← Фикх общий

Фикх общий · id 8356

مجلة مجمع الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (22 276 стр.). Показаны 13161–13200 · переход к 13166.

стр. 13161

رأيي في المسألة: بكل هذه النصوص الواضحة كان الإسلام حاسماً كل الحسم في محاربة الخمر وإبعاد المسلم عنها، فلم يفتح أي منفذ –وإن ضاق وصغر- لتناولها أو ملابستها. أما بخصوص استعمالها كدواء، فالناظر في أحاديث الرسول ﷺ يجد التصريح بأن الخمر ليست بدواء، بل إن الأمر جاوزه إلى التصريح بأنها داء، إذن يحرم التداوي بها كما يحرم شربها، وقد أثبتت الأبحاث والتحاليل الطبية العالمية أخيراً أن من الخطأ اتخاذ الخمر دواء لأي مرض من الأمراض، ولا عجب أن يحرم الإسلام التداوي بالخمر وغيرها من المحرمات؛ فإن تحريم الشيء كما قال الإمام ابن القيم (١) يقتضي تجنبه والبعد عنه بكل طريق، وفي اتخاذه دواء حض على الترغيب فيه وملابساته، وهذا ضد مقصود الشارع. وقال أيضاً: فإن في إباحة التداوي به – ولا سيما إذا كانت النفوس تميل إليه- ذريعة إلى تناوله للشهوة واللذة، وبخاصة إذا عرفت النفوس أنه نافع لها ومزيل لأسقامها، جالب لشفائها. إذن فحرمة التداوي بالخمر هو الحق، وهو الصواب، وهو الرأي الذي أميل إليه. ومع هذا فإن للضرورة حكمها في نظر الشريعة الإسلامية، فإن الإسلام الحنيف قد بنى تشريعه كله على اليسر والرحمة، ولم يقصد بتكاليفه –على وجه عام- عنتاً ولا إرهاقاً ولا مشقة: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] . ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] . ومن ذلك رخص لمن أكره بالكفر، أن ينطق بكلمته وقلبه مطمئن بالإيمان. ورخص لمن أشرف على الهلاك أو خاف الضرر بجوع أو عطش أن يأكل ويشرب مما حرم الله بقدر ما يحفظ عليه حياته، أو يدفع عنه ضرره.

стр. 13162

ذلك أن الإسلام حرم شرب الخمر، حفظاً للعقول، وحرم الدم المسفوح والميتة ولحم الخنزير، حفظاً للصحة، وقد جاء ذلك صريحاً واضحاً في قوله : ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٩٠] . وقوله سبحانه: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥] . وقد جاء عقب تحريم هذه المطعومات قوله سبحانه: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١١٥] . وفي آية أخرى: ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٧٣] . ودل هذا التعقيب الذي هو بمنزلة استثناء على أنه إذا وجدت الضرورة التي تدعو إلى تناول شيء منه، أبيح تناول ما تدعو إليه الضرورة –وليس منها التداوي- إبقاء للحياة، وحفظاً للصحة، ودفعاً للضرر. ولكن الرخصة في تناول الدواء المشتمل على محرم مشروطة بشروط: أولاً: أن يكون هناك خطر حقيقي على صحة الإنسان إذا لم يتناول هذا الدواء. ثانياً: ألا يوجد دواء غيره من الحلال يقوم مقامه، أو يغني عنه. ثالثاً: أن يكون الطبيب طبيباً مسلماً عدلاً معروفاً بالصدق والأمانة. على أنه في مجال الواقع والتطبيق العملي، ومن تقرير ثقات الأطباء أن لا ضرورة طبية تحتم تناول شيء من هذه المحرمات –دواء- ولكننا نقرر المبدأ احتياطاً لمسلم قد يكون في مكان لا يوجد فيه إلا هذه المحرمات.

стр. 13163

بيان حكم المخدرات تعريف المخدر والمفتر: إن تعريف المواد المخدرة، أمر مهم في فهم طبيعة هذه المواد وخصائصها، والنتائج المترتبة على تناولها. وعليه فإنا نذكر (أولاً) – تعريف كل من المخدر والمفتر، فنقول: الخدر: هو الكسل والثقل، يقول: خدر خدراً: عراه فتور واسترخاء. المخدر: هو المادة التي تحدث في الجسم ثقلاً وشعوراً بالكسل. والتخدير في الطب: تعطيل الإحساس موضعياً. (١) . والمفتر –بصفة الفاعل: الذي يرخي الأعصاب ويضعف الجفن ويكسر الطرف، والخدر في أطراف الأصابع، وهو مقدمة السكر، وقد عرف الإمام أبو سليمان الخطابي (المفتر) تعريفاً شرعياً، فقال: (المفتر: كل شراب يورث الفتور والخدر في الأطراف) (٢) ، وقد عرف الصاوي المخدر شرعاً بأنه: (الذي يغيث العقل دون الحواس لا مع نشوة وطرب) (٣) وقد جاء ذكر (المفتر) في حديث شهر بن حوشب، عن أم سلمة قالت: ((نهى رسول الله ﷺ عن كل مسكر ومفتر)) (٤) والمواد المخدرة على أنواع كثيرة، وفصائل متنوعة؛ تحمل كل منها اسماً علمياً خاصاً. ومن المتعذر إيراد حصر كامل لها. وسنذكر في هذا المبحث بعضاً منها على سبيل الذكر، لا الحصر.

стр. 13164

حكم تعاطي المخدرات بوجه عام: عالج الفقهاء مسألة النباتات المخدرة أو المفترة مع الخمر وقاسوها عليها، وذلك في الحكم الشرعي لا في الإطلاق اللغوي، لأن اللغة لا تثبت بالقياس عند جمهور الأصوليين. والمقصود هو: أنه كما يحرم شرب المسكرات، حتى من غير الخمر مهما كان نوعها كثيرها وقليلها، كما سبق بيانه، يحرم أيضاً تناول المخدرات التي تغشي العقل، ولكن لا تحدث الشدة المطربة التي هي من خصائص المسكر المائع. وكما أن ما أسكر كثيره حرم قليله من المائعات، كذلك يحرم مطلقاً ما يفتر ويخدر من الأشياء الجامدة المضرة بالعقل، أو غيره من أعضاء الجسد؛ وذلك إذا تناول قدراً مضراً منها دون القليل النافع من أجل المداواة، لأن حرمتها ليست لعينها، بل لضررها. وقد بدأ الفقهاء بقياس (الحشيشة على الخمر، ثم عددوا النباتات الأخرى) . ومعظم الفقهاء تكلموا عليها في كتاب الأشربة. وقليل منهم ذكرها في كتاب حد الخمر أو حد السكر. وقد اعتبر الإمام الحطاب المالكي، الحشيشة والأفيون وأمثالهما من المخدرات. (١) ، كما ذكر العلامة ابن عابدين، جوزة الطيب، والعنبر والزعفران، وقال: هذه كلها مسكرة. ومرادهم من الإسكار هنا: تغطية العقل، لا مع الشدة المطربة، لأنها من خصوصيات المسكر المائع، فلا ينافي أنها مخدرة، فما جاء في الوعيد على الخمر، يصدق فيها، لاشتراكهما في إزالة العقل المقصود للشارع بقاؤه. بدء ظهور المخدرات في الدولة الإسلامية: يقول الفقيه الجليل، العلامة ابن تيمية: (إنما ظهر في الناس أكلها – يعني الحشيشة- قريباً من نحو ظهور التتار، فإنها خرجت وخرج معها سيف التتار) (٢) وقد عرف متعاطيها بالحشيشي، لا الحشاش. وتسمى الحشيشة بالقنب، وقد ألف العكبري صاحب إعراب القرآن كتاباً في أكل الحشيشة، سماه: كتاب السوانح الأدبية في مدائح القنبية (٣) ويقول ابن عابدين: سئل شمس الأئمة عن حل البنج وحرمته، فقال: ما نقل عن أبي حنيفة فيه شيء إذ لم يشتهر في زمانه، ولم يرد عن السلف فيه أيضاً شيء إلى زمان المزني تلميذ الإمام الشافعي (٤) وقال في موضع آخر: (وإنما لم يتكلم فيها –يعني الحشيشة- الأئمة الأربعة؛ لأنه لم تكن في زمنهم، وإنما ظهرت في آخر المئة السادسة، وأول المئة السابعة حين ظهرت دولة التتار (٥) وكان ذلك في القرن الثالث عشر الميلادي.

стр. 13165

أنواع النباتات المخدرة: تحدث الفقهاء عن الكثير من النباتات المخدرة، وقد ذكر كل منهم ما عرف في بلده، ووجد في عصره منها، كما يتضح من سرد ما قالوه فيها. أولاً- البنج: في أصله نبات مخدر يسمى باللغة العربية (شيكران) وهو يصدع ويسبت – أي ينوم - ويخلط العقل، ويورث الخبال، وربما يسكر إذا شربه الإنسان بعد ذوبانه. وقد ذكر القرطبي _البنج- على أنه شراب. (١) ثانياً- الأفيون: عصارة الخشخاش، تستعمل للتنويم والتخدير، وهو يكرب ويؤثر في شهوتي الطعام والجنس، ويتلف الأغشية ويخرقها، ويصعب تركه في مدة بسيطة عند الإدمان عليه. (٢) ثالثاً- الحشيشة: نوع من ورق القنب الهندي، يسكر جداً إذا تناول الإنسان منه بقدر الدرهم (١٣/٣ غرامات) حتى إن من أكثر من الحشيشة، أصيب بالرعونة واختلال العقل. وقد ذكر له ابن حجر (٣) مئة وعشرين مضرة دينية ودنيوية. والحشيشة من أعظم المنكر، وشر من الخمر في بعض الوجوه؛ لأنه يورث نشوة لذيذة وطرباً كالخمر، ويصعب الفطام عنه أكثر من الخمر. (٤) وذكر ابن تيمية الحشيشة مراراً، وخصص مسألتين فيمن يأكل الحشيشة ما يجب عليه. (٥) وقال ابن البيطار- وهو الذي إليه المنتهى في معرفة خواص النبات والأشجار-: (إن الحشيشة، وتسمى القنب، توجد في مصر، وهي مسكرة جداً، إذا تناول الإنسان منها قدر درهم أو درهمين. (٦)

стр. 13166

آثار تعاطي المخدرات: أشرنا فيما سبق إلى أن الفقهاء، قد قاسوا النباتات المخدرة على الخمر في الحرمة؛ لأنها تغطي العقل مثلها، وإذا كانت الخمر أشد فتكاً في الجسم من مرض السل، فإن المواد المعروفة الآن بالمخدرات كالحشيش، والأفيون والكوكايين، لها من المضار الصحية والعقلية والروحية والاقتصادية والاجتماعية فوق ما للخمر. قال ابن عابدين: قال ابن البيطار: (ومن القنب الهندي نوع يسمى الحشيشة يسكر جداً إذا تناول منه قدر درهم أو درهمين، حتى إن من أكثر منه أخرجه إلى حد الرعونة، وقد استعمله قوم فاختلت عقولهم، وربما قتلت، بل نقل ابن حجر عن بعض العلماء أن في أكل الحشيشة مئة وعشرين مضرة دينية ودنيوية) . كما قال عن الأفيون: إنه يكرب ويسقط الشهوتين إذا استمر عليه، ويقتل إذا تعاطى منه قدر درهمين، ومتى زاد أكله على أربعة أيام ولاء اعتاده، بحيث يفضي تركه إلى موته؛ لأنه يخرق الأغشية خروقاً لا يسدها غيره، كما ذكر داود الأنطاكي في تذكرته. (١) ويقول الإمام ابن تيمية: هذه الحشيشة الملعونة تورث آكلها قلة الغيرة، وزوال الحمية، حتى يصير آكلها إما ديوثاً، وإما مأبوناً، وإما كلاهما. وقد جعلت خلقاً كثيرا مجانين، وتجعل الكبد مثل السفنج، ومن لم يجن من تعاطيها، فقد أعطته نقص العقل، ولو صحا منها، فإنه لا بد أن يكون في عقله خبل، ثم إن كثيرها يسكر. (٢) وهذه الآثار العقلية والخلقية والاجتماعية للمخدرات قد أثبتها الطب الحديث، مما دعا بالحكومات كلها إلى تحريم تعاطيها والاتجار فيها، وفرض العقوبات المشددة على من يخالف ذلك.

стр. 13167

حكم المخدرات كحكم الخمر: من الواضح أن قوله ﷺ : ((كل مسكر حرام)) لا يقصد منه مجرد التسمية فقط؛ ذلك لأن الرسول ﷺ ليس واضع أسماء ولغات، وإنما القصد منه، أنه يأخذ حكم الخمر في التحريم والعقوبة. فكل ما كان في معنى الخمر من المواد المعروفة الآن بالمخدرات يأخذ حكمها، ويلزم ثبوت تلك الأحكام في كل مادة ظهرت بعد عهد التشريع، وكان لها من الآثار الضارة مثل آثار الخمر أو أشد، إن لم يكن بحرفية النص فبروحه ومعناه ومعقوله، وبالقاعدة العامة الضرورية، وهي دفع المضار، وسد الذرائع. وبذلك أجمع على حرمة المخدرات فقهاء المسلمين الذين ظهرت في عهدهم وتبينوا آثارها السيئة في الإنسان وبيئته ونسله، وعرفوا أنها مثل الخمر وأشد. فقرروا حرمتها، كما قرروا عقوبة تناولها والاتجار بها، وقرروا أن استحلالها كاستحلال الخمر. فابن عابدين الفقيه الحنفي: (١) نقل عن كتاب الجامع وغيره، أن من قال بحل البنج والحشيشة فهو زنديق مبتدع، بل قال نجم الدين الزاهدي: إنه يكفر ويباح قتله. وعلل الحنفية تحريم تناول البنج والحشيشة والأفيون، بأن ذلك مفسد للعقل، فيحدث عند الرجل خلاعة وفساداً، ويصد عن ذكر الله وعن الصلاة. لكن تحريم ذلك ليس لعينه، بل لنتائجه، فإن أكل الشخص شيئاً من ذلك لا يقام عليه حد الشرب أو السكر، وإن تخدر منه؛ لأن الشرع أوجب الحد بالسكر من المشروب المائع لا المأكول، وإنما يعاقب بالعقوبات التعزيرية الأخرى. (٢) وبمثل قول الحنفية في حرمة الحشيشة ونحوه ومعاقبة متناولها بعقوبة تعزيرية رادعة دون الحد؛ قال فقهاء المالكية والشافعية والظاهرية، فإنهم حرموا تناول كل ما يؤثر في العقل، كالبنج والحشيشة والأفيون والقات المخدر المستعمل الآن في اليمن، لثبوت ضررها في البدن والعقل. ولكن لا حد في تناول ذلك، وإنما يعزر متعاطيها بالعقاب الزاجر له ولأمثاله، وغير الحنفية قالوا: إذا وصل الحشيش المذاب إلى حد الشدة المطربة، فيجب فيه الحد كالخمر. (٣)

стр. 13168

وكذلك قال الحنابلة بحرمة تناول الحشيشة ونحوها من المخدرات. وأما إقامة الحد على متعاطيها، فقد قال ابن تيمية: يجلد متعاطي الحشيشة كما يجلد شارب الخمر، وهي أخبث من الخمر من جهة أنها تفسد العقل والمزاج حتى يصير في الرجل تخنث ودياثة، وغير ذلك من الفساد. والخمر أخبث من جهة أنها تفضي إلى المخاصمة والمقاتلة، وكلاهما يصد عن ذكر الله وعن الصلاة. ثم قال: (وقد توقف بعض الفقهاء المتأخرين في حدها، ورأى أن آكلها يعزر بما دون الحد، حيث يظنها تغير العقل من غير طرب بمنزلة البنج، ولم يجد للعلماء المتقدمين فيها كلاماً) . وليس كذلك، بل آكلوها ينشون عنها (يعني يعاودونها مرة بعد أخرى) ، ويشتهونها، كشراب الخمر وأكثر. (١) أدلة تحريم المخدرات: لاحظنا مما سبق أن فقهاء المذاهب اتفقوا على حرمة المخدرات. وأضاف بعض الحنابلة (ابن تيمية) أنه يجب الحد على متعاطيها. والأصل في تحريمها ما رواه أحمد في مسنده، وأبو داود في سننه بسند صحيح، عن أم سلمة ﵂ قالت: ((نهى رسول الله ﷺ عن كل مسكر ومفتر)) (٢) قال العلماء: المفتر: كل ما يورث الفتور والخدر في الأطراف. قال ابن حجر: وهذا الحديث فيه دليل على تحريم الحشيش بخصوصه؛ فإنها تسكر وتخدر وتفتر، ولذلك يكثر النوم لمتعاطيها. وحكى القرافي وابن تيمية الإجماع على تحريم الحشيشة. قال ابن تيمية: ومن استحلها فقد كفر، وإنما لم تتكلم فيها الأئمة الأربعة ﵃ لأنها لم تكن في زمانهم. وقال بعض الحنفية: يكفر من استحل الحشيش والبنج ويباح قتله. ورد الرملي ذلك بأن لا التفات لهذا القول، ولا تعويل عليه؛ إذ الكفر بإنكار القطعيات الثابتة يقيناً من الدين، وهذا ليس كذلك. (٣)

стр. 13169

حكم التداوي بالمخدرات: يقول العلامة (ابن عابدين) : قدمنا في الحظر والإباحة عن (التتار خانية) أنه لا بأس بشرب ما يذهب بالعقل لقطع نحو آكلة مرض جلدي كالجرب. أقول: ينبغي تقييده بغير الخمر، وظاهره أنه لا يتقيد نحو بنج، وقيده به الشافعية، والله سبحانه أعلم. وبالجملة يحرم تناول البنج والحشيشة والأفيون في غير حالة التداوي؛ لأن حرمتها ليست لعينها، وإنما لضررها. هذا والموقف الآن هو: أن الخمر لم تعد تستعمل الآن كدواء، ولكن المشروبات الكحولية تدخل في صناعة كثير من الأدوية، وكذلك المخدرات. ومن الواضح أن تعاطي المخدرات في أية صورة كانت غير هذه التي تدخل في الأدوية، يأخذ بحكم الخمر. ذلك أن دخولها في الأدوية يخرجها عن طبيعتها المحرمة، كما يقول بعض الفقهاء الأجلاء: خرج بصرفها ما عجن بها، كالترياق، فيباح التداوي به لاستهلاكها فيه. قال الشربيني الخطيب: (١) تنبيه: محل الخلاف في التداوي بصرفها، أما الترياق المعجون بها ونحوه مما تستهلك فيه، فيجوز التداوي به عند فقد ما يقوم مقامه، مما يحصل به التداوي من الطاهرات، كالتداوي بنجس كلحم حية وبول. ويجوز تناول ما يزيل العقل من غير الأشربة، لقطع عضو. اهـ. المقصود. أقول: وكذلك الحال بالنسبة إلى استعمال المخدر، إذا وجدت الضرورة الملحة التي تدعو إلى ذلك، وما دام الطبيب الحاذق الأمين يرى أن ذلك هو الدواء الوحيد المفيد الناجع. وذلك إبقاء للحياة، وحفظاً للصحة، ودفعاً للضرر. وهذا هو أصل من أصول التشريع في الإسلام، يبنى عليه، حينما يحرم ما يحرم، وحينما يبيح ما يبيح، والله سبحانه أعلم.

стр. 13170

الفصل الرابع واجبات الطبيب في السلم والحرب الحق أنه لا فرق بين واجبات الطبيب في السلم، وواجباته في الحرب، وإن كانت في الحرب أوجب وألزم؛ لأن مهمة الطبيب مهمة إنسانية قبل كل شيء، فسيان عنده التطبيب للمرضى والجرحى، في وقت السلم والحرب، فيجب عليه المبادرة من فوره لمعالجة المريض أو المصاب، وكلما كان المرض أو الإصابة أخطر، كان الإسراع منه أوجب. أولاً- وإن من أول الواجبات عليه وأولاها: أن يكون عالماً بمهنة الطب، ماهراً بها، متقناً لها، ومشهوداً له بتفوقه فيها وانقطاعه إليها. ومن لم يكن كذلك، فلا يحق له الإقدام على تطبيب يخاطر فيه، ولا ينبغي له التعرض لما لا علم له فيه، ولا التصدر لطب البشر قبل استكمال أهليته. ومن هنا جاء الحجر على الطبيب الجاهل وتضمينه، عملاً بقول الرسول ﷺ : ((من تطبب ولم يعلم منه طب قبل ذلك فهو ضامن)) . ثانياً- وكذلك من أوجب الواجبات عليه كتمان سر المريض؛ لأنه قد أمنه على نفسه وسره وعورته. وإفشاء سره غير جائز إلا برضاه وبإذنه، إلا إذا كانت هناك ضرورة قصوى. ذلك لأن الطبيب ليس من مهمته التحقيق والتفتيش والمحاكمة، وإنما مهمته الأساسية هي العلاج والتطبيب فقط. وقد جاء في الحديث الشريف: أن ((من ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة)) . وهذا الستر عام يشمل الصحيح والمريض، ما لم يكن هناك مجاهرة في المعاصي والتبجح بها والإعلان عنها، فإن ذلك من الجهر بالسوء من القول الذي لا يحبه الله ولا يرضاه، فيجب عندئذ كشف سره لكي يعرف الناس سلوكه السيئ فيهجرونه. وكذلك يجب كشف بعض أسرار المريض، ولا سيما إذا كان مرضه خبيثاً، وداؤه عضالاً معدياً، وكان ينوي الزواج من فتاة بريئة لا علم لها بهذا المرض الخطير.

стр. 13171

ثالثاً- وأيضاً من الواجب عليه استعمال الحكمة والسياسة والكياسة مع المريض، وعدم التهويل والتهويش بحجم المرض وخطورته وأنه ليس لدائه دواء. فقد مدح أحد الحكماء الشعراء، طبيباً حاذقاً لبقاً، فقال ما معناه: يكاد من رقة أفكاره، حتى أنه: لو غضبت روح على جسمها أصلح بين الروح والجسم رابعاً- كذلك من الواجب عليه الرفق به، وأن يكون لين الجانب، واسع الصدر، رؤوفاً. وإذا كان الرفق مطلوباً في كل شيء، فهو بالمريض آكد وأليق. خامساً- كذلك من الحق عليه بذل النصح للمريض، وأن يظهر له الحقيقة في بعض الأحوال، حتى ولو كانت ضد رغبته ومزاجه. وإذا رأى من المريض علامات الموت، لم يكره أن ينبه على الوصية بالقول اللين اللطيف. سادساً- التأني في فهم حقيقة المرض، ومزاج المريض، فإن أكثر ما يقع فيه الطبيب من الأخطاء، هو الإقدام على المعالجة، دون الفحص الدقيق ومعرفة الداء، وقد قال بعض الشعراء الحكماء في ذلك: أفنى وأعمى ذا الطبيب بطبه وبكحله الأحياء والبصراء فإذا نظرت رأيت من عميانه أمماً على أمواته قراء سابعاً وأخيراً: عليه أن يعتقد أن طبه لا يرد شيئاً من قدر الله تعالى. وأنه إنما يداوي المريض امتثالاً لأمر الشارع، الذي أنزل الداء والدواء. وما أحسن قول ابن الرومي: غلط الطبيب علي غلطة مورد عجزت موارده عن الإصدار والناس يلحون الطبيب وإنما غلط الطبيب إصابة الأقدار وبالجملة: فإن الطبيب الذي يفقد هذه الواجبات والآداب، يكون قد فجع بأهم واجبات مهنته، وما عليه إلا أن يطلب العزاء على فقده إياها. (١)

стр. 13172

الفصل الخامس استطباب الطبيب غير المسلم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيدنا محمد، طب القلوب وشفائها، وعلى آله وصحابته أجمعين. وبعد: فإن الكلام فيمن يجوز ويعتمد على خبره وطبه من الأطباء، وهل يجوز الاعتماد في ذلك على طبيب غير مسلم، أم لا يجوز، كلام طويل الذيل، عميق السيل، يمكننا أن نلخصه ونختصره فيما يلي: أولاً: ظاهر مذاهب الأئمة: الحنفي، والشافعية، والحنابلة، أنهم يشترطون في الطبيب الذي يعول على خبره وطبه؛ أن يكون مسلماً. فهو مقيد عندهم بقيد الإسلام. ثانياً: وذهب المالكية إلى أن الاعتماد على الطبيب غير المسلم، لا يجوز إلا في حالة فقدان الطبيب المسلم، فإذا لم يوجد طبيب مسلم يضاهي غير المسلم في الحذق والمهارة والاختصاص، فيجوز حينئذ التداوي عند غير المسلم. ثالثاً: هناك فقيهان حنبليان جليلان، هما: شيخ الإسلام (ابن تيمية) ، وتلميذه وناشر آرائه (ابن قيم الجوزية) ، هذان الفقيهان لا يريان وجوب كون الطبيب مسلماً، حتى في حالة وجود الطبيب المسلم. وقولهما هو الصحيح، وهو الذي نختاره ونميل إليه. ذلك لأن المدار والمعول عليه في الطب، هو ما يوجب غلبة الظن. وهذا كما يوجد ويتوافر في الطبيب المسلم، يوجد ويتوافر كثيراً في غير المسلم، وذلك بالتجربة والممارسة. هذا، وليس قول هذين الفقيهين الجليلين من الكلام الملقى على عواهنه، بل هو قول سديد، ورأي أصيل، مدعم بالأدلة التطبيقية، والبراهين العملية في الشريعة الإسلامية.

стр. 13173

أ- قال (ابن مفلح) الحنبلي، في كتابه النفيس، (١) نقلاً عن شيخ الإسلام ابن تيمية، ما نصه: (إذا كان اليهودي، أو النصراني، خبيراً بالطب، ثقة عند الإنسان، جاز له أن يستطب، كما يجوز له أن يودعه المال وأن يعامله. كما قال تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ [آل عمران: ٧٥] . وفي الصحيح: أن النبي ﷺ ، لما هاجر استأجر رجلاً مشركاً هادياً خريتاً (أي: ماهراً حاذقاً يهتدي لمثل خرت الإبرة. كأنه ينظر في خرت الإبرة من دقة نظره) ، وائتمنه على نفسه وماله. وكانت (خزاعة) عيبة لرسول الله ﷺ : مسلمهم وكافرهم (والعيبة: موضع السر) . وقد روي أن النبي ﷺ أمر أن يستطب (الحارث بن كلدة) وكان كافراً. وإذا أمكنه أن يستطب مسلماً، فهو كما لو أمكنه أن يودعه أو يعامله، فلا ينبغي أن يعدل عنه، وأما إذا احتاج إلى ائتمان الكتابي، أو استطبابه، فله ذلك، ولم يكن من ولاية اليهود والنصارى المنهي عنها ... إلخ) انتهى. ب- جاء في كتاب بدائع الفوائد، ما نصه: (في استئجار النبي ﷺ عبد الله بن أريقط الديلي، هادياً في وقت الهجرة، وهو كافر؛ دليل على جواز الرجوع إلى الكافر في الطب والأدوية والحساب والعيوب، ونحوها. ما لم يكن ولاية تتضمن عدالة، ولا يلزم من كونه كافراً، ألا يوثق به، في شيء أصلاً، فإنه لا شيء أخطر من الدلالة في الطريق، ولا سيما في مثل طريق الهجرة) (٢) انتهى. وأقول: إن المستند الذي استند إليه شيخ الإسلام (ابن تيمية) وتلميذه (ابن قيم الجوزية) ، هو: ما رواه الإمام البخاري في صحيحه: عن عائشة زوج النبي ﷺ قالت: ((استأجر رسول الله ﷺ ، وأبو بكر رجلاً من بني الديل، هادياً خريتاً، وهو على دين كفار قريش، فدفعا إليه راحلتيهما، وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليال براحلتيها، صبح ثلاث)) (٣)

стр. 13174

وقال ابن إسحاق في السيرة: ((استأجر عبد الله بن أرقط (أو أريقط) رجلاً من بني الدئل (أو الديل) ، وكان مشركاً، يدلهما على الطريق ودفعا إليه راحلتيهما، فكانتا عنده يرعاهما لميعادهما)) . (١) انتهى. ومعنى الدليل: الدال، وقد دله على الطريق دلالة، ودلالة؛ بفتح الدال وكسرها والفتح أعلى. والخريت: الدليل الحاذق بالدلالة. والطب: علاج الجسم والنفس. والطبيب: الحاذق من الرجال، الماهر بعلمه. والمتطبب: الذي يتعاطى علم الطب، وليس بذلك. ومعنى فلان يستطب لوجعه؛ أي: يستوصف الدواء بما يصلح لدائه ووجعه. وأما البراهين العملية، والأدلة التطبيقية على جواز الاستطباب بغير المسلم من الأطباء، فهي الواقع العملي الذي جرى عليه الرسول ﷺ ومن بعده في العصور اللاحقة، ففي سنن الإمام أبي داود وغيره: أن سعد بن أبي وقاص ﵁ مرض، فأمره رسول الله ﷺ أن يأتي الحارث بن كلدة، فيستوصف في مرضه الذي نزل به، فأتاه فعالجه فكأنما أنشط من عقال. (٢) ومعلوم أن الحارث بن كلدة كان طبيب العرب في وقته، وأصله من ثقيف، من أهل الطائف؛ رحل إلى أرض فارس، وأخذ الطب عن أهل تلك الديار وغيرها، في الجاهلية، ومهر في هذه المهنة. وأدرك الإسلام، ومات في نأنأة الإسلام (أي في أول الإسلام) ، ولم يصح إسلامه، كما ذكر ذلك حافظ أهل المغرب. ابن عبد البر الأندلسي القرطبي. (٣) فيدل هذا على أنه يجوز مشاورة أهل الكفر واستطبابهم، إذا كانوا من أهله. وقد عني الخلفاء المسلمون، في جميع العهود، عناية شديدة باختيار أطبائهم، وكان في بلاط الخلفاء والأمراء، أطباء من اليهود والنصارى والصابئة. ويذكر التاريخ وكتب التراجم والطبقات، من الأطباء النصارى، الذين حازوا قصب السبق في بلاط الخلفاء العباسيين (ابن ماسويه) طبيب هارون الرشيد.

стр. 13175

واشتهرت بالطب في ذلك العهد (أسرة بختيشوع) ، وكان منهم على وجه التحديد: أولاً- جورجيس بن بختيشوع: في صدر الدولة العباسية، رأى الخليفة المنصور وعالجه، وكان نصرانياً. ثانياً- بختيشوع بن جورجيس: وهو مشهور مقدم عند الملوك، عالج هارون الرشيد، والأمين، والمأمون، والمعتصم، والواثق، والمتوكل. وكانت الخلفاء تثق به على أمهات أولادهم. ثالثاً- جبرائيل بن بختيشوع: وكان طبيباً حاذقاً نبيلاً، خدم الرشيد ومن بعده، وحل محل أبيه بختيشوع عند الخلفاء. (١) وقد لزم سنان الصابئ - وهو ابن ثابت بن قرة - الخليفة القاهر. وكان هذا الطبيب يحمل إجازة طبية رسمية من أحد المعاهد. ذلك أن الراغبين في الاشتغال بمهنة الطب، كان يفرض عليهم أن ينجحوا في الامتحان، وأن تمنح لهم الإجازات التي تحدد العمل الذي يسمح لهم بمزاولته. وقد فاقت شهرة الأطباء المسلمين شهرة غيرهم ممن سبقوهم وممن وجد في عصرهم؛ أمثال الرازي، فقد كان طبيباً وصيدلياً وجراحاً وكيميائياً. وكان ابن سينا يمارس مهنة الطب، وله فيها شهرة فائقة، وكتابه (القانون في الطب) أكبر مرجع في هذا الفن في عصره. وهناك معلومات مستفيضة عن الأطباء موجودة في كثير من المؤلفات؛ منها: عيون الأنباء في طبقات الأطباء لابن أبي أصيبعة، وتاريخ الحكماء لابن القفطي، ونفح الطيب لابن المقري، وغيرها كثير.

стр. 13176

بقي أن نقول: إن ما جاء في النهي من الله تعالى والتشديد في وجوب مجانبة المخالف في الدين واعتزاله؛ لا يدخل في باب المعاملات، وإنما يدخل في الديانات. ، فالله نهى المؤمنين أن يتخذوا من الكفار واليهود والنصارى أخلاء يأنسون بهم في الباطن من أمورهم، ويفاوضونهم في الآراء، ويستنيمون إليهم، ويستعينون بهم، ويتحالفون بهم، ويتحالفون معهم في الحرب والنصرة والخلطة المؤدية إلى الامتزاج والتعاضد، والسكون والاطمئنان، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾ [آل عمران: ١١٨] . ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ﴾ [المائدة: ٥١] . وأما معاملة اليهود والنصارى، من غير مخالطة ومجالسة وملابسة، واستعانة في الحرب، فلا يدخل في النهي؛ فقد عامل رسول الله ﷺ يهودياً في المدينة يقال له: (أبو الشحم) ورهن عنده درعه، ومات ﷺ وبقيت درعه مرهونة. هذا وبالله تعالى التوفيق لأقوم طريق.

стр. 13177

الباب الثاني مسؤولية الطبيب (٢) مسؤولية الطبيب شروط انتفاء المسؤولية عن الطبيب في الشريعة الإسلامية ضمان الطبيب، المقصود من ضمان الطبيب ما يسأل عنه الطبيب من الأخطاء وما لا يسأل عنه في الشريعة الإسلامية

стр. 13178

الفصل الأول الكلام على معنى المسؤولية ومشروعيتها في الفقه الإسلامي أولاً- معنى المسؤولية: لعل كلمة (مأخوذية) الواردة في كلام الإمام الشافعي في كتابه (الأم) (١) أقرب ما تؤدي المعنى المراد من كلمة مسؤولية في التعبير القانوني الحديث، ذلك أن سؤال المرء قد يكون فيما لا تبعة فيه، فأما (المأخوذية) فإنما تكون فيما فيه مؤاخذة وتبعة معاً. على أن الناظر في كتب الفقه الإسلامي، لا يجد لكلمة مسؤولية مكاناً فيها، لأنها لفظة محدثة، يجد أن الفقهاء قد عبروا عنها بلفظ (الضمان) . ومع ذلك، فإننا مضطرون إلى استعمال كلمة (مسؤولية) مجاراة لأهل العصر، مع ما أشرنا إليه من أنها محدثة. هذا ولعل من الواضح، أن تضمين الإنسان هو: الحكم عليه بتعويض الضرر الذي أصاب غيره من جهته. والضرر نوعان: الأول- ما يصيب الإنسان في نفسه. الثاني- ما يصيبه في ماله. فالأول- كإتلاف نفس أو عضو فيها. والثاني- كإتلاف ماله أو جزء منه. وكما أن الضرر يتنوع باعتبار محله إلى هذين النوعين، يتنوع باعتبار سببه إلى عدة أنواع: منها- ما ينشأ عن مخالفة عقد بين المعتدي والمعتدى عليه. ومنها- ما ينشأ بالاستيلاء على ملك الغير بطريق القهر، كالغصب. ومنها- ما ينشأ عن إتلاف مال الغير. ولك أن تقول بناء على ذلك: إن المسؤولية لا بد في تحققها من ضرر ترتب على إخلال بحق ثابت للغير. فلا مسؤولية حيث لا إخلال بحق الغير، ولا مسؤولية حيث لا ضرر.

стр. 13179

الأصل الشرعي للمسؤولية: قرر القرآن الكريم - وهو الأصل للتشريع الإسلامي –مبدأ المسؤولية المدنية فيما يتعلق بحق الله، بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [المائدة: ٩٥] . وقررها فيما يتعلق بحق الصيد وهو القتل الخطأ بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: ٩٢] . وقررت السنة النبوية المطهرة –وهي الأصل الثاني من أصول التشريع –مبدأ المسؤولية فيما يتعلق في حق الإنسان من عدة أوجه. وإن الذي يهمنا منها ههنا، ما قررته على الطبيب الذي يعالج الناس، وهو ليس أهلاً للعلاج، فيتلف ما يعالجه. وذلك ما رواه عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : ((من تطبب ولم يعلم منه طب قبل ذلك فهو ضامن)) . (١) قال الإمام الخطابي في معالم السنن (٢) : (لا أعلم خلافاً في المعالج إذا تعدى فتلف المريض كان ضامناً، والمتعاطي علماً أو عملاً لا يعرفه متعدي، فإذا تولد من فعله تلف، ضمن الدية، وسقط عنه القود؛ لأنه لا يستبد بذلك دون إذن المريض، وجناية الطبيب في قول عامة الفقهاء على عاقلته) اهـ. وقال الإمام البغوي في شرح السنة: (٣) إذا أخطأ الطبيب في المعالجة، فحصل منه التلف، تجب الدية على عاقلته. قال الإمام البغوي: وكذلك من تطبب بغير علم. ثم روى حديث: ((من تطبب ولم يعلم منه طب فهو ضامن)) . هذا ومن تتبع السنة وقضاء الرسول ﷺ ، وأصحابه - رضوان الله عليهم - من بعده يجد كثيراً من جزئيات المسؤولية المدنية. ونحن نكتفي بهذا القدر الذي يخص مسؤولية الطبيب مع ما ثبت من روايات متعددة عنه ﷺ من قوله: ((لا ضرر ولا ضرار)) . (٤) فإنه قاعدة كلية يرجع إليها في تطبيق جزئيات المسؤولية والمؤاخذة بها، وقد كانت هذه الوقائع وغيرها أساساً لقواعد عامة ثبتت عند الفقهاء كأصل من أصول الشريعة المسلم بها عند الجميع، ومن ذلك قولهم: (الضرر يزال) . (والضرر مرفوع بقدر الإمكان) ، (والضرر الخاص يتحمل لدفع الضرر العام) ، وكان لهذه القواعد أثر كبير في تطبيق مبدأ المسؤولية عن الضرر، وكان لها في الوقت نفسه أثر بالغ في رفع المسؤولية كما قرروه في أكل الميتة للمضطر وإساغة اللقمة بالشراب المحرم، والتلفظ بكلمة الكفر للإكراه، وفي أخذ مال الممتنع عن أداء الدين بغير إذنه، وفي دفع الصائل أو المنتهب أو المتلصص أو الباغي. (٥)

стр. 13180

سبب المسؤولية ودرجاتها: السبب هو ما جعله الشارع علامة على مسببه، وربط وجود المسبب بوجوده وعدمه بعدمه، بحيث يلزم في وجود السبب وجود المسبب ومن عدمه عدمه. (١) والشرط هو ما يتوقف وجود الحكم الشرعي على وجوده، ويلزم من عدمه عدم الحكم. (٢) وسبب المسؤولية الجنائية ارتكاب المعاصي؛ أي: إتيان المحرمات التي حرمتها الشريعة، وترك الواجبات التي أوجبتها، وإذا كان الشارع قد جعل ارتكاب المعاصي سبباً للمسؤولية الجنائية، إلا أنه جعل الوجود الشرعي للمسؤولية موقوفاً على توفر شرطين لا يغني أحدهما عن الآخر وهما: أ- الإدراك. ب- الاختيار. فإذا انعدم أحد هذين الشرطين، انعدمت المسؤولية الجنائية، وإذا وجد الشرطان معاً، وجدت المسؤولية. فالسرقة معصية حرمها الشارع، وجعل القطع عقوبة لفاعلها، فمن سرق مالاً من آخر فقد جاء بفعل هو سبب للمسؤولية الجنائية، ولكنه لا يسأل شرعاً إلا إذا وجد فيه شرطا المسؤولية وهما: الإدراك والاختيار، فإن كان غير مدرك كمجنون مثلاً، فلا مسؤولية عليه، وإن كان مدركاً ولكنه غير مختار فلا مسؤولية عليه أيضاً. والعصيان في الشريعة يقابل الخطأ والخطيئة La Faute في تعبير القوانين الوضعية، ولكن التعبير بالعصيان أدق في دلالته على المعنى المقصود، وهو مخالفة أمر الشارع من التعبير بالخطأ والخطيئة. (٣) رأينا فيما سبق أن الوجود الشرعي للمسؤولية يتوقف على وجود العصيان، فمن الطبيعي إذن أن تكون درجات المسؤولية تابعة لدرجات العصيان.

стр. 13181

والأصل في هذه المسألة أن الشريعة الإسلامية تقرر دائماً الأعمال بالنيات، وتجعل لكل امرئ نصيباً من نيته، وهذا يتمثل في قوله ﵊: ((إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى)) (١) والنية محلها القلب ومعناها القصد، وتطبيقاً لقاعدة اقتران الأعمال بالنيات، لا تنظر الشريعة للجناية وحدها عندما تقرر مسؤولية الجاني، وإنما تنظر إلى الجناية أولاً وإلى قصد الجاني ثانياً، وعلى هذا الأساس ترتب مسؤولية الجاني، (٢) والمعاصي التي يمكن أن تنسب للإنسان المدرك المختار فيسأل عنها جنائياً لا تخرج عن نوعين: أولاً- نوع يأتيه الإنسان وهو ينوي إتيانه ويقصد عصيان الشارع. ثانياً- نوع يأتيه الإنسان وهو ينوي إتيانه ولا يقصد عصيان الشارع، أو لا ينوي إتيانه لا يقصد العصيان، ولكن الفعل يقع بتقصيره أو بتسببه. فالنوع الأول: هو ما يتعمده قلب الإنسان. والنوع الثاني: هو ما يخطئ به. ولما كانت الشريعة الإسلامية تقرن الأعمال بالنيات كما قلنا، فقد فرقت في المسؤولية الجنائية بين ما يتعمد الجاني إتيانه وبين ما يقع من الجاني نتيجة خطئه؛ إذ جعلت مسؤولية الجاني العامد مغلظة ومسؤولية الجانب المخطئ مخففة، وعلة التغليظ على العامد أنه يتعمد العصيان بفعله وقلبه، فجريمته متكاملة. وعلة التخفيف على المخطئ أن العصيان لا يخطر بقلبه وإن تلبس بفعله فجريمته غير متكاملة.

стр. 13182

وقد فرق القرآن بين العامل والمخطئ بقوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥] . وهكذا تتنوع المسؤولية الجنائية وتتعدد درجاتها بحسب تنوع العصيان وتعدد درجاته. علة ارتفاع المسؤولية الجنائية: بينا فيما سبق أن المسؤولية الجنائية تقوم على أسس ثلاثة وهي: ١- إتيان فعل محرم. ٢- أن يكون الفاعل مختاراً. ٣- أن يكون الفاعل مدركاً. فإذا توفرت هذه الأسس الثلاثة توفرت المسؤولية الجنائية، وإذا انعدم أحدها لم يعاقب الجانب على فعله، على أن عدم العقاب لا يرجع في كل الحالات إلى سبب واحد بعينه، فإذا لم يكن الفعل محرماً فلا مسؤولية إطلاقاً؛ لأن الفعل غير محرم، والمسؤولية لا تكون قبل كل شيء إلا عن فعل محرم، وإذا كان الفعل محرماً، ولكن الفاعل فاقد الإدراك أو الاختيار، فالمسؤولية الجنائية قائمة، ولكن العقاب يرتفع عن الفاعل لفقدانه الإدراك أو الاختيار. أسباب الإباحة: الأصل في الشريعة الإسلامية أن الأفعال المحرمة محظورة على الكافة بصفة عامة، لكن الشارع رأى استثناء من هذا الأصل أن يبيح بعض الأفعال المحرمة لمن توفرت فيهم صفات خاصة؛ لأن ظروف الأفراد أو ظروف الجماعة تقتضي هذه الإباحة، ولأن هؤلاء الذين تباح لهم الأفعال المحرمة يأتونها في الواقع لتحقيق غرض أو أكثر من أغراض الشارع. فالجرح محرم على الكافة، ولكن لما كانت حياة الإنسان أو راحته قد تتوقف على عملية جراحية، فقد أبيح للطبيب بصفة خاصة جرح المريض لإنقاذه من آلامه أو لإنقاذ حياته، لأن الضرورات تبيح المحظورات، ولأن الشريعة تحض على التداوي من الأمراض وتوجب على المرء أن لا يلقي بنفسه إلى التهلكة، فإحداث الجرح يحقق من أغراض الشارع دفع الضرر والتداوي من المرض، وإنقاذ النفس من الهلكة. وإذا كان الفعل المحرم قد أبيح لتحقيق مصلحة معينة، فقد وجب منطقياً أن لا يؤتى الفعل المحرم إلا لتحقيق المصلحة التي أبيح من أجلها، فإن ارتكب الفعل بغرض آخر فهو جريمة، فالطبيب الذي يجرح مريضاً بقصد علاجه يؤدي واجباً كلف به، فعمله مباح، ولكنه إذا جرح المريض بقصد قتله فهو قاتل وعمله جريمة. (١)

стр. 13183

الفصل الثاني الكلام على أسباب المسؤولية، وطرق رفعها، وتضمين الطبيب الجاهل تنوع أسباب المسؤولية: أشرت فيما سبق، وأنا أتكلم على معنى المسؤولية في الفقه الإسلامي، إلى أن المسؤولية تتنوع باعتبار سببها إلى عدة أنواع: المسؤولية الناشئة عن مباشرة الإتلاف: معلوم في الاصطلاح الفقهي أن الأضرار تكون مباشرة أو تسبباً. فالأولى: تحصل دون أن يتخلل بينها وبين الفاعل فعل آخر، أو علة أخرى. والثانية: تحصل كنتيجة منتظرة لحدوث سبب يفضي إليها غالباً. وقد أوضحت ذلك مجلة الأحكام العدلية العثمانية، المبنية على المصادر الحنفية في باب الإتلاف بقولها: أ- الإتلاف مباشرة هو: إتلاف الشيء بالذات من غير أن يتخلل بين فعل المباشر والتلف فعل آخر. ب- الإتلاف تسبباً هو: السبب في تلف شيء. يعني أن يحدث أمر في شيء ما يفضي عادة إلى تلف شيء آخر. ويقال لفاعله: متسبب. فإن من قطع حبل قنديل معلق، يكون سبباً مفضياً لسقوطه على الأرض وانكساره، ويكون حينئذ قد أتلف الحبل مباشرة وكسر القنديل تسبباً. (١)

стр. 13184

وكذا إذا شق واحد ظرفاً فيه سمن وتلف ذلك السمن، يكون قد أتلف الظرف مباشرة، والسمن تسبباً. المادة رقم ٨٨٨: ومن القواعد المقررة في هذه المسألة أيضاً، أنه: (إذا اجتمع المباشر والمتسبب، يضاف الحكم إلى المباشر) . مثلاً: لو حفر رجل بئراً في الطريق العام، فألقى أحد حيوان شخص في تلك البئر، ضمن الذي ألقى الحيوان، ولا شيء على حافر البئر. (١) وبمعناه ورد في قواعد ابن رجب الحنبلي أنه: (إذا استند إتلاف أموال الآدميين ونفوسهم إلى مباشر وسبب، تعلق الضمان بالمباشر دون السبب، إلا أن تكون المباشرة مبنية على السبب) . (٢) هذا هو الأصل، ولكن الفقهاء استثنوا منه بعض الأحوال، حيث كان المتسبب ضامناً بالاشتراك مع المباشر، أو حيث كان ضامناً وحده. وقد أضربنا صفحاً عن ذكر ذلك، لأنه خارج عن دائرة بحثنا وما نحن بسبيله. والمهم هنا هو أن الفقهاء قد اتفقوا على أن من أتلف مالاً أو نفساً أو عضواً من نفس، بغير حق شرعي، فعليه مسؤولية ما أتلف. وأن من فروع مسؤولية الإتلاف: مسؤولية الطبيب إذا أخطأ، وجاوز الحد المعتاد، أو أهمل في العلاج، أو لم يكن من أهل الطب. وفي تقرير هذه المسؤولية، حفظ للأرواح البشرية، من تلاعب بعض الأطباء بها، وحفظ لهم على التنبه إلى واجبهم، واتخاذ الحيطة اللازمة في صناعتهم المتعلقة بحياة الناس.

стр. 13185

طريق رفع المسؤولية: قد يحصل الضرر بفعل أو تسبب، ولكن ترتفع المسؤولية عن الفاعل أو المتسبب فلا يحكم عليه بضمان التلف، فإذا لم يحكم عليه بالضمان، فذلك هو المقصود من رفع المسؤولية. ونستطيع أخذاً من الفروع الفقهية أن نعد من طريق رفع المسؤولية التلف الحاصل بسريان العملية الجراحية، التي وقعت معتادة، ولم يهمل الطبيب علاجها. ويعلل الفقهاء ذلك بأن الهلاك ليس بمقارن للعمل، وإنما هو بالسراية بعد تسلم العمل، والتحرز عنها غير ممكن، لأن السراية تبنى على قوة الطباع وضعفها في تحمل الألم، وما هو كذلك مجهول، والاحتراز عن المجهول غير متصور، فلم يمكن التقييد بالمصلح من العمل، لئلا يتقاعد الناس عنه مع مسيس الحاجة إليه. (١) كذلك نستطيع أن نعد من طرق رفع المسؤولية: رضاء المجني عليه، أو وليه إن كان قاصراً، ذلك أن الصلة بين الطبيب والمريض تحكمها أحكام عقد الإيجار. ومعلوم أن قيام العقد، يستلزم توافق إرادتين: إرادة الطبيب، وإرادة المريض أو وليه. هذا مع التنبيه إلى أن الفقهاء، لم يقصروا عدم المسؤولية على الرضا فحسب، بل نصوا على أن عدم المسؤولية منوط بالإذن إذا كان العمل معتاداً، ولم يجاوز الطبيب الرسم المتبع في أعماله. أي أن تكون أعماله موافقة للقواعد الطبية التي تتبع في كل حادثة على حدتها. (٢) وإذا قد قطعنا هذه المرحلة من الفصل، فلنشرع بالكلام في التفصيل على مسؤولية الطبيب في الفقه الإسلامي، فنقول: اعلم –علمت الخير- أن الطب ذلك العمل الإنساني الخطير، قد ينتحله بعض من لا يحسنه، وقد يقوم به من لا يرقب في الله خشية ولا ذمة، ومن لا خلاق له من دين أو خلق. ومن أجل ذلك بين الفقه الإسلامي الأحكام الصارمة الرادعة لمن يزاوله وهو لا يتقنه، ومن لا يرعى فيه الحقوق الإنسانية حق رعايتها.

стр. 13186

تضمين الطبيب الجاهل بالطب: روى أبو داود، والنسائي، وابن ماجه، أن رسول الله ﷺ قال: ((من تطبب ولم يعلم منه طب قبل ذلك، فهو ضامن)) . (١) أي أن من تعاطى علم الطب وأعماله، وهو لا يعرفه معرفة جيدة، فهو ضامن لما أتلفه، فإن أتلف عضواً كانت عليه ديته، وإن أتلف الجسم كله ضمن دية النفس. وهذا محل اتفاق بين العلماء. قال الإمام الخطابي: لا أعلم خلافاً في أن المعالج إذا تعدى فتلف المريض، كان ضامناً، والمتعاطي علماً أو عملاً لا يعرفه متعد، فإذا تولد من فعله التلف، ضمن الدية. وجناية المتطبب على عاقلته في قول عامة الفقهاء. (٢) مسؤولية الطبيب الحاذق: بينا في الفقرة السابقة، مسؤولية الطبيب الجاهل، وذكرنا اتفاق أهل العلم على تضمينه الضرر المترتب على فعله. ونتكلم الآن في هذه الفقرة على مسؤولية الطبيب الحاذق، بيد أننا قبل أن نأخذ فيما نحن بسبيله، نذكر الضوابط التي وضعها الفقهاء فيمن يباح له مباشرة الطب ونوجزها فيما يلي: ١- أن يكون المعالج من ذوي الحذق في صناعته، وله بها بصارة ومعرفة. ٢- أن يكون الباعث على عمله، علاج المريض وشفاءه، فإذا حدث أن طلب شخص منه أن يقطع له جزءاً سليماً من جسمه، حتى يعفى من الخدمة العسكرية حقت عليه المؤاخذة. ٣- يجب أن تكون أعماله على وفق الرسم المعتاد، أي موافقة للقواعد الطبية التي تتبع في كل حادثة على حدتها. ٤- إذن المريض، فإنه يشترط أن تكون المعالجة بناء على إذن المريض أو وليه، ولا بد أن يكون حراً بالغاً عاقلاً، فإن لم يأذن له وعالجه دون إذن ضمن ما جنت يداه، لخروج عمله من دائرة الإباحة إلى دائرة التعدي. (٣) هذا فضلاً عن أن من حق المريض، أن يختار الطبيب الذي يعالجه؛ لأن الثقة بين المريض والطبيب لها تأثيرها في الشفاء، ذلك إذا كان المريض في حالة صحية تسمح له بذلك.

стр. 13187

تقييد الإذن بالسلامة: من القواعد الفقهية المقررة في الفقه الإسلامي، أن المتولد من فعل مأذون فيه لا يكون مضموناً، ويستثنى من ذلك ما كان مشروطاً بسلامة العاقبة. (١) وقد قسم السادة الحنفية الحقوق التي تثبت للمأذون قسمين: أ- حقوق واجبة: ولا فرق بين أن تكون بإيجاب الشارع، كحق الإمام في إقامة الحد وفي القصاص والتعزير، وبين أن تكون واجبة بإيجاب العقد، كعمل الفصاد، (٢) والحجام، (٣) والختان، (٤) وغيرها. وهذه الحقوق جميعها، لا يشترط فيها سلامة العاقبة، لأنه لا ضمان فيها إلا بالتجاوز عن الموضع المعتاد. وعليه، فلا ضمان على حجام وبزاغ (٥) أو فصاد، لم يجاوز الموضع المعتاد، فإن جاوز ضمن الزيادة كلها إذا لم يهلك، وإن هلك ضمن نصف دية النفس، فلو قطع الختان الحشفة، وبرئ المقطوع، تجب عليه دية كاملة، وإن مات فالواجب عليه نصفها، هذه عبارة (الدر المختار) . وقد علق صاحب رد المحتار على هذه العبارة بقوله: (لم يجاوز الموضع المعتاد) أي وكان بالإذن. قال في (الكافي) : عبارة المختصر ناطقة بعدم التجاوز وساكتة عن الإذن،، وعبارة الجامع الصغير ناطقة بالإذن ساكتة عن التجاوز. ويستفاد من مجموع الروايتين، اشتراط عدم التجاوز والإذن، لعدم الضمان؛ حتى إذا عدم أحدهما أو كلاهما يجب الضمان. (٦) ب- حقوق مباحة: كحق الولي في التأديب عند أبي حنيفة، وحق الزوج في التعزير فيما يباح له ونحوهما. وهذه الحقوق تتقيد بوصف السلامة. (٧) وبالنظر في ذلك عند بقية المذاهب، يتبين أنهم كالحنفية في هذا المعنى مع شيء من الخلاف الطفيف ففي تحديد الحقوق التي تتقيد لوصف السلامة، والتي لا تتقيد بها، تبعاً لاختلاف أنظارهم في تعليل الفعل.

стр. 13188

وإليك ما جاء في كل مذهب على حدة: ١- ذكر الدردير في شرحه الصغير في باب الإجارة: (وكذا الختان وقلع الضرس والطب، فلا ضمان إلا بالتفريط) قال الصاوي في حاشيته عليه: قوله: (إلا بالتفريط) ، هذا إذا كان الخاتن والطبيب من أهل المعرفة، ولم يخطئ في فعله، فإن أخطأ فالدية على عاقلته، فإن لم يكن من أهل المعرفة عوقب. وفي كون الدية على عاقلته أو في ماله قولان: الأول لابن القاسم، والثاني لمالك، وهو الراجح، لأن فعله عمد والعاقلة لا تحمل عمداً. (١) اهـ. ٢- وقد نص في مذهب الشافعي على أنه: إذا كان على رأس بالغ عاقل سلعة (٢) لم يجز قطعها بغير إذنه، فإن قطعها قاطع بإذنه فمات، لم يضمن لأنه قطع بإذنه، وإن قطعها بغير إذنه فمات، وجب عليه القصاص؛ لأنه تعدى بالقطع، وإن كانت على رأس صبي أو مجنون، لم يجز قطعها؛ لأنه جرح لا يؤمن معه الهلاك، فإن قطعت فمات منه، نظر، فإن كان القاطع لا ولاية له عليه، وجب عليه القود، لأنها جناية تعدى بها، وإن كان أباً أو جداً وجبت عليه الدية، وإن كان ولياً غيرهما: ففيه قولان: (أحدهما) : أنه يجب عليه القود، لأنه قطع منه ما لا يجوز قطعه. (والثاني) : أنه لا يجب عليه القود، لأنه لم يقصد القتل، وإنما قصد المصلحة. فعلى هذا يجب عليه دية مغلظة، لأنها عمد خطأ وبالله التوفيق. (٣) وقال الإمام الشافعي: (٤) (وإذا أمر الرجل أن يحجمه أو يختن غلامه أو يبيطر دابته فتلفوا من فعله، فإن كان فعل ما يفعل مثله مما فيه الصلاح للمفعول به عند أهل العلم بتلك الصناعة، فلا ضمان عليه، وإن كان فعل ما لا يفعل مثله من أراد الصلاح، وكان عالماً به، فهو ضامن) .

стр. 13189

وقال في موضع آخر: (١) والوجه الثاني الذي يسقط فيه العقل (يعني: الدية) أن يأمر الرجل به الداء الطبيب أن يبط (يشق) جرحه، أو الأكلة (الحكة) أن يقطع عضواً يخاف مشيها إليه، أو يفجر له عرقاً، أو الحجام أن يحجمه، أو الكاوي أن يكويه، أو يأمر أبو الصبي وسيد المملوك الحجام أن يختنه، فيموت في شيء من هذا، فلا عقل ولا مأخوذية (مسؤولية) إن حسنت نيته –إن شاء الله تعالى- وذلك أن الطبيب والحجام، إنما فعلاه للصلاح بأمر المفعول به. اهـ. ٣- والحنابلة قد ذكروا هذا أو قريباً منه، فقد ذكر ابن قدامة (٢) –عند قول الخرقي: (ولا ضمان على حجام ولا ختان، ولا متطبب إذا عرف منهم حذق الصنعة، ولم تجن أيديهم) . وجملته: أن هؤلاء إذا فعلوا ما أمروا به، لم يضمنوا لشرطين: (أحدهما) أن يكونوا ذوي حذق في صناعتهم، ولهم بصارة ومعرفة، لأنه إذا لم يكن كذلك، لم يحل له مباشرة القطع، وإذا قطع مع هذا، كان فعلاً محرماً، فيضمن سرايته، كالقطع ابتداء. إلى أن قال: (فصل) : وإن ختن صبياً بغير إذن وليه أو قطع سلعة من إنسان بغير إذنه،، أو من صبي بغير إذن وليه، فسرت جنايته، ضمن لأنه قطع غير مأذون فيه، وإن فعل ذلك الحاكم، أو من له ولاية عليه، أو فعله من أذن له، لم يضمن؛ لأنه مأذون فيه شرعاً. اهـ. على أن بعض الفقهاء ذهب إلى أن الطبيب لا يسأل إلا إذا ارتكب خطأ فاحشاً في عمله، وهو الخطأ الذي لا يمكن أن يقع فيه طبيب آخر. (٣) وبالجملة: فإن الطبيب إذا راعى حقه في عمله، ثم نتج عن فعله ضرر لحق المريض، ولا يمكن الاحتراز عنه، فلا ضمان عليه، لأن الطبيب إذا كان يستعمل حقه في حدوده المشروعة، فهو يقوم بواجبه في الوقت نفسه، والأصل أن الواجب لا يتقيد بوصف السلامة، وعلله بعض الفقهاء بما عرف في الفقه من أن شرط الضمان على الأمين باطل (٤)

стр. 13190

والآن وقد جاوزنا بك هاتين المرحلتين: إذن الشارع، وإذن المريض، وأريناك أن الطبيب الحاذق، لا يسأل عن الضرر الذي يصيب المريض، ولو مات المريض بسبب العلاج، ما دام المريض قد أذن له بعلاجه، ولم يقع من الطبيب خطأ في هذا العلاج، بل كان الضرر نتيجة لأمر لم يكن في الحسبان. وأريناك أيضاً أن عمل الطبيب عند الإذن بالعلاج أو عند طلبه يعد واجباً، والواجب لا يتقيد بشرط السلامة، والضمان على الأمين باطل، فقد وجب علينا أن ننتقل بك إلى المرحلة الثالثة، لنبحث عن ذلك في أفق خارج عن هذا الأفق، والله الموفق. الحالات العاجلة التي لا يمكن فيها انتظار الحصول على إذن المريض: إن الفقه الإسلامي العظيم، لم يهمل ذلك، فقد عرض له العلامة ابن قيم الجوزية في كتابه القيم (إعلام الموقعين عن رب العالمين) في مبحث: (جريان العرف مجرى النطق) حيث قال بعد كلام طويل فيما جرى فيه العرف مجرى النطق: (ومنها لو رأى شاة غيره تموت، فذبحها حفظاً لماليتها عليه، كان ذلك أولى من تركها تذهب ضياعاً، وإن كان من جامدي الفقهاء من يمنع ذلك ويقول: هذا تصرف في ملك الغير، ولم يعلم هذا اليابس أن التصرف في ملك الغير إنما حرمه الله تعالى لما فيه من الإضرار به، وترك التصرف هاهنا هو الإضرار. ومنها لو استأجر غلاماً فوقعت الأكلة في طرفه، فتيقن أنه إن لم يقطعه سرت إلى نفسه فمات، جاز له قطعه ولا ضمان) (١) إلى آخر ما ذكره في الفروع في هذا البحث القيم، وكان قد عرض لمثله من قبل الإمام الحافظ الألمعي (أبو محمد) علي بن حزم الظاهري في كتابه القيم (المحلى) فقال ما نصه: (من قطع يداً فيها أكلة، أو قلع ضرساً وجعة أو متآكلة بغير إذن صاحبها أو بغير إرادته.

стр. 13191

قال أبو محمد: قال الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢] . وقال سبحانه: ﴿فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] . فالواجب استعمال هذين النصين من كلام الله تعالى، فينظر، فإن قامت بينة أو علم الحاكم أن تلك اليد لا يرجى لها براء ولا توقف، وأنها مهلكة ولابد، ولا دواء لها إلا القطع، فلا شيء على القاطع، وقد أحسن، لأنه دواء، وقد أمر رسول الله ﷺ بالمداواة. وهكذا القول في الضرس إذا كان شديد الألم، قاطعاً به عن صلاته ومصالح أموره، فهذا تعاون على البر والتقوى. قال أبو محمد: فمن داوى أخاه المسلم، كما أمره الله تعالى على لسان نبيه ﷺ ، فقد أحسن، قال تعالى: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [التوبة: ٩١] . وأما إذا كان يرجى للأكلة برء أو توقف، وكان الضرس يتوقف أحياناً، ولا يقطع شغله عن صلاته ومصالح أموره، فعلى القاطع والقالع القود، لأنه حينئذ متعد، وقد أمر الله تعالى بالقصاص في القود) (١) ومثل هذا أو أصرح منه، كلمة ذكرها شراح مختصر خليل عند قوله: (وترك مواساة وجبت بخيط ونحوه لجائفة) . يعني: إذا جرح الإنسان جرحاً يخشى منه الموت، سواء أكان جائفة أفضت لجوفه، أم غير جائفة، واقتضى الحال خياطته بفتلة خيط أو حرير، وجب على من كان معه ذلك، إذا كان مستغنياً عنه حالاً أو مآلاً، أو كان معه الإبرة، وكان مواساة المجروح بذلك، فإن ترك مواساته بما ذكر ومات، فإنه يضمن، ومحل الضمان ما لم يكن المجروح منفوذ المقاتل، وإلا فلا ضمان بترك المواساة، وإنما يلزم الأدب بتركها. ويضمن دية الخطأ، إن تأول في المنع، وتكون على عاقلته، والمانع واحد منهم، وإن لم يتأول في المنع، بل منع عمداً قاصداً قتله، اقتص منه، وهذه هي الطريقة المعتمدة.

стр. 13192

وقال اللخمي: (لا فرق بين التأويل وعدمه، وإن على المانع الدية في الحالين) . اهـ. هذه هي عبارة المالكية، وهي تدل على المقصود للدلالة، التي لا يبقى بعدها مجال لسائل في أمثال هذه المسائل. فالطبيب بحكم مهنته قادر على المواساة، وقادر على إنقاذ المريض بالعملية الجراحية، التي لا يحتمل المقام فيها انتظار ولي الأمر، ليؤخذ منه الإذن، فيجب عليه المواساة بما يقدر عليه من جبر كسر، أو وصل جرح بخيط أو غيره. موازنة بين الشريعة الإسلامية والقوانين الوضعية: تكاد تتفق القوانين الوضعية مع الشريعة الإسلامية في اعتبار التطبيب عملاً مباحاً كما تتفق معها في الشروط التي تمنع من المسؤولية، فتستلزم أن يكون الفاعل طبيباً، وأن يأتي الفعل بقصد العلاج وبحسن نية، وأن يعمل طبقاً للأصول الفنية، وأن يأذن له المريض في الفعل، ذلك بأن التعرض لأجسام المرضى ولو بإجراء عمليات جراحية مهما بلغت جسامتها من الأفعال التي تدخل تحت أحكام قانون العقوبات الخاصة بالضرب وإحداث الجروح. فهي في أصلها أفعال محظورة، لكن المشرع قد خول للأطباء بالقوانين التي وضعها، حق التعرض لأجسام الغير، ولو بإجراء عمليات جراحية، لأن الأعمال الطبية والجراحية وإن مست بمادة الجسم، إلا أنها لم تحقق الاعتداء على الحق الذي يحميه القانون بالعقاب، بل هي تؤدي لصيانة الجسم والمحافظة عليه. وقد قيد المشرع حق إباحة ذلك بقيود يمكن حصرها فيما يلي: ١- أن يكون القائم بإجراء ذلك الفعل قد رخص له القانون بفعله، فإذا لم يكن مرخصاً له في الفعل كان مسؤولاً، سواء تحقق الغرض الذي قصده بشفاء المجني عليه أم لم يتحقق. ٢- رضاء المريض، أو وليه إذا كان المريض غير أهل أو غير قادر على التعبير عن إرادته. والذهاب إلى الدكتور بقصد العلاج يعتبر إذناً ضمنياً بإجراء العلاج في رأي البعض، ويرى آخرون أنه لابد من الحصول على الرضا الصريح. ٣- قصد العلاج بالفعل، ولا يتحقق إلا بحسن النية الذي هو شرط لازم لكل حالات استعمال الحق، فإذا قصد الطبيب مجرد تجربة لإشباع شهوة علمية، أو بقصد منع النسل لمصلحة يتوخاها، فإن العمل يكون غير مشروع، ولو كان برضاء المجني عليه؛ لأن سلامة جسم الإنسان لا يباح المساس بها إلا بفائدة الإنسان نفسه.

стр. 13193

فللطبيب عند توافر هذه الشروط، أن يباشر الفعل على أن يبذل الجهود الصادقة التي تتفق مع الأصول العلمية. هذا وإن الشريعة الإسلامية تعتبر التطبيب واجباً، في حين تعتبره القوانين حقاً. وقد اختلف شراح القوانين ورجال القضاء في تعليل ارتفاع المسؤولية عن الطبيب. فذهب الفقه والقضاء في إنكلترا إلى أن سبب عدم المسؤولية هو رضاء المريض بالفعل، وأخذ بهذا الرأي بعض الشراح في ألمانيا وفرنسا. وذهب كثير من الشراح الفرنسيين إلى أن سبب ارتفاع المسؤولية، هو انعدام القصد الجنائي، لأن الطبيب يفعل الفعل بقصد شفاء المريض، وقد أخذ القضاء المصري حيناً بهذا الرأي، والذي استقر عليه الرأي اليوم هو أن التطبيب عمل مشروع تبيحه الدولة، وتنظمه وتشجع عليه؛ لأن الحياة الاجتماعية تقتضي ذلك. فالتطبيب بإحداث جراحة ونحوها، مباح في كل من الشريعة والقانون؛ لأنه مبني على إذن المريض أو وليه ما دام مباشر التطبيب عالماً بالطب (١)

стр. 13194

الفصل الثالث هل يمكن أن تقوم نقابة الأطباء أو شركة التأمين بدور العاقلة العاقلة: هي الدية، وتسمى عقلاً لأنها تعقل الدماء من أن تسفك أي تمسكها ومنه العقل؛ لأنه يمنع القبائح (١) والعاقلة مشتقة من العقل، وهو المنع، وسميت الدية عقلاً تسمية بالمصدر، لأن الإبل كانت تعقل بفناء ولي القتيل، ثم كثر الاستعمال حتى أطلق العقل على الدية، سواء أكانت إبلاً أم نقداً (٢) وبأداء الدية تعقل ألسنة أولياء القتيل، كما يعقل فيهم القاتل. وعاقلة الرجل قرابته من جهة أبيه، هم عصبته الذين يمنعونه، وينتصرون له، ويعقلون الإبل، ويدفعون المال تغطية لجنايته، وقد تثبت بالسنة في كثير من الأحاديث، ويمكن القول –خلافاً للأصم من الفقهاء-: إن تحميل العاقلة للدية، مخصص بالأحاديث الثابتة عمومات الكتاب، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الإسراء: ١٥] ﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا﴾ [الأنعام: ١٦٤] ونحوهما؛ والإجماع منعقد على ذلك، فلا يعتبر شذوذاً. وإن الحاجة والمصلحة تدعو إلى تشريع نظام العاقلة، لأن القاتل لو أخذ بالدية وحده، لأوشكت أن تأتي على ماله كله، إن كان لديه منه ما يقوم بها، ولو ترك بغير تغريم لأهدر دم المقتول، فكان في ذلك رعاية مصلحة الجانبين (٣) أ- ويرى الشافعية أن العاقلة عصبة الجاني من النسب باستثناء الأصل والفروع لورود النصوص باستثنائها في حديث الخشخاش العنبري، قال: ((أتيت النبي ﷺ ومعي ابن لي، فقال: ابنك هذا؟ فقلت: نعم، قال: لا يجني عليك، ولا تجني عليه)) (٤) ب- ويرى الحنفية أن العاقلة هم أهل الديوان، من الرجال البالغين المقاتلين، ويدخل فيهم الآباء والأبناء، ويستدلون لهذا بفعل عمر بحضور الصحابة، وهو أنه جعلها على أهل الدواوين والسجلات التي أنشأها.

стр. 13195

ويرون أن نظام العاقلة من قبيل التناصر، لا التغريم، وبهذا يجمع بين عمومات العواقل، والحديث الذي استدل به الشافعية؛ فلا منافاة بينهما. وقد قرر الفقهاء بناء على هذا، أن الصغار والمجانين والنساء ليسوا من العاقلة؛ لأنهم ليسوا من أهل التناصر بالمعنى المذكور، وهو في العقل، كما أن الفقراء (١) ليسوا منها؛ لأن العقل مواساة، والفقير ليس من أهلها. ولاشك في أن نظام العواقل غير موجود في أيامنا، لانقطاع سلسلة النسب وأواصر القرابة. ويرى بعض المحدثين (٢) من الفقهاء أن بيت مال المسلمين –ممثلاً في وزارة المالية في أيامنا- هو الذي يتولى دفع الدية والعقل في أحوال الوجوب، وتستطيع الحكومة أن تفرض ضرائب خاصة لهذه المصارف، وقد وجدت في الغرب صناديق خاصة لهذا الغرض، وإذا كانت الحكومة تلزم نفسها بإعانة الفقراء والعاطلين، فأولى أن تلزم نفسها بتعويض ورثة القتيل المنكوبين. وأرى أنه ما دامت العلة في العقل هي التناصر، وقد أطلق في لسان الفقه على العاقلة أنها الناصرة للقاتل (٣) فإن التناصر تقلب في التاريخ، وتعددت صوره وألوانه فقد كان قبل عمر –﵁ بالقبيلة، ثم جعله عمر كما تبين آنفاً بالديوان، والتناصر في أيامنا بالحرف والنقابات، وقد ذاعت وشاعت واتخذت لها قوانين، وأنظمة مالية خاصة، وبنود مقررة لجباية مواردها، واعترفت الحكومات في غالب الدول بأنظمتها وحصانتها، فليكن العقل في أيامنا منوطاً بهذه النقابات، فنرى أنه يمكن أن تقوم نقابة الأطباء الواردة ببحثنا هذا بدور العاقلة. بل أرى نوط الديات، وبدل الجراحات وضمان المتلفات المالية غير المعتمدة، بهذه النقابات؛ وبهذا التصميم يستغنى عن كثير من أنظمة التأمين الدخيلة، التي تستثمر بها أموالنا أصابع أجنبية عابثة، ولا تلتئم مع خلقنا الإسلامي العربي الأصيل، القائم على التناصر والإيثار، لا على الاستثمار والاستئثار.

стр. 13196

خاتمة في الآداب التي يجب على الطبيب أن يتحلى بها أ- الأدب نوعان: أدب خبرة، وأدب عشرة. قال الشاعر: يا سائلي عن أدب الخبرة أحسن منه أدب العشرة وقال الإمام الكبير عبد الله بن المبارك: (إذا وصف لي رجل له علم الأولين والآخرين، لا أتأسف على فوات لقائه، وإذا سمعت رجلاً له أدب النفس، أتمنى لقاءه وأتأسف على فوته) . وقال الأديب المتفقه ابن قتيبة: (ونحن نستحب لمن قبل عنا وأتم بكتبنا، أن يؤدب نفسه قبل أن يؤدب لسانه، ويهذب أخلاقه قبل أن يهذب ألفاظه) . فالطبيب والعالم المتأدب، أحوج إلى تأديب أخلاقه من تأديب لسانه. ب- ومن الحق علينا أن نذكر، أن فقهاء المسلمين اعتبروا الخبرة بالنفوس وأحوالها، أساساً في علم الطب. ويقول في ذلك العلامة ابن قيم الجوزية (١) : (إن الطبيب الحاذق هو الذي يكون له خبرة باعتلال القلوب والأرواح وأدويتها، وذلك أصل عظيم في علاج الأبدان، فإن انفعال البدن وطبيعته عن النفس والقلب أمر مشهود، والطبيب إذا كان عارفاً بأمراض القلب والروح وعلاجهما، كان هو الطبيب الكامل، والذي لا خبرة له بذلك – وإن كان حاذقاً في علاج الطبيعة وأحوال البدن- نصف طبيب. وكل طبيب لا يداوي العليل، بتفقد قلبه وصلاحه، وتقوية روحه.. فليس بطبيب، بل متطبب قاصر) .

стр. 13197

ج- ولو طبقنا كلام (ابن القيم) على بعض أطباء زماننا، لأخرجناهم من زمرة الأطباء الكاملين، ووضعناهم في أنصاف الأطباء على حد تعبيره ﵀ وغفر له) . فإن أطباء هذا الزمان يطرحون جانب الأحوال النفسية لمرضاهم ولا يعملون على تقويتها. د- ومن أجل ذلك، رأيت في هذه الخاتمة أن أجمع بعض ما ورد في تعاليم الإسلام وآدابه، إضافة إلى ما ورد عن الأطباء في عصور الحضارة والازدهار مما يتعلق بقواعد مزاولة مهنة الطب وآدابها، راجياً أن تكون تلك الخاتمة مسكاً وتبصرة لكل من يتبصر فيها إن شاء الله تعالى. هـ- وأول هذه القواعد والآداب، هو (قسم أبقراط) ، ولقد روجع هذا القسم على مر العصور بقصد تنقيحه وتهذيبه وإدخال بعض التحسينات عليه، وكان ممن راجعوه وعلقوا عليه (ابن رضوان) عميد أطباء القاهرة في القرن الثالث عشر، فكان مما قال: إن الطبيب –على رأي أبقراط- هو الذي اجتمعت فيه سبع خصال: الأولى- أن يكون تام الخلق، صحيح الأعضاء، حسن الذكاء، جيد الروية، عاقلاً ذكوراً، خير الطبع. الثانية- أن يكون حسن الملبس، طيب الرائحة، نظيف البدن والثوب. الثالثة- أن يكون كتوماً لأسرار المرضى، ولا يبوح بشيء من أمراضهم. الرابعة- أن تكون رغبته في إبراء المرضى، أكثر من رغبته فيما يلتمسه من الأجرة، ورغبته في علاج الفقراء، أكثر من رغبته في علاج الأغنياء. الخامسة- أن يكون حريصاً على التعليم والمبالغة في منافع الناس. السادسة- أن يكون سليم القلب، عفيف النظر، صادق اللهجة، لا يخطر بباله شيء من أمور النساء والأموال التي شاهدها في منازل الأعلاء، فضلاً عن أن يتعرض إلى شيء منها. السابعة- أن يكون مأموناً ثقة على الأرواح والأموال، ولا يصف دواء قتالاً ولا يعلمه، ولا دواء يسقط الأجنة، ويعالج عدوه بنية صادقة كما يعالج حبيبه (١)

стр. 13198

و إن المتأمل لهذه الخصال، يرى أنها – فيما عدا كونه تام الخلق صحيح الأعضاء- خصال إنسانية، وردت في تعاليم الإسلام أيضاً، منها ما هو على سبيل الاستحباب، ومنها ما هو على سبيل الفرض، ليتصف بها كل مؤمن، ولا يتسع المجال لذكر النصوص الإسلامية في ذلك. ومن الآداب الإسلامية التي يحتاج إليها الطبيب بصرف النظر عن ديانته، إضافة للخصال السابقة أذكر ما يلي: ١- القيام بالإسعاف نهاراً وليلاً على قدر الإمكان تفريجاً للكربة. ٢- التلطيف بالمريض والحلم في استجوابه وتفهيمه، مراعاة لحالته النفسية ووضعه الثقافي. ٣- اللباقة في تعريف المريض بمرضه، ومحاولة تطمينه ورفع معنوياته، وكتم الإنذار بالخطر عنه وإعلامه إلى ذويه الأقربين. ٤- الدعاء للمريض، وهو نوع من مواساة المريض بالكلمة الطيبة. ٥- إحالة المريض إلى الأخصائي، إذا كان الأمر يتطلب ذلك قياماً بالأمانة والنصيحة. ٦- إذا كان التقى عدة أطباء عند مريض، فليقدم أحدهم من هو أعلى مرتبة في الطب إن علم، وإذا تقاربوا في المرتبة، فيقدم أكبرهم سناً. ٧- الابتعاد عن الغيبة، وخاصة غيبة الزملاء وتجريحهم، فالغيبة مذمومة إنسانياً ومحرمة في الإسلام.

стр. 13199

تطبيق واحترام آداب الشريعة الإسلامية في المزاولة: ز- إن الآداب الطبية الآنفة الذكر، تشمل كل الأطباء على اختلاف أديانهم وعقائدهم. وهناك آداب للشريعة الإسلامية ينبغي على الطبيب المسلم أن يحترمها ويطبقها في أثناء مزاولته لمهنته، عند فحص المسلمين والمسلمات والكشف عليهم، منها: ١- أن يبدأ المعاينة والتشخيص المخبري بقول: (بسم الله الرحمن الرحيم) . ٢- أن لا يكشف عن العورة إلا بقدر ما تستدعيه المعاينة، لأن الضرورة تقدر بقدرها. ٣- ألا يصف دواء من المحرمات لغير ضرورة ملحة. ٤- ألا ينهي حياة مريض ميؤوس من شفائه متعذب من آلامه بأي واسطة، بل يساعده في تخفيف آلامه وتهدئة نفسه، حتى يأتي أجله المحتوم. ٥- أن لا يقوم بإجراء عملية تعقيم نهائي لغير ضرورة صحية ميؤوس من زوالها. ٦- أن تراعى أحكام الإسلام في فحص الجنس للجنس الآخر. ذلك أن الأصل في تعاليم الإسلام، هو عدم جواز معاينة ومداواة الرجل للمرأة غير المحرم أو العكس، لوجود النظر والجنس فيهما. ويستثنى من ذلك حالات الضرورة، كعدم توفر طبيبة تثق المريضة بمهارتها الطبية أو طبيبة اختصاصها كاختصاص الطبيب المعالج لها، إذا كان مرضها يتطلب اختصاصاً. فالضرورات تبيح المحظورات، والضرورة تقدر بقدرها، ومن الواجب وجود شخص ثالث عند فحص الطبيب للنساء، وبالعكس، تجنباً للخلوة بهن. على أنه في الحالات الإسعافية المستعجلة، يجوز للجنس معالجة الجنس الآخر بغض النظر عن وجود شخص ثالث، فإن الضرورات تبيح المحظورات (١) . ٧- وملاك أمر الطبيب، هو أن يجعل علاجه وتدبيره دائراً على ستة أركان، حفظ الصحة الموجودة، ورد الصحة المفقودة بحسب الإمكان، وإزالة العلة أو تقليلها بحسب الإمكان، واحتمال أدنى المفسدتين لإزالة أعظمهما، وتفويت أدنى المصلحتين لتحصيل أعظمهما.

стр. 13200

فعلى هذه الأصول الستة، مدار العلاج، وكل طبيب لا تكون هذه أخيته (ذمته) التي يرجع إليها، فليس بطبيب، والله سبحانه أعلم (١) ٨- وعليه (أعني الطبيب) أن يعتقد أن طبه لا يرد قضاء ولا قدراً، وأنه إنما يفعل امتثالاً لأمر الشرع، وأن الله تعالى أنزل الداء والدواء، وما أحسن قول ابن الرومي: غلط الطبيب علي غلطة مورد عجزت موارده عن الإصدار والناس يلحون الطبيب وإنما غلط الطبيب إصابة الأقدار (٢) ٩- وأختم أو أختتم هذه الأحكام والآداب بقول جامع مفيد –إن شاء الله تعالى-. قال العلامة محمد بن محمد بن أحمد القرشي المعروف بابن الأخوة القرشي الشافعي، المتوفى سنة (٧٢٩هـ) في كتابه (معالم القربة) بعد كلام طويل في الطب ولزومه، والأسى على قلة القائمين به من المسلمين: (والطبيب هو العارف بتركيب البدن ومزاج الأعضاء والأمراض الحادثة فيها، وأسبابها وأعراضها وعلاماتها، والأدوية النافعة فيها، والاعتياض عما لم يوجد منها، والوجه في استخراجها، وطريق مداواتها بالتساوي بين الأمراض والأدوية في كمياتها، ويخالف بينها وبين كيفياتها، فمن لم يكن كذلك، فلا يجعل له مداواة المرضى، ولا يجوز له الإقدام على علاج يخاطر فيه، ولا يتعرض لما لا علم له فيه. وينبغي أن يكون لهم مقدم من أهل صناعتهم. وينبغي إذا دخل الطبيب على المريض، أن يسأله عن سبب مرضه وعما يجد من الألم، ثم يرتب له قانوناً من الأشربة وغيره من العقاقير، ثم يكتب نسخة لأولياء المريض بشهادة من حضر معه عند المريض، وإذا كان من الغد، حضر ونظر إلى دائه وسأل المريض: هل تناقص به المرضى أم لا؟ ثم يرتب له ما ينبغي على حسب مقتضى الحال، ويكتب له نسخة ويسلمها لأهله.
следующие страницы →