ومن الجدير بالملاحظة أن دور المجمع لم يقتصر على عقد مؤتمراته السنوية، بل تعدى ذلك إلى إقامة ندوات متخصصة عدة ومجالس علمية كثيرة يصب جميعها في نفس الاتجاه. ثم إلى جانب المؤتمرات والندوات والمجالس العلمية هناك مشاريع المجمع العلمية مثل: الموسوعة الفقهية الاقتصادية، ومعلمة القواعد الفقهية، وإحياء التراث والتي تسير جنبا إلى جنب مع هذه وتلك لتكون في نهاية المطاف معلما ضخما متكامل الأطراف.
ورغم ما بذله المجمع من جهود طيبة، فإن الأمة لا تزال تنتظر منه المزيد، فالتطور لا يتوقف، وتقدم التكنولوجيا مستمر.
ومن ناحية أخرى، فهناك بعض الفئات من أفراد هذه الأمة محرومون من معرفة ما يصدر عن المجمع من نشاط، ذلك أن أغلب نشاطاته باللغة العربية ويستحسن أن يهتم المسؤولون بترجمة بعض المواضيع الهامة إلى اللغات الإسلامية الأخرى تعميما للفائدة.
وبهذا الصدد أناشد الدول الأعضاء في منظمة المؤتمر الإسلامي بمعاونة هذه المؤسسة الهامة لتتمكن من أداء دورها كاملا، وذلك بتسديد مساهماتها المالية نحوها وتقديم مزيد من الدعم إليها.
صاحب السمو،
أصحاب السمو والمعالي والفضيلة،
أيها الإخوة،
إن العالم الإسلامي يواجه تحديات خطيرة وأزمات تكاد تكون مزمنة، فتكالبت عليه قوى الشر والعدوان، فأين أدرت وجهك في أرجائه تجد نارا مشتعلة، وأزمات داخلية تهدر قواه، وفتنا تنخر عظامه.
فالقدس أول القبلتين وثالث الحرمين الشريفين تواجه اليوم أشرس حملات التهويد، في تحدي إسرائيلي صارخ لقرارات الأمم المتحدة والمنظمات الدولية، وهذا الشعب الفلسطيني الذي ما زال يناضل منذ عقود طويلة لاسترجاع أرضه وتكوين دولته والعيش بسلام، لم يحقق إلى الآن حقوقه المشروعة، رغم إمضائه على اتفاقيات السلام التي تماطل إسرائيل في تطبيقها وتنتحل جميع الأعذار لعدم الوفاء بالتزاماتها الدولية.
стр. 13792
أما شعب البوسنة والهرسك، فلا يزال تحت رحمة قوات الصرب المعتدية، وكأن جريمة هذا الشعب هو كونه مسلما، وإلا كيف يمكن تفسير موقف المجتمع الدولي وسكوته عن المجازر الرهيبة التي ترتكب في حقه، منذ ثلاث سنوات.
ولا يسعنا إلا أن نتأسف على الوضع الذي آلت إليه أفغانستان من جراء الاقتتال بين الإخوة الأشقاء وتمزيق وحدة هذا البلد المسلم رغم المحاولات الجادة التي قامت بها كل من منظمة المؤتمر الإسلامي والأمم المتحدة لحل هذا النزاع الذي بات يهدد وجود الشعب الأفغاني نفسه.
كما لا يفوتني أن أشير إلى معاناة الشعب المسلم في كشمير والتأكيد على ضرورة تمكينه من تقرير مصيره تمشيا مع قرارات الأمم المتحدة. وما زلنا نتابع بقلق التطورات الجارية في منطقة القوقاز وفي الشيشان بوجه خاص. ولقد طلبنا من الاتحاد الروسي أن يضع حدا للعمليات العسكرية ويبحث عن حل سلمي للأزمة الشيشانية. إننا نحث المجتمع الدولي على استخدام نفوذه لإجبار الاتحاد الروسي على إيقاف مجزرة المسلمين وقصف مدنهم وقراهم في الشيشان.
صاحب السمو،
أصحاب السمو والمعالي والفضيلة،
أيها الإخوة،
إن الإسلام يتعرض حاليا لهجمة شرسة من طرف بعض الأوساط المناوئة التي باتت تعتقد، بعد انهيار الكتلة الشرقية، أن الخطر المحدق بها هو الإسلام، وقد استغلت هذه الأوساط أعمال التطرف التي ظهرت في بعض بلداننا الإسلامية لتشويه صورة الإسلام وقيمه، متجاهلة أن هذه الأزمات ليست ظاهرة خاصة بالعالم الإسلامي، فهي موجودة في كثير من البلدان، ولهذا يجب التصدي لهذه الحملات المغرضة والعمل على إزالة هذه الازدواجية بين الإسلام والإرهاب التي تروج لها بعض الأوساط لأغراض سياسية.
стр. 13793
وفي هذا الإطار، جدد قادة الأمة الإسلامية أثناء القمة السابعة بالدار البيضاء، التأكيد على إدانتهم لكافة أشكال الإرهاب، وتجدر الإشارة هنا إلى أن منظمة المؤتمر الإسلامي كانت أول منظمة دولية اعتمدت مدونة سلوك لمكافحة الإرهاب.
صاحب السمو،
أصحاب السمو والمعالي والفضيلة،
أيها الإخوة،
أعتقد أن إصلاح حال العالم الإسلامي أمر ممكن إذا ما عملنا بإخلاص على تعزيز تضامننا والتزامنا بتعاليم ديننا الحنيف الذي يحثنا على التآخي والتآزر ويحملنا على العمل من أجل غد مشرق لأجيالنا القادمة.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
стр. 13794
كلمة الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي
الدكتور أحمد محمد علي
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وخاتم النبيين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
معالي رئيس المجلس
معالي أمين عام المجمع
أصحاب الفضيلة الأعضاء.. أيها الإخوة الحضور:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:
فإنه من دواعي سروري أن أتشرف بحضور هذه الدورة المباركة لمجمعكم الموقر تلبية لدعوة كريمة تلقيتها من أخي معالي أمين عام المجمع الدكتور محمد الحبيب ابن الخوجة، ويسعدني أن أنقل إليكم تحيات رئيس وأعضاء المجمع الفقهي الإسلامي برابطة العالم الإسلامي.
أيها الإخوة:
لقد حفظ الله لهذه الأمة كيانها بحفظ دينها قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [سورة الحجر: ٩] وقيض لها أفذاذ العلماء وأساطين المفكرين وجهابذة الفقهاء من سلف هذه الأمة فحملوا مشعل الهداية للعالمين ونوروا عقول الأجيال المتعاقبة بنور العلم والمعرفة بالمؤلفات القيمة النافعة التي تملأ مكتبات العالم اليوم بمختلف العلوم والفنون.
ومن واجب الخلف من علماء الإسلام وفقهاء الأمة أن يحافظوا على هذا التراث العظيم بنشره وتعليمه وصيانته وتطويره ليواكب احتياجات الأمة في العصر الحديث.
ولما كان هذا الواجب الذي تمليه الشريعة الإسلامية على المسلمين وفي مقدمتهم فقهاؤهم تنادى المخلصون منهم فأنشؤوا عددا من المجامع الفقهية والمجالس العلمية التي تهتم بقضايا المسلمين المعاصرة وبدراسة المشكلات التي يواجهها المسلمون في حياتهم الاجتماعية والاقتصادية والدينية والسياسية المعاصرة، وأسهموا في إيجاد الحلول المناسبة لها من الشريعة الإسلامية الخالدة.
стр. 13795
أيها الإخوة:
لقد كان من فضل الله، ، على الأمة الإسلامية أن قيض لها هذه المجامع الفقهية والمجالس العلمية ليرجع الناس إليها عند حدوث أي مشكلة ويفزعوا إليها عندما تجد قضية تشغل حياة المسلمين.
إن مجمعكم الموقر والمجمع الفقهي الإسلامي برابطة العالم الإسلامي لهما مكانة سامية في نفوس المسلمين لأنهما يضمان نخبة ممتازة من فقهاء الأمة وعلمائها الذين يقومون بدراسة القضايا المعاصرة ويبحثون المسائل المستجدة وينزلونها على النصوص ويقدمون بحوثا قيمة من تراثنا الفقهي الإسلامي تكون مرجعا ومستندا للمسلمين في شتى بقاع العالم الإسلامي.
أيها الإخوة:
وبهذه المناسبة يسرني أن أنوه بما بين هذين المجمعين من تنسيق وتعاون ورغبة صادقة في توحيد الجهود لما فيه مصلحة الأمة الإسلامية.
ولقد أصدر المجمعان عددا كبيرا من القرارات والتوصيات كان لها بحمد الله، القبول التام والنفع العام في شتى مجالات الحياة.
ولقد تم نشرها وتوزيعها على أوسع نطاق بين المسلمين وبخاصة لدى المؤسسات والجمعيات الإسلامية في العالم؛ تم ذلك كله بتوفيق الله أولا ثم بتضافر الجهود بين المسؤولين في المجمعين بارك الله جهود الجميع.
وأتطلع إلى المزيد من التعاون بين المجمعين وإلى زيادة التنسيق وتمتين العلاقات بينهما بما يخدم المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها.
ولا يفوتني أن أشيد بالموضوعات المطروحة على جدول هذه الدورة وأهميتها وأثني على حسن اختيارها لأنها موضوعات تهم عامة المسلمين وخاصتهم، وأرجو أن يتوصل علماؤنا الأفاضل إلى الحكم الشرعي فيها ليستروح المسلمون عبير الشريعة، ويطمئنوا إلى أدلتها الناصعة، ويطبقوا أحكام الله في حياتهم الخاصة والعامة، طبقا لمقاصد الشريعة المعتبرة.
كما لا يفوتني أن أشيد بما أنجزه مجمعكم الموقر منذ إنشائه من قرارات وتوصيات فيما تم مناقشته من الموضوعات التي طرحت خلال الدورات السابقة وبما أنجزته الأمانة العامة للمجمع من أعمال خلال هذه الفترة الوجيزة من عمر المجمع.
стр. 13796
وختاما أشكر الله تعالى الذي هيأ لنا هذا اللقاء المبارك ثم أخص بالشكر دولة الإمارات العربية التي استضافت هذا اللقاء وعلى رأسها صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان ولجميع المسؤولين والجهات الرسمية في دولة الإمارات العربية المتحدة على حسن التنظيم والترتيب وكرم الضيافة.
كما لا يفوتني أن أعبر عن خالص الشكر وصادق التقدير لحكومة خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز حفظه الله على استضافته الكريمة للمجمعين وعلى ما تقدمه من دعم متواصل لكل منهما، وكذلك لجميع المؤسسات الإسلامية وللعمل الإسلامي المشترك.
والشكر موصول لمعالي رئيس المجمع ومعالي الأمين العام وجميع العاملين في المجمع وكذلك لجميع الأعضاء والخبراء الذين أعدوا البحوث القيمة لهذه الدورة.
وفق الله الجميع وسدد الخطا وبارك الجهود.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 13797
كلمة معالي الأستاذ
أسامة جعفر فقيه
رئيس البنك الإسلامي للتنمية – جدة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم، القائل في محكم التنزيل:
﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾
والصلاة والسلام على المبعوث بالحنفية السمحة، القائل: ((من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين)) .
معالي ممثل راعي هذا الحفل المبارك؛
أصحاب المعالي والفضيلة والسعادة؛
أيها الأخوة الأكارم؛
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. وبعد؛ اسمحوا لي أن أستهل حديثي إليكم بتجديد الشكر لله على نعمه الجليلة وما امتن به على أمتنا الإسلامية، من قيام هذا المجمع المهيب. وأُثَنِّي بإزجاء التهنئة إليكم على أن حقق الله على أيديكم أملا عظيما طالما راود الأمة الإسلامية في قيام هيئة شرعية تبين حكم الإسلام في كثير من المسائل والأمور المستجدة في عصرنا هذا.
فلئن اشتكت الأمة حينا من الدهر فراغا دفع البعض إلى الأخذ بقوانين وضعية لم تألفها من قبل، فإن محفلكم المبارك هذا لخير دليل على أن الأمة لم تخل قط من نخبة رائدة من الدعاة الصالحين، والعلماء المتمسكين بأهداب العقيدة، العاملين بقوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٢] .فجزاكم الله خيرا على ما تبذلونه للحفاظ على قيمنا الإسلامية الأصيلة، وما تحثنا عليه من الالتزام بتراثنا الفقهي العظيم، وما تدعون إليه من تمسك بأحكام شريعتنا نبراسا ينير لنا ضروب الخير والفلاح.
فالمجمع هو اللسان الناطق بجمع شمل الأمة على كلمة سواء، والاهتداء بالكتاب والسنة في كل شأن من شؤون الحياة، وهو العقل الذي أَعْتَدَتْهُ الأمة لإعمال النظر والفكر في ما جد ويجد من مسائل ومشكلات. وإليه المرجع في الاهتداء إلى ما وضعته الشريعة من أصول وكليات وقواعد، إذا هي ردت إليها، صلح أمر الناس، بإذن الله تعالى.
стр. 13798
والمجمع هو العدة لمواجهة التحديات التي يلاقيها المسلمون اليوم، وليواكبوا – بعقيدة راسخة الجذور وعقلية مستنيرة متفتحة – التطور العالمي السريع والاكتشافات العلمية المتلاحقة والتقدم التقني المذهل. ولقد بعث المجمع الأمل في تجميع الطاقات الفكرية للتغلب على التحديات والحفاظ على الهوية والقيم الإسلامية الخالدة التي أخذ يهددها استشراء الطغيان المادي في هذا الزمان.
ولقد حاز المجمع ثقة الأمة، يوم أعربت الدول الأعضاء لمنظمة المؤتمر الإسلامي عن اقتناعها بمسيس الحاجة إليه، وعبرت عن تقديرها للأهداف العلمية والعملية المنوطة به.
ولقد شفعت هذه الثقة بترشيح نخبة مختارة لعضوية المجمع من العلماء والفقهاء المبرزين، ذوي الشهرة والدراية الواسعة، ومن المفكرين اللامعين.
وقد شُدَّ عضد المجمع – بحمد الله – بكوكبة من الأعيان، فأعان مجلسه أعضاء مراسلون، وخبراء باحثون، وعلماء جامعيون، يساهمون في الاضطلاع بالدراسات والبحوث العلمية، والاجتهاد في حمل ما يعرض للعالم المعاصر من قضايا ومشكلات على هدي الشريعة السمحة، وأصولها المقررة، وما تقتضيه قواعد الدين ويحقق مقاصد التشريع للمسلمين.
أصحاب الفضيلة والسعادة..
تعلمون أن الإقدام على إنشاء بنك إسلامي للتنمية، كان خطوة رائدة وبالغة الأهمية. وكانت لجهود البنك – منذ مستهل أيامه – ولحكمة القائمين عليه وعمق إيمانهم برسالته، آثار حاسمة فيما تلا إنشاءه من إنجازات. فلم يسلم حبور الرعيل الأول بميلاد هذا الصرح من مخالطة خوف شديد من أن تجهضه العوائق، وتئده العراقيل، وأن تعجزه عملية المواءمة بين متطلبات الإنماء الاقتصادي الحديث، ومقتضيات الأحكام الشرعية. ولقد زاد من هذا الخوف لدى الغيورين على المؤسسة، ما ألقي من شكوك لدى هؤلاء وأولئك، كادت تقضي على الأمل الوليد.
وحري بنا اليوم شكر المنعم، جل شأنه، على أن اجتاز البنك هذا الاختبار بنجاح مشهود، إذ اضطلع بعمل رائد غير مسبوق، قام فيه باستنباط صيغ تمويل تتلاءم مع طبيعته المتميزة، والتزامه الراسخ بأحكام الشريعة الإسلامية. فالبنك – يوم ولد – لم يكن أمامه نموذج يقتدي به. فكان لزاما عليه أن يبحث في فقه المعاملات عن العقود الشرعية التي يمكن أن يطور على أساسها أساليب تمويلية تستجيب لمتطلبات العمل المصرفي المعاصر.
ولم يأل البنك جهدا في سبيل تحقيق هذه الغاية، فساهمت مجهوداته البحثية الدؤوبة في بلورة تلك الصيغ التمويلية المستحدثة، وإنها لمناسبة ينبغي اغتنامها للتعبير عن خالص امتنان البنك الإسلامي للتنمية لأولئك العلماء الأفاضل الذين استجابوا لندائه، وبذلوا جهدا غير مكفور لمساعدته في تطوير آليات التمويل الإسلامية، وأناروا له الدرب في مرحلة حاسمة من حياته.
стр. 13799
كما أزجي الشكر لصفوة علماء الأمة الذين أسهموا في الندوات المتخصصة التي عقدها البنك للمساهمة في تطوير مناحي العمل المصرفي الإسلامي، وتحسين أدواته وأساليبه. ولم تزل صيغ التمويل الإسلامية، من مضاربة ومشاركة ومرابحة وسَلَم واستصناع وغيرها، تحظى لدى الباحثين والمصرفيين في عالمنا الإسلامي وخارجه، باهتمام شاهد على قيمة المكاسب التي تم تحقيقها في هذا المضمار.
وبعد أن استطاع البنك، بعون الله وتوفيقه، أن يستقطب بعض القدرات العلمية، ويسخر ما تيسر من الإمكانات لتطوير أدوات تميل وأساليب تتفق مع أحكام الشريعة الإسلامية الغراء ويرسخ قدمه في ريادة العمل المصرفي الإسلامي، اتجه البنك نحو تشجيع المبادرات الجادة وتقدير الجهود الرائدة والخدمات الجليلة والإنجازات المبدعة في حقلي الاقتصاد والبنوك الإسلامية؛ حيث أنشأ عام ١٨٠٤هـ جائزة فريدة، دأب على تقديمها سنويا للمبرزين في هذين الحقلين، اعترافا بفضلهم وتقديرا لجهودهم، وحافزا لأمثالهم على البذل والعطاء والإسهام الفاعل في تطوير قواعد الفكر الإسلامي الأصيل، وتفعيل دورها في ميادين النشاط الاقتصادي والمصرفي. وفي ذلك فليتنافس المتنافسون.
وسيواصل البنك، بعون الله، السعي الحثيث، وتوظيف الحوافز ووسائل التشجيع بغية تحقيق المزيد من التحسين، وتطوير أدوات تمويلية أخرى تعين على التوسع في تقديم خدماته، وزيادة طاقته في دعم جهود التنمية الاقتصادية لدوله الأعضاء، وتستجيب لحاجة الناس للخدمات المصرفية الحديثة.
حضرات الإخوة الكرام؛
إن البنك الإسلامي للتنمية لن ينسى لهذا المجمع الموقر فضل استجابته الكريمة للنظر في آليات التمويل المستخدمة في أنشطته، وبيان الحكم الشرعي في كل منها. وهو قمن بشكر الجهود التي بذلتموها للاستيثاق من اتساق مسيرته مع الرسالة التي حددتها له اتفاقية تأسيسه:
وهي أن تكون جميع عملياته وأعماله متفقة وأحكام الشريعة الإسلامية السمحة.
стр. 13800
ولقد حرص البنك على الاسترشاد بما جاء في القرار الصادر عام ١٤٠٧هـ، عن المجمع الموقر في هذا الشأن، واتخذه نبراسا في مسيراته نحو بلوغ أهدافه، حيث بادر البنك باتخاذ الإجراءات لتطبيق توجيهاتكم، بدءا بإدخال التعديلات اللازمة على نصوص اتفاقيات تمويل العمليات والمشروعات التي تبرم مع المستفيدين منها. وإن البنك لعاقد العزم، بمشيئة الله، على مواصلة التعاون، إتماما لهذا العمل الجليل والجهد العلمي القيم. وتأكيدا لهذه الرغبة في التعاون مع المجمع، فسيحرص البنك – بإذن الله – على تقديم كل ما يجد أو يطرأ بالنسبة لعملياته على مجلس المجمع لتظل مسيرته ماضية على بصيرة وهدى من الشرع الحنيف.
أصحاب الفضيلة؛
إن البنك الإسلامي الذي لم تزده تجربة التعاون مع المجمع إلا إصرارا على طلب المزيد، وتعلقا بالعمل المشترك من أجل تعميم المنافع، ليدعوكم إلى مواصلة العطاء مما يعود بالنفع بإذن الله على الأمة.
ولقد كادت دورتكم الحالية أن تكون دورة اقتصادية لغلبة الموضوعات المالية والتجارية عليها. وإن ذلك لدليل آخر على مدى تعطش المسلمين لنتاج مجمعكم الموقر وتركيز جانب من جهوده في هذا الميدان المتصل بمصالح المسلمين وشؤون حياتهم، وفي مقدمتها ما حفل به جدول أعمال دورتكم من موضوعات ذات علاقة وثيقة بالاقتصاد والمعاملات المالية، كالحلول الشرعية لاجتماع الصرف والحوالة في تجارة الذهب، والسَّلَم وتطبيقاته المعاصرة، والودائع المصرفية، والاستثمار في الأسهم والوحدات الاستثمارية، والمناقصات، وقضايا العملة.
وفي ذلك استجابة موفقة لحاجة حقل المعاملات المالية بالذات إلى جهد حثيث من المختصين لتدقيق فقه أئمة المذاهب فيه، واقتباس ما كان أقوى دليلا، وأقرب لملاءمة روح الزمان، وتغليب مصالح العباد؛ ومن ثم جمع ذلك في موسوعة واضحة العبارة أو معلمة دانية القطوف. كما نرجو أن يتناول عمل المجمع المسائل غير المنصوص عليها، فيجتهد لها ويستنبط حكمها، ويذيع في الناس سر حكمة التشريع ومحاسنه فيها.
وإن رأى مجلسكم الموقر في كل مسألة ونازلة سيجعل الأمة على بينة من أمرها، وسيكون خير عون للمؤسسات المصرفية الحريصة على تثمير الأموال بما يتفق وأحكام الشريعة.
وإن مشاركة بعض ذوي الاختصاص في فروع المعرفة في أعمال هذه الدورة لأمر جدير بالثناء والتقدير إذ يعين على وضوح كثير من المشكلات والمسائل المستجدة حتى يأتي الحكم الشرعي إزاءها متفقا مع مقاصد الشرع الحنيف وحكمه البالغة.
стр. 13801
أصحاب السماحة والفضيلة؛
لقد كان للبحوث التي قمتم بها أثر جلي في ترسيخ ثقة المسلمين بالمعاملات التي اعتمدتها البنوك الإسلامية. ويتعين الحفاظ على هذه الثقة، بمواصلة العطاء الخير في هذا الميدان الذي يمكن للمجمع أن يتعاون فيه مع مع البنوك الإسلامية لتلبية احتياجاتها المتزايدة.
وإن الحاجة قائمة – بل هي ماسة – إلى مد جسور التعاون بين الفقهاء والاقتصاديين، وتعريف كل من الفريقين بالمنطلقات والمبادئ الأساسية المعينة على تصور القضايا المطروحة، وتفهم أبعادها ومدى ارتباطها بحياة المجتمع ومصالح العباد.
ويسر البنك الإسلامي للتنمية – ممثلا بالمعهد الإسلامي للبحوث والتدريب – أن يتعاون مع المجمع الموقر، ومع سائر البنوك الإسلامية، في هذا السبيل
وكما تعلمون فإن الفجوة التي ظلت بين الفقهاء والاقتصاديين قد حالت لبعض الوقت دون إيلاء عناية كافية بمسائل أحكام المعاملات المالية المعاصرة في ضوء الأصلين العظيمين الخالدين: كتاب الله الكريم والسنة النبوية المطهرة.
أصحاب السماحة والفضيلة؛
إن استضافة دولة الإمارات العربية المتحدة لهذه الدورة لتؤكد اهتمام هذا البلد المضياف وحكومته الرشيدة – بقيادة صاحب السمو الشيخ/ زايد بن سلطان آل نهيان؛ رئيس الدولة، حفظه الله – بدعم القضايا الإسلامية، وحرصه على تحقيق تضامن شعوب الأمة ولم شملها. وبهذه الاستضافة الكريمة تعزز دولة الإمارات مكانة المجمع وتدعم مظهرا من مظاهر التقاء أبناء الأمة على كلمة سواء، وتسهم في دعم مسيرة هذا الصرح المبارك لمواصلة جهود البحث الأصيل المبدع عن حلول لمشكلات العصر الملحة.
стр. 13802
كما يسرني أن أعبر عن أجزل الشكر لمعالي الدكتور بكر بن عبد الله أبو زيد، رئيس مجلس المجمع، ولسماحة الشيخ / محمد الحبيب ابن الخوجة الأمين العام لمجمع الفقه الإسلامي, ومعشر الأعوان والزملاء على جهودهم الموفقة، وعلى حرصهم الدائب على تطوير أعمال المجمع. وأتوجه إلى العلي القدير أن يسدد خطا مجلسكم الموقر على طريق الخير والحق، وأن يتحقق لهذا الاجتماع العظيم كل النجاح في بلوغ أهدافه السامية. وما ذلك على الله بعزيز.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 13803
كلمة معالي رئيس مجلس المجمع
الدكتور بكر بن عبد الله أبو زيد
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله ولي الخلق والأمن والتدبير، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله رحمة من الله وسراج منير.
اللهم صل وسلم عليه كلما ذكره الذاكرون، وغفل عن ذكره الغافلون، ورضي الله عن الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد،
فقد جرت عادة المنصفين بأعواد المنابر والقائمين على درجات النوادي وردهات المجامع، أن يقدموا بين يدي نجواهم بكلمات ممهدات أمام المقاصد التي يعرضونها والأغراض التي يقصدونها. واليوم ونحن نعيش بين أهل وجيرة أمجاد على أرض من جزيرة العرب دار الإسلام الأولى التي قال فيها النبي ﷺ : ((لا يجتمع دينان في جزيرة العرب)) .
وفي ضيافة حاكم من حكام العرب صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة، وتحت مظلة وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف بمعالي وزيرها سماحة الشيخ محمد بن أحمد الخزرجي وأسرة وزارته الكريمة – تعقد الدورة التاسعة، بإذن الله تعالى وفضله وتوفيقه، لمجمع الفقه الإسلامي يفتتحها صاحب السمو رئيس الدولة نيابة عنه سمو الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان وزير التعليم العالي والبحث العلمي.
إننا حقا نعيش بين أهل وجيرة أمجاد مقدمين خالص الشكر والتقدير لهذه الدولة المباركة ولأصحاب السمو الأمراء والمعالي الوزراء والعاملين في وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف الذين قدموا الترتيبات القيمة لاستضافة هذه الدورة.
سمو الشيخ،
صاحب المعالي وزير الشؤون الإسلامية،
أصحاب المعالي،
الأمين العام لمنظمة المؤتمر الإسلامي،
الأمين العام لمجمع الفقه الإسلامي،
الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي،
رئيس البنك الإسلامي للتنمية،
أصحاب الفضيلة والسماحة، أيها الجمع الكريم، أيها العلماء.
стр. 13804
هذه الدورة هي بحق يستحق أن يطلق عليها الدورة الاقتصادية، وقد جاء في بلد الاقتصاد والحركة التجارية النوارة، إذ حوت عشرة موضوعات وقدم لها عدد من رجال هذا المجمع وخبرائه وباحثيه نحو ستين بحثا، أسأل الله تعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يوفقنا جميعا إلى القول الحق والصواب فيما نأتي ونذر من أقوالنا وأعمالنا إنه على كل شيء قدير.
أيها الجمع الكريم،
تأتي هذه الدورة المباركة في أعقاب ثمانية مؤتمرات مضت، خمسة منها عقدت في المملكة العربية السعودية، ومؤتمر في المملكة الأردنية الهاشمية، ومؤتمر في دولة الكويت، ومؤتمر في سلطنة بروناي. ويتخلل ذلك ندوات في عدد من دول العالم الإسلامي للتهيئة بين دورات هذا المجمع، وقد طبعت نتائج هذا المجمع في بحوثه وقرارته في نحو عشرين مجلدا تضم نحو أربعمائة بحث وفيها ما يزيد عن ثمانين قرارا.
وقد كان لمعالي الأمين العام لمجمع الفقه الإسلامي الشيخ محمد الحبيب بن الخوجة يد موفقة في تسيير أعمال الأمانة وطباعة المجلة.
هذا، وإن من تتابع الإحسان وتوفيق الله ، أن خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز، أيده الله, قد أمر بطباعة كتاب (عقد الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة) ، فتمت طباعته، ولله الحمد، في ثلاثة مجلدات، وسيقدم هدية لصاحب السمو ولرجال دولته وللعلماء والمفكرين في هذه الدورة بمشيئة الله تعالى. أجزل الله لخادم الحرمين المثوبة، ووفقه لكل عمل صالح مبرور.
أيها الجمع الكريم.
إن هذا المجمع يسير، بحمد لله، على خطوات ثابتة وعلى مناهج بينة، فهو يعتمد الدليل من الكتاب والسنة والإجماع والقياس ومصادر الشريعة التبعية، ولا مجال في هذا المجمع للآراء الشاذة، والأقوال المهجورة، والرخص الغثة. وهذا المجمع يعتمد الاعتدال والوسطية التي تستل من مشكاة النبوة في جميع آرائه، والمعصوم من عصمه الله.
وإن من نعم الله أن هذا المجمع لم يصدر منه في يوم من الأيام أي قرار ضغط فيه الإسلام للواقع، ولا قرار ضغط فيه النصوص للوقائع؛ بل أخضع الواقع والوقائع لنصوص الشرع المطهر، وهذا من توفيق من الله وعظيم منته علينا وعلى الناس أجمعين.
ولهذا كان لقراراته الأثر الفعال في شريحة كبيرة من العالم الإسلامي: أفرادا ومؤسسات، وشركات وبنوك إسلامية ومصارف، وعلى مستوى عدد من دول العالم الإسلامي.
ولاشك أن تطبيق الشرع المطهر وإعماله وإدخاله في الحياة العملية للمسلمين هو من أجل أعمال العبادة والأخذ بهدي القرآن العظيم والسنة النبوية المطهرة والاقتداء بهذا الدين قولا وعملا، فليتق الله كل امرئ مسلم، وليتبع القول العمل.
стр. 13805
سمو الشيخ،
أصحاب المعالي،
أيها العلماء الأجلاء،
أيها الجمع الكريم،
لقد كنت أعددت لهذا المقام موضوعا وجلبت من كلام العرب ينبوعا ولكني الساعة عدلت، لضيق المقام، وسبب رئيسي هو أن كلمة صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان كلمة ضافية تمتعت بالروح الإسلامية العظيمة، ونسأل الله أن تكون هذه الكلمة مفتاح خير لعلم يتبعه العمل، وهذا ما ندعو الله به تعالى في كل حين وآن، وإن هذه الكلمة الثمينة سوف تكون وثيقة من وثائق هذا المؤتمر.
والله يحفظنا وإياكم بالإسلام. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 13806
كلمة معالى أمين عام المجمع
الدكتور محمد الحبيب ابن الخوجة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله على آلائه العظيمة ونعمه الجزيلة، حيث جعلنا من خير أمة أخرجت للناس، وأنزل علينا رسوله خاتم النبيين بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين الحق، وأنزل معه الكتاب والفرقان ليكون لنا حجة ومعتصما، وأناط بأحكام شريعته الخاتمة الخالدة التي تعبدنا بها جلب المصالح ودرء المفاسد وتحقيق السعادة للإنسان في الأولى والأخرى، ودعانا سبحانه ودعا الناس جميعا لنقوم بالقسط في حقوق الله وحقوق العباد. وصلى الله علي عبده ورسوله وخيرته من خلقه نبي الهدى سيدنا ومولانا محمد الذي أوصانا بأن يكون الدين كله لله، وأن تكون كلمة الله هي العليا، ووضح لنا بسنته الشريفة وحكمته البالغة المنهج الإسلامي السديد الذي يقينا العثرات وترتفع به الدرجات، وعلى آله وصحبه وسلم.
حضرة صاحب السمو الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان، نائب صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة، وزير التعليم العالي، حضرة صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد بن سلطان ولي العهد،
حضرة صاحب المعالي الأستاذ أحمد خليفة السويدي الوزير الممثل لصاحب السمو رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة.
حضرة صاحب المعالي الشيخ محمد بن أحمد بن حسن الخزرجي وزير الشؤون الإسلامية والأوقاف،
حضرة صاحب المعالي الدكتور حامد الغابد الأمين العام لمنظمة المؤتمر الإسلامي،
حضرة صاحب المعالي الدكتور أحمد محمد علي الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي،
حضرة صاحب المعالي الدكتور أسامة جعفر فقيه رئيس البنك الإسلامي للتنمية،
حضرة صاحب المعالي الدكتور الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد رئيس مجلس المجمع،
стр. 13807
أصحاب السماحة والفضيلة، أصحاب المعالي والسعادة،
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد
بدعوة كريمة من حضرة صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة حفظه الله وأبقاه، تحتضن في هذا اليوم الأغر السعيد غرة شهر ذي القعدة ١٤١٥هـ هذه المدينة الجميلة الساحرة مدينة أبو ظبي، عاصمة الإمارات بلد الخير والنماء، مؤتمركم التاسع لمجمع الفقه الإسلامي الدولي.
وإنها لرعاية سامية وعناية فائقة يشمل بها سموه الكريم مؤسستكم العلمية مجمعكم الموقر، دعما لجهوده، وحثا له على السير قدما في مجال النظر والدرس والتحقيق والاجتهاد، فهو من أكد في هذه البلاد للمسلمين يقينهم بدينهم، وتعلقهم بشريعة ربهم، وحفز الهمم والطاقات لخدمة هذا الواجب وتعزيزه، أمد الله سمو الشيخ بأيده ونصره وأجزل له مثوبته على ما يبذله من جهود لخدمة الإسلام والمسلمين.
وقد وجدنا من سمو ولي عهده ومن رجال كبار دولته كل إيسار وكرم وبر وحفاوة، أمتع الله بهم ورعاهم وحفظهم وآتاهم في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة.
هذا وقد طال نسبيا ما بين الدورة الثامنة ودورتكم هذه، ولكن الله يسر لنا بفضله بجانب صدور العدد السابع من المجلة، وتقديم الثامن منها للطبع، إنجازات ومشاريع مهمة نحمد الله على ما به أنعم وإليه وفق وهدى. وأعلى هذه الإنجازات قدرا وأعظمها نفعا للفقهاء والطلاب المكرمة البارزة في هذه الدورة لخادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود، ملك المملكة العربية السعودية. وهي من بين مكرماته العديدة على مجمعنا تتمثل في ما أنفقه على تحقيق وطبع كتاب (عقد الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة) لابن شاس، وفي إذنه السامي للمجمع بنشره باعتباره من أمهات كتب الفقه ومن أهم مصادره، حفظ الله خادم الحرمين الشريفين للأمة، وادخره للملة يحمي ذمارها، ويدعم وحدتها، ويرفع لواءها، ويعلي منارها، وينشر مفاخرها وآثارها.
стр. 13808
أما المشاريع التي قضينا طوال المدة الماضية في الإعداد لها، والتي نأمل أن تعود بالخير الكثير على الدراسات والبحوث العلمية المجمعية، فهي معلمة القواعد الفقهية، والموسوعة الفقهية الاقتصادية. وقد اتسعت المعلمة في المخطط الذي رسمناه لها لتشمل مع القواعد العامة الفقهية ما يتصل بها من ضوابط وفروق وفوائد وأشباه ونظائر، وليكتمل أثرها البعيد عند المجتهد والفقيه بما تتضمنه تلك المعلمة، بإذن الله، من القواعد الأصولية والقواعد الكلية للمقاصد الشرعية، فيظهر للمتفقِّه كما قال صاحب المدارك (أن أحكام الشريعة - أوامرَ ونواهيَ- تقتضي حثًّا على قُرَب ومحاسنَ، وزجرا عن مناكرَ وفواحشَ، وإباحةً لما به صلاح هذا العالم وعمارة هذه الدار ببني آدم. وأن أبواب الفقه وتراجم كتبه كلها دائرة على كلمات هي كليات هذه القواعد، تبين للواقف عليها والناظر فيها من اتبع معنى الشرع المراد، أو خالفها فتنكب عن السداد وحاد عن سبيل الرشاد. ذلك أن الالتفات إلى قواعد الشريعة ومجامعها، وفهم الحكمة المقصودة بها من شارعها، يعين الفقيه والمكلف جميعا – كما ينبه على ذلك الشاطبي – على أن يكون قصدهم في أعمالهم موافقا لقصد الله من تشريعه، وأن كل من ابتغى في تكاليف الشريعة غير ما شرعت له فقد ناقض الشريعة، وأن كل من ناقضها فعمله في المناقضة باطل. ومن ابتغى في التكاليف ما لم تشرع له فعمله باطل) .
وهذا المنهج هو الذي (دعت إليه الآيات والأخبار، وشد معاقله السلف الأخيار، ورسم معالمه العلماء الأحبار، وشيدت أركانه أنظار النظار) . وفي أصحاب رسول الله ﷺ ومن مضى علي سنتهم واهتدى بهديهم قدوة للمقتدين وأسوة للفقهاء والمجتهدين. (فلقد تعمقوا أسرار الشريعة وتدبروا الآيات والسنن، وتعرفوا على المقاصد فحصلوها، وأسسوا قواعدها وأصَّلوها بما بذلوا من جهد، واعملوا من جد في تحقيق مبادئها وغايتها) .رفع الله ذكرهم واحسن جزاءهم.
أما الموسوعة الفقهية الاقتصادية الواقعة من المعلمة بمنزلة الفرع من الأصل والجانب التطبيقي من الجانب التأصيلي النظري، فقد تم بالفعل تحديد زمر من موضوعاتها، وضبطت مجموعة منها ضبطا دقيقا، كما تم استكتاب ثلة من رجال الاقتصاد الإسلامي وجلة من الفقهاء فيها، تعريفا بالتطورات الجديدة وبما استجد من قضايا ومسائل لم تكن قد بحثت قبل في أزمنة تأسيس النظر الفقهي وازدهاره، ومعالجة لها معالجة شرعية فقهية مصلحية بإخضاع تلك القضايا والمسائل لروح التشريع الإسلامي، وما يتسم به من سماحة وعدل.
وإنا لنأمل من وراء ذلك أن تكون المعلمة الفقهية والموسوعة الاقتصادية التي يقدمها المجمع خير معوان على إبراز الصورة النقية للشريعة الإسلامية، وللنظريات الفقهية التي اعتمدها الأئمة المجتهدون والفقهاء المبرزون فيما أصَّلوه من أحكام، وصدروا عنهم تقريرات وآراء، في النوازل والواقعات والفتاوى والتطبيقات. وإنا في الورقتين الموزعتين على حضراتكم بشأن المشروعين ما يغني عن إفاضة القول فيهما في هذا المحل.
стр. 13809
وإذا كان قد تقرر عند الأئمة المجتهدين والفقهاء المحققين إن قصد الشارع من وضع الشريعة ابتداء، أنها وضعت لمصالح العباد في الدارين، فإن طلاب تلك المصالح ومراعاتها يكون بالاعتماد على (نصوص الشريعة وأدلتها واستخدام العقل في استنباط أسرارها وأحكامها، ولا يصح بحال الابتعاد عن النصوص فإن النقل يتقدم متبوعا، ويتأخر العقل تابعا. فلا يسرح في مجال النظر إلا بقد ما يسرحه النقل. ولو جاز للعقل تخطي مأخذ النقل لما كان للحد الذي حده النقل فائدة، ولصار غير مفيد وذلك في الشريعة باطل) . وقد تقرر لدى جهابذة الفقهاء إنه لا يحسن التضييق والتشديد فإن الدين يسر، (وإن العامة إذا توهمت أن الدين الصحيح لا يكون إلا مع المشقة والحرمان أخذها اليأس من الوفاء به على تلك الصورة التي رأتها عند المغالين فتركته) . فلا بد إذا من التوسط. وقد كانت الصحابة رضوان الله عليهم يقدمون أمر الله ونهيه على حظوظ أنفسهم الباطلة على وجه لا يخل بمصالحهم وهو التوسط.
ومن هذا الباب القول بمراعاة الخلاف فلا يحسن التزام مذهب بعينه في تقرير الأحكام، ولا الأخذ بقول أحد أو بفعله مهما بلغ من العلم، فيما يجد من قضايا إلا إذا عرضت أقواله وأفعاله على الشرع فوافقها، خصوصا بعد أن اتضحت الآراء وانكشفت العلل وظهرت المقاصد ووجدت المبررات للأخذ بمذهب آخر. فإذا وقعت مسألة في مذهب ما على خلاف ما في غيره من المذاهب الفقهية، وبعيدا عن قول آخر من أقوال أهل العلم، فإنه من الأجدى والأصلح تصحيح ما وقع وإمضاؤه عملا بالمذهب والقول المخالف إذا بانت صحته وقويت حجته ونهض دليله.
وقد يكون من الضروري أيضا للمجتهد أن ينظر في مآلات الأفعال فإن ذلك معتبر ومقصود للشارع لجواز أن يؤول الأمر إلى خلاف ما قصد به. (فقد يشرع الأمر لمصلحة فيه تستجلب، أو لمفسدة به تدرأ، ولكن له مآل على خلاف ما شرع لأجله، أو يكون غير مشروع لمفسدة تنشأ عنه أو مصلحة تندفع به، ولكن له مآل على خلاف ذلك) . فالواجب في مثل هذه الصور الاحتياط. وإنه لمجال صعب المورد للفقهاء والمجتهدين غير أنه مهم يتأكد التفطن له والأخذ به، حرصا على تحقيق مقاصد الشريعة، وحماية لمصالح الناس.
стр. 13810
فبإتقان لغة القرآن وإدراك أسرارها والوقوف على وجوه تصرفات القول فيها يتأتى النظر والتدبر لنصوص التشريع من الكتاب والسنة، وبمعرفة مواقع الإجماع والناسخ والمنسوخ وشرائط القياس يهتدى إلى استجلاء الأحكام، وبالرجوع إلى القواعد الأصولية والقواعد العامة الفقهية وبالاهتداء إلى ما تعلل به الأحكام من مصالح وما تقتضيه التشريعات من مقاصد يتوصل إلى الحكم فيما لا نص فيه ولا قياس ولا إجماع، وذلك بالاستناد إلى المصالح المرسلة وبمراعاة الكليات الشرعية بأنواعها من ضرورية وحاجية وتحسينية. وهو ما يضطلع به في هذا العصر أهل العلم والدراية من الفقهاء الجلة السادة النجباء الذين يجمعون بين الحفاظ على الدين وعلى شريعة الإسلام، الأمانة التي حملوها وهم عن قريب محاسبون عليها ومسؤولون عنها، وبين النظر في المشاكل المستعصية والقضايا المستغلقة يخضعونها لقواعد الشرع وهديه، ويعالجونها معالجة حكيمة، تحفظ لشريعة الإسلام سماتها البارزة في الشمول والخلود والصلاحية لكل زمان ومكان وحال.
وإن فيما يقول به أعضاء هذا المجمع الأكارم، والمشاركون في جهوده العلمية وبحوثه الفقهية من السادة العلماء وكبار الفقهاء والمتخصصين المبرزين من الخبراء في مختلف الفنون والعلوم الاقتصادية والاجتماعية ونحوها، وفيما أتوه من سعة علم ومعرفة بالثوابت والمتغيرات، وترصد للتطورات وما يناسبها ويناسب الأحوال المختلفات من أحكام شرعية وفتاوى فقهية تضبط، ومصالح معتبرة ترعى وتقصد، وما يجعل منهج عمل هذا المجمع، بإذن الله، راشدا قويما، والصفوة الكريمة من الفقهاء والعلماء المنتسبين إليه مهتدين بهدي الأئمة السابقين من أصحاب رسول الله ﷺ الذين (كانوا ألين الأئمة قلوبا وأعمقها علما، وأقلها تكلفا، وأحسنها بيانا، وأصدقها إيمانا، وأعمها نصيحة) جازاهم الله عن الإسلام خيرا، وعن عطاءاتهم وجهودهم العظيمة مثوبة وأجرا.
وإنه ليسعدني في ختام هذه الكلمة أن أجدد الشكر الجزيل والثناء الجميل لسمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، ولولي عهده سمو الشيخ خليفة بن زايد بن سلطان ولوزير التعليم العالي سمو الشيخ نهيان بن المبارك آل نهيان، ولمعالي الوزير أحمد خليفة السويدي، ولمعالي وزير الشؤون الإسلامية والأوقاف الشيخ محمد بن أحمد بن حسن الخزرجي، ولوكيل الوزارة سعادة الدكتور محمد بن جمعة بن سالم، ولكافة أعضاء الحكومة ورجال الدولة، ولمعالي الدكتور عز الدين إبراهيم مدير مؤسسة زايد بن سلطان آل نهيان للأعمال الخيرية والإنسانية بأبو ظبي، على ما لقيناه من كرم الوفادة وحسن الضيافة، ومن تشجيع وتيسير لإقامة هذه الدورة المجمعية بعاصمة دولة الإمارات العربية المتحدة.
стр. 13811
كما يسعدني أن أرحب بضيوفنا الكرام الذين استجابوا لدعوتنا، وتحملوا المشاق من أجل مشاركتنا أعمالنا، على ضيق في أوقاتهم وازدحام في أشغالهم. وأخص منهم بالذكر معالي الدكتور حامد الغابد الأمين العام لمنظمة المؤتمر الإسلامي الذي يواصل دعم المجمع ومساندته بحسن رعايته، ودعوته له للمشاركة في كثير من النشاطات مثل ندوة الطفولة بجدة، مؤتمر الإسكان ومؤتمر القدس بالقاهرة، ومؤتمر الدعوة بموسكو وغيرها من النشاطات، وأصحاب المعالي الدكتور أحمد محمد علي الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي، والدكتور أسامة جعفر فقيه رئيس البنك الإسلامي للتنمية على ما قدما من مساعدة وعون للمجمع من أجل قيامه بدوره النشيط في إنجاز مشاريعه، وأشكر لمعالي الدكتور الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد رئيس مجلس المجمع همته العالية ومراجعته الدقيقة لكتاب الجواهر وحرصه البالغ على حسن إخراجه.
وأقف هنا قليلا مترحما على أعضاء المجمع الراحلين: سماحة الشيخ عبد العزيز محمد عيسى ممثل مصر السابق، وفضيلة الشيخ شيت محمد الثاني ممثل بنين، والأستاذ محمد موابا بواتسا ممثل الجابون، والأستاذ محمد الأمين حيدرة ممثل غينيا بيساو, والأستاذ أحمد أزهر بشير ممثل أندونيسيا تغمدهم الله بواسع رحمته، وكريم مغفرته، وأرحب بالأعضاء الجدد الذين تم تعيين دولهم لهم بهذا المجمع وهم نواب أذربيجان وتاجكستان وألبانيا والتركمانستان، وأخص منهم في هذه المناسبة سعادة البروفسور محمد ألييف واسم ممثل أذربيجان الذي أسعدنا بحضوره، وانضم إلى هذه الصفوة الخيرة من أعضاء المجمع ورجال المؤتمر الذين نرحب بهم أجمل ترحيب ونشكرهم عظيم الشكر على ما بذلوا وما يبذلون من جهود كبيرة مستمرة في خدمة الدين وتقرير الأحكام، والكشف عن محاسن هذه الشريعة الغراء الخالدة، وعلى ما يسهمون به ويقدمونه من بحوث فقهية جادة ودراسات اقتصادية وطبية واجتماعية نافعة وأعمال علمية جليلة، ومناقشات مفيدة هادفة، نصيحة لله ولرسوله ولخاصة المسلمين وعامتهم، سدد الله خطانا وخطاهم، ووفقنا جميعا إلى حسن النية وصالح العمل، وكتبنا في المتمسكين بحبله، المحكمين لشرعه، الداعين لدينه، المجاهدين في سبيله، ابتغاء مرضاته وطمعا في رحمته، إنه سميع مجيب، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
كلمة معالي أمين عام المجمع
الدكتور محمد الحبيب ابن الخوجه
стр. 13812
قصيدة بمناسبة انعقاد الدورة التاسعة
للشاعر الدكتور – سامي حسن حمود – البنك الإسلامي للتنمية بجدة
إلى صاحب السمو الشيخ/ زايد بن سلطان آل نهيان
تحية العلم والعلماء
بمناسبة عقد الدورة التاسعة لمجلس مجمع الفقه الإسلامي في مدينة أبو ظبي من ١- ٦ ذي القعدة ١٤١٥هـ الموافق ١- ٦ إبريل ١٩٩٥م بضيافة صاحب السمو رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة.
يا شيخ زايد أهل الفقه زوار
جاؤوا إليكم ودرب المجد مختار
ألقوا الرحال وهم بالعلم في سفر
والفقه يشرق حيث البحث كرار
فالعلم يبقى رفيع القدر مؤتزرا
ثوب الكرامة والتقدير إكبار
هذي (أبو ظبي) مزدان منابرها
و (العين) هانئة والخير مدرار
ومن (دبي) إلى (عجمان) (شارقة)
(أم القوين) و (رأس الخيم) أبرار
أما (الفجيرة) إذ نامت شواطئها
على المحيط ففي الأمواج أسرار
تلكم وفود ومن بلدانهم قدموا
من كل قطر لكم بالحب إيثار
جاؤوا إليكم على حرص وفي حدب
ختما لتاسعة الدورات إذ ساروا
أتت أمانة هذا الجمع من بلد
تهفو إليه المنى والشوق خطار
من أرض مملكة أعطت أخوّتنا
معنى اللقاء ونعم الجار والجار
أكرم بجمع تلمُّ الأهل وحدتهم
من مشرق الأرض حتى الغرب أنصار
إذا أسرجوا الخيل إقبالا وقد لمسوا
صدق العزيمة حيث العهد إعمار
وجاء ركب وزير الوقف مبتهجا
حبا لأهل لهم بالعلم آثار
فالخزرجي إذا الأنصار قد ذكروا
يعانق الأوس والتاريخ دوار
حتى المهاجر لم يشعر بغربته
ما أجمل الشرع بالإسلام ديار
والكل حولكمو يا شيخ مغتبط
حيث الشيوخ لهم عزم ومقدار
فبارك الله في عهد به انتظمت
تلك الإمارات سبع هن أقمار
وطوق السعد جمعا في محبتكم
يا شيخ زايد إن الفضل معطار
غرة ذي القعدة ١٤١٥هـ
مطلع أبريل ١٩٩٥م
تقديم الشاعر الدكتور سامي حسن حمود
البنك الإسلامي للتنمية
ص ب/ ٩٢٠١ جدة (٢١٤١٣) المملكة العربية السعودية
стр. 13813
بحث في
الذهب في بعض خصائصه وأحكامه
إعداد الشيخ عبد الله بن سليمان بن منيع
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على الرسول الأمين، سيدنا ونبينا محمد رسول رب العالمين الهادي إلى الصراط المستقيم، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا وبعد:
فالذهب معدن نفيس استهوى الإنسان منذ القدم بحبه وإيثاره والافتخار بتملكه والتزين به حتى أغراه بعبادته قال تعالى: ﴿قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ (٨٧) فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ﴾ [طه: ٨٧- ٨٨] .
فالذهب معدن نفيس يتميز عن المعادن الأخرى بميزات طبيعية تكمن في قدرته على مقاومة عوامل التعرية وسلامته من التعرض للصدأ، فبمشورة من رسول الله ﷺ اتخذ عرفجة بن هرثمة أنفا من ذهب حينما قطع أنفه في إحدى المعارك مع رسول الله وبالرغم من حرمة التحلي به على الرجال فقد أذن في اتخاذ الأسنان منه للرجال للحاجة.
ولوقور محبته في النفس البشرية وإيثاره في حب التملك ذكره الله تعالى في عداد أمور زين للناس حب تملكها قال تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ﴾ [آل عمران: ١٤] وقد جعله الله في الجنة من وسائل الإنعام والتنعيم قال تعالى: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا﴾ [الحج: ٢٣] .
ولما وقر في النفس البشرية من إيثار لهذا النوع من المعادن دون غيره عدا الفضة وكونهما بعد التملك مظنة البخل بهما وإمساكهما فقد حذر تعالى من كنزهما دون إنفاقهما في سبيل الله فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [التوبة: ٣٤] .
ولما في الذهب من تأثير على النفس البشرية من حيث الافتخار والاعتزاز، واعتبار ذلك من مقومات الوجاهة والقيادة والاعتبار قال تعالى حكاية عن قوم فرعون وفي معرض إنكارهم رسالة موسى ﵇، وأن دعواه الرسالة تفتقر إلى ما يسندها من مقومات الاعتبار ﴿فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ﴾ [الزخرف: ٥٣] .
стр. 13814
وقال تعالى في معرض الفداء مشيرا إلى أغلى ما يملكه الإنسان وهو الذهب وإنه لو ملك منه ملء الأرض لرضي ببذله فداء له لما حل به من سوء العذاب قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ﴾ [آل عمران: ٩١] .
ولما في الذهب والفضة من الإغراء للنفوس البشرية فقد جعلهما الإنسان أكثر إيثارا من غيرهما من المعادن الأخرى في اتخاذ زينته منهما. ولحكمة ربانية تقتضي كبح النفس البشرية عن التجبر والتكبر والطغيان فقد حرم الله تعالى على الرجال اتخاذهما زينة لهم إلا ما استثنى. وذكر ﷺ تعليل التحريم بأن فيهما كسرا لقلوب الفقراء، ولما فيهما من الإغراء والتمتع بالتزين بهما ولأن النساء في وضع يقتضي تمكينهن من أسباب تعلق الرجال بهن فقد أباح للنساء اتخاذهما حليا لزينتهن أمام أزواجهن وحرم ذلك على الرجال. كما حرم تعالى اتخاذ الأواني المنزلية والتحف الجمالية منهما لما في ذلك من كسر قلوب الفقراء. يستوي في ذلك الرجال والنساء.
وقد أشار تعالى إلى طبيعة النفس البشرية في تمتعها بالذهب فجعل من تمتع الصالحين من بني آدم في الجنة أن من أدواتهم المنزلية صحافا من ذهب قال تعالى: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ﴾ [الزخرف: ٧١] .
النشأة التاريخية لاتخاذه ثمنا:
لقد مر على الإنسان حين من الدهر وهو يعاني الإشكال في حصوله على احتياجه من طعام وشراب ومسكن ومركب ونحو ذلك. فهو مدني بطبعه قليل بنفسه كثير ببني جنسه. لا يستطيع العيش بدون معونتهم. فبالرغم من البساطة التامة في حياته إبان العصور الأولى فقد كان محتاجا إلى ما عند الآخرين. فإن كان مزارعا فهو محتاج إلى أدوات الحرث والري من الصناع. وإن كان صيادا أو راعي أنعام فهو محتاج إلى بعض الحبوب والثمار من المزارعين. ولا شك أن كل فرد في الغالب يضن ببذل ما عنده لحاجة غيره، ما لم يكن ذلك البذل في مقابلة عوض.
وتحقيقا لعوامل الاحتياج نشأ لديهم ما يسمى بالمقايضة، بمعنى أن الصياد أو مستنتج الأنعام مثلا يشتري حاجته من الإنتاج الزراعي، مما يملكه من لحوم وأصواف وجلود وأنعام وهكذا.
стр. 13815
ويعتقد علماء الاقتصاد أن نظام المقايضة قد ساد وقتا ما، إلا أن تطور الحياة البشرية، وما يعترض الأخذ بمبدأ المقايضة من صعوبات أهمها:
أ- صعوبة التوافق المزدوج بين متبادلين، فصاحب القمح قد لا يجد من يبادله بما هو في حاجة إليه من أدوات الحرث مثلا.
ب- صعوبة توازن قيم السلع وحفظ نسب التبادل بينها، فلا يمكن قياس كمية من السكر بجزء من السمن أو الشاي أو غيرهما إلا بعناء.
ج- صعوبة التجزئة إذ قد تكون الحاجة إلى شيء تافه، فلا يتكافأ هذا الشيء التافه مع ما يرغب فيه من سلعة أخرى.
د- صعوبة احتفاظ السلع بقيمتها لتكون مستودعا للثروة وقوة للشراء المطلق ومعيارا للتقويم.
كل ذلك إلى الاستعاضة عنها بطريقة يحصل بها التغلب على الصعوبات المشار إليها، فنشأ مبدأ الأخذ بوسيط في التبادل، وليكون في ذلك الوسيط وحدة للمحاسبة ومقياس للقيم، وخزانة للثروة، وقوة شرائية مطلقة. إلا أن نوعية هذا الوسيط لم تكن موحدة بين الناس فكان للبيئة أثرها في تعيين وسيط التبادل فالبلاد الساحلية كانت تختار الأصداف نقدا، والبلاد الباردة وجدت في الفراء ندرة تؤهلها لاختيارها وسيطا للتبادل، أما البلاد المعتدلة فنتيجة للرخاء في عيشة أهلها آثروا المواد الجميلة كالخرز والرياش وأنياب الفيلة والحيتان نقودا، ويذكر أن اليابان كانت تستعمل الأرز وسيطا للتبادل، كما كان الشاي في وسط آسيا، وكتل الملح في أفريقيا الوسطى، والفرو في الشمال من أوربا.
وبتطور الحياة البشرية بمختلف أنواعها من فكرية واجتماعية واقتصادية ظهر عجز السلع، وسيطا للتبادل عن مسايرتها هذا التطور الشامل.
هذا العجز يكمن في تأرجح قيم السلع ارتفاعا وانخفاضا، تبعا لمستلزمات العرض والطلب، وأن السلع عرضة للتلف فضلا عن صعوبة حملها، وعن الأخطار التي تصاحب نقلها من مكان إلى آخر.
وفضلا عن ذلك كله فهناك مجموعة من السلع لا تنسب لها قيمة تذكر بجانب السلع المتخذة وسائط تبادل كالبيضة والبطيخة والرغيف من الخبز ونحو هذه المعدودات مما يحتاجه الجميع دائما.
لذلك اتجه الفكر الاقتصادي إلى البحث عن الاستعاضة عن السلع وسيطا للتبادل بما يسهل حمله، وتكبر قيمته، ويكون له من المزايا والصفات الكيماوية والطبيعية ما يقيه عوامل التلف والتأرجح بين الزيادة والنقصان.
стр. 13816
فاهتدى إلى المعادن النفيسة من ذهب وفضة ونحاس، ووجد فيها أسباب التغلب على الصعوبات التي كانت تصاحب السلع كوسائط للتبادل، فساد التعامل بها ردحا من الزمن على شكل سبائك وقطع غير مسكوكة، إلا أن اختلاف أنواع هذه المعادن وخصوصا الذهب، أوجد في استعمالها ثغرة كانت ميدانا للتلاعب والفوضى، فليس كل الناس يعرف المادة الأصلية للذهب وليس كل الناس يعرف المعيار المقبول للتبادل، ثم إن ترك تقدير القطع النقدية وخصوصا فيما له ندرة عالية كالذهب، وإرجاع ذلك إلى الوزن، أوجد فرصا لسرقتها بالتلاعب بوزنها، فضلا عما في كل صفقة بيع من المشقات الناتجة عن وزن المقادير المتفق عليها من المعدن الثمين.
لهذا كان واجبا على ولاة الأمور التدخل في شؤون النقد وحصر الإصدار في الإدارات الحكومية، وأن يكون على شكل قطع مختلفة من النقود المعدنية لكل منها ووزن وعيار معلومان، وأن تختم كل قطعة بختم يدل على مسؤولية الحاكم عن الوزن والعيار
فتدخل الحكام في ذلك، وأصبحت العمل المعدنية معدودة بعد إن كانت توزن، وصار كل جنس منها متفقا بعضه مع بعض في النوع والمقدار.
ويذكر أن أول من ضرب النقود كرويوس ملك ليديا في جنوب آسيا الصغرى في القرن السابع قبل الميلاد. ويقال بأنه يوجد أنموذج من نقوده في المتحف البريطاني.
ثم قام بتقليده غيره من ملوك المماليك المتاخمة لها. وفي ازدهار الحضارة اليونانية اتخذت لنفسها عملة خاصة أطلقت عليها اسم الدراخمة، ومعناها قبضة اليد. ولا يزال هذا الاسم هو اسم العملة اليونانية حتى يومنا هذا، ويقال بأن العرب نقلوا اسم الدراخمة إلى العربية وعربوها باسم الدرهم.
وقد ذكر بعض العلماء أن الذهب والفضة يعتبران أثمانا بالخلقة والطبيعة، سواء في ذلك مسكوكهما وسبائكهما بدليل أن السبائك الذهبية كانت تستعمل نقدا قبل سكها نقودا وقد كان تقدير ثمنيتها بالوزن، ومن ذلك ما رواه الخمسة وصححه الترمذي عن سويد بن قيس قال: جلبت أنا ومخرمة العبدي بزامن هجر فأتينا به مكة فجاءنا رسول الله ﷺ يمشي فساومنا سراويل فبعناه وثم رجل يزن بالأجرة فقال له: ((زن وأرجح)) .
стр. 13817
ومثله حديث جابر بن عبد الله وبيعه جمله على رسول الله ﷺ حينما قال: ((يا بلال اقضه وزده)) فأعطاه أربعة دنانير وزاده قيراطا. وقد أشار إليه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ فجاء في مجموع الفتاوى ما نصه:
(إن الناس في زمن رسول الله ﷺ كانوا يتعاملون بالدراهم والدنانير تارة عددا وتارة وزنا) اهـ (١) .
والذي يظهر لي أن الأثمان يتم اعتبارها بالاصطلاح وأن أي شيء يتعارف عليه الناس ويتخذونه ثمنا فيلقي قبولا عاما فهو ثمن يحمل في نفسه مقومات الثمينة من قبول عام ومستودع للثروة ومقياس للقيم.
ولهذا كان أقرب تعريف للنقد وأصوبه تعريفه بأنه: أي شيء يلقي قبولا عاما كوسيط للتبادل مهما كان ذلك الشيء وعلى أي حال يكون.
وقد أشار بعض المحققين من علماء الإسلام إلى هذا، ففي المدونة الكبرى للإمام مالك في كتاب الصرف ما نصه:
(ولو أن الناس أجازوا بينهم الجلود حتى يكون لها سكة وعين لكرهتها أن تباع بالذهب والورق نظرة) اهـ.
وفي مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ ما نصه:
(وأما الدرهم والدينار فما يعرف له حد طبعي ولا شرعي بل مرجعه إلى العادة والاصطلاح وذلك لأنه في الأصل لا يتعلق المقصود به، بل الغرض أن يكون معيارا لما يتعاملون به والدراهم والدنانير لا تقصد لنفسها بل هي وسيلة إلى التعامل بها ولهذا كانت أثمانا – إلى أن قال – والوسيلة المحضة التي لا يتعلق بها غرض لا بمادتها ولا بصورتها يحصل بها المقصود كيف ما كانت) . اه (٢) .
ففي قوله ﵀: (والوسيلة المحضة لا يتعلق بها غرض لا بمادتها ولا بصورتها يحصل بها المقصود كيف ما كانت) . في قوله هذا إشارة إلى أن النقد هو ما يلقى قبولا عاما كوسيلة للتبادل على أي صورة كان ومن أي مادة اتخذ.
стр. 13818
وذكر لنا سماحة الشيخ عبد الله بن محمد بن حميد – ﵀ – أنه اطلع على نقل عن الغزالي بأنه يرى أن النقد ما تم الاتفاق على اعتباره، حتى ولو كانت قطعة من أحجار أو أخشاب.
وعليه فإننا في شك من صحة ما قيل بأن النقدين الذهب والفضة خلقا للثمنية. وقد يقوى الشك في صحة هذا القول لمن يتم له استعراض الأدوار التاريخية التي مر بها النقد حتى صار إلى ما هو عليه الآن (١) .
وبما ذكرنا نستطيع القول بأن النقد شيء اعتباري، سواء كان ذلك الاعتبار ناتجا عن حكم سلطاني أو عرف عام. وأن القول بأن الذهب والفضة خلقا للثمنية: قول يفقد مقومات اعتباره من الناحية الشرعية، ومن الناحية اللغوية، والناحية التاريخية: وهذا لا يعني عدم التسليم بأنهما أكثر من غيرهما إيغالا في الثمنية، بل هما موغلان فيها، ولهذا جاء النص بعموم جريان الربا فيهما، سواء في ذلك تبرهما ومسكوكهما، إلا ما أخرجته الصنعة منهما كالحلي، ففي جريان الربا فيه خلاف بين العلماء نذكره في موضعه من هذا البحث إن شاء الله.
علة الربا في النقدين:
لا أدري لعل غيري كان يتساءل كما كان مني التساؤل منذ كنت في المرحلة الثانوية أدرس ضمن دراستي مادة الفقه مسائل الربا، وذلك حينما أجد الفقهاء ﵏ يعبرون عن ضابط ما يجري فيه الربا بالعلة فيقولون: علة الربا في النقدين الوزن، وفي غيرهما الكيل، فأي مناسبة في الوزن لجريان الربا في النقدين، وفي الكيل لجريانه في غيرهما من الأصناف الأربعة الواردة في حديث عبادة بن الصامت؟. الواقع أن التعليل بالوزن أو بالكيل لجريان الربا تعليل بوصف طردي لا حكمة فيه، والتعليل بالوصف الطردي ممتنع لدى جمهور علماء الأصول ومحققيهم. قال الآمدي في كتابه إحكام الأحكام في بحثه القياس وشروطه (٢) :
(اختلفوا في جواز كون العلة في الأصل بمعنى الأمارة المجردة، والمختار أنه لا بد أن تكون العلة في الأصل بمعنى الباعث. أي مشتملة على حكمة صالحة أن تكون مقصودة للشارع من شرع الحكم، وإلا فلو كانت وصفا طرديا لا حكمة فيه، بل أمارة مجردة فالتعليل بها في الأصل ممتنع لوجهين: الأول أنه لا فائدة في الأمارة سوى تعريف الحكم، والحكم في الأصل معروف بالخطاب، لا بالعلة المستنبطة منه. الثاني أن علة الأصل مستنبطة من حكم الأصل ومتفرعة عنه، فلو كانت معرفة لحكم الأصل لكان متوقفا عليها ومتفرعا عنها وهذا دور ممتنع) اهـ.
стр. 13819
وقال الأستاذ علي حسب الله في كتابه أصول التشريع الإسلامي نقلا عن صاحب شرح التلويح ما نصه (١) :
(إن جمهور العلماء على أن الوصف لا يصير علة بمجرد الاطراد، بل لا بد لذلك من معنى يعقل بأن يكون صالحا لبناء الحكم عليه) اهـ.
وفي مسودة آل تيمية جاء ما نصه (٢) :
(مسألة: قال ابن برهان: لا يجوز القياس والإلحاق إلا بعلة أو شبه يغلب على الظن عند أصحابنا وأكثر الحنفية – إلى أن قال – وكذلك ذكر المسألة أبو الخطاب صاحبنا والقاضي، وهو منصوص أحمد ولفظه في المجرد: ولا يجوز رد الفرع إلى أصل حتى تجمعها علة معينة تقتضي، فأما أن يعتبر ضرب من التنبيه فلا) اهـ.
وقال ابن القيم ﵀ في كتابه (إعلام الموقعين) في معرض انتقاده التعليل بالوزن لجريان الربا في النقدين ما نصه (٣) :
(وأيضا فالتعليل بالوزن ليس فيه مناسبة فهو طرد محض) اهـ.
ففي انتقاده التعليل بالوزن لعدم وجود مناسبة، إشارة إلى أنه ﵀ يشترط المناسبة في العلة كغيره من محققي علماء الأصول، وفي انتقاد القول بأن علة الربا في النقدين الوزن وفي غيرهما الكيل، يقول الأستاذ محمد رشيد رضا في كتابه (يسر الإسلام وأصول التشريع العام) ما نصه (٤) :
(ولم أر مثلا لجعل الكيل والوزن علة للربا بأظهر من جعل الدخول في الجوف علة لتحريم الأكل والشرب على الصائم، في كون كل من العلتين لا يدل عليهما الشرع ولا اللغة ولا العقل المدرك للحكم والمصالح) اهـ.
وهناك من العلماء من أجاز التعليل بالوصف الطردي، واعتبره بمثابة المناط. ففي المستصفى للغزالي قال ما نصه (٥) :
(لا معنى لعلة الحكم إلا أنها علامة منصوبة على الحكم، ويجوز أن ينصب الشرع السُّكْر علامةً لتحريم الخمر، ويقول اتبعوا هذه العلامة واجتنبوا كل مسكر، ويجوز أن ينصبه علامةً للتحليل أيضا، ويجوز أن يقول: من ظن أنه علامة للتحليل فقد حللت له كل مُسْكِر، ومن ظن أنه علامة للتحريم فقد حرمت عليه كل مُسْكِر) اهـ.
стр. 13820
وقال في موضع آخر من المستصفى (١) :
(وأما الفقهيات فمعنى العلة فيها العلامة) اهـ.
وقال في كتابه شفاء العليل حسبما نقله عنه الدكتور سعيد رمضان في كتابه (ضوابط المصلحة في الشريعة الإسلامية) ما نصه (٢) :
(فكل ما جعل علة للحكم فإنما جعل علة، لأن الشارع جعله علة لا لمناسبة) اهـ.
وقال ابن قدامة ﵀ في كتابه (روضة الناظر) ما نصه (٣) :
(ومعنى العلة الشرعية العلامة. ويجوز أن تكون حكما شرعيا – إلى أن قال – وتكون مناسبا وغير مناسب) اهـ.
علي أي حال فليس هذا موضوع بحثنا، وإنما ذكرنا ذلك استطرادا وتبريرا لتساؤلنا. وعلي أي حال فسواء أَكَثُر القائلون بجواز التعليل بالوصف الطردي، أم قَلُّوا فإن هذا لا يغير ما نحن بصدده من ذكر أقوال الفقهاء ﵏ في علة الربا في النقدين، ومناقشتها واختيار ما نراه أقرب إلى الصواب منها.
لقد اختلف العلماء في تعليل تحريم الربا في الذهب والفضة، نتيجة اختلاف مفاهيمهم في حكمة تحريمه فيهما. فمن تعذر عليه إقامة دليل يرضاه على حكمة التحريم، قصر العلة فيهما مطلقا. سواء أكانا تبرا أم مسكوكين أم مصنوعين. وهذا مذهب أهل الظاهر، ونفاة القياس، وابن عقيل من الحنابلة حيث إنه يرى العلة فيهما ضعيفة لا يقاس عليها. فلا ربا عند هؤلاء في الفلوس ولا في الأوراق النقدية، ولا في غيرهما مما يعد نقدا. والأمر في تحريم الربا فيهما عندهم أمر تعبدي.
стр. 13821
وغير أهل الظاهر ومن قال بقولهم فهموا للتحريم حكمة تتفق مع مراعاة الشريعة تحقيق العدل والرحمة والمصلحة بين العباد في الأحكام، ونتفق مع ما لهذه الشريعة من شمول واستقصاء، فاعتبروا النص علي جريان الربا بنوعيه في الذهب والفضة من قبيل التمثيل بهما لما ينتج التعامل به في حال التفاضل أو الإنظار من الفساد والظلم والقسوة بين العباد. فاستخرجوا مناطا تنضبط به قاعدة ما جري فيه الربا، إلا أنهم اختلفوا في تخريج المناط، فذهب بعضهم إلى أن علة الربا في النقدين الوزن. فطردوا القاعدة في جريان الربا في كل ما يوزن، كالحديد والنحاس والرصاص والصفر والذهب والفضة والصوف والقطن والكتان وغيرها. وهذا هو المشهور عن الإمام أحمد، وهو قول النخعي والزهري والثوري وإسحاق وأصحاب الرأي.
وقد اختلفوا فيما أخرجته الصناعة عن الوزن ما لم يكن ذهبا أو فضة، كاللجم والإبر والأسطال والقدور والسكاكين والألبسة من قطن أو حرير أو كتان، وكالفلوس فذهب جمهورهم إلى عدم جريان الربا فيها. وذهب بعض العلماء إلى أن علة الربا في الذهب والفضة غلبة الثمنية. وهذا الرأي هو المشهور عن الإمامين مالك والشافعي ,فالعلة عندهما في الذهب والفضة قاصرة عليهما. والقول بالغلبة احتراز عن الفلوس إذا راجت رواج النقدين.
فالثمنية عندهم طارئة على الفلوس فلا ربا فيها. وذهب فريق ثالث إلى أن العلة فيهما مطلق الثمنية. وهذا القول إحدى الروايات عن الإمام مالك وأبي حنيفة وأحمد. قال أبو بكر: روى ذلك عن أحمد جماعة. وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم وغيرهما من محققي العلماء.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في مجموع فتاواه ما نصه (١) :
(والمقصود هنا الكلام في علة الربا في الدنانير والدراهم، والأظهر أن العلة في ذلك هو الثمنية لا الوزن، كما قال جمهور العلماء – إلى أن قال – والتعليل بالثمنية تعليل بوصف مناسب، فإن المقصود من الأثمان أن تكون معيارا للأموال يتوصل بها إلى معرفة مقادير الأموال، ولا يقصد الانتفاع بعينها فمتى بيع بعضها ببعض إلى أجل قصد بها التجارة التي تناقض مقصود الثمنية. واشتراط الحلول والتقابض فيها هو تكميل لمقصودها من التوصل بها إلى تحصيل المطالب، فإن ذلك إنما يحصل بقبضها لا بثبوتها في الذمة، مع أنها ثمن من طرفين، فنهى الشارع أن يباع ثمن بثمن إلى أجل، فإذا صارت الفلوس أثمانا صار فيها المعنى فلا يباع ثمن بثمن إلى أجل) .
стр. 13822
نقاش هذه الآراء:
لقد استعرضنا بصورة سريعة ومختصرة جدا أشهر آراء العلماء في مناط الربا في النقدين: الذهب والفضة، دون مناقشة أي من هذه الآراء، ونحب الآن مناقشة هذه الآراء لتظهر لنا حقيقتها، وليترجح لنا منها ما يتفق مع حكمه حظر الربا على الأمة الإسلامية، ليكون لنا عونا ومبررا في توجيهنا ما نراه علة للربا في الذهب.
لقد أورد بعض أهل العلم على القائلين بالوزن علة لجريان الربا في النقدين، إيرادا ملخصه أن العلماء متفقون على جواز إسلام النقدين في الموزونات، وهذا بيع موزون بموزون إلى أجل، وفي جواز ذلك نقض للعلة.
قال أبو محمد عبد الله بن قدامة ﵀ في (المغني) في معرض توجيهه قول القائلين بالثمينة (١) :
(ولأنه لو كانت العلة في الأثمان الوزن لم يجز إسلامهما في الموزونات، لأن أحد وصفي علة ربا الفضل يكفي في تحريم النسأ) اهـ.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في مجموع فتاواه في معرض توجيهه القول بالثمنية (٢) :
(ومما يدل على ذلك اتفاق العلماء على جواز إسلام النقدين في الموزونات، وهذا بيع موزون بموزون إلى أجل فلو كانت العلة الوزن لم يجز هذا.
والمنازع يقول: جواز هذا استحسان وهو نقيض للعلة ويقول: إنه جوز هذا للحاجة مع أن القياس تحريمه) اهـ.
وقال ابن القيم ﵀ في كتابه (إعلام الموقعين) في معرض توجيهه القول بالثمنية وتصحيحه ما نصه (٣) : (فإنهم أجمعوا على جواز إسلامهما في الموزونات من النحاس والحديد ونحوهما. فلو كان النحاس والحديد ربويين لم يجز بيعهما إلى أجل بدراهم نقدا. فإن ما يجري فيه الربا إذا اختلف جنسه جاز التفاضل فيه دون النسأ.
والعلة إذا انتقضت من غير فرق مؤثر دل على بطلانها. وأيضا فالتعليل بالوزن ليس فيه مناسبة فهو طرد محض) اهـ.
وقد أجاب القائلون بهذا من الحنابلة عن إيراد اتفاق العلماء على جواز إسلام النقدين في الموزونات، مع أنه بيع موزون إلى أجل، باستثناء هذه الجزئية من القاعدة للحاجة الماسة إلى الإسلام بأحد النقدين، فقالوا بجريان ربا النسيئة في كل جنسين اتفقا في على ربا الفضل ليس أحدهما نقدا، أما الحنفية فوضعوا قيدا ليدفعوا به هذا الاعتراض، فقالوا بجريان ربا النسيئة في كل جنسين اتفقا في علة ربا الفضل وطريقته، وقالوا إن مسألة السلم لا تنقض قاعدتنا، حيث إن النقدين موزونان بالميزان، أما ما يسلم فيه مما يوزن فوزنه بالقبان، فاختلف الميزان فجاز (٤) .
стр. 13823
ولا يخفى ما في هذا القيد من تكلف ظاهر.
وأورد أيضا على القائلين بالوزن علة لجريان الربا في النقدين إيرادا آخر ملخصه أن حكمة تحريم الربا ليست مقصورة على ما يوزن، بل هي متعدية إلى غيره مما يعد ثمنا كالفلوس والورق النقدي، بل إن الظلم المراعى إبعاده في تحريم الربا في النقدين واقع في التعامل بالورق النقدي، وبشكل واضح في غالبه، تتضاءل معه صورة الظلم الواقع في التعامل بالذهب والفضة متفاضلا في الجنس أو نسيئة في الجنسين، نظرا لارتفاع القيمة الثمنية في بعضها كفئات الخمسمائة ريال والألف دولار.
فليس التعليل بالوزن جامعا لأجزاء ما يجري فيه الربا من أنواع الأثمان، فتعين المصير إلى مناط جامع مانع.
أما القائلون بغلبة الثمنية علة لجريان الربا في النقدين، فأورد عليهم أن العلة عندكم قاصرة على النقدين: الذهب والفضة، والعلة القاصرة لا يصح التعليل بها في اختيار أكثر أهل العلم، قال النووي ﵀ في (مجموعة شرح المهذب) في معرض سياقه الرد على الشافعية لقولهم بالعلة القاصرة (١) :
(وعندكم في العلة القاصرة وجهان لأصحاب الشافعية، أحدهما أنها فاسدة لا يجوز التعليل بها لعدم الفائدة فيها، فإن حكم الأصل قد عرفناه، وإنما مقصود العلة أن يلحق بالأصل غيره، والوجه الثاني أن القاصرة صحيحة، ولكن المتعدية أولى. قالوا: فعلتكم مردودة على الوجهين لأن حكم الذهب والفضة عرفناه بالنص. قالوا: ولأن علتكم قد توجد ولا حكم، وقد يوجد الحكم ولا علة كالفلوس بخراسان وغيرها، فإنها أثمان ولا ربا فيها عندكم، والثاني كأواني الذهب والفضة يحرم الربا فيها مع أنها ليست أثمانا) اهـ.
وأورد عليهم أيضا ما أورد على القائلين بالوزن علة من أن حكمة تحريم الربا ليست مقصورة على النقدين، بل تتعداهما إلى غيرهما من الأثمان كالفلوس والورق النقدي إلى آخر الاعتراض المتقدم قريبا.
أما القائلون بأن علة الربا في النقدين مطلق الثمنية، فقد استخرجوا مناطا جامعا مانعا متفقا مع الحكمة في جريان الربا في الذهب والفضة.
стр. 13824
وما ذكره ابن مفلح ﵀ في كتابه الفروع من قوله: بأنها علة قاصرة لا يصلح التعليل بها في اختيار الأكثر، منقوضة طردا بالفلوس، لأنها أثمان وعكسا بالحلي. فهذا الإيراد لا يتجه إلا على القائلين بغلبة الثمنية. أما القائلون بمطلق الثمنية فلم يخرجوا الفلوس الرائجة عن حكم النقدين بل اعتبروها نقدا يجري فيه الربا بنوعيه كما يجري الربا بنوعيه في الذهب والفضة.
كما أنهم لم يقولوا بجريان الربا في الحلي المصنوع من الذهب أو الفضة، لأن الصناعة قد نقلته من مادة الثمنية إلى جنس السلع والثياب.
ولهذا لا تجب فيه الزكاة على القول المشهور مع أنه من مادة الذهب والفضة.
وفي امتناع جريان الربا في الحلي المباح من الذهب والفضة يقول ابن القيم ﵀ في كتابه (إعلام الموقعين عن رب العالمين) ما نصه (١) :
(وأما ربا الفضل فأبيح منه ما تدعو إليه الحاجة كالعرايا، فإن ما حرم سدا للذريعة أخف مما حرم تحريم المقاصد، وعلى هذا فالمصوغ والحلية إن كانت صياغته محرمة، كالآنية: حرم بيعه بجنسه وغير جنسه، وبيع هذا هو الذي أنكره علي ومعاوية، فإنه يتضمن مقابلة الصياغة المحرمة بالأثمان، وهذا لا يجوز كآلات الملاهي. وأما إن كانت الصياغة مباحة كخاتم الفضة وحلية النساء، وما أبيح من حلية السلاح وغيرها فالعاقل لا يبيع هذه بوزنها من جنسها، فإنه سفه وإضاعة للصنعة، والشارع أحكم من أن يلزم الأمة بذلك، فالشريعة لا تأتي به، ولا تأتي بالمنع من بيع ذلك وشرائه، لحاجة الناس إليه. فلم يبق إلا أن يقال: لا يجوز بيعها بجنسها ألبتة، بل بيعها بجنس آخر وفي هذا من الحرج والعسر والمشقة ما تنفيه الشريعة، فإن أكثر الناس ليس عندهم ذهب يشترون به ما يحتاجون إليه من ذلك، والبائع لا يسمح ببيعه ببر وشعير وثياب، وتكليف الاستصناع لكل من احتاج إليه إما متعذر أو متعسر، والحيل باطلة في الشرع، وقد جوز الشارع بيع الرطب بالتمر، لشهوة الرطب، وأين هذا من الحاجة إلى بيع المصوغ الذي تدعو الحاجة إلى بيعه وشرائه؟ فلم يبق إلا جواز بيعه كما تباع السلع، فلو لم يجز بيعه بالدراهم فسدت مصالح الناس، والنصوص الواردة عن النبي ﷺ ليس فيها ما هو صريح في المنع، وغاياتها أن تكون عامة أو مطلقة، ولا ينكر تخصيص العام وتقييد المطلق بالقياس الجلي، وهي بمنزلة نصوص وجوب الزكاة في الذهب والفضة، والجمهور يقولون: لم تدخل في ذلك الحيلة، ولا سيما فإن لفظ النصوص في الموضعين قد ذكر تارة بلفظ الدراهم والدنانير، كقوله: (الدراهم بالدراهم والدنانير بالدنانير) . وفي الزكاة قوله: (في الرقة ربع العشر) . والرقة هي الوَرِق، وهي الدراهم المضروبة. وتارة بلفظ الذهب والفضة فإن حمل المطلق على المقيد كان نهيا عن الربا في النقدين، وإيجابا للزكاة فيهما، ولا يقتضي ذلك نفي الحكم عن جملة ما عداهما بل فيه تفصيل. فتجب الزكاة ويجري الربا في بعض صوره لا في كلها، وفي هذا توفية الأدلة حقها، وليس فيه مخالفة شيء لدليل منها.
стр. 13825
يوضحه أن الحلية المباحة صارت بالصنعة المباحة من جنس الثياب والسلع، لا من جنس الأثمان، ولهذا لم تجب فيها الزكاة، فلا يجري الربا بينها وبين الأثمان، كما لا يجري بين الأثمان وسائر السلع، وإن كانت من غير جنسها، فإن هذه الصناعة قد خرجت عن مقصود الأثمان وأعدت للتجارة، فلا محظور في بيعها بجنسها، ولا يدخلها (إما أن تقضي وإما أن تربي) . كما لا يدخل في سائر السلع إذا بيعت بالثمن المؤجل. ولا ريب أن هذا قد يقع فيها لكن لو سد على الناس ذلك لسد عليهم باب الدين، وتضرروا بذلك غاية الضرر. يوضحه أن الناس على عهد نبيهم ﷺ كانوا يتخذون الحلية، وكان النساء يلبسنها، وكن يتصدقن بها في الأعياد وغيرها. ومن المعلوم بالضرورة أنهم كانوا يعطونها للمحاويج ويعلم أنهم يبيعونها. ومعلوم قطعا أنها لا تباع بوزنها فإنه سفه. ومعلوم أن مثل الحلقة والخاتم والفتخة لا تساوي دينارا، ولم يكن عندهم فلوس يتعاملون بها، وهم كانوا أتقى لله وأفقه في دينه، وأعلم بمقاصد رسوله أن يرتكبوا الحيل أو يعلموها الناس. يوضحه أنه لا يعرف عن أحد من الصحابة أنه نهى أن يباع الحلي إلا بغير جنسه أو بوزنه، والمنقول عنهم إنما هو في الصرف، يوضحه أن تحريم ربا الفضل إنما كان سدا للذريعة كما تقدم بيانه، وما حرم سدا للذريعة أبيح للمصلحة الراجحة، كما أبيحت العرايا من ربا الفضل، وكما أبيحت ذوات الأسباب من الصلاة بعد الفجر والعصر. وكما أبيح النظر للخاطب، والشاهد والطبيب، والمعامل من جملة النظر المحرم، وكذلك تحريم الذهب والحرير على الرجال، حرم لسد ذريعة التشبه بالنساء الملعون فاعله وأبيح منه ما تدعو إليه الحاجة، وكذلك ينبغي أن يباح بيع الحلي المصوغة صياغة مباحة بأكثر من وزنها، لأن الحاجة تدعو إلى ذلك إلى آخر ما ذكره ﵀.
وقد يرد على ما ذهب إليه ابن القيم ﵀ من أن الحلية المصنوعة لا يجري فيها الربا، ما رواه مسلم والنسائي وأبو داود والترمذي عن فضالة بن عبيد قال: اشتريت قلادة يوم خيبر باثني عشر دينارا، فيها ذهب وخرز، ففصلتها فوجدت أكثر من اثني عشر دينارا، فذكرت ذلك للنبي ﷺ فقال: ((لا يباع حتى يفصل)) ، وفي لفظ لأبي داود أن النبي ﷺ أتي بقلادة ابتاعها رجل بتسعة أو سبعة دنانير، فقال النبي ﷺ : ((لا حتى تميز بينه وبينه)) فقال: إنما أردت الحجارة، فقال النبي ﷺ : ((لا حتى تميز بينهما)) ، قال: فرده حتى ميز بينهما.
ووجه الإيراد أن القلادة حلية فيها ذهب وقد اشتريت بذهب، ومع هذا فقد اعترض ﷺ على صحة هذا البيع وأمر برده حتى يفصل. وقد يكون من الجواب عليه أن ذهب القلادة كان أكثر من ثمنها، حيث ذكر فضالة أنه فصلها فوجد فيها أكثر من اثني عشر دينارا. وأكثر ما روي في ثمنها أنه اثنا عشر دينارا، وقد روي أنه اشتراها بسبعة دنانير أو تسعة، فإذا كان ما فيها من الذهب أكثر من ثمنها ذهبا، لم يكن للصياغة فيها مقابل. وآل الأمر فيها إلى بيع ذهب بذهب متفاضلا، لم يكون لزيادة بعضه على بعض مقابل.
стр. 13826
وابن القيم ﵀ يشترط أن يكون ثمن الحلية أكثر منها وزنا، ليكون الزائد على ثمنها في مقابلة الصياغة، وقد مر بنا قوله: (وكذلك ينبغي أن يباح بيع الحلية المصوغة صياغة مباحة بأكثر من وزنها) .
وقال ﵀ بعد هذا في معرض الدفاع عن هذا الرأي (١) :
(فكيف ينكرون بيع الحلية بوزنها وزيادة تساوي الصناعة) اهـ.
وأجاب بنحو هذا شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية في معرض جوابه عن جواز بيع الأكاديس الإفرنجية بالدراهم الإسلامية مع القطع بأن بينهما تفاوتا في الوزن، فقال ﵀ في مجموع فتاواه ما نصه (٢) :
(وكذلك إذا لم يعلم مقدار الربوي بل يخرص خرصا، مثل القلادة التي بيعت يوم حنين، وفيها خرز معلق بذهب، فقال النبي ﷺ : ((لا تباع حتى تفصل)) ، فإن تلك القلادة لما فصلت كان ذهب الخرز أكثر من ذلك الذهب المفرد. فنهى النبي ﷺ عن بيع هذا بهذا حتى تفصل، لأن الذهب المفرد يجوز أن يكون أنقص من الذهب المقرون، فيكون قد باع ذهبا بذهب مثله. (٣) . وزيادة خرز وهذا لا يجوز.
وإذا علم المأخذ فإذا كان المقصود بيع دراهم بدراهم مثلها، وكان المفرد أكثر من المخلوط كما في الدراهم الخالصة بالمغشوشة، بحيث تكون الزيادة في مقابلة الخلط، لم يكون في هذا من مفسدة الربا شيء إذ ليس المقصود بيع دراهم بدراهم أكثر منها، ولا هو بما يحتمل أن يكون فيه ذلك فيجوز التفاوت) . اهـ.
ومما أجيب به عن هذا الحديث أن فيه اضطرابا واختلافا، يوجب ترك الاحتجاج به، فقد ذكر الحافظ ابن حجر في كتابه تلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير ما نصه (٤) :
(وله عند الطبراني في (الكبير) طرق كثيرة جدا، في بعضها قلادة فيها خرز وذهب. وفي بعضها: ذهب وجوهر. وفي بعضها خرز وذهب. وفي بعضها: خرز معلقة بذهب. وفي بعضها: باثني عشر دينارا. وفي أخرى: تسعة دنانير، وفي أخرى، بسبعة دنانير، وأجاب البيهقي عن هذا الاختلاف بأنها كانت بيوعا شهدها فضالة) اهـ.
وذكر الحافظ ابن حجر أن هذا الاختلاف لا يوجب ضعفا، بل المقصود من الاستدلال محفوظ لا اختلاف فيه، وهو النهي عن بيع ما لم يفصل، وأما جنسها وقدر ثمنها فلا يتعلق به في هذه الحالة ما يوجب الحكم بالاضطراب. اهـ.
стр. 13827
قلت: قد رأيت لبعض المتأخرين من محدثي الهند تعقيبا على ابن حجر ﵀ في جوابه هذا، فقد ذكر المفتي عبد اللطيف الرحماني في شرحه (جامع الترمذي) الجزء الثاني ص٧٠٩ ما نصه (١) :
وأما ما أجاب الحافظ عنه بأن المقصود من الاستدلال محفوظ لا اختلاف فيه، وهو النهي عن بيع ما لم يفصل. ففيه أيضا أنه غير محفوظ بما روى البيهقي في (السنن) عن فضالة بن عبيد، قال: كنا مع رسول الله ﷺ يوم خيبر نبايع اليهود الأوقية من الذهب بالدينارين والثلاثة، فقال رسول الله ﷺ : ((لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا وزنا بوزن)) ففي هذا الحديث ليس للقلادة ذكر، وليس فيه النهي عن بيع ما لم يفصل، بل فيه النهي عن بيع الذهب بالدينار إلا مماثلا. وأما ما قال الحافظ من أنه ينبغي الترجيح بين رواتها، وإن كان الجميع ثقات، فنحكم بصحة رواية أحفظهم وأضبطهم. ففيه أنهم إذا كانوا كلهم سواء في الحفظ والضبط فكيف الترجيح؟ وأيضا لا يجوز تغليظ ثقة؛ لأن عليه الاعتماد.
فعلى هذا لا حجة في هذا الحديث لاضطرابه، وكيف وفيه حرج عظيم ومشقة على الأمة، إذا حكم بفصل الذهب والفضة عن الأشياء التي تحلى بالذهب والفضة؛ لأن بعض الأشياء بعد نزوع الذهب والفضة منها ينقص قيمتها كثيرا، بل بعضها لا يكون لها قيمة. فكيف يحكم بهذا الشارع، ويحكم بإبطال الصنع وهو حكيم؟ اهـ.
أقول: في اعتراضه ﵀ بقوله: ففيه أنهم إذا كانوا كلهم سواء في الحفظ والضبط فكيف الترجيح؟ في قوله هذا نظر ملخصه: هل تحقق أن رواة هذه الروايات المختلفة كلهم سواء في الحفظ والضبط؟ كما أن قوله: لا يجوز تغليظ ثقة لأن عليه الاعتماد. ليس على إطلاقه بل إذا روى الثقة حديثا يخالف ما روى الناس اعتبرت روايته هذه شاذة، ويتعين التوقف فيها وعدم الاحتجاج بها. قال ابن كثير ﵀ في كتابه (الباعث الحثيث في اختصار علوم الحديث) في معرض تعريفه الشاذ ما نصه (٢) :
قال الشافعي: وهو أن يروي الثقة حديثا يخالف ما روى الناس، وليس من ذلك أن يروي ما لم يرو غيره. وقد حكاه الحافظ أبو يعلى الخليلي القزويني عن جماعة من الحجازيين أيضا. قال: والذي عليه حفاظ الحديث أن الشاذ ما ليس له إلا إسناد واحد، يشذ به ثقة أو غير ثقة، فيتوقف فيما شذ به الثقة ولا يحتج به، ويرد ما شذ به غير الثقة. – إلى أن قال – فإذن الذي قاله الشافعي أولا هو الصواب: إنه إذا روى الثقة شيئا قد خالفه فيه الناس فهو الشاذ. يعني المردود. اهـ.
стр. 13828
ومن المسائل التطبيقية لهذه المسألة ما ذكره ابن حجر ﵀ في كتابه هدي الساري مقدمة فتح الباري من قوله (١) :
قال الدارقطني: أخرجا جميعا حديث مالك عن الزهري عن أنس قال: (كنا نصلي العصر، ثم يذهب الذاهب منا إلى قباء فيأتيهم والشمس مرتفعة) .
وهذا مما ينتقد به على مالك لأنه رفعه، وقال فيه إلى قباء. وخالفه عدد كثير منهم شعيب بن أبي حمزة، وصالح بن كيسان، وعمرو بن الحارث، ويونس بن يزيد، ومعمر، والليث بن سعد، وابن أبي ذئب وآخرون – انتهى.
وقد تعقبه النسائي أيضا على مالك، وموضع التعقيب منه قوله إلى قباء، والجماعة كلهم قالوا إلى العوالي. ومثل هذا الوهم اليسير لا يلزم منه القدح في صحة الحديث لا سيما وقد أخرجا الرواية المحفوظة اهـ.
فقول ابن حجر ﵀: ومثل هذا الوهم اليسير لا يلزم منه القدح في صحة الحديث: يدل على أنه يرى كغيره من حفاظ الحديث، إن الثقة إذا شذ عن الجماعة برواية خالفهم فيها وترتب على هذه الرواية وهم غير يسير، لزم من ذلك القدح في صحة الرواية، وإن كان مالكا أو من يدانيه، فضلا عمن هو دونه.
كما أنه قد يورد مورد اعتراضا على القائلين بمطلق الثمنية، بأن إجماع العلماء منعقد على جريان الربا بنوعيه، في الذهب والفضة، سواء أكانا سبائك أم كانا مسكوكين، فما سك منهما نقدا فلا إشكال في جريان الربا فيه لكونه ثمنه، وإنما الإشكال في جريان الربا بنوعيه في سبائكهما، مع أنهما في حال كونهما سبائك ليسا ثمنا. إلا أنه يمكن أن يجاب عن هذا الاعتراض بأن الثمنية في الذهب والفضة موغلة فيهما، وشاملة لسبائكهما ومسكوكهما، بدليل أن السبائك الذهبية كانت تستعمل نقدا قبل سكها نقودا. وقد كان تقدير ثمنيتها بالوزن، ومن ذلك ما رواه الخمسة وصححه الترمذي عن سويد بن قيس. قال: (جلبت أنا ومخرمة العبدي بَزًّا من هجر فأتينا به مكة فجاءنا رسول الله ﷺ يمشي، فساومنا سراويل فبعناه، وثم رجل يزن بالأجرة فقال له: ((زن وأرجح)) . ومثله حديث جابر في بيعه جمله على رسول الله ﷺ حينما قال: ((يا بلال اقضه وزده)) . فأعطاه أربعة دنانير وزاده قيراطا. وقد أشار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ إلى هذا فجاء في مجموع الفتاوى (٢) :
(إن الناس في زمن رسول الله ﷺ كانوا يتعاملون بالدراهم والدنانير تارة عددا وتارة وزنا) اهـ.
стр. 13829
ويمكن أن يجاب أيضا بما ذكره ابن القيم ﵀ في كتابه (إعلام الموقعين) في معرض توجيهه جريان الربا في الأصناف الستة الواردة في حديث عبادة وغيره، فقال (١) :
(وسر المسألة أنهم منعوا من التجارة في الأثمان بجنسها؛ لأن ذلك يفسد عليهم مقصود الأثمان، ومنعوا من التجارة في الأقوات بجنسها؛ لأن ذلك يفسد عليهم مقصود الأقوات. وهذا المعنى بعينه موجود في بيع التبر والعين؛ لأن التبر ليس فيه صنعة يقصد لأجلها، فهو بمنزلة الدراهم التي قصد الشارع ألا يفاضل بينهما، ولهذا قال: تبرها وعينها سواء) اهـ.
ولابن القيم ﵀ توجيه رائع للتعليل بالثمنية يحسن بنا ونحن نرى أن التعليل بالثمنية أصوب الأقوال وأصحها أن نذكره كختام لمبحثنا هذا.
قال ﵀ في كتابه (إعلام الموقعين) ما نصه (٢) :
(وأما الدراهم والدنانير، فقالت طائفة: العلة فيهما كونهما موزونين، وهذا مذهب أحمد في إحدى الروايتين عنه، ومذهب أبي حنيفة. وطائفة قالت: العلة فيهما الثمنية. وهذا قول الشافعي ومالك وأحمد في الرواية الأخرى. وهذا هو الصحيح بل الصواب.
فإنهم أجمعوا على جواز إسلامهما في الموزونات من النحاس والحديد وغيرهما، فلو كان النحاس والحديد ربويين لم يجز بيعهما إلى أجل بدراهم نقدا، فإن ما يجري فيه الربا إذا اختلف جنسه جاز التفاضل فيه دون النسأ. والعلة إذا انتقضت من غير فرق مؤثر دل على بطلانها. وأيضا فالتعليل بالوزن ليس فيه مناسبة فهو طرد محض بخلاف التعليل بالثمنية.
فإن الدراهم والدنانير أثمان مبيعات، والثمن هو المعيار الذي به يعرف تقويم الأموال، فيجب أن يكون محدودا مضبوطا، لا يرتفع ولا ينخفض؛ إذ لو كان الثمن يرتفع وينخفض كالسلع، لم يكن لنا ثمن نعتبر به المبيعات، بل الجميع سلع، وحاجة الناس إلى ثمن يعتبرون به المبيعات حاجة ضرورية عامة، وذلك لا يمكن إلا بسعر تعرف به القيمة, وذلك لا يكون إلا بثمن تقوم به الأشياء، ويستمر على حالة واحدة، ولا يقوم هو بغيره. إذ يصير سلعة يرتفع وينخفض، فتفسد معاملات الناس- إلى أن قال – فلو أبيح ربا الفضل في الدراهم والدنانير، مثل أن يعطي صحاحا ويأخذ مكسرة، أو خفافا ويأخذ ثقالا أكثر منها، لصارت متجرا وجر ذلك إلى ربا النسيئة فيها ولا بد. فالأثمان لا تقصد لأعيانها، بل يقصد التوصل بها إلى السلعة. فإذا صارت في نفسها سلعا تقصد لأعيانها فسد أمر الناس، وهذا معنى معقول يختص بالنقود ولا يتعدى إلى سائر الموزونات) اهـ.
ونظرا لوجود النص الثابت الصريح في جريان الربا بنوعيه في الذهب والفضة وذلك فيما روى الإمام أحمد ومسلم عن عبادة بن الصامت ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مثلا بمثل سواء بسواء يدا بيد فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد)) وحيث إنه لا اجتهاد مع نص فإن الربا بنوعيه يجري فيهما في مسكوكهما وسبائكهما وتبرهما إلا ما أخرجته الصنعة منهما؛ فقد اتجه بعض المحققين من أهل العلم ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم وغيرهما إلى جواز التفاضل في بيع الذهب بجنسه والفضة بجنسها إذا كان أحد العوضين مما أخرجته الصنعة كالحلي مع بقاء الحكم بوجوب التقابض في مجلس العقد رعاية للنص الخالي عما يصرفه عن الحكم العام في جريان ربا النسيئة فيهما. وقد تقدم النقل عن ابن القيم ﵀ في تعليل ذلك وأن للصنعة فيهما قيمة تقابل زيادة الثمن وزنا على وزن الحلية المبيعة من ذهب أو فضة.
стр. 13830
مما تقدم يتضح أن الثمنية في الذهب والفضة موغلة فيهما، وأن النص صريح في اعتبارهما مالا ربويا يجب في المبادلة بينهما التماثل والتقابض في مجلس العقد فيما اتحد جنسه والتقابض في مجلس العقد في بيع بعضهما ببعض إلا ما أخرجته الصناعة عن معنى الثمنية، فيجوز التفاضل بين الجنسين منهما دون النسأ على ما سبق من توضيح وتعليل.
وتأسيسا على ما تقدم في البحث من خصائص الذهب وكونه أكثر الأثمان إيغالا في الثمنية، وما جاء فيه من نص صريح يقضي باعتباره مالا ربويا يلزم في المبادلة بين الجنس منهما المماثلة والتقابض في مجلس العقد والمبادلة بين الجنسين التقابض في مجلس العقد وما تقدم لنا من اعتبار الثمنية علة الربا فيه تأسيسا على ما تقدم يمكننا الحكم على المسائل التي عرضها مجمع الفقه الإسلامي بجدة.
ومنها:
حكم المبادلة بين مقدار من الذهب ومقدار أقل منه مضمونا إليه جنس آخر، الحكم في ذلك فيما يظهر لي الجواز؛ لأن الزيادة في أحد العوضين مقابلة بالجنس الآخر في العوض الثاني أشبه الحكم بجواز بيع حلي الذهب بأكثر من وزنه ذهبا حيث إن الزيادة في الثمن وزنا هي قيمة الصنعة في الحلي وقد مر بنا النقل عن ابن القيم ﵀ في ذكر هذا الحكم وتعليله.
ومنها:
بيع الذهب بالقيمة إذا كان مشغولا – أي فيه صنعة وصياغة – لا يخفى أن الذهب قد يباع بذهب وقد يباع بنقد آخر من فضة أو روق نقدي أو فلوس. فإذا كان الذهب المبيع مشغولا كأن يكون حليا فإن بيع بذهب فلا بأس أن يكون الثمن أكثر وزنا من وزن الذهب الحلي، وتكون الزيادة في الوزن في مقابلة الصياغة والعمل وقد مر بنا رأي ابن القيم في ذلك وذكره تعليل القول بالجواز إلا أنه يشترط للمبادلة بينهما الحلول والتقابض في مجلس العقد. وأما إذا كان أحد العوضين ثمنا غير الذهب فلا بأس في البيع مطلقا لقوله ﷺ في حديث عبادة بن الصامت: ((فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد)) .
ومنها:
المتاجرة في الأواني أو الحلي والساعات الذهبية المصنوعة للرجال.
لا يخفى أن الحكم الشرعي في تملك الأواني الذهبية والفضية التحريم وما حرم تملكه حرم بيعه. أما الحلي فإن كان معدا للرجال فهو حرام والنصوص في ذلك أشهر من أن تذكر وما حرم تملكه حرم بيعه.