← Фикх общий

Фикх общий · id 8356

مجلة مجمع الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (22 276 стр.). Показаны 13441–13480 · переход к 13446.

стр. 13441

ثم إنني رأيت الكاتبين الباحثين اهتما بأخلاقيات الطبيب، وأرى من أخلاقيات الطبيب ألا يكون هنالك تناقض بين قوله وفعله، فالطبيب قدوة للمريض، كما أن الفقيه قدوة للعابد العامي، فإذا كان الطبيب يوصي بشيء وهو يخالفه فإن ذلك بطبيعة الحال يؤدي إلى التشكيك في كلامه. لا تنه عن خلق وتأتي مثله عار عليك إذا فعلت عظيم وإنك إذ ما تأتي ما أنت آمر به تلفى من إياه تأمر آت نحن نقرأ للأطباء دائماً عن الأمراض التي تنشأ عن التدخين، وقد قرأنا للدكتور البار –جزاه الله خيراً- كتاباً ذكر فيه أنواعاً كثيرة من أمراض السرطان ومن أمراض الجلطات ومن أمراض الشرايين وغيرها من الأمراض القاتلة التي تنشأ عن التدخين، بجانب ذلك في هذا اليوم وجدت في صحيفة عن الأطباء في بلاد عربية ما، بأن نسبة المدخنين منهم بلغت ٦٣ %، وعن بلد عربي آخر بأن نسبة المدخنين فيه من الأطباء بلغت ٦٠ %، وعن بلد إسلامي آخر أن نسبة المدخنين فيه وصلت إلى ٢٩ %، فإذ كان الطبيب يحذر المريض من التدخين ويقول له بأنه سم قاتل، وعندما يأتي إلى الطبيب لعلاجه يأتي والسيجارة بين أنامله يمتصها بشفتيه، ماذا عسى أن يكون اقتناع المريض بمقالة هذا الطبيب؟ وقد كنت في العام الماضي تمنيت وقدمت اقتراحاً أن يخرج المجمع هذا بقرار حاسم في حكم التدخين؛ لأن مضار التدخين أصبحت أمراً لا جدل فيه، والله ﵎ يحذر من كل ما يؤدي إلى الإضرار بالنفس، وخصوصاً الذي يؤدي إلى إهلاك النفس: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٢٩) وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا﴾ [النساء: ٣٠] ، أو طعن نفسه بحديدة، فلماذا لا يصدر عن هذا المجمع قرار حاسم في أمر التدخين؟

стр. 13442

أما بقية القضايا التي كانت تخطر ببالي أن أتحدث فيها، تحدث فيها المشائخ الفضلاء، وأرى في قضية نشر سر وإفشاء السر وعدم إفشائه أن ينظر في مقاصد الشرع فالمصلحة العامة مقدمة على المصلحة الخاصة، ودرء المفاسد مقدم على جلب المصالح. والله ولي التوفيق، وشكراً لكم، والسلام عليكم. الرئيس: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. لعل من المناسب أن تتألف اللجنة من كل من: الشيخ تقي العثماني، الشيخ عبد الله بن منيع، الأطباء: رجائي، البار، مصطفى أبو لسان، الشيخ الجفال. وبهذا ترفع الجلسة، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 13443

القرار بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه. قرار رقم: ٨٣/ ١٠/ د٨ بشأن السر في المهن الطبية إن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره الثامن ببندر سير باجوان، بروناي دار السلام من ١ إلى ٧ محرم ١٤١٤هـ، الموافق ٢١- ٢٧ يونيو ١٩٩٣م. بعد اطلاعه على البحوث الواردة إلى المجمع بخصوص موضوع: (السر في المهن الطبية) . وبعد استماعه إلى المناقشات التي دارت حوله، قرر ما يلي: ١- أ- السر هو ما يفضي به الإنسان إلى آخر مستكتماً إياه من قبل أو من بعد، ويشمل ما حفت به قرائن دالة على طلب الكتمان إذا كان العرف يقضي بكتمانه، كما يشمل خصوصيات الإنسان وعيوبه التي يكره أن يطلع عليها الناس. ب- السر أمانة لدى من استودع حفظه، التزاماً بما جاءت به الشريعة الإسلامية، وهو ما تقضي به المروءة وآداب التعامل. ج- الأصل حظر إفشاء السر، وإفشاؤه بدون مقتضٍ معتبر موجب للمؤاخذة شرعاً. د- يتأكد واجب حفظ السر على من يعمل في المهن التي يعود الإفشاء فيها على أصل المهنة بالخلل، كالمهن الطبية؛ إذ يركن إلى هؤلاء ذوو الحاجة إلى محض النصح وتقديم العون، فيفضون إليهم بكل ما يساعد على حسن أداء هذه المهام الحيوية، ومنها أسرار لا يكشفها المرء لغيرهم حتى الأقربين إليه.

стр. 13444

٢- تستثنى من وجوب كتمان السر حالات يؤدي فيها كتمانه إلى ضرر يفوق ضرر إفشائه بالنسبة لصاحبه، أو يكون في إفشائه مصلحة ترجح على مضرة كتمانه، وهذه الحالات على ضربين: أ- حالات يجب فيها إفشاء السر بناء على قاعدة ارتكاب أهون الضررين لتفويت أشدهما، وقاعدة تحقيق المصلحة العامة التي تقضي بتحمل الضرر الخاص لدرء الضرر العام إذا تعين ذلك لدرئه. وهذه الحالات نوعان: - ما فيه درء مفسدة عن المجتمع. - وما فيه درء مفسدة عن الفرد. ب- حالات يجوز فيها إفشاء السر لما فيه: - جلب مصلحة للمجتمع. - أو درء مفسدة عامة. وهذه الحالات يجب الالتزام فيها بمقاصد الشريعة وأولوياتها من حيث حفظ الدين والنفس والعقل والمال والنسل. ج- الاستثناءات بشأن مواطن وجوب الإفشاء أو جوازه ينبغي أن ينص عليها في نظام مزاولة المهن الطبية وغيره من الأنظمة، موضحة ومنصوصاً عليها على سبيل الحصر، مع تفصيل كيفية الإفشاء، ولمن يكون، وتقوم الجهات المسؤولة بتوعية الكافة بهذه المواطن. ٣- يوصي المجمع نقابات المهن الطبية ووزارات الصحة وكليات العلوم الصحية بإدراج هذا الموضوع ضمن برامج الكليات والاهتمام به وتوعية العاملين في هذا المجال بهذا الموضوع، ووضع المقررات المتعلقة به، مع الاستفادة من الأبحاث المقدمة في هذا الموضوع. والله أعلم.

стр. 13445

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه. قرار رقم: ٨٤ / ١١ / د٨ بشأن أخلاقيات الطبيب: مسؤوليته وضمانه إن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره الثامن ببندر سيري باجوان، بروناي دار السلام من ١ إلى ٧ محرم ١٤١٤هـ الموافق ٢١- ٢٧ يونيو ١٩٩٣م. بعد اطلاعه على البحوث الواردة إلى المجمع بخصوص موضوع: (أخلاقيات الطبيب: مسؤوليته وضمانه) . وبعد استماعه إلى المناقشات التي دارت حوله، قرر ما يلي: تأجيل إصدار قرار في موضوع أخلاقيات الطبيب: مسؤوليته وضمانه وموضوع التداوي بالمحرمات، والنظر في دستور المهنة الطبية المعد من المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية بالكويت والطلب إلى الأمانة العامة لاستكتاب المزيد من الأبحاث في تلك الموضوعات لعرضها في دورة قادمة للمجمع. والله أعلم

стр. 13446

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه. قرار رقم: ٨٥ /١٢ / د٨ بشأن مداواة الرجل للمرأة إن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره الثامن ببندر سيري باجوان، بروناي دار السلام من ١ إلى ٧ محرم ١٤١٤هـ الموافق ٢١- ٢٧ يونيو ١٩٩٣م. بعد اطلاعه على البحوث الواردة إلى المجمع بخصوص موضوع: (مداواة الرجل للمرأة) . وبعد استماعه إلى المناقشات التي دار حوله، قرر ما يلي: ١- الأصل أنه إذا توافرت طبيبة متخصصة يجب أن تقوم بالكشف على المريضة، وإذا لم يتوافر ذلك فتقوم بذلك طبيبة غير مسلمة ثقة، فإن لم يتوافر ذلك يقوم به طبيب مسلم، وإن لم يتوافر طبيب مسلم يمكن أن يقوم مقامه طبيب غير مسلم، على أن يطلع من جسم المرأة على قدر الحاجة في تشخيص المرض ومداواته، وألا يزيد عن ذلك، وأن يغض الطرف قدر استطاعته، وأن تتم معالجة الطبيب للمرأة هذه بحضور محرم أو زوج أو امرأة ثقة خشية الخلوة. ٢- يوصي المجمع أن تولي السلطات الصحية جل جهدها لتشجيع النساء على الانخراط في مجال العلوم الطبية، والتخصص في كل فروعها، وخاصة أمراض النساء والتوليد، نظراً لندرة النساء في هذه التخصصات الطبية، حتى لا نضطر إلى قاعدة الاستثناء. والله أعلم.

стр. 13447

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه. قرار رقم: ٨٦ /١٣/ د٨ بشأن مرض نقص المناعة المكتسب: (الإيدز) إن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره الثامن ببندر سيري باجوان، بروناي دار السلام من ١ إلى ٧ محرم ١٤١٤هـ الموافق ٢١- ٢٧ يونيو ١٩٩٣م. بعد اطلاعه على البحوث الواردة إلى المجمع بخصوص موضوع: (مرض نقص المناعة المكتسب (الإيدز)) . وبعد استماعه إلى المناقشات التي دارت حوله: قرر ما يلي: ١- بما أن ارتكاب فاحشتي الزنا واللواط أهم سبب للأمراض الجنسية التي أخطرها الإيدز (متلازمة العوز المناعي المكتسب) ، فإن محاربة الرذيلة وتوجيه الإعلام والسياحة وجهة صالحة تعتبر عوامل هامة في الوقاية منها، ولا شك أن الالتزام بتعاليم الإسلام الحنيف ومحاربة الرذيلة وإصلاح أجهزة الإعلام ومنع الأفلام والمسلسلات الخليعة ومراقبة السياحة تعتبر من العوامل الأساسية للوقاية من هذه الأمراض. ويوصي مجلس المجمع الجهات المختصة في الدول الإسلامية باتخاذ كافة التدابير للوقاية من الإيدز ومعاقبة من يقوم بنقل الإيدز إلى غيره متعمداً، كما يوصي حكومة المملكة العربية السعودية بمواصلة تكثيف الجهود لحماية ضيوف الرحمن واتخاذ ما تراه من إجراءات كفيلة بوقايتهم من احتمال الإصابة بمرض الإيدز.

стр. 13448

٢- في حالة إصابة أحد الزوجين بهذا المرض، فإن عليه أن يخبر الآخر، وأن يتعاون معه في إجراءات الوقاية كافة. ويوصي المجمع بتوفير الرعاية للمصابين بهذا المرض، ويجب على المصاب أو حامل الفيروس أن يتجنب كل وسيلة يعدي بها غيره، كما ينبغي توفير التعليم للأطفال الذين يحملون فيروس الإيدز بالطرق المناسبة. ٣- يوصي مجلس المجمع الأمانة العامة باستكتاب الأطباء والفقهاء في الموضوعات التالية، لاستكمال البحث فيها وعرضها في دورات قادمة: أ- عزل حامل فيروس الإيدز ومريضه. ب- موقف جهات العمل من المصابين بالإيدز. ج- إجهاض المرأة الحامل المصابة بفيروس الإيدز. د- إعطاء حق الفسخ لامرأة المصاب بفيروس الإيدز. هـ- هل تعتبر الإصابة بمرض الإيدز من قبيل مرض الموت من حيث تصرفات المصاب؟ و أثر إصابة الأم بالإيدز على حقها في الحضانة. ز- ما الحكم الشرعي فيمن تعمد نقل مرض الإيدز إلى غيره. ح- تعويض المصابين بفيروس الإيدز عن طريق نقل الدم أو محتوياته أو نقل الأعضاء. ط- إجراء الفحوصات الطبية قبل الزواج لتجنب مخاطر الأمراض المعدية وأهمها الإيدز. والله أعلم.

стр. 13449

بحوث مجمعية السنة النبوية في العصر الحديث بين أنصارها وخصومها إعداد الدكتور محمد الحبيب ابن الخوجة الأمين العام لمجمع الفقه الإسلامي بجدة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله الذي بعث في الأميين رسولاً منهم يتلو عليهم آياته، ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة، وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين. وصلى الله وسلم على عبده ورسوله، وصفيه وخليله، سيدنا ومولانا محمد، الذي بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، فدعا وقضى، ووعظ وهدى، وأمر ونهى، وحثنا على اتباع سبيله بقوله: ((تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه)) . (١) طوبى لنا بميراث النبوة تمتد إليه أيدينا، وتتدبره عقولنا، وتتطلع إلى أسراره نفوسنا، وتمتلئ به صدورنا، وتجري به ألسنتنا، فلا نفتر عن ذكره، ولا ننتهي من الرجوع إليه في مجالسنا، وفيما قل أو جل من أمورنا، وإن الوحي، الظاهر والباطن، ليزكي النفس، ويشرح الصدر، ويهدي إلى الحق، ويبني الفرد، ويقيم الجماعة، ويشيد النهضة الإسلامية، ويمد الأمة بطاقات الحزم والجد والعمل الدؤوب من أجل التنمية في عالمنا المعاصر، واسترجاع معاني العزة وأسباب الريادة. وإن هذا الميراث العظيم الجليل بقرآنه وسنته ليصدر عن مشكاة واحدة هي الوحي بنوعيه. وإنهما لمتلازمان، وإن السنة لتطبيق مثالي للإسلام، وعملي للقرآن، وتفصيل بياني لآياته، وتقرير لما لا التواء فيه ولا معارضة منه لروحه وأحكامه، وهي أيضاً منهج رسمه نبينا ﷺ ، بسيرته المثلى وعلاقاته بربه ومع نفسه وبالخاصة والعامة. وإن السنة لهي المرجع والفيصل عند اختلاف المتأولين لنصوص القرآن، وإن صاحبها ﷺ لأدرى بمعاني الكتاب وأسراره، وأفضل وأعلم من صدر عنه التأويل العملي لتعاليمه. فهو الذي أوحى له به، وقام بتبليغه لحينه بأمر من ربه في قوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤] . وقوله: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [النحل: ٦٤] .

стр. 13450

وإن في هذا القرآن المبين لشهادة صريحة بتعبد الله خلقه بسنة نبيه، واقتضائه منهم العمل بها، والامتثال لأمره ونهيه فيها. قال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠] ، وقال: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النور: ٥٤] ، وقال: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] . قال الشيخ ابن عاشور: (وهذه الآية جامعة للأمر باتباع ما يصدر عن النبي ﷺ ، من قول أو فعل، فيندرج فيها جميع أدلة السنة) . (١) والإسلام الذي هو تسليم لله واستسلام له، واعتراف للخالق بالوحدانية المطلقة في كل شيء وللرسول بالتبليغ لأمر ربه والدعوة لدينه، جملة حقائق وتعاليم يدين بها المرء، فلا تقبل زيادة ولا نقصاناً، ولا يكون له معها خيرة في الأمر من أوامر الله أو رسوله، إن شاء فعل، وإن شاء ترك؛ لقوله جل وعلا: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٣٦] . وإن إخلاص الدين لله لا يكون إلا بالانقياد الكامل، والامتثال التام، والاتباع المطلق لما أمر به الله ورسوله، وإن أوامر هذا الدين ونواهيه لجارية على اعتبار مقاصد شرعية جليلة ودقيقة، تحقق للمؤمنين ما فيه صلاحهم الروحي والاجتماعي، وتقيهم المفاسد والمخاطر. وهذا ما نبه إليه القرآن الكريم في قوله: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: ١٥٧] . والرسول الكريم هو الداعي إلى الخير، والقائد إلى الخير، وهو الأسوة الحسنة. ومتى ما ثبتت سنته، وصحت الأحاديث المنقولة عنه، ساعدت الآخذين بها من المتبعين لسبيله على بلوغ أسباب الهداية، وإدراك المحجة البيضاء التي ليلها كنهارها، والتي بوأها ﷺ أصحابه وتابعيهم ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. وذلك ما عناه ﵊ عند تعريفه للفرقة الناجية بقوله: ((ما أنا عليه وأصحابي)) (٢)

стр. 13451

وهكذا يتضح لنا، ولكل من فقه الإسلام وأدرك مقوماته وخصائصه ومميزاته، أن الرسول ﷺ كان بسنته من أقواله وأفعاله وسلوكه المثال الصادق، واللسان الناطق بتلك الحقائق المميزة الفاضلة جميعها. وإن الخبراء وأهل الحق والمعرفة ليعتبرون لذلك السنة هيكل بناء الإسلام، ويجدون فيها، مدى الدهر، الغذاء الروحي والعلاج النفسي والسلوكي الكامل للمؤمنين، وهي عندهم، وعند الصادقين من غيرهم، ممن عرفوا بالنزاهة الفكرية، والتزموا فيما صدروا عنه من بحوث ودراسات بالموضوعية العلمية، الطريق الوحيدة لإدراك أسباب النهضة والعزة في العصور الأولى للتاريخ الإسلامي، ومعرفة دواعي التخلف والانهزام والانحلال والتبعية فيما لحقها من أطوار. وإنا لنزداد إيماناً بذلك، وإيقاناً بالإسلام، واعتداداً بسنة نبينا ﷺ متى سبرنا أغوار الرسالة المحمدية، وعلمنا إلى أي حد كان اهتمام رسولنا شديداً بالحياة الإنسانية واتجاهاتها المكتشفة في المظهرين: الروحي والمادي، ولمسنا تطرق هديه في الحياة كلها في مظاهرها الخلقية والعملية الفردية والاجتماعية بما يخرج الناس من الحيرة، ويرفع عنهم القلق، ويملأ قلوبهم طمأنينة ورحمة، ويبني لهم أكرم حياة مدنية وأكمل نظام اجتماعي، هو النظام الإسلامي المتميز. ولنتمكن من تصور هذا النظام، في الدقيق والجليل من جزئياته وفرائده، يكون حتماً علينا أن نعود إلى ذلك التراث النبوي الفريد الذي جمعه لنا أصحاب رسول الله، ورواه عنه أتباعهم ومن سلك سبيلهم؛ قصد الاستمداد منه، والتحلي به، والتخلق بآدابه، والعمل بحسبه في كل الشؤون والتصرفات. فلقد أقاموا بصنعهم الجميل للإسلام دولته الزاهرة، وللأمة الإسلامية حضارتها الباهرة، وإن هؤلاء وأولئك لنجوم الاهتداء، وطريقنا إلى معرفة السنة، والسند القائم بيننا وبين رسول الله ﷺ ، الذي يصلنا بها ويجليها لنا، ويقدم عن طريقها للخلف فيوضات الحكمة النبوية وتعاليمها الشريفة السنية.

стр. 13452

و (إن الصحابة، رضوان الله عليهم، وكلهم عدول، قد سمعوا كما قال ابن القيم من النبي ﷺ ، الأحاديث الكثيرة، ورأوا من الأحوال المشاهدة، وعلموا بقلوبهم من مقاصده ودعوته ما يوجب فهم ما أراد بكلامه ما يتعذر على من بعدهم مساواتهم فيه. فليس من سمع وعلم ورأى من حال المتكلم كمن كان غائباً لم ير ولم يسمع، أو سمع وعلم بواسطة أو وسائط كثيرة. وإذا كان للصحابة من ذلك ما ليس لمن بعدهم، كان الرجوع إليهم في ذلك دون غيرهم متعيناً قطعاً) . (١) وعن هؤلاء الأئمة المتقدمين حملة الكتاب ورواة السنة، الذين لا يدانيهم أحد في المنزلة والرتبة أخذ التابعون وأتباع التابعين، ومن انخرط في سلكهم من العلماء المحدثين، والحفاظ المعتمدين، والأثبات المدققين، ممن شهد لهم الخاص والعام بالثقة والإتقان والحفظ والضبط، وأطبق جمهور علمائنا على كونهم: (من أعظم الناس صدقاً وأمانة وديانة، وأوفرهم عقولاً، وأشدهم تحفظاً وتحرياً للصدق ومجانبة للكذب، وإن أحداً منهم لا يحابي في ذلك أباه ولا ابنه ولا شيخه ولا صديقه، وأنهم حرروا الرواية عن رسول الله ﷺ تحريراً لم يبلغه أحد سواهم، ولا من الناقلين عن الأنبياء، ولا من غير الأنبياء. وهم شاهدوا شيوخهم على هذه الحال وأعظم، وأولئك شاهدوا من فوقهم كذلك وأبلغ، حتى انتهى الأمر إلى من أثنى الله عليهم أحسن الثناء وأخبر برضاه عنهم واختياره لهم، واتخاذ إياهم شهداء على الأمم يوم القيامة) (٢) فإذا جاء عن طريق هؤلاء من الأخبار والسنن ما تم نقده وتمحيصه، ووصلنا من الأحاديث الثابتة عنهم ما عرف صدقه وصحت روايته، لزم العمل به؛ لما فيه من تزكية للنفوس، وتلقين للحكمة، وبيان لأسباب نزول القرآن، وتفسير لألفاظه ومعانيه، وتفصيل لأغراضه، وغوص على أسراره ودقائقه، وشرح لمجمله، وتقييد لمطلقه، وتخصيص لعمومه، وتعيين لمبهمه. وقد ورد عن عمر بن الخطاب، ﵁، بيان وجه الأخذ بالسنة عند مجادلة الضالين وتحريف المبطلين، وذلك قوله: (سيأتي ناس يجادلون بشبهات القرآن، فخذوهم بالسنن؛ فإن أصحاب السنن أعلم بكتاب الله) . (٣)

стр. 13453

وقد أجمعت الصحابة ومن بعدهم على العمل بالسنة، وكذلك أئمة الدين وعلماء الأمة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (فهؤلاء يعتمدون السنة ولا يتعمدون مخالفة رسول الله ﷺ في شيء من سنته دقيق ولا جليل، وإنهم متفقون اتفاقاً يقينياً على وجوب اتباعه، وعلى أن كل واحد من الناس يؤخذ من قوله ويترك، إلا رسول الله ﷺ . (١) فهو الهادي الذي أقام الله به الدين، وأنقذ به الأمة، وهو المرجع في الأفهام والأحكام، وفيما أغلق إدراكه على الناس، وهو النبي الذي أطلعه الله على أسرار حكمته وخصائص خلقه، وأفاض على قلبه من الأنوار ما سما به على الأفئدة الواعية والعقول الراجحة، وهدى به الإنسانية كلها إلى ما فيه صلاحها وعلو شأنها، فلا خير إلا في اتباعه، ولا هداية إلا بملازمة سبيله: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٦) ﴾ [المائدة: ١٥ – ١٦] . فلا بدع بعد ذلك إذا رأينا العلماء يُقبلون على السنة تعريفاً وتقعيداً، رواية ودراية، ضبطاً ونقداً، تصحيحاً وتضعيفاً. ولا بدع أن نجد لهم في ذلك الدواوين النافعة المقيدة: من الموطآت، والمسانيد، والصحاح، والسنن، والأمالي، والفوائد، والأجزاء، والفرائد، والمجالس ونحوها، ونراهم يبحثون أسانيد الأخبار ومتونها، يُذهبون عنها الزيف، وينفون عنها تحريف الضالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين، ونقف لهم على ما صنفوه من كتب الطبقات والمعاجم والمشيخات، تعريفاً بالرجال، وتمحيصاً للأحاديث، إلى جانب ما ابتكروه من كتب علم السنة ومصطلحاتها، أو وضعوه في التجريح والتعديل.

стр. 13454

وبفضل هذه العناية الفائقة، اتضح الحق وذهب الشك، ودُوِّنَ الحديث تدويناً لا يزيد الناظرين فيه إلا اطمئناناً وثقة بما اعتمده المحدثون من المصادر الموثوق بها، واستدلوا به من الأخبار الصحيحة، كما تَسَنَّى للفقهاء وعلماء الشريعة والمجتهدين في كل عصر أن يمتثلوا سنة نبيهم ويُحَكِّموها فيما بينهم، ويتركوا أقوال الناس لها ويعرضوها عليها، فما وافقها أخذوا به، وما خالفها طرحوه. وذلك ما يتحقق به قيام أمر الإسلام وتميزه عن غيره من الشرائع والأديان. وهو ما دعا سبحانه إليه المؤمنين في قوله: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩] ، وقوله في وجوب الاحتكام إلى الكتاب والسنة والرضا بما جاء فيهما من تشاريع وأحكام: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥] . وإنك لن تجد عند البحث في كتاب الله والتدبر له والاستنباط منه إماماً من أئمة الفقه، أو مذهباً من المذاهب الفقهية في مختلف الأصقاع والأمصار، إلا واعتماده على الحديث أساسي، لا يكاد يتخلف في فرع من الفروع أو مسألة من المسائل. وإن للكثير منهم مسانيد تجمع أدلتهم، وتشير إلى وجه الحكم فيما عرضوا له أو عرض لهم من القضايا. ولم يتخلف الأصوليون أيضاً عن الاهتمام بالسنة وتفصيل القول فيها، فكتبوا في حجيتها وثبوتها، وفصلوا القول في دلالتها وشروط قبولها وأقسامها. وهؤلاء وأولئك لا يعنون بها ولا يحفلون منها إلا بما ورد مورد التشريع، مما يكلف الناس باتباعه والعمل به. وقد نبه على هذا جماعة من علماء الشريعة في القديم والحديث منهم: النووي في باب وجوب امتثال ما قاله رسول الله ﷺ شرعاً، دون ما ذكره من معايش الدنيا على سبيل الرأي. (١) والقرافي في الفرق السادس والثلاثين عند تصنيف الحديث إلى ما صدر عنه ﷺ ، منه بوصف الإمامة أو القضاء أو الفتوى والتبليغ. (٢) وفي الإحكام في تمييز الفتاوى من الأحكام في السؤال الخامس والعشرين. (٣) وابن القيم في زاد المعاد في سياق الحديث عن غزوة حنين. (٤)

стр. 13455

وفي تفصيل هذين الإمامين القول في السنة التشريعية لم يتعرض واحد منهما لما ليس منها من باب التشريع. وشاه ولي الله الدهلوي في كتابه حجة الله البالغة، حيث قسم الحديث إلى ما سبيله تبليغ الرسالة، وفيه قوله تعالى: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] ، وما ليس من باب تبليغ الرسول، وفيه قوله ﷺ : ((إنما أنا بشر إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به. وإذا أمرتكم بشيء من رأيي فإنما أنا بشر)) . (١) ومحمد رشيد رضا في تفصيله حكم اتباع الرسول ﷺ ، عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨] ، (٢) وتفسير قوله : ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] (٣) ومحمود شلتوت في تقسيمه السنة إلى تشريع وغير تشريع (٤) ومحمد الطاهر ابن عاشور في حديثه عن انتصاب الشارع للتشريع. (٥) ومن هذه المقالات المفصلة والتقريرات العلمية يتبين أن الهدي النبوي للأمة وتعليمها وتأديبها غير منحصر في شرح السنة للقرآن، وفي ما ورد منها من تشاريع وأحكام أوضحتها أو انفردت بها، بل إننا نجد هذا الوصف المميز للوحي الخفي أو الباطن يتجلى في مختلف الأغراض التي وردت بها السنة، وفيما وقع ذكره في دواوينها من أحاديث الهدي، والصلح، والإشارة على المستشير، والنصيحة، وتكميل النفوس، وتعليم الناس الحقائق العالية، والتأديب، كما نجده في السيرة العطرة التي كانت محل الائتساء وسبيل الاقتداء، اقتداء أئمة الصحابة، رضوان الله عليهم، بالرسول الأعظم والنبي الأكرم ﷺ .

стр. 13456

وإن بناء الفرد المسلم بتعليم الرسول له، وتربيته إياه، وتزكية خلقه، وتركيز معاني الإيمان والإسلام والإحسان في خلده، وتعهده بالحكمة والموعظة الحسنة، قد أينع ثمره بتكوين الرعيل الأول من المسلمين ومن بعدهم من الخلفاء الراشدين والأئمة المجتهدين والأتقياء الصالحين والأولياء المقربين. فما من أحد منهم إلا آخذ قواعد الإسلام ونظمه وآدابه وأحكامه، يتدبرها ويتعهد نفسه بها تدبراً وتعهداً يضعانه في كل حين أمام الصورة الكاملة للمسلم التي أوضحها لهم الرسول ﷺ ، بسيرته الشريفة وأقواله وأفعاله السنية وتصرفاته الموحية الملهمة البليغة. وهذا ما تقتضيه طبيعة التربية الإسلامية التي قامت كما يقول الشيخ محمد الفاضل ابن عاشور: (على الأصول الثلاثة من التلقين والتمثيل والتمرين، التي جاء بها الوحي الإلهي، وكان استمدادها من القرآن والسنة. ولئن شاركت السنة القرآن في الأصل الأول بما قرراه من مبادئ، وبسطاه من دعوات، ورسخاه من قواعد، فإن السنة النبوية قد انفردت بتحقيق الأصلين الآخرين اللذين هما التمثيل والتمرين. وينبغي أن يعلم أن أقوال النبي ﷺ وأفعاله وإقراراته موفية بالأصول الثلاثة. فالأقوال هي تلقين، وإلقاء للحقائق، وتعريف بالواجبات، وإرشاد للقواعد. وأفعال النبي ﷺ هي تمثيل ليكون فيها النبي ﷺ المثال الصالح للأمة، فيما يأتي من الأعمال وما يترك، وما يحقق من امتثال الواجبات، وما يحقق من اجتناب النواهي. وقد قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] . وأما الإقرارات فإنما هي عبارة عن أعمال غير النبي ﷺ من المؤمنين، التي تكون محلاً لمراقبته ورضاه عنها، إذا كانت مرضية، أو إنكاره إياها إذا كانت منكرة، فإن هذا يرجع إلى معنى التمرين) . (١) وهكذا امتلأت النفوس إيماناً وإيقاناً، ووعياً كاملاً بالدين وبمنهجه، كما ارتكزت حركاتها على اليقظة الشديدة وضبط النفس. فلا تصدر عنها الأعمال غالباً إلا عن إرادة وقصد، ولا تكون منها إلا خاضعة لرقابة دينية ذاتية دائمة.

стр. 13457

وإن أفراد ذلك الجيل لا يأتون من الأمر شيئاً إلا أن يكون فيه رضا لله أو خير لمن حولهم من الناس. وعلى هذا الأساس قام المجتمع الإسلامي الأول في عهد رسول الله ﷺ . ورغم ما كان بين العرب من تفاوت وتمايز في الثروة والجاه والقبيلة والمكانة الأسرية، تمكنت سياسة المربي العظيم، والقائد الحكيم، والرسول الرحيم ﷺ من أن تقتلع من القلوب كل معاني الجاهلية، وتسوي بين الناس جميعاً. فاتحدت الطباع والعادات، وتماثلت وتدانت بالإسلام المراتب والدرجات، وأصبح المؤمنون كما ورد في السنة ((عباد الله إخواناً، تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم)) (١) . وبهذا الوصف الجامع بين أفراد الأمة والمميز لهم عن أهل الضلالة والغواية، نطق القرآن الكريم مصوراً حقيقة المؤمنين في موكب الرسالة: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآَزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٢٩) ﴾ [الفتح: ٢٩] . ومن كانت هذه أحوالهم، كانوا على الحق وعلى صراط مستقيم. ولن يكون الحفاظ على الإسلام وقوته، وعلى سيادة المسلمين وعزتهم، وعلى تقدمهم وريادتهم، أو القدرة على بعثهم وتجديد أمرهم، إلا إذا كانوا منوطين بالحفاظ على السنة والإقبال عليها، والعمل بها، والحرص على الائتساء بالرسول الكريم. فمن تبع ذلك فقد رشد، ووصل ما بينه وبين هذا الدين، ومن صدف عنه فقد غوى وقطع ما بينه وبين العلم والإيمان. وشواهد هذا قائمة على مدار التاريخ الإسلامي. فالإسلام لا يسود ولا يهيمن ولا يقوى على تخليص المسلمين مما تردوا فيه من الانهيار والانهزام العقلي والمهانة والضعف والفشل الذريع، إلا متى تحققت لهم منه مقوماته، وأخذوا بسبيله، وأوثقوا صلتهم بالله وبرسوله، واتخذوا من هذا الدين منهج حياة وطريقاً للسعادة والفوز في الدنيا والآخرة. ولذلك فإن أول ما يجب الاحتكام إليه والعمل به والالتزام بتطبيقه شرع الله الذي وردت به نصوص الكتاب والسنة، وتضمنته آيات الأحكام والأحاديث الصحيحة، فكانت موضع النظر والدرس والتفسير والتحليل والاستنباط والتأويل، كما كانت سبيل الدعوة إلى الحق والتوجيه إلى الرشد من أئمة الاجتهاد وعلماء الأمة.

стр. 13458

تلك سبيل المؤمنين. وأما الذين ﴿يَقُولُونَ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ [النور: ٤٧] فهم منافقون، لتوليهم وإعراضهم عما التزموا به علناً من الإيمان والطاعة، ولصدور ما يقابل ذلك منهم ويؤكده من أعمالهم وتصرفاتهم المخالفة للدين. وقد ذيل تعالى هذه الآية بالتعرية لحقيقتهم، والتنبيه على مروقهم من الإيمان والإسلام بقوله: ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [النور: ٤٧ – ٤٨] . وقد تقع ألوان من المخالفات لما أنزل الله في كتابه أو حكم به رسوله، كأن يتساءل المرء، غير قاصد الصدوف أو الإعراض، عن وجه آخر للحكم مثلاً، مريداً إما الاستفسار، وإما محاولاً إبداء الرأي، فيتعرض من الأئمة لأعنف الرد وشديد الإنكار. فعن عثمان بن عمر قال: جاء رجل إلى مالك فسأله عن مسألة، فقال له: قال رسول الله كذا وكذا. فقال الرجل: أرأيت؟ فقال مالك: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣] (١) ووقع مثل هذا مع الإمام الشافعي. روى البخاري قال: سمعت الحميدي يقول: كنا عند الشافعي فأتاه رجل فسأله عن مسألة. فقال: قضى رسول الله ﷺ كذا وكذا. فقال الرجل للشافعي: ما تقول أنت؟ فقال: سبحان الله، تراني في كنيسة؟ تراني في بيعة؟ ترى على وسطي زناراً؟ أقول: قضى رسول الله ﷺ كذا وكذا وأنت تقول لي: وما تقول أنت! (٢) وإنما كانت هذه المواقف شديدة وعنيفة؛ قصد حمل الناس على التقوى، وتجنيبهم الاحتكام إلى الطاغوت أو إلى الهوى، فيهلكون ويهلكون، ولكونهم بما هموا به أو فكروا فيه يشاقون الله ورسوله، ويخالفون ما في الكتاب والسنة من أحكام: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥] .

стр. 13459

ومشاقة الرسول أن يأخذ المتولي عن المنهج الرباني شقاً وجانباً وصفاً غير الشق، والجانب والصف الذي دعا إلى الالتزام به الرسول. فيكون بسلوكه هذا مناقضاً له، ومعارضاً لما جاء يحمله من عند الله من منهج كامل للحياة يشتمل على العقيدة وعلى الشعائر التعبدية، كما يشتمل على الشريعة والنظام الواقعي لجوانب الحياة البشرية كلها. (١) وفي هذه المشاقة إزهاق لروح الإيمان، وتقويض لهيكل الدين، واختيار للضلالة، وإصرار على الانحراف، وعلى العدول عن الحق والهدى. وقد أشارت دواوين السنة إلى ما توقع رسول الله ﷺ حصوله بعد موته. فذكر ذلك البيهقي في دلائل النبوة (٢) وأخرج الأئمة في كتب الحديث ما رواه أبو رافع عن رسول الله ﷺ من قوله: ((لا ألفين أحدكم متكئاً على أريكته يأتيه الأمر من أمري مما أمرت به أو نهيت عنه، فيقول: لا أدري، ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه)) . وقد روى هذا الحديث غير واحد من طرق متعددة: رواه مع أبي رافع المقدام بن معد يكرب، والعرباض بن سارية، وأبو هريرة، ومحمد بن المنكدر بألفاظ متقاربة يعضد بعضها بعضاً. (٣) وصدق رسول الله ﷺ فيما أخبر عنه وحذر منه، وصادف التخويف والتحذير محله في القرون الأولى بسبب ما كان من غفلة أو جهل، وظهرت طوائف في صدر الإسلام وبالخصوص في القرن الثاني، قامت على أساس عقدي أو سياسي أو مزيج منهما. وتفرعت عن قضية الإمامة، وعدالة الصحابي، ومشكلة الوضع، ونظرية التحسين والتقبيح عدة مذاهب واتجاهات مالت عن الحق والهدى، لهوى أو تعصب أو شبهات لم تقو على دفعها. وقد كان من بينها المعتزلة والزنادقة الذين وجدوا في أطراف البلاد وخاصة في المدن في زمن الأئمة الأربعة فمن بعدهم.

стр. 13460

وتصدى لهم ولغيرهم الأئمة وأصحابهم في دروسهم ومناظراتهم وتصانيفهم للرد عليهم. (١) وقد ترك لنا رجال تلك الفترة مصنفات هامة تقف في وجه الافتراءات والإفك، وتبطل مزاعم الغواة الضالين المحاربين لدين الله وسنة رسوله، كما تشحذ العقول بما فيها من علم وتحقيق وبيان وتفصيل، مثل كتاب اختلاف الحديث للشافعي، وتأويل مختلف الحديث لابن قتيبة، ومعاني الآثار، ومشكل الآثار للطحاوي، وتآليف أخرى كثيرة، مثل دواوين السنة، والمعاجم، والمشيخات، والمسلسلات، والطبقات، والموضوعات، وعلوم الحديث والمصطلح، وما تعاقب ظهوره على مر العصور من تصانيف في السنة وفي الدفاع عنها، إلى جانب مجموعة معتبرة من المؤلفات في الفرق والمذاهب الكلامية. وقد أغنى، بحمد الله، ذلك جميعه عن الوقوف عند أهل هذه النزعة الباطلة من السابقين المتقدمين زماناً، لانكشاف أمرهم وتمام المعرفة من العلماء والمثقفين بهم، فحملنا هذا الواقع على الالتفات في هذا المقام إلى الموجة الحديثة لهذا التيار الهدام، والتي بدأ ظهورها في القرن الثالث عشر على أيدي المستشرقين في الشرق والغرب، وعلى أيدي أتباعهم ومقلديهم من المتغربين بالبلاد العربية والإسلامية. وإذا كان من الطبيعي أن يجاري الدرس والبحث هذه القضية في مراحلها المتعددة وأطوارها المتلاحقة، فيبدأ بالنظر في المقدمات للخلوص إلى النتائج، وفي القواعد والأصول للانتهاء إلى التفاصيل والاتجاهات، فإن الحديث عن المستشرقين في هذه المسألة يعتبر المدخل إلى معرفة أسباب الفتنة في العصر الحديث، والمنطلق لظهور الآراء والأفكار التي انتشرت بانتشار مدارس المستشرقين وكتبهم، وبفضل هيمنتهم على الحياة الثقافية ومرجعيتهم فيها في ديارهم وخارج ديارهم، على الأقل فيما يعود إلى ما عكفوا عليه وتخصصوا فيه من موضوعات التراث العربي الإسلامي. وقد حصل لهم ذلك من جهة بما لبسوه على الناس، وتظاهروا به من منهجية، وبما حاولوا الاتصاف به من موضوعية في البحث، واستقلال في النظر، ومن جهة ثانية بخلو المجال لهم من أية منافسة تقطع عليهم الطريق، وتعوقهم عن تحقيق أهدافهم، لا سيما مع من يتعامل معهم من العامة أو من الخاصة الذين لم يشدوا من العلم الإسلامي والثقافة الإسلامية شيئاً.

стр. 13461

فإذا تحولنا من هذا إلى التحقيق في أمر هذه الفئة المضلة، فإنا مع التسليم بجهودها الكبيرة، وبانقطاعها للبحث فيما تشتغل به من قضايا أو تتفرغ له من أعمال، لا نجدها إلا سطحية التكوين، خفيفاً وزنها فيما تحذق من علوم أو تتخصص فيه من فنون؛ لأنها كما قال عنها أحمد فارس الشدياق: (لم تأخذ العلم عن الأشياخ، وإنما تطفلت عليه تطفلاً وتوثبت فيه توثباً) . والذي ساقها إلى الانحراف عن الحق والدس للإسلام، مع ما وقعت وتقع فيه من أخطاء في التصورات والآراء، الوهم الغفلة والجهل الناشئ جميعه عن التوجيهات المدبرة والأحكام المسبقة. وإنه ليس من الخفي على أحد، وخاصة على المهتمين بالاستشراق والمعنيين بتاريخه وآثاره، أن جهود هذا النوع من الباحثين قام في الأكثر من البداية على أكتاف الرهبان والمبشرين وثلة من اليهود، ثم اتصل بعد ذلك بالاستخبارات وبالسياسة الغربية الحاقدة المغرضة، فكان بالطبع ينبعث بصورة عامة في الدول الاستعمارية من الكنيسة ووزارة الخارجية، ويحمل بذور العصبية الدينية وتيارات الغزو الفكري والثقافي، مستهدفاً تقويض المجتمعات الإسلامية، وتجريدها من مقوماتها، واستلاب هويتها. فلا بدع إن رأيناه يدأب على توهين قوى الإسلام، وتمزيق شمله، وتضليل سعيه، وبعثرة العوائق أمام أممه، وبذل الجهود الماكرة الذكية لجعل المنتمين إلى الدين الإسلامي ينحرفون عنه، ويضيقون به. (١)

стр. 13462

وهكذا كما قرره الحذاق من علمائنا بالسنة في العصر الحاضر نجد هذه الطائفة من أمثال جولدزيهر صاحب العقيدة والشريعة في الإسلام، وكتاب دراسات إسلامية، ومن تبعه من أصحاب البحوث المدخولة المدسوسة والموجهة ضد الإسلام والمسلمين كمرغليوث وشاخت وربسون وأندرسون وشبرنجر ومويير وويل ودوزي يسير جميعهم على خطة واحدة تقوم، بسبب الغرور والتحامل، على سوء الظن والفهم لكل ما يتصل بالإسلام في أهدافه ومقاصده، وعلى الاحتقار والاستخفاف بعظماء المسلمين وعلمائهم، وعلى تشويه الحضارة الإسلامية تهويناً لشأنها وصرفاً عن معالمها وآثارها، وعلى تصوير المجتمع الإسلامي في مختلف عصوره، وخاصة في العصر الأول بالمجتمع المتهافت المتفكك. وقد كان هذا التحامل المكشوف مبنياً على الجهل بحقيقة المجتمعات الإسلامية، والحكم عليها من خلال تصوراتهم المحدودة الضيقة المتأثرة بما نشئوا عليه من أخلاق وعادات. وقد زاد عملهم سوءاً واضطراباً المنهج الذي درجوا عليه والتزموا به، من إخضاعهم النصوص لأفكارهم المسبقة وأهوائهم المتحكمة، يختارون منها ما يقبلون، ويرفضون ما يجدونه مناقضاً لما يريدون، ثم تحريفهم لما يعتمدون منها بسبب سوء الفهم وفساد التأويل، أو تحريفهم لها تحريفاً مقصوداً يخدم أغراضهم ويقوي مزاعمهم. وإن من أغرب ما لا يتفق مع المنهج العلمي المعروف تحكمهم في المصادر التي ينقلون منها.. فهم ينقلون مثلاً من كتب الأدب ما يحكمون به في تاريخ الحديث، ومن كتب التاريخ ما يحكمون به في تاريخ الفقه، ويصححون ما ينقله الدميري في كتاب الحيوان، ويكذبون ما يرويه مالك في الموطأ. كل ذلك انسياقاً مع الهوى، وانحرافاً عن الحق. (١)

стр. 13463

وعن هؤلاء المستشرقين انتشرت حول الحديث دعاوى وشبهات كلها أو أكثرها يتصل بقضية الوضع والوضاعين. ونحن نعلم أن علماء الحديث كانوا أشد عناية بهذه المسألة، وأكثر بحثاً فيها، وتمحيصاً للأخبار من أجلها، وتأليفاً في الموضوعات والوضاعين، بما لم يدعوا معه مجالاً لقائل. فبحثوا أسباب الوضع التي كانت في الغالب سياسية أو عقدية دينية، وذكروا ما وجدوا منها له علاقة بعصبية الجنس والقبيلة، واللغة والبلد والإمام، أو كان مما افتتن به القصاصون والإخباريون، أو استزاد منه الوعاظ والدعاة قصد الترغيب أو الترهيب، أو كان له ارتباط واتصال بالخلافات الكلامية والمذهبية، أو كان الباعث عليه التقرب من الحكام والتزلف إليهم ابتغاء تحقيق أغراض دنيوية، أو سببه الإغراب في الرواية أو نحو ذلك. قال ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة: (خالط الحديث كذب كثير صدر عن قوم قصدوا به الإضلال وتخبيط القلوب والعقائد، وقصد بعضهم التنويه بذكر قوم كان لهم في التنويه بذكرهم غرض دنيوي. ولم يسكت المحدثون الراسخون في علم الحديث عن هذا، بل ذكروا كثيراً من الأحاديث الموضوعة وبينوا وضعها، وأن رواتها غير موثوق بهم) . (١) كما وضعوا لعلم الحديث قواعد وأصولاً، وصنفوا التصانيف وكتب الرجال، وتكلموا عن التجريح والتعديل، ونوهوا بالإسناد وجعلوه من الدين. قال الشاطبي: (ولا يعنون بالإسناد (حدثني فلان عن فلان) مجرداً، بل يريدون من ذلك لما تضمنه من معرفة الرجال الذين يحدث عنهم، حتى لا يسند عن مجهول ولا مجروح ولا متهم، إلا عمن تحصل الثقة بروايته؛ لأن روح المسالة أن يغلب على الظن من غير ريبة أن ذلك الحديث قد قاله النبي ﷺ لنعتمد عليه في الشريعة ونسند إليه الأحكام) (٢) ولا خشية على الحديث بإذن الله من وضع الوضاعين لما قدمنا، ولما يشهد له قول الخليفة العباسي الرشيد، وقد أراد الفتك بأحد الزنادقة الذي قال له: (يا أمير المؤمنين، أين أنت من أربعة آلاف حديث وضعتها فيكم! أحرم فيها الحلال وأحلل فيها الحرام، ما قال النبي ﷺ منها حرفاً! فقال له الرشيد: أين أنت يا عدو الله من أبي إسحاق الفزاري وعبد الله بن المبارك! ينخلانها نخلاً، فيخرجانها حرفاً حرفاً) (٣) وإنما قام علماء السنة بهذا الدور الجليل ابتغاء تنقية الحديث، ودفع الزيف عنه، والاطمئنان إلى ما هو مثبت في الدواوين من الأحاديث الصحيحة للوثوق والاحتجاج به في الدين والعمل بموجبه.

стр. 13464

أما المستشرقون فقد كان غرضهم الأول التشكيك في الأخبار، والإبطال للسنة، وحمل الناس وبخاصة من خالطهم ومن ليس له حظ من العلم الديني على القول بأنها كلها موضوعة حتى المتواتر منها، أو على اعتقاد أن أحاديث كثيرة نبوية زائفة لا تقبل، أو أن أسانيد الحديث النبوي عملية ملفقة، أو أن نصف الأحاديث النبوية في صحيح البخاري ليست أصيلة وغير موثوق بها. وهي لعمري دعاوى واتهامات خطيرة بعضها أشد من بعض، يؤكد بعضها بعضاً، وهي كلها في الواقع متفقة على القدح في الأخبار والصرف عن العمل بها. فإذا تم لهم ما يريدون انهد المصدر الثاني من مصادر الشريعة الإسلامية الذي يقوم على سيرة الرسول وهديه وبيانه، والذي بينا أهميته، وألمعنا إلى عظيم منزلته، وشديد اهتمام السلف وعلماء الملة به، الذين أطلقوا عليه اسم العلم، وقصروه عليه عهداً، وبذلوا ما بذلوا من جهود في خدمته وضبطه. ومن أجل تأصيل ما دعا إليه وروجه المستشرقون من المفتريات، وتسويغ أفكارهم أدنى تسويغ ذهب جولدزيهر ومن لف لفه إلى إشاعة بعض الآراء في أوساطهم، وبين طلبتهم ليتلقفها عنهم المهتمون بالدراسات الإسلامية في المشارق والمغارب. فكان من هذا القبيل قولهم: (إن القسم الأكبر من الحديث ليس صحيحاً ما يقال من أنه وثيقة للإسلام في عهده الأول عهد الطفولة، ولكنه أثر من آثار جهود المسلمين في عصر النهضة) . (١) وهذه الجملة المتكونة من شقين، وإن قامت على إنكار صحة الأحاديث واعتبارها موضوعة في جملتها تدس عن طريق ذلك: أولاً: عدم تمثيل ما كان يجري في العصر الأول الإسلامي من التحمل للحديث وروايته عن الرسول أو الصحابة، وعدم صحة ما نعرفه من طرق الرواية للسنة من أسباب صدورها عن النبي أو ملابساتها. فلا الأقوال ولا الأفعال ولا التقريرات على هذا الأساس بمسلمة أو مقبولة. ولا الجانب التاريخي الذي تسجله وتشهد له تلك الأخبار بواقع.

стр. 13465

وثانياً: ادعاء أن المتأخرين عن العصر الأول في مرحلة النضج هم الذين وضعوا الأحاديث واخترعوها تلفيقاً وابتداعاً ليقيموا بذلك ديناً ويكتبوا للعرب المسلمين تاريخاً. ومثل هذا القول باطل ومردود، ينكره العقل والمنطق؛ لما يقتضيه الأمر من صلة قائمة بين صاحب الرسالة ومن حوله ممن أرسل إليهم، ومن بيان وتوجيه ودعوة اضطلع بها فيهم، وبلغها لمن وراءهم عن طريقهم. ولا نظر لما قد يكون حصل من تزيد في الأخبار مما وصفه القصاصون وأصحاب النحل والأهواء لانكشاف أمرهم وتبين النقاد موضوعاتهم، وتحريهم في النقل، وتنبيههم على كل ما تشوبه أدنى شائبة من الوضع في مروياتهم. وقالوا: (إن تعاليم القرآن تجد تكملتها واستمرارها في مجموعة من الأحاديث المتواترة، وهي وإن لم ترو عن النبي ﷺ مباشرة تعتبر أساسية لتميز روح الإسلام) . (١) وفي هذا القول، وإن صح ما يشير إليه من اتحاد النسق بين القرآن والسنة باعتبارهما وحياً منزلاً متلواً، وغير متلو، إبعاد في إنكار السنة وعدم الوثوق حتى بالمتواتر منها. وزادوا تأكيداً لهذا المعنى حين خلصوا إلى القول (بأن الإسلام نما على يد رجاله، وسبيل نمائه الإضافات التي جعلت كيان هذا الدين يكبر إلى حد لم يعرفه محمد نفسه، فإن ألوف الأحاديث التي ثبت أن الرسول نطق بها هي من صنع العلماء الذين أرادوا أن يجعلوا من الإسلام ديناً كبيراً شاملاً، فخلقوا هذه الأحاديث. (٢)

стр. 13466

فإذا ولى المتحاملون على السنة النبوية وجوههم قبل الحياة الاجتماعية والظروف السياسية قالوا:) سار الحديث في القرن الأول سيرة المعارضة الساكنة، بشكل مؤلم ضد أولئك المخالفين، يعنون الأمويين، للسنن الفقهية والقانونية ((١) فأساءوا) للعلماء الأتقياء الذين كانوا يجمعون الحديث والسنة حين اتهموهم بالكذب على الرسول، وهم يعلمون وعيد النبي على ذلك في قوله: ((من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار)) ، (٢) وحين نسبوا إليهم (اختراع أحاديث كثيرة كانوا في أشد الحاجة إليها لمحاربة خصومهم، ومقاومة الطغيان والإلحاد، والبعد عن سنن الدين) . (٣) (ووقعوا في الخطأ مرة أخرى حين اتهموا الحكومة الأموية بأنها لم تقف ساكنة إزاء ذلك، فإذا أرادت أن تعمم رأياً، أو تسكت هؤلاء الأتقياء، تذرعت أيضاً بالحديث الموافق لوجهات نظرها. فكانت تعمل ما يعمله خصومها، فتضع الحديث أو تدعو إلى وضعه، وإذا ما أردنا أن نتعرف على ذلك كله، فإنه لا توجد مسألة خلافية، سياسية أو اعتقاديه، إلا ولها اعتماد على جملة من الأحاديث ذات الإسناد القوي) (٤) . وهذا الوصف وإن قامت عليه شواهد مما ذكره الأئمة النقاد، مما تبارى فيه الوضاعون من أهل هذا العصر، لكننا لا نجد في الثابت من مدونات السنة، مع كثرتها، سنداً فيه عبد الملك أو يزيد أو الوليد أو أحد عمالهم؛ كالحجاج وخالد القسري وأمثالهم، ولا دليلاً واحداً على طلب الحكومة من يصنع لها الأحاديث. (٥) ولفقوا التهم لتمرير هذه المقولة، ونسبوا للأمويين استغلالهم للزهري في هذا الأمر الجلل. وطعنوا في الإمام طعوناً، وحرفوا قوله: (إن هؤلاء الأمراء أكرهونا على كتابة الأحاديث) بقولهم: (على كتابة أحاديث) ، وكل المؤرخين يعرفون منزلة هذا الإمام ومقامه العظيم في علم السنة. فهو الذي حفظ عنه: (ما عبد الله بشيء أفضل من العلم. وإن هذا العلم أدب الله الذي أدب به نبيه ﵊، وهو أمانة الله إلى رسوله ليؤديه على ما أدى إليه. فمن سمع علماً فليجعله أمامه حجة فيما بينه وبين الله ، كما روي عنه قوله: (إن للتعليم غوائل، فمن غوائله أن يتركه العالم حتى يذهب علمه، ومن غوائله النسيان، ومن غوائله الكذب فيه، وهو أشد غوائله) .

стр. 13467

ومن افتراءاتهم نسبة الكذب للصالحين، والتدليس للمحدثين، مجرين ما تلقفوه من الأوصاف على غير مدلولاتها عند أهل هذه الصناعة من طلبة الحديث ورواته. فإذا أرادوا الطعن في الفقه الإسلامي وأحكامه نسبوا إلى المجتهدين والفقهاء (اختراع جملة من الأحاديث ليتأيدوا بها، وزعموا أن هذه الأحاديث وغيرها من النصوص المماثلة لها، والتي يسهل علينا جمعها، لا تمثل وجهات نظر خاصة بطبقة سامية الأخلاق فحسب، بل إنها لتعبر عن العاطفة العامة لفقهاء الإسلام) . (١) ولإبطال دعاوى المستشرقين هذه وغيرها التي لا تحمل إلا مكراً، ولا تفيض إلا غيظاً وحقداً، ننوه بجهود عدد كبير من الباحثين، ونحيل على جمهرة من المحققين والمؤرخين أمثال السباعي والغزالي والمودودي والندوي، وعلى أصحاب الدراسات العلمية الجامعية من المختصين في دراسات السنة والسيرة. وذلك اختصاراً للقول لضيق المقام عن الاستقراء والتفصيل في هذه المناسبة الكريمة.

стр. 13468

وأما الفريق الثاني الذي ظهر في هذا العصر فهو فريق ضال مضل، نشأ على أيدي المستشرقين، وتأثر بهم، فسار على منوالهم، وهو أشبه بمن عرفناهم في القرن الثاني بالزنادقة المتأثرين بالفلسفات القديمة، والمبارزين للإسلام المحاربين له والعاملين على تقويض أصوله وهدم أركانه. ولقد تعاون الاستعمار الغربي وعلماء الاستشراق على التخطيط لغزو العالم الإسلامي فكرياً، وترسيخ مفاهيم الغرب فيه، وتصورات الحضارة المادية بين أفراده ومجتمعاته. فكان التفسخ والتمزق والانحلال في المجتمع والفكر والسلوك في حياتنا، وعلى امتداد العالم الإسلامي تغذي ذلك كله وتقوم به مؤسسات ودوائر ظاهرة ومستخفية، جعلت من الدروس العلمية ذريعة لغايات سياسية ودينية. وهذا الغرض العام من السياسة الاستعمارية في البلاد الإسلامية هو الذي يعلن شاتلي عنه في مجلة العالم الإسلامي في بداية هذا القرن، العشرين، ويصرح: (بأنه لا يمكن الوصول إليه إلا بالتعليم الذي يكون تحت الجامعات الفرنسية، نظراً لما اختص به هذا التعليم من الوسائل العقلية والعلمية المبنية على قوة الإرادة) . ويمضي فيقول: (وأنا أرجو أن يخرج هذا التعليم إلى حيز الفعل ليبث في دين الإسلام التعاليم المستمدة من المدرسة الجامعة الفرنسية.. ولا ينبغي أن نتوقع من جمهور العالم الإسلامي أن يتخذ له أوضاعاً وخصائص أخرى إذا هو تنازل عن أوضاعه وخصائصه الاجتماعية؛ إذ الضعف التدريجي في الاعتقاد بالفكرة الإسلامية، وما يتبع هذا الضعف من الانتقاص والاضمحلال الملازم له سوف يفضي بعد انتشاره في كل الجهات إلى انحلال الروح الدينية من أساسها، لا إلى نشأتها بشكل آخر) (١) وجاء هؤلاء المتغربون بعد التخرج على تلك المناهج، سواء في ديارهم أو في الدول الاستعمارية، مع قلة معرفتهم بدينهم، وإساءتهم الفهم والتصور لأصوله ومبادئه، وقيمه وأخلاقه، فتفلسفوا ونظروا، وأخضعوا كل شيء لما تلقوه أو شدوا جزءاً منه في تلك الجامعات، أو مارسوه في الحياة العملية في تلك المجتمعات، وتحقق على أيديهم أكثر مما تحقق على أيدي أساتذتهم ومعلميهم الأجانب.

стр. 13469

وفتنت المدنية الغربية وبخاصة الأمريكية قلوب هذه الفئة، فأصبحت تقارن بها كل ما تراه خيراً من أوضاع العالم الإسلامي وأحواله في القديم والحديث، كما تعتبرها معيار التقدم، فلا تتردد أن تقول في جرأة على لسان أحمد زكي أبو شادي: (ولذلك قلنا مراراً: إن مبادئ الإسلام نظرياً وعملياً هي أقرب ما تكون لمبادئ الحضارة الأمريكية والحياة الأمريكية تفكيراً وسلوكاً. فهل يتنبه المسلمون إلى هذه الحقيقة الراسخة فيفلحوا!) (١) وتقول أخرى على لسانه أيضاً وهو يتحدث عن الحرية والدفاع عنها: (وما الدفاع الذي تقوم به أمريكا على العالم الحر إلا صنو الدفاع الذي رفع لواءه محمد في قتاله الجبابرة المتقدمين) . (٢) وبعد تصوير هذا التقارب أو التجانس قارنوا مقارنة ثانية بين حاضر الغرب وحاضر العالم الإسلامي، وبارتفاع شعورهم بالانهزام الفكري والعقلي أخذوا في تحقير علومهم وآدابهم، وفي التنكر للصفوة من علماء الإسلام ومفكريه. ثم بشكل إيحائي دعوا إلى الاعتبار بهذه الأوضاع وإلى وجوب التغيير قائلين: (ومع علم أولئك المستشرقين كعلم المستنيرين من المسلمين بأن الجمهرة من الأحاديث النبوية مختلقة اختلاق الإسناد نفسه الذي لم يكن معروفاً في فجر الإسلام، فإن حظهم هو التعلق بكل سخيف حقير منها) . (٣) ثم يمضي في حقد وتهجم كأنه مدفوع أو موكل بنقض مصادر الثقافة الإسلامية، وما تركه المفسرون والمحدثون من آثار تشهد بأعمالهم وجهودهم واجتهاداتهم فيقول: (وأما التغني بأبي داود والترمذي والنسائي إلخ ... وترديد الأحاديث الملفقة التي لا تنسجم وتعاليم القرآن، وأما سوء تفسير آيات الكتاب العزيز، وأما الجهل بروح القرآن التي تشع من وراء هذه الآيات، وأما التنازل عن صلاحية الإسلام لكل زمان ومكان فبمثابة الخيانة لرسالة الإسلام الخالدة) . (٤)

стр. 13470

وربما أوضح المراد من هذه الجملة ما أورده الندوي في وصف هذا الفريق، وما ذكره من عوامل فكرية صاغت تصوراته وأغراضه حين قال: (إنها ترتكز على أساس تقليد الحضارة الغربية وأسسها المادية واقتباس العلوم العصرية بحذافيرها على علاتها، وتفسير الإسلام والقرآن تفسيراً يطابق ما وصلت إليه المدنية والمعلومات الحديثة في أواخر القرن التاسع عشر، يطابق هوى الغربيين وآراءهم وأذواقهم، والاستهانة بما لا يثبته الحس والتجربة، ولا تقرره علوم الطبيعة في مبادئ النظر من الحقائق الغيبية وأمور ما بعد الطبيعة) (١) وما من شك في أن هذا الاتجاه كان وما يزال يعتمد في مجال التغيير والتحديث على دعوة المسلمين إلى تقليد الغربيين في أمور الدنيا والدين. فذلك سبيل التقدم والرقي والحضارة، وهو سبيل اللحاق بركب الدول المتحضرة. فلا بدع إذا أصبح من أصول هذا الاتجاه في التفكير والعمل، في العقيدة والسلوك، إنكار ما تنكره الثقافة الغربية ولو كان ديناً، وقبول ما تدعو إليه وتقره تلك الثقافة ولو كان مخالفاً للدين ولما عليه جمهور المسلمين. ولتأكيد هذا المعنى يعود أحمد زكي إلى تفسير هذه الظاهرة فيصدر فتواه في القضية قائلاً: (ومن البداية أقر الإسلام بأن شرحه في أيدي أهل العلم المتخصصين، لا في أيدي رجال من الكهنوت؛ إذ لا كهنوت في الإسلام، وبذلك كان ديناً تقدمياً إلى أبعد الحدود وإلى ما شاء الله) . (٢) ولإقناع الناس بهذا المنهج التبعي الانهزامي قام المتغربون في الأول بهجومهم على الإسلام ومصادره بالخصوص، وعلى السنة الشريفة النبوية بطريقة ماكرة: (متقنعين بستار العلم والبحث، متجنبين المصارحة، مفضلين عليها المواربة والمخاتلة) . (٣) ولما افتضح أمرهم وكثرت الردود عليهم، وصودرت كتبهم ورسائلهم، نصحهم أحد كبرائهم بقوله: (إن الأزهر لا يقبل الآراء العلمية الحرة، فخير طريقة لِبَثِّ ما تراه مناسباً من أقوال المستشرقين ألا تنسبها إليهم بصراحة، ولكن ادفعها إلى الأزهريين على أنها بحث منك، وألبسها ثوباً رقيقاً لا يزعجهم مسها) (٤)

стр. 13471

وبهذه النصيحة أخذ المضللون هنا وهناك يدعون إلى موالاة الأعداء على حساب ثقافتهم الإسلامية، والروح الديني المميز لجماعتهم. وكأنهم لا يذكرون ما نبههم إليه القرآن في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ [الأنفال: ٧٣] . قال الأستاذ الإمام محمد الطاهر ابن عاشور: (إن لا تفعلوا قطع الولاية معهم، أي المشركين، تكن فتنة ... والفتنة اختلال أحوال الناس التي تحصل من مخالطة المسلمين مع المشركين ... وقد كان الإسلام مثيراً لحنق المشركين عليه. فإذا لم ينقطع المسلمون عن موالاة المشركين يخشى على ضعفاء النفوس من المسلمين أن تجلبهم تلك الأواصر، وتفتنهم قوة المشركين وعزتهم، ويقذف بها الشيطان في نفوسهم، فيحنوا إلى المشركين ويعودوا إلى الكفر) . (١) وقال سيد قطب: (ومن ثم لا يملك الإسلام أن يواجههم إلا في صورة مجتمع آخر له ذات الخصائص، ولكن بدرجة أعمق وأمتن وأقوى. فإذا لم يواجههم بمجتمع ولاؤه بعضه لبعض، فستقع الفتنة لأفراده من المجتمع الجاهلي – لأنهم لا يملكون مواجهة المجتمع الجاهلي المتكافل أفراداً- وتقع الفتنة في الأرض عامة بغلبة الجاهلية على الإسلام بعد وجوده، ويقع الفساد في الأرض بطغيان الجاهلية على الإسلام، وطغيان ألوهية العباد على ألوهية الله، ووقوع الناس عبيداً للعباد مرة أخرى، وهو أفسد الفساد) (٢) وقد ظهرت بالمشرقين الأدنى والأقصى من بداية هذا القرن الميلادي ثلة من هذا الرهط الأفاك ذي البضاعة المزجاة من الثقافة الإسلامية، المتعالم فيها، الموالي بروحه وعقله ووجدانه لقادة الفكر الاستعماري والاستشراقي. فسارت على غرارهم تشكك في مصادر الإسلام، وتطعن في الدين، وتنقض أصوله وقوانينه، مستجيشة بذلك قلوب المؤمنين الذين وثبوا مسارعين من جديد إلى رعاية الإسلام ومصادره، فكره وفقهه، أدبه وتاريخه، يدعون إلى ربهم، ويثبتون أفئدة أهل ملتهم كاشفين ما يضمره أعداؤهم من الممالاة والمناوءة، حتى افتضح أمر المتغربين، وخسئوا بما فعلوا ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [التوبة: ٣٢] .

стр. 13472

وطلائع هذه الفتنة في البلاد العربية من المتغربين كثر، قامت دعوتهم على إنكار السنة والتهوين من شأنها؛ إبطالاً لحجيتها ودفعاً لوجوب العمل بها، والتنويه بأن الإسلام يمثله القرآن وحده لأنه الوحي والذكر، ولأنه متواتر، ولأن الله التزم بحفظه، وعني الرسول من أول الأمر بتدوينه: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (٤١) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢) ﴾ [فصلت: ٤٢] . وهذه الدعوة أو المقارنة بين الكتاب والسنة جهل وإفك وتضليل وتعطيل. وهي وإن راجت على طائفة من الناس زمناً قصيراً، غير أن ما قامت عليه من دلائل وشبه لم ينهض أمام النظر، ولم يلبث أن تبدد وانحسر عند التأمل والفحص. قالوا: إن في القرآن لوفاء وغنية وتبياناً لكل شيء. أكدت ذلك آياته وأجمع المسلمون كلهم على اعتقاده. قال تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨] . وقال جلت حكمته: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩] . فهل يحتاج بعد هذا إلى مزيد تفصيل أو إلى إضافات تكمل الوحي المنزل؟ بل ألم يعلم هؤلاء أن القرآن اشتمل على أصول الدين كلها، وعلى قواعد الأحكام العامة، فنص على بعض هذه الأحكام بصراحة، وترك بيان البعض الآخر للرسول المبلغ عن الله، والواجب اتباعه وطاعته بأمر من الله. قال الشافعي: (فليست تنزل بأحد من أهل دين الله نازلة إلا وفي كتاب الله الدليل على سبيل الهدى فيها. قال الله ﵎: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [إبراهيم: ١] ... فكل من قبل عن الله فرائضه في كتابه، قبل عن رسول الله سننه بفرض الله طاعة رسوله على خلقه، وأن ينتهوا إلى حكمه، ومن قبل عن رسول الله فعن الله قبل لما افترض الله من طاعته) . (١) وقالوا: إن الله أحاط كتابه بأسباب العناية والحفظ، فقال جل ذكره: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] . فهل وجدت السنة مثل ذلك أو حظيت بشيء مما اختص به الكتاب؟ أجل إن السنة علم تلقاها المؤمنون عن الرسول ﷺ وتعلموها منه، وتم على مر السنين جمعها وتدوينها، كما قيض الله لها من يحرسها من الزيادة والوضع، والغلو وفساد التأويل، فأوكل بها أئمة حفظوها ورووها وبلغوها عن نبيهم لما فيها من هداية وحكم. وقد أمر الله عباده للخروج من الحيرة واللبس، بطلبها ممن اختص بمعرفتها فقال سبحانه: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣] . وهل الذكر إلا كل وحي نزل من عند الله. فهو واقع على الكتاب والسنة جميعاً. وهي وحي غير متلو، تولى نبينا ﷺ بيان القرآن للناس بها.

стр. 13473

(وفي القرآن مجمل كثير كالصلاة والزكاة والحج وغير ذلك مما لا نعلم ما ألزمنا الله فيه بلفظه، لكن ببيان النبي ﷺ ، فإذا كان بيانه ﵇ لذلك المجمل غير محفوظ، ولا مضمون سلامته مما ليس منه، فقد بطل الانتفاع بنص القرآن، فبطلت أكثر الشرائع المفترضة علينا منه، فإذن لم ندر صحيح مراد الله تعالى منها) . (١) وحاولوا إثبات موقفهم من السنة، وتأكيد آرائهم الموروثة فيها عن السابقين، وبخاصة المستشرقين، بالاستناد إلى أن الرسول ﷺ لم يأمر بكتابة الحديث، بل نهى عن ذلك، وأن الصحابة والتابعين لم يولوه العناية اللازمة من أجل جمعه وتدوينه، فصار بسبب ذلك ما وصل إلينا منه بعد التدوين ظني الثبوت، لا يصح الاحتجاج به. ويؤيد هذا الموقف ويدعو إلى الالتزام به قوله جل وعلا في الرد على المشركين: ﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾ [الأنعام: ١٤٨] وتوجيهه أمره سبحانه لنا بقوله: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦] . وهذا الكلام ظاهر البطلان؛ لأن النهي عن كتابة الحديث في زمن الرسول كان من أجل عدم اختلاط الكتاب بالسنة، والأصل المنزل به القرآن بما يتصل به من بيان أو تفسير من الرسول ﷺ ، وهو قاعدة عامة اقتضاها ظرف خاص وحالة معينة. وقد ثبت أن الرسول ﷺ أذن لبعض الصحابة بكتابة الحديث، والشواهد على هذا مثبتة في كتب العلم. أما الصحابة والتابعون فكانوا يتلقون ويتحملون مباشرة عن النبي، أو عن الصحابة، وكانوا يعتمدون الحفظ في ذلك الزمان أكثر من الكتابة والخط، وكانوا يتعاونون على الرواية والحفظ، فلم يحتاجوا إلى الجمع ولا إلى التدوين. فلما خشي المؤمنون على ذهاب السنة بذهاب حفاظها أقبلوا على طلبها، وبذلوا في ذلك كل الجهد مع الضبط والتحري. ويكفي ذلك للتأكد من صحة المرويات من الحديث؛ إذ لا يلزم لثبوت الأخبار والجزم بصدورها عن الرسول ﷺ أن تكون مكتوبة مدونة، بل يكفي في ذلك أن تكون متواترة أو منقولة عن العدول الثقات الأثبات. وفي الحفظ والضبط في ذلك الوقت غنى عن الكتابة. ولا يقال: إنها ظنية لا تفيد علماً ولا يجب العمل بها؛ لأن الظن، وبخاصة في الدين، لا يغني عن الحق شيئاً؛ لأن هذا الشرط وإن كان معتمداً في أصول الدين لكفر من جحدها أو شك فيها كالوحدانية والرسالة وأركان الإسلام وما علم من الدين بالضرورة، فإنه غير لازم في الفروع والأحكام كما هو مقرر عند الأصوليين.

стр. 13474

وربما سعوا بعد ذلك إلى تأكيد مزاعمهم بأحاديث، فركنوا إلى السنة نفسها يبحثون عن أدلة منها تقتضي عدم اعتماد الحديث إذا كان مخالفاً للقرآن، فتوجب عرضها على القرآن. وذلك مثل ما روي عن رسول الله ﷺ من قوله: ((إن الحديث سيفشو عني، فما أتاكم يوافق القرآن فهو عني، وما أتاكم عني يخالف القرآن فليس مني)) (١) وأحاديث أخرى تشبهه. وقد تبين بالرجوع إليها كلها أن أسانيدها منقطعة وأن فيها رجالاً مجهولين ومتهمين، وأن طالب العلم لا يتردد في الجزم بتهافتها وضعفها. وهي معارضة لما ثبت من السنة مما تقدمت الإشارة إليه من أحاديث أبي رافع والعرباض والمقدام بن معد يكرب ومحمد بن المنكدر. تلك هي الشبهات التي وجهها قالة هذه الفئة إلى السنة. وقد فصلها تفصيلاً الطبيب المصري توفيق صدقي في مقالتين نشرتا له بعنوان (الإسلام هو القرآن وحده) . (٢) وذكر لنا بعض من ترجم له، أنه آب إلى رشده ورجع عن آرائه في آخر عمره. (٣)

стр. 13475

وقد انضم إليه أحد الأدباء اللامعين خريج القضاء الشرعي وعميد كلية الآداب بالجامعة المصرية سابقاً الدكتور أحمد أمين، ففتح الباب على مصراعيه لنشر آراء جولدزيهر، وبتزويقها أدنى تزويق مع البعد عن المنهجية العلمية، روج بين العامة في حديثه عن السنة (١) آراء وأفكاراً لم يكن أحد يتصور صدورها عن مثله من رجال الأدب العربي والفكر الإسلامي. وهو في اعتقادي لم يتناول جوانب لم يتعرض إليها أسلافه بقدر ما تفلسف فيما وقف عليه منها، أو حاول شرحه وتفصيل القول فيه، بطريقة تجعله في تصور أهل عصره من الباحثين المجددين. كانت أهم القضايا التي تعرض إليها في فصل الحديث ستة: تدوين الحديث، عدالة الصحابي، الوضع، البخاري وصحيحه، ابن المبارك، النقد. وهذه الموضوعات بعضها آخذ برقاب بعض لشدة الاتصال بينها. وهو في كل واحدة منها، وإن كان أمرها غير خفي، يحاول أن يجعل منها متكأ، بل منطلقاً إلى التشكيك أو ترويج شبهة. فالتدوين بالقطع لم يكن في عهد الرسول، بمعنى أن الحديث لم يكتب ولم يوضع له كتاب خاص به في ذلك الوقت. وكان الاعتماد فيه على الذاكرة؛ أي: على الحفظ، فلم يكن من الصحابة إلا قليل يكتب لنفسه. ورواية الحديث عن النبي ﷺ بعد وفاته كانت تكثر وتقل بحسب أمزجة الناس، وما اشتهروا به من كراهة التحديث أو رغبتهم في الإكثار منه. وبدل أن يقف أحمد أمين عند هذه المسألة فيبين مدى اعتماد الناس على الذاكرة، وعادة العرب في ذلك، وطرق التحمل للعلم، والاحتياط في الرواية والضبط والحفظ للحديث، يسرع إلى القول بما يؤكد أن الكتابة قيد، وأن الذاكرة خؤون، وأن الصحابة لا يسلمون بصحة حديث حتى يجدوا من الرواة من يشهد له. وقع ذلك كثيراً في عهد الشيخين أبي بكر وعمر، وإذا قامت الرواية في هذا العهد حسب ظنه على الريبة وقلة الاطمئنان، فالأمر يرجع بدون شك في التقدير إلى المحدث الصحابي الذي تتلقى منه الأخبار ويتحمل عنه الحديث، وإلى ما انتشر وينتشر في ذلك الزمان من أحاديث وأخبار لا تعد ولا تحصى كثرة في مختلف الموضوعات والأغراض وما يحتاج الناس إلى معرفته من أمور دينهم ودنياهم. ومن هذه الجزئية ننتقل إلى أول الأمرين لنرى موقف الكاتب من الصحابة ومدى جواز الاعتماد على ما يروونه ويحدثون به من سنة الرسول ﷺ ، يقول: (وأكثر هؤلاء النقاد، يعني نقاد الحديث، عدلوا الصحابة كلهم إجمالاً وتفصيلاً، فلم يتعرضوا لأحد منهم بسوء، ولم ينسبوا لأحد منهم كذباً، وقليل منهم أجرى على الصحابة ما أجري على غيرهم.) (٢) وفي هذه الجملة وما تضمنته من حكم مغالطة؛ لأن نقاد الحديث جميعهم لا أكثرهم مطبقون على عدالة الصحابي. قال الذهبي: (فأما الصحابة ﵃ فبساطهم مطوي وإن جرى ما جرى ... إذ على عدالتهم وقبول ما نقلوه العمل، وبه ندين الله تعالى) (٣) وقال ابن كثير: (والصحابة كلهم عدول عند أهل السنة والجماعة) . (٤) فالقليل الذي أجرى عليهم ما أجري على غيرهم لم يكن يعد من النقاد ولا من العلماء الصادقين الذين نهضوا بتنقية الحديث مما خالطه وتمييز جيده من رديئة كما زعم أحمد أمين، ولكنه من الفرق السياسية المعروفة بمواقفها من الصحابة وتقسيمها لهم.

стр. 13476

وبعد هذا التمهيد ينتقل صاحب فجر الإسلام من الحكم العام الذي دس له وأراد إثباته إلى صورة تطبيقية تلقفها عن أستاذه جولدزيهر فجعل منها مثالاً للطعن والمؤاخذة، يستدل بها أولاً على ما أراده من كون الصحابة مثل غيرهم من الناس، وأن بينهم تفاوتاً، وأن بعضهم ينتقد بعضاً، فيورد دسائسه حول أبي هريرة ﵁ للتهوين من شأنه، وحمل الناس بعد ذلك على الصدوف عن الرواية والشك في الحديث بصفة عامة. وجملة ما ذكره من ذلك: أن بعض الصحابة كابن عباس وعائشة ردوا عليه بعض حديثه وكذبوه. وأن بعضهم أكثر من نقده وشك في صدقه. وأنه لم يكن يعتمد في روايته على الكتابة ولكن على الذاكرة وحدها. وأنه كان يروي عن رسول الله ﷺ ، ويروي عن الصحابة ما قد يكونون انفردوا به من الرواية عنه. وأن الحنفية تركوا حديثه إذا عارض القياس لأنه لم يكن فقيهاً. وأن الوضاع استغلوا شهرته بسعة الرواية فزوروا عليه أحاديث كثيرة. وهذه المطاعن الملفقة لا تثبت بعد فحصها والإمعان فيها. فردود ابن عباس وعائشة على أبي هريرة هي من النقاش العلمي المحض المبني على اختلاف الأنظار في استنباط الأحكام والاجتهاد، وزعمهم مجانبة أبي هريرة الصدق لكثرة ما روي عنه يبطله ما رواه مسلم من قوله: (إن إخواني من الأنصار كان يشغلهم عمل أراضيهم، وإن إخواني من المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالأسواق، وكنت ألزم رسول الله ﷺ على ملء بطني، فأشهد إذا غابوا وأحفظ إذا نسوا) (١) وإن في هذه الملازمة لحرزاً وغنى، واعتماده على السماع دون الكتابة هو الظاهرة الغالبة على أهل ذلك العصر، ورواية السماع عند أهل الحديث أولى، وهي مقدمة على الكتابة؛ لبعدها عن طور التصحيف والغلط. وسماعه من الصحابة ما يروونه عن رسول الله ﷺ هو مرسل الصحابي، وحكمه حكم المرفوع. وقد أجمعوا على الاحتجاج به، ورد خبره عند الأحناف يخضع لقاعدة عندهم وليس خاصاً بأبي هريرة. قال فخر الإسلام: (إن كان الراوي من المجتهدين كالأربعة والعبادلة وغيرهم قدم الخبر، وإن كان من الرواة وعرف بالعدالة دون الفقاهة كأبي هريرة فلا يترك خبره بمعارضة القياس إلا عند انسداد باب الرأي كحديث المصراة) (٢)

стр. 13477

وأما تزوير الوضاعين فليس مقصوراً عليه، فقد زوروا على عمر وعلي وعائشة وابن عباس وابن عمر وجابر وأنس وغيرهم. فلا حجة فيه. ولا تنال هذه الدعاوى من مكانة أبي هريرة ﵁ فقد قال الشافعي: (أبو هريرة أحفظ من روى الحديث في دهره) (١) وقال البخاري: (روى عنه نحو الثمانمائة من أهل العلم، وكان أحفظ من روى الحديث في عصره) (٢) وأما الأمر الثاني المتمثل في انتشار الرواية وكثرة ما يروى من الأحاديث. فهو حجر الزاوية عند بحث قضية الوضع لدى المتقدمين والمتأخرين جميعاً، وهو يضع أمامنا عند تتبع مقالة أحمد أمين عدة أسئلة، نقتصر على ثلاثة منها: الأول: متى بدأ الوضع؟ الثاني: ما هو القول المعتمد بشأن أحاديث التفسير؟ والثالث: من أين جاءت هذه الأحاديث الكثيرة التي انتقى منها البخاري جامعه الصحيح؟ وهذه الأسئلة أو التساؤلات هي التي تكشف عن مكمن الخطأ وموضع الارتياب الذي يعالج به صاحب فجر الإسلام قضية الحديث والرواية. فللإجابة عن السؤال الأول يقول المؤلف عن نشأة وضع الحديث: (ويظهر أن هذا الوضع حدث في عهد الرسول، فحديث ((من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار)) يغلب على الظن أنه إنما قيل لحادثة زور فيها على الرسول) (٣) وهذا الافتراض باطل من وجوه: أولها أن الوحي محفوظ مما قد يداخله أو يختلط به ما دام القرآن ينزل والرسول يبلغ. وقد تكفل الله تعالى لذلك بحماية دينه وسلامة أصول تشريعه من الكتاب والسنة.

стр. 13478

فلا يتصور، كما هو يقين هذه الأمة، حدوث الوضع في حياة الرسول ﷺ ، ولو حصل ذلك لبلغ إلينا متواتراً لشناعته وسوء أثره، ولوجوب التنبيه عليه من الرعيل الأول القوي الإيمان الشديد التمسك بالدين. فلا يسكت عن مثله حتى يأمن الناس بوائقه. وعلى صحة هذا الافتراض فأين سبب ورود هذا الحديث؟ ولم لم يتحدث المؤرخون والمحدثون عن ملابساته؟ فكل ما أمكننا الوقوف عليه أن هذا الحديث قاله الرسول ﷺ عندما طلب من أصحابه أن يبلغوا عنه. فأوصاهم بالتحري، وحذرهم من التقول عليه. وقد جاء هذا الحديث في سياقات مختلفة: رواه البخاري من حديث المغيرة، وهو في الجنائز، ومن حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، وهو في أخبار بني إسرائيل، ومن حديث وائلة بن الأسقع وهو في مناقب قريش، (١) ومسلم من حديث علي وأنس وأبي هريرة وأبي سعيد الخدري، (٢) والترمذي من حديث ابن مسعود وعلي وأبى بكر وعمر وعثمان والزبير وسعيد بن زيد وعبد الله بن عمرو وأنس وجابر وابن عباس وأبي سعيد وغيرهم، (٣) وأحمد بن حنبل من حديث أبي موسى الغافقي. (٤) وليس فيها جميعها دليل يشهد لما ذهب إليه صاحب فجر الإسلام. ولا تنهض دليلاً على ما ادعاه الروايتان الأخريان التي ذكر إحداهما الطحاوي في مشكل الآثار، (٥) وثانيتهما التي أوردها الطبراني في الأوسط، (٦) وذلك لضعف سنديهما، ونكارة متنيهما، وتعلق الحديث فيهما بتزوير حادث دنيوي خاص بالمزور، ولكون من يروى عنه حصول هذا الحادث له مجهولاً. أما أحاديث التفسير فإن النتيجة التي توصل إليها المؤلف بعد النظر والبحث هي قوله: (وحسبك دليلاً على مقدار الوضع أن أحاديث التفسير التي ذكر عن أحمد بن حنبل أنه قال: (لم يصح عنده منها شيء) قد جمع آلاف الأحاديث) . (٧) فبين ما يروى من أحاديث في هذا الباب وبين حكم الإمام أحمد وهو من هو معرفة بالحديث، بل بين ما يرويه هذا الإمام نفسه في مسنده من أحاديث التفسير، وبين ما نقله عنه أحمد أمين من رأي أو حكم بشأن هذه الأحاديث تقابل مطلق وتناقض كامل. ولتصوير الحقيقة على الوجه الصحيح لا بد أن نذكر أن من وظيفة الرسول ﷺ كما صرح بذلك القرآن أن يبين للناس ما نزل إليهم من ربهم. ولا شك في كونه قد قام بذلك على الوجه الأكمل. فكان يبين لأصحابه معاني القرآن كما يبين لهم ألفاظه. روى عنه من تلقى ذلك منه، واتخذوه لهم شرحاً وتفصيلاً وبياناً وتوجيهاً. فلا غرو إذا نقلت عنه أحاديث كثيرة في هذا المعنى. ونحن نعلم تقيد العلماء بها وبالخصوص في المتشابه من القرآن حتى روي عن الشافعي أنه قال: (لا يصح تفسير المتشابه إلا بسنة عن النبي ﷺ أو خبر عن أحد أصحابه أو إجماع العلماء) (٨) وقال الطبري في شروط التفسير والمفسر: (إن مما أنزل الله من القرآن على نبيه ﷺ ما لا يوصل إلى علم تأويله إلا ببيان الرسول ﷺ ، وذلك تأويل جميع ما فيه من وجوه أمره - واجبه ونهيه وندبه وإرشاده- وصنوف نهيه، ووظائف حقوقه وحدوده ومبالغ فرائضه ومقادير اللازم بعض خلقه لبعض، وما أشبه ذلك من أحكام آيه التي لم يدرك علمها إلا ببيان رسول الله ﷺ لأمته) . (٩)

стр. 13479

ونعلم أيضاً أن بعض العلماء المتقدمين كان يرى فيما نقله عنه السيوطي: (أنه لا يجوز لأحد أن يتعاطى تفسير شيء من القرآن إلا بما ورد عن الرسول، وإن كان عالماً أديباً متسعاً في معرفة الأدلة والفقه والنحو والأخبار والآثار، وليس له إلا أن ينتهي إلى ما روي عن النبي ﷺ (١) وكل هذا يفسر إقبال أصحاب دواوين السنة على جمع أحاديث التفسير وتدوينها في مصنفاتهم وبين مروياتهم. والذي يتبين من هذا كله أن ما نقله الكاتب في فجر الإسلام عن الإمام أحمد غير صحيح، إنما صح عنه قوله: (ثلاثة ليس لها أصل: التفسير والملاحم والمغازي) ، أو: (ثلاثة كتب لا أصل لها: المغازي والملاحم والتفسير) روايتان. وفي هذا القول المنقول عنه نفي للصحة لا يستلزم الوضع ولا الضعف. ومن هذا الباب روي عنه قوله: (لا أعلم في التسمية - أي بالوضوء - حديثاً ثابتاً) . قال ابن حجر: (لا يلزم من نفي العلم ثبوت العدم، وعلى التنزل: لا يلزم من نفي الثبوت ثبوت الضعف لاحتمال أن يراد بالثبوت الصحة فلا ينتفي الحسن) (٢) وقد يكون المراد من قول الإمام نفي كتب خاصة لهذه العلوم، أو أن ما صح في هذا الباب من الأحاديث قليل وأن الذي يغلب على سائرها، وهو الأكثر، الوضع أو الضعف. وأما أحاديث البخاري التي انتقى منها صحيح جامعه فإن الاتهام والشك مسلطان على وفرتها وتحديدها بستمائة ألف، كما هو واقع بشأن الصحيح منها. وتساءل الناقد: كيف يصح ذلك؟ وأين ذهبت تلك الأحاديث كلها؟ والجواب عنه: أن أبا زرعة كان يحفظ أكثر من ذلك. قال أحمد بن حنبل: (صح من الأحاديث سبعمائة ألف وكسر، وهذا الفتى قد حفظ سبعمائة ألف) (٣) ولا يلزم أن تكون هذه الأحاديث كلها متصلة مرفوعة؛ فقد يكون فيها أخبار وموقوفات وآثار. وقد لا تكون الأحاديث مع هذه الكثرة مختلفة المواضيع ولكنها بضم طرقها المتعددة إليها يزداد عددها ويتضاعف أضعافاً كثيرة.

стр. 13480

أما زعمه أن ما صح عند البخاري هو أربعة آلاف حديث من غير المكرر لا غير فترده أقوال العلماء. ذكر ابن الصلاح في مقدمته: (فقد روينا عن البخاري أنه قال: ما أدخلت في كتاب الجامع إلا ما صح، وتركت من الصحاح لملال الطول) (١) وروينا عن مسلم أنه قال: (ليس كل شيء عندي صحيح وضعته هاهنا، إنما وضعت هاهنا ما أجمعوا عليه) (٢) وقال ابن كثير: (إن البخاري ومسلماً لم يلتزما بإخراج جميع ما يحكم بصحته من الأحاديث؛ فإنهما قد صححا أحاديث ليست في كتابيهما كما ينقل الترمذي عن البخاري تصحيح أحاديث ليست عنده بل في السنن وغيرها) (٣) ولا يقف كما قدمنا مكر أحمد أمين عند هذا الحد من توجيهه الطعون للسنة وترويجه الشبهات حولها، فيقفز إلى شنعة أخرى يرددها عن المستشرقين هي اتهامهم علماء المسلمين بقصر النظر، والاكتفاء من العلم بالكتاب والسنة والتدبر لهما والتعمق في دراستهما، آخذين في كل شيء بالمنقول أو العلم النقلي دون ما يمكن أن تهدي إليه مسالك المعقول أو النظر العقلي. وقبل القيام بدراسة موضوعية تعينه على تصور مناهج المحدثين في النقد ودراستها يسبق، كما هي عادة من في قلوبهم مرض ممن يريدون فرض تصوراتهم بأي شكل ومن أي طريق، إلى اتهام الأئمة والطعن في مكاناتهم والقدح في أحكامهم، إضعافاً لشأنهم وصرفاً للطلاب والباحثين عنهم.
следующие страницы →