← Фикх общий

Фикх общий · id 8356

مجلة مجمع الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (22 276 стр.). Показаны 13476–13515 · переход к 13481.

стр. 13476

وبعد هذا التمهيد ينتقل صاحب فجر الإسلام من الحكم العام الذي دس له وأراد إثباته إلى صورة تطبيقية تلقفها عن أستاذه جولدزيهر فجعل منها مثالاً للطعن والمؤاخذة، يستدل بها أولاً على ما أراده من كون الصحابة مثل غيرهم من الناس، وأن بينهم تفاوتاً، وأن بعضهم ينتقد بعضاً، فيورد دسائسه حول أبي هريرة ﵁ للتهوين من شأنه، وحمل الناس بعد ذلك على الصدوف عن الرواية والشك في الحديث بصفة عامة. وجملة ما ذكره من ذلك: أن بعض الصحابة كابن عباس وعائشة ردوا عليه بعض حديثه وكذبوه. وأن بعضهم أكثر من نقده وشك في صدقه. وأنه لم يكن يعتمد في روايته على الكتابة ولكن على الذاكرة وحدها. وأنه كان يروي عن رسول الله ﷺ ، ويروي عن الصحابة ما قد يكونون انفردوا به من الرواية عنه. وأن الحنفية تركوا حديثه إذا عارض القياس لأنه لم يكن فقيهاً. وأن الوضاع استغلوا شهرته بسعة الرواية فزوروا عليه أحاديث كثيرة. وهذه المطاعن الملفقة لا تثبت بعد فحصها والإمعان فيها. فردود ابن عباس وعائشة على أبي هريرة هي من النقاش العلمي المحض المبني على اختلاف الأنظار في استنباط الأحكام والاجتهاد، وزعمهم مجانبة أبي هريرة الصدق لكثرة ما روي عنه يبطله ما رواه مسلم من قوله: (إن إخواني من الأنصار كان يشغلهم عمل أراضيهم، وإن إخواني من المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالأسواق، وكنت ألزم رسول الله ﷺ على ملء بطني، فأشهد إذا غابوا وأحفظ إذا نسوا) (١) وإن في هذه الملازمة لحرزاً وغنى، واعتماده على السماع دون الكتابة هو الظاهرة الغالبة على أهل ذلك العصر، ورواية السماع عند أهل الحديث أولى، وهي مقدمة على الكتابة؛ لبعدها عن طور التصحيف والغلط. وسماعه من الصحابة ما يروونه عن رسول الله ﷺ هو مرسل الصحابي، وحكمه حكم المرفوع. وقد أجمعوا على الاحتجاج به، ورد خبره عند الأحناف يخضع لقاعدة عندهم وليس خاصاً بأبي هريرة. قال فخر الإسلام: (إن كان الراوي من المجتهدين كالأربعة والعبادلة وغيرهم قدم الخبر، وإن كان من الرواة وعرف بالعدالة دون الفقاهة كأبي هريرة فلا يترك خبره بمعارضة القياس إلا عند انسداد باب الرأي كحديث المصراة) (٢)

стр. 13477

وأما تزوير الوضاعين فليس مقصوراً عليه، فقد زوروا على عمر وعلي وعائشة وابن عباس وابن عمر وجابر وأنس وغيرهم. فلا حجة فيه. ولا تنال هذه الدعاوى من مكانة أبي هريرة ﵁ فقد قال الشافعي: (أبو هريرة أحفظ من روى الحديث في دهره) (١) وقال البخاري: (روى عنه نحو الثمانمائة من أهل العلم، وكان أحفظ من روى الحديث في عصره) (٢) وأما الأمر الثاني المتمثل في انتشار الرواية وكثرة ما يروى من الأحاديث. فهو حجر الزاوية عند بحث قضية الوضع لدى المتقدمين والمتأخرين جميعاً، وهو يضع أمامنا عند تتبع مقالة أحمد أمين عدة أسئلة، نقتصر على ثلاثة منها: الأول: متى بدأ الوضع؟ الثاني: ما هو القول المعتمد بشأن أحاديث التفسير؟ والثالث: من أين جاءت هذه الأحاديث الكثيرة التي انتقى منها البخاري جامعه الصحيح؟ وهذه الأسئلة أو التساؤلات هي التي تكشف عن مكمن الخطأ وموضع الارتياب الذي يعالج به صاحب فجر الإسلام قضية الحديث والرواية. فللإجابة عن السؤال الأول يقول المؤلف عن نشأة وضع الحديث: (ويظهر أن هذا الوضع حدث في عهد الرسول، فحديث ((من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار)) يغلب على الظن أنه إنما قيل لحادثة زور فيها على الرسول) (٣) وهذا الافتراض باطل من وجوه: أولها أن الوحي محفوظ مما قد يداخله أو يختلط به ما دام القرآن ينزل والرسول يبلغ. وقد تكفل الله تعالى لذلك بحماية دينه وسلامة أصول تشريعه من الكتاب والسنة.

стр. 13478

فلا يتصور، كما هو يقين هذه الأمة، حدوث الوضع في حياة الرسول ﷺ ، ولو حصل ذلك لبلغ إلينا متواتراً لشناعته وسوء أثره، ولوجوب التنبيه عليه من الرعيل الأول القوي الإيمان الشديد التمسك بالدين. فلا يسكت عن مثله حتى يأمن الناس بوائقه. وعلى صحة هذا الافتراض فأين سبب ورود هذا الحديث؟ ولم لم يتحدث المؤرخون والمحدثون عن ملابساته؟ فكل ما أمكننا الوقوف عليه أن هذا الحديث قاله الرسول ﷺ عندما طلب من أصحابه أن يبلغوا عنه. فأوصاهم بالتحري، وحذرهم من التقول عليه. وقد جاء هذا الحديث في سياقات مختلفة: رواه البخاري من حديث المغيرة، وهو في الجنائز، ومن حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، وهو في أخبار بني إسرائيل، ومن حديث وائلة بن الأسقع وهو في مناقب قريش، (١) ومسلم من حديث علي وأنس وأبي هريرة وأبي سعيد الخدري، (٢) والترمذي من حديث ابن مسعود وعلي وأبى بكر وعمر وعثمان والزبير وسعيد بن زيد وعبد الله بن عمرو وأنس وجابر وابن عباس وأبي سعيد وغيرهم، (٣) وأحمد بن حنبل من حديث أبي موسى الغافقي. (٤) وليس فيها جميعها دليل يشهد لما ذهب إليه صاحب فجر الإسلام. ولا تنهض دليلاً على ما ادعاه الروايتان الأخريان التي ذكر إحداهما الطحاوي في مشكل الآثار، (٥) وثانيتهما التي أوردها الطبراني في الأوسط، (٦) وذلك لضعف سنديهما، ونكارة متنيهما، وتعلق الحديث فيهما بتزوير حادث دنيوي خاص بالمزور، ولكون من يروى عنه حصول هذا الحادث له مجهولاً. أما أحاديث التفسير فإن النتيجة التي توصل إليها المؤلف بعد النظر والبحث هي قوله: (وحسبك دليلاً على مقدار الوضع أن أحاديث التفسير التي ذكر عن أحمد بن حنبل أنه قال: (لم يصح عنده منها شيء) قد جمع آلاف الأحاديث) . (٧) فبين ما يروى من أحاديث في هذا الباب وبين حكم الإمام أحمد وهو من هو معرفة بالحديث، بل بين ما يرويه هذا الإمام نفسه في مسنده من أحاديث التفسير، وبين ما نقله عنه أحمد أمين من رأي أو حكم بشأن هذه الأحاديث تقابل مطلق وتناقض كامل. ولتصوير الحقيقة على الوجه الصحيح لا بد أن نذكر أن من وظيفة الرسول ﷺ كما صرح بذلك القرآن أن يبين للناس ما نزل إليهم من ربهم. ولا شك في كونه قد قام بذلك على الوجه الأكمل. فكان يبين لأصحابه معاني القرآن كما يبين لهم ألفاظه. روى عنه من تلقى ذلك منه، واتخذوه لهم شرحاً وتفصيلاً وبياناً وتوجيهاً. فلا غرو إذا نقلت عنه أحاديث كثيرة في هذا المعنى. ونحن نعلم تقيد العلماء بها وبالخصوص في المتشابه من القرآن حتى روي عن الشافعي أنه قال: (لا يصح تفسير المتشابه إلا بسنة عن النبي ﷺ أو خبر عن أحد أصحابه أو إجماع العلماء) (٨) وقال الطبري في شروط التفسير والمفسر: (إن مما أنزل الله من القرآن على نبيه ﷺ ما لا يوصل إلى علم تأويله إلا ببيان الرسول ﷺ ، وذلك تأويل جميع ما فيه من وجوه أمره - واجبه ونهيه وندبه وإرشاده- وصنوف نهيه، ووظائف حقوقه وحدوده ومبالغ فرائضه ومقادير اللازم بعض خلقه لبعض، وما أشبه ذلك من أحكام آيه التي لم يدرك علمها إلا ببيان رسول الله ﷺ لأمته) . (٩)

стр. 13479

ونعلم أيضاً أن بعض العلماء المتقدمين كان يرى فيما نقله عنه السيوطي: (أنه لا يجوز لأحد أن يتعاطى تفسير شيء من القرآن إلا بما ورد عن الرسول، وإن كان عالماً أديباً متسعاً في معرفة الأدلة والفقه والنحو والأخبار والآثار، وليس له إلا أن ينتهي إلى ما روي عن النبي ﷺ (١) وكل هذا يفسر إقبال أصحاب دواوين السنة على جمع أحاديث التفسير وتدوينها في مصنفاتهم وبين مروياتهم. والذي يتبين من هذا كله أن ما نقله الكاتب في فجر الإسلام عن الإمام أحمد غير صحيح، إنما صح عنه قوله: (ثلاثة ليس لها أصل: التفسير والملاحم والمغازي) ، أو: (ثلاثة كتب لا أصل لها: المغازي والملاحم والتفسير) روايتان. وفي هذا القول المنقول عنه نفي للصحة لا يستلزم الوضع ولا الضعف. ومن هذا الباب روي عنه قوله: (لا أعلم في التسمية - أي بالوضوء - حديثاً ثابتاً) . قال ابن حجر: (لا يلزم من نفي العلم ثبوت العدم، وعلى التنزل: لا يلزم من نفي الثبوت ثبوت الضعف لاحتمال أن يراد بالثبوت الصحة فلا ينتفي الحسن) (٢) وقد يكون المراد من قول الإمام نفي كتب خاصة لهذه العلوم، أو أن ما صح في هذا الباب من الأحاديث قليل وأن الذي يغلب على سائرها، وهو الأكثر، الوضع أو الضعف. وأما أحاديث البخاري التي انتقى منها صحيح جامعه فإن الاتهام والشك مسلطان على وفرتها وتحديدها بستمائة ألف، كما هو واقع بشأن الصحيح منها. وتساءل الناقد: كيف يصح ذلك؟ وأين ذهبت تلك الأحاديث كلها؟ والجواب عنه: أن أبا زرعة كان يحفظ أكثر من ذلك. قال أحمد بن حنبل: (صح من الأحاديث سبعمائة ألف وكسر، وهذا الفتى قد حفظ سبعمائة ألف) (٣) ولا يلزم أن تكون هذه الأحاديث كلها متصلة مرفوعة؛ فقد يكون فيها أخبار وموقوفات وآثار. وقد لا تكون الأحاديث مع هذه الكثرة مختلفة المواضيع ولكنها بضم طرقها المتعددة إليها يزداد عددها ويتضاعف أضعافاً كثيرة.

стр. 13480

أما زعمه أن ما صح عند البخاري هو أربعة آلاف حديث من غير المكرر لا غير فترده أقوال العلماء. ذكر ابن الصلاح في مقدمته: (فقد روينا عن البخاري أنه قال: ما أدخلت في كتاب الجامع إلا ما صح، وتركت من الصحاح لملال الطول) (١) وروينا عن مسلم أنه قال: (ليس كل شيء عندي صحيح وضعته هاهنا، إنما وضعت هاهنا ما أجمعوا عليه) (٢) وقال ابن كثير: (إن البخاري ومسلماً لم يلتزما بإخراج جميع ما يحكم بصحته من الأحاديث؛ فإنهما قد صححا أحاديث ليست في كتابيهما كما ينقل الترمذي عن البخاري تصحيح أحاديث ليست عنده بل في السنن وغيرها) (٣) ولا يقف كما قدمنا مكر أحمد أمين عند هذا الحد من توجيهه الطعون للسنة وترويجه الشبهات حولها، فيقفز إلى شنعة أخرى يرددها عن المستشرقين هي اتهامهم علماء المسلمين بقصر النظر، والاكتفاء من العلم بالكتاب والسنة والتدبر لهما والتعمق في دراستهما، آخذين في كل شيء بالمنقول أو العلم النقلي دون ما يمكن أن تهدي إليه مسالك المعقول أو النظر العقلي. وقبل القيام بدراسة موضوعية تعينه على تصور مناهج المحدثين في النقد ودراستها يسبق، كما هي عادة من في قلوبهم مرض ممن يريدون فرض تصوراتهم بأي شكل ومن أي طريق، إلى اتهام الأئمة والطعن في مكاناتهم والقدح في أحكامهم، إضعافاً لشأنهم وصرفاً للطلاب والباحثين عنهم.

стр. 13481

فقد أورد في كتابه بشأن عبد الله بن المبارك، الذي عده ابن مهدي أحد الأئمة الأربعة مع الثوري ومالك وحماد بن زيد، وقال عنه النسائي: (لا نعلم في عصر ابن المبارك أجل من ابن المبارك ولا أعلم منه ولا أجمع لكل خصلة محمودة منه) (١) وذكره ابن معين: (ما رأيت من محدث لله إلا ستة، منهم ابن المبارك. وكان ثقة عالماً متثبتاً صحيح الحديث، وكانت كتبه التي حدث بها عشرين ألفاً) (٢) قال عنه في معرض حديثه عن الوضاعين: (وبعضهم كان سليم النية يجمع كل ما أتاه على أنه صحيح، وهو في ذاته صادق، فيحدث بكل ما سمع، فيأخذه الناس عنه مخدوعين بصدقه، كالذي قيل في عبد الله بن المبارك إنه ثقة صدوق اللسان، ولكنه يأخذ عمن أقبل وأدبر) (٣) وبهذه الشهادة التي لفقها، وتبرع بها، قصد نقد مقالات الأئمة السابقين في ابن المبارك، أراد أن يركز في أذهان معاصريه ومن يأتي بعدهم أن هذا العالم الناقد كان من الوضاعين وأن به غفلة، وأن سلامة نيته مع صدقه كانا سبباً في رواية الباطل عنه، وانخداع الناس به. وقد تولى الدكتور السباعي الرد عليه في ذلك، وخطأه فيما أدلى به من كلام مسلم الذي حرفه عن أصله الذي ورد به. وقال: إن عبارة مسلم في الصحيح هكذا: (حدثني ابن قهزاد قال: سمعت وهباً يقول عن سفيان عن ابن المبارك قال: بقية صدوق اللسان، ولكنه يأخذ عمن أقبل وأدبر) (٤) و (بقية) لا ثقة هنا هو أحد المحدثين في عصره. فالكلام المستشهد به كان في ترجمة رجل آخر هو بقية، لا مقالة لمسلم يصف بها ابن المبارك. وإذا كان هذا التلاعب أو الخطأ في النقل أصلاً لما يبني عليه من تصورات وأحكام، فإن المترتب على الفاسد فاسد. وتكفي للوقوف على وجوه الرد على هذه المقالة العودة إلى كلام السباعي. (٥) أما اعتماد الحديث بكثرة في الأحكام الشرعية وعدم اللجوء إلى المصادر العقلية في ذلك فالكلام فيه يطول. وهو مبسوط في كتب أصول الفقه، يعرفه كل من شدا مبادئ هذا الفن، أو ألم بصورة مجملة مما حرره العلماء والمؤرخون في كتب التشريع الإسلامي.

стр. 13482

وزعمه أن نقد متون الحديث لم يحظ بكبير اهتمام من علماء السنة كالأسانيد، واقتراحه في هذا العرض وجوهاً وملاحظات لا بد من اعتبارها والالتفات إليها للوثوق بالأخبار تعوزه النظرة الفاحصة، والوقوف على ما كتبه علماء هذا الفن، والاستقراء لما اعتمده النقاد من أصول في علمي التجريح والتعديل، ولما وضعوه في كتب الحديث من قواعد. ولعل الذي حمله على سلوك هذا المنهج حرصه على بث الشك والريبة في قلوب قرائه وعقولهم، لذا أتبع مقالته تلك بأمثلة وشواهد من الأحاديث الصحيحة يعرضها على طريقته في النقد، للحمل على استنكارها وردها، توصلاً إلى هدفه وبلوغاً إلى مقصده من حديثه عن السنة. وذهب أحمد أمين بعد ذلك بخيره وشره، وترك بمواقفه التي ألمعنا إليها وناقشناها القول في بعضها مدرسة تذهب مذهبه وتردد أقواله من أبرز أعلامها كاتبان: أولهما د. إسماعيل أدهم الذي أحدث كتابة (تاريخ السنة) ضجة كبرى في الأوساط العلمية والإسلامية، وهو كتاب خطير كذب فيه أحاديث الكتب الصحاح، وتولى د. محمد مصطفى الأعظمي تعقب أقواله والرد عليه في كتابه دراسات في الحديث النبوي (١) وثانيهما د. محمود أبو رية صاحب كتاب (أضواء على السنة المحمدية) ، وقد اشتهر أمره وكثر الحديث عنه، وقال عنه السباعي: (فلما اطلعت على كتابه هالني ما رأيت فيه من تحريف للحقائق، وتلاعب بالنصوص، وجهل بتاريخ السنة، وشتم وتحامل على صحابة رسول الله ﷺ من كبارهم كأبي بكر وعمر وعثمان إلى صغارهم كأنس وعبد الله بن عمرو ﵄ جميعاً، وقد امتلأ قلبه بالحقد على أكبر صحابي –هو أبو هريرة - حفظ سنة الرسول ﷺ ونقلها لأهل العلم من صحابة وتابعين حتى بلغوا كما قال الشافعي ثمانمائة، كل واحد منهم جبل من جبال العلم والفهم والهداية) (٢) . وهو رغم فساد رأيه وخطره على المسلمين في دينهم وعلى الناشئة لم يأت بجديد، فهو يستقي أفكاره وآراءه من مواقف المتقدمين من الزنادقة والمعتزلة وأهل الأهواء، ويستمد اتجاهاته من مواقف المتأخرين من المستشرقين ومن تبعهم من دعاة التحرر من الدين والقول بالرأي فيه، ومن أجل ذلك فلسنا في حاجة إلى مناقشته، بعد كل ما تقدم، ولكننا نكتفي بعرض آرائه ملخصة لحصرها، وتبيين إضافاته لتقرير ما أوحي له بها منها.

стр. 13483

فهو يبدأ بذكر حقيقة معلومة من الناس جميعاً، هي عدم تدوين السنة في عصر النبي ﷺ ويستنتج من ذلك أن غيبة التدوين في هذه الفترة أدت إلى انقسام الناس إلى فرق، وإلى اختلاف بينهم في المذاهب، وقد شجع ذلك كله وجود كثير من الأخبار وانتشار الوضع بين أصحاب تلك الفرق. فإذا عاد بعد ذلك إلى التراث النبوي، وهو الحديث أو السنة جعله نوعين: السنة العملية، والسنة القولية، فالعملية عنده هي السنة المتواترة، وما أجمع عليه المسلمون في الصدر الأول، وما كان معلوماً من الدين بالضرورة، وموقع هذه السنة العملية تال لمحل القرآن، وهما بحسب ما يظهر من قوله مصدرا الشريعة، أما السنة القولية فهي في الدرجة الثالثة، ولا يلزم العمل بها لأنها وإن ثبتت أو صحت لا ترقى إلى القرآن وإلى السنة العملية، فهذان يضعان الدين العام الذي يلزم اعتقاده واتباعه، بخلاف القولية فإنها لا تحدد ذلك، وعلى هذا الأساس فارق كلام العلماء والمجتهدين واعتبر أخبار الآحاد غير ملزمة بالعمل إلا لمن صحت عنده رواية ودلالة، فلا تكون تشريعاً عاماً تلزم به الأمة إلزاماً، تقليداً لمن ثبتت عنده وأخذ بها. وفي كتابه يعود إلى بعض رجال العصر الأول ممن ورثنا عنهم علماً وحكمة وشريعة وأدباً نبوياً، فيسلك مسلك المستشرقين ومن تبعهم مع أبي هريرة ﵁، ويصف صاحب رسول الله ﷺ هذا بكل منقصة وضعة، ويقول: فهو ليس في العير ولا في النفير، وأنه كان مصانعاً في حياته العملية للحاكمين، وأنه حين سئل عن موقفه منهم قال: (علي أعلم ومعاوية أدسم والجبل أسلم) (١) وأنه حدث بأحاديث كثيرة أنكرها عليه معاصروه من الصحابة، ويبطل هذه المقالة ما رواه ابن كثير عن طلحة بن عبد الله من قوله عنه: (والله ما نشك أنه قد سمع من رسول الله ما لم نسمع وعلم ما لم نعلم، إنا كنا قوما أغنياء، لنا بيوت وأهلون، وكنا نأتي رسول الله ﷺ طرفي النهار ثم نرجع، وكان هو مسكيناً لا مال له ولا أهل، وإنما كانت يده مع رسول الله ﷺ وكان يدور معه حيثما دار، فما نشك أنه علم ما لم نعلم وسمع ما لم نسمع) (٢)

стр. 13484

وقال الشيخ أحمد محمد شاكر في أول مسند أبي هريرة عندما رد على خصومه ومن تحرش به قديماً وحديثاً: (وما كانوا بأول من حارب الإسلام من هذا الباب، ولهم في ذلك سلف من أهل الأهواء قديماً، والإسلام يسير في طريقه قدماً، وهم يصيحون ما شاؤوا، لا يكاد الإسلام يسمعهم بل هو إما يتخطاهم لا يشعر بهم، وإما يدمرهم تدميراً (١) وينقل إثر ذلك كلمة لأبي بكر بن خزيمة في الرد على من تكلم في أبي هريرة، قال: (إنما يتكلم في أمر أبي هريرة، لدفع أخباره، من قد أعمى الله قلوبهم فلا يفهمون معاني الأخبار) (٢) . فإذا بحثنا عن أسباب هذه المواقف أدركنا أن العامل الدافع له لاتخاذها هو التوصل إلى القول بأن السنة ليست موضع ثقة، وأن كثيراً مما اشتملت عليه يطعن في صحتها، ويرفض كل ما رواه أئمة الحديث المتثبتون وأئمة الفقه المجتهدون من حقائق لا تعجبه، فلا يعتد بجهود العلماء والنقاد في ضبطها وتنقيتها ويتهمهم بالعجز والتقصير قائلاً في سياق التظاهر بعنايته بالحديث:) إن العلماء والأدباء لم يولوه ما يستحق من العناية والدرس وتركوا أمره لمن يسمون رجال الحديث يتناولونه فيما بينهم ويدرسونه على طريقتهم (٣) وهو يؤاخذ هؤلاء بقلة سبرهم لغوامض المعقول، ويقدح في علمهم، مفضلاً عليهم الأدباء وعلماء الكلام من المعتزلة، داعياً إلى وجوب عرض نصوص السنة على العقل الصريح لتلافي التقصير والغفلة. وقد قيض الله للسنة في هذا العصر من يذود المارقين عنها ويبطل مقالاتهم ويرد عليهم الأباطيل والشبه، فكان منهم الشيخ مصطفى حسين السباعي بكتابه: السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي. محمد عبد الرزاق حمزة بظلمات أبو رية أمام أضواء السنة المحمدية. عبد الرحمن المعلمي اليماني بالأنوار الكاشفة لما في كتاب أضواء على السنة من الزلل والتضليل والمجازفة. محمد الغزالي بدفاع عن العقيدة والشريعة. محمد أبو شبهة بدفاع عن السنة. عبد المنعم صالح العزي بدفاع عن أبي هريرة. محمد مصطفى الأعظمي بدراسات في الحديث النبوي.

стр. 13485

وقد نال المسلمين في الهند وباكستان مثل ما نال العرب أو أشد منه في ديارهم من حكم استعماري واستغلال أجنبي وخاصة بعد إخفاق ثورتهم التحررية ١٨٥٧، فأصابهم الانقسام، وشغلتهم الفتن عن حماية معتقداتهم والكفاح عن دينهم، وضعف المدارك وقل العلم العصري وحتى الديني، واخترقت الاتجاهات الفكرية الغربية الاستعمارية وما تولد عنها من حركات وجماعات تكيد للإسلام في تلك القارة، فمن مذاهب وثنية تنتشر عن طريق الهندوس، إلى حركات تنصيرية سافرة العداء،، ومن قاديانية مضللة مبتدعة مفارقة للملة، إلى بريلوية وجراكلوية تقوم على تعطيل مفاهيم الإسلام، وتحريف تعاليمه، وما من شك في أن للمستشرقين في ذلك يداً كما للسياسة الاستعمارية، ذكر السباعي في ملحق: متى نسد هذه الثغرة، (أن هذه الفئة المسخرة من قديم لمحاربة الإسلام عقدت منذ بضع سنوات مؤتمراً للدراسات الإسلامية في لاهور بباكستان دعت إليه فيمن دعت تلاميذها الفكريين في الهند وباكستان، وكان أشد المستشرقين تعصباً وأكثرهم جهلاً الأستاذ الكندي سميث.. وكان مما ألح عليه المستشرقون يومئذ بحث السنة والوحي النبوي، ومحاولة إخضاعهما لقواعد العلم كما يزعمون، وقد انتهى بعض تلامذتهم إلى إنكار الوحي كمصدر للإسلام واعتبار الإسلام أفكاراً إصلاحية من محمد ﷺ (١) وإذا أردنا تتبع مسلسل هذه الفتنة في بلاد الهند يكون من الضروري، قبل الحديث عن تلك الحركة العلمية الثقافية التقدمية التي كانت تريد أن تؤلف بين الإسلام والحياة العصرية فأخطأت الطريق وانحرفت عن الكتاب والسنة- أن نشير إلى مؤسسي هذا الاتجاه وهما السيد أحمد خان ومولوي جراغ علي.

стр. 13486

١- الأول: ١٧/ ١٠/ ١٨١٧ بدلهي – ٢٧/ ٣/ ١٨٩٨ بعليكره، عمل بعد وفاة والده بشركة الهند الشرقية، وتوثقت صلته بالحكم الإنجليزي، فعين مساعداً للقاضي البريطاني بالمحكمة الإنجليزية، وتميزت حياته العلمية بتصنيف الكتب وإصدار المجلات الثقافية والعلمية، كما قام بتأسيس المدارس والمعاهد وجامعة عليكره الإسلامية ونوادي العلوم. ومن كتبه التاريخية أسباب الثورة في الهند، وكان موالياً فيه للدولة الأجنبية الحاكمة، وله تفسير للقرآن، ومقالات دينية نفث فيها كثيراً من آرائه، فانقسم الناس في شأنه: بعضهم يقصر به عن المقدار الذي يستحقه وينسب إليه العظائم، والبعض الآخر يلقبه بالمجدد الأعظم والمجتهد الأكبر، وإنه في واقع الأمر لكبير الفكر قليل العلم، ليس ملتزماً بتعاليم دينه ولا يقوم بواجباته الدينية (١) فلا غرو بعد ذلك أن ثار بينه وبين علماء عصره ذلك الجدل الحامي لما رأوا من تعاونه مع الإنجليز، ودعوته إلى الأخذ بثقافتهم، وإبدائه في الدين آراء منكرة تتفق وعقليته واتجاهه، ففسر القرآن بهواه، غير ملتزم بدلالات ألفاظه وتراكيبه، وفارق ما أجمع عليه علماء المسلمين في كل العصور بإنكار عدد من الغيبيات، وشتم الفقهاء والمحدثين (٢) ولم تكن آراؤه في السنة قائمة إلا على التشكيك في صحتها، وعلى عدم وجوب العمل بما ورد فيها من أحكام؛ لأنها لا تعدو أن تكون أحكاماً اجتهادية لا نصية ولا حتمية. ٢- والثاني وهو مولوي جراغ علي ١٨٤٤- ١٨٩٥، من أتباع السيد أحمد خان وتلاميذه، استعان به المستعمرون حين انتبهوا إلى خطورة الجهاد، فسار سيرتهم مع القادياني يطعن في أحاديث الجهاد ويؤولها، كما أول نصوص الإسلام بما يتلاءم مع الحياة الأوربية، ووقف مواقف غريبة من أحاديث كثيرة تتعلق بالحرب، والأسر، والمرأة، مركزاً رأيه في السنة على أساسين: الأول: (أن القرآن كامل من كل الوجوه، ويواكب سير الحضارة وتطورها، ويرفع متبعيه إلى أعلى درجات الرقي والتمدن، فإن أحسنا تفسيره وتعبيره سلك بنا هذا المسلك، وإن قيدناه بآراء المفسرين ومنهجهم وحصرناه في الروايات فإن الوضع ينقلب رأساً على عقب، فنسير في الهبوط والهاوية بدلاً من التقدم ومسايرة الركب؛ لأن الروايات لم يصح منها إلا القليل، بل جلها فرضيات وأوهام للعلماء، أو أنها دلائل قياسية وإجماعية، وهذا المسلك هو ما يسير عليه قانون الشريعة والفقه، ولا شك أن مثل هذا المسلك يحجز عن الرقي والتقدم ومسايرة ظروف الحياة (٣)

стр. 13487

والأساس الثاني يكشف عنه هذا الداعي الداعية بقوله: إن المحققين الذين جمعوا الأحاديث وميزوا بين سقيمها وصحيحها خرجوا بأن الحديث مهما قوي سنده لا يمكن الاعتماد عليه، وما ذكر فيه غير حتمي قطعاً، فلو أمعنا النظر في هذه الحقيقة لاضطررنا أن نقول: إن معايير الصدق والأصول العقلية لا حاجة لإقامتها لتميز الحديث؛ لأن الحديث في حد ذاته شيء لا يمكن الاعتماد عليه ولا اعتبار فيما يتحدث عنه) ((١) فالأستاذ وتلميذه سارا من منتصف القرن الماضي التاسع عشر على منهج في الدراسة والدعوة، فيه زلزلة لقواعد الإسلام ودك لأصوله بالصرف عن السنة صرفاً تاماً، والطعن في الدراسات الإسلامية وبخاصة الشرعية، والدعوة إلى تفسير جديد للقرآن يتأول به على نحو يجعله متماشياً مع أنماط حياة المجتمعات المعاصرة المتطورة، خاضعاً لأهوائها، تحكمه ولا يهيمن عليها، وتغير أفهامه فيفقد روحه وسلطانه، وتبيد مبادئ الإسلام وقيمه عن طريق التحريف، ويصير تابعاً لإرادة الطاغوت محكوماً بها منحرفاً عن الحق، بعيداً عن أداء رسالته الخالدة التي جاء بها محمد رسول الله ﷺ من ربه، ودعا إليها الناس كافة ليملأ الأرض طهراً وعدلاً، ويقيم الموازين بالحق من أجل إسعاد الإنسان والسمو به والصون لكرامته والتحقيق لعزته. وتلك المحاولة الماكرة التي نلمس آثارها إلى اليوم في الشرق والغرب وتنشرها باستمرار أقلام دعاة الفكر المتحررين، المتقمصين للإسلام خدعة، وللتجديد الديني شعاراً من غير أن يكون لهم به أي ارتباط أو صلة، مضت تغالط العامة وتضلل السذج، في وقت انعدم فيه الوازع من النفوس، وضعفت فيه الثقافة الدينية أو زالت من كثير من الأوساط، واستمرت يرعاها ويسهر على امتداد آثارها في بلاد الهند وباكستان ثلة من المفكرين تلقوا باليمين لواء الضلالة عن السيد أحمد خان ومولوي جراغ علي المتقدمين، برز منها في شرقي الهند ببهار محب الحق عظيم أبادي، وبلاهور من بلاد باكستان غلام نبي عبد الله الجكرالوي.

стр. 13488

٣- ولد الأول في أواخر السبعينات من القرن التاسع عشر وتوفي في أواخر الخمسينات من القرن العشرين، كان في الأول سنياً حنفياً، وانتسب إلى الطريقة النقشبندية، ثم ما لبث أن تحول إلى عضو بارز في حركة القرآن الهدامة، وهو بمكره لم يجابه الناس في سلوكهم الديني، وبقي محافظاً على مظاهر الارتباط بقومه إلى أن ظهرت بعد ذلك نزعته الجديدة، بما نشره من مقالات في مجلة البيان ومجلة طلوع إسلام، وبما صدر عنه من كتب دلت على تذبذبه الفكري العقدي كـ (منهاج الحق) أو على مفارقته للجماعة ومروقه وهو (بلاغ الحق) ، وهذا الداعية وإن كان من الجراكلوي كفرسي رهان إلا أنه لم يشتهر شهرته ولا ذاع صيته مثله، وإن تشكلت، بعد وفاته ومنذ عقد من السنين، فرقة تقتفي أثره وتدعو إلى منهجه الفكر العقدي بأواسط الهند. ٤- أما غلام نبي عبد الله الجكرالوي وليد جكراله بالبنجاب بباكستان في أواخر العقد الثالث من القرن التاسع عشر والمتوفى بميان والي، فقد كان أشد خطراً من محب الحق، وكان أول أمره من طلاب الحديث، تخرج فيه على يد ميان نذير حسين، وبعد مناظرة حصلت بينه وبين ابن عمه القاضي قمر الدين خرج عن قومه متأثراً بالبلبلة الفكرية والعقدية التي أحدثتها ببلده الفرق المتعددة، وأظهر مخالفته لما عليه المسلمون في كثير من أصول عقائدهم، وتبع حسب ما نشره محمد علي مقصوري بمجلة الاعتصام الأسبوعية التوجيهات السياسية البريطانية التي استغلته كما استغلت المرزا غلام أحمد القادياني لإحداث ما أحدثاه من فتنة واضطراب في البلاد، وفي هذه الآونة اتخذ المشروع الإنجليزي نوعاً جديداً من المناورات المناوئة للإسلام، فضمت صفوفه السياسية كثيراً من القساوسة المبشرين، مما مكنها من اصطياد بعض الشخصيات الإسلامية، وإيقاعها في شبكة التحريف ضد الإسلام، كما انضم إلى هؤلاء بعض من يريد الدنيا فحرضتهم السلطات الإنجليزية على أن يقوموا بأعمال تبعد الثقة عن النفوس تجاه الحديث الشريف، ويستغلوا الضمائر المنافقة من المسلمين، وكان على رأس هؤلاء جميعاً عبد الله الجكرالوي، وقد اختاره المسيحيون لأداء هذه المهمة، فرفع صوته بإنكار السنة كلها، وأخذ يدعو إلى هذا المشروع الهدام، وبدأت كتب التأييد والرسائل تصل إليه من المبشرين بالمسيحية، وتعده بالمساعدات المالية، وتشكره على هذا المجهود الجبار (١)

стр. 13489

ومما يشهد لهذا الاتجاه الذي جرى عليه الجكرالوي قوله معلناً عن موقفه من السنة: (هذا هو القرآن الموحى به وحده من عند الله إلى محمد، وإن ما عداه فليس بوحي) ، ولنشر آرائه أسس ١٩٠٢ فرقة أهل الذكر والقرآن المحاربة للسنة بلاهور، وألف الكتب بالأردية، نحو أربع عشرة رسالة أو مصنفاً منها: تفسير القرآن بآيات الفرقان، وترجمة القرآن بآيات الفرقان، وصلاة القرآن، وما علم الرحمن بآيات الفرقان، وإشاعة القرآن، والزكاة والصدقات كما جاء في آيات بينات، ... إلى غير ذلك من الضلالات التي عززت مقالاته في الصحافة والمجلات، وقد كانت مكتبة ربوة القاديانية هي الوحيدة التي احتفظت بكتبه، أما فيما وراء ذلك فقد صودرت وأحرقت فلا تقع اليد عليها في أي مكان، وسبب ذلك الحملة الشديدة التي قام بها علماء الإسلام في الرد عليه؛ دفاعاً عن الملة والدين، ولما أحدثته أقواله وتصريحاته ومقالاته ومحاوراته من تغيير لجوهر الدين وإفساد له، تبرأ المسلمون منه وأنكروا دعوته، وما أحدثه من صفة الصلاة التي جعلها ثلاثاً من غير عصر ولا مغرب، وقصرها في كل مرة على ركعتين، واعتبر ما زاد على ذلك من تعيين الناس لا من تعيين رب الناس، وجعل تكبيرة الإحرام أن تذكر أن (الله كان علياً كبيراً) ، ونقص من الصلاة الرفع من الركوع، وإنما هي ركوع فسجود، ولا يتعدد السجود في الركعة الواحدة، وتنقضي الصلاة بالانتهاء من أذكار السجود، ويصف محمد رمضان الجكرالوي كيفية الصلاة: بالشروع بتكبيرة الإحرام، وقراءة خمس وعشرين آية حصرها لهم من مختلف سور القرآن، ثم يركع بتكبيرة إحرامه الخاصة ويقرأ في الركوع ثلاث آيات، ثم يسجد ويقرأ خمس آيات مختلفة، فإذا تمت الركعة الأولى قام بثانية مثلها، فإذا سجد فيها انقضت الصلاة (١) ومن أجل ذلك أفتى بكفره أكثر علماء القارة الهندية في باكستان والهند وبنجلاديش، وقامت مجلة إشاعة السنة بنشر توقيعات علماء الدين الذين وقفوا هذا الموقف منه، وحكموا بخروجه عن بوتقة الإسلام، وأنه مقطوع الصلة عن الدين والمسلمين (٢) ولم يصده كل ذلك عن محاربة دينه ومحاولة تحريف عقيدة المسلمين من حوله.

стр. 13490

٥- وقد خالط الجكرالوي رجل متميز يسايره في الاتجاه، ويعمل مثله لإبطال حجية السنة نظرياً وتطبيقاً هو الخواجة أحمد الدين الأمرتيسري (١٨٦١) بأمر تسر بالهند- ١٩٣٦، تعلم هذا الرجل القرآن في طفولته، وأخذ بحظ من العلوم الإسلامية ثم دخل مدرسة المبشرين فدرس الكتاب المقدس وتعلم الاقتصاد والتاريخ والجغرافيا والرياضيات والفلك والمنطق وعلم النبات وطبقات الأرض، وأصبح بذلك التخرج عجيب التكوين متفهماً لكل الميول، متقبلاً لكل الاتجاهات، يستمد أصول منهجه الفكري من أحمد خان، ويحاور عبد الله الجكرالوي، ويجالس القادياني، ومهما اختلفت الآراء من حوله واشتدت الفتنة استمر الدعامة القوية لتفكير أهل القرآن، فبليونة طبعه استمال الأثرياء والنبغاء والنبهاء الذين انقادوا لنظرياته، وشجعوه على تكوين حزبه أو جماعته الموالية لجماعة أهل القرآن ١٩٢٦، والتي كان يسميها (أمة مسلمة) ، وبكتابه معجزة القرآن وغيره من المؤلفات مثل أصل مطاع، وتفسير بيان للناس، وبرهان الفرقان، وريحان القرآن، وبمقالاته في مجلة البلاغ، التي أصدرها باسم الجماعة، نشر نظرياته الخاصة وأفكاره، فقامت من حوله جماعة من المحاضرين وأساتذة الجامعات وأعضاء السلك القضائي، كما أيده وناصره وشد أزره محب الحق عظيم أبادي المتقدم الذكر، وكان في صلاته على سنن عبد الله الجكرالوي (صلاة القرآن كما علم الرحمن) والمفروض عنده منها اثنتان في اليوم والليلة لا يتعداهما، ولفرقة أهل القرآن في شؤون الزكاة آراء خاصة تختلف بين جماعاتهم، فمن رأي الجكرالوي إلى رأي أصحاب البلاغ، ومن رأي الخواجة أحمد الدين إلى رأي برويز، ولهم في الصيام أقوال منها أنه لا يلزم حصره في شهر رمضان ويجوز صيام أي شهر شمسي بحسب الظروف والحاجات (١) وتتميز فرقة الأمرتسري بإنكارها قانون الميراث (الفرائض) ، ودعوتها إلى توريث ابن الابن مع وجود الابن للميت، وجعل الوصية فرض عين على المتوفى لمن شاء من ورثته، وإعطاء الإرث لمستحقه بقطع النظر عن ديانته وحريته، كما لها مواقف خاصة من المعاملات والحدود وغيرها (٢)

стр. 13491

٦- الحافظ محمد أسلم جراجبوري ١٨٨٠ بجراجبور بالهند –٢٨/١٢/ ١٩٥٥، ظهر على عقب سلفه الخواجة أحمد الدين الأمرتسري، تعلم القرآن في صغره وحفظه ولذلك لقب من طفولته بالحافظ، وحذق اللسان الفارسي لسان العلوم الإسلامية في بلده وكذا الإنجليزية والعربية، ودرس الرياضيات، وقد ساقته مواهبه في الأول إلى جريدة بيسة اللاهورية ١٩٠٣ واشتغل بالكتابة فيها، ثم تدرج من مدرس للعربية والفارسية بثانوية عليكره ١٩٠٦، إلى أمين عام لمكتبتها، ومن هذا العمل الإداري ١٩٢١ إلى محاضر بجامعة عليكره الإسلامية، ثم تحول للتدريس بالجامعة الملية، وهو ممن لم يسلم بفرائض الله ونظام المواريث الإسلامي، وكان متأثراً جداً بالخواجة أحمد الدين، يدل على ذلك ترجمته لكتابه معجزة القرآن إلى العربية، ووضعه كتاب محجوب الإرث على غرار ما فعل سابقه، والوراثة في الإسلام، ونشر كتباً كثيرة أخرى بعضها في دقائق القرآن، وتعليم القرآن، وتاريخ القرآن، وعقائد الإسلام، وبعضها الآخر في مكانة السنة في الإسلام، وفي نقد العلوم المستنبطة لخدمة السنة، وبعضها في التاريخ الإسلامي بالأردية وكذا تاريخ نجد وحياة حافظ الشيرازي ونحوها. وهو إلى جانب دعوته لجماعة أهل القرآن وموالاته لها وإعلانه ذلك في كتبه ومقالاته التي كان ينشرها في عدد من المجلات مثل بلاغ وبيان الأمرتيسريتين والجامعة، وأهل الحديث، وطلوع إسلام، والمعارف، كان اشتراكياً يعتقد أن هذا الاتجاه الفكري السياسي مرتبط أي ارتباط بالإسلام، وكان يدعو إلى تحويل ملكية الأرض إلى الدولة وينوه بالاتحاد السوفيتي قائلاً: (إن الملة الروسية جددت العمل الإسلامي الذي وجد في العهود السابقة، بل أجود منه؛ إذ أطاحت بالرأسمالية وملاك الأرض وأصحاب الإمارات الصغيرة، وهذا معنى لها من كلمة لا إله إلا الله، وهي أول لبنة في الإسلام، وهذا العمل هو عين الامتثال لمبدأ الشهادتين (١) ٧- وقد برز على إثره واشتهر بين أصحاب جماعته غلام أحمد برويز ١٩٠٣ بتالة القريبة من قاديان بالبنجاب الشرقية، وهو رجل لم يدرس طويلاً ولا تخرج من المعاهد العلمية ولا الجامعة، ولكنه كان نشيطاً وذكياً، انتسب في الأول إلى المطبعة الحكومية واستمر على العمل بها إلى أن أصبح مديراً لها، ورعى مجلة طلوع إسلام التي أصدرها صديقه السيد نذير أحمد ١٩٣٨، ثم استحوذ عليها فنشر بها الأفكار الإسلامية في الأول.

стр. 13492

وكان بها يذب عن الجامعة الإسلامية التي دعا إليها محمد علي جناح، وعمل على دعمها، وبعد الاستقلال تحول من الهند إلى باكستان مع مجلة طلوع إسلام، واستقر بكراتشي حيث أمدته الحكومة بالإعانة، ولم يظهر في الساحة أحد من المعارضين، فكون لطلوع إسلام مراكز ونوادي هنا وهناك، والتفت من حوله نخبة من المفكرين من مثقفين وقضاة وجامعيين ومهندسين، فعقد الاجتماعات والمؤتمرات، وبرزت دعوته لجماعة أهل القرآن في الآفاق متجاوزة حدود الهند إلى البلاد العربية والأوربية وأمريكا، وعين ١٩٥٦ عضوًا بلجنة التقنين بباكستان ولو لم يستمر بها طويلاً بسبب الانقلاب العسكري الذي قام به أيوب خان، وحين عهد إليه بخطبة الجمعة لحسن نواياه السابقة بمسجد سكرتارية دلهي) أخذ أسلوبه يتلون من يوم لآخر، فبدأ بالتأويل في السنة فالتعريض بها، وأخيراً إنكار حجيتها وعدم الاعتماد عليها في شرع الله ، ولم يمض وقت طويل على ظهور هذه الأفكار منه حتى استولى الحماس الديني على موسى الفراش بالسكرتارية، فأخذ بتلابيب الخطيب وهدده، ونهاه عن إلقاء مثل هذه الترهات، فلم يعد إلى الخطابة مرة ثانية بذلك المسجد (١) وإن انتساب برويز الفكري إلى أحمد خان، وعلاقته الوطيدة بالجكرالوي وحركته ليبرزان في وضوح من خلال مقالاته في طلوع إسلام ومعارف، وعن طريق كتبه الكثيرة التي نذكر منها: الأصول القرآنية، والأقضية القرآنية، ومطالب القرآن، ومفهوم القرآن، ولغات القرآن، ولقد اشتعلت الفتنة في لاهور ١٩٥٨ باتخاذه إياها مقراً دائماً لدعوة طلوع إسلام، ولمواجهة هذه الحركة اتخذ أبو الأعلى المودودي نفس المدينة مقراً للجماعة الإسلامية، فناقش برويز وحذر الناس من اتباعه، وأفتى أركان المدرسة العربية الإسلامية بكراتشي، بعد عرض آرائه وأفكاره على أكثر من ألف عالم من علماء الدين بباكستان والهند والشام والحجاز، بكفره وخروجه عن ربقة الإسلام (٢) ويقول صاحب فرقة أهل القرآن، مجملاً القول في ثقافته ومنهج دعوته: (والحق أن فكر برويز يمتاز بالاطلاع الواسع على الأفكار الأوربية، ويرى وجوب صبغ الإسلام بها، وهو بالإضافة إلى ذلك يعتقد أن النظريات العلمية لا تقبل الجدل والمناقشة، بل يجب تفسير القرآن بمقتضاها، كما أن أسلوبه المشرق في مؤلفاته يخلب قارئه من حيث يذهل عما يدس فيها من الأباطيل، أما التأويل وصرف الكلمات عن معانيها الحقيقية في كتبه فحدث عنه ولا حرج، فما من معتقد إسلامي إلا مسه، قلم برويز بالتأويل بأسلوب لا يفطن إليه إلا متعمق في دراسة العلوم الإسلامية) (٣)

стр. 13493

هذه سلسلة الإفك والضلال، التي توالت حلقاتها ببلاد الهند من أحمد خان إلى برويز، تعطينا صورة عما بذلوه من جهود في محاربة الإسلام، وقد أسس كل واحد منهم بطانة من حوله، وأفسد بتلك البطانة أفواجاً من الناس وأجيالاً، داخل البلاد وخارجها، تأولت الإسلام، وحرفت معاني القرآن، وأنكرت السنة، وغيرت أصول الدين وقواعده، إتلافاً لروح الأمة، وقضاء على الجماعة الإسلامية، وتفكيكاً لوحدتها، وإن قادة الضلال والفكر هؤلاء وإن ولوا بالعار والخزي، وباؤوا بالخسران دنيا وأخرى، قد التقوا جميعاً على الطعن في السنة ومحاربتها مثيرين الشبه الكثيرة من حولها، وهي شبه قد سبقت الإجابة عن أكثرها، لا تحتاج من المؤمن الصادق إلى كبير جهد لدفعها وإبطالها، ولكن ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد: ١] ، ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ (٨) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (٩) ﴾ [محمد: ٨-٩] . فمما دعوا إليه الاكتفاء بالقرآن وحده، قالوا: حسبنا كتاب الله، قال الجكرالوي: (إن الكتاب المجيد ذكر كل شيء يحتاج إليه في الدين مفصلاً ومشروحاً من كل وجه، فما الداعي إلى الوحي الخفي؟ وما الداعي إلى السنة؟) (١) وأنكروا مصدرية السنة وكونها وحياً من الله فقالوا: (يعتقد أهل الحديث أن نزول الوحي من الله إلى نبيه ﵇ قسمان: جلي متلو وخفي غير متلو، والأول هو القرآن، والثاني هو حديث الرسول ﵇، غير أن الوحي الإلهي هو الذي لا يمكن الإتيان بمثله، بيد أن وحي الأحاديث قد أتى له مثيل بمئات الألوف من الأحاديث الموضوعة) (٢) ، (وأنا لم نؤمر إلا باتباع ما أنزله الله بالوحي) (٣)

стр. 13494

ونفوا حجيتها إخلاصاً منهم لدين الله، وبعداً عن الشرك به، وقالوا: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [الأنعام: ٥٧] ، قال الخواجة أحمد الدين: (قد وضع الناس لإحياء الشرك طرقاً متعددة، فقالوا: إنا نؤمن أن الله هو الأصل المطاع غير أن الله أمرنا باتباع رسوله، فهو اتباع مضاف إلى الأصل المطاع، وبناء على هذا الدليل الفاسد يصححون جميع أنواع الشرك) (١) وزعموا أن السنة لم تكن شرعاً عند النبي نفسه وعند صحابته، قال برويز: (ولو كانت السنة جزءاً من الدين لوضع لها الرسول ﷺ منهجاً كمنهج القرآن، من الكتاب والحفظ والمذاكرة، ولا يفارق الدنيا إلا بعد راحة بال على هذا الجزء من الدين.. فلم يفعل شيئاً لسنته، بل نهى عن كتابتها، وبهذا الرأي صدع الحافظ أسلم ومحب الحق عظيم أبادي من قبل) (٢) وقالوا: (إن المخاطبين من الصحابة هم المطالبون بطاعة الرسول فيما أمرهم به أو نهاهم عنه) ، قال الخواجة: (اعلم أن طاعة الرسول ﷺ كانت طاعة مقيدة بزمنه، وامتثال أحكامه لا تتجاوز حياته، وقد أوصد هذا الباب منذ وفاته ﵇ (٣) وفي توجيه النقد للسنة سنداً ومتناً ما ينفي الالتزام والتدين بها، قال الحافظ أسلم: (إن الأحاديث قد انتقدت علمياً بما أفقدها صفة التدين؛ لأن الأمور الدينية لا يدخلها النقد وآراء الرجال، ولأن الاعتراضات الموجهة للإسلام من غير أهله لا تأتي إلا من الأحاديث التي أقر المسلمون بصحتها، وهي موضوعة الأصل لا صلة لها بالدين) (٤)

стр. 13495

وادعوا أن في اتباع السنة ما يفرق الجماعة المسلمة ويصرف بعضها عن بعض، قال الجكرالوي: (لا ترتفع الفرقة والتشتت عن المسلمين، ولن يجمعهم لواء ولا يضمهم مكتب فكر موحد، ما بقوا متمسكين بروايات زيد وعمرو) (١) ، وقال برويز: (قد فاق تقديس هذه الكتب –كتب السنة- كل التصورات البشرية، مع أنها جزء من مؤامرة أعجمية استهدفت النيل من الإسلام وأهله) (٢) ولم يثقوا بنسبة الأحاديث إلى صاحب الرسالة، قال أسلم: (قد كان للعواطف البشرية يد في تصحيح السنة وتضعيفها، وإنا لنرى توثيق الرواة لم ينحصر في الصدق فحسب بل تجاوزه إلى التلمذة والتشيخ، والمشاركة الفكرية، والعواطف والميول الوجدانية) (٣) وقال عبد الله الجكرالوي: (بعد وفاة الرسول ﷺ بمئات السنين نحت بعض الناس هذه الهزليات من عند أنفسهم، ثم نسبوها إلى محمد ﷺ وهو منها براء) (٤) وقال أسلم أيضاً: (لا تتجاوز السنة مرحلة أخبار الآحاد طبقاً للأصول التي أقرها المحدثون، ولا تبلغ رواية من رواياتها إلى المتواتر المفيد للعلم واليقين) (٥) ولم تنقطع هذه الدعاوى عن الانتشار في كثير من البلاد الهندية وحتى الغربية والأوروبية بعد انقضاء زعمائها وموتهم. ويتلخص من هذه الآراء والأفكار اتجاهان اثنان هما: القول بالاكتفاء بالقرآن وحده في أمور الدنيا والآخرة كلها، وإلغاء حجية السنة النبوية في الدين؛ إذ لا مجال لإقحامها فيه.

стр. 13496

وتتالى أمر هذه الجماعة في العصر الحاضر أربع فرق: فرقة أمت مسلم أهل الذكر والقرآن، وفرقة أمة مسلمة، وفرقة طلوع إسلام، وتحريك تعمير إنسانيت، والمركز الرئيسي لكل واحدة منها بلاهور، ولها مراكز فرعية أخرى كثيرة موزعة على المدن. والفرقة الأولى فرقة أمت مسلم أهل الذكر والقرآن هي فرقة أهل القرآن التي أسسها الجكرالوي من قبل، جدد نشاطها وبعثها باسمها الجديد من بعده أخص تلامذته به محمد رمضان المتوفى ١٩٣٩، وهو الذي أصدر باسمها مجلة بلاغ القرآن التي كانت تحمل إلى آفاق باكستان آراء فرقة أهل القرآن، وأكثر أتباعها من العامة والمرضى المعوقين والشيوخ، وقد قام بالإشراف عليها بعد وفاة مجددها محمد علي رسول فكري الشديد العداء للسنة، ولهذه الفرقة الآيلة إلى الانقراض مساجد خاصة بها تؤدي فيها ثلاث صلوات في اليوم والليلة، وما يصدر عنها وعن جملة الأقلام فيها من الكتب والمقالات لا يحمل أسماء أصحابها، ولكنها تنشر جميعها باسم إدارة بلاغ القرآن. والفرقة الثانية، فرقة أمة مسلمة، هي فرقة الخواجة أحمد الدين التي أسسها بأمر تسر بالهند ثم انتقل بها إلى لاهور بعد الاستقلال ١٩٤٧، وهي متميزة بفئات من كبار الكتاب والمثقفين، وكانت تصدر مجلتين: الأولى البلاغ التي توقفت عن الصدور ١٩٣٩، والثانية البيان التي تعطلت في الستينات، وقد انقسم قادة هذه الفرقة، ونضبت مواردها المالية، ولكنها عرفت في الفترة الأخيرة تجديداً لأطرها وتجمعات لأتباعها بكل المدن بباكستان، وهي أكثر أتباعاً من الفرقة الأولى، وكان يذود الخطر عنها مجاملتها للمسلمين في الظاهر وإبقاؤها على الصلوات الخمس وعلى صيام شهر رمضان بأكمله، ودورها الهجومي عنيد عن طريق مجلة فيض الإسلام، وبواسطة الاجتماعات وما يقوم به أتباعها الشبان والمثقفون من جهود في سبيل دعوتهم وخاصة في الإرساليات التي تضطلع بمهمة النصح والإرشاد، وتستعد هذه الفرقة لإعادة إصدار مجلتها السابقة البيان.

стр. 13497

والفرقة الثالثة، فرقة طلوع إسلام، هي أنشط الفرق المعاصرة وهي التي أسسها من قبل غلام أحمد برويز بدلهي، وقد أضعفها هجوم علماء الإسلام على قائدها وتكفيرهم له، وبعد فترة استعادت نشاطها وذاع صيتها وأصبح لها بأوربا وغيرها أتباع ودعاة. ويقوم راعيها في العطلة من كل أسبوع منذ أكثر من ثلاثين عاماً بإلقاء درس في التفسير تحضره جمهرة من المثقفين رجالاً ونساء. وتصل أشرطة تسجيل الدروس إلى سائر مراكز الفرقة بأكثر من عشرين مدينة. ولها مجلتها طلوع إسلام التي لم تتوقف عن القيام منذ أكثر من أربعين عاماً، وقد عرفت هذه الفرقة توافد عناصر كثيرة من الفرق الأخرى عليها مثل الأمرتسريين، وأهل الذكر والقرآن. وهي أكبر الحركات أتباعاً؛ ينتسب إليها جمهرة من المثقفين وعدد من أصحاب النفوذ والسلطة. والفرقة الرابعة، وهي أحدث الفرق نشأة وتكويناً. وتعرف بحركة تعمير إنسانيت، يتزعمها عبد الخالق فالوادة، وينفق عليها من أمواله الخاصة. وقد اشتهر من بين قادتها خطيبها القاضي كفاية الله، وهي حركة متميزة عن غيرها، غير تابعة لأية فرقة من الفرق الأخرى القديمة، وبما تبذله من جهود وتقوم به من نشاط تريد أن تهيمن وتسيطر على غيرها من حركات القرآن السابقة الأخرى. ومما يفسر اتجاه الحركة قول خطيبها القاضي عن الجكرالوي: (إن أفكاره حول السنة لم تتجاوز ما أمر الله به من اتباع ما أنزل الله، وإن لأفكار عبد الله اليد الطولى في القضاء على الجمود العقلي الذي كان مفروضاً على المسلمين قبله) وللقاضي عدة كتب ومؤلفات، منها: القرآن والعقل، وتفسير القرآن بالقرآن، والقرآن والعلوم. وكتبه كلها تطبع طبعاً أنيقاً وتوزع على الناس مجاناً. وليست للحركة صحيفة أو مجلة، وإن كانت تخطط لإصدار صحيفة أسبوعية. وهي تكتفي في الوقت الحاضر بنشر مقالاتها في صحيفة المشرق اليومية. (١)

стр. 13498

ومن هذا الاستعراض المجمل للحركات التي ظهرت ببلاد الهند وباكستان، والتي انتشرت آراؤها وتعاليمها في العالم الغربي وبعض البلاد العربية، لتعود إلينا باللغة العربية وبغيرها من اللغات الحية، مورية نار الفتنة التي أوقدت ببلاد المسلمين عامة، يزداد الخطر المحدق بالإسلام والمسلمين فظاعة، وتظهر من خلاله النوايا المبيتة التي يعمل من أجل تحقيقها أعداؤه. وهكذا باسم البحث العلمي الذي يدعونه لأنفسهم باطلاً وباسم الإسلام والدراسات الإسلامية التي لا يلمون بشيء منها، يوجهون للفكر الإسلامي أخطر القوارع لدكه من أساسه، وإلغاء ما بينه وبين غيره من مميزات وفروق، قصد طي آثار الحضارة الإسلامية، وإذابة المجتمع الإسلامي، والقضاء على هويته ومقوماته. ودليل ذلك أن حركة إنكار السنة في الشرق والغرب لم تقف عند القول بعدم حجيتها، أو عند الدعوة إلى عدم العمل بها، وإن كان ذلك في ذاته منكراً من القول، وكفراً وتعطيلاً لأحكام الله وشريعته، ولكنها تجاوزت ذلك إلى تأويل القرآن وتفسيره بغير علم، وإخضاعه لما يرونه أو يعتقدونه من اتجاهات أو أفكار، وتصوير الإسلام بما يتفق وأغراضهم، ويخدم ميولهم ومصالحهم، لا بما أراده الله من إرساء قواعد العدل والأمن والسلم والمساواة، وبناء الحياة الإنسانية على المنهج الرباني الذي دعت إليه الرسالة، وحققه الوحي في الصدر الأول من تاريخ الأمة الإسلامية. وكان فيه الإعلان القولي والبيان العملي للناس كافة يردد عليهم النداء: ﴿يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآَمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٣١) وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَولِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٣٢) ﴾ [الأحقاف: ٣١ – ٣٢] . ولعل المؤمنين الصادقين والمسلمين الواعين يقدرون هذه الأوضاع، فيتقدمون بما فرضه الله عليهم من دعوة الناس إلى الحق وإلى صراط مستقيم. قال جل وعلا: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت: ٣٣] . وإذا وجدوا معارضة أو جحوداً، أو مخالفة قاطعة ونزاعاً في الدين، فإن أمر الله لهم بالمضي في الدعوة قائم: ﴿فَلَا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ (٦٧) وَإِنْ جَادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ (٦٨) اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٦٩) ﴾ [الحج: ٦٧ – ٦٩] . وقد حدد تعالى منهج الدعوة وسبيلها الناجعة في قوله: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥] .

стр. 13499

والأمر في هذا المجال غير مقصور على طائفة دون أخرى، أو جهة دون غيرها، بل هي مسؤولية وواجب على المسلمين جميعاً، على الدول الإسلامية وحكوماتها، وعلى أجهزة الثقافة والإعلام بالدول الإسلامية، وعلى الجامعات الإسلامية ومراكز البحث بها، وعلى أئمة الدين والدعاة والخطباء. كل في النطاق الذي يستطيع منه أن يتحرك لحماية الملة؛ ليدافع عن الذين آمنوا بالطريق المتعينة للدفاع: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ (٤٤) وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا (٤٥) ﴾ [النساء: ٤٤-٤٥] . وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً. الدكتور محمد الحبيب ابن الخوجة

стр. 13500

مراجع البحث - القرآن. - أحمد أمين. فجر الإسلام. ط. ٣، مصر. - الأعظمي (محمد مصطفى) دراسات في الحديث النبوي وتاريخ تدوينه. الرياض. ١٣٩٦. - بخش (خادم إلهي حسين) . فرقة أهل القرآن بباكستان وموقف الإسلام منها. رسالة جامعية. جامعة أم القرى. - برويز (غلام أحمد) . شاهكار رسالت. ـ برويز (غلام أحمد) . مقام حديث. ط. ١٩٧٦. - البغوي (الحسين بن مسعود) . شرح السنة. تحقيق زهير الشاويش وشعيب الأرناؤوط. ط٢. بيروت. - بلاغ الحق. الهند. - (يوسف) البويطي. المختصر الأكبر. - البيهقي. دلائل النبوة. بيروت. ١٤٠٥. - ابن تيمية. رفع الملام. - ت = الترمذي (أبو عيسى محمد بن عيسى بن سودة) . اسطنبول ١٩٨١. ٥ أجزاء. - جراجبوري (الحافظ محمد أسلم) . تعليمات قرآن. - جراجبوري (الحافظ محمد أسلم) . نوادرات. - جراغ علي. تحقيق الجهاد، ترجمة غلام حسين وعبد الغفور. لاهور. ١٣١٢- ١٩١٣. - جراغ علي ونواب يارجنك. أعظم الكلام في ارتقاء الإسلام. ترجمة مولانا عبد الحق. لاهور. ١٩١١. - الجكرالوي (عبد الله) شرك افتراء تعامل. لاهور.

стр. 13501

- الجكرالوي (عبد الله) . المباحثة. لاهور. - ك = الحاكم النيسابوري. المستدرك على الصحيحين. ٤ أجزاء. - ابن حجر (أحمد بن علي) تهذيب التهذيب. ط١. الهند. ١٢ مجلد. - ابن حجر (أحمد بن علي) نتائج الأفكار في تخريج أحاديث الأذكار. - ابن أبي الحديد. شرح نهج البلاغ. دار إحياء الكتب العربية، مصر ١٣٨١. - ابن حزم. إحكام الأحكام في أصول الأحكام. مصر. - حكيم (محمد طاهر) . السنة في مواجهة الأباطيل. جدة. - ابن حنبل (أحمد) حم = المسند؛ تحقيق أحمد محمد شاكر. مصر ٢٠ جزءاً. - ابن حنبل (أحمد) حم = المسند؛ ط. اسطنبول ١٩٨٢، ٦ أجزاء. - الخطيب البغدادي (أبو بكر أحمد بن علي) تاريخ بغداد. مصر ١٣٤٩. - الدارمي. المسند. - د = أبو داود (سليمان بن الأشعث السجستاني) . السنن. ط. اسطنبول، ٥ أجزاء. - الدهلوي (شاه ولي الله) حجة الله البالغة. بيروت. جزآن. - الذهبي (محمد بن أحمد بن عثمان) تذكرة الحفاظ. ط. الهند، ٥ أجزاء. - الذهبي (محمد بن أحمد بن عثمان) . رسالة في الرواة الثقات المتكلم فيها بما لا يوجب ردهم. - الذهبي (محمد بن أحمد بن عثمان) المختصر. - الرازي (ابن أبي حاتم) الجرح والتعديل ط. الهند. ١٣٧٥. - رشيد رضا (محمد) تفسير المنار. - أبو رية (محمود) أضواء على السنة المحمدية. مصر. - السباعي (مصطفى حسني) السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي. مصر، ط. ٤. - السمعاني (أبو سعيد عبد الكريم بن محمد) . الأنساب. ط. بيروت ١٩٨٠، ١٠ أجزاء - سيد قطب. في ظلال القرآن، مصر، ٦ أجزاء. - سيد مقبول أحمد. مطالعة حديث. الهند. ١٩٥٢.

стр. 13502

- السيوطي (جلال الدين عبد الرحمن) . الإتقان في علوم القرآن. مصر. ١٣٥٤. - السيوطي (جلال الدين عبد الرحمن) تاريخ الخلفاء. دمشق ١٩٧٤. - السيوطي (جلال الدين عبد الرحمن) طبقات الحفاظ. ط١ بيروت، ١٩٨٣. - السيوطي (جلال الدين عبد الرحمن) مفتاح الجنة. مصر. - الشاطبي (أبو إسحاق) . الاعتصام ط. بيروت. جزآن. - أبو شادي (أحمد زكي) ثورة الإسلام. - الشافعي (محمد بن إدريس) الرسالة، تحقيق أحمد محمد شاكر، بيروت. - الشافعي (محمد بن إدريس) المسند بيروت. - شلتوت (محمود) الإسلام عقيدة وشريعة. مصر. - ابن الصلاح (أبو عمرو عثمان الشهرزوري. مقدمة علوم الحديث، تحقيق نور الدين عتر، دمشق ١٩٨٦. - الطبري (ابن جرير) التفسير. جامع البيان في تأويل القرآن آي القرآن. ط. مصر. - ابن عاشور (محمد الطاهر) التحرير والتنوير. تونس، ٣٠ جزءاً. - ابن عاشور (محمد الطاهر) مقاصد الشريعة. تونس. - ابن عاشور (محمد الفاضل) محاضرة عن التربية مسجلة. - علي حسب الله. أصول التشريع الإسلامي. مصر. - علي حسن عبد القادر. نظرة عامة في تاريخ الفقه الإسلامي. ط. ٢، مصر ١٩٥٦. - الغارة على الإسلام. - الغزالي (محمد) دفاع عن العقيدة والشريعة ضد مطاعن المستشرقين. ط. ٢. ١٣٨٣/١٩٦٣. - القادري (ماهر) قول فيصل. لاهور ١٩٦٠. - القاري (علي) . الموضوعات الكبرى. شركة الصحافة العثمانية، اسطنبول بعد ١٣٠٨. - القرافي (شهاب الدين أحمد) ، الإحكام في تمييز الفتاوى من الأحكام. - القرافي (شهاب الدين أحمد) . الفروق ط. مصر، ٤ أجزاء.

стр. 13503

- ابن قيم الجوزية (محمد بن أبي بكر) زاد المعاد في هدي خير العباد. - ابن قيم الجوزية (محمد بن أبي بكر) الصواعق المرسلة. - ابن كثير (أبو الفداء) اختصار علوم الحديث. - ابن كثير (أبو الفداء) البداية والنهاية. بيروت، ١٤ جزءاً. - جه = ابن ماجه (محمد بن يزيد) السنن ط. اسطنبول ١٩٨١، جزآن. - مجلة الاعتصام اللاهورية. - مجلة إشاعة السنة اللاهورية. ـ مجلة إشاعة القرآن اللاهورية. - مجلة أهل حديث الأمرتسرية. - مجلة البيان الأمرتسرية، اللاهورية. - مجلة المنار. - م = مسلم (بن الحجاج القشيري النيسابوري) . الصحيح. ط. اسطنبول، ٣ أجزاء. - مالك (بن أنس) . ط = الموطأ. ط. اسطنبول، جزآن. - الندوي. الصراع بين الفكرة الإسلامية والفكرة الغربية ط. ٣، القاهرة. - ن = النسائي (أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب) . السنن ط. اسطنبول ١٩٨١، ٨ أجزاء. - النووي (محيي الدين أبو بكر بن شرف) شرح مسلم. ١٨ جزءاً.

стр. 13504

حُسن وفاء الديون وعلاقته بالربط بتغير المستوى العام للأسعار إعداد الدكتور صالح بن زابن المرزوقي البقمي بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على إمام المتقين، وسيد الأولين والآخرين، وقائد الغر المحجلين، وخاتم الأنبياء والمرسلين وعلى آله وأصحابه أجمعين. وبعد: فهذا بحث في (حسن وفاء الديون) (في القروض، وثمن البيع المؤجل والمهر المؤخر) وعلاقته بالربط بتغير المستوى العام للأسعار. من سماحة الإسلام، ومن أبرز سمات التكافل الاجتماعي بين المسلمين، أن شرع الله القرض، ورغب فيه، بل حث عليه، وجعل أجره عظيماً، وفضله كبيراً، وحكمه أنه مندوب إليه في حق المقرض، مباح للمقترض. وقد اقترض رسول الله ﷺ أكثر من مرة. وحض على حسن التقاضي، قال رسول الله ﷺ : ((رحم الله رجلاً سمحاً إذا باع، وإذا اشترى وإذا اقتضى)) (١) كما بين ﷺ أن هؤلاء من خيار الناس، فعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: صلى بنا رسول الله ﷺ العصر، ثم قام خطيباً، فذكر الحديث إلى أن قال: ((ألا وخيرهم الحسن القضاء، الحسن الطلب، ألا وشرهم سيئ القضاء وسيئ الطلب)) . (٢) والأمر بحسن التقاضي والسماحة في المعاملة لا يختص بالمدين المعسر، بل شامل له وللموسر، ولكن المعسر أولى. ومن حسن الوفاء الزيادة في القرض إذا لم تكن مشروطة. وقد طبق ذلك رسول الله ﷺ ، روى مسلم عن أبي رافع ((أن رسول الله ﷺ استسلف من رجل بكراً (٣) فقدمت عليه إبل من إبل الصدقة فأمر أبا رافع أن يقضي الرجل بكره، فرجع إليه أبو رافع فقال: لم أجد فيها إلا خياراً رباعياً (٤) فقال: أعطه إياه، إن خيار الناس أحسنهم قضاء)) . (٥)

стр. 13505

قال النووي في شرحه لهذا الحديث: (يستحب لمن عليه دين من قرض وغيره أن يرد أجود من الذي عليه، وهذا من السنة ومكارم الأخلاق، وليس هو من قرض جر منفعة المنهي عنه؛ لأن المنهي عنه ما كان مشروطاً في عقد القرض) . (١) وفي هذا العصر ابتلي العالم بصفة عامة، والعالم الإسلامي بصفة خاصة، بارتفاع التضخم، مما نتج عنه انخفاض القوة الشرائية للنقود، فالتضخم يعني أن النقود غير قادرة على القيام بدورها كوحدة حسابية عادلة، كما نلاحظ ركوداً عميقاً في بعض البلدان الإسلامية، وارتفاع معدلات البطالة في بلدان أخرى، ووجود مشكلات اقتصادية متعددة. ويستنتج من هذه المشكلات وجود انحراف عن المنهج القويم. يحتم على المخلصين من علماء الأمة الإسلامية فقهاء واقتصاديين ومفكرين أن يبحثوا عن أسباب الداء ليعالجوه، ولا يكتفون بعلاج الأعراض الظاهرية؛ لأن علاج الأعراض ما هو إلا مسكن، يتيح للفيروس أن ينمو ويستفحل حتى يصل إلى مرحلة المناعة، فيتعذر علاجه. والعلاج يجب أن يكون مستمداً من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، ومقتبساً من أقوال العلماء الراجحة التي تعضدها الأدلة. حتى يمكن الوصول إلى مرحلة استقرار قيمة النقود. تعريف الربط: (هو تقويم قيمة الديون قروضاً أو بيوعاً، مؤجلة أو مهوراً، أو نحو ذلك؛ بسلعة أو مجموعة من السلع، مناسبة للقوة الشرائية للنقود) . كيف يتم الربط: يتم الربط بعدة أمور، أقتصر على ما تناوله موضوع هذا البحث، وهو الربط بتغير المستوى العام للأسعار، ويسمى الربط القياسي. فيمكن معرفة قيمة سلعة من السلع في وقت عقد هذا الدين، سواء كان هذا الدين قرضاً، أو ثمن مبيع مؤجل، أو صداقاً مؤخراً. ثم يعرف قيمة تلك السلعة أو السلع عند تاريخ الاستحقاق، ومن هنا يكون الفرق هو التغير في قيمة النقود.

стр. 13506

حكم ربط القرض الحسن، أو ثمن البيع المؤجل، أو مؤخر الصداق بمستوى الأسعار المطلب الأول – حكم الربط إذا كانت النقود من الذهب أو الفضة: اتفقت المذاهب الفقهية الأربعة على أن النقود الرائجة ذهباً أو فضة يرد مثلها في الديون، قروضاً، أو ثمن بيوع مؤجلة، أو مهراً مؤخراً. فالنقص أو الزيادة في القيمة مع بقاء الرواج لا يعتد بها. جاء في المدونة للإمام مالك ﵀: (قلت: أرأيت لو أن رجلاً قال لرجل: أقرضني ديناراً دراهم أو نصف دينار دراهم أو ثلث دينار دراهم. فأعطاه الدراهم، ما الذي يقضيه في قول مالك؟ قال: يقضيه مثل دراهمه التي أخذ منه. رخصت أو غلت، فليس عليه إلا مثل الذي أخذ ... ) (١) وقال الشافعي ﵀: (ومن سلف فلوساً أو دراهم أو باع بها ثم أبطلها السلطان، فليس له إلا مثل فلوسه أو دراهمه التي أسلف وباع بها) . (٢) وجاء في المادة ٧٨٨ من مرشد الحيران: ( ... وإن استقرض شيئاً من المكيلات أو الموزونات أو المسكوكات من الذهب والفضة، فرخصت أسعارها أو غلت، فعليه رد مثلها، ولا عبرة برخصها أو غلوها) . وجاء في قرة العين في الجواب على سؤال عن الواجب في الذمة عند بطلان السكة، أو زيادة قيمتها أو انخفاضها: (الواجب قضاء المثل على من ترتبت في ذمته إن كانت موجودة في بلد المعاملة، ويجب المثل لو كانت مئة بدرهم ثم صارت ألفاً بدرهم أو بالعكس، وكذلك لو كان الريال حين العقد بتسعين ثم صار بمئتين أو بالعكس وهكذا) (٣)

стр. 13507

وقال ابن قدامة: (قد ذكرنا أن المستقرض يرد المثل في المثليات سواء رخص سعره أو غلا، أو كان بحاله. إلى أن قال: وأما رخص السعر فلا يمنع ردها، سواء كان كثيراً، مثل إن كانت عشرة بدانق، (١) فصارت عشرين بدانق، أو قليلاً؛ لأنه لم يحدث فيها شيء، إنما تغير السعر فأشبه الحنطة إذا رخصت أو غلت) . (٢) المطلب الثاني – حكم الربط بالنسبة للورق النقدي: نتعامل في هذا العصر بنقود أصبحت هي النقود الرائجة في جميع دول العالم، وهي النقود الورقية. وقد صدرت قرارات المجامع الفقهية أنه نقد قائم بذاته له حكم الذهب والفضة. فقد جاء قرار مجمع الفقه الإسلامي، التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي رقم ٩/د٣/٠٧/٨٦ (أنها نقود اعتبارية فيها صفة الثمنية كاملة، ولها الأحكام المقررة للذهب والفضة من حيث أحكام الربا والزكاة والسلم وسائر أحكامه) . وجاء في قرار مجمع الفقه الإسلامي بمكة المكرمة السادس (يقرر أن العملة الورقية نقد قائم بذاته له حكم النقدين من الذهب والفضة ... ) . وجاء في قرار هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية: (إن الورق النقدي يعتبر نقداً قائماً بذاته كقيام النقدين في الذهب والفضة وغيرهما من الأثمان ... ) (٣) وقد قالت بهذا من قبل مجلة الأحكام الشرعية في المادة (٧٥٠) حيث جاء فيها: (إن كان القرض فلوساً أو دراهم مكسرة أو أوراقاً نقدية فغلت أو رخصت أو كسدت ولم تحرم المعاملة بها، وجب رد مثلها، أما إذا حرم السلطان التعامل بها فتجب قيمتها يوم القرض ويلزم الدفع من غير جنسها إن جرى فيها ربا الفضل، وكذا الحكم في سائر الديون، وفي ثمن لم يقبض، وفي أجرة، وعوض خلع، وعتق، ومتلف، وثمن مقبوض لزم البائع رده) . (٤)

стр. 13508

وما دامت النقود الورقية تأخذ حكم الذهب والفضة، وقد اتفقت على هذا قرارات المجامع الفقهية وهيئة كبار العلماء، وما دامت هي النقد السائد المقبول والمعمول به في جميع دول العالم، فإنه يتخرج على هذا قول علماء المسلمين، ومنهم الأئمة الأربعة بأنه يجب رد مثل الدين الثابت في الذمة عند حلول الأجل، سواء غلت النقود أو رخصت، وسواء كان الدين قرضاً أو ثمن مبيع، أو مهراً مؤخراً. ولذا فإنه لا يجوز عندي ربط القرض أو أثمان البيوع المؤجلة، أو المهور المؤجلة بمستوى الأسعار؛ لأن الربط بمستوى الأسعار مصادم لأحكام الشريعة الإسلامية، فهو يؤدي إلى أمرين قد نهى الشارع عنهما: الأول: الربا، فربط القروض، أو ثمن المبيع المؤجل، أو الصداق المؤخر بمستوى الأسعار يعني أن يدفع المقرض للمقترض مثلاً خمسين ألف ريال سعودي، وبعد عام، وقد حل موعد السداد، وقد ارتفعت نسبة التضخم ٥ % فإنه يلزمه دفع الخمسين ألفاً (٥٠٠٠٠) وعليها زيادة ارتفاع الأسعار وقدرها ألفان وخمسمائة ريال (٢٥٠٠) ، وهذا ربا الفضل والنسيئة، وهو باطل لما رواه مسلم وغيره عن عثمان بن عفان ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: ((لا تبيعوا الدينار بالدينارين ولا الدرهم بالدرهمين)) (١) وعن أبي سعيد الخدري قال: (قال رسول الله ﷺ : ((الذهب بالذهب، والفِضة بالفضة، والبُرُّ بالبر والشَّعير بالشعير، والتمر بالتمر، والمِلح بالملح مثلاً بمثل، يداً بيد، فمن زاد أو استزاد فقد أربى، الآخذ والمعطي فيه سواء)) (٢) فالحديثان الشريفان تضمنا النص على المنع من أخذ أكثر أو أقل مما أقرض، أو باع به، والحديث الأول جاء بصيغة النهي، وصيغة النهي الخالية عن القرائن الصارفة عند علماء الأصول يقتضي التحريم والفساد. وإذا قال قائل: إن الربط فيه تماثل؛ لأن القيمة التي ربط الدين بها عند السداد مماثلة لقيمة الدين عند القرض، أو عند البيع أو عند تقرر المهر، بسبب ربطه بقيمة سلعة أو سلع أو ذهب عرفت قيمته في الحالين، فإنه يجاب على هذا بأنه أولاً متعذر؛ إذ يصعب ضبط المماثلة في حالة الربط؛ لأنها قائمة على التقويم، والتقويم يختلف، ولا بد من وجود الفرق، والرسول ﷺ يقول: ((ولا تشفوا بعضها على بعض)) . والشف أدنى زيادة.

стр. 13509

ثانياً: أن حديث عثمان ﵁ نص على العدد فقال: لا تبيعوا الدينار بالدينارين. والبائع في مثالنا السابق باع خمسين ألفاً باثنين وخمسين ألفاً وخمسمائة ريال. فتحقق بيع الدينار بالدينارين، فشمله النهي، فكان حراماً، والعقد فاسداً. وهذا هو الذي فهمه العلماء المحققون، ونصوا عليه. جاء في المغني: (وإن كانت الدراهم يتعامل بها عدداً، فاستقرض عدداً، رد عدداً، وإن استقرض وزناً رد وزناً) (١) ونصوصهم السابقة وغيرها واضحة جلية في عدم اعتبار أي فارق في العدد مع وجود الغلاء والرخص، فهذا موفق الدين بن قدامة يقول: (وأما رخص السعر فلا يمنع ردها، سواء كان كثيراً، مثل أن كانت عشرة بدانق، فصارت عشرين بدانق، أو قليلاً؛ لأنه لم يحدث فيها شيء، إنما تغير السعر، فأشبه الحنطة إذا رخصت أو غلت) (٢) وما سبق بيانه مما جاء في قرة العين: ومنه (ويجب المثل لو كانت مئة بدرهم ثم صارت ألفاً بدرهم أو بالعكس، وكذلك لو كان الريال حين العقد بتسعين ثم صار بمئتين أو بالعكس وهكذا) . ومع هذا فهو أولاً: فتح لباب الربا على مصراعيه؛ إذ إن كل مراب سواء كان مصرفاً ربوياً، أو شخصاً اعتبارياً أو طبيعياً. سوف يمارس الربا، ويتذرع بأن هذا فارق الأسعار، وحينئذ لا يمكن قفل هذا الباب. ثانياً: إن فيه غرراً فاحشاً؛ لأنه لا يعلم كم تساوي قيمة السلعة أو السلع التي سيربط بها القرض، أو قيمة المبيع المؤجل، أو الصداق المؤخر. ومن شروط البيع العلم بمقدار الثمن، ومن شروط وجوب المهر المسمى في عقد الزواج العلم بمقدار المهر، ومقدار الثمن والمهر في حالة ربطهما بمستوى الأسعار أمران احتماليان غير معلومي المقدار، فيكون البيع والقرض فاسداً. وقد بين التطبيق العملي أن التوسع في الربط القياسي على الدخول والأصول النقدية غير مجد، بسبب تعقيداته وتكاليفه الإدارية العالية. (٣)

стр. 13510

ومع أن الربط القياسي قد يخفف جزئياً من الآثار السيئة لتقلبات القوة الشرائية للنقود الناتجة عن التضخم، إلا أنه ليس علاجاً له؛ لأنه يؤدي إلى عدم الاهتمام بالبحث عن سياسات صحيحة (مما يعني أن الربط القياسي يهزم نفسه بنفسه، إلا إذا كان التضخم متجها إلى الانخفاض، وكانت هناك سياسات علاجية نقدية ومالية وداخلية) (١) وانخفاض القوة الشرائية للنقود لا يختص ضرره بالمقرضين أو أصحاب الأثمان المؤجلة، أو نحو ذلك، بل إنه يشمل المدخرين. وأسباب هذه المشكلة أنها جاءت نتيجة لتطبيق نظم اقتصادية مخالفة للقيم والأحكام الإسلامية، ومن أهمها اعتماد تلك النظم على الفوائد الربوية. ولذا فإن معالجتها تتم بإزالة أسبابها، وتطبيق أحكام الاقتصاد الإسلامي في كل القضايا الاقتصادية، ومنها العمل بكل حزم على استقرار الأسعار، وعلى الجهات المعنية بالسياسة الاقتصادية في البلدان الإسلامية العمل على تحقيق ذلك بكل الوسائل. وهذا في نظري هو البديل الأفضل عن الربط القياسي. كما أنه ينبغي لأرباب الأموال استثمارها وعدم كنزها لتجنب أو لتخفيف آثار انخفاض القوة الشرائية لنقودهم. المطلب الثالث – حكم الربط بالنسبة للفلوس: الفلوس: جمع فلس، وهو جمع كثرة، وجمع القلة أفلس، وهي: عملة معدنية من غير الذهب والفضة، كالحديد والنحاس والنيكل، قليلة القيمة، مثل الهللة بالنسبة للريال السعودي، والمليم بالنسبة للجنيه المصري، والبنس للدولار الأمريكي. جاء في لسان العرب: وأفلس الرجل صار ذا فلوس بعد أن كان ذا دراهم، يفلس إفلاساً: صار مفلساً كأنما صارت دراهمه فلوساً وزيوفاً. آراء العلماء حالة غلاء الفلوس ورخصها: ذهب جماهير الفقهاء الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة إلى أن الواجب على المدين من الفلوس في القرض ونحوه، هو نفس المقدار المحدد في الدين بدون زيادة أو نقصان.

стр. 13511

جاء في بدائع الصنائع في الكلام على الفلوس: ( ... ولو لم تكسد ولكنها رخصت قيمتها أو غلت لا ينفسخ البيع بالإجماع، وعلى المشتري أن ينقد مثلها عدداً ولا يلتفت إلى القيمة ههنا؛ لأن الرخص أو الغلاء لا يوجب بطلان الثمنية) (١) وجاء فيها بخصوص القرض: (ولو لم تكسد ولكنها رخصت أو غلت فعليه رد مثل ما قبض) . (٢) و (جاء في فتاوى قاضي خان: يلزمه المثل وهكذا ذكره الاسبيجابي قال: ولا ينظر إلى القيمة) (٣) (. وفي مجمع الفتاوى معزياً إلى المحيط قال الشيخ الإمام الأجل الأستاذ: لا يعتبر هذا، ويطالبه بما وقع عليه العقد والدين على هذا، ولو كان يروج لكن انتقصت قيمته لا يفسد وليس له إلا ذاك، وبه كان يفتي الإمام، وفتوى الإمام قاضي ظهير الدين على أنه يطالب بالدرهم التي يوم البيع، يعني بذلك العيار ولا يرجع عليه بالتفاوت) (٤) وقد نقل ابن عابدين عن الاسبيجابي فقال: (قال في غاية البيان: قيد بالكساد احتراز عن الرخص والغلاء؛ لأن الإمام الاسبيجابي في شرح الطحاوي قال: وأجمعوا أن الفلوس إذا لم تكسد ولكن غلت قيمتها أو رخصت فعليه مثل ما قبض من العدد) (٥) وقال في مدونة الإمام مالك: (أرأيت إن استقرضت فلوساً ففسدت الفلوس فما الذي أرد على صاحبي؟ (قال) قال مالك: ترد عليه مثل تلك الفلوس التي استقرضت منه وإن كانت قد فسدت. قلت: فإن بعته سلعة بفلوس ففسدت الفلوس قبل أن أقبضها. (قال) : قال مالك: لك مثل فلوسك التي بعت بها السلعة الجائزة بين الناس يومئذ، وإن كانت الفلوس قد فسدت فليس لك إلا ذلك) (٦) فإذا كان الإمام مالك يقول: ليس له إلا مثل فلوسه في حالة الفساد وهو الكساد، فالقول بأنه ليس له إلا مثلها في حالة الغلاء والرخص أولى.

стр. 13512

وفي المدونة للإمام مالك: (وكذلك إن أقرضته دراهم فلوساً، وهو يومئذ مئة فلس بدرهم، ثم صارت مئتي فلس بدرهم، فإنما يرد إليك ما أخذ لا غير ذلك) (١) وجاء في مختصر خليل وشرحه منح الجليل: (وإن بطلت فلوس فالمثل لما بطل التعامل به على من ترتبت في ذمته، وأولى إن تغيرت قيمتها مع استمرار التعامل بها) (٢) وقال الإمام الشافعي: (ومن سلف فلوساً أو دراهم أو باع بها ثم أبطلها السلطان فليس له إلا مثل فلوسه أو دراهمه) . (٣) وقال السيوطي: (وقد تقرر أن القرض الصحيح يرد فيه المثل مطلقاً، فإذا اقترض منه رطل فلوس فالواجب رد رطل من ذلك الجنس، سواء زادت قيمته أم نقصت. أما في صورة الزيادة، فلأن القرض كالسلم ... وأما في صورة النقص فقد قال في (الروضة) من زوائده: ولو أقرضه نقداً، فأبطل السلطان المعاملة به، فليس له إلا النقد الذي أقرضه، نص عليه الشافعي ﵁. فإذا كان هذا مع إبطاله، فمع نقص قيمته من باب أولى) (٤) وقال البهوتي: (إن الفلوس إن لم يحرمها وجب رد مثلها، غلت أو رخصت أو كسدت) (٥) هذا هو رأي جماهير العلماء في الفلوس لدى المذاهب الفقهية المختلفة. وهي نصوص صريحة واضحة، لا لبس فيها على أن الفلوس الثابتة في الذمة بسبب القرض أو ثمن بيع مؤجل، أو صداق مؤخر، أنه ليس له إلا مثلها غلت أو رخصت، وهو نص الإمام مالك والشافعي، ومذهب أبي حنيفة، بل إن مالكاً والشافعي يقولان ذلك حتى في حالة الكساد، فإذا كان الأمر كذلك فهو في حالة الغلاء والرخص من باب أولى.

стр. 13513

ومع كل ما قاله الأئمة في الفلوس فإني لا أرى قياس الورقة النقدي عليها؛ لأنه موغل في الثمنية إيغالاً تقصر دونه الفلوس، ولأن الفلوس كانت للمحقرات من البيوع، أما الورق النقدي فتتم به الصفقات الكبيرة، ولأنه أصبح النقد الوحيد الشائع الانتشار في جميع بلدان العالم اليوم، بل لقد فاق انتشاره والتعامل والرضا به في هذا العصر الذهب والفضة. لا سيما وبعد أن قررت المجامع الفقهية، وهيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية إعطاءه حكم الذهب والفضة كما بينا فيما سبق. القول الثاني في الفلوس: وهو مروي عن أبي يوسف، ونسبه البعض لشيخ الإسلام ابن تيمية، وللرهوني من فقهاء المالكية. قال ابن عابدين: (وفي الفصل الخامس التترخانية إذا اشترى شيئاً بدراهم هي نقد البلد ولم ينقد الدراهم حتى تغيرت، فإن كانت تلك الدراهم لا تروج اليوم في السوق فسد البيع، وإن كانت تروج لكن انتقصت قيمتها لا يفسد البيع، وقال في الخانية: لم يكن له إلا ذلك، وعن أبي يوسف أن له أن يفسخ البيع في نقصان القيمة أيضاً) . (١) وقال أيضاً: (وفي المنتقى: إذا غلت الفلوس قبل القبض أو رخصت قال أبو يوسف: قولي وقول أبي حنيفة في ذلك سواء وليس له غيرها، ثم رجع أبو يوسف وقال: عليه قيمتها من الدراهم يوم وقع البيع ويوم وقع القبض) (٢) وقد نقل ابن عابدين عن الإمام الاسبيجابي فقال: (قال في غاية البيان: قيد بالكساد احترازاً عن الرخص والغلاء؛ لأن الإمام الاسبيجابي في شرح الطحاوي قال: وأجمعوا على أن الفلوس إذا لم تكسد ولكن غلت قيمتها أو رخصت فعليه مثل ما قبض من العدد) (٣)

стр. 13514

(وقال أبو الحسن: لم تختلف الرواية عن أبي حنيفة في قرض الفلوس إذا كسدت أن عليه مثلها، قال أبو يوسف: قيمتها من الذهب يوم دفع القرض في الدراهم التي ذكرت لك أصنافها –يعني البخارية والطبرية واليزيدية- وقال محمد: قيمتها في آخر نفاقها، قال القدوري: وإذا ثبت من قول أبي حنيفة في قرض الفلوس ما ذكر، فالدراهم البخارية فلوس على صفة مخصوصة والطبرية واليزيدية هي التي غلب الغش عليها، فتجري مجرى الفلوس، فلذلك قاسها أبو يوسف على الفلوس) (١) وللجواب على ما نسب لأبي يوسف نقول: إن هذا القول ضعيف من ناحيتين: من ناحية الرواية؛ لأنه لم تروه عنه أشهر كتب الحنفية كالهداية، وفتح القدير، والمبسوط، والكنز، ونحوها، يؤيد هذا ما ذكره الكاساني، والاسبيجابي من الإجماع على أن الفلوس إذا لم تكسد ولكن غلت قيمتها، أو رخصت، فعليه مثل ما قبض من العدد. (٢) والناحية الثانية من ناحية الدراية: فإن فيه فتحاً لباب الربا لمن يرى قياس الأوراق النقدية على الفلوس؛ إذ إن كل مراب سواء كان بنكاً ربوياً، أو شخصاً اعتبارياً أو عادياً سيرتكب الربا، ويقول: هو فرق لمستوى الأسعار، ثم لا يمكن قفل هذا الباب. ولهذا فإن نسبة قول إلى عالم من العلماء لا يعني إباحة الأخذ به دون النظر في دليله ومقارنته بغيره، فليست الحجة للأشخاص، وإنما الحجة للأدلة. وما نسب لشيخ الإسلام ابن تيمية من قوله برد قيمة الفلوس في القرض حالة ارتفاع قيمة الفلوس أو رخصها غير دقيق. (٣) فهو يقول بهذا حالة كسادها، أو تحريم السلطان التعامل بها. أما حالة الغلاء والرخص فهو يقول برد المثل. جاء في المنح الشافيات بشرح مفردات الإمام أحمد: والنص بالقيمة في بطلانها لا في ازدياد القدر أو نقصانها بل إن غلت فالمثل فيها أحرى كدانق عشرين صار عشراً

стр. 13515

(فالنص في رد القيمة إنما ورد عن الإمام فيما إذا أبطلها السلطان، فمنع المعاملة بها لا فيما إذا زادت قيمتها أو نقصت مع بقاء التعامل بها) . وشيخ الإسلام فتى تيمية قال: قياس القرض عن جلية الطرد في الديون كالصداق وعوض في الخلع والإعتاق والغصب والصلح عن القصاص ونحو ذا طرا بلا اختصاص أي قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (قياس ذلك –أي القرض- فيما إذا كانت مكسرة أو فلوساً وحرمها السلطان وقلنا: يرد قيمة جميع الديون) (١) وجاء في المحرر (وإذا أقرضه فلوساً أو مكسرة فحرمها السلطان. فله قيمتها وقت القرض) . (٢) وما ذكره البعض قولاً للمالكية برد القيمة في الفلوس إذا غلت أو رخصت اعتماداً على عبارة الرهوني التالية: (قلت: وينبغي أن يقيد ذلك بما إذا لم يكثر ذلك جداً حتى يصير القابض لها كالقابض لما لا كبير منفعة فيه، لوجود العلة التي علل بها المخالف) (٣) غير دقيق؛ لأن أصل الخلاف جاء في بطلان الفلوس عند قول خليل: (وإن بطلت فلوس فالمثل) . وقد ذكر الرهوني صراحة أن هذا الخلاف في البطلان لا في الغلاء والرخص، فقال ما نصه: (ظاهر كلام غير واحد من أهل المذهب، وصريح كلام آخرين منهم أن الخلاف السابق محله إذا قطع التعامل بالسكة القديمة جملة، وأما إذا تغيرت بزيادة أو نقص فلا، وممن صرح بذلك أبو سعيد بن لب) ثم أتبعها بعبارته السابقة: (والتي أراد بها تغيير عدم جريان الخلاف في التغير بالزيادة أو النقص بما إذا لم يصل التغير إلى الدرجة التي يكون القابض للفلوس التي نقصت كالقبض لما لا كبير منفعة فيه؛ لأنها لو كانت كذلك تصبح كالفلوس التي بطلت، فينبغي أن يجري فيها الخلاف، وهذا التغيير يكون مقبولاً في حالة التغير بالنقص فقط، ولا يتصور في حالة الزيادة) (٤) والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. الدكتور صالح بن زابن المرزوقي البقمي
следующие страницы →