خاتمة
في الآداب التي يجب على الطبيب أن يتحلى بها
أ- الأدب نوعان: أدب خبرة، وأدب عشرة.
قال الشاعر:
يا سائلي عن أدب الخبرة
أحسن منه أدب العشرة
وقال الإمام الكبير عبد الله بن المبارك:
(إذا وصف لي رجل له علم الأولين والآخرين، لا أتأسف على فوات لقائه، وإذا سمعت رجلاً له أدب النفس، أتمنى لقاءه وأتأسف على فوته) .
وقال الأديب المتفقه ابن قتيبة:
(ونحن نستحب لمن قبل عنا وأتم بكتبنا، أن يؤدب نفسه قبل أن يؤدب لسانه، ويهذب أخلاقه قبل أن يهذب ألفاظه) .
فالطبيب والعالم المتأدب، أحوج إلى تأديب أخلاقه من تأديب لسانه.
ب- ومن الحق علينا أن نذكر، أن فقهاء المسلمين اعتبروا الخبرة بالنفوس وأحوالها، أساساً في علم الطب.
ويقول في ذلك العلامة ابن قيم الجوزية (١) :
(إن الطبيب الحاذق هو الذي يكون له خبرة باعتلال القلوب والأرواح وأدويتها، وذلك أصل عظيم في علاج الأبدان، فإن انفعال البدن وطبيعته عن النفس والقلب أمر مشهود، والطبيب إذا كان عارفاً بأمراض القلب والروح وعلاجهما، كان هو الطبيب الكامل، والذي لا خبرة له بذلك – وإن كان حاذقاً في علاج الطبيعة وأحوال البدن- نصف طبيب.
وكل طبيب لا يداوي العليل، بتفقد قلبه وصلاحه، وتقوية روحه.. فليس بطبيب، بل متطبب قاصر) .
стр. 13197
ج- ولو طبقنا كلام (ابن القيم) على بعض أطباء زماننا، لأخرجناهم من زمرة الأطباء الكاملين، ووضعناهم في أنصاف الأطباء على حد تعبيره ﵀ وغفر له) .
فإن أطباء هذا الزمان يطرحون جانب الأحوال النفسية لمرضاهم ولا يعملون على تقويتها.
د- ومن أجل ذلك، رأيت في هذه الخاتمة أن أجمع بعض ما ورد في تعاليم الإسلام وآدابه، إضافة إلى ما ورد عن الأطباء في عصور الحضارة والازدهار مما يتعلق بقواعد مزاولة مهنة الطب وآدابها، راجياً أن تكون تلك الخاتمة مسكاً وتبصرة لكل من يتبصر فيها إن شاء الله تعالى.
هـ- وأول هذه القواعد والآداب، هو (قسم أبقراط) ، ولقد روجع هذا القسم على مر العصور بقصد تنقيحه وتهذيبه وإدخال بعض التحسينات عليه، وكان ممن راجعوه وعلقوا عليه (ابن رضوان) عميد أطباء القاهرة في القرن الثالث عشر، فكان مما قال: إن الطبيب –على رأي أبقراط- هو الذي اجتمعت فيه سبع خصال:
الأولى- أن يكون تام الخلق، صحيح الأعضاء، حسن الذكاء، جيد الروية، عاقلاً ذكوراً، خير الطبع.
الثانية- أن يكون حسن الملبس، طيب الرائحة، نظيف البدن والثوب.
الثالثة- أن يكون كتوماً لأسرار المرضى، ولا يبوح بشيء من أمراضهم.
الرابعة- أن تكون رغبته في إبراء المرضى، أكثر من رغبته فيما يلتمسه من الأجرة، ورغبته في علاج الفقراء، أكثر من رغبته في علاج الأغنياء.
الخامسة- أن يكون حريصاً على التعليم والمبالغة في منافع الناس.
السادسة- أن يكون سليم القلب، عفيف النظر، صادق اللهجة، لا يخطر بباله شيء من أمور النساء والأموال التي شاهدها في منازل الأعلاء، فضلاً عن أن يتعرض إلى شيء منها.
السابعة- أن يكون مأموناً ثقة على الأرواح والأموال، ولا يصف دواء قتالاً ولا يعلمه، ولا دواء يسقط الأجنة، ويعالج عدوه بنية صادقة كما يعالج حبيبه (١)
стр. 13198
و إن المتأمل لهذه الخصال، يرى أنها – فيما عدا كونه تام الخلق صحيح الأعضاء- خصال إنسانية، وردت في تعاليم الإسلام أيضاً، منها ما هو على سبيل الاستحباب، ومنها ما هو على سبيل الفرض، ليتصف بها كل مؤمن، ولا يتسع المجال لذكر النصوص الإسلامية في ذلك.
ومن الآداب الإسلامية التي يحتاج إليها الطبيب بصرف النظر عن ديانته، إضافة للخصال السابقة أذكر ما يلي:
١- القيام بالإسعاف نهاراً وليلاً على قدر الإمكان تفريجاً للكربة.
٢- التلطيف بالمريض والحلم في استجوابه وتفهيمه، مراعاة لحالته النفسية ووضعه الثقافي.
٣- اللباقة في تعريف المريض بمرضه، ومحاولة تطمينه ورفع معنوياته، وكتم الإنذار بالخطر عنه وإعلامه إلى ذويه الأقربين.
٤- الدعاء للمريض، وهو نوع من مواساة المريض بالكلمة الطيبة.
٥- إحالة المريض إلى الأخصائي، إذا كان الأمر يتطلب ذلك قياماً بالأمانة والنصيحة.
٦- إذا كان التقى عدة أطباء عند مريض، فليقدم أحدهم من هو أعلى مرتبة في الطب إن علم، وإذا تقاربوا في المرتبة، فيقدم أكبرهم سناً.
٧- الابتعاد عن الغيبة، وخاصة غيبة الزملاء وتجريحهم، فالغيبة مذمومة إنسانياً ومحرمة في الإسلام.
стр. 13199
تطبيق واحترام آداب الشريعة الإسلامية في المزاولة:
ز- إن الآداب الطبية الآنفة الذكر، تشمل كل الأطباء على اختلاف أديانهم وعقائدهم.
وهناك آداب للشريعة الإسلامية ينبغي على الطبيب المسلم أن يحترمها ويطبقها في أثناء مزاولته لمهنته، عند فحص المسلمين والمسلمات والكشف عليهم، منها:
١- أن يبدأ المعاينة والتشخيص المخبري بقول: (بسم الله الرحمن الرحيم) .
٢- أن لا يكشف عن العورة إلا بقدر ما تستدعيه المعاينة، لأن الضرورة تقدر بقدرها.
٣- ألا يصف دواء من المحرمات لغير ضرورة ملحة.
٤- ألا ينهي حياة مريض ميؤوس من شفائه متعذب من آلامه بأي واسطة، بل يساعده في تخفيف آلامه وتهدئة نفسه، حتى يأتي أجله المحتوم.
٥- أن لا يقوم بإجراء عملية تعقيم نهائي لغير ضرورة صحية ميؤوس من زوالها.
٦- أن تراعى أحكام الإسلام في فحص الجنس للجنس الآخر.
ذلك أن الأصل في تعاليم الإسلام، هو عدم جواز معاينة ومداواة الرجل للمرأة غير المحرم أو العكس، لوجود النظر والجنس فيهما.
ويستثنى من ذلك حالات الضرورة، كعدم توفر طبيبة تثق المريضة بمهارتها الطبية أو طبيبة اختصاصها كاختصاص الطبيب المعالج لها، إذا كان مرضها يتطلب اختصاصاً.
فالضرورات تبيح المحظورات، والضرورة تقدر بقدرها، ومن الواجب وجود شخص ثالث عند فحص الطبيب للنساء، وبالعكس، تجنباً للخلوة بهن.
على أنه في الحالات الإسعافية المستعجلة، يجوز للجنس معالجة الجنس الآخر بغض النظر عن وجود شخص ثالث، فإن الضرورات تبيح المحظورات (١) .
٧- وملاك أمر الطبيب، هو أن يجعل علاجه وتدبيره دائراً على ستة أركان، حفظ الصحة الموجودة، ورد الصحة المفقودة بحسب الإمكان، وإزالة العلة أو تقليلها بحسب الإمكان، واحتمال أدنى المفسدتين لإزالة أعظمهما، وتفويت أدنى المصلحتين لتحصيل أعظمهما.
стр. 13200
فعلى هذه الأصول الستة، مدار العلاج، وكل طبيب لا تكون هذه أخيته (ذمته) التي يرجع إليها، فليس بطبيب، والله سبحانه أعلم (١)
٨- وعليه (أعني الطبيب) أن يعتقد أن طبه لا يرد قضاء ولا قدراً، وأنه إنما يفعل امتثالاً لأمر الشرع، وأن الله تعالى أنزل الداء والدواء، وما أحسن قول ابن الرومي:
غلط الطبيب علي غلطة مورد
عجزت موارده عن الإصدار
والناس يلحون الطبيب وإنما
غلط الطبيب إصابة الأقدار
(٢)
٩- وأختم أو أختتم هذه الأحكام والآداب بقول جامع مفيد –إن شاء الله تعالى-.
قال العلامة محمد بن محمد بن أحمد القرشي المعروف بابن الأخوة القرشي الشافعي، المتوفى سنة (٧٢٩هـ) في كتابه (معالم القربة) بعد كلام طويل في الطب ولزومه، والأسى على قلة القائمين به من المسلمين:
(والطبيب هو العارف بتركيب البدن ومزاج الأعضاء والأمراض الحادثة فيها، وأسبابها وأعراضها وعلاماتها، والأدوية النافعة فيها، والاعتياض عما لم يوجد منها، والوجه في استخراجها، وطريق مداواتها بالتساوي بين الأمراض والأدوية في كمياتها، ويخالف بينها وبين كيفياتها، فمن لم يكن كذلك، فلا يجعل له مداواة المرضى، ولا يجوز له الإقدام على علاج يخاطر فيه، ولا يتعرض لما لا علم له فيه.
وينبغي أن يكون لهم مقدم من أهل صناعتهم.
وينبغي إذا دخل الطبيب على المريض، أن يسأله عن سبب مرضه وعما يجد من الألم، ثم يرتب له قانوناً من الأشربة وغيره من العقاقير، ثم يكتب نسخة لأولياء المريض بشهادة من حضر معه عند المريض، وإذا كان من الغد، حضر ونظر إلى دائه وسأل المريض: هل تناقص به المرضى أم لا؟ ثم يرتب له ما ينبغي على حسب مقتضى الحال، ويكتب له نسخة ويسلمها لأهله.
стр. 13201
وفي اليوم الثالث كذلك، وفي اليوم الرابع كذلك، إلى أن يبرأ المريض أو يموت، فإن برئ مرضه أخذ الطبيب أجرته وكرامته، وإن مات حضر أولياؤه عند الحكيم المشهور، وعرضوا عليه النسخ التي كتبها لهم الطبيب، فإن رآها على مقتضى الحكم، وصناعة الطب، من غير تفريط ولا تقصير من الطبيب قال: هذا قضاء بفروغ أجله، وإن رأى الأمر بخلاف ذلك قال لهم: خذوا دية صاحبكم من الطبيب، فإنه هو الذي قتله بسوء صناعته وتفريطه.
فكانوا يحتاطون على هذه الصورة الشريفة إلى هذا الحد، حتى لا يتعاطى الطب من ليس من أهله، ولا يتهاون الطبيب في شيء منه.
وينبغي للمحتسب أن يأخذ عليهم عهد أبقراط، الذي أخذه على سائر الأطباء، ويحلفهم أن لا يعطوا أحداً دواء مضراً، ولا يركبوا له سماً، ولا يذكروا للنساء الدواء الذي يسقط الأجنة، ولا للرجال الذي يقطع النسل، وليغضوا أبصارهم عن المحارم عند دخولهم على المرضى، ولا يفشوا الأسرار، ولا يهتكوا الأستار، ولا يتعرضوا لما ينكر عليهم فيه.
وينبغي للطبيب أن يكون عنده جميع آلات الطب على الكمال (١) ... إلخ وصلى الله على سيدنا محمد، والحمد لله رب العالمين) ..
هذا وقد قدمت لمؤتمر الطب الإسلامي الذي عقد في الكويت مسودة قسم الطبيب المسلم أحببت أن أوردها في رسالتي هذه:
стр. 13202
أقسم بالله العظيم، أن أراقب الله في مهنتي، وأن أصون حياة الإنسان في كافة أدوارها، في كل الظروف والأحوال، باذلاً وسعي في استنقاذها من الهلاك والمرض والألم والقلق، وأن أحفظ للناس كرامتهم، وأستر عورتهم، وأكتم سرهم، وأن أكون على الدوام من وسائل رحمة الله، باذلاً رعايتي الطبية للقريب والبعيد، والصالح والخاطئ، والصديق والعدو، وأن أثابر على طلب العلم، أسخره لنفع الإنسان لا لأذاه، وأن أوقر من علمني، وأعلم من يصغرني، وأكون أخاً لكل زميل في المهنة الطبية، متعاونين على البر والتقوى، وأن تكون حياتي مصداق إيماني في سري وعلانيتي، نقية مما يشينها تجاه الله ورسوله والمؤمنين.
والله على ما أقول شهيد.
وفي الختام، أود أن أشير إلى وصف الطبيب المسلم الذي تبنته الجمعية الطبية الإسلامية بأمريكا الشمالية سنة ألف وتسعمئة وسبع وسبعين للميلاد، والذي يعكس الفلسفة والروح المتمثلتين في الدستور الإسلامي لآداب مهنة الطب، وخلاصة القول أن الطبيب المسلم:
يجب أن يؤمن بالله وبتعاليم الإسلام وسلوكياته في حياته الخاصة والعامة، وأن يكون عارفاً لجميل والديه ومعلميه ومن هم أكبر منه، وأن يكون بسيطاً متواضعاً رفيقاً رحيماً صبوراً متحملاً، وأن يسلك الطريق المستقيم ويطلب من الله دوام التوفيق، وأن يظل دائماً على دراية بالعلوم الطبية الحديثة، وينمي مهارته باستمرار، طالباً العون عندما يلزمه ذلك، وأن يستشعر أن الله هو الذي يخلق ويملك جسد المريض وعقله، فيعامل المريض في إطار تعاليم الله، متذكراً أن الحياة هي هبة الله للإنسان، وأن الحياة الآدمية تبدأ من لحظة الإخصاب ولا يمكن سلبها إلا بيد الله أو برخصة منه، ويتذكر أن الله يراقب كل فكر أو عمل، وأن يلتزم بالقوانين التي تنظم مهنته، وأن تتبع أوامر الله كمنهج وحيد، حتى لو اختلفت مع متطلبات الناس أو رغبات المريض، وألا يصف أو يعطي أي شيء ضار، وأن يقدم المساعدة اللازمة دون اعتبار للقدرة المادية أو أصل المريض أو عمله، وأن يقدم النصيحة اللازمة للجسم والعقل، وأن يحفظ سر المريض، وأن يتوخى الأسلوب المناسب في التخاطب، وأن يفحص المريض من الجنس الآخر في وجود شخص ثالث ما تيسر ذلك، وألا ينتقد زملاءه الأطباء أمام المرضى أو العاملين في الحقل الطبي، وأن يسعى دائماً إلى تبني الحكمة في كل قراراته.
стр. 13203
قسم الطبيب المسلم
الحمد لله رب العالمين، العلي العظيم الواحد العليم، خالق الكون ومعلم الناس أجمعين، له الدوام أبد الآبدين، لا نعبد إلا إياه ... إن الشرك لظلم عظيم.
اللهم ارزقني القوة لأكون صادقاً أميناً، متواضعاً، مخلصاً، رحيماً. وهب لي الشجاعة لأقر بذنبي وأصلح خطئي وأعفو عن هفوات غيري، وأعطني الحكمة لأريح غيري وأقدم النصح الداعي للسلام والوئام، وامنحني الإدراك بأن مهنتي مقدسة، تمس أعز ما وهبته للإنسان وهو العقل والحياة، واجعلني يا رب جديراً بهذا الموقف المتميز بالشرف والكرامة والتقوى؛ حتى أهب حياتي لخدمة البشر، فقراء وأغنياء، حكماء وجهلاء، مسلمين وغير مسلمين، بيضاً وملونين، متحلياً بالصبر والتسامح، بالفضيلة والوقار والعلم ومراقبة النفس، واملأ قلبي بالحب والرحمة لعبادك، فهم أعز مخلوقاتك، وها أنا ذا أقسم باسمك الكريم يا خالق السماوات والأرض، أن ألتزم بما أنزلته على رسولك الكريم محمد ﷺ : ﴿أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٣٢] .
الدكتور علي داود الجفال
стр. 13204
سر المهنة الطبية بين الكتمان والعلانية
إعداد
الدكتور أحمد رجائي الجندي
الأمين العام المساعد للمنظمة الإسلامية للعلوم الطبية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الطب من أنبل المهن العملية، ويقول الإمام الشافعي عنه: (إنه أشرف مهنة عرفتها بعد العلوم الشرعية) وقد أباحت الشريعة الإسلامية الطب والتطبب فأمرنا الرسول ﷺ بالتداوي والبحث عن العلاج، على ألا يكون بمحرم، مصداقاً لقوله: ((يا عباد الله تداووا فإن الله لم يخلق داء إلا خلق له الدواء، علمه من علمه وجهله من جهله)) وأيضاً يقول: ((ما جعل الله شفاء أمتي فيما حرم عليها)) ، ولم يقصر ﷺ التداوي على الأطباء المسلمين، لكنه أمر بالاستعانة بغير المسلمين، فقد أمر بإحضار الحارث بن كلدة لمداواة سعد بن أبي وقاص ولم يكن الحارث قد دخل الإسلام بعد، وقال ﷺ عن الحارث: ((إنه رجل يتطبب)) أي: أنه خبير بالطب، ثم قال: ((من تطبب ولم يعلم منه طب فهو ضامن)) والركيزة الأولى في الوصول إلى تشخيص صحيح للمرض ليوصف العلاج، هو أن يثق المريض بطبيبه لكي يصارحه بما يشكو منه ويسر إليه بكل ما لديه من أسرار قد يخفيها عن أقرب الناس إليه حتى زوجته.
ومن هنا تأتي أهمية سر المهنة، والسر هو ما تعرفه وتخشى المجاهرة به، وفي قول آخر: (السر ما خفي على الناس وتكره أن يطلعوا عليه) ، فقد يكون به من الأسرار الشخصية المتعلقة بسلوكه ولا يرغب في الإدلاء بها.
لذلك كانت السرية ركناً أساسياً في تقدم مهنة الطب، وإحراز نجاح في العلاج، وعلى الطبيب أن يحرص عليها، وتكون أساس علاقته مع مريضه لبناء ثقة متبادلة بين الطرفين، حتى يفضي المريض إليه بشكواه، واثقاً من أن كل كلمة، بل كل لفظة هي في قرار مكين.
стр. 13205
ولقد تنبه إلى هذه الأهمية كل من اشتغل بالطبابة على مر العصور والأزمنة، فقد ظهر ذلك واضحاً في قسم الأطباء ابتداء من أمحوتب إله الطب المصري كما كانوا يطلقون عليه، حتى قَسَم المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية التي أصدرته عام ١٩٨١م. والذي ينص على أن يحافظ الطبيب على كل ما يصل إليه من أسرار مرضاه ولا يبوح بها.
ورغم هذه الأهمية التي يحتلها موضوع سرية المهنة إلا أن الممارسة العملية لقطاع كبير من الجسم الطبي أثبتت أن موضوع سر المهنة لا يحتل المكانة اللائقة به إضافة إلى عدم دراية العاملين به، ولعل الأسباب ترجع إلى ما يأتي:
١- إن هذا الموضوع لم يلق العناية الكافية من كليات الطب أثناء إعداد الطبيب لممارسة الحياة العملية، وكذلك النقابات المهنية ووزارات الصحة؛ إلا بعد أن يقع الطبيب في المحظور ويجد نفسه أمام القضاء بسبب جهله به.
٢- بسبب عدم الاهتمام والتوعية بهذا الموضوع من الجهات المسؤولة فإن الطبيب يقع في حيرة بين كتمان هذا السر وما يمليه عليه ضميره من اعتقاده، بأن الكتمان مخالف لتعاليم دينه الحنيف خاصة إذا كان هذا السر متعلقاً بجرائم أخلاقية ... وهنا يقع الطبيب في الخطأ إذا أفشى السر ويقع تحت طائلة القانون.
٣- إن بعضاً من العاملين في الإدارة الصحية ليسوا على إلمام كافٍ بأهمية (سر المهنة الطبية) وبأنها مقننة بصورة قانونية ولا يجوز إصدار ما يخالف القانون، لأن القانون يجب ما دون ذلك.
ونظراً لأهمية هذا الموضوع فقد بادرت المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية بعقد ندوة تحت اسم (الرؤية الإسلامية لبعض الممارسات الطبية) ودعت له العديد من الزملاء العاملين في مجال العلوم الطبية والقانونية والفقهية لتأصيل المبدأ من الناحية الشرعية والإسلامية.
стр. 13206
ورغم أن المنظمة الإسلامية كانت إحدى المنظمات الإسلامية التي اهتمت بالموضوع وبحثته، إلا أن القوانين المدنية كانت مستشعرة أهمية هذا الموضوع فأدرجته ضمن قانون مزاولة المهن الطبية، ولم تترك الموضوع لمجرد نص يذكر في قسم الطبيب ولا لاجتهاده أو تقدير السلطات الصحية؛ بل حددت الحالات على سبيل الحصر لا المثال التي يجوز الإفشاء فيها، وهي كالآتي: (١)
أ- إذا كان الإفشاء لمصلحة الزوج أو الزوجة ويكون الإفشاء لهما شخصياً.
ب- إذا كان الإفشاء بقصد منع حدوث جريمة ويكون الإفشاء مقصوراً على الجهة الرسمية المختصة.
جـ- إذا كان الإفشاء بقصد التبليغ عن مرض سار طبقاً للقوانين الصادرة بهذا الخصوص، ويكون الإفشاء في هذه الحالة مقصوراً على الجهات التي تعينها وزارة الصحة.
د- إذا وافق صاحب السر على إفشائه إلى أي جهة أخرى يحددها.
أي أن الإفشاء يقع تحت بندين: الأول لتوقي وقوع ضرر شخصي، والثاني تفادي حدوث ضرر على المجتمع. والقانون عرف السر بالآتي: هو ما وصل إلى علم المنوط بحفظ السر بطريق مباشر أو بطريق غير مباشر عند فحص أوراقه أو استشارته عن طريق أحد زملائه، أو أن يكون الطبيب عضواً في لجنة لفحص المريض لتقرير حالته.
والقانون لم يفرق بين أي نوع من أنواع الإفشاء، سواء كان ذلك بسوء نية أو حسن نية، فالعقوبة واحدة، سواء كان ذلك الإفشاء بالسلب أو الإيجاب. (٢)
стр. 13207
ورغم أهمية هذا الموضوع إلا أن معظم العاملين في الجسم الطبي ليس لديهم الإلمام الكافي بهذا الجانب الخطير من المهنة الطبية، وقد ظهر ذلك في كثير من أسئلتهم التي أرسلوها إلى المنظمة والتي تصل يومياً إليها، والتي تعكس حيرتهم الكبيرة بين استيعابهم لقدسية المهنة وما يخالج ضمائرهم ومحاولة تنصيب أنفسهم مسؤولين عن الأمن أو مصلحين في المجتمع.
إضافة إلى ذلك فإن تنوع الوظائف الطبية التي يقوم بها الطبيب، فرغم أنها كلها تندرج تحت مهنة الطب، إلا أنها تختلف من حيث الأداء والمهام الموكولة إلى كل وظيفة.
ويمكن أن تقسم المهام الطبية إلى الآتي:
١- طبيب معالج ومهمته واضحة في الحصول على الأسرار من مريضه مباشرة أو بإجراء التحاليل اللازمة للتعرف على الكثير من أسرار المريض.
٢- طبيب استشاري وهو مسؤول أعلى، وقد لا يرى المريض، وقد يستشار في الحالة، ولهذا فسيطلع على متعلقات المريض وسيتعرف على أسراره، ويمكن أن يكون هذا الاستشاري رئيساً لمعامل التحاليل.
٣- طبيب عمل (القومسيونات الطبية أو المجالس الطبية) ومهامه فحص المرشحين للعمل للتأكد من صلاحيتهم للعمل واعتماد الإجازات المرضية، وعند فحصه قد يكتشف مرضاً آخر لا يشكو منه المريض قد لا يؤهله للعمل.
أيضاً في بعض الدول توكل إلى الأطباء العاملين في مثل هذه الوظائف الكشف على حاملي رخص القيادة لمعرفة مدى لياقتهم.
٤- طبيب شركات التأمين ووظيفته هي الكشف على المريض والتأكد من لياقته الصحية طوال فترة التأمين وإعطاء تقرير طبي شامل عن الشخص، هذا التقرير سيتداوله من ليسوا في المهنة، وقد يتعرف على مرض لدى الشخص القادم للتأمين بينما جهة عمله لم تكتشف هذا المرض.
٥- طبيب بحث علمي ووظيفته تقع تحت أمرين: إما أنه يجرب دواء جديداً على مريض بمرض ما، وذلك حسب الأصول العلمية والمهنية المرعية في ذلك، وهنا مطلوب منه في نهاية البحث نشر ما قد توصل إليه من نتائج إيجابية وسلبية.
стр. 13208
أيضاً مثل هؤلاء الأطباء قد تجري في بعض الأحيان أبحاث للتأكد من بعض المواصفات للأدوية، مثل الانطلاق الحيوي للمواد الفعالة من قواعدها، وتجري مثل هذه الأبحاث على أصحاء للتعرف على سير الدواء داخل الجسم وتوزيعه على الأعضاء المختلفة.
أيضاً إمكانية التعرف على خريطة الجسم الصحي من ناحية مستقبل الشخص المرضي نتيجة التعرف على صفات حامض النواويك معاود الالتحام، فسيتعرف الطبيب على المستقبل المرضي للأشخاص فهل يجوز له إخبار الجهات الرسمية بذلك؟.
٦- الطبيب الشرعي، ويقوم بالتعرف على أسباب الوفاة بناء على طلب السلطات المختصة باستخدام الوسائل التحليلية، ويطلب منه تقديم تقرير عن ذلك، وقد يرى في المتوفى عاهة ليست المسببة للوفاة ولكنها قد تؤدي إلى خيط الجريمة.
٧- الطبيب الإداري، ووظيفته العمل في الشؤون المكتبية التي تحتاجها مثل هذه الوظائف وتتدرج ابتداء من مدير المستشفى إلى مديري الإدارات إلى الوكلاء إلى الوزير وبطبيعة وضعهم فإنهم يطلعون على تقارير خاصة بالعاملين سواء أكانوا مرضى أم أصحاء.
والهدف من وضع هذا التصنيف من الوظائف هو تبيان طبيعة عمل كل وظيفة، فبعض هذه الوظائف مطلوب منها تقديم تقارير تفصيلية عن الحالة، مثل أطباء المجالس الطبية وأطباء شركات التأمين والأطباء الشرعيين؛ للتعرف على أسباب الوفاة. فحدود كل منهم مختلفة عن بعضها البعض، فإلى أي مدى يجوز لكل وظيفة إعطاء التفاصيل؟
ومثال على ذلك: شخص ما ذهب إلى إحدى شركات التأمين، فالإجراء المتبع أن يوقع الشخص على إقرار للفحص الطبي الشامل للتأكد من خلوه من الأمراض الخطيرة قبل إبرام وثيقة التأمين فهل يحق لطبيب الشركة أن يكتب تفاصيل عن حالته ويقدمها إلى الجهات المسؤولة؟ أم أنه يكتفي بكتابة: لائق؟
ولذلك فإن كل وظيفة من الوظائف السابقة تحتاج إلى وضع قواعد عامة وثابتة لتحدد المنهج الذي يسير عليه الجسم الطبي.
стр. 13209
هذا وقد حدد القانون الفئات المنوطة بحفظ السرية، واعتبر كل العاملين الذين لهم علاقة بالمريض ابتداء بالسجلات الطبية ومروراً بالهيئة التمريضية والأغذية والصيادلة والعاملين بالمختبرات والأشعة بجميع أنواعها مسؤولين الحفاظ على سرية المعلومات الطبية. (١)
إلا أن التقنية الحديثة وإدخال الحاسب الآلي سوف يؤدي بالتعرف على جميع أسرار المرض بكل سهولة.
أيضاً حدود المشكلة تحتاج إلى دراسة، فهناك الشؤون الإدارية والقانونية والمالية في وزارة الصحة والمستشفيات، فهل يلزمهم القانون بالسرية مثلهم في ذلك مثل بقية المهن الطبية؟ أيضاً موظفو شركات التأمين على الحياة، مشكلة أخرى هي قد يعرض دوسيه شخص ما على أحد مسؤولي الوزارة في مشكلة ما، ويكتشف هذا المسؤول أن صاحب العلاقة مريض بمرض خطير ... هل من حقه إبلاغ السلطات الأعلى لاتخاذ قرارات ضد هذا الشخص أم لا؟ (٢)
في الاستعراض السابق تحدثت عن موقف القانون المدني فما هو موقف الإسلام:
الإسلام أحرص من بقية التشريعات المدنية على كتم أسرار العباد (فالستار) هو أحد أسماء الله الحسنى، والرسول ﷺ نهى عن خيانة الأمانة فقال: ((آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا أؤتمن خان)) بل إن الرسول ﷺ نهى أن يطلع الرجل أسرار بيته على أحد فقال: ((إن من أشر الناس عند الله منزلة يوم القيامة الرجل يفضي إلى امرأته، وتفضي إليه، ثم ينشر أمرهما)) وفي السنة في قصة ماعز الذي اعترف بالزنا فأقام النبي ﷺ الحد عليه بالرجم، جاء هزال فقال: أنا أمرته أن يأتي فيعترف، فقال النبي ﷺ : ((يا هزال لو سترته بردائك لكان خيراً)) . وروي عن أبي بكر ﵁ أنه قال: لو وجدت شارباً لأحببت أن يستره الله، ولو وجدت سارقاً لأحببت أن يستره الله) .
في القانون المدني إذا طلب من طبيب الشهادة على سر اؤتمن عليه فإن واجبه ألا يستجيب لذلك إلا إذا حصل على موافقة صاحبه؛ لأن القانون كفل مبدأ سر المهنة، وما بني على خطأ فهو خطأ.
стр. 13210
فما رأي الشريعة الإسلامية في ظل ﴿وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آَثِمٌ قَلْبُهُ﴾ ؟ هل هناك حدود معينة للسرية أم أنها مطلقة؟.
وفي المبدأ الإسلامي درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، وهناك من يقول: إن الكذب الأبيض مباح خاصة في العلاقات الزوجية لضمان استمرارها. ولكن الإمام الغزالي قال: ليس كل مفسدة تترتب على الصدق يستباح بها الكذب، وليس كل مصلحة محمودة تتوقف على الكذب تبيحه؛ فإنه ما من كاذب إلا ويرى أن في كذبه مصلحة له أو درء مفسدة عنه أو عن غيره، والنبي ﷺ أخرج كلامه مخرج الحصر عندما قال: ((إن الكذب لا يحل إلا في ثلاث)) ((المجالس أمانة إلا ثلاثة: مجلس سفك دم حرام أو فرج حرام أو اقتطاع مال بغير حق)) فتح الباري بشرح صحيح البخاري.
أيضاً العلماء استثنوا من الغيبة أموراً ستة، قالوا: إنها جائزة، أخذاً من نصوص أخرى أو من قواعد شرعية، فإذا جاء من يستنصحني في أن يزوج ابنته لفلان قد أقول له: لا تزوجه إذا لم يكن صالحاً، إذا جاء من يريد أن يتاجر مع فلان أقول له: لا تتاجر معه؛ لأنه غير صالح أو غير قادر على أن يتعامل في مجال التجارة، فالنصوص في الشريعة الإسلامية يجب أن تؤخذ ككل، فكما أن هناك نصوصاً قدسية للتحريم هناك نصوص قدسية للاستثناء. (١)
قال ابن حجر الهيتمي: الكذب قد يباح وقد يجب، والضابط كما في الإحياء أن كل مقصود محمود لا يمكن التوصل إليه إلا بالكذب فهو مباح وإن كان واجباً وجب، كما لو رأى معصوماً اختفى من ظالم يريد قتله أو إيذاءه فالكذب هنا واجب، أو سأل ظالم عن وديعة يريد أخذها فيجب الإنكار، وإن كذب، بل إن استحلفه لزمه الحلف ويوري وإلا ضمن ولزمته الكفارة، ولو سأل سلطان عن فاحشة وقعت منه سراً كزنى أو شرب خمر فله أن يكذب ويقول: ما فعلت، وله أن ينكر سر أخيه. ثم قال: ينبغي أن يقابل مفسدة الكذب بالمفسدة المترتبة على الصدق، فإن كانت مفسدة الصدق أشد فله الكذب، وإن كان العكس حرم الكذب. (٢)
стр. 13211
ثم استشهد لصحة ذلك بحديث الترخيص بالكذب في الحرب وفي الصلح بين الناس وفي حديث الرجل لزوجته ليرضيها. (١)
الحديث طويل وطويل في هذا المجال، والأبحاث الطبية والفقيهة والمناقشات التي دارت في الندوة بين أيدي حضراتكم للاطلاع عليها وإبداء ما ترونه من آراء إضافة إلى ما تحتويه من أفكار.
وعموما فإن الندوة خرجت بأن الأصل هو الكتمان وعدم الإفشاء، والبحث يجب أن يكون في الاستثناء.
أيضاً يجب توضيح مفهوم المصلحة العامة والمصلحة الخاصة وحدود كل منهما.
والله أسأل أن يوفقنا إلى ما يحبه ويرضاه.
الدكتور أحمد رجائي الجندي
стр. 13212
المبادئ الشرعية للتطبيب والعلاج
من فقه الطبيب وأخلاقيات الطب
مدى شرعية التحكم في معطيات الوراثة
إعداد
الدكتور عبد الستار أبو غدة
عضو المجمع
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(١)
المبادئ الشرعية
للتطبيب والعلاج
تمهيد:
إن الغرض من الطب، كما دل عليه الاستقراء، أحد أمرين هما: حفظ الصحة، وإزالة المرض.. والعلاج الناجع في الحالين بسلوك الوسيلة المناسبة، وقديماً قالوا: حفظ الصحة يكون بمثلها، وإزالة المرض يكون بعكسه. ومفاد هذه المقولة أن الصحة لا تدوم إلا بالاستمرار في سلوك المناهج القويمة الملائمة للطبيعة غير المنافرة للفطرة، والمرض لا يزول إلا بمقاومته بالأسباب المضادة له؛ لأنها يغلب فيها مخالفة ما يعتاده الإنسان حال الصحة والسلامة ...
والمراد مما تقدم أن هذين الأمرين (حفظ الصحة وإزالة المرض) يتطلبان الأخذ بكثير من الوسائل الطارئة على مألوف الإنسان، وتطبيق جملة من المبادئ التي يتحقق بمراعاتها استدامة الصحة واتقاء المرض أو درؤه بعد الوقوع.
على أن الصحة والمرض ليسا من خصائص الأجسام العضوية وحدها، بل هما مما يطرأ على النفوس والأرواح أيضاً، انطلاقاً من أن الإنسان ليس جثة ناطقة فحسب، بل هو نفس عاقلة. والتشريع الإلهي يربأ بالإنسان أن تنحصر همته في استدامة الحياة للحواس والأعضاء ولو كان صاحبها (ميت الأحياء) ذلك أن من وراء الضرر المادي: أضراراً تلحق بالدين باعتباره وضعاً إلهياً ينظم محتواها بالغايات الرفيعة، أو تعتري النفس العاقلة السوية التي يفلح من زكاها ويخيب من دساها، أو تخل بالتعايش الاجتماعي بين الإنسان وأخيه من بني آدم الذين كرمهم الله وفضلهم على كثير ممن خلق تفضيلاً.
стр. 13213
ورعاية هذه الأسس استوجبت إرساء الشريعة العديد من المبادئ التي تتناول بالإضافة إلى مشروعية التطبيب والعلاج، تنظيم إجراءاته وملابساته ورسم السبل المثلى لتصرفات الطبيب المداوي، والمريض الشاكي، لتحقيق الهدف من خلال الوسائل السليمة ضمن إطار التعاليم الإسلامية، وهذه أبرز معالم الطب الإسلامي، كيلا يكون دفع الضرر عشوائياً، على نمط الاستجارة من الرمضاء اللافحة بالنار الحارقة.. ولا يخفى أن إضفاء المشروعية على أصل فكرة التطبيب والعلاج لا يستلزم إطلاق العنان لمتطلبات ذلك؛ لأن الشريعة الإسلامية كما اهتمت بالمقاصد والأهداف جاءت بتنظيم الوسائل والأسباب، فإن اختيار الوسيلة السليمة من شأنه تمام الغرض واكتمال الثمرة. وذلك للوصول إلى ما ترجح فيه المصالح على المضار، فإن المصالح المحضة نادرة جداً كما قرر المعنيون بالاستنباط من علماء الشريعة، ولذا اكتفي برجحان المصالح في أمر على ما يكتنفه من مضار، كما روعي أثر الوسائل في زوال المصلحة، بأن يؤول إلى أن ما يستهدف بها من منافع يصير كالمضار الخالصة أو أشد.
ولا يختلف المراد بكلمة (مبادئ) هنا عن مقتضى الاستعمال في مختلف العلوم ولا سيما الاستعمال الحقوقي الأقرب في الطبيعة إلى الفقه واستعمالاته.. إلا أن كلمة (مبدأ Principal) يؤثر عليها علماء الشريعة كلمة (قاعدة) فهي المتداولة للدلالة على المعنى نفسه فيما يشمل معظم القضايا الجزئية في موضع ما، ويحمل الطابع الكلي في الصياغة، وهي ثمرة صياغة جماعية تعاقب عليها التطوير والصقل، واكتسبت مزايا التقعيد والدقة والإحكام. وهي لما تتسم به من الإيجاز والسعة تشبه جوامع الكلم، بالرغم من أسلوبها العلمي المفتقر إلى المقومات الأدبية.
على أن هذه المبادئ أو القواعد ليست دائماً مطردة، بل هي في بعض الأحيان أغلبية، لا تنفك عن استثناء محدد من شأنه عصمة القاعدة من الاضطراب والتردد..
وينبئ عن أهمية هذه القواعد اعتبار العلامة القرافي إياها من قبيل أصول الشريعة، حيث قسم تلك الأصول إلى (أصول الفقه) أي العلم المعروف، وإلى (القواعد الكلية الفقهية) ، وبين أن الإحاطة بهذه القواعد توضح مناهج التعرف إلى الأحكام وتغني عن حفظ جزئيات لا حصر لها.
стр. 13214
وإذا كانت للمبادئ أو القواعد هذه الفائدة الفنية للمختصين في الفقه، فإن من فوائدها لغيرهم كالطبيب وأمثاله، تكوين الإلمام السريع بجوانب الموضوعات التي تنظمها تلك القواعد –أو المبادئ- وتيسير التعرف إلى الأحكام الشرعية التي يحتاجون إليها في مجال الممارسة من خلال منهج وسط، لا هو مسلك الاستنباط المستوعر على غير من له ملكة فقهية وأهلية اختصاصية تتيح له الاستقلال في النظر وبذل الجهد الفكري، ولا هو المنهج البدائي لتلقي الأحكام المنثورة من غير أن ينتظمها أصل تنضوي تحته، وهو منهج لا يغني سالكه عن دوام التلقي الحرفي واستمرار الحاجة للتلقين..
إن هذه المبادئ وإن كانت لها تطبيقاتها العامة في شتى المجالات، يعتبر التطبيق الدقيق والاستثمار الخطير لها متمثلاً في مجال التطبيب والعلاج، لخطورة آثار التسويغ أو المنع من حيث صلتها بمقصد من مقاصد التشريع هو (حفظ النفس البشرية وسلامتها) ، وهو في عداد (الضروريات) المعتبرة من أهم مقاصد التشريع الإسلامية.
وإن كانت سلامة التطبيق لا تتاح في الميدان النظري، بل تفتقر إلى من يملأ ثغرات التصوير الصحيح، ويرجح أقوى الاحتمالات الدائرة في كل أمر من الأمور قبل اللجوء إلى عنصر التجربة أو مقتضى المقولات المحتكم إليها في كل اختصاص.
لذا فإن من أهداف هذا البحث –وأمثاله- زيادة الوشائج التي تصل بين الفقه والطب، وتسهل تناول الفقه المحتاج إليه للأطباء خاصة أو غالباً، إذ لا بد أن توضع بين أيديهم –بالإضافة إلى البيانات المباشرة لبعض التصرفات- المبادئ (القواعد والضوابط) التي هي النبع الثري للتطبيقات، وبها يسهل لهم أيضاً أن يولوا الأهمية للعناصر المؤثرة في وضع التصورات الصحيحة التي لا يقدر طرف واحد على تولي الفصل فيها، وبمثل هذا التعاون يتحقق الوصول إلى معالم الطب الإسلامي ذي الخصائص المميزة له كعلاج للروح والبدن معاً، ومظهر من مظاهر العدل والإحسان والتعاون على البر والتقوى.
لقد اشتملت الشريعة الإسلامية (وما صدقته من سابق الشرائع السماوية) على مبادئ وقواعد تنبري أحياناً للحض على اجتلاب المصالح، وتنهض أحياناً لدرء المفسدة واجتناب المضار، فإذا كان الضرر عصيا عن الإزالة إلا مع أثر يخلفه أجريت الموازنة بين الضررين للركون إلى أخفهما.. وفي ثنايا هذا المبدأ جملة من القواعد الدقيقة التي تفرز الأضرار بحسب متعلقاتها من الضروريات والحاجيات وبحسب درجتها من الخصوص والعموم..
стр. 13215
هذا عن إزالة المرض، أما حفظ الصحة فإن أهم المبادئ المعول عليها لتحقيقه قاعدة تحريم المضار ووجوب التحرز منها قبل الوقوع في أخطارها، وسلوك الطرق الوقائية، وعدم الإلقاء بالأيدي إلى التهلكة.. وإلى جانب هذين المبدأين هناك قواعد أخرى كثيرة، منها الحض على النفع، والتعاون، وبذل المعروف، وكرامة النفس الإنسانية، ورعاية المقاصد الأساسية من حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال، وهي أساس للتطبيب والعلاج بشتى أنواعه، كما هي أساس التكييف الشرعي لإجراءات الطب الاستعاضي الذي يقوم على هذه المبادئ، مضافاً إليها بعض المبادئ الأخلاقية كالإيثار، دون تجاوز حدود الله وحقوقه.
ولو ذهبنا نستعرض جميع المبادئ المتصلة بالموضوع مع الشرح المفصل والتطبيقات الموضحة، لخرجنا عن نطاق المجال المرسوم لمثل هذه الأبحاث. لكن الحرص على مطابقة المقال لمقتضى الحال هو الذي يحدونا للاجتزاء بالقدر المحقق للأغراض الخاصة المنوه بها فيما سبق من بيان. ولذلك كان المناسب استقطاب المبادئ الأساسية بالصورة التي يبرز فيها الموضوع والقصد منها، بدلاً من الألفاظ والعبارات، ويستتبع ذلك الإغضاء عن التغاير الذي مرده الترادف أو التشابه في صياغة المبدأ أحياناً..
стр. 13216
مبادئ المصلحة
إن التيسير من خصائص التشريع الإسلامي العامة، وقد تواردت على إثبات هذه الخصيصة كثير من نصوص القرآن والسنة منها قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] ، وقوله: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: ٦] .
ومن الأحاديث قوله ﷺ : ((إن هذا الدين يسر)) أخرجه البخاري: وقوله: ((يسروا ولا تعسروا)) .
والتيسير ليس شعاراً معنوياً، بل هو مرتكز لكثير من القضايا التي لم يرد نص بشأنها، ولا ورد بشأن ما هو قريب منها مشابه له ليقاس عليه؛ لذا ظهر هذا المبدأ بصورة تشريعية عامة.
(الأصل في المنافع الإباحة) :
ومعنى هذا المبدأ أن الإباحة هي الأصل فيما فيه نفع للناس، مما لم يتناوله نص أو يكون مقيساً على منصوص –إلا أن هذا فيما تمحض من الأشياء منفعة خالصة، والشأن في هذه الزمرة أنها تدرك من النصوص أو من سكوت الشارع، وهي مرتبة، سماها بعضهم (مرتبة العفو) اشتقاقاً من قوله ﷺ : ((ما سكت عنه فهو مما عفا لكم)) أخرجه البزار بسند صالح كما قال ابن حجر، وفي رواية: ((وسكت عن أشياء رحمة بكم غير نسيان، فلا تبحثوا عنها)) . ومن الأدلة المشهورة لهذا المبدأ قوله تعالى: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩] . والهدف من هذا المبدأ: الإقدام على ما تحققت فيه صفة المنفعة ولم يرد بشأنه منع، واطمئنان القلب إلى إباحته وانتفاء الإثم عن الانتفاع به.
стр. 13217
(الأصل في المضار التحريم) :
والمضرة بعمومها تشمل ما كان شدة في البدن، ويفيد هذا المبدأ أن المضار مما طلبت الشريعة طلباً جازماً الكف عن فعلها، ولم يرد فيها نص يخصها. وأن ما سلف من مستندات للمبدأ السابق تتناول من طرف خفي هذا المبدأ، فضلاً عن اقتضائه بالعقل السليم المجرد عن الشوائب.
على أن هذين المبدأين (أصالة إباحة المنافع – وأصالة تحريم المضار) رغم استمدادهما الشرعي لا يرقيان إلى معارضة الأدلة والقواعد الشرعية العامة؛ ما كان منها خاصاً في الموطن المخصوص، أو عاماً يتناول جميع أفراده.. وفضلاً عن ذلك لا بد من التزام التوصيف الدقيق للضرر والنفع بأن يتولى الشارع نفسه بيان ذلك، فيكون حكمه هو الفصل، أو تراعى قواعد المصالح والمفاسد القائمة على استهداف ما كان النفع أو الضر فيه خالصاً، أو هو الغالب الراجح، ولا عبرة بالنفع المغمور المغلوب في جنب الضرر الغالب، كما لا عبرة بالطارئ المؤقت في إزاء الثابت. وتأمل هذه الأشياء والنظائر ينمي مقدرة البت في المسكوت عنه مما المآل فيه إلى الاستنباط الدقيق، وسؤال أهل الذكر أهل الاختصاص كل منهم في مجال خبرته.
قال العلامة القرافي: إن الموجودات في هذا العالم قسمان: الأول حرام لصفته، وهو ما اشتمل على مفسدة تناسب التحريم (أو الكراهة) والثاني مباح لصفته، وهو ما اشتمل على مصلحة، أو كان ليس فيه مفسدة ولا مصلحة، وهو قليل، فلا يكاد يوجد شيء إلا فيه مصلحة أو مفسدة.
تجنب المضار وإزالتها
مقتضى المبدأ السابق أن المضار متناولة بالموقف العام للمنع، تحت طائلة الإثم والعقاب، سواء كان الضرر بالمبادرة أم على سبيل الانعكاس، وقد تجلى ذلك بإحدى جوامع كلمه ﷺ وهي قوله: ((لا ضرر ولا ضرار)) ؛ و (الضرر) حصول الأذى أو المفسدة ابتداء، و (الضرار) حصوله على سبيل الجزاء ورد الفعل. وقد استمد من هذا الحديث، في ظل قوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٦٥] أكثر من مبدأ شرعي، وهي إذا روعيت مجتمعة كانت نبراساً في الممارسة الصحيحة لإجراءات التطبيب والعلاج لتوفير الطمأنينة من الإثم الذي يحيك في النفس، ولتحاشي المسؤولية وموجبات الضمان إذا لم تستخدم موازين العدل.
وتشتمل هذه القاعدة على جملة من المبادئ مكونة من نوعين: وقائي وعلاجي.
стр. 13218
الجانب الوقائي
الحفاظ على الفطرة السليمة
شرع الله مبدأ الحفاظ على الفطرة الإنسانية باعتبارها ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠] ، وهي الحالة الأصلية المستحقة للبقاء بعيداً عن التغيير المعنوي أو المادي (كل مولود يولد على الفطرة) ، ووسيلة تحقيق هذا الهدف إرساء المبادئ وتعزيزها بالتطبيقات العديدة، ومما يكفي هنا الإشارة إلى أنها جاءت متنوعة:
(الضرر يدفع بقدر الإمكان) :
والدفع هو الحيلولة دون الوقوع، باتخاذ الإجراءات والاحتياطات الكفيلة بالوقاية منه، سواء كانت سلبية بالامتناع من أفعال مؤدية للضرر، أو إيجابية بالأخذ بما يعصم منه، ومفاد هذا أن الضرر لا يتريث فيه حتى يقع؛ بل يبذل كل ما أمكن لدفعه.
كما أن دفع الضرر إن لم يمكن كلية يدفع المقدار الممكن منه، فليس هناك تلازم بين الدفع والاستئصال، بل إن التخفيف للمقدار الموشك وقوعه يحظى بالاهتمام الشرعي نفسه إذا تعذر تفادي جميعه. هذا المبدأ بشقيه (دفع الضرر – ولو الممكن منه) هو المظلة الفنية للمثلين المتداولين: (الوقاية خير من العلاج) و (ما لا يدرك كله لا يترك بعضه) .
стр. 13219
الجانب العلاجي
العودة إلى الفطرة الأصلية
إذا حل الضرر، في غيبة الضمانات المقامة سدوداً دون وقوعه، فإن الإجراء المطلوب حينئذ إيجابي فعال من شأنه تصحيح ما نزل من انحراف عن الطبيعة برفع الضرر وإزالته، وهو مفاد المبدأ القائل:
(الضرر يزال) :
أي الشأن فيه أن ينحى عمن أصابه، ولا يعتبر حصوله وضعاً طبيعياً وأمراً واقعاً مهما تقادم أو تضاعف أثره، ولا ذريعة للمتواكلين المدعين الركون للمقادير، وهي كما تجري بما لا يعرفه الإنسان إلا بعد حصوله، فإن بقاءها كذلك لا يحكم له باللزوم والثبات إلا بعد المحاولة والأخذ بالأسباب، وإذا كان المرض (أو الضرر عامة) أمرا مقدوراً فإن الشفاء والمعاناة هو من قدر الله، وبذلك أجاب عمر ﵁ من تردد في تجنب البيئة الموبوءة: نفر من قدر الله إلى قدر الله.
وتعبيراً عن بقاء (الضرر) دخيلاً جاء المبدأ القائل:
(الضرر لا يكون قديماً) أي: لا يحظى بحصانة ولا يكتسب استيطاناً مهما تطاول زمانه؛ بل يظل مزلزل الأركان، مضطرب الجنان، يهدده نداء الرحيل؛ لأنه (لا تبديل لفطرة الله) .
وللمبدأ الأساسي (إزالة الضرر) هالة تحف به من المبادئ التي يتم بها تنظير كامل له يتناول في آن واحد رسم الوسائل وتحديد المقاصد، منها:
(الضرر لا يزال بمثله) وبعبارة أخرى تقدم البديل: (الضرر الأشد يزال بالضرر الأخف) وأسلوب آخر:
(يختار أهون الشرين) ، وتحديد الشرية والخيرية ليس بالهوى بل ضابطه:
(إذا تعارضت مفسدتان روعي أعظمهما ضرراً بارتكاب أخفهما) والتحديد:
(يتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام) ، وبكلمة جامعة: (درء المفاسد مقدم على جلب المصالح) .
وهذه المبادئ الغنية عن التطويل بشرحها توحي بالخطوات التي ينبغي سلوكها في مجال التطبيب والعلاج؛ بأن لا يطغى خوف الخطر الماثل في الداء على استشعار الخطر الكامن في الدواء، إذا كانت كفة هذا راجحة على ذلك.
والمحظورات، على ما في بعضها من ملاذ أو أرباح موقوتة أو فردية، جديرة بالمنع، ولو أهدرت به المصالح الجزئية، ومن هنا نشأ حكم الشريعة (وما وافق منهجها) بالحجر على الطبيب الجاهل بأصول الصنعة، والحيلولة بينه وبين فوائد المزاولة النافعة له شخصياً، لما في ذلك من حفظ المصالح العامة ودرء المفاسد المتوقعة.
وهو كذلك مناط الفصل في مسائل العلاج بوسائل هي في الأصل محرمة، أو التداوي ببعض المحرمات إذا تعين ذلك سبيلاً لإزالة الضرر.
стр. 13220
رفع الحرج ومراعاة الضرورة
: إن رفع الحرج عن المكلفين من المقاصد الأساسية للتشريع الإسلامي عامة، وله هنا مظاهره الخاصة الكثيرة التي يتعاقب أثرها لتحقيق سمو الشريعة عن أن يكون طابعها الجمود على نمط واحد من التكليف، تأسيساً على أن تلك التكاليف نصبها الشارع الحكيم، بالنسبة للأفراد، لمقصد عام هو: (إخراج المكلف عن داعية هواه حتى يكون عبداً لله اختياراً، كما هو عبد لله اضطراراً) ، وإن المقصد بالنسبة للمجموع هو (إقامة المصالح الدنيوية والأخروية على وجه كلي) ، فهناك نظام كافل للسعادة في الدنيا والآخرة لمن تمسك به، ومطلوب من كل فرد أن ينضوي تحت هذا النظام وينقاد له، لا لهواه.
ولهذا جرت الشريعة الإسلامية في التكليف على الطريق الوسط الأعدل الداخل تحت طاقة الإنسان، من غير مشقة عليه، ولا انحلال لربقة عبوديته لله، وجاءت تكاليفها لتحقيق توازن ينشد غاية الاعتدال في جميع المكلفين.. فإن آل الأمر للميل إلى جهة التشديد بسبب واقع خاص، أو حال متوقعة، عالجت الشريعة ذلك بالرخص الشرعية الدائمة، أو مراعاة ظروف الضرورة الطارئة، ليظل المكلف في جميع أحواله ملتزماً بما نصبه الله من معالم دينه التي لا تغادر صغيرة أو كبيرة من شؤون الحياة إلا وضعت لها أصلاً يرجع إليه، ومعقلاً يلجأ إليه. وهذا غاية الإحسان والإنعام من الله.
والضرورة التي اشتملت الشريعة على كثير من المبادئ لمراعاة ظروفها هي كل ما فيه مشقة بالغة وحرج، وهي الحالة التي تلجئ الإنسان إلى فعل الممنوع عنه شرعاً، أو هي الحالة التي يصير بها الإنسان معرضاً للتلف إن لم يقدم على الممنوع.
ولما كان من خصائص الشريعة الإسلامية رفع الحرج ودفع المشقة، سواء كانت المشقة من النوع غير المقصود للشارع أصلاً، وهي المشقة غير المعتادة، أم من النوع الذي لا يخلو عنه أصل التكليف، لأنها في بعض الظروف تتحول إلى منزلة المشقة غير المعتادة، وهذا التحول ليس واقعاً على طبيعتها، بل هو بحصول سبب اقتضاه. قال القرافي: كل ما حرم لصفته لا يباح إلا بسببه، وهو الاضطرار وفي التعليل الدقيق لإباحة المحظور هنا يقول العز بن عبد السلام: الضرورات مناسبة لإباحة المحظورات جلباً لمصالحها أي للمصلحة المغلوبة بمفسدة راجحة، بناء على أن معظم الأمور تشتمل على مصالح ومفاسد، والعبرة بالراجح منها، ففي حال الضرورة يستفاد من تلك المصلحة النادرة التي أهدر أمرها في الأحوال الطبيعية.
стр. 13221
وقد صاغ علماء الشريعة هذا المبدأ بجملة من القواعد المشهورة المتداولة بين المختصين، بل بين غيرهم من طبقات الناس على حد سواء مع شيء من التحريف أو إغفال القيود الواجب مراعاتها.
وقطب الرحى لتلك القواعد هو قول الله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥] ، وقول الرسول ﷺ : ((إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه)) ، وقوله فيما أجاب به قوماً سألوه عن أكل الميتة في المخمصة: ((فشأنكم بها)) ، وها هي نبذة عن تلك القواعد بتوضيح يسهل استثمارها على الوجه السليم:
(المشقة تجلب التيسير) :
في هذا المبدأ وصف للحال المعهودة من الشريعة الإسلامية السمحة مما تقدمت الإشارة إليه من استهداف التوازن وإعطاء كل ظرف ما يناسبه، وزيادة عما سبق عن الضرورة من بيان توضيح فإن المراد بالمشقة الجالبة لليسر: المشقة التي تجاوز حدود المعتاد، لأن التكليف لا يخلو عن المعتاد منها فهو إلزام ما فيه كلفة، ولو شمل التخفيف جميع التكاليف لكان –كما قال الإمام الشاطبي - نقضاً لما وضعت الشريعة له من إخراج المكلف عن داعية هواه. وضرب من الأمثلة على تسويغ ذلك طلب المعاش بالاحتراف وسائر الصنائع، فإنه مع اعتياده لا يزيل ما فيه من الكلفة.. وأحوال الإنسان كلها كلفة في هذه الدار في أكله وشربه وسائر تصرفاته، ولكن جعل الله له قدرة عليها بحيث تكون تلك التصرفات تحت قهره، لا أن يكون تحت قهرها.
وفي نحو هذا المبدأ الوصفي جاءت قاعدة أخرى مؤكدة هي:
(الأمر إذا ضاق اتسع) :
على أن ثمرة الخاصة التشريعية المعبر عنها بالمبدأين السالفين جاءت في مبدأ مشهور متداول هو:
(الضرورات تبيح المحظورات) :
وقد سبق بيان استمداد هذا المبدأ، وهو ذو غزارة في التطبيقات، وأبرزها يتصل بقضايا التطبيب والعلاج، فإن ممارسة أي من الإجراءات المندرجة فيهما هي في الأصل محظورة ومعتبرة جناية على النفس الإنسانية أو جزء منها، أو تسبباً في إتلافها ولحاق الضرر بها لولا عامل الضرورة الذي تسوغ معه تلك التصرفات وتغدو من باب أداء الواجب أو الفعل المأذون به. ولا مجال لسرد التطبيقات الخاصة بدءاً من إباحة النظر واللمس للعورة عند الاقتضاء، وانتهاء بأعمال المبضع في البدن دون أن ينشأ عنه قصاص أو ضمان.
стр. 13222
وإلى جانب المبدأ المراعي لحال الضرورة التي تستلزم التعرض للتلف أو وقوع الخطر، هناك مبدأ يعطي الأثر نفسه لحال (الحاجة) وهي ما ينشأ عنها عسر وصعوبة في الظروف الجماعية الشاملة للأمة أو الخاصة بطائفة أو مجموعة خاصة، لا للأفراد، فيكون (عموم الظرف) في (الحاجة) مدعاة لإحلالها منزلة الضرورة التي يطبق مبدؤها ولو كانت فردية. وهذا المبدأ هو:
(الحاجة تنزل منزلة الضرورة، عامة كانت أو خاصة) :
والمبادئ المتناولة لأثر الضرورة والحاجة العامة للأمة، أو الخاصة بمجموعة من فئاتها، محاطة بالضمانات الكافية للحيلولة دون اتخاذ ذلك ذريعة للخروج عن دائرة التكليف، وإلغاء الالتزام بأحكام الشريعة على نطاق زائد عن مقتضى الضرورة أو الحاجة، وللتعبير عن أهم تلك الضمانات جاءت المبادئ التالية:
(الضرورات تقدر بقدرها) :
فيباح بالضرورة القدر الذي يدفع الخطر، من غير بغي ولا عدوان، وتطبيق هذا المبدأ سار في تصرفات التطبيب، فلا يتجاوز المقادير المجزئة إلى غيرها، سواء من جهة أصل الفعل الاضطراري، أو من جهة توقيته واستمراره:
(ما جاز لعذر بطل بزواله) :
أو بصياغة أخرى لفكرة المبدأ هي:
(إذا زال المانع عاد الممنوع) :
وهو كما ينظم بقاء المسوغ الاضطراري من حيث الزمن يؤكد الربط بفقدان البديل السائغ ووجوده.
стр. 13223
هذا، وإن مبادئ مراعاة الضرورة هي المظلة الشرعية لكثير من قضايا التطبيب والعلاج، ليس للأفعال وحدها، بل للأشياء المحتاج إليها لإزالة الحالة المرضية التي تتحقق فيها شروط الاضطرار، كالتداوي ببعض المحرمات عند تعين الاستشفاء بها وعدم وجود دواء طاهر حلال يؤدي الغرض، حسب إخبار الطبيب المسلم الثقة في تدينه وخبرته، وذلك إذا لم يسعف تطبيق مبادئ المطهرات التي منها: انقلاب العين الأصلية واستحالة المادة إلى خصائص مادة أخرى. فحينئذ تسوق الضرورة إلى استعمال بعض المواد في العلاج والمداواة، ولو كان محكوماً –في الأحوال الطبيعية- بتحريمها للنجاسة أو لسبب آخر من أسباب الحظر، دون أن ينشأ عن ذلك المساس بمقصد أساسي من مقاصد التشريع. فيباح بالضرورة –عند الفقهاء- التداوي بالمقدار الذي لا يسكر؛ أما المقدار الذي يسكر فتحريمه موضع اتفاق ولو للدواء، لأنه كما يقول الإمام الشافعي، ومذهبه هو الأرحب في هذه المسألة: يمنع من أداء الفرائض ويؤدي إلى فعل المحرمات. ومستند اتفاق الفقهاء على تحريم التداوي بما يسكر هو قول النبي ﷺ عن الخمر مخاطباً من كان يصفها للدواء: ((إنها ليست بدواء)) أما المشمول بحكم الضرورة فهو المقدار الذي لا يسكر، والمعروف أن ما يستعمل في الأدوية من المواد القابلة للإسكار هي مقادير قليلة وفي أوقات متباعدة، ومع هذا يحسن بالمسلم الخروج من مواطن الخلاف، والحرص على الالتزام بالجادة في أمور الدين، ومثل هذا الموقف إذا اتخذ طابعاً جماعياً يجعل المعنيين بصناعة الدواء يذعنون لمراعاته تحت وطأة المصالح الاقتصادية، بعد أن أهدروا مصلحة الدين وحفظ العقل.
وقبل مغادرة الكلام عن هذا المبدأ الهام لا بد من الإشارة إلى إشكال قديم أثير بشأن اعتبار (المرض) حالة ضرورة مسوغة للمحظور على قدم المساواة مع حال (المخمصة) من حيث إن هذه إن لم يتناول فيها الغذاء المحظور أدى ذلك الامتناع إلى التلف يقيناً، لما سن الله من السنن الكونية بزوال الجوع عند تناول الغذاء، أما الدواء المتناول فقد يحصل معه الشفاء أو لا يحصل، فانتفى عنصر اليقين. وقد جاء جواب هذا الإشكال على لسان الإمام السرخسي بأن ما لا طريق إلى معرفته حقيقة ويقيناً يكتفى فيه بغالب الظن. ولا شك أن الظن يقوى بما بلغته طرق التشخيص والعلاج من شأن رفيع، بسبب التطور الزمني واكتشاف كثير من الوسائل الآخذة من اليقين بحظ كبير، بدءاً بالمجهر، ومروراً بالتخطيط والأشعة، إلى ما يكشف عنه العلم من جديد كل يوم.
стр. 13224
حق الغير وإذنه فيه
إن من المبادئ المنظمة مبدأ (الحق) ، لا سيما إن كان للعباد أو في ملكهم، وهو شديد الصلة بمبدأ (الإذن) ، وكل من الحق والإذن إما أن يرجع إلى الشارع (حق الله) و (الإذن الشرعي) أو إلى الإنسان (حق العبد) و (إذن المالك) ، وإن للحقوق تقسيمات وأنواعاً ليس من المناسب التوسع فيها بمجال كهذا، لا سيما أنها موضوع مشترك بين المعاملات المالية والتصرفات الجنائية، وإن ذلك يجر إلى الكلام عن (المسؤولية) ، وهو جانب عولج على حدة لاتصاله بأمور أخرى غير الحق والإذن، كالقصد وطبيعة الفعل والخبرة.
على أن من المفيد لتنويع المبادئ المنوه بها الإشارة إلى أن منها:
(لا يجوز لأحد أن يتصرف في ملك الغير بلا إذن) :
وبدن الإنسان ملك لله ، وفيه مع ذلك حق للعبد نفسه، فهو مما يجتمع فيه الحقان (حق الله وحق العبد) ، وهذا من حكمة التشريع، فهذا الاجتماع للحقين مما يستظهر به على صيانة محل الحق، بدلاً من سهولة سقوطه أو إسقاطه ما لم يتوافر اجتماع إذن الشارع مع إذن المالك. وإذن الشارع منه المنصوص عليه في صورة أحكام شرعية، ومنه المنوط بالولاية العامة التي تقول قاعدتها:
(التصرف على الرعية منوط بالمصلحة) :
على أن إذن الشارع سواء كان بالأحكام المنصوصة أو القواعد العامة هو المرجع في حال القصور أو العجز عن إصدار الإذن ممن كان الأصل أن يملكه، ولهذا كان إلى جانب الولاية العامة: الولاية الخاصة والوصاية والقوامة.
أما إذن المالك فهو بإطلاق التصرف ابتداء أو إجازته بعد وقوعه.
وما يتصل بهذا المبدأ ما أبداه العلامة القرافي من فرق في الأثر بين الإذن من صاحب الشرع (وهو في الغالب عام) وبين الإذن من قبل المالك (وهو من الإذن الخاص) بأن إذن المالك يسقط الضمان، أما إذن الشارع فالأصل فيه إسقاط التبعة الأخروية والعقوبة، دون الضمان (المسؤولية المدنية) وهذا تفضل من الله على عباده حيث جعل ما هو حق لهم لا يصح الإبراء فيه إلا برضاهم وإسقاطهم ضمانه. هذا الفرق تدل عليه القاعدة العامة:
стр. 13225
(الاضطرار لا يبطل حق الغير) :
وهو مطرد حيث يكون هناك قيود للإذن الشرعي، أما إذا كان الإذن من صاحب الشرع –أي الجواز – مطلقاً عن أي قيد (ومثاله مما هنا الإجراء الطبي حسب المعتاد، إذا أدى لتلف غير مقدور على التحرز منه) فإن المبدأ المستحق التطبيق هنا أن:
الجواز الشرعي ينافي الضمان:
وهو كما حققه الشراح لهذه القاعدة: الجواز الشرعي المطلق عن أي قيد (عدا عدم التقصير والتعدي) ، ومثاله: أن يكون التصرف الطبي لم تلحظ فيه القيود الشرعية العامة؛ كحفظ حق الغير (بحصول الإذن) أو التحرز من مضاعفات يمكن التوقي منها، لأن تجويز الشرع لهذه التصرفات مقيد بشرط السلامة فيما يمكن التحرز عنه.
ومن تمام القول في الحق والإذن تصريح العلماء كالعز بن عبد السلام والقرافي أن ما هو حق خالص لله تعالى، أو فيه حق له وحق للعباد، لا يتمكن العباد من إسقاط حق الله في الحالتين، بل ذلك يرجع إلى صاحب الشرع. وينوب عن إذن المالك إذن غيره من الأولياء، ومنهم أولو الأمر، في حال الاضطرار إذا ما فقد صاحب الحق مقدرة التصرف المعتبر.
стр. 13226
التعاون والنفع والإيثار
إن الحض على التعاون والإحسان وفعل الخير مما تواردت عليه آيات القرآن والأحاديث النبوية المعروفة، ونفع الناس من الرغائب المشروعة المحمودة إلا فيما نهى الشارع عنه، والنهي إما لمحظور يتصل بالفعل النافع لضرر ديني عام، أو لأن النفع يقابله ضرر أكبر لباذله، على ما سبق في مبادئ إزالة الضرر ومراعاة الضرورة. فإذا خلا الفعل النافع للغير من ذلك، وكان الضرر الذي يرفع عن الآخرين أشد من الضرر اللاحق بالمقدم على النفع، فهو من الإيثار على النفس ولو لحقها شيء من الخصاصة أو الضرر المحتمل، أو المتوهم.
وهذه المبادئ هي المسوغ الشرعي للتطبيب القائمة على تقديم الدم والأعضاء البديلة إلى المرضى التالفة أعضاؤهم مما يبذله المحسنون دون أن يؤدي ذلك إلى التهلكة المنهي عنها. ومستند ذلك مقتضى النصوص التي ألمحنا إلى كثرتها في هذا المجال، كقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [المائدة:٥] ، وقوله: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ١٩٥] ، وقوله: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج: ٧٧] ؛ وقوله: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩] ؛ ومن الحديث الشريف قوله ﵊: ((من استطاع أن ينفع أخاه فلينفعه)) وفي رواية ((فليفعل)) أخرجه مسلم في صحيحه.
فهذه النصوص وغيرها كثير، ليست مبادئ أخلاقية فحسب، بل هي ذات أثر تشريعي في الإباحة والترغيب، إن لم يكن بالوجوب عند من يجعله أولى ما تقتضيه صيغ الأمر. فهذا العلم من الجائز شرعاً وهو من صنائع المعروف وأبلغ صور الإحسان و ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [التوبة: ٩١] .
стр. 13227
وهذا كله إذا كان على سبيل التبرع؛ لأن المبدأ أنه:
(يغتفر في التبرعات ما لا يغتفر في المعاوضات) :
أما إن كان ذلك على سبيل المعاوضة نظير بدل، فإنه تصرف يثير كثيراً من الحرج والشبهة بالحرام، جرياً على أن أجزاء الآدمي ليس لها مالك إلا الله تعالى، فليست مما يباع ويشترى. وقد بلغ التحرز ببعض الفقهاء أن يفسروا بيع لبن المراضع بأنه استئجار لشخص الظئر (المرضع) والانتفاع بلبنها أمر تبعي؛ مع أنه مما فصلت في شرعيته النصوص الصريحة رعاية لضرورة حفظ الأنفس، وما اللبن هنا إلا أجزاء مبانة بصورة طبيعية عن بدن المرضع، ولا نفع مقصوداً لجسدها منه، فكأنه مما استودعها الله إياه لنفع الرضعاء.
ولا يتنافى مع حظر المعاوضة عن هذا البذل أن يقبل الباذل ما يكافأ به من غير مشارطة ولا مواطأة، لقوله تعالى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ [الرحمن: ٦٠] ، وما روي عنه ﷺ : - بالرغم من ضعفه - ((من أتى إليكم معروفاً فكافئوه، فإن لم تجدوا فادعوا له)) فهو مما تشهد له قواعد الشريعة العامة.
كما يملك أولو الأمر تخصيص مكافآت تشجيعية لا مشارطة فيها ولا التزام، للترغيب في هذا اللون من الإحسان وفعل الخير، أو للمعونة على ترميم آثاره على الجسم، كتشجيعهم على أشباه ذلك من الأعمال المندوبة أو الواجبة لكونها من الطاعات المفروضة أو مما ينبغي احتساب الأجر فيه.
وأخيراً ليست هذه المبادئ كل ما يتصل بموضوعنا، وهي أيضاً لا يقتصر تطبيقها عليه، بل هو أهم مجالات استثمارها والاستنارة بها في تكوين الإلمام بمنحى الشريعة في هذه الأمور عن طريق وسط بين تلقي الفروع المجردة، أو التوسع غير الميسور في غمار الأدلة ومقتضاها؛ و (كل ميسر لما خلق له) وإتقان العلوم والمعارف والحرف والصناعات كلها مما فرضه الله على جماعة المسلمين، بإزاء ما عم بفرضيته كل مسلم من طلب العلم بما تقتضيه حاله وتمس إليه حاجته في حياته ومهنته بعد الفرائض العينية المعروفة.
стр. 13228
المراجع
- تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن) (٦٧١ هـ) ط. دار الكتاب العربي.
- نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار، للشوكاني (١٢٥٠ هـ) .
- المستصفى في الأصول، للإمام الغزالي (٥٠٥ هـ) .
- إرشاد الفحول إلى علم الأصول، للشوكاني.
- بداية المجتهد ونهاية المقتصد، لابن رشد الطبيب (الحفيد) ط. الخانجي.
- المبسوط، لشمس الأئمة السرخسي. ط. السعادة.
- التاج والإكليل للمواق المالكي (بهامش مواهب الجليل) ط. السعادة ١٣٢٨ هـ.
- أسنى المطالب شرح روض الطالب للقاضي زكريا الأنصاري الشافعي.
- المغني شرح مختصر الخرقي، لابن قدامة الحنبلي.
- المحلى، لابن حزم الأندلسي ط. المنيرية ١٣٥٠ هـ.
стр. 13229
- زاد المعاد (الجزء الثالث: الطب النبوي) لابن القيم.
- الموافقات في أصول الشريعة للشاطبي (٧٩٠ هـ) ط. مصطفى محمد.
- قواعد الأحكام في مصالح الأنام، للإمام عز الدين بن عبد السلام ط (١) ١٣٥٣ هـ.
- الفروق (أنوار البروق في أنواء الفروق) للإمام القرافي (٦٨٤ هـ) ط. دار إحياء الكتب العربية.
- الأشباه والنظائر في قواعد فروع فقه الشافعية، للسيوطي (٩١١ هـ) ط. عيسى الحلبي.
- الأشباه والنظائر، لزين الدين بن نجيم الحنفي ط. مؤسسة الحلبي وشركاه ١٣٨٧ هـ.
- القواعد، لابن رجب الحنبلي (٧٩٥ هـ) ط. الخانجي ١٣٥٢ هـ.
- القواعد والفوائد الأصولية، لابن اللحام البعلي الحنبلي س (٨٠٣ هـ) ط. السنة المحمدية.
- المنثور في القواعد، للإمام الزركشي (مطبوع بالكويت، الأوقاف) تحقيق د. تيسير أحمد فائق، مراجعة د. عبد الستار أبو غدة.
- المدخل الفقهي العام للأستاذ الشيخ مصطفى أحمد الزرقا، ط. الحياة.
ـ شرح القواعد الكلية للمجلة، للشيخ أحمد الزرقا، مراجعة د. عبد الستار أبو غدة، دار الغرب الإسلامي.
- رفع الحرج في الشريعة الإسلامية، للدكتور يعقوب عبد الوهاب الباحسين (رسالة دكتوراه) ط. بغداد.
- مجموعة بحوث فقهية (بحث الضرورة) للدكتور عبد الكريم زيدان. ط. الرسالة ومكتبة القدس.
стр. 13230
(٢)
من فقه الطبيب
وأخلاقيات الطب
تمهيد:
الطب في الدراسات الإسلامية:
حين أردت أن أكتب هذا الموضوع تحت شعار الطب الإسلامي تساءلت عما يستحق أن يدعى (الطب الإسلامي) ؛ لتكون الكتابة في الصميم، وكان الباعث على التساؤل هو أن الطب أحد العلوم التي لا يتضح فيها وجه هذا الوصف بعيداً عن جعل العلم يتعدد تبعاً للأديان والملل.. ثم تأملت فرأيت أن المقصود من الوصف بهذه الصفة التنويه بما أسداه الإسلام لعلم الطب من اعتبار وتشجيع، وما أكسبه من عناية استتبعت استمراره ونموه على نحو لم يشهد له مثيل في ظل غيره، وقد يؤدي لإيضاح المراد تقليب هذين اللفظين بأن يقال: (إسلاميات الطب) أو (طبيات الإسلام) . فالغرض تصويب النظر إلى الموقع الذي اتخذه الطب في أرجاء الدراسات الإسلامية بأنواعها.
وقد تركت الحديث عن نمو الطب في ظل الإسلام وجهود الأطباء المسلمين في تحرير ما ورثوه وإبداع ما ابتكروه من نظريات بعضها ظل محرزاً لهم حق السبق إليه، وبعض منها استلبه الأدعياء في غفلة الانحطاط والاستضعاف، حتى قيض الله من يشهد بالحقيقة، بشهود من أهلها أو أعدائها (والفضل ما شهدت به الأعداء) وهذا يغلب عليه الطابع الاختصاصي الفني، والجدير بجلائه هم الأطباء دون غيرهم. كما أمسكت عن التوسع في مجالين آخرين يستهويان الباحث في ظل ما في عنوان (الطب الإسلامي) من شمول:
أحدهما: هو الاستعراض التاريخي للجهود التأليفية في الطب وعلومه من قبل المسلمين، وذلك له كتب عامة تعنى بتاريخ العلوم من طب وغيره وتهتم بتقويم الكتب (الببليوغرافيا) . والرجوع إليها أو الاقتباس منها –من خلال نظرات سريعة - كفيل بالمطلوب. والسبيل الأمثل لتخليد هذه الجهود تحقيق مخطوطاتها ونشرها وترجمتها إلى اللغات الحية ليكون من مراجع الدراسات الطبية العالمية أمثال كتاب (الحاوي) للرازي المتوفى (٣١١ هـ = ٩٢٣م) و (القانون) لابن سينا (٣٤٨ هـ = ٩٦١م) وكتب ابن رشد (٥٩٥ هـ = ١١٩٨م) وكتب ابن زهر الأندلسي (٥٥٧ هـ = ١١٦١م) و (الشامل) لابن النفيس (٦٨٧ هـ = ١٢٨٨م) .
стр. 13231
وغيرها مما تلاحق بعدها.. تمهيداً لوصل حاضرنا العتيد بالماضي المجيد وانطلاقاً لرسم المستقبل المنشود.
والمجال الثاني: الربط والتوفيق بين النظريات الطبية الحديثة، وما ورد من نصوص فيها إشارات ذات صلة بها في القرآن والحديث. وهذا المجال أيضاً مما عني به القدامى والجدد بكتابات شاملة للنظريات العلمية مطلقاً أو خاصة بالطبي منها.
ومع ما يتطلب هذا المجال من ازدواجية لا بد منها للباحث فيه فقد كان حظ الأطباء للإسهام في بيانه أكثر من حظ غيرهم؛ لأنه يتطلب تمرساً في الطب وتعمقاً في علومه في حين يكفي له الإلمام بالدراسات الدينية والعربية.
وبعد.. فإن وراء ما أشرت إليه مجالاً رحباً لدراسة ما يمكن اعتباره أيضاً من مسمى (الطب الإسلامي) بدءاً من (الطب النبوي) المتضمن هدي النبي ﷺ في الطب الطبيعي، والعلاج الروحي والطب النفسي، والقواعد التي أرساها الإسلام لحفظ الصحة، ثم ما وراء ذلك من منارات منثورة في علوم الشريعة الغراء تفصل فقه الطبيب (الأحكام الخاصة به) وآدابه (أخلاقيات الطبيب) ، ومعظم ذلك مذكور في غير مظانه، وقليل منه قد حظي بباب مفرد لدراسته في الكتب الشاملة أو بكتاب مستقل فيه.
وفيما يلي إشارات لأهم الجوانب التي كان لها حيز في الدراسات الإسلامية بعيداً عن الاسترسال في الصعيدين التاريخي والتأويلي - المشار إليهما - لتكون هذه الدراسة تقريراً لأصالة الطب الإسلامي، ومدخلاً لوضع مرتكزات للدراسات المفصلة فيه، وذلك يسهم في فتح المجال أمام من ينشط لتسليط أضواء البحث الكاشفة لما خفي منها، ولا يتسع المقام لتلمس دور الطب في الدراسات الإسلامية - تأثراً وتأثيراً - في جميع الزمر المستقرة لتلك الدراسات، بدءاً بالقرآن، ومروراً بالسنة والسيرة، وانتهاء إلى الفقه وعلومه المساعدة لا سيما الحسبة والآداب الشرعية، لذا اقتصرت على لمحات في فقه الطبيب (الأحكام التي تتصل بمزاولته عمله من حل وحرمة) مع نبذ في الآداب التي ينبغي مراعاتها.
стр. 13232
النظرة الشرعية للطب:
لا بد من إلقاء هذه النظرة قبل الحديث عن فقه الطبيب وآدابه، ثم أنتقل لبيان الخصال التي أوجبت الشريعة الإسلامية على ممارس الطب المعرفة بها؛ لأنها من الأمور المتصلة بصميم عمله. وهي مما يختص بالقيام به غالباً، كما يشمل آثار تصرفاته في الأحوال العادية أو الطارئة؛ إذ من المقرر أنه يجب على المسلم – بالإضافة إلى معرفة الأحكام العامة في حق الجميع كالعبادة- اكتساب المعرفة بما يخصه في عمله لتكون تصرفاته موافقة للشرع، وليكون كسبه حلالاً.
ولعل أول ما يتعرض له الفقهاء في هذا المجال حكم (التداوي) ، ويستتبع ذلك تعرضهم لحكم (التطبيب) .. ولا يخفى أن الحديث عن هذين كان لهما قديماً ما يبرره إزاء مواقف بعض المتصوفة أو الزهاد الذين توهموا أن الإقدام على التداوي يخالف التوكل.. وقد اعتبرت هذه المواقف من باب التنطع بعدما ثبت تداوي النبي ﷺ شخصياً، والأمر لغيره بالتداوي والمداواة.
ويستوقف النظر في المراجع التي تناولت هذه القضية حرص الفقهاء على اعتبار (مهنة التطبيب) إحدى فروض الكفاية (١) بمعنى أنه إذا لم يوجد من ينهض بها أثم المسلمون كلهم، وإن القيام بها من البعض يسقط الإثم عن البقية، ويكون الأجر خاصاً بمن يقوم بذلك ... ويظهر أثر هذا الاتجاه حين الموازنة بمحاربة الطب من خلال شن الحملة عليه من قبل محتكري الوصاية على الأديان والعقول قبل الإسلام، بل بعده أيضاً في حقبة القرون الوسطى عند الغربيين.
стр. 13233
الفقه والخبرة الطبية
تثور الحاجة إلى خبرة الطبيب في أكثر من موضوع في الفقه الإسلامي، وتلك المواطن إما أن تتصل بالمرض أو الأعذار المبيحة لبعض الرخص والتيسير في العبادة.. وإما أن تتصل بالفصل في المنازعات التي تنشأ من دعاوى محلها جسم الإنسان، سواء أكان النزاع في شأن السلامة والبقاء على الفطرة وعدمها أم من قبيل ادعاء العيوب والنشاز..
ونظراً إلى أن الشريعة الإسلامية من منهجها العام في التشريع بناؤه على الأعم الأغلب، فقد ندر - في غير مجال الطب - ربط الأمور بالخبرة الفنية وحدها، بل أقيمت أكثر الأمور على حصول الأمارات الظاهرة الميسورة كما هو الحال في أوقات الصلاة ومطالع الأشهر وغيرها. أما في مجال الطب فلم يعدل عنه إلى غيره إلا في الأمور الميسور إدراكها بالتأمل أو بطول الأمد الكافي لظهور الأعراض واجتماع القرائن كما هو الحال في البلوغ وعلاماته الطبيعية.
وفي هذه الأحوال كان البديل ليس هو الشخص العادي، بل أصنافاً من ذوي الخبرة الآخذة من الطب بنصيب كالقابلة.. أو مجموعة من النساء الثقات.
ومن أهم أمثلة الحاجة إلى خبرة الطبيب في تحقيق شروط العبادة لوجود مزاولتها:
أ- التطهر لها بالوضوء والغسل - بحسب الحاجة - حيث ينتقل الواجب بحصول المرض من استعمال الماء، وهي الطهارة الحقيقية الأصلية، إلى طهارة بدلية اعتبارية هي التيمم، وقد يكون الانتقال في جزء من البدن لا في جميعه، ومثاله الإعفاء من مساس الماء للبدن، بسبب وضع جبائر حيث يستعاض عن ذلك بالمسح على الجبيرة.
ب- وصلاة المريض أحد الأبواب المعروفة في الفقه، حيث يصلي كما يطيق من قعود أو على جنب بحسب مقتضى مرضه.
جـ- والمرض أحد الأعذار التي يسقط بها وجوب الجمعة والجماعة، فيستعاض عن حضور المسجد بالصلاة في البيت. ومناط ذلك المرض تعذر الوصول إلى مكان المسجد، لما في الجسم من وهن أو في القدم من ألم.
стр. 13234
د- والمرض يبيح الفطر في رمضان ليكون الصوم في أيام أخر هي أيام الشفاء والعافية.. إلا إذا كان المرض مما لا يرجى شفاؤه فينتقل الواجب من الصوم إلى (الفدية) التصدق بطعام مسكين.. ولا يخفى أن الحكم بالمرض أصلاً أو بكونه مزمناً هو مهمة الطبيب دون غيره.
هـ- ومرض الموت له شأن آخر ليس ذاك المرض الميؤوس من شفائه فقط، بل هو الذي يزداد أثره حتى ينتهي بالوفاة، وله أحكام فقهية مفصلة بشأن التصرفات، ولا سيما الهبة والإقرار والطلاق.. والذي يقرر أن المرض من هذا القبيل هو الطبيب.. على أنه ليس من إعطاء الخبرة حقها في الدقة أن يطلق العنان للمرض مهما كان نوعه ومقداره لتستباح به الرخص ويعفى به عن الشروط؛ ولذا كان المرض عند الفقهاء أنواعاً لكل منها اعتباره.
وأكتفي بالإشارة إلى اختلاف الرأي في اكتفاء بعضهم بخوف زيادة المرض أو امتداد زمنه، واشتراط بعضهم خوف الهلاك أو فوات العضو، (١) على أن بعض الفقهاء اكتفى للاستفادة من الرخصة الشرعية بأن يكون في استعمالها (كالفطر في الصوم مثلاً) الظن بحصول الصحة وبعضهم اشترط اليقين. وفي هذه المعايير المختلفة دلالة واضحة على الدقة في تقدير الأمور والحاجة الماسة إلى الخبرة الفنية.. ويتأكد هذا المبدأ من استعراض نماذج من أشهر مجالات الرجوع للخبرة الطبية فيما يلي:
أ- ففي موضوع الزواج وثبوت المهر كاملاً بالدخول أو الخلوة لا يعتد بالخلوة؛ ما لم تكن الموانع زائلة، فالمرض أحد تلك الموانع لكنه (المرض الذي يمنع المعاشرة أو يلحقه به ضرر..) . (٢)
ب- والأمراض الجنسية التي تمنح بها المرأة حق الفرقة عن الزوج هي العنة والجب والخصاء، لكن المجبوب لا يتريث في اعتباره، أما العنين والخصي فيؤجل معهما الزوج سنة لتمر به الفصول الأربعة ويتبين هل ما به علة معترضة أم آفة أصلية.
جـ- وكذلك المرجع للخبرة الطبية في عيوب الزواج المستوجبة للخيار (وهي بالنسبة لما يوجد في الزوج مغتفرة عند بعض الفقهاء لوجود الطلاق الذي يتمكن به الزوج من مفارقة الزوجة المصابة.. ويمنحه بعضهم حق الخيار) وتنحصر تلك العيوب في ثلاثة عامة (الجذام، والبرص، والجنون) وقد عمم بعضهم أثرها ليشمل حالة إصابة الزوج بها.. وعيبين نسائيين هما الرتق: التصاق يمنع من المعاشرة الجنسية. والقرن: حائل عظمي أو لحمي يمنع من المعاشرة.
стр. 13235
ومن الواضح أن معرفة ذلك لا بد فيه من خبرة الطبيب، وإن كان يستعان في بعض الأحيان بالقابلة.. وهي صورة من صور الطب.. والأمثلة للتعويل على الخبرة الطبية كثيرة في شتى أبواب الفقه.
ولهذا وضع الفقهاء أساساً لاعتبار المرض مرخصاً في التيمم –وأمثاله من المواطن التي يتغير بها الحكم من حال إلى حال أخف أو أشد- وهو أن يعتمد على معرفة نفسه إن كان عارفاً، أي المعرفة الفنية، وإلا فله الاعتماد على قول طبيب واحد حاذق مسلم بالغ عدل. فإن لم يكن بهذه الصفة لم يجز اعتماده. ومفاد هذا أنه لا يعتمد على من لم تتوافر فيه الصفات والقيود المشار إليها، على أن بعض الفقهاء رأى أنه يجوز اعتماد قول من كان فاسقاً، لعدم التهمة هنا؛ لذا اقتصر هؤلاء في وصف الطبيب بأنه (مسلم ثقة) مع تقييده بالحذق والفطنة.
كما صرحوا بقبول المرأة وحدها؛ لأنه من باب الإخبار وليس من قبيل الشهادة التي جاء تنظيمها في الآية الكريمة:
﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] .
ومما يدل على إحالة الأمر إلى خبرة الطبيب منع بعض الفقهاء من التيمم إن لم يجد طبيباً على الصفة المشروطة. (١)