذلك في أحوال: أ- أن يكون بين المرء وزوجته: ففي خطبة حجة الوداع أوصى النبي ﷺ بالنساء خيراً، وقال: ((إنكم أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله)) . وروى مسلم وأبو داود عن أبي سعيد الخدري، أن رسول الله ﷺ قال: ((إن من أشر الناس عند الله منزلة يوم القيامة الرجل يفضي إلى المرأة وتفضي إليه ثم ينشر سرها)) ، وفي رواية لمسلم: ((إن من أعظم الأمانة عند الله يوم القيامة ... )) الحديث (١) . جاء في أخبار بعض أهل الفضل أنه سئل عن حال زوجة له كان قد طلقها فتزوجت بعده، فلما سئل عنها قال: (ما لي ولزوجة غيري؟) والمراد بما يكتم هنا تفاصيل ما يقع بين الزوجين في خلوتهما. ب- أن يكون أخوك قد طلب منك كتمان سره قبل أن يفضي إليك به فالتزمت له بذلك، فإن أفشيته كنت قد خنت الأمانة ونقضت العهد (٢) ، فكنت ظلوماً جهولاً شأن المنافقين الذين يظهر نفاقهم ويعلم، بمثل هذا الفعل الذميم. وقد يستكتم الأخ أخاه سراً في حال دون حال أو وقت دون وقت، فيقبل، فتكون الأمانة بحسب ذلك، كأن يقول: لا تفش عني هذا الخبر إلى ثلاثة أيام، أو: ما دام فلان حياً، أو ما دمت حياً، أو نحو ذلك. ج- أن يكون أخوك قد فاتحك في أمر خاص مما شأنه أن يكتم عن الناس ولو لم يستكتمك، وخاصة إن كان يستشيرك في أمر مما ينويه أو أمر يعزم عليه، فذلك أمانة؛ لقول النبي ﷺ : ((المستشار مؤتمن)) ويكون كشف خبايا ذلك الحديث خيانة لتلك الأمانة. وفيما روي من الحكمة أن رجلاً وشى بأديب لدى بعض الخلفاء، فأراد الخليفة الانتقام منه، فقال: اجمع بيني وبين هذا الواشي، فلما جاء قال له: وأنت امرؤ إما ائتمنتك خالياً فخنت وإما قلت قولاً بلا علم فأنت من الأمر الذي كان بيننا بمنزلة بين الخيانة والإثم كأن يقول للخليفة: كيف تأخذ في بقول من لا يخرج عن أن يكون خائناً أو كاذباً. د- أن يكون السر كلاماً صدر في مجلس خاص، يثق الحاضرون فيه بعضهم ببعض، فالحديث الذي قالوه بمقتضى الثقة هو أمانة، ففيما ورد عن النبي ﷺ أنه قال: ((إذا حدث الرجل بالحديث ثم التفت فهو أمانة)) (٣) قال شارح الإحياء: أي التفت يميناً وشمالاً؛ لأن ذلك يظهر أنه قصد أن لا يطلع على حديثه غير الذي حدثه (٤) .

стр. 13134

هـ- أن تقضي الضرورة أو الحاجة الإنسان أن يكشف عما يسوءه أو يضره إظهاره، وما كان ليظهره لولا حاجته إلى المعونة، كمن يذهب إلى المفتي ليسأله عن حكم الشرع في أمر قد فعله، فإن لم يشرح الواقعة بالقدر الذي يبين به الحكم فيها لم يتمكن المفتي من إجابته والبيان له، فيكون الحديث الذي وصف به فعله إن كان مما يسوء إظهاره أمانة عند المفتي، فإن كشفه كان خائناً للأمانة، فلو شهد المفتي بعد ذلك أمام القضاء بما سمعه من الإقرار لم تقبل شهادته ولا عبرة بها؛ لأن الخائن للأمانة فاسق غير عادل، وهذا عند المالكية هو المعتمد من قولين لم يرويا عن مالك، وعليه العمل (١) . ومثل ذلك الطبيب إذا أفضى إليه المريض بسبب مرضه، وقد يكون فعلاً شائناً، أو كشف للطبيب من بدنه ما يحتاج إلي كشفه للعلاج، ويكون فيه تشويه أو مرض منفر. وربما أفضى إلى الطبيب النفساني بأوضاع خاصة به في حياته السابقة، أو أوضاع أسرته؛ ليتمكن من تشخيص المرض ومعرفة أسبابه وعلاجه، فيكون ذلك كله أمانة لدى الطبيب، ومن الخيانة أن يفشيها. وكذلك المكلفون بالأبحاث الاجتماعية الذين يطلب منهم التحقق من الأوضاع المعيشية للمتقدمين بطلب المعونات الاجتماعية، أو معونة الزكاة والصدقات، فإن ما يفضي إليهم به من الشؤون الخاصة التي من شأنها أن تكتم هي أمانات لديهم ليس لهم تضييعها ولا بثها إلا بإيصالها لمن شأنه تقرير تلك المعونة. غير أن هذا لا يمنع استخدام وقائع أو الوقائع الطبية أو نحو ذلك في الأبحاث العلمية، والاستشهاد بها في تأييد النظريات أو تزييفها، غير أنها إن كانت من قبيل الأسرار فلا يذكر أسماء أصحابها، ولا ما يكشف شخصياتهم، بل تستخدم الألفاظ المبهمة. وسائر أمناء السر والموظفون في الدوائر الحكومية أو الأهلية حملوا الأمانة بحكم وظيفتهم، فعليهم كتمان كل ما يعلمون أن في إظهاره ضرراً حسياً أو معنوياً للجهة التي قلدتهم تلك المهمات، ومن الخيانة أن يكشفوا من ذلك شيئاً.

стр. 13135

ثالثاً- لأن البوح بالأسرار فيه غالباً اتباع لهوى النفس ممن يفعله: وقد قال تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص: ٢٦] ، فإن الذي يدعو الناس إلى فضح أسرار غيرهم أو كشف معايبهم أكثرها راجع إلى الهوى. فمن ذلك: أ- أن النفوس تنزع إلى كشف الخبايا، والتبسط بغيبة الناس وذكر معايبهم، وخاصة في المجالس التي لا يتقى فيها الله تعالى، فمن اتبع ما تنزع إليه نفسه من ذلك كان متبعاً للهوى، ومن جارى قائلي السوء وكشف لهم ما يعلم من أسرار إخوته، كان متبعاً للمتبعين للهوى من إخوان الشياطين، قال الحليمي: إنما يحمل على ذلك الدغل ورداءة الطبع وسوء النية (١) فإن الصاحب إذا حل من خليله محل الفؤاد، فاطمأن كل منهما إلى الآخر وركن إليه، فائتمنه على أدق أسراره، وبث إليه أشياء مما في نفسه وأخباراً عن أشياء فعلها، وربما أفضى إليه برأي له في فلان من الناس أو فلانة، فحق حامل الأمانة أن يكون كفناً لها، فلا يفضي بشيء من ذلك إلى أحد، ولو أن حبل الوداد انفصم بين هذين الصاحبين ما كان لأحد منهما أن يخون ما ائتمن عليه، ولا أن يفشي سر صاحبه القديم، فإن فعل ذلك يدل على لؤم طبعه وخبث باطنه (٢) وليس للآخر أن يقول: فضحني فأفضحه، وأذلني فأذله، فإن النبي ﷺ يقول: ((أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك)) . ثم إن كان في فضح سر المسلم، وكشف الستر عنه، ضرر يلحقه في نفسه أو ماله أو بدنه أو مركزه الاجتماعي، فإن الغالب أن يكون ذلك عن عداوة باطنة أو حقد خفي أو حسد دفين، وذلك من الهوى؛ قال الغزالي: (منشأ التقصير في ستر العورة أو السعي في كشفها: الداء الدفين في الباطن، وهو الحقد والحسد، فإن الحقود الحسود يملأ باطنه الخبث، ولكنه يحبسه في باطنه ويخفيه ولا يبديه مهما لم يجد له مجالاً، وإذا وجد فرصة انحل الرباط وارتفع الحياء وترشح الباطن بخبثه الدفين) (٣) . ويزداد ذلك الهوى ضراوة إذا انحل رباط المودة فعاد عداوة، فإن لم يكن للصديق القديم عاصم من دين يعتصم به، استغل تلك الأسرار القديمة، وأصبحت في يديه سلاحاً يقتل به عدو اليوم أخاه بالأمس، وكان للهوى حينئذ الأمر والنهي، ولإبليس الكلمة التي لا ترد، لكنه ليس له سلطان على غير الغواة، بل إن هذه الحالة في الحقيقة هي التي تتبين فيها قدرة أهل الحفاظ على كتم الأسرار، فمن أفشى السر عند الغضب فهو لئيم؛ لأن إخفاءه عند الرضا تقتضيه الطباع السليمة كلها، وإنما محل الامتحان عند الغضب، فإفشاؤه عنده من علامات اللؤم وخبث الطبع وسوء السريرة، وقد قال بعض الحكماء: لا تصحب من يتغير عليك عند أربع: (عند غضبه ورضاه، وعند طمعه وهواه) ؛ بل ينبغي أن يكون صدق الأخوة ثابتاً على اختلاف هذه الأحوال (٤) .

стр. 13136

متى يجوز إفشاء الأسرار؟ لا يجوز البوح بالسر الذي يشرع كتمانه –على الوجه الذي تقدم- إلا في أحوال معينة، منها: ١- انقضاء حالة كتمان السر: إذا انتهت حالة السر من غير جهة الكاتم لها، فلا بأس أن يتكلم بذلك. ويكون انقضاء حالة السر بأمور: أ- أن يبوح بالسر صاحبه نفسه؛ لأنه لا يعود سراً فيكتم، ولذا فيرتفع الحرج بذلك (١) ، ومع هذا فقد تبقى بعض التفاصيل التي لم يبح بها سراً إن كان يكره التصريح بها، أو يكون في إعلانها ضرر عليه، ومن هنا كان من يفعل الفواحش ويعلن بها خارجاً عمن يجب الكتمان عليه؛ لأنه كاشف ستر نفسه من أول أمره، ولأنه لم يبال أصلاً بما يقال فيه، وقد قال النبي ﷺ : ((كل أمتي معافى إلا المجاهرين، وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل بالليل عملاً ثم يصبح وقد ستره الله تعالى فيقول: عملت البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره ربه، ويصبح يكشف ستر الله عنه)) متفق عليه. فإن الرجل إذا قارف السوء، ولم يره غير الله تعالى والكرام الكاتبين الذين يعلمون ما يفعلون، كان عليه أن يستتر بستر الله ويتوب إليه، ولكنه إذا ذهب يكشف ستر الله عنه ويحدث فلانًا وفلانًا بقبيح ما فعل، فكأنه يتمدح بالمذمة، ويتفاخر بالمعصية، فيزداد قبحا إلى قبح، ولم يكن للستر عليه معنى، وإنما تنصرف مشروعيته كتم السر والستر على صاحب المعصية إن كان ممن تبدر منه الزلة النادرة، وظاهره عند الناس حسن جميل. وقد قال الله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٥] . فالظاهر أن طلب الشهداء ليشهدوا في هذه الحال إنما هو في المرأة التي كثر منها ذلك واشتهر، جمعاً بين ما في هذه الآية وبين ما علم في الشريعة من طلب الستر على من بدرت منه الزلة وأناب. ب- انقضاء الأضرار والمفاسد التي يتضرر بها المكتوم عنه أو غيره من جميع نواحيها: بدنياً ونفسياً ومعنوياً ومالياً، وهذا إن كان سبب مشروعية الكتمان الضرر، فأما إن كان السبب حمل الأمانة فلا تنقضي بذلك، ما لم يأذن المكتوم عنه بإعلانها أو يعلنها هو بذاته. ج- أن يأذن صاحب السر في إفشائه، فإن أذن فلحامل السر أن يحدث به، فإذا حدث به أحداً أداه على أحسن وجه، واختار أجود ما سمع. د- أن يكون الالتزام بكتمان السر إلى أجل، فيأتي ذلك الأجل. هـ- أن ينتقل حال المكتوم عنه ممن يشرع كتمان سره إلى من يشرع كشف ستره وفضح أمره، كأن ينتقل من حال الإيمان إلى النفاق والكفر والعياذ بالله، أو من حال التستر بالفواحش إلى الإعلان بها.

стр. 13137

٢- موت صاحب السر: وذلك لأن ضرر البوح بالسر ينتفي بالموت غالباً، ولكن في المسألة تفصيلاً، فقد نقل ابن حجر: إذا مات لا يلزم من الكتمان ما كان يلزم في حياته، إلا أن يكون عليه غضاضة، ثم قال ابن حجر: والذي يظهر انقسام ذلك إلى أقسام: فيكون مباحاً، وقد يستحب ذكره ولو كرهه صاحب السر، كأن يكون فيه تزكية له من كرامة أو منقبة أو نحو ذلك، ويكون مكروهاً، وقد يحرم، كالذي على الميت فيه غضاضة، وقد يجب، كأن يكون فيه ما يجب ذكره كحق عليه. اهـ. قلت: وقد يكون الحق في الأصل للميت، كوديعة أودعها عند غيره سراً واستكتم المودع، فوجب عليه ردها على الورثة. ٣- أن يؤدي الكتمان إلى ضرر أبلغ من ضرر الإفشاء: ومن هنا كشف علماء الحديث أحوال الرواة ووقائع وقعت لهم تدل على فسق أو قلة دين أو تساهل في الكذب، أو نحوه، لا بغرض العيب على المسلمين، وإنما بغرض تفويت الفرصة على هؤلاء؛ لئلا يغتر الناس بأحاديثهم فيظنوها صحيحة، وهي ضعيفة أو مكذوبة، فإن استمرار الكذب، وبناء الأحكام الشرعية على أحاديث منسوبة إلى النبي ﷺ ، وهو لم يتكلم بها أعظم ضرراً من كشف كذب الكاذبين. وكذلك في الشهادة، فإن شهد المستور الحال أو الظاهر العدالة، بأن لمن يعلم باطن حاله أن يقدح فيه ويبين السبب لئلا يظلم المشهود عليه. ٤- دفع الخطر: قال الزبيدي: يستثنى ما لو تعين (الإفشاء) طريقاً لإنقاذ مسلم من هلاكه أو نحوه، كأن يخبر ثقة بأن فلاناً قد خلا برجل ليقتله، أو امرأة ليزني بها، فيشرع التجسس كما نقله النووي عن الأحكام السلطانية واستجاده، وفي حديث جابر قال النبي ﷺ : ((المجالس بالأمانة، فلا يشيع حديث جليسه إلا فيما يحرم ستره من الإضرار بالمسلمين)) إلا أنه حديث ضعيف، وفي رواية عند أبي داود: ((المجالس بالأمانة إلا ثلاثة مجالس: مجلس يسفك فيه دم حرام، أو يستحل فيه فرج حرام، أو مجلس يستحل فيه مال من غير حله)) قال الزبيدي: سكوت أبي داود عليه يدل على أنه عنده حديث حسن. قال: والمراد بالحديث أن المسلم إذا حضر مجلساً، وجد أهله على منكر أن يستر على عورتهم ولا يشيع ما رأى منهم إلا أن يكون أحد هذه الثلاثة فإنه فساد عظيم وإخفاؤه ضرر كبير.

стр. 13138

وعلى ضوء ما تقدم يمكن أن يتبين حكم بعض الوقائع: ١- تأكد الطبيب من أن الزوج عقيم، ولا يمكن أن ينجب، وحملت الزوجة بطريق أو بأخرى، وهم الطبيب بإفشاء السر بإخبار الزوج أو إخبار الجهات المسؤولة، فهل له أن يفعل ذلك؟ والذي نجزم به في هذا الشأن أنه ليس للطبيب أن يقول: إن هذه الزوجة قد حملت من الزنى؛ لأنه إن قال ذلك كان قاذفاً، ويستحق حد القذف وهو ثمانون جلدة إن طالبت بذلك المرأة ولم يأت الطبيب بأربعة يشهدون على ذلك. لكن لو قال للزوج: (تبين من الفحص أنك عقيم لا تنجب) واقتصر على هذا القول فهذا حق، وليس بسر ولا بأمانة حتى يلزم ستره وكتمانه، ولكن من باب المحافظة على سلامة الأسرة إن علم أن ذلك وقع من المرأة على سبيل الزلة فقد يكون عدم الإخبار بذلك أفضل؛ إذ لا فائدة فيه بالنسبة إلى نسب الحمل؛ لأنه سيلحق بالزوج؛ إذ الولد للفراش ولو انتفى الزوج من الولد، ما لم يجبر اللعان لنفيه. ٢- إذا قام الطبيب بعمل يخل بآداب مهنة الطب، واكتشف ذلك زميل له، هل يقوم بإبلاغ وإفشاء السر؟ يختلف ذلك في نظري من حال إلى حال، فإن كان ذلك الطبيب قد اعتدى على الطرف الآخر أو استغل صغره أو جنونه أو نحو ذلك، فهنا ليس الستر على المعتدي أولى من تمكين المعتدى عليه من الوصول إلى حقه. وإذا كان بموافقة الطرف الآخر، وهو تام التكليف، فإن كانت زلة وحصلت التوبة منها فينبغي الكتمان، وخاصة إذا كان الذي واقع الجرم قد استعان بالزميل الذي اكتشف أمره ليتم تلافي ما حصل. أما إن كان مستمراً في غوايته واستغلال مركزه فيجب إيقافه عند حده. ٣- إذا تبين للطبيب أن رب الأسرة قد أصيب بمرض جنسي، فهل يبلغ الأسرة؟ الجواب عندي أنه إن كان المرض معدياً ويخشى أن ينتقل إلى زوجته أو سائر أفراد أسرته، فإن الضرر المتوقع بإصابته الأبرياء أعظم من الضرر الذي ينال المريض نفسه ببيان حاله، وحينئذ فينبغي للطبيب البيان إن سئل عن ذلك أو اقتضته الحال.

стр. 13139

٤- مريض أجريت له عملية في العين، أو أصيب فضعف إبصاره لدرجة يكون في قيادته للسيارة خطر عليه هو نفسه وعلى الناس، هل يجوز الإفضاء بأمره للمسؤولين؟ الجواب عندي أنه لا مانع من أن يفضي بذلك ليحصل منعه من القيادة مؤقتاً، إن كان ضعف الإبصار مؤقتاً، أو لسحب الرخصة منه إن كان الضعف دائماً؛ وذلك لأجل الخطر في القيادة. ٥- بذل طبيب العيون جهده، ولكن لم يفلح في إزالة الداء، وتلفت العين فهل هو مسؤول شرعاً، وهل يجب عليه إفشاء السر؟ الجواب: إنه إن كان متأهلاً، وقد بذل من الجهد ما يبذله أهل الخبرة، ولم يكن سبب التلف عمله هو، فلا ضمان عليه، وليس هناك سر فيحاول إخفاءه. ٦- أخطأ طبيب العيون فأتلف العين بآلة استعملها، أدخلها في جزء من العين لم يكن له إدخالها فيه، وتلفت من حيث يريد إصلاحها، والمريض لم يعلم أن سبب التلف خطأ الطبيب، فهل على الطبيب أن يفشي على نفسه، وهل عليه أن يدفع الدية؟ والجواب: إنه مادام الإتلاف سببه جناية يد الطبيب خطأ فعليه الضمان بدية العين، لأن الإتلاف لا يختلف عمده وخطؤه، بخلاف ما لو فعل ما له فعله، ثم سرى من حيث لا يريد، ولم يكن منعه فلا ضمان، ثم إذا لزم الضمان فعليه أن يخبر به لأنه حق آدمي لا يسقط إلا بالإبراء منه أو الأداء. ٧- إذا حضر رجل وامرأة مقبلان على الزواج، وطلبا فحص ما قبل الزواج، وتم اكتشاف مرض معين في أحدهما قد يؤدي إلى احتمال إنجاب طفل مشوه، فهل يقوم الطبيب بإخبار الطرف السليم، وهل يستتبع ذلك شرعاً مساءلة ما، وهل يتم إخبار الطرف المريض نفسه؟ الجواب: يبدو لي أن قدوم الطرفين جميعاً للفحص يقتضي إخبارهما بالنتيجة، وإلا فإن الطبيب يكون قد خدعهما ولم يؤد واجبه في إطلاعهما على حقيقة وضعهما. ٨- إذا عرف الطبيب من مريضه الذي يعمل في موقع حساس (طيار مثلاً) أنه مدمن مخدرات، وأن بعض زملائه مدمنون أيضاً، فهل يقوم الطبيب بإطلاع المسؤولين على ذلك السر؟ أم يقوم الطبيب بإخطار السلطات لاتخاذ اللازم؟ الجواب عندي أنه: يجب على الطبيب شرعاً أن يبلغ الجهات المسؤولة، ويبلغ السلطات أيضاً إن لم يكن في الأمر مانع من جهة إدارية، وذلك ليمكن تفادي الأخطار الفظيعة التي قد تترتب على قيادة الطائرة من قبل شخص واقع تحت تأثير المخدر.

стр. 13140

٩- إذا عرف الطبيب عن مريضته أنها قامت بترك وليدها غير الشرعي في الطريق العام، أو أي مكان آخر؛ تفادياً للفضيحة، فهل يقوم الطبيب بإبلاغ السلطات، أم يلتزم بكتمان السر؟ الجواب عندي أنه هنا يلتزم الطبيب بكتمان السر، وخاصة إذا كانت قد استكتمته السر، والتزم لها بذلك، وحتى لو لم يلتزم فلا يفشي السر، لشدة الخطورة على حياتها في غالب الأحوال، ولما في إفشاء السر من أضرار معنوية شديدة على المرأة نفسها وعلى أسرتها وعلى سائر أولادها. ١٠- مريض فقد بصر عينه، ولكن أمكن إصلاحها حتى تبدو سليمة تماماً بحيث لا يعرف الناظر إليه بأنه لا يبصر إلا بعين واحدة، طلب المريض إلى الطبيب أن لا يخبر زوجته بذلك؛ لأنها ستطلب الطلاق إذا علمت بذلك، أو أن خطيبته سترفض الاقتران به؟ الجواب عندي أن: هذا السر ليس للطبيب أن يخبر به؛ لما فيه من الضرر على المريض، والله أعلم. وصلى الله على عبده ورسوله نبينا محمد وآله وصحبه وسلم تسليماً.

стр. 13141

العقوبات التي تقع على الطبيب الذي يكشف سر مريضه تمهيد مفيد في تحديد معنى العقوبة والسر: أما (العقوبة) ، و (المعاقبة) ، و (العقاب) : فتختص بالعذاب، قال الله تعالى: ﴿فَحَقَّ عِقَابِ﴾ ، ﴿شَدِيدِ الْعِقَابِ﴾ . ويقال: عاقب الحاكم فلاناً على ذنبه عقاباً: أخذه به، والأحكام الشرعية المتضمنة للأجزية، تسمى (العقوبات) . وأما (السر) فأفصح وأعلى ما قيل في معناه، هو قول الزمخشري: (ما حدث به الرجل نفسه أو غيره، في مكان خال) . وكني به عن (النكاح) ، من حيث إنه يخفى، قال تعالى: ﴿لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ أي: نكاحاً، وقال جرير في رثاء زوجته: كانت إذا هجر (الحليل) فراشها خزن الحديث وعفت الأسرار قال الإمام الشافعي: (فإذا علم أن حديثها مخزون، وخزن الحديث: أن لا يباح به سراً ولا علانية، فلا معنى للعفاف غير (الأسرار) ، والأسرار: الجماع. والرجل الحازم: هو الذي يعامل الناس بالظاهر، فلا يضيق سره في صدره، ولا يتعداه إلى غيره. قال الشاعر الحكيم (المتنبي) يمدح نفسه بكتم السر: وللسر مني موضع لا يناله نديم، ولا يفضي إليه شراب

стр. 13142

وإفشاء السر فعل ممقوت، وخلق ذميم، قال الحطيئة في هجاء أمه: تنحي فاجلسي مني بعيداً أراح الله منك العالمينا أغربالاً إذا استودعت سراً وكانوناً على المتحدثينا حياتك ما علمت حياة سوء وموتك قد يسر الصالحينا ولعمري! إن المرء يصعب عليه كتم السر، ويرى بإفشائه راحة، خصوصاً إذا كان السر: مرضاً، أو هماً، أو عشقاً، قال بشار بن برد: ولا بد من شكوى إلى ذي مروءة يواسيك، أو يسليك، أو يتوجع وقال غيره: لا تكتمن دائك الطبيبا ولا الصديق بسرك المحجوبا وبالجملة: فإن إفشاء السر إلى الغير، يدل على لؤم الطبع، وخبث الطوية، وسوء الخلق.

стр. 13143

وإذ قد تمهد لنا هذا، فلنشرع في الكلام على أحكام جريمة إفشاء الأسرار الطبية، ومدى المسؤولية الجنائية للطبيب إذا أفشى سراً من أسرار مهنته. فأقول: إن الكلام في هذه القضية متشعب وطويل ومعقد؛ ذلك لأن مسؤولية إفشاء الأسرار عموماً: الطبية وغير الطبية، مسؤولية أدبية، قد تخطاها فقهاء الإسلام، إلى غيرها من العقوبات النصية المحددة، والذي حملهم على إغفال الكلام عليها صراحة، هو أنها تدخل في دائرة الآداب العامة والأخلاق، فهي بها أشبه وأقرب. ولكنهم لم يغفلوا الإشارة إليها، فيما قعدوا من قواعد وفرعوا من فروع، والإشارة في بعض الأحيان تكون أبلغ من العبارة (والحر تكفيه الإشارة) ، فالباحث في كتب الفقه الإسلامي، لا يعدم وجود حكم لها. يوضح ذلك: أن للشريعة الإسلامية، في تقسيم الجرائم والعقوبات، مسلكاً رفيعاً فريداً، فقد نصت على عدد من الجرائم، وفرضت لكل منها عقوبات محددة. كالحدود، والقصاص. وأما باقي الجرائم، فلم تفرض لها عقوبات محددة، بل ترك الأمر فيها لأولي الأمر والقضاة، والمجتهدين يفرضون منها في كل حالة ما يناسبها من عقوبات تسمى في عرف الفقهاء بالتعزيرات. وقد سماها الإمام الأكبر فضيلة الشيخ محمود شلتوت شيخ الجامع الأزهر (سابقاً) بالعقوبات (التفويضية) . وأرى من المناسب، قبل أن أدخل في صميم الحديث، أن أذكر بعض المعلومات العامة ذات الصلة بالتعزير، ليتسنى لي إدراك ما أنا بصدده، والله ولي التوفيق.

стр. 13144

أ- عرف فقهاء المسلمين الجريمة بأنها: (محظور بالشرع زجر الله عنها بحد، أو: تعزير) . وذهب جمهور هؤلاء الفقهاء إلى أن التعزير مشروع في كل معصية لا حد فيها ولا كفارة. فما هي (المعصية) ؟ اتفق الفقهاء على أن ترك الواجب، وفعل المحرم؛ معصية فيها التعزير، إذا لم تكن هناك عقوبة مقدرة (١) . وضربوا الأمثلة لترك الواجب: بمنع أداء الزكاة، وترك الصلاة المفروضة حتى يخرج وقتها، وخيانة الأمانة. وضربوا الأمثلة لفعل المحرم، بالخلوة بالأجنبية، وتقبيلها، واليمين الغموس، وشهادة الزور، والتستر على المجرمين وإيوائهم. ترك المندوب وفعل المكروه: وإذا كان ترك الواجب، وفعل المحرم معصية تستوجب التعزير، إذا لم يكن هناك تقدير للعقوبة. فما هو الحكم إذا كان الأمر مقصوراً على ترك المندوب أو فعل المحرم، أو بعبارة أخرى: هل يعزر تارك المندوب، وفاعل المكروه؟ لم يتفق الفقهاء في هذه المسألة، ففريق يرى جواز التعزير، وفريق لا يرى الجواز. فمن قال بعدم الجواز استند على أن التعزير لا يجوز إلا إذا كان هناك تكاليف، وهنا في هذه المسألة، ليس التكليف موجوداً في حالة الندب أو الكراهة، ومن قالوا بالتعزير استدلوا بفعل عمر بن الخطاب –﵁ فقد عزر رجلاً أضجع شاة ليذبحها وأخذ يسن السكين والشاة تنظر إليه، ولما كان مثل هذا الفعل الذي أتاه هذا الرجل يعتبر مكروهاً فقد قالوا بجواز التعزير على فعله المكروه، ومثله (ترك المندوب) (٢) .

стр. 13145

التعزير لحماية الآداب العامة والأخلاق: بقي –علاوة على ما تقدم- شيء آخر أجده لزاماً علي أن أذكره، وهو: أن الشريعة الإسلامية قد عنيت أشد العناية بحماية الآداب العامة، والأخلاق الكريمة، وذلك ابتغاء إيجاد أمة كريمة، ومجتمع فاضل، وشعب مثالي بعيد كل البعد عن الميوعة والتخنث، واللهو والعبث؛ ومن أجل ذلك تركت الشريعة الإسلامية المجال يتسع ويمتد حتى يشمل كل الصور، التي يتراءى فيها الأذى والضرر، وأوجبت التعزير على جميع الأعمال الموجهة ضد الأخلاق والآداب العامة، ومنها: إفشاء السر المصون، والحديث المكتوم، وخصوصاً السر بين الطبيب المعالج وبين مرضاه، فلا يجوز للطبيب إفشاؤه، ولا إذاعة أي شيء من المعلومات التي يحصل عليها من المريض، في أثناء علاجه، فالسر حجاب مستور، لا يجوز هتكه، وجانب من حياة المريض مقدس، لا ينبغي كشفه، وإن الطبيب الذي يذيع الأسرار، فيجرح عرض مريض يشهر به، ويسيء إلى سمعته، أو عرض امرأة يكشف سرها ويفضح أمرها ويلحق بها سبة تشينها وتشين ذريتها وذويها من حولها، هو ممقوت عند الله تعالى، وينبغي أن يكون ممقوتاً من كل نفس فاضلة، وكل قلب مؤمن رشيد. ولقد توعد رسول الله ﷺ مثل هذا الإنسان أشد الوعيد، وأنذره أفظع إنذار، فذكر أنه مصنوع به كما يصنع هو بالناس، ومقضي عليه كما يقضي هو عليهم، فيقول ﷺ : ((من تتبع عورة أخيه، تتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته، يفضحه ولو في جوف رحله)) ، يعني: يفضحه الله في المكان الذي يأوي إليه، ويأمن به، ويطمئن إليه، وهو بيته الذي ينزل فيه، وكما قيل: (كما تدين تدان، والجزاء من جنس العمل) . ومن هذا نستطيع أن نخلص ونفضي إلى أن الطبيب الذي يذيع أسرار مرضاه، ولا سيما الأسرار الخاصة بينه وبينهم بحكم مهنته الطبية، يعتبر من الذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات، ويلحق الضرر بهم وبأسرهم، ويشين سمعتهم، فيجب تعزيره وتأديبه والتنكيل به ومنعه من معاودة هذا الخلق الذميم الممقوت، هذا رأيي، والله سبحانه أعلم (١) .

стр. 13146

ب- عقوبة إفشاء الأسرار الطبية (في القانون) : ونزيد هنا (تحت هذا العنوان) كلمة أخرى، تكون رديفاً لما تقدم، فنقول: إن إفشاء السر في حد ذاته جريمة خلقية قبل أن يكون جريمة جنائية. وهذا يفسر لنا سكوت العلماء عن تقرير عقاب للإفشاء في العهود الغابرة.. مع أن التزام الطبيب بأسرار مهنته، معروف منذ القدم، طالما أن الحياء العام يتأذى من الإفشاء، وطالما أن في ذلك ضرراً بالمصلحة العامة، عندما يمتنع المرضى عن عرض أنفسهم على الأطباء، خشية افتضاح أمراضهم؛ لما قد يترتب على ذلك من إساءة سمعتهم، والحط من كرامتهم. ثم إن إفشاء السر قد يثير غضب صاحبه إلى حد الاقتصاص بالقتل، وهذا ما حدث سنة ١٨٣٢م في إحدى الجامعات الأوروبية، حيث قتل أحد أساتذة كلية الطب، وكان دفاع القاتل أن الطبيب وضع له عقبة في سبيل زواجه. وبعد: فما أطيل، وسيكون كلامي على هذا الموضوع منصباً على ناحيتين، أعالج في أولاهما (أركان جريمة إفشاء السر) ، وفي ثانيتهما: أذكر الأحوال التي يباح فيها للطبيب إفشاء سر من أسرار مهنته، دون أن يقع تحت طائلة العقاب. أولاً- أركان الجريمة: تقوم جريمة إفشاء الأسرار إذا توافرت أربعة أركان: ١- أن يكون هناك سر. ٢- أن يكون هذا السر، قد اؤتمن عليه طبيب. ٣- أن يفشي الطبيب هذا السر. ٤- أن يكون ذلك بقصد جنائي. فقد نصت (المادة: ٣١٠) من قانون العقوبات المصري على أن: (كل من كان من الأطباء، أو الجراحين، أو الصيادلة، أو القوابل أو غيرهم، مودعاً إليه بمقتضى صناعته، أو وظيفته، سر خصوصي اؤتمن عليه، فأفشاه في غير الأحوال التي يلزمه القانون فيها تبليغ ذلك، يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على ستة شهور، أو بغرامة لا تتجاوز خمسين جنيهاً) .

стр. 13147

الركن الأول: سر المهنة الطبية: وقد وردت بشأنه عدة تعاريف، ترمي إلى تحديده بقدر الإمكان: فعرفه بعض المستشارين الأوروبيين بأنه: (كل ما يعهد به المريض للطبيب، ولو كان معيباً أو مزرياً بالشرف) ، ولم يكتف بعضهم بهذا التعريف فقال: (إن سر المهنة الطبية لا يقتصر على ما يعهد به إلى الطبيب، بل يتعداه إلى كل ما يشاهده الطبيب أو يسمع به، أثناء ممارسته مهنته) . وأخيراً قد يتحدد السر بالوقائع، كما إذا أفضى المريض إلى الطبيب بأن الجرح الذي يعالجه قد نشأ عن عراك. نخرج من هذا إلى أن (سر المهنة الطبية) : هو كل ما يعرفه الطبيب أثناء ممارسته مهنته، وكان في إفشائه ضرر لشخص أو لعائلة. الركن الثاني: صفة من اؤتمن على السر: وهذا الركن يعني: أن يكون قد اؤتمن على السر طبيب أو صيدلي أو قابلة. الركن الثالث: إفشاء السر: المراد بالإفشاء: إطلاع الناس عليه، سواء كان ذلك عن طريق المكاتبة أو المشافهة أو الإشارة، ولا يشترط أن يكون الإفشاء على ملأ من الناس، بل يكفي أن يكون إلى شخص واحد، فالطبيب الذي يفشي لزوجته سراً من أسرار مهنته يقع تحت طائلة العقاب، ولو طلب منها كتمانه. ولا يباح الإفشاء ولو كان من طبيب إلى طبيب، والحكمة من هذا: أن المريض لم يأتمن أي طبيب على سره، وإنما ائتمن طبيباً واحداً معيناً. الركن الرابع: القصد الجنائي: مجرد الإفشاء مع العلم به، كاف لتوفر هذا الركن، وعليه فالقانون لا يعاقب على الإفشاء إذا حصل بإهمال أو عدم احتياط من الطبيب. فإذا توافرت هذه الأركان الأربعة، وجدت الجريمة، ووجب تطبيق المادة (٣١٠ عقوبات) (١) .

стр. 13148

ثانياً- مسوغات الإفشاء: هناك أحوال يخول فيها الطبيب إفشاء السر، دون أن يقع تحت طائلة العقاب. ويمكن حصر المسائل التي أثير بشأنها مسوغات الإفشاء فيما يلي: (على خلاف وجدل كبير بين الفقه والقضاء، في فرنسا وغيرها) : ١- هل يباح للطبيب أن يفشي السر في حالات الضرورة؟ ٢- الإفشاء إلى شركة التأمين على الحياة إذا كان الطبيب ممثلاً لها. ٣- أداء الشهادة أمام المحاكم. ٤- رضاء صاحب السر بإفشائه. ٥- إفشاء السر المنطوي على ارتكاب جريمة. ٦- التبليغ عن الوفيات والمواليد والأمراض المعدية. يطول بنا الكلام إذا أردنا شرح هذه المسائل فنجتزئ بهذا الإجمال، ومن أراد التوسع فليرجع إلى قانون شرح العقوبات –القسم الخاص تأليف أحمد أمين (القانوني. لا الأديب) ، والموسوعة الجنائية (الجزء الثاني) ، علاوة على ما ذكرته من مراجع سابقة.

стр. 13149

الفصل الثاني مداواة الرجل للمرأة والمرأة للرجل جعلت الأحكام الشرعية عامة، بحيث لا تنظر إلى حالة من الحالات، ولا إلى فرد من الأفراد، بل هي تنظر إلى جميع الحالات، وإلى جميع الأفراد. إلا أن هذه الصفة قد تجعل من تطبيق الأحكام في بعض الأحيان حرجاً على بعض الناس، كما أن الإفراط في التمسك بالظاهر من النصوص يؤدي في بعض الأحيان إلى ظلم وضرر، أو كما قال الغزالي (١) : (كل ما تجاوز حده انقلب ضده) ، لذلك اقتضت حكمة التشريع التيسير على الناس، وعدم تطبيق الأحكام العامة في بعض الأحوال الاستثنائية، رفعاً للضرر، ودفعاً للمشقة. وقد استند فقهاء الحنفية بذلك إلى (الاستحسان) ، واستند المالكية إلى التعليل بالمصالح المرسلة، ثم عارض بعض علماء الأصول بهذا الإسناد للمصلحة، أو على حد تعبير الإمام الغزالي بهذا الاستصلاح. غير أن جمهور الفقهاء قبلوا به واستندوا بذلك إلى الكتاب والسنة، وسابقات عمر بن الخطاب –﵁ مثال ذلك في الكتاب الكريم: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] ، ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١١٥] ، وفي الحديث الشريف: ((الدين يسر)) ، ((أحب الدين عند الله الحنيفية السمحة)) (٢) . فهذه الأدلة وما إليها، وإن ذكرت الدين فحسب، لكنها عامة في الفقه الإسلامي؛ لأن هذا الفقه دين وقضاء في الوقت نفسه.

стр. 13150

وكذلك روي عن النبي ﷺ أنه نهى عن قطع أيدي اللصوص في الغزو، بقوله: ((لا تقطع الأيدي في السفر)) (١) . ثم بالاستناد إلى هذا الحديث، أفتى المجتهدون، بوجوب رفع الحد والعقوبة في أرض العدو؛ لئلا يلتحق المحكوم عليهم بالأعداء. وعلى هذا كله، بنى الفقهاء القاعدة الكلية (المشقة تجلب التيسير) وهي من القواعد الأربع التي قال عنها القاضي حسين الشافعي: (إن مبنى الفقه عليها) (٢) . وإن التيسير معناه الرخصة، أو التخفيف الشرعي بسبب المشقة، استثناء من القاعدة العامة. والمشقة تشمل الاضطرار والحاجة، دون المصلحة الكمالية، فحالة الاضطرار أو الضرورة هي بعرف الأصوليين: ما التجأ فيها المرء إلى حفظ دينه أو نفسه أو ماله أو عقله أو نسله من الهلاك. والحاجة: هي ما كانت لازمة لصلاح المعيشة، أما الكماليات: فهي ما وقعت موقع التزيين والتحسين. والمقصود من هذا كله هو أن الأصل في تعاليم الإسلام الحنيف، عدم جواز معاينة ومعالجة الرجل المرأة الأجنبية، وذلك من أجل النظر والملامسة فيهما. ويستثنى من ذلك حالات الضرورة، كعدم وجود طبيبة تثق المريضة أو ذووها بها، أو تجد طبيبة ولكنها ليست متخصصة كتخصص الطبيب المعالج لها، إذا كان مرضها يتطلب تخصصاً معيناً، أو أن معارك الجهاد تحتاج إلى توفير الرجال للقتال، وإلى فتح المجال أمام النساء لتمريض الرجال أو معاينتهم ومداواتهم، والقاعدة الفقهية تقول: (الضرورات تبيح المحظورات) ، وقال الإمام الغزالي: (جميع المحرمات تباح بالضرورات) (٣) . وجاء في القواعد الكلية الواردة في الأشباه والنظائر والمنقولة في مجلة الأحكام العدلية (مادة رقم ٣١) أن: (الضرورات تبيح المحظورات) . وإن الأمثلة على تطبيق هذه القاعدة عديدة ومتنوعة، ولكن هذه القاعدة ليست مطلقة، بل لها تقييدات عديدة، فالإباحة مقيدة بالنص، أو بالقدر، أو بالزمن، وها نحن نستعرض هذه التقييدات مع المواد الكلية التي ذكر بشأنها، ومع بعض الأمثلة التي تهمنا هنا.

стр. 13151

أولاً: التقييد بالنص: قال ابن نجيم: (المشقة والحرج إنما يعتبران في موضع لا نص فيه) (١) . ثانياً: التقييد بالقدر: نصت المجلة على أن: (الضرورات تقدر بقدرها) كما في المادة رقم (٢٢) . والأصح أن يقال كما جاء في الأشباه والنظائر للسيوطي (٢) : (ما أبيح للضرورة يقدر بقدرها) ؛ لأن ما يقدر ليس هو الضرورة نفسها، بل هو ما أبيح بسببها، وبمعناه نصت مجلة الأحكام العدلية على أن (الضرر يدفع بقدر الإمكان) المادة رقم (٣١) . ومعنى كل هذا أن الضرورة الملحة حالة استثنائية شاذة، والمستثنيات تفسر بتضييق، بمعنى أن الترخيص الذي تقتضيه الضرورة لا يكون على إطلاقه، بل يكون بالقدر اللازم لرفع المشقة. (مثلاً) : إذا جاز للطبيب النظر إلى عورة المرأة المريضة للضرورة، فلا يجوز له أن يرى منها أو يكشف عنها إلى موضع الحرج، ويغض بصره ما استطاع؛ لأن الضرورات تقدر بقدرها ثالثاً- التقييد بالزمن: إن الترخيص والاضطرار أو الحكم الاستثنائي الذي تقتضيه يبقى ما دام العذر أو حالة الاضطرار موجودة، فإذا زالت هذه الحالة الاستثنائية، زال الترخيص، ورجع الأمر إلى القاعدة الأصلية. وبمعناه جاء في مجلة الأحكام العدلية: (أن ما جاز لعذر بطل بزواله) ، (وإذا زال المانع عاد الممنوع) ، (المادتان رقم ٢٣، ٢٤) . وبناء على ذلك على الطبيب أن يقدر الضرورة بقدرها، فلا يكشف من العورة إلا بقدر ما يستدعيه الكشف والمعالجة.

стр. 13152

هذا وإن في السنة النبوية المطهرة، من الأحاديث الصحيحة الثابتة، ما يفيد جواز معالجة المرأة الأجنبية للرجل الأجنبي للضرورة، وإليك نصوصها: ١- كتب نجدة بن عامر الحروري إلى ابن عباس يسأله عن خمس خصال، فقال ابن عباس: لولا أن أكتم علماً ما كتبت إليه. كتب إليه نجدة: أما بعد، فأخبرني، هل كان رسول الله ﷺ يغزو بالنساء؟ وهل كان يضرب لهن بسهم؟ وهل كان يقتل الصبيان؟ ومتى ينقضي يتم اليتيم؟ وعن الخمس لمن هو؟ فكتب إليه ابن عباس: كتبت تسألني: هل كان رسول الله ﷺ يغزو بالنساء؟ وقد كان يغزو بهن، فيداوين الجرحى ويحذين من الغنيمة، وأما سهم؟ فلم يضرب لهن.... (١) . ومعنى (يحذين) أحذيته أحذيه إحذاء، إذا أعطيته، والحذية: العطية. ٢- وعن أنس بن مالك ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يغزو بأم سليم ونسوة من الأنصار معه، فيسقين الماء، ويداوين الجرحى (٢) . ٣- وعن الربيع بنت معوذ ﵂ قالت: ((لقد كنا نغزو مع رسول الله ﷺ لنسقي القوم ونخدمهم، ونرد القتلى والجرحى إلى المدينة)) (٣) . ففي هذه الأحاديث الشريفة، جواز معالجة المرأة الأجنبية للرجل الأجنبي لضرورة. ٤- ولتوفير الرجال للجهاد، تطوعت الصحابيات في غزوات الرسول ﷺ لخدمة المجاهدين وتمريضهم ومعالجة جرحاهم، وكيف لا يتطوعن وهم يرين رسول الله ﷺ يقرع بين نسائه، فأيتهن تخرج سهمها خرج بها في غزوته (٤) . ومن الواجب وجود شخص ثالث عند فحص الطبيب للنساء، وبالعكس، تجنباً للخلوة بهن، ولذا كان رسول الله ﷺ يخير المرأة المتطوعة للتمريض في الغزوة بين أن تكون في رفقة قومها أو عشيرتها، وبين أن تكون في رفقة أم المؤمنين التي وقعت القرعة على خروجها معه ﷺ (٥) .

стр. 13153

على أنه في الحالات الإسعافية المستعجلة، يجوز للجنس تطبيب الجنس الآخر، بغض النظر عن وجود شخص ثالث، فإن الضرورات تبيح المحظورات، والكلام هنا أطول من هذا، لكن هذا مفاده. وقد بقي علينا أن نورد بعض النصوص الفقهية التي ذكرها الفقهاء في مؤلفاتهم، وتعرضوا فيها لحكم الكشف عن العورات في أثناء المعاينات والعمليات الجراحية فنقول: ١- جاء في المغنى لابن قدامة الحنبلي (١) : (فصل) فيما يباح له النظر من الأجانب: يباح للطبيب النظر إلى ما تدعو إليه الحاجة من بدنها (يعني المرأة) من العورة وغيرها، فإنه موضع حاجة، وقد روي ((أن النبي ﷺ لما حكم سعد بن معاذ في بني قريظة، كان يكشف عن مؤتزرهم)) . وعن عثمان أنه أتي بغلام قد سرق، فقال: انظروا إلى مؤتزره، فلم يجدوه أنبت الشعر، فلم يقطعه. وللشاهد النظر إلى وجه المشهود عليها، لتكون الشهادة واقعة على عينها. قال أحمد: لا يشهد على امرأة، إلا أن يكون قد عرفها بعينها، وإن عامل امرأة في بيع أو إجارة، فله النظر إلى وجهها، ليعلمها بعينها، فيرجع عليها بالدرك. وقد روي عن أحمد كراهة ذلك في حق الشابة دون العجوز، ولعله كرهه لمن يخاف الفتنة، أو يستغني عن المعاملة؛ فأما مع الحاجة وعدم الشهوة فلا بأس. ٢- وجاء في المهذب وهو من أنفس كتب الشافعية (٢) : (باب ستر العورة) : سترة العورة عن العيون واجب؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آَبَاءَنَا﴾ [الأعراف: ٢٨] . قال ابن عباس: كانوا يطوفون بالبيت عراة، فهي فاحشة، وروي عن علي كرم الله وجهه أن النبي ﷺ قال: ((لا تبرز فخذك، ولا تنظر إلى فخذ حي ولا ميت)) (٣) فإن اضطر للكشف، للمداواة، أو للختان؛ جاز ذلك لأنه موضع ضرورة.

стр. 13154

وهل يجب سترها في حال الخلوة؟ فيه وجهان: أصحهما: أنه يجب؛ لحديث علي كرم الله وجهه. والثاني: لا يجب؛ لأن المنع من الكشف للنظر، وليس في الخلوة من ينظر، فلم يجب الستر. قال الإمام النووي في شرحه على (المهذب) : والمشهور بـ (المجموع) (١) : (الشرح) : هذا التفسير مشهور عن ابن عباس ﵄، ووافقه فيه غيره. وحديث علي ﵁ رواه أبو داود في سننه في كتاب الجنازة، ثم في كتاب الحمام، وقال: هذا الحديث فيه نكارة، ويغني عنه حديث جرهد –بفتح الجيم والهاء- الصحابي ﵁ أن النبي ﷺ قال له: ((غط فخذك؛ فإن الفخذ من العورة)) ، رواه أبو داود في سننه في كتاب الحمام والترمذي في الاستئذان (٢) من ثلاث طرق، وقال في كل طريق منها: هو حديث حسن، وقال في بعضها: حديث حسن، وما أرى إسناده بمتصل. عن بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده، قال: قلت: يا رسول الله، عوراتنا ما نأتي منها وما نذر؟ قال: احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك، قلت: يا رسول الله، إذا كان القوم بعضهم في بعض؟ قال: إن استطعت أن لا يراها أحد، فلا يراها، قال: قلت: يا نبي الله، إذا كان أحدنا خالياً؟ قال: فالله أحق أن يستحي منه الناس (٣) ثم تابع النووي كلامه قائلاً: أما (حكم المسألة) فستر العورة عن العيون واجب بالإجماع لما سبق من الأدلة. وأصح الوجهين: وجوبه في الخلوة، لما ذكرنا من حديث بهز بن حكيم. وممن نص على تصحيحه المصنف (يعني: الشيرازي صاحب المهذب) فإن احتاج إلى الكشف جاز أن يكشف قدر الحاجة فقط. ثم أردف كلامه معلقاً على كلام أبي إسحاق الشيرازي قول المصنف، فإن اضطر محمولاً على الحاجة لا على حقيقة الضرورة. ولو قال: احتاج، كما قال الأصحاب (يعني الأصحاب الشافعية) لكان أصوب؛ لئلا يوهم اشتراط الضرورة، فمن الحاجة: حالة الاغتسال، يجوز في الخلوة عارياً، والأفضل التستر بمئزر. اهـ. المقصود من كلام النووي والشيرازي. ٣- وجاء في كتاب الشرح الصغير المسمى أقرب المسالك إلى مذهب الإمام مالك (٤) ما يلي: ويجب ستر العورة، عمن يحرم النظر إليها من غير الزوجة والأمة، إلا لضرورة، فلا يحرم، بل قد يجب، وإذا كشف للضرورة فبقدرها، كالطبيب، يبقر له الثوب على قدر موضع العلة في نحو الفرج إن تعين النظر، وإلا فيكتفى بوصف النساء؛ إذ نظرهن للفرج أخف من الرجل.

стр. 13155

٤- وقال العلامة الكاساني في بدائع الصنائع، وهو الكتاب الذي تميز عن سائر كتب فقه المذهب الحنفي بحسن التنظيم والترتيب مع الاستدلال والتعليل، واستيفاء الدليل من المعقول والمنقول: بيان ما يحل ويحرم من الرجل من المس والنظر: يحل للرجل أن ينظر من الرجل الأجنبي إلى سائر جسده، إلا ما بين السرة والركبة، إلا عند الضرورة، فلا بأس أن ينظر من الرجل إلى موضع الختان، ليختنه ويداويه بعد الختن. وكذا إذا كان بموضع العورة من الرجل قرح أو جرح، ودعت الحاجة إلى مداواة الرجل، ولا ينظر إلى الركبة، ولا بأس بالنظر إلى السرة، فالركبة عورة، والسرة ليست بعورة عندنا. وأما حكم المس، فلا خلاف في أن المصافحة حلال؛ لأن الناس يتصافحون في سائر الأعصار، في العهود والمواثيق، فكانت سنة متوارثة. بيان ما يحل ويحرم من النظر والمس للمرأة من المرأة: كل ما يحل للرجل أن ينظر إليه من الرجل، يحل للمرأة أن تنظر إليه من المرأة، وكل ما لا يحل له لا يحل لها، فتنظر المرأة من المرأة إلى سائر جسدها، إلا ما بين السرة والركبة؛ لأنه ليس في نظر المرأة إلى المرأة خوف للشهوة والوقوع في الفتنة، كما ليس ذلك من نظر الرجل إلى الرجل، حتى لو خافت ذلك تجتنب عن النظر، كما في الرجل. ولا يجوز لها أن تنظر ما بين سرتها إلى الركبة، إلا عند الضرورة، بأن كانت قابلة، فلا بأس لها أن تنظر إلى الفرج عند الولادة، وكذا لا بأس أن تنظر إليه لمعرفة البكارة في امرأة العنين والجارية المشتراة على شرط البكارة إذا اختصما، وكذا إذا كان بها جرح أو قرح في موضع لا يحل للرجل النظر إليه، فلا بأس أن تداويها، إذا علمت المداواة، فإن لم تعلم تتعلم ثم تداويها، فإن لم توجد امرأة تعلم المداواة، ولا امرأة تتعلم، وخيف عليها الهلاك أو بلاء أو وجع لا تحتمله، يداويها الرجل، لكن لا يكشف منها إلا موضع الجرح، ويغض بصره ما استطاع؛ لأن الحرمات الشرعية جاز أن يسقط اعتبارها شرعاً، لمكان الضرورة، كحرمة الميتة وشرب الخمر، وحالة المخمصة والإكراه. لكن الثابت بالضرورة، لا يعدو موضع الضرورة؛ لأن علة ثبوتها الضرورة، والحكم لا يزيد على قدر العلة (١) .

стр. 13156

لباب القول بالنسبة إلى نظر الطبيب للمرأة الأجنبية: بعد أن تتبعنا أقوال الفقهاء، فالذي نراه أن أمر العلاج ضرورة، ولئن بين التشريع أحكام العورات في الرجل والنساء، فلقد كان جلياً أن راعى العلاج أنه استثناء من القاعدة العامة. ولم يجدوا في هذا الاستثناء حرجاً ولا غضاضة ولا مجافاة للدين، فلم يصروا على أن يجعلوه مجالاً للحرج أو الاحتجاج، وعلى ذلك جرى الفقه حتى الآن، فتظل عورة الرجل حراماً على الرجل والمرأة، وتظل عورة المرأة حراماً على الرجل والمرأة كليهما، ولا ينحسر هذا التحريم إلا في شأن العلاج مقام الطبابة. وطالما توفر هذا الشرط، أي الحاجة الطبية، وتوفرت تقوى الله وصلاح النية؛ فلا إثم ولا بأس. وآراء الفقهاء المسلمين على هذا الرأي، ولهم منذ مئات السنين أحكام تعد بمقاييس عصرنا، غاية في استنارة وسعة الأفق وتفهم روح الشريعة ونصوصها جامعين في ذلك ما بين العاطفة الإسلامية الدافئة والعقل السليم الرصين، ومن نصوصهم على ذلك: قول ابن قدامة: (ويباح للطبيب النظر إلى ما تدعو إليه الحاجة من بدنها من العورة، وغيرها، فإنه موضع حاجة) (١) . ومن اللطيف ما قرأناه في كتاب الآداب الشرعية لابن مفلح الحنبلي (٢) حيث قال: وقال المروزي: قلت لأبي عبد الله: المرأة يكون بها الكسر، فيضع المجبر يده عليها؟ قال: هذا ضرورة، ولم ير به بأساً، قلت لأبي عبد الله: مجبر يعمل بخشبة، فقال: لابد لي من أكشف صدر المرأة وأضع يدي عليها، قال طلحة: (يؤاجر) : فسألت رأي ابن مضرس، قال: هذه ضرورة، ولم ير به بأساً.

стр. 13157

وتورد الصفحة نفسها: فإن مرضت امرأة، ولم يوجد من يطبها غير رجل جاز له منها ما تدعو الحاجة إلى نظره منه حتى الفرجين، وكذا الرجل مع الرجل. قال ابن حمدان: وإن لم يوجد من يطبه سوى امرأة، فلها نظر ما تدعو الحاجة إلى نظره منه حتى فرجيه. وفي حاشية ابن عابدين (١) : وينظر الطبيب إلى موضع مرضها بقدر الضرورة. ويمكننا أن نقول أخيراً: إن الطبيب الذي يريد مداواة المريضة يجوز له النظر إلى موضع المرض بقدر الضرورة والحاجة إلى التطبيب؛ إذ الضرورات تقدر بقدرها، وكذا الحكم بالنسبة للمريض، يباح للطبيب أن يرى منه موضع العلة، ولكن بالشروط التي أوردها الفقهاء: ١- أن يكون هذا بحضرة محرم أو زوج أو امرأة ثقة، خشية الخلوة؛ لجواز خلوة الرجل بامرأتين ثقتين عند كثير من العلماء، وذلك لاستحياء كل بحضرة الأخرى. ٢- أن لا تكون هناك امرأة طبيبة متخصصة تعالجها، وينبغي أن تعلم المرأة علوم الطب؛ لتقوم بمداواة النساء؛ لأن نظر الجنس إلى الجنس أسهل. وهذا الأمر متوفر في زماننا هذا نوعاً ما، وإن كان على نطاق ضيق، لا يشمل جميع المستويات، أو لم ينتشر في أكثر الجهات، فإن لم يقدر أهل جهة على تعليم المرأة، أو لم يجدوا من تقوم بمداواتها، أو إذا وجد، لكن خيف عليها الهلاك، فيجب أن يستر منها كل شيء، سوى موضع المرض، ثم يداويها الرجل، فينظر ويغض بصره ما استطاع؛ لأن ما ثبت بالضرورة يقدر بقدرها (٢) . ولأن الحرمات الشرعية جاز أن يسقط اعتبارها شرعاً لمكان الضرورة، كحرمة الميتة، وشرب الخمر حالة اللقمة والإكراه، لكن الثابت بالضرورة لا يجوز أن يتجاوز موضع الضرورة؛ لأن علة ثبوتها بالضرورة، والحكم لا يزيد على قدر العلة (٣) .

стр. 13158

قال الإمام الغزالي: وتقدر الحاجة التي يجوز إظهار العورة معها، بحيث لا يعد التكشف بسببها هتكاً للمروءة (١) . ولا فرق في هذا بين ذوات المحارم وغيرهن؛ لأن النظر إلى العورة لا يحل بسبب المحرمية (٢) . وأما إذا خافت الهلاك بسبب جراحة تقوم بها المرأة، فللرجل الأجنبي أن يقوم بإجراء مثل هذه الجراحة لها (٣) . وكذلك يشترط في معالجة المرأة للرجل، أن لا يكون هناك رجل يستطيع أن يقوم بمثل هذه المعالجة (٤) . قال الإمام النووي: هو الأصح، وبه قطع القاضي حسين والمتولي، وقالا زيادة على ذلك: والأولى أن لا يكون ذمياً مع وجود مسلم. وكذلك لا يقدم للكشف على المرأة غير أمين مع وجود الأمين، وقد يحرم النظر دون المس، وذلك إذا تمكن الطبيب من معرفة العلة بالمس فقط (٥) . ويمكن إلحاق الأصناف التالية بالطبيب في حكم النظر: أولاً: ممن ابتلي بخدمة مريض أو مريضة في وضوء أو استئجار أو غيرهما من وسائل التمريض، فيجوز له النظر إلى موضع الوضوء والعورة على قدر الحاجة. ثانياً: الخاتن إلى ذكر المختون، والخافضة إلى فرج الأنثى، والقابلة إلى فرج المرأة التي تولدها، واستكشاف العنة والبكارة. ثالثاً: الإنقاذ من المهلكة، كغرق، أو حريق، أو هدم، أو غيرهما، فيجوز للمنقذ النظر إلى عورة المنقذ من الهلاك للضرورة، ولأنه في حكم الطبيب بجامع إنقاذ النفس، فالمعالج ينقذ النفس، ومنتشل الغريق منقذ له (٦) . هذا والله أعلم

стр. 13159

الفصل الثالث التداوي بالمحرمات اختلفت أنظار الفقهاء في ذلك، والراجح أنه يحرم الانتفاع بالخمر للمداواة؛ لقوله ﷺ : ((إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم)) (١) . ولما روي أن طارق بن سويد سأل النبي ﷺ عن الخمر فنهاه –أو كره أن يصنعها- فقال: أصنعها للدواء؟ فقال: ((إنه ليس بدواء ولكنه داء)) (٢) . ويحد من شربها لدواء. وهذا محل اتفاق بين معظم المذاهب الفقهية (٣) غير أن الشافعية قالوا: إن التداوي بالخمر حرام في الأصح إذا كانت صرفاً غير ممزوجة بشيء آخر تستهلك فيه. أما الترياق المعجون بها ونحوه مما تستهلك فيه، فيجوز التداوي به عند فقد ما يقوم به التداوي من الطاهرات، فعندئذ يتبع حكم التداوي بنجس كلحم حية وبول وكذا يجوز التداوي بذلك لتعجيل شفاه بشرط إخبار طبيب مسلم عدل بذلك، أو معرفته للتداوي به، وبشرط أن يكون القدر المستعمل قليلاً لا يسكر (٤) . وبالجملة، فإن الجمهور الأعظم من علماء المسلمين، كالمجمعين على تحريم التداوي بالخمر، وعلى أنه لو غص بلقمة ولم يجد شيئاً يسيغها به إلا الخمر، جاز له إساغتها به.

стр. 13160

كذلك ترادفت كلمتهم على تحريم شربها للجوع أو للعطش إلا الحنفية، فإنهم رخصوا بشربها عند ضرورة العطش أو الإكراه. هذا وقد شذ عن هؤلاء جميعاً الظاهرية، حيث ذهبوا إلى إباحة التداوي بالخمر عند الضرورة. قال الإمام ابن حزم الظاهري: (الخمر مباحة لمن اضطر إليها، فمن اضطر لشرب الخمر، لعطش أو علاج، أو لدفع خنق فشربها فلا حد عليه) . ويقول: إن التداوي بمنزلة الضرورة، وقد قال تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩] ، فما اضطر المرء إليه فهو غير محرم عليه من المآكل والمشارب (١) . هذا وقد أثبتت الأبحاث الطبية أخيراً أن من الخطأ اتخاذ الكحول دواء لأي مرض من الأمراض، وكان ذلك من أهم النتائج التي توصل إليها المؤتمر الدولي الحادي والعشرون لمكافحة المسكرات والتسمم الكحولي، الذي عقد في هلسنكي عاصمة فنلندا سنة ألف وتسعمائة وتسع وثلاثين، ففي إيراد ذلك عبرة لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، وكانت النتيجة التي توصل إليها المؤتمر بإجماع الآراء ما يلي: (يقر المؤتمر أن الطبيب الذي يصف لعليله شيئاً من الخمر على سبيل التداوي يعتبر في عرف هذا المؤتمر طبيباً متأخراً في فنه بضعة عشر عاماً، وأن الشخص الوحيد الذي ينتفع من رواج الخمر هو صانعها أو بائعها، وأما شاربها فهو الضحية والفريسة، وهو الذي يدفع ثمنها من ماله وصحته وعاقبة أمره) (٢) . إن الخمر محرمة لعينها، فلا تباح إلا لضرورة، وليس منها التداوي؛ لأن الخمر لا يغني طريقاً للعلاج، لأن هناك غيرها من الدواء الطاهر يفي بالغرض المطلوب. ومن قال منذ نشأ الطب إلى اليوم: إن في الخمر فائدة طبية لا توجد في غيرها (٣) ؟!

стр. 13161

رأيي في المسألة: بكل هذه النصوص الواضحة كان الإسلام حاسماً كل الحسم في محاربة الخمر وإبعاد المسلم عنها، فلم يفتح أي منفذ –وإن ضاق وصغر- لتناولها أو ملابستها. أما بخصوص استعمالها كدواء، فالناظر في أحاديث الرسول ﷺ يجد التصريح بأن الخمر ليست بدواء، بل إن الأمر جاوزه إلى التصريح بأنها داء، إذن يحرم التداوي بها كما يحرم شربها، وقد أثبتت الأبحاث والتحاليل الطبية العالمية أخيراً أن من الخطأ اتخاذ الخمر دواء لأي مرض من الأمراض، ولا عجب أن يحرم الإسلام التداوي بالخمر وغيرها من المحرمات؛ فإن تحريم الشيء كما قال الإمام ابن القيم (١) يقتضي تجنبه والبعد عنه بكل طريق، وفي اتخاذه دواء حض على الترغيب فيه وملابساته، وهذا ضد مقصود الشارع. وقال أيضاً: فإن في إباحة التداوي به – ولا سيما إذا كانت النفوس تميل إليه- ذريعة إلى تناوله للشهوة واللذة، وبخاصة إذا عرفت النفوس أنه نافع لها ومزيل لأسقامها، جالب لشفائها. إذن فحرمة التداوي بالخمر هو الحق، وهو الصواب، وهو الرأي الذي أميل إليه. ومع هذا فإن للضرورة حكمها في نظر الشريعة الإسلامية، فإن الإسلام الحنيف قد بنى تشريعه كله على اليسر والرحمة، ولم يقصد بتكاليفه –على وجه عام- عنتاً ولا إرهاقاً ولا مشقة: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] . ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] . ومن ذلك رخص لمن أكره بالكفر، أن ينطق بكلمته وقلبه مطمئن بالإيمان. ورخص لمن أشرف على الهلاك أو خاف الضرر بجوع أو عطش أن يأكل ويشرب مما حرم الله بقدر ما يحفظ عليه حياته، أو يدفع عنه ضرره.

стр. 13162

ذلك أن الإسلام حرم شرب الخمر، حفظاً للعقول، وحرم الدم المسفوح والميتة ولحم الخنزير، حفظاً للصحة، وقد جاء ذلك صريحاً واضحاً في قوله : ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٩٠] . وقوله سبحانه: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥] . وقد جاء عقب تحريم هذه المطعومات قوله سبحانه: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١١٥] . وفي آية أخرى: ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٧٣] . ودل هذا التعقيب الذي هو بمنزلة استثناء على أنه إذا وجدت الضرورة التي تدعو إلى تناول شيء منه، أبيح تناول ما تدعو إليه الضرورة –وليس منها التداوي- إبقاء للحياة، وحفظاً للصحة، ودفعاً للضرر. ولكن الرخصة في تناول الدواء المشتمل على محرم مشروطة بشروط: أولاً: أن يكون هناك خطر حقيقي على صحة الإنسان إذا لم يتناول هذا الدواء. ثانياً: ألا يوجد دواء غيره من الحلال يقوم مقامه، أو يغني عنه. ثالثاً: أن يكون الطبيب طبيباً مسلماً عدلاً معروفاً بالصدق والأمانة. على أنه في مجال الواقع والتطبيق العملي، ومن تقرير ثقات الأطباء أن لا ضرورة طبية تحتم تناول شيء من هذه المحرمات –دواء- ولكننا نقرر المبدأ احتياطاً لمسلم قد يكون في مكان لا يوجد فيه إلا هذه المحرمات.

стр. 13163

بيان حكم المخدرات تعريف المخدر والمفتر: إن تعريف المواد المخدرة، أمر مهم في فهم طبيعة هذه المواد وخصائصها، والنتائج المترتبة على تناولها. وعليه فإنا نذكر (أولاً) – تعريف كل من المخدر والمفتر، فنقول: الخدر: هو الكسل والثقل، يقول: خدر خدراً: عراه فتور واسترخاء. المخدر: هو المادة التي تحدث في الجسم ثقلاً وشعوراً بالكسل. والتخدير في الطب: تعطيل الإحساس موضعياً. (١) . والمفتر –بصفة الفاعل: الذي يرخي الأعصاب ويضعف الجفن ويكسر الطرف، والخدر في أطراف الأصابع، وهو مقدمة السكر، وقد عرف الإمام أبو سليمان الخطابي (المفتر) تعريفاً شرعياً، فقال: (المفتر: كل شراب يورث الفتور والخدر في الأطراف) (٢) ، وقد عرف الصاوي المخدر شرعاً بأنه: (الذي يغيث العقل دون الحواس لا مع نشوة وطرب) (٣) وقد جاء ذكر (المفتر) في حديث شهر بن حوشب، عن أم سلمة قالت: ((نهى رسول الله ﷺ عن كل مسكر ومفتر)) (٤) والمواد المخدرة على أنواع كثيرة، وفصائل متنوعة؛ تحمل كل منها اسماً علمياً خاصاً. ومن المتعذر إيراد حصر كامل لها. وسنذكر في هذا المبحث بعضاً منها على سبيل الذكر، لا الحصر.

стр. 13164

حكم تعاطي المخدرات بوجه عام: عالج الفقهاء مسألة النباتات المخدرة أو المفترة مع الخمر وقاسوها عليها، وذلك في الحكم الشرعي لا في الإطلاق اللغوي، لأن اللغة لا تثبت بالقياس عند جمهور الأصوليين. والمقصود هو: أنه كما يحرم شرب المسكرات، حتى من غير الخمر مهما كان نوعها كثيرها وقليلها، كما سبق بيانه، يحرم أيضاً تناول المخدرات التي تغشي العقل، ولكن لا تحدث الشدة المطربة التي هي من خصائص المسكر المائع. وكما أن ما أسكر كثيره حرم قليله من المائعات، كذلك يحرم مطلقاً ما يفتر ويخدر من الأشياء الجامدة المضرة بالعقل، أو غيره من أعضاء الجسد؛ وذلك إذا تناول قدراً مضراً منها دون القليل النافع من أجل المداواة، لأن حرمتها ليست لعينها، بل لضررها. وقد بدأ الفقهاء بقياس (الحشيشة على الخمر، ثم عددوا النباتات الأخرى) . ومعظم الفقهاء تكلموا عليها في كتاب الأشربة. وقليل منهم ذكرها في كتاب حد الخمر أو حد السكر. وقد اعتبر الإمام الحطاب المالكي، الحشيشة والأفيون وأمثالهما من المخدرات. (١) ، كما ذكر العلامة ابن عابدين، جوزة الطيب، والعنبر والزعفران، وقال: هذه كلها مسكرة. ومرادهم من الإسكار هنا: تغطية العقل، لا مع الشدة المطربة، لأنها من خصوصيات المسكر المائع، فلا ينافي أنها مخدرة، فما جاء في الوعيد على الخمر، يصدق فيها، لاشتراكهما في إزالة العقل المقصود للشارع بقاؤه. بدء ظهور المخدرات في الدولة الإسلامية: يقول الفقيه الجليل، العلامة ابن تيمية: (إنما ظهر في الناس أكلها – يعني الحشيشة- قريباً من نحو ظهور التتار، فإنها خرجت وخرج معها سيف التتار) (٢) وقد عرف متعاطيها بالحشيشي، لا الحشاش. وتسمى الحشيشة بالقنب، وقد ألف العكبري صاحب إعراب القرآن كتاباً في أكل الحشيشة، سماه: كتاب السوانح الأدبية في مدائح القنبية (٣) ويقول ابن عابدين: سئل شمس الأئمة عن حل البنج وحرمته، فقال: ما نقل عن أبي حنيفة فيه شيء إذ لم يشتهر في زمانه، ولم يرد عن السلف فيه أيضاً شيء إلى زمان المزني تلميذ الإمام الشافعي (٤) وقال في موضع آخر: (وإنما لم يتكلم فيها –يعني الحشيشة- الأئمة الأربعة؛ لأنه لم تكن في زمنهم، وإنما ظهرت في آخر المئة السادسة، وأول المئة السابعة حين ظهرت دولة التتار (٥) وكان ذلك في القرن الثالث عشر الميلادي.

стр. 13165

أنواع النباتات المخدرة: تحدث الفقهاء عن الكثير من النباتات المخدرة، وقد ذكر كل منهم ما عرف في بلده، ووجد في عصره منها، كما يتضح من سرد ما قالوه فيها. أولاً- البنج: في أصله نبات مخدر يسمى باللغة العربية (شيكران) وهو يصدع ويسبت – أي ينوم - ويخلط العقل، ويورث الخبال، وربما يسكر إذا شربه الإنسان بعد ذوبانه. وقد ذكر القرطبي _البنج- على أنه شراب. (١) ثانياً- الأفيون: عصارة الخشخاش، تستعمل للتنويم والتخدير، وهو يكرب ويؤثر في شهوتي الطعام والجنس، ويتلف الأغشية ويخرقها، ويصعب تركه في مدة بسيطة عند الإدمان عليه. (٢) ثالثاً- الحشيشة: نوع من ورق القنب الهندي، يسكر جداً إذا تناول الإنسان منه بقدر الدرهم (١٣/٣ غرامات) حتى إن من أكثر من الحشيشة، أصيب بالرعونة واختلال العقل. وقد ذكر له ابن حجر (٣) مئة وعشرين مضرة دينية ودنيوية. والحشيشة من أعظم المنكر، وشر من الخمر في بعض الوجوه؛ لأنه يورث نشوة لذيذة وطرباً كالخمر، ويصعب الفطام عنه أكثر من الخمر. (٤) وذكر ابن تيمية الحشيشة مراراً، وخصص مسألتين فيمن يأكل الحشيشة ما يجب عليه. (٥) وقال ابن البيطار- وهو الذي إليه المنتهى في معرفة خواص النبات والأشجار-: (إن الحشيشة، وتسمى القنب، توجد في مصر، وهي مسكرة جداً، إذا تناول الإنسان منها قدر درهم أو درهمين. (٦)
следующие страницы →