وابن القيم ﵀ يشترط أن يكون ثمن الحلية أكثر منها وزنا، ليكون الزائد على ثمنها في مقابلة الصياغة، وقد مر بنا قوله: (وكذلك ينبغي أن يباح بيع الحلية المصوغة صياغة مباحة بأكثر من وزنها) .
وقال ﵀ بعد هذا في معرض الدفاع عن هذا الرأي (١) :
(فكيف ينكرون بيع الحلية بوزنها وزيادة تساوي الصناعة) اهـ.
وأجاب بنحو هذا شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية في معرض جوابه عن جواز بيع الأكاديس الإفرنجية بالدراهم الإسلامية مع القطع بأن بينهما تفاوتا في الوزن، فقال ﵀ في مجموع فتاواه ما نصه (٢) :
(وكذلك إذا لم يعلم مقدار الربوي بل يخرص خرصا، مثل القلادة التي بيعت يوم حنين، وفيها خرز معلق بذهب، فقال النبي ﷺ : ((لا تباع حتى تفصل)) ، فإن تلك القلادة لما فصلت كان ذهب الخرز أكثر من ذلك الذهب المفرد. فنهى النبي ﷺ عن بيع هذا بهذا حتى تفصل، لأن الذهب المفرد يجوز أن يكون أنقص من الذهب المقرون، فيكون قد باع ذهبا بذهب مثله. (٣) . وزيادة خرز وهذا لا يجوز.
وإذا علم المأخذ فإذا كان المقصود بيع دراهم بدراهم مثلها، وكان المفرد أكثر من المخلوط كما في الدراهم الخالصة بالمغشوشة، بحيث تكون الزيادة في مقابلة الخلط، لم يكون في هذا من مفسدة الربا شيء إذ ليس المقصود بيع دراهم بدراهم أكثر منها، ولا هو بما يحتمل أن يكون فيه ذلك فيجوز التفاوت) . اهـ.
ومما أجيب به عن هذا الحديث أن فيه اضطرابا واختلافا، يوجب ترك الاحتجاج به، فقد ذكر الحافظ ابن حجر في كتابه تلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير ما نصه (٤) :
(وله عند الطبراني في (الكبير) طرق كثيرة جدا، في بعضها قلادة فيها خرز وذهب. وفي بعضها: ذهب وجوهر. وفي بعضها خرز وذهب. وفي بعضها: خرز معلقة بذهب. وفي بعضها: باثني عشر دينارا. وفي أخرى: تسعة دنانير، وفي أخرى، بسبعة دنانير، وأجاب البيهقي عن هذا الاختلاف بأنها كانت بيوعا شهدها فضالة) اهـ.
وذكر الحافظ ابن حجر أن هذا الاختلاف لا يوجب ضعفا، بل المقصود من الاستدلال محفوظ لا اختلاف فيه، وهو النهي عن بيع ما لم يفصل، وأما جنسها وقدر ثمنها فلا يتعلق به في هذه الحالة ما يوجب الحكم بالاضطراب. اهـ.
стр. 13827
قلت: قد رأيت لبعض المتأخرين من محدثي الهند تعقيبا على ابن حجر ﵀ في جوابه هذا، فقد ذكر المفتي عبد اللطيف الرحماني في شرحه (جامع الترمذي) الجزء الثاني ص٧٠٩ ما نصه (١) :
وأما ما أجاب الحافظ عنه بأن المقصود من الاستدلال محفوظ لا اختلاف فيه، وهو النهي عن بيع ما لم يفصل. ففيه أيضا أنه غير محفوظ بما روى البيهقي في (السنن) عن فضالة بن عبيد، قال: كنا مع رسول الله ﷺ يوم خيبر نبايع اليهود الأوقية من الذهب بالدينارين والثلاثة، فقال رسول الله ﷺ : ((لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا وزنا بوزن)) ففي هذا الحديث ليس للقلادة ذكر، وليس فيه النهي عن بيع ما لم يفصل، بل فيه النهي عن بيع الذهب بالدينار إلا مماثلا. وأما ما قال الحافظ من أنه ينبغي الترجيح بين رواتها، وإن كان الجميع ثقات، فنحكم بصحة رواية أحفظهم وأضبطهم. ففيه أنهم إذا كانوا كلهم سواء في الحفظ والضبط فكيف الترجيح؟ وأيضا لا يجوز تغليظ ثقة؛ لأن عليه الاعتماد.
فعلى هذا لا حجة في هذا الحديث لاضطرابه، وكيف وفيه حرج عظيم ومشقة على الأمة، إذا حكم بفصل الذهب والفضة عن الأشياء التي تحلى بالذهب والفضة؛ لأن بعض الأشياء بعد نزوع الذهب والفضة منها ينقص قيمتها كثيرا، بل بعضها لا يكون لها قيمة. فكيف يحكم بهذا الشارع، ويحكم بإبطال الصنع وهو حكيم؟ اهـ.
أقول: في اعتراضه ﵀ بقوله: ففيه أنهم إذا كانوا كلهم سواء في الحفظ والضبط فكيف الترجيح؟ في قوله هذا نظر ملخصه: هل تحقق أن رواة هذه الروايات المختلفة كلهم سواء في الحفظ والضبط؟ كما أن قوله: لا يجوز تغليظ ثقة لأن عليه الاعتماد. ليس على إطلاقه بل إذا روى الثقة حديثا يخالف ما روى الناس اعتبرت روايته هذه شاذة، ويتعين التوقف فيها وعدم الاحتجاج بها. قال ابن كثير ﵀ في كتابه (الباعث الحثيث في اختصار علوم الحديث) في معرض تعريفه الشاذ ما نصه (٢) :
قال الشافعي: وهو أن يروي الثقة حديثا يخالف ما روى الناس، وليس من ذلك أن يروي ما لم يرو غيره. وقد حكاه الحافظ أبو يعلى الخليلي القزويني عن جماعة من الحجازيين أيضا. قال: والذي عليه حفاظ الحديث أن الشاذ ما ليس له إلا إسناد واحد، يشذ به ثقة أو غير ثقة، فيتوقف فيما شذ به الثقة ولا يحتج به، ويرد ما شذ به غير الثقة. – إلى أن قال – فإذن الذي قاله الشافعي أولا هو الصواب: إنه إذا روى الثقة شيئا قد خالفه فيه الناس فهو الشاذ. يعني المردود. اهـ.
стр. 13828
ومن المسائل التطبيقية لهذه المسألة ما ذكره ابن حجر ﵀ في كتابه هدي الساري مقدمة فتح الباري من قوله (١) :
قال الدارقطني: أخرجا جميعا حديث مالك عن الزهري عن أنس قال: (كنا نصلي العصر، ثم يذهب الذاهب منا إلى قباء فيأتيهم والشمس مرتفعة) .
وهذا مما ينتقد به على مالك لأنه رفعه، وقال فيه إلى قباء. وخالفه عدد كثير منهم شعيب بن أبي حمزة، وصالح بن كيسان، وعمرو بن الحارث، ويونس بن يزيد، ومعمر، والليث بن سعد، وابن أبي ذئب وآخرون – انتهى.
وقد تعقبه النسائي أيضا على مالك، وموضع التعقيب منه قوله إلى قباء، والجماعة كلهم قالوا إلى العوالي. ومثل هذا الوهم اليسير لا يلزم منه القدح في صحة الحديث لا سيما وقد أخرجا الرواية المحفوظة اهـ.
فقول ابن حجر ﵀: ومثل هذا الوهم اليسير لا يلزم منه القدح في صحة الحديث: يدل على أنه يرى كغيره من حفاظ الحديث، إن الثقة إذا شذ عن الجماعة برواية خالفهم فيها وترتب على هذه الرواية وهم غير يسير، لزم من ذلك القدح في صحة الرواية، وإن كان مالكا أو من يدانيه، فضلا عمن هو دونه.
كما أنه قد يورد مورد اعتراضا على القائلين بمطلق الثمنية، بأن إجماع العلماء منعقد على جريان الربا بنوعيه، في الذهب والفضة، سواء أكانا سبائك أم كانا مسكوكين، فما سك منهما نقدا فلا إشكال في جريان الربا فيه لكونه ثمنه، وإنما الإشكال في جريان الربا بنوعيه في سبائكهما، مع أنهما في حال كونهما سبائك ليسا ثمنا. إلا أنه يمكن أن يجاب عن هذا الاعتراض بأن الثمنية في الذهب والفضة موغلة فيهما، وشاملة لسبائكهما ومسكوكهما، بدليل أن السبائك الذهبية كانت تستعمل نقدا قبل سكها نقودا. وقد كان تقدير ثمنيتها بالوزن، ومن ذلك ما رواه الخمسة وصححه الترمذي عن سويد بن قيس. قال: (جلبت أنا ومخرمة العبدي بَزًّا من هجر فأتينا به مكة فجاءنا رسول الله ﷺ يمشي، فساومنا سراويل فبعناه، وثم رجل يزن بالأجرة فقال له: ((زن وأرجح)) . ومثله حديث جابر في بيعه جمله على رسول الله ﷺ حينما قال: ((يا بلال اقضه وزده)) . فأعطاه أربعة دنانير وزاده قيراطا. وقد أشار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ إلى هذا فجاء في مجموع الفتاوى (٢) :
(إن الناس في زمن رسول الله ﷺ كانوا يتعاملون بالدراهم والدنانير تارة عددا وتارة وزنا) اهـ.
стр. 13829
ويمكن أن يجاب أيضا بما ذكره ابن القيم ﵀ في كتابه (إعلام الموقعين) في معرض توجيهه جريان الربا في الأصناف الستة الواردة في حديث عبادة وغيره، فقال (١) :
(وسر المسألة أنهم منعوا من التجارة في الأثمان بجنسها؛ لأن ذلك يفسد عليهم مقصود الأثمان، ومنعوا من التجارة في الأقوات بجنسها؛ لأن ذلك يفسد عليهم مقصود الأقوات. وهذا المعنى بعينه موجود في بيع التبر والعين؛ لأن التبر ليس فيه صنعة يقصد لأجلها، فهو بمنزلة الدراهم التي قصد الشارع ألا يفاضل بينهما، ولهذا قال: تبرها وعينها سواء) اهـ.
ولابن القيم ﵀ توجيه رائع للتعليل بالثمنية يحسن بنا ونحن نرى أن التعليل بالثمنية أصوب الأقوال وأصحها أن نذكره كختام لمبحثنا هذا.
قال ﵀ في كتابه (إعلام الموقعين) ما نصه (٢) :
(وأما الدراهم والدنانير، فقالت طائفة: العلة فيهما كونهما موزونين، وهذا مذهب أحمد في إحدى الروايتين عنه، ومذهب أبي حنيفة. وطائفة قالت: العلة فيهما الثمنية. وهذا قول الشافعي ومالك وأحمد في الرواية الأخرى. وهذا هو الصحيح بل الصواب.
فإنهم أجمعوا على جواز إسلامهما في الموزونات من النحاس والحديد وغيرهما، فلو كان النحاس والحديد ربويين لم يجز بيعهما إلى أجل بدراهم نقدا، فإن ما يجري فيه الربا إذا اختلف جنسه جاز التفاضل فيه دون النسأ. والعلة إذا انتقضت من غير فرق مؤثر دل على بطلانها. وأيضا فالتعليل بالوزن ليس فيه مناسبة فهو طرد محض بخلاف التعليل بالثمنية.
فإن الدراهم والدنانير أثمان مبيعات، والثمن هو المعيار الذي به يعرف تقويم الأموال، فيجب أن يكون محدودا مضبوطا، لا يرتفع ولا ينخفض؛ إذ لو كان الثمن يرتفع وينخفض كالسلع، لم يكن لنا ثمن نعتبر به المبيعات، بل الجميع سلع، وحاجة الناس إلى ثمن يعتبرون به المبيعات حاجة ضرورية عامة، وذلك لا يمكن إلا بسعر تعرف به القيمة, وذلك لا يكون إلا بثمن تقوم به الأشياء، ويستمر على حالة واحدة، ولا يقوم هو بغيره. إذ يصير سلعة يرتفع وينخفض، فتفسد معاملات الناس- إلى أن قال – فلو أبيح ربا الفضل في الدراهم والدنانير، مثل أن يعطي صحاحا ويأخذ مكسرة، أو خفافا ويأخذ ثقالا أكثر منها، لصارت متجرا وجر ذلك إلى ربا النسيئة فيها ولا بد. فالأثمان لا تقصد لأعيانها، بل يقصد التوصل بها إلى السلعة. فإذا صارت في نفسها سلعا تقصد لأعيانها فسد أمر الناس، وهذا معنى معقول يختص بالنقود ولا يتعدى إلى سائر الموزونات) اهـ.
ونظرا لوجود النص الثابت الصريح في جريان الربا بنوعيه في الذهب والفضة وذلك فيما روى الإمام أحمد ومسلم عن عبادة بن الصامت ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مثلا بمثل سواء بسواء يدا بيد فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد)) وحيث إنه لا اجتهاد مع نص فإن الربا بنوعيه يجري فيهما في مسكوكهما وسبائكهما وتبرهما إلا ما أخرجته الصنعة منهما؛ فقد اتجه بعض المحققين من أهل العلم ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم وغيرهما إلى جواز التفاضل في بيع الذهب بجنسه والفضة بجنسها إذا كان أحد العوضين مما أخرجته الصنعة كالحلي مع بقاء الحكم بوجوب التقابض في مجلس العقد رعاية للنص الخالي عما يصرفه عن الحكم العام في جريان ربا النسيئة فيهما. وقد تقدم النقل عن ابن القيم ﵀ في تعليل ذلك وأن للصنعة فيهما قيمة تقابل زيادة الثمن وزنا على وزن الحلية المبيعة من ذهب أو فضة.
стр. 13830
مما تقدم يتضح أن الثمنية في الذهب والفضة موغلة فيهما، وأن النص صريح في اعتبارهما مالا ربويا يجب في المبادلة بينهما التماثل والتقابض في مجلس العقد فيما اتحد جنسه والتقابض في مجلس العقد في بيع بعضهما ببعض إلا ما أخرجته الصناعة عن معنى الثمنية، فيجوز التفاضل بين الجنسين منهما دون النسأ على ما سبق من توضيح وتعليل.
وتأسيسا على ما تقدم في البحث من خصائص الذهب وكونه أكثر الأثمان إيغالا في الثمنية، وما جاء فيه من نص صريح يقضي باعتباره مالا ربويا يلزم في المبادلة بين الجنس منهما المماثلة والتقابض في مجلس العقد والمبادلة بين الجنسين التقابض في مجلس العقد وما تقدم لنا من اعتبار الثمنية علة الربا فيه تأسيسا على ما تقدم يمكننا الحكم على المسائل التي عرضها مجمع الفقه الإسلامي بجدة.
ومنها:
حكم المبادلة بين مقدار من الذهب ومقدار أقل منه مضمونا إليه جنس آخر، الحكم في ذلك فيما يظهر لي الجواز؛ لأن الزيادة في أحد العوضين مقابلة بالجنس الآخر في العوض الثاني أشبه الحكم بجواز بيع حلي الذهب بأكثر من وزنه ذهبا حيث إن الزيادة في الثمن وزنا هي قيمة الصنعة في الحلي وقد مر بنا النقل عن ابن القيم ﵀ في ذكر هذا الحكم وتعليله.
ومنها:
بيع الذهب بالقيمة إذا كان مشغولا – أي فيه صنعة وصياغة – لا يخفى أن الذهب قد يباع بذهب وقد يباع بنقد آخر من فضة أو روق نقدي أو فلوس. فإذا كان الذهب المبيع مشغولا كأن يكون حليا فإن بيع بذهب فلا بأس أن يكون الثمن أكثر وزنا من وزن الذهب الحلي، وتكون الزيادة في الوزن في مقابلة الصياغة والعمل وقد مر بنا رأي ابن القيم في ذلك وذكره تعليل القول بالجواز إلا أنه يشترط للمبادلة بينهما الحلول والتقابض في مجلس العقد. وأما إذا كان أحد العوضين ثمنا غير الذهب فلا بأس في البيع مطلقا لقوله ﷺ في حديث عبادة بن الصامت: ((فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد)) .
ومنها:
المتاجرة في الأواني أو الحلي والساعات الذهبية المصنوعة للرجال.
لا يخفى أن الحكم الشرعي في تملك الأواني الذهبية والفضية التحريم وما حرم تملكه حرم بيعه. أما الحلي فإن كان معدا للرجال فهو حرام والنصوص في ذلك أشهر من أن تذكر وما حرم تملكه حرم بيعه.
стр. 13831
وأما المتاجرة في الحلي المعد للنساء فلا بأس فيه إلا أنه ينبغي مراعاة الحكم الشرعي في بيوعه من حيث الحلول والتقابض، وقد يتفرع من هذه المسألة مسألة هي: هل يجوز لتاجر الحلي حينما يعرض عليه أحد الناس حليا قديما ويبدي له رغبته في شرائه حليا جديدا هل يجوز لهذا التاجر أن يشترط عليه في شرائه الحلي القديم أن يشتري منه حليا جديدا؟ هذه المسألة بحثت في هيئة كبار العلماء في المملكة وصدر القول بمنعها باعتبارها بيعتين في بيعة إلا أن هذا القول لم يكن محل إجماع. ونظر إلى أن هذا النوع من البيع لم يشتمل على غرر ولا على جهالة ولا مخالفة في الصرف ولم يكن في معنى بيعتين في بيعة؛ فلم يظهر لي وجه للقول بمنعه، وقد قال بجواز مثل هذا الشيخ عبد الرحمن بن سعدي ﵀ حيث قال: الصحيح جواز قوله: بعتك داري بكذا على أن تبيعني عبدك أو نحوه بكذا، ولا يدخل تحت نهيه عن بيعتين في بيعة لأن المراد أن يعقد على شيء واحد في وقت واحد عقدين، وذلك كمسائل العينة وما أشبهها. اهـ (١) .
وقال ﵀ في معرض إجابته عن الذي يدخل في النهي عن بيعتين في بيعة:
(ويدخل في ذلك مسائل العينة وضدها ... – إلى أن قال – وأما تفسيره بأن تقول: بعتك هذا البعير مثلا بمائة على أن تبيعني هذه الشاة بعشرة فالمذهب إدخالها في هذا الحديث والقول الآخر في المذهب عدم ادخالها وأن لا يتناولها النهي لا بلفظه ولا بمعناه ولا محظور في ذلك وهو الذي نراه ونعتقده. اهـ (٢) .
وأما الساعات الذهبية فإن كانت للنساء فلا بأس بتملكها واستعمالها والمتاجرة فيها بالبيع والشراء، وأما إن كانت للرجال فحكمها حكم حلي الرجال من حيث تحريم التملك والمتاجرة فيها بيعا أو شراء أو اقتناء. والله أعلم.
стр. 13832
وأما ما كان مموها بالذهب أو الفضة أو مشغولا بهما أو بأحدهما بحيث تكون كمية الذهب أو الفضة فيها قليلة جدا بالنسبة إلى ما شغلت به فهذه المسألة محل اجتهاد ونظر وفيها اختلف العلماء بين الإباحة والحظر. فمن نظر إلى الحكمة من التحريم وهي كسر قلوب الفقراء ورأى أن في التمويه بهما وشغل الأداة بشيء منهما بما يعطي الأداة لون أحدهما من نظر إلى هذا قال بالتحريم بصرف النظر عن كامل محتوى الأداة بأحدهما أو بجزء منها لما في ظاهرها من بهجة وزينة وإغراء ينكسر برؤيته قلب الفقير العاجز عن تملكها. ومن نظر إلى أن غالب محتوى الأداة من غيرهما وأن ما فيها من أحدهما لو استخرج لما كان شيئا.. ونظر إلى القاعدة الشرعية: يجوز تبعا ما لا يجوز استقلالا.. قال بجواز ذلك؛ ولكل من الرأيين وجاهته واعتباره ويكون للاختيار منهما التوجه بتوجيه رسول الله ﷺ حيث يقول: ((الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس؛ فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام)) . والله أعلم. ومنها: شراء الفرد الذهب بالشيك أو ببطاقة الائتمان أيعد ذلك قبضا للثمن؟ اصطلح الفقهاء على تسمية بيع الذهب بالذهب أو الفضة بالفضة مراطلة، وعلى تسمية بيع الذهب بالفضة أو بأي ثمن آخر أو العكس صرفا، واشترطوا في المراطلة المماثلة في الوزن والحلول والتقابض في مجلس العقد، واشترطوا في الصرف المتمثل في بيع أحد المعدنين الذهب والفضة بأحدهما أو بأي ثمن آخر من ورق أو فلوس التقابض في مجلس العقد؛ وأصل ذلك حديث عبادة بن الصامت المتقدم ذكره ٠ الذهب بالذهب والفضة بالفضة إلى آخره – واتفق العلماء على أن القبض أمر مرده إلى العرف والعادة فأي طريقة يتم فيها الاستيلاء الكامل على العين محل العقد تعتبر قبضا. وقد بحث العلماء وضع الشيك وهل يعتبر قبضه قبضا لمشموله مبرئا؟ فأصدر مجمع الفقه الإسلامي برابطة العالم الإسلامي قرارا باعبتار قبض الشيك المعتبر قبضا لمحتواه. وقد وجد الخلاف بين فقهاء العصر في تفسير معنى الشيك المعتبر فذهب بعضهم إلى أن الاعتبار في الشيك أن يكون مصدقا من البنك المسحوب عليه؛ لأن تصديقه يعني حمايته من الساحب أن يعود فيه كما يعني وجود رصيد كامل للساحب لتغطية سداد الشيك، وهذا المعنى يعطي القناعة الكاملة بالقدرة على التصرف في مشمول الشيك في أي وقت يريده المستفيد منه، وهذا معنى القبض.
وذهب آخرون إلى أن المراد بالشيك المعتبر هو أن يكون له رصيد في البنك المسحوب عليه لتغطيته. ولكن هذا المعنى لا يعطي القناعة بالقدرة على تصرف المستفيد منه بمشموله. فلئن كان للساحب رصيد لتغطيته فقد يرجع الساحب في الشيك قبل قبضه، وهذا الاحتمال الوارد ينفي عن هذا الشيك الثقة في القدرة على التصرف فيه، وبالتالي فينتفي عن هذا الشيك معنى القبض، وهو القدرة على قبض محتواه أو الأمر بقيده في حسابه.
стр. 13833
والذي يظهر لي – والله أعلم – أن الشيك المعتبر والذي هو في معنى القبض هو الشيك المصدق. وتأسيسا على هذا فإذا اشترى الفرد ذهبا أو فضة بثمن آخر وبموجب شيك بذلك الثمن فإن كان مصدقا فقبضه قبض لمحتواه والمصارفة بذلك صحيحة. وإن كان غير مصدق فقبضه ليس قبضا لمشموله وبالتالي فقبضه ليس في حكم القبض المبرئ للذمة والمصارفة بموجبه غير صحيحة لأن التقابض في مجلس العقد غير محقق.
فمثل هذا الشيك آفاته كثيرة: منهما احتمال سحبه على غير رصيد، أو على رصيد لا يكفي لتغطيته، أو لاحتمال رجوع ساحبه في سحبه قبل تقديمه للبنك المسحوب عليه؛ فهذه العيوب تجعله غير أهل للاعتبار في القول بأن قبضه قبض لمحتواه. والله أعلم.
وأما شراء الذهب ببطاقة الائتمان فنظرا إلى أن بطاقة الائتمان تعتبر مبرئة للذمة براءة كاملة بين المتصارفين وحق بائع الذهب بموجب بطاقة الائتمان ثابت كثبوت حقه في الشيك المصدق من حيث إن صاحب البطاقة حينما يوقع بموجبها على فاتورة الدفع لا يستطيع الرجوع في توقيعه، ولا يستطيع مصدر البطاقة أن يتأخر عن سداد القيمة عند الطلب مهما كانت حال صاحب البطاقة.
ونظرا لهذا فإن القول بصحة المصارفة ببطاقة الائتمان قول وجيه يؤيده أن معنى القبض متوفر فيها حيث يتفرق المتصارفان بموجبها وليس بينهما شيء. ومع هذا فالمسألة في حاجة إلى مزيد من النظر والتأمل في ضوء التصور لحقيقة البطاقة الائتمانية. والله المستعان.
ومنها:
التعامل بشهادات الذهب أو حسابات الذهب، وهي شهادات تصدرها مؤسسات متخصصة تخول صاحبها قبض كمية من الذهب ولا يلزم أن تكون تلك الكمية معينة منفصلة عن غيرها. وقد لا تكون موجودة فعلا لدى المؤسسة في كل الأوقات.
هذا التعامل يعني أن أحد الرجال مثلا يشتري كمية من الذهب يجري تسلمه شهادة بها يتسلم بموجبها هذه الكمية من الذهب من مخازن إحدى هذه المؤسسات أو من مخازن متخصصة لهذه المؤسسة حق التحويل عليها بذلك وقد لا يكون الذهب موجودا في هذه المخازن وقت المصارفة.
الذي يظهر لي، والله أعلم، أن هذا النوع من المصارفة لا يتحقق فيه معنى التقابض في مجلس العقد لأمرين: أحدهما أن المؤسسة المتخصصة في إصدار شهادات الذهب ليس لشهاداتها اعتبار موجب للثقة كالثقة في الشيك المصدق. حيث إن مشتري الذهب لا يستطيع التصرف فيما اشتراه في مجلس العقد للاحتمال القوي في بعد هذه المخازن عن قدرته على حيازة ما اشتراه. الثاني أن وجود الذهب في المخازن المختصة مشكوك فيه فقد يكون موجودا وقد لا يوجد إلا بعد وقت لا يعلم تحديده، فيطلب من المشتري الانتظار، والرسول ﷺ يعتبر من عناصر المصارفة وصحتها التفرق بين المتصارفين وليس بينهما شيء؛ وهذا العنصر مفقود في هذه المصارفة فضلا عن أن التقابض في مجلس العقد مفقود حسا ومعنى.
وتأسيسا على هذا فلا يظهر لي جواز هذا النوع من المصارفة لفقده شرطها. والله أعلم.
стр. 13834
ومنها:
حكم شراء أسهم شركة تعمل في استخراج الذهب وتعد أكثر أصولها منه، هل يمثل السهم حصة شائعة في الذهب؟ هل لذلك تأثير على حكم التعامل بأسهمها؟
لا يظهر لي مانع من شراء أسهم في شركة تعمل في استخراج الذهب ولو كانت غالب أصولها من ذلك الذهب؛ وذلك لأن الشركة شخص اعتباري له ذمة محدودة ذات وعاء قابل للحقوق والواجبات والتملك والتبرع وغير ذلك من التصرفات المالية، فأسهم هذه الشركة حصص شائعة في عموم مقوماتها وعناصر وجودها ومن هذه العناصر والمقومات قيمتها المعنوية المتمثلة في اعتبارها ومكانتها في سوق الشركات وأسواق الإنتاج، وقد تكون قيمة الجانب الاعتباري للشركة أكثر حجما من قيمة ما لديها من أصول متحركة. كما أن للشركة أصولا ثابتة للإدارة والتشغيل غير الذهب فسهم الشركة ليس محصورا في كمية الذهب الذي تقوم الشركة باستخراجه حتى يقال بمراعاة شروط الصرف، وإنما تمثل أسهمها كامل عناصر وجودها والسهم فيها حصة مشاعة في عموم مقومات الشركة واعتبارها. فمن يشتري سهما أو أكثر من أسهم هذه الشركة لا يعتبر نفسه قاصدا شراء كمية من الذهب المستخرج.
فالذهب المستخرج مادة متحركة يخرج اليوم ويباع غدا ويخرج غيره بعد ذلك ويستمر نشاط الشركة في هذا السبيل على هذا الاتجاه. ولكنه يقصد الدخول في المساهمة في هذا النشاط وفي هذه الحركة الانتاجية والصناعية والاشتراك في تملك الاختصاص في ذلك، ومن القواعد الشرعية أنه يجوز تبعا ما لا يجوز استقلالا. ألا نرى أن تملك الشركات المساهمة سيولة من النقود ووجود ديون لها وانتفاء الوضوح الكامل لموجودات الشركة مما يعطي نوع جهالة. كل ذلك يغتفر ولا يؤثر في صحة تداول أسهم الشركات بيعا وشراء وتملكا وتمليكا حيث يجوز تبعا ما لا يجوز استقلالا.
стр. 13835
الحلول الشرعية لاجتماع الصرف والحوالة:
من النشاطات المصرفية المعتادة والمتكررة لدى المؤسسات المالية الحوالات.
والحوالات قد تكون بعملة البلد المحال فيه كأن يطلب أحد الناس من أحد المصارف تحويل مبلغ من المال بعملة معينة كالريال السعودي والدولار الأمريكي فيدفع للمصرف هذا المال ويطلب منه تحويله إلى بلد معين فيقوم المصرف بذلك ويعطيه إشعارا بالتحويل إلى ذلك البلد على أحد المصارف أو على فرع من فروعه، هذا النوع من التحويل المصرفي حوالة محضة ليس لها تعلق بمسائل الصرف وإنما هي من مسائل السفتجة. وقد عرفها بعضهم بقوله:
السفتجة: هي أن يعطي مالا لآخر مع اشتراط القضاء في بلد آخر وذلك لضمان الطريق على سبيل القرض لا على سبيل الأمانة.
وقد اختلف العلماء في حكمها فجمهورهم قالوا بجوازها مستدلين على ذلك بما روي عن عطاء أن عبد الله بن الزبير ﵁ كان يأخذ من قوم بمكة دراهم ثم يكتب بها إلى أخيه مصعب بن الزبير في العراق ويأخذونها منه، فسئل ابن عباس عن ذلك فلم ير به بأسا، فقيل له: إن أخذوا أفضل من دراهمهم؟ قال: لا بأس إذا أخذوا بوزن دراهمهم.
وروي أيضا مثل هذا عن علي بن أبي طالب ﵁؛ فهؤلاء ثلاثة من أصحاب رسول الله أجازوا ذلك.
ورد المجيزون على المانعين قولهم بأن هذا من قبيل القرض الذي يجر نفعا، وكل قرض جر نفعا فهو ربا، فإن دافع النقود يستفيد من ذلك أمنه من خطر الطريق. رد المجيزون على ذلك بقولهم:
المنفعة التي تجر إلى الربا في القرض هي التي تخص المقرض كسكنى دار المقترض وركوب دوابه واستعماله وقبول هديته ولا مصلحة له في ذلك، بخلاف هذه المسألة فإن المنفعة مشتركة بينهما وهما متعاونان فهي من جنس المعاونة والمشاركة (١) .
وهذا المعنى ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في مجموع الفتاوى حيث قال:
(والصحيح الجواز؛ لأن المقرض رأى النفع بأمن خطر الطريق في نقل دراهمه إلى ذلك البلد، وقد انتفع المقترض أيضا بالوفاء في ذلك وأمن خطر الطريق فكلاهما منتفع بهذا الاقتراض، والشارع لا ينهى عما ينفعهم ويصلحهم وإنما ينهى عما يضرهم) (٢) اهـ.
стр. 13836
وفي مجموع رسائل وفتاوى شيخنا الجليل محمد بن إبراهيم ﵀ ما نصه:
(فقد جرى الاطلاع على الاستفتاء الموجه إلينا منك المتضمن أنك تقرض من تتولى بيع ماشيته لاستعجاله وتستوفي ما أقرضت مما تقبضه من قيمة ماشيته المباعة بواسطتك حتى تستكمل قرضك وتذكر أنك تتخذ هذه الطريقة لترغيب الجالبين وإيثارهم إياك دون غيرك. والجواب: الحمد لله لا شك أن أصل مشروعية القرض واستحبابه التقرب إلى الله في تفريج كرب المحتاجين وهذا القرض ليس مقصدا من مقاصدك في الإقراض وإنما غرضك جر منفعة لذاتك، وحيث إن هذه المنفعة لا تنقص المقترض شيئا من ماله فغاية ما في الأمر الكراهة) (١) اهـ.
وقال آخرون بمنعها بحجة أن السفتجة قرض يستفيد منها المقترض أمن الطريق وكل قرض جر نفعا فهو ربا. وقد تقدم رد هذا الاحتجاج بما يكفي عن إعادته.
وذكروا حديثا عن رسول الله ﷺ : ((السفتجات حرام)) وهو حديث ضعيف ذكره ابن الجوزي في الموضوعات فلا يصح الاحتجاج به والقول بجواز ذلك هو ما تطمئن إليه النفس لما في ذلك من المصلحة العامة والتيسير على المسلمين في معاملاتهم وانتفاء الدليل المقنع على المنع ولأن الأصل في المعاملات الإباحة.
وقد تكون الحوالة بنقد مغاير للنقد المراد تسلمه في البلد الآخر فهذا النوع من التحويل يجتمع فيه الصرف والحوالة، ولا يخفى أن للصرف في حالة اختلاف العوضين جنسا شرطا هو التقابض في مجلس العقد، وقد تقرر لدى المجامع الفقهية، والهيئات العلمية أن كل عملة ورقية جنس يجوز المصارفة بينها وبين غيرها من عملات الدول الأخرى مطلقا إذا كان يدا بيد، لقوله ﷺ : ((فإذا اختلفت الأجناس فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد)) .
стр. 13837
وعليه فيجب قبل التحويل إجراء عملية الصرف بحيث يتسلم المحيل العملة التي يريد تحويلها بعد انتهاء عملية الصرف سواء أكان تسلما حسيا أم تسلما في معنى الحس كأن يعطيه شيكا مصدقا يملك بقبضه القدرة على التصرف فيه بتسلم محتواه أو بقيده في حسابه أو تحويله فإذا تسلم الشيك المصدق أمكنه بعد ذلك تحويله، وصار الأمر إلى الإجراءات المتخذة في الحال الأولى وهي تحويل نقد معين إلى بلد آخر، ولفضيلة الدكتور الشيخ عمر المترك ﵀ بحث في الموضوع يحسن إكمال بحث مسألتنا بنقل قوله في ذلك، قال ﵀:
(فإن كان المدفوع للمصرف نقودا ويراد تحويلها إلى نقود من غير جنسها تسلم في مكان آخر. كأن يتقدم شخص إلى مصرف ويسلم نقودا من الريالات السعودية طالبا تسليمها له جنيهات مصرية في مصر أو ليرات في سورية أو نحو ذلك، فإننا إذا نظرنا إلى هذه العملية نجد أنها مركبة من صرف وتحويل، ومن شروط الصحة للصرف التقابض في مجلس العقد ولا تقابض في هذا الصرف لأن الواقع العملي والعادة المتبعة في المصارف أنهم لا يسلمونه المبلغ وإنما يسلم طالب التحويل للمصرف النقود المطلوب تحويلها فيقوم المصرف بتسليمه إيصالا مع شيك يتضمن حوالة على مصرف آخر بمبلغ يعادل هذا من النقود المطلوب التحويل إليها دولارات أو جنيهات مصرية فتكون هذه العملية صرفا من غير تقابض وهو غير جائز، إلا أنه يمكن أن يقال إن العرف يعتبر تسليم الشيك بمثابة تسليم النقود في المعنى لأنه في نظر الناس وعرفهم وثقتهم بمثابة النقود الورقية وأنه يجري تداولها بينهم كالنقود لأنه محمي من حيث إن سحب الشيك على جهة بدون أن يكون له رصيد يفي بقيمة الشيك يعتبر جريمة شديدة يعاقب عليه قانونا حتى يطمئن جمهور المتعاملين إلى الثقة الواجب توفرها في الشيك كأداة وفاء؛ لذا فإنه يمكن القول بأن قبض الشيك كقبض مضمونه فيتحقق التقابض بناء على هذا التوجيه.
ولكن خروجا من شبهة الربا والريبة أرى أن يشتري المحيل النقود التي يريد تحويلها من المصرف أو غيره وبعد قبضها يحيلها، فإن لم يمكن شراء العملة الأجنبية لكونها ممنوعا تصديرها خارج دولتها فللمخرج أن يشتري عملة من العملات الأجنبية وبعد قبضها ودفع قيمتها يحيلها ثم بعد ذلك يصارف البنك المحالة عليه بالعملة التي يريدها) (١) اهـ.
هذا ما تيسر إعداده وبالله التوفيق وصلى الله على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين والحمد لله رب العالمين.
стр. 13838
ملخص البحث
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على الرسول الأمين سيدنا ونبينا محمد رسول رب العالمين الهادي إلى الصراط المستقيم صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا.
وبعد، فالذهب معدن نفيس استهوى الإنسان منذ القدم بحبه وإيثاره والافتخار بتملكه والتزين به حتى أغراه بعبادته قال تعالى: ﴿قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ (٨٧) فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ﴾ [طه: ٨٧- ٨٨] ,
فالذهب معدن نفيس يتميز عن المعادن الأخرى بميزات طبيعية تكمن في قدرته على مقاومة عوامل التعرية وسلامته من التعرض للصدأ فبمشورة من رسول الله ﷺ اتخذ عرفجة بن هرثمة أنفا من ذهب حينما قطع أنفه في إحدى المعارك وبالرغم من حرمة التحلي به على الرجال فقد أذن في اتخاذ الأسنان منه للرجال للحاجة.
ولوقور محبته في النفس البشرية وإيثاره في حب التملك ذكره الله تعالى في عداد أمور زين للناس حب تملكها قال تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ﴾ [آل عمران: ١٤] ، وقد جعله الله في الجنة من وسائل الإنعام والتنعيم قال تعالى: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا﴾ [الحج:] .
ولما وقر في النفس البشرية من إيثار لهذا النوع من المعادن دون غيره عدا الفضة وكونهما بعد التملك مظنة البخل بهما وإمساكهما فقد حذر تعالى من كنزهما دون إنفاقهما في سبيل الله فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [التوبة:٣٤] .
ولما في الذهب من تأثير على النفس البشرية من حيث الافتخار والاعتزاز ذلك من مقومات الوجاهة والقيادة والاعتبار قال تعالى حكاية عن قوم فرعون في معرض إنكارهم رسالة موسى ﵇ وأن دعواه الرسالة تفتقر إلى ما يسندها من مقومات الاعتبار ﴿فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ﴾ [الزخرف: ٥٣] .
стр. 13839
وقال تعالى في معرض الفداء مشيرا إلى أغلى ما يملكه الإنسان وهو الذهب وأنه لو ملك منه ملء الأرض لرضي ببذله فداء له لما حل به من سوء العذاب، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ﴾ [آل عمران: ٩١] .
ولما في الذهب والفضة من الإغراء للنفوس البشرية فقد جعلهما الإنسان أكثر إيثارا من غيرهما من المعادن الأخرى في اتخاذ زينته منهما. ولحكمة ربانية تقتضي كبح النفس البشرية عن التجبر والطغيان، فقد حرم الله تعالى على الرجال اتخاذهما زينة لهم إلا ما استثني. وذكر ﷺ تعليل التحريم بأن فيهما كسر لقلوب الفقراء. ولما فيهما من الإغراء والتمتع بالتزين بهما ولأن النساء في وضع يقتضي تمكينهن من أسباب تعلق الرجال بهن فقد أباح للنساء اتخاذهما حليا لزينتهن أمام أزواجهن وحرم ذلك على الرجال. كما حرم تعالى اتخاذ الأواني المنزلية والتحف الجمالية منهما لما في ذلك من كسر قلوب الفقراء، يستوي في ذلك الرجال والنساء.
وقد أشار تعالى إلى طبيعة النفس البشرية في تمتعها بالذهب فجعل من تمتع الصالحين من بني آدم في الجنة أن من أدواتهم المنزلية صحافا من ذهب، قال تعالى: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ﴾ [الزخرف: ٧١] .
النشأة التاريخية لاتخاذه ثمنا:
لقد مر على الإنسان حين من الدهر وهو يعاني الإشكال في طريقة حصوله على حاجاته الأساسية من طعام وشراب وسكن فاضطر إلى الأخذ بمبدأ المقاضاة، ثم إنه وجدها لا توفر له احتياجه ووجد فيها من المشاكل ما جعله يبحث عن وسيلة أخرى لتيسير تبادله مع غيره طلبا لحاجته فنشأ مبدأ الأخذ بوسيط للتبادل فاتجهت الدول المختلفة إلى اتخاذ السلع وسيطا للتبادل كالفراء في البلاد الباردة والأصداف في البلاد الساحلية وأنياب الفيلة والخرز والرياش في البلاد المعتدلة، وبتطور الحياة الاقتصادية ظهر عجز هذه السلع عن القيام بوظيفتها كوسيلة تقويم فاتجه الفكر الاقتصادي إلى الاستعاضة عن ذلك بالمعادن وخصوصا الذهب والفضة، لما فيهما من عناصر وخصائص جعلتهما أفضل وسيلة للتقويم فساد التعامل بهما ردحا من الزمن على شكل سبائك وقطع غير مسكوكة، إلا أن اختلاف أنواع هذين المعدنين أوجد في استعمالهما ثغرة كانت ميدانا للتلاعب والفوضى، فليس كل الناس يعرف المادة الأصلية للذهب والمعيار المقبول للتبادل ثم إن تقدير ذلك بالوزن أوجد فرصة لسرقتها بالتلاعب في وزنها فتدخل الحكام في ذلك بسكها نقودا على شكل قطع مختلفة المقدار والوزن.
فأصبحت العملة المعدنية الذهبية معدودة بعد أن كانت موزونة وصار كل جنس منها متفقا بعضه مع بعض في النوع والمقدار.
стр. 13840
وقد ذكر بعض أهل العلم أن الذهب والفضة خلقا للثمنية وهذا القول فيه تجاوز، فقد مر بنا أن أول عهد الإنسان بالتبادل كان على سبيل المقايضة ثم اتخذت السلع ذات الندرة وسيلة للتبادل ثم اتجه إلى الذهب على نحو ما ذكر، وقد اتجه المحققون من علماء الفقه الإسلامي والاقتصاد إلى أن الثمن هو أي شيء يلقى قبولا عاما للإبراء المطلق بصلاحه للتقويم والاختزان.
وهذا لا يعني التقليل من أهمية الذهب في مقام الثمنية فلا شك أنه غير موغل في الثمن، ولهذا جاءت النصوص بجريان الربا فيه عموما؛ في مسكوكه وسبائكه وغيره.
وعليه فإننا في شك من صحة ما قيل بأن الذهب خلق للثمنية، وقد يقوى الشك لمن يتم له استعراض الأدوار التاريخية التي مر بها النقد حتى صار إلى ما هو عليه الآن (١) .
علة الربا في الذهب:
اختلف العلماء ﵏ في تعيين علة الربا في الذهب إلى مجموعة أقوال. فقد قيل: إن العلة في ذلك الوزن، وقيل بأن العلة فيه غلبة الثمنية، وقيل بأن العلة في ذلك مطلق الثمنية. وجرى في البحث استعراض هذه الأقوال ومناقشتها، واختيار القول بأن علة الربا في الذهب مطلق الثمنية، وتوجيه الاختيار والرد على الأقوال الأخرى بما يبرر الاختيار ويؤيده.
وفيما يلي الإجابة عن المسائل التي طرحها مجمع الفقه الإسلامي ورغب الإجابة عنها.
ومنها: حكم المبادلة بين مقدار من الذهب ومقدار أقل منه مضموما إليه جنس آخر.
الحكم في ذلك فيما يظهر لي الجواز لأن الزيادة في أحد العوضين مقابلة بالجنس الآخر في العوض الثاني أشبه الحكم بجواز بيع حلي الذهب بأكثر من وزنه ذهبا حيث إن الزيادة في الثمن وزنا هي قيمة الصنعة في الحلي، وقد مر بنا النقل عن ابن القيم ﵀ في ذكر هذا الحكم وتعليله.
ومنها: بيع الذهب بالقيمة إذا كان مشغولا أي فيه صنعة وصياغة.
لا يخفى أن الذهب قد يباع بذهب وقد يباع بنقد آخر من فضة أو ورق نقدي أو فلوس. فإذا كان الذهب المبيع مشغولا كأن يكون حليا فإن بيع بذهب فلا بأس أن يكون الثمن أكثر وزنا من وزن الذهب الحلي وتكون الزيادة في الوزن في مقابلة الصياغة والعمل، وقد مر بنا رأي ابن القيم في ذلك وذكره في تعليل القول بالجواز إلا أنه يشترط للمبادلة بينهما الحلول والتقابض في مجلس العقد. وأما إذا كان أحد العوضين ثمنا غير الذهب فلا بأس في البيع مطلقا لقوله ﷺ في حديث عبادة بن الصامت: ((فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد)) .
ومنها: المتاجرة في الأواني أو الحلي والساعات الذهبية المصنوعة للرجال.
стр. 13841
لا يخفى أن الحكم الشرعي في تملك الأواني الذهبية والفضية: التحريم، وما حرم تملكه حرم بيعه. أما الحلي فإن كان معدا للرجال فهو حرام، والنصوص في ذلك أشهر من أن تذكر وما حرم تملكه حرم بيعه.
وأما المتاجرة في الحلي المعد للنساء فلا بأس فيه إلا أنه ينبغي مراعاة الحكم الشرعي في بيوعه من حيث الحلول والتقابض، وقد يتفرع من هذه المسألة مسألة هي: هل يجوز لتاجر الحلي حينما يعرض عليه أحد الناس حليا قديما ويبدي له رغبته في شرائه حليا جديدا، هل يجوز لهذا التاجر أن يشترط عليه في شرائه الحلي القديم أن يشترط منه حليا جديدا؟ هذه المسألة بحثت في هيئة كبار العلماء في المملكة وصدر القول بمنعها باعتبارها بيعتين في بيعة، إلا أن هذا القول لم يكن محل إجماع. ونظرا إلى أن هذا النوع من البيع لم يشتمل على غرر ولا على جهالة ولا مخالفة في الصرف ولم يكن في معنى بيعتين في بيعة فلم يظهر لي وجه للقول بمنعه وقد قال بجواز مثل هذا الشيخ عبد الرحمن بن سعدي ﵀ وقد جرى نقل رأيه في البحث.
وأما الساعات الذهبية فإن كانت للنساء فلا بأس بتملكها واستعمالها والمتاجرة فيها بالبيع والشراء وأما إن كانت للرجال فحكمها حكم حلي الرجال من حيث تحريم التملك والمتاجرة فيها بيعا أو شراء أو اقتناء والله أعلم.
وأما ما كان مموها بالذهب أو الفضة أو مشغولا بهما أو بأحدهما بحيث تكون كمية الذهب أو الفضة فيهما قليلة جدا بالنسبة إلى ما شغلت به فهذه المسألة محل اجتهاد ونظر وفيها اختلف العلماء بين الإباحة والحظر. فمن نظر إلى الحكمة من التحريم وهي كسر قلوب الفقراء ورأى أن في التمويه بهما أو شغل الأداة بشيء منهما بما يعطي الأداة لون أحدهما؛ من نظر إلى هذا قال بالتحريم بصرف النظر عن كامل محتوى الأداة بأحدهما أو بجزء منها لما في ظاهرها من بهجة وزينة وإغراء ينكسر برؤيته قلب الفقير بالعاجز عن تملكها. ومن نظر إلى أن غالب محتوى الأداة من غيرهما وأن ما فيها من أحدهما لو استخرج لما كان شيئا، ونظر إلى القاعدة الشرعية: يجوز تبعا ما لا يجوز استقلالا قال بجواز ذلك.. ولكل من الرأيين وجاهته واعتباره ويكون للاختيار منهما التوجه بتوجيه رسول الله ﷺ حيث يقول: ((الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات، لا يعلمهن كثير من الناس فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام)) والله أعلم.
ومنها: شراء الفرد الذهب بالشيك أو ببطاقة الائتمان أيعد ذلك قبضا للثمن؟
اصطلح الفقهاء على تسمية بيع الذهب بالذهب أو الفضة بالفضة مراطلة وعلى تسمية بيع الذهب بالفضة أو بأي ثمن آخر أو العكس صرفا، واشترطوا في المراطلة المماثلة في الوزن والحلول والتقابض في مجلس العقد واشترطوا في الصرف المتمثل في بيع أحد المعدنين الذهب والفضة بأحدهما أو بأي ثمن آخر من ورق أو فلوس التقابض في مجلس العقد وأصل ذلك حديث عبادة بن الصامت المتقدم ذكره – الذهب بالذهب والفضة بالفضة ... إلى آخره.
стр. 13842
واتفق العلماء على أن القبض أمر مرده إلى العرف والعادة فأي طريقة يتم فيها الاستيلاء الكامل على العين محل العقد تعتبر قبضا. وقد بحث العلماء وضع الشيك وهل يعتبر قبضه قبضا لمشموله مبرئا، فأصدر مجمع الفقه الإسلامي برابطة العالم الإسلامي قرارا باعتبار قبض الشيك المعتبر قبضا لمحتواه. وقد وجد الخلاف بين فقهاء العصر في تفسير معنى الشيك المعتبر فذهب بعضهم إلى أن الاعتبار في الشيك أن يكون مصدقا من البنك المسحوب عليه لأن تصديقه يعني حمايته من الساحب أن يعود فيه كما يعني وجود رصيد كامل للساحب لتغطية سداد الشيك؛ وهذا المعنى يعطي القناعة الكاملة بالقدرة على التصرف في مشمول الشيك في أي وقت يريده المستفيد منه وهذا معنى القبض. وذهب آخرون إلى أن المراد بالشيك المعتبر هو أن يكون له رصيد في البنك المسحوب عليه لتغطيته؛ ولكن هذا المعنى لا يعطي القناعة بالقدرة على تصرف المستفيد منه بمشموله. فلئن كان للساحب رصيد لتغطيته فقد يرجع الساحب في الشيك قبل قبضه وهذا الاحتمال الوارد ينفي عن هذا الشيك الثقة في القدرة على التصرف فيه وبالتالي فينفي عن هذا الشيك معنى القبض وهو القدرة على قبض محتواه أو الأمر بقيده في حسابه.
والذي يظهر لي – والله أعلم – أن الشيك المعتبر والذي هو في معنى القبض هو الشيك المصدق. وتأسيسا على هذا فإذا اشترى الفرد ذهبا أو فضة بثمن آخر وبموجب شيك بذلك الثمن فإن كان مصدقا فقبضه قبض لمحتواه والمصارفة بذلك صحيحة.
وإن كان غير مصدق فقبضه ليس قبضا لمشموله وبالتالي فقبضه ليس في حكم القبض المبرئ للذمة والمصارفة بموجبه غير صحيحة لأن التقابض في مجلس العقد غير محقق.
فمثل هذا الشيك آفاته كثيرة منها احتمال سحبه على غير رصيد أو على رصيد لا يكفي لتغطيته أو لاحتمال رجوع ساحبه في سحبه قبل تقديمه للبنك المسحوب عليه فهذه العيوب تجعله غير أهل للاعتبار في القول بأن قبضه قبض لمحتواه. والله أعلم.
وأما شراء الذهب ببطاقة الائتمان فنظرا إلى أن بطاقة الائتمان تعتبر مبرئة للذمة براءة كاملة بين المتصارفين وحق بائع الذهب بموجب بطاقة الائتمان ثابت كثبوت حقه في الشيك المصدق من حيث إن صاحب البطاقة حينما يوقع بموجبها على فاتورة الدفع لا يستطيع الرجوع في توقيعه ولا يستطيع مصدر البطاقة أن يتأخر عن سداد القيمة عند الطلب مهما كانت حال صاحب البطاقة. ونظرا لهذا فإن القول بصحة المصارفة ببطاقة الائتمان قول وجيه يؤيده أن معنى القبض متوفر فيها حيث يتفرق المتصارفان بموجبها وليس بينهما شيء. ومع هذا فالمسألة في حاجة إلى مزيد من النظر والتأمل في ضوء التصور لحقيقة البطاقة الائتمانية. والله المستعان.
ومنها: التعامل بشهادات الذهب أو حسابات الذهب.
وهي شهادات تصدرها مؤسسات متخصصة تخول صاحبها قبض كمية من الذهب ولا يلزم أن تكون تلك الكمية معينة منفصلة عن غيرها، وقد لا تكون موجودة فعلا لدى المؤسسة في كل الأوقات.
стр. 13843
هذا التعامل يعني أن أحد الرجال مثلا يشتري كمية من الذهب يجري تسلمه شهادة بها يتسلم بموجبها هذه الكمية من الذهب من مخازن إحدى هذه المؤسسات أو من مخازن متخصصة لهذه المؤسسة حق التحويل عليها بذلك وقد لا يكون الذهب موجودا في هذه المخازن وقت المصارفة.
الذي يظهر لي والله أعلم أن هذا النوع من المصارفة لا يتحقق فيه معنى التقابض في مجلس العقد لأمرين أحدهما أن المؤسسة المتخصصة في إصدار شهادات الذهب ليس لشهاداتها اعتبار موجب للثقة كالثقة في الشيك المصدق. حيث إن مشتري الذهب لا يستطيع التصرف فيما اشتراه في مجلس العقد للاحتمال القوي في بعد هذه المخازن عن قدرته على حيازة ما اشتراه.
الثاني أن وجود الذهب في المخازن المختصة مشكوك فيه فقد يكون موجودا وقد لا يوجد إلا بعد وقت لا يعلم تحديده فيطلب من المشتري الانتظار والرسول ﷺ يعتبر من عناصر المصارفة وصحتها التفرق بين المتصارفين وليس بينهما شيء. وهذا العنصر مفقود في هذه المصارفة فضلا عن أن التقابض في مجلس العقد مفقود حسا ومعنى. وتأسيسا على هذا فلا يظهر لي جواز هذا النوع من المصارفة لفقده شرطها. والله أعلم.
ومنها: حكم شراء أسهم شركة تعمل في استخراج الذهب وتعد أكثر أصولها منه، هل يمثل السهم حصة شائعة في الذهب؟ هل لذلك تأثير على حكم التعامل بأسهمها؟
لا يظهر لي مانع من شراء أسهم في شركة تعمل في استخراج الذهب ولو كانت غالب أصولها من ذلك الذهب لأن الشركة شخص اعتباري له ذمة محدودة ذات وعاء قابل للحقوق والواجبات والتملك والتبرع وغير ذلك من التصرفات المالية فأسهم هذه الشركة حصص شائعة في عموم مقوماتها وعناصر وجودها ومن هذه العناصر والمقومات قيمتها المعنوية المتمثلة في اعتبارها ومكانتها في سوق الشركات وأسواق الانتاج وقد تكون قيمة الجانب الاعتباري للشركة أكثر حجما من قيمة ما لديها من أصول متحركة. كما أن للشركة أصولا ثابتة للإدارة والتشغيل غير الذهب فسهم الشركة ليس محصورا في كمية الذهب الذي تقوم الشركة باستخراجه حتى يقال بمراعاة شروط الصرف وإنما تمثل أسهمها كامل عناصر وجودها السهم فيها حصة مشاعة في عموم مقومات الشركة واعتبارها. فمن يشتري سهما أو أكثر من أسهم هذه الشركة لا يعتبر نفسه قاصدا شراء كمية من الذهب المستخرج. فالذهب المستخرج مادة متحركة يخرج اليوم ويباع غدا ويخرج غيره بعد ذلك ويستمر نشاط الشركة في هذا السبيل على هذا الاتجاه. ولكنه يقصد الدخول في المساهمة في هذا النشاط وفي هذه الحركة الإنتاجية والصناعية والاشتراك في تملك الاختصاص في ذلك ومن القواعد الشرعية أنه يجوز تبعا ما لا يجوز استقلالا. ألا نرى أن تملك الشركات المساهمة سيولة من النقود ووجود ديون لها وانتفاء الوضوح الكامل لموجودات الشركة مما يعطي نوع جهالة. كل ذلك يغتفر ولا يؤثر في صحة تداول أسهم الشركات بيعا وشراء وتملكا حيث يجوز تبعا ما لا يجوز استقلالا.
стр. 13844
الحلول الشرعية لاجتماع الصرف والحوالة:
من النشاطات المصرفية المعتادة والمتكررة لدى المؤسسات المالية الحوالات. والحوالات قد تكون بعملة البلد المحال فيه كأن يطلب أحد الناس من أحد المصارف تحويل مبلغ من المال بعملة معينة كالريال السعودي أو الدولار الأمريكي فيدفع للمصرف هذا المال ويطلب منه تحويله إلى بلد معين فيقوم المصرف بذلك ويعطيه إشعارا بالتحويل إلى ذلك البلد على أحد المصارف أو على فرع من فروعه، هذا النوع من التحويل المصرفي حوالة محضة ليس لها تعلق بمسائل الصرف وإنما هي من مسائل السفتجة. وقد عرفها بعضهم بقوله: السفتجة هي أن يعطي مالا لآخر مع اشتراط القضاء في بلد آخر وذلك لضمان الطريق على سبيل القرض لا على سبيل الأمانة.
وقد اختلف العلماء في حكمها فجمهورهم قالوا بجوازها مستدلين على ذلك بما روي عن عطاء أن عبد الله بن الزبير ﵁ كان يأخذ من قوم بمكة دراهم ثم يكتب بها إلى أخيه مصعب بن الزبير في العراق ويأخذونها منه فسئل ابن عباس عن ذلك فلم ير به بأسا فقيل له: إن أخذوا أفضل من دراهمهم؟ قال: لا بأس إذا أخذوا بوزن دراهمهم.
وروي أيضا مثل هذا عن علي بن أبي طالب ﵁ فهؤلاء ثلاثة من أصحاب رسول الله ﷺ أجازوا ذلك.
ورد المجيزون على المانعين قولهم بأن هذا من قبيل القرض الذي يجر نفعا وكل قرض جر نفعا فهو ربا، فإن دافع النقود يستفيد من ذلك أمنه من خطر الطريق. رد المجيزون على ذلك بقولهم:
المنفعة التي تجر إلى الربا في القرض هي التي تخص المقرض كسكنى دار المقترض وركوب دوابه واستعماله وقبول هديته ولا مصلحة له في ذلك، بخلاف هذه المسألة فإن المنفعة مشتركة بينهما وهما متعاونان، فهي من جنس المعاونة والمشاركة (١) . وهذا المعنى ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في مجموع الفتاوى وجرى نقل نصه في ذلك.
стр. 13845
وقال آخرون بمنعها بحجة أن السفتجة قرض يستفيد منها المقترض أمن الطريق وكل قرض جر نفعا فهو ربا. وقد تقدم رد هذا الاحتجاج بما يكفي عن إعادته. وذكروا حديثا عن رسول الله ﷺ : ((السفتجات حرام)) ، وهو حديث ضعيف ذكره ابن الجوزي في (الموضوعات) فلا يصح الاحتجاج به، والقول بجواز ذلك هو ما تطمئن إليه النفس لما في ذلك من المصلحة العامة والتيسير على المسلمين في معاملاتهم وانتفاء الدليل المقنع على المنع ولأن الأصل في المعاملات الإباحة.
وقد تكون الحوالة بنقد مغاير للنقد المراد تسلمه في البلد الآخر فهذا النوع من التحويل يجتمع فيه الصرف والحوالة ولا يخفى أن للصرف في حالة اختلاف العوضين جنسا شرطا هو التقابض في مجلس العقد وقد تقرر لدى المجامع الفقهية والهيئات العلمية أن كل عملة ورقية جنس يجوز المصارفة بينها وبين غيرها من عملات الدول الأخرى مطلقا إذا كان يدا بيد لقوله ﷺ : ((فإذا اختلفت الأجناس فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد)) .
وعليه فيجب قبل التحويل إجراء عملية الصرف بحيث يتسلم المحيل العملة التي يريد تحويلها بعد انتهاء عملية الصرف، سواء أكان تسلما حسيا أم تسلما في معنى الحس، كأن يعطيه شيكا مصدقا يملك بقبضه القدرة على التصرف فيه بتسلم محتواه أو بقيده في حسابه أو تحويله، فإذا تسلم الشيك المصدق أمكنه بعد ذلك تحويله، وصار الأمر إلى الإجراءات المتخذة في الحال الأولى وهي تحويل نقد معين إلى بلد أخرى (١) .
الشيخ عبد الله بن سليمان بن منيع
стр. 13846
تجارة الذهب
في أهم صورها وأحكامها
إعداد
د. صالح بن زابن المرزوقي
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أفضل الأنبياء والمرسلين؛ نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. وبعد:
فالذهب معدن نفيس تتوق إليه النفوس، وقد تعلق به الإنسان منذ عرفه، وبالغ في تعلقه به حتى عبده قوم موسى ﵇، قال تعالى: ﴿قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ (٨٧) فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ (٨٨) ﴾ [طه: ٨٧- ٨٨] .
وقد آثر الإنسان تملكه؛ فذكره الله في عداد الأمور التي زين للناس حب تملكها. قال تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ﴾ [آل عمران: ١٤] .
وقد جعله الله من وسائل الإنعام على أهل الجنة، قال تعالى: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ [الحج: ٢٣] . وقال تعالى: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ﴾ [الزخرف: ٧١] .
والكلام على أحكام الذهب متعددة الجوانب؛ فمنها ما هو متعلق بزكاته، ومنها ما هو متعلق بالتحلي به، أو استعماله، ومنها ما هو متعلق بدوره في الأنظمة النقدية، ومنها ما هو متعلق بالتجارة فيه، ومنها ما يتعلق بأحكام صرفه، وغير ذلك.
وحيث أن التجارة في الذهب يحف بها كثير من المحاذير الشرعية، ونظرا لتعدد وسائل الاستثمار فيه سواء في الأسواق العالمية أو المحلية، ولحاجة هؤلاء المستثمرين والمستعملين لبيان الحكم الشرعي في هذا النوع من التجارة؛ فقد استعنت بالله على بحث هذا الموضوع، وسميته (تجارة الذهب) . ونظرا لتلازم هذا الموضوع، بموضوعات فقهية أخرى فقد استدعى الأمر أن أتناولها بالبحث؛ مثل الصرف، وعلة الربا، والقبض الحكمي، والصرف بالوديعة المصرفية، وبيان الحل الشرعي لاجتماع الصرف والحوالة المصرفية، وغير ذلك.
وقد جعلته بعد المقدمة في أحد عشر مبحثا، وخاتمة.
стр. 13847
المبحث الأول: في التعريف بتجارة الذهب والصرف.
المبحث الثاني: شروط الصرف.
المبحث الثالث: علة الربا في الذهب والفضة.
المبحث الرابع: أثر الجودة في شرط التماثل.
المبحث الخامس: شراء حلي الذهب أو الفضة بجنسه من غير الحلي.
المبحث السادس: شراء الحلي بالحلي أو شراء الحلي بثمن الحلي المبيع.
المبحث السابع: الجمع بين البيع والإجارة على عمل الحلي بجنسه.
المبحث الثامن: المبادلة بين مقدار من الذهب ومقدار أقل منه مضموم إليه جنس آخر.
المبحث التاسع: شراء الذهب للاستعمال. فيه عدة مطالب:
المطلب الأول: شراء الحلي للنساء.
المطلب الثاني: شراء حلي الذهب ليستعمله الرجال.
المطلب الثالث: شراء أواني الذهب.
المطلب الرابع: شراء المموه من الذهب.
المبحث العاشر: أهم أساليب تجارة الذهب في الأسواق العالمية.
المبحث الحادي عشر: صور الصرف. وفيه عدة مطالب:
المطلب الأول: القبض الحكمي.
المطلب الثاني: المصارفة بالوديعة.
المطلب الثالث: صور الصرف المصرفية.
وينتهي البحث بخاتمة تجمل أهم الأحكام التي وردت في ثناياه.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وأزكى الصلاة، وأتم التسليم على نبينا وسيدنا محمد وآله وسلم.
стр. 13848
المبحث الأول
في التعريف بتجارة الذهب والصرف
١- التجارة:
التجارة في اللغة والاصطلاح: هي تقليب المال، أي بالبيع والشراء لغرض الربح (١) . وهي في الأصل: مصدر دال على المهنة، وفعله تجر يتجر تجرا وتجارة. الذهب معدن معروف، والجمع أذهاب مثل سبب وأسباب، ويجمع أيضا على ذهبان وذهوب، وهو مذكر، ويؤنث فيقال: هي الذهب الحمراء، وقد يؤنث بالهاء فيقال: ذهبة.
وقال الأزهري: الذهب مذكر ولا يجوز تأنيثه، إلا أن يجعل الذهب جمعا لذهبة (٢) .
٢- الصرف:
الصرف في اللغة: يأتي بمعان؛ منها: رد الشيء عن وجهه، فيقال: صرفه يصرفه صرفا فانصرف إذا رده، وصرفت الرجل عني فانصرف. قال تعالى: ﴿ثُمَّ انْصَرَفُوا﴾ [التوبة: ١٢٧] . أي رجعوا عن المكان الذي استمعوا فيه، وقيل انصرفوا عن العمل بشيء مما سمعوا (٣) ، وقال ﷺ في أمر المدينة: ((من أحدث فيها حدثا أو آوى محدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل منه صرف ولا عدل)) (٤) . قال الأصمعي، والزمخشري: المراد بالصرف التوبة؛ لأنه صرف للنفس إلى البر عن الفجور؛ والعدل الفدية؛ من المعادلة، ومنه دعاء الاستخارة: (فاصرفه عني واصرفني عنه) (٥) .
وقال ابن حجر: عند الجمهور: الصرف الفريضة، والعدل النافلة (٦) .
ومنها الإنفاق؛ كقولك صرفت المال، أي أنفقته.
ومنها البيع؛ كما تقول: صرفت الذهب بالدراهم، أي بعته.
واسم الفاعل من هذا صيرفي، وصيرف، وصراف للمبالغة.
ومنها الفضل والزيادة. قال ابن فارس: الصرف فضل الدرهم في الجودة على الدرهم، والدينا على الدينار (٧) وقال الخليل: الصرف: فضل الدرهم على الدرهم في القيمة (٨) .
стр. 13849
تعريف الصرف اصطلاحا:
عرف الحنفية الصرف بأنه: بيع الأثمان بعضها ببعض (١) .وأرادوا بالأثمان الذهب والفضة سواء كانا مسكوكين: دنانير ودراهم؛ وهي المعروفة بالنقدين كما جاء في مجلة الأحكام العدلية، الصرف: (بيع النقد بالنقد) (٢) ؛ أم كانا مصوغين كالأقراط والأساور، أو كانا تبرا (٣) .
وعبر الشافعية والحنابلة عن الثمن بالنقد. فقالوا: الصرف: بيع النقد بنقد من جنسه أو غيره (٤) ؛ الروض المربع ٤/٤٩١.
وأرادوا بالنقد الذهب والفضة مسكوكين أو مصوغين أم تبرا (٥) . وقد عرفه ابن قدامة بأنه: (بيع الأثمان بعضها ببعض) (٦) .
وسمي هذا النوع من البيوع صرفا إما لاختصاصه برد البدل ونقله من يد إلى يد، ويحتمل أن تكون التسمية لمعنى الفضل إذ الصرف يذكر بمعنى الفضل، فالتاجر يطلب الفضل منه عادة لما يرغب في عين الذهب والفضة (٧) .
وقيل سمي هذا البيع بالصرف لصريفهما عند المبادلة وهو تصويتهما في الميزان: وقيل: لانصرافهما إلى المتصارفين عن مقتضى البياعات من عدم جواز التفرق قبل القبض (٨) .
وأما المالكية فلهم اصطلاح آخر في بيع الأثمان، ذلك أنهم يقسمونها إلى ثلاثة أقسام هي:
الصرف، والمراطلة، والمبادلة.
فالصرف عندهم: هو بيع النقد بنقد مغاير لنوعه؛ كبيع الذهب بالفضة.
والمراطلة: هي: بيع النقد بنقد مثله وزنا؛ كبيع الذهب بالذهب، أو بيع الفضة بالفضة، سواء كانا مسكوكين، أو مصوغين، أو تبرا.
والمبادلة هي: بيع النقد بنقد مثله عددا (٩) .
стр. 13850
حكم التجارة في الذهب:
التجارة عموما مشروعة؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] . وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ١٠] .
وقال ﷺ : ((إن التجار يبعثون يوم القيامة فجارا إلا من اتقى الله وبر وصدق)) (١) ، قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
وأجمع المسلمون على جواز التجارة في الجملة (٢) .
والتجارة في الذهب جائزة إذا توافرت فيها شروط صحتها؛ لأنها نوع من أنواع البيوع، وقد قال تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] . فالآية دالة على جواز التجارة، ومنها التجارة في الذهب، وبيع الأثمان بعضها ببعض، وهو الصرف.
والأدلة من السنة كثيرة، نقتصر منها على ما يأتي:
١- عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله ﷺ : ((الذهب بالذهب والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلا بمثل، سواء بسواء، يدا بيد، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد)) (٣) .
٢- قال أبو المنهال: (سألت البراء بن عازب وزيد بن أرقم ﵄ عن الصرف، فكل واحد منهما يقول هذا خير مني، فكلاهما يقول: نهى رسول الله ﷺ عن بيع الذهب بالورق دينا) (٤) .
٣- عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: ((الدينار بالدينار لا فضل بينهما، والدرهم بالدرهم، لا فضل بينهما)) (٥) .
٤- عن أبي سعيد الخدري – ﵁ – أن رسول الله ﷺ قال: ((لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلا بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا الورق بالورق إلا مثلا بمثل ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا منها غائبا بناجز)) (٦) .
وفي لفظ: ((إلا يدا بيد)) ، وفي لفظ: ((إلا وزنا بوزن مثلا بمثل سواء بسواء)) .
стр. 13851
٥- ما رواه عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه قال ((نهى رسول الله ﷺ عن الفضة بالفضة، والذهب بالذهب، إلا سواء بسواء، وأمرنا أن نشتري الفضة بالذهب كيف شئنا، ونشتري الذهب بالفضة كيف شئنا، قال: فسأله رجل فقال: يدا بيد فقال: هكذا سمعت)) (١) .
فهذه الأحاديث كلها صحيحة، وقد دلت على جواز التجارة في الذهب، والفضة، للاستفادة من تغيرات الأسعار، سواء كانا سبائك، أو تبرا، أو نقدا؛ حيث جاء بعضها بلفظ: الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، بصيغة العموم، وبعضها بلفظ الدينار بالدينار لا فضل بينهما، والدرهم بالدرهم لا فضل بينهما. وفي هذا دليل على جواز الصرف، والتجارة فيه، لكن الحكم بالجواز في جميع الحالات مقيد بشروط (٢) حيث يشترط التقابض بين البائع والمشتري في المجلس، والحلول، وأن لا يشترط الخيار لهما، أو لأحدهما، كما يشترط التماثل إذا اتحد الجنس مثل أن يكون ذهبا بذهب، أو فضة بفضة، أو أوراقا نقدية من عملة واحدة كريالات سعودية، أما إذا اختلف الجنس مثل أن يكون ذهبا بفضة، ومثل أن يكون المبيع ذهبا، والثمن أوراقا نقدية، أو شيكا يمثل أوراقا نقدية، أو يكون المبيع جنيهات مصرية بدولارات أمريكية فانه لا يشترط التماثل. ((فإذا اختلفت هذه الأجناس فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد)) .
فإذا التزمت الشروط السابقة، ولم تؤد التجارة فيها إلى الاحتكار، فإن التجارة فيها جائزة.
ولأن صرف النقود من عملة إلى عملة أمر ضروري لعموم الناس، فالحجاج والمعتمرون مضطرون إلى تحويل نقودهم إلى عملة المملكة العربية السعودية، ثم هم مضطرون إلى تحويل الفائض عندهم إلى عملات بلادهم عند عودتهم، وكذلك التجار مضطرون إلى تحويل نقودهم إلى عملة البلاد التي يستوردون منها بضائعهم، ومثلهم السياح ونحو ذلك. وهذا في كل الأزمان؛ فهو جائز نصا، والحكمة تقتضيه.
إذ الحكمة من إباحته هي الإرفاق بالإنسان؛ بإتاحة الفرصة له في استبدال نقد بنقد. وقد كثرت المبادلات التجارية بين الأفراد، وبين الأمم في العصر الحاضر، وتعددت ووسائلها.
وقد ذكر بعض العلماء أقوالا في التجارة في النقود ربما فهم البعض منها المنع أو الكراهة. سنذكر بعضا منها، ثم نجيب عليها إن شاء الله.
стр. 13852
جاء في حاشية الرهوني والمدني: (وحكمه الأصلي الجواز وهو ظاهر الأقوال، والروايات، وكره مالك العمل به إلا لمتق، وقيل: يكره أن يستظل بظل صيرفي) (١) .
وقال ابن رشد: (وباب الصرف من أضيق أبواب الربا، فالتخلص من الربا على من كان عمله الصرف عسير، إلا لمن كان من أهل الورع والمعرفة بما يحل فيه ويحرم منه وقليل ما هم؛ ولذلك كان الحسن يقول: إذا استسقيت ماء فسقيت من بيت صراف فلا تشربه، وكان أصبغ يكره أن يستظل بظل صيرفي، قال ابن حبيب: (لأن الغالب عليهم الربا؛ وقيل لمالك ﵀ أتكره أن يعمل الرجل بالصرف، قال: نعم إلا أن يكون يتق الله في ذلك) (٢) .
فكلام الإمام مالك، وأصبغ وابن رشد لا يدل على عدم جواز عقد الصرف، أو المنع منه، وإنما يدل على أن كثيرا ممن يعملون في هذا المجال ينقصهم العلم بأحكامه أو لا يتورعون فيه، مما يؤدي إلى انزلاقهم في الحرام، لكن مثل هاتين الحالتين لا تعودان على حكم الصرف كنوع من البيوع بالحرمة، أو الكراهة، وإنما تلحق الحرمة والبطلان العقد إذا لم يستوف شروط الصرف، أو اختل شيء من أركانه. إلا أنه يجب ألا يمارس التجارة فيه إلا من عرف أحكامه واستوفى شروطه عند تطبيق عقوده. وحينئذ فإنه لا مانع ولا كراهة.
وقال أبو حامد الغزالي: (خلق الله تعالى الدنانير والدراهم حاكمين ومتوسطين بين سائر الأموال حتى تقدر الأموال بهما ... إذ لا غرض في أعيانهم، ... فإذن خلقهما الله لتتداولهما الأيدي ويكونا حاكمين بين الأموال بالعدل، ولحكمة أخرى وهو التوسل بهما إلى سائر الأشياء؛ لأنهما عزيزان في أنفسهما ولا غرض في أعيانهما، ونسبتهما إلى سائر الأموال نسبة واحدة فمن ملكها فكأنه ملك كل شيء ... وهو وسيلة إلى كل غرض وكالحروف لا معنى له في نفسه وتظهر به المعاني في غيره ... فكل من عمل فيهما عملا لا يليق بالحكم بل يخالف الغرض المقصود بالحكم فقد كفر نعمة الله تعالى فيهما، فإذن من كنزهما فقد ظلمهما وأبطل الحكمة فيهما وكان كمن حبس حاكم المسلمين في سجن يمتنع عليه الحكم بسببه؛ لأنه إذا كنز فقد ضيع الحكم، ولا يحصل الغرض المقصود به، وما خلقت الدراهم والدنانير لزيد خاصة ولا لعمرو خاصة إذ لا غرض للآحاد في أعيانهما فإنهما حجران، وإنما خلقا لتتداولهما الأيدي فيكونا حاكمين بين الناس وعلامة معرفة للمقادير مقومة للمراتب) . ثم استشهد بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [التوبة: ٣٤] ، وكل من اتخذ من الدراهم والدنانير آنية من ذهب أو فضة كفر النعمة، وكان أسوأ حالا ممن كنز ... وذلك إن الخزف والحديد والرصاص والنحاس تنوب مناب الذهب والفضة في حفظ المائعات ... ولا يكفي الخزف والحديد في المقصود الذي أريد به النقود ... ، وقال من عامل معاملة الدراهم والدنانير فقد كفر النعمة، فإذا اتجر في أعيانهما فقد اتخذهما مقصودا على خلاف وضع الحكمة؛ إذ طلب النقد لغير ما وضع له ظلم ... فأما من معه نقد فلو جاز له أن يبيعه بالنقد فيتخذ التعامل على النقد غاية عمله فيبقى النقد مقيدا عنده وينزل منزلة المكنوز، ... فلا معنى لبيع النقد إلا اتخاذ النقد مقصودا للادخار وهو ظلم) (٣) .
стр. 13853
(فإن قلت لم جاز بيع أحد النقدين بالآخر؛ ولم جاز بيع الدرهم بمثل؟ فاعلم أن أحد النقدين يخالف الآخر في مقصود التوصل، إذ قد يتيسر التوصل بأحدهما من حيث كثرته كالدراهم تتفرق في الحاجات قليلا قليلا، ففي المنع منه تشويش المقصود الخاص به؛ وهو تيسير التوصل به إلى غيره، وأما بيع الدرهم بدرهم يماثله فجائز من حيث إن ذلك لا يرغب فيه عاقل مهما تساويا ولا يشتغل به تاجر فإنه عبث) (١) .
فالجواب أن الغزالي لا يمنع جواز بيع أحد النقدين بالآخر؛ لكنه يرى أن كنزهما كفر لنعمة الله التي جعلها فيهما؛ فإن كان مراده بالكنز عدم إخراج زكاتهما – مع بعده – فهذا حرام بلا ريب؛ قال ابن كثير: (وأما الكنز فقال مالك عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر هو المال الذي لا تؤدى زكاته، وروى الثوري وغيره عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر قال: ما أدى زكاته فليس بكنز وإن كان تحت سبع أرضين وما كان ظاهرا لا تؤدى زكاته فهو كنز، وقد روي هذا عن ابن عباس وجابر وأبي هريرة موقوفا ومرفوعا، وقال عمر بن الخطاب نحوه: أيما مال أديت زكاته فليس بكنز وإن كان مدفونا في الأرض) (٢) .
وإن كان يقصد ادخارهما ادخارا سلبيا غير منتج، فهذا إذا وقع من بعض الأفراد فإنه لا يؤثر، في الغرض منهما؛ وهو توسطهما بين السلع؛ لأنه لا يمكن أن يدخر كل الناس، أو معظمهم، ما بأيديهم من نقود في وقت واحد. مع ادخارهما – ولو دفع زكاتهما- خلاف الأولى؛ لأن الأموال المعطلة إذا استغلت في التجارة، أو الزراعة، أو الصناعة، كثر الإنتاج، أو تحسن، وكثر تداول البضائع، وساهم في التخفيف من البطالة. أما إذا كان الادخار يؤدي إلى الاحتكار فانه حينئذ يكون محرما. واحتكار النقود مثل احتكار الطعام.
وأما قوله: (فإذا اتجر في أعيانهما قد اتخذهما مقصودا على خلاف وضع الحكمة إذ طلب النقد لغير ما وضع له ظلم) . فغير مسلم؛ فما دام أن الله أجاز بيعهما وشراءهما على لسان رسول الله ﷺ كما سبق ذكره، فإن من لوازمه وجود من يتخذها مقصودا لتتوفر لمن أراداها. وهذه هي الحكمة الربانية، إذ لو لم يوجد الصيارفة الذين يشتغلون بالتجارة في النقود لشق على الناس، أو تعذر في بعض الأحيان حصول مقصودهم من العملات الأخرى. وقد ازدادت هذه الحكمة وضوحا في هذا العصر حيث أصبح الذهب والفضة سلعة، ولم يعد وسيطا للتبادل، وحلت محله الأوراق النقدية التي يتداولها الناس اليوم. وقولي هذا لا يعني تخلف علة الربا في الأثمان، وفي جنسها، بل هي باقية فيهما، كما سيأتي إيضاحه إن شاء الله.
стр. 13854
المبحث الثاني
شروط الصرف
حيث إن عقد الصرف، بيع الأثمان بعضها ببعض، ولا يقصد به إلا الزيادة والفضل دون الانتفاع بعين البدل في الغالب، والربا كذلك فيه زيادة وفضل، وضع الشارع لجواز الصرف شروطا تميزه عن الربا، وتمنع الناس من الوقوع فيه، والصرف من أقسام البيع العام فما كان ركنا للبيع فهو ركن للصرف، وما كان شرطا للبيع فهو شرط للصرف. إلا أنه يشترط للصرف شروط زائدة على شروط البيع الخاص.
وفي تجارة الذهب إما أن يكون الثمن نقودا، أو غير نقود. فإن كان الثمن غير نقود؛ كالعروض؛ مثلية أو قيمية. وليس ذهبا، ولا فضة؛ فإن عقد شراء الذهب يكون صحيحا، إذا توافرت فيه شروط البيع.
فإذا كان الثمن نقودا ذهبية، أو فضية، أو أوراقا نقدية، أو أوراقا تمثل نقودا؛ كالشيك، أو تبرا، أو سبائك، وكذلك إذا كان المبيع فضة، والثمن فضة، أو تبرا؛ فإنه يشترط حينئذ الشروط التالية:
١- تقابض البدلين قبل الافتراق وإن اختلف الجنس:
يشترط في عقد الصرف قبض البدلين جميعا قبل مفارقة أحد المتصارفين للآخر بإجماع الفقهاء (١) ، سواء أكان بيع جنس بجنسه كبيع الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، أو بغير جنسه كبيع الذهب بالفضة، فإن افترق المتصارفان بأبدانهما قبل قبض العوضين، أو أحدهما بطل العقد منعًا من الوقوع في ربا النسيئة. لما روى عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله ﷺ : ((الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مثلا بمثل سواء بسواء يدا بيد فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد)) (٢) .
стр. 13855
ولما جاء عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: أبصرت عيناي وسمعت أذناي رسول الله ﷺ يقول: ((لا تبيعوا الذهب بالذهب ولا تبيعوا الورق بالورق إلا مثلا بمثل ولا تشفوا)) (١) . ((بعضه على بعض ولا تبيعوا شيئا غائبا منه بناجز إلا يدا بيد)) (٢) ، ولما رواه مالك بسنده عن مالك بن أوس ابن الحدثان النصري أنه التمس صرفا بمئة دينار. قال: فدعاني طلحة بن عبيد الله فترواضنا (٣) حتى اصطرف مني وأخذ الذهب يقلبها في يده ثم قال: حتى يأتيني خازني من الغابة (٤) . وعمر بن الخطاب يسمع. فقال عمر: والله لا تفارقه حتى تأخذ منه ثم قال: قال رسول الله ﷺ : ((الذهب بالورق ربا إلا هاء وهاء، والشعير بالشعير ربا إلا هاء وهاء)) رواه البخاري ومسلم (٥) .
ومعنى هاء وهاء: خذ وهات.
فقوله ﷺ : ((يدا بيد)) ، وقوله ((إلا هاء وهاء)) يدلان على وجوب التقابض.
وقال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم أن المتصارفين إذا افترقا قبل أن يتقابضا أن الصرف فاسد (٦) .
تفسير القبض في الأثمان:
اتفق الفقهاء الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة على أن التقابض في الصرف، إنما يكون بتناول النقود، أو السبائك أو نحوها باليد فيشترط القبض الحقيقي (٧) . أو ما يقوم مقامه، في بيع الأثمان بعضها ببعض وما يأخذ من العملات. فيسلم البائع المبيع إلى المشتري ويسلم المشتري الثمن إلى البائع في مجلس العقد، قبل افتراقهما؛ وإن طالت مدة المجلس.
وقولي: أو ما يقوم مقامه؛ أعني به، مثل القيد الدفتري، أو قبض الشيك، لا التخلية.
وهناك رواية عن الإمام أحمد أن قبض كل شيء بالتخلية. قال ابن قدامة: (وقد روي أبو الخطاب عن أحمد إن القبض في كل شيء بالتخلية مع التمييز؛ لأنه خلى بينه وبين المبيع من غير حائل، فكان قبضا له كالعقار) (٨) .
стр. 13856
قال بعض الباحثين المعاصرين: إن القبض عند الحنفية هو التخلية، في كل شيء، وجعل منه القبض في الصرف. واعتمدوا على نقول عامة من بعض كتب الحنفية.
والصحيح ما ذكرته. لأن ما ذكره ليس فيه نص على الصرف. وإليك بعض ما هو منصوص فيه عندهم. قال ابن الهمام: (ولا بد من قبض العوضين قبل الافتراق بإجماع الفقهاء. وفي فوائد القدوري: المراد بالقبض هنا القبض بالبراجم (١) ، لا بالتخلية يريد باليد) (٢) .
وقال الحصكفي: (والمعتبر تعيين الربوي في غير الصرف ومصوغ ذهب وفضة بلا شرط تقابض حتى لو باع برا ببر بعينهما وتفرقا قبل القبض جاز) (٣) .
يعني أن الصرف – ومنه مصوغ ذهب، فضة – لا يكفي فيه التعيين كما هو في باقي الربويات، وإنما لا بد من القبض باليد.
وقال أيضا: (والتقابض بالبراجم لا بالتخلية قبل الافتراق) (٤) .
قال ابن عابدين: (والتقييد بالبراجم للاحتراز عن التخلية، واشتراط القبض بالفعل لا خصوص البراجم) (٥) .
والذي أراه أن التخلية لا تكفي لتحقيق القبض في الصرف. وأنه لا بد من القبض بالأيدي في بيع الذهب وغيره مما يدخل في بيع الصرف؛ لقوله ﷺ ((يدا بيد)) . وقوله: ((إلا هاء وهاء)) . لكن يمكن أن يقبل الذهب، أو يقبض ما يمثل الذهب، كالشيك، أو السند الذي يتضمن قيده في حسابه في المصرف، سواء كان بنفسه أو بوكيله. وبهذا يكون قد تم التقابض بالأيدي (٦) .
مع أنه يصعب في بعض الأحوال قبض الذهب أو نحوه، في هذا العصر بالأيدي، أو حيازته في الجيب، ونحوه. وذلك إما لكثرته وإما لما قد يتعرض إليه حامله من خطر.
فإن قيل يصح القبض بالتخلية في الصرف لحديث ابن عمر – ﵄ –قلت يا رسول الله إني أبيع الإبل بالبقيع فأبيع بالدنانير وأخذ الدراهم، وأبيع بالدراهم وأخذ الدنانير وأخذ هذه من هذه، وأعطي هذه من هذه، فقال رسول الله ﷺ : ((لا بأس أن تأخذها بسعر يومها ما لم تفترقا وبينكما شيء)) (٧) . قال أحمد شاكر: إسناده صحيح.
стр. 13857
فالجواب إن هذا جائز لا لأنه مخلى بين البائع وبين الثمن الذي باع الإبل به وإنما لأنه باع ممن هو قابض له؛ (ولأن المطلوب في الصرف المناجزة، وصرف ما في الذمة أسرع مناجزة من صرف المعينات؛ لأن صرف ما في الذمة ينقضي بنفس الإيجاب والقبول والقبض من جهة واحدة، وصرف المعينات لا ينقضي إلا بقبضها معا، فهو معرض للعدول، وصرف ما في الذمة أولى بالجواز) (١) ، يؤيده أنه لا يجوز بيعها على شخص آخر، ولو كانت التخلية كافية في الصرف؛ لجاز بيع تلك الدراهم التي لم يقبلها على شخص آخر.
وجاء في المنتقى للباجي: (إن حلول ما في الذمة يقوم مقام حضور ما هي مشغولة به، والقبض يتنجز فيه بإبرائها منه) (٢) .
((يدا بيد)) :
يطلقه جماهير الفقهاء على تقابض البدلين من العاقدين في مجلس العقد (٣) . أي بالتعجيل والنقد (٤) . جاء في المصباح المنير (بعته يدا بيد: أي حاضرا بحاضر. والتقدير: في حال كونه مادا يده بالعوض، وفي حال كونه مادا يدي بالمعوض، فكأنه قال: بعته في حال كون اليدين ممدودتين بالعوضين) (٥) .
وقال الحنفية: إن معنى ((يدا بيد)) إنما هو التعيين دون التقابض وقوله ﷺ في حديث ربا البيوع ((يدا بيد)) أي عينا بعين. ولكن نظرا لكون النقدين لا يتعينان بالتعيين ولا يتحقق التعيين فيهما قبل التقابض، اعتبر التعيين دون التقابل في غير الصرف من بيع الأموال الربوية ببعضها، وذلك لحصول المقصود وهو التمكن من التصرف بالتعيين فيها؛ بخلاف النقدين، فحيث أنهما لا يتعينان إلا بالقبض اشترط في الصرف التقابض (٦) .
((هاء وهاء)) :
قال الخطابي: ((هاء وهاء)) معناه التقابض، وأصحاب الحديث يقولون (ها وها) مقصورين، والصواب مدهما ونصب الألف منهما. وقوله ((هاء)) إنما هو قول الرجل لصاحبه إذا ناوله الشيء (هاك) أي خذ. فأسقطوا الكاف منه وعوضوه المد بدلا من الكاف (٧) .
وقال ابن حجر: ((إلا هاء وهاء)) بالمد فيهما وفتح الهمزة، وقيل بالكسر، وقيل بالسكون، وحكى القصر بغير همزة وخطأها الخطابي، ورد عليه النووي وقال: هي صحيحة لكن قليلة والمعنى خذ وهات (٨) .
وقال رسول الله ﷺ : ((الذهب بالذهب ربا إلا هاء وهاء)) أي إن هذه البيعات لا تجوز إلا إذا قال كل واحد منهما لصاحبه: (هاء) أي خذ وهات، والمراد به القبض (٩) .
стр. 13858
قبض البعض:
إذا حصل التقابض في بعض الثمن دون بعضه وافترقا بطل الصرف فيما لم يقبض باتفاق الفقهاء. واختلفوا فيما تم فيه التقابض على قولين:
الأول: صحة العقد فيما قبض وبطلانه فيما لم يقبض. وهذا رأي جمهور الفقهاء من الحنفية والشافعية، وهو مذهب عند الحنابلة، وقول عند المالكية (١) .
الثاني: بطلان العقد في الكل؛ وهو قول عند المالكية ووجه آخر عند الحنابلة (٢) .
قال المالكية: (إن انعقد بينهما الصرف على أن يتأخر منه شيء فسخ، وإن عقد على المناجزة ثم أخر أحدهما عن صاحبه بشيء منه انتقض الصرف فيما وقعت فيه النظرة باتفاق. فإن كان النظرة في أقل من صرف دينار انتقض صرف دينار، وإن كان في أكثر من صرف دينار انتقض صرف دينارين وإن كان في أكثر من صرف دينارين انتقض صرف ثلاثة دنانير وهكذا أبدًا. وما وقع فيه التناجز على اختلاف، وإن وقع على المناجزة ثم تأخر منه شيء لغلط أو سرقة أو نسيان مضى الصرف فيما وقع فيه التناجز باتفاق، وفيما وقع فيه التأخير إن رضي هذا الذي هو له بتركه على اختلاف) (٣) .
والراجح عندي مذهب الجمهور؛ وهو صحة الصرف فيما قبض وبطلانه فيما لم يقبض.
والافتراق المانع من صحة الصرف وافتراق العاقدين بأبدانهما عن مجلسهما، فيأخذ هذا في جهة، وهذا في جهة أخرى، أو يذهب أحدهما ويبقى الآخر، أما إذا كانا في مجلسهما لم يبرحا عنه لم يكونا مفترقين وإن طال مجلسهما، لانعدام الافتراق بالأبدان، وهكذا إذا قام عن مجلسهما فذهب معا في جهة واحدة إلى منزل أحدهما أو إلى الصراف فتقابضا عنده، لم يفارق أحدهما صاحبه. وهذا كله مذهب جمهور الفقهاء؛ الحنفية؛ الشافعية، والحنابلة (٤) . قال النووي: (ومذهبنا صحة القبض في المجلس، وإن تأخر عن العقد يوما أو أياما أو أكثر ما لم يتفرقا) (٥) وذكر الحنفية صورا أخرى يصح فيه الصرف؛ كما إذا نام العاقدان في المجلس، أو أغمي عليهما أو على أحدهما أو نحو ذلك (٦) .
стр. 13859
٢- الحلول:
يشترط في الصرف أن يكون البدلان حالَّيْنِ. فلا يجوز للعاقدين أو أحدهما اشتراط التأجيل، فإن اشترطاه لهما، أو لأحدهما، فسد الصرف، لأن قبض البدلين مستحق قبل الافتراق، والأجل يفوت القبض المستحق بالعقد شرعا، فيفسد العقد (١) .لقوله ﷺ في حديث عبادة وغيره ((يدا بيد)) وقوله في حديث أبي سعيد الخدري ((: ولا تبيعوا منها غائبا بناجز)) (٢) . أي لا يباع منها حاضر في المجلس بغائب عن المجلس سواء كان مؤجلا أو حالا.
وقال الحنفية: إن اشترط الأجل ثم أبطل صاحب الأجل أجله قبل الافتراق، فنقد ما عليه ثم افترقا عن تقابض، ينقلب العقد جائزا عندهم، خلافا لزفر (٣) .
٣- التماثل في البدلين:
إذا كان البدلان من جنس واحد؛ كأن بيع ذهب بفضة أو فضة بفضة، وجب فيه التماثل في الوزن، وإن اختلفا في الجودة، وهذا باتفاق الفقهاء (٤) .
والشرط التساوي في العلم، لا في نفس الأمر فقط، فلو لم يعلما التساوي، وكانا في نفس الأمر متحققا لم يجز إلا إذا ظهر في المجلس. لما رواه أبو سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلا بمثل ولا تشفوا بعضها على بعض ولا تبيعوا الورق بالورق إلا مثلا بمثل ولا تشفوا بعضها على بعض ولا تبيعوا منها غائبا بناجز)) متفق عليه (٥) .
((ولا تشفوا)) من أشف والشف بالكسر الزيادة، ومعناه لا تفضلوا بعضها على بعض. وهو تأكيد لقوله: ((مثلا بمثل)) . وذلك للمنع من التفاضل.
أما إذا اختلف جنس المبيع عن جنس الثمن مثل إن كان ذهبا بفضة وفضة بذهب، أو أيا منهما بنقود ورقية، فانه لا يشترط حين إذا التماثل، فلا مانع من التفاضل، لأن ربا الفضل يقع في الجنس الواحد بعضه ببعض. وذلك لقوله ﷺ : ((فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد)) (٦) .
стр. 13860
٤- الخلو عن خيار الشرط:
اختلف الفقهاء في اشتراط الخيار في الصرف هل يفسد العقد؟ أو لا يفسده؟
فذهب جمهور الفقهاء الحنفية والمالكية والشافعية في المذهب عندهم إلى أن الصرف لا يصح مع خيار الشرط؛ فإن شرط الخيار فيه لهما أو لأحدهما فسد الصرف؛ (لأن القبض في هذا العقد شرط بقائه على الصحة، وخيار العقد يمنع انعقاد العقد في حق الحكم، فيمنع صحة القبض. ولو أبطل صاحب الخيار خياره قبل الافتراق ثم افترقا عن تقابض ينقلب إلى الجواز (عند الحنفية) خلافا لزفر) (١) .
وقال الحنابلة: لا يبطل الصرف باشتراط الخيار فيه كسائر الشروط الفاسدة في البيع، فيصح العقد ويلزم بالتفرق، ويبطل الشرط ويلغو (٢) .
والراجح عندي مذهب الجمهور؛ لما عللوا به.
والحكمة في اشتراط التقابض، والحلول؛ للمنع من الوقوع في ربا النسيئة؛ فحرم التفرق قبل قبض العاقدين؛ لأنه يفضي إلى أن يحصل لمن عجل له أخذ العوض فائدة لا تحصل لنظيره حيث إنه يستطيع الإفادة من الثمن الحاضر بتقليده في التجارة، والإفادة من تقلبات الأسعار بما يحقق له الربح، وقد لا يتحقق له شيئا من ذلك، ولكن أخذه للعوض دون العاقد الآخر مظنة لحصول ما تقدم، والمظنة في الشريعة تقام مقام المئنة (٣) .
وقيل (إن الأجل فضل حكمي، ولهذا لا يجوز بيع أموال الربا وما ألحق بها في علته، بعضها ببعض مؤجلا سواء اتحد جنسها أو اختلف لأن الأجل زيادة حكمية في أحد البدلين كالزيادة الحقيقية) (٤) .
والأجل ليس مالا، فلا يجعل بمجرده ثمنا؛ لأن الزمن ليس سلعة تباع وتشترى (٥) .
والحكمة من اشتراط التماثل للمنع من الوقوع في ربا الفضل، فلو جاز الفضل في الجنس الواحد لوقع الناس في الربا، وبالتالي فإن هذا يؤدي إلى انقطاع المعروف بين الناس، والتراحم، والإحسان. فلا يقرض أحد الآخر إلا بفائدة ربوية، ولهذا جاء الشرع باشتراط التماثل في بيع الذهب بالذهب؛ حتى تطيب نفس المقرض بأن يقرض أخاه ولا ينتظر زيادة مادية، وإنما ينتظر الأجر من الله.
стр. 13861
المبحث الثالث
علة الربا في الذهب والفضة
ذهب قليل من العلماء إلى قصر الربا على الأصناف الستة التي ورد بها الحديث الشريف. وفي الذهب والفضة، والبر والشعير، والتمر والملح. وعدم جريانه في غيرها؛ بقاء على أصل الإباحة؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] .
وأصحاب هذا القول فريقان؛ فريق قال بهذا القول لأنه لا يرى القياس دليلا شرعيا؛ وهم الظاهرية وغيرهم من نفاة القياس.
والفريق الثاني: يقر بأن القياس دليل شرعي، ولكنه لا يعمل به في هذه المسألة، وحكي عن طاووس وقتادة، وهو قول عثمان البتي، وابن عقيل من الحنابلة، وأبي بكر البقلاني، وارتضاه من المتأخرين الصنعاني، والصديق حسن خان (١) . فعثمان البتي يرى عدم القياس في الربا؛ لأنه يشترط في القياس أن يقوم دليل في كل أصل أنه معلول ولم يظهر له هنا، والحديث ورد فيه ستة أصناف فإذا قسنا عليها غيرها صار ورودها لا معنى له، فيبطل العقد، ولا يجوز كما في قوله: (خمس من الفواسق يقتلن في الحل والحرم) (٢) . وأبو بكر البقلاني يرى أن القياس في الربا قياس شبه، وهو لا يرى الاحتجاج بقياس الشبه (٣) ، وأما ابن عقيل فقال: إن علل القائسين في مسألة الربا علل ضعيفة، وإذا لم تظهر فيه علة امتنع القياس (٤) .
واتفق القائلون بالقياس – عدا من ذكرنا – على أن ثبوت الربا في الأصناف المذكورة بعلة، وأنه يثبت في كل ما وجدت فيه علته؛ لأن القياس دليل شرعي، فيجب استخراج علة هذا الحكم، وإثباته في كل موضع وجدت علته فيه.
стр. 13862
وقد اختلف العلماء في علة الربا في الذهب والفضة وسأقتصر على أهم آرائهم في هذا الشأن.
أولا: قال بعض العلماء: إن علة ربا الفضل في الذهب والفضة هي الوزن مع اتفاق الجنس، وأما ربا النسيئة فعلته هي أحد وصفي علة ربا الفضل؛ الوزن، أو اتحاد الجنس وهو مذهب الحنفية (١) ، وأحمد في أشهر الروايات عنه والزهري، وحماد والثوري والنخعي، وإسحاق (٢) .
وعلى هذا القول يحرم كل موزون بيع بجنسه إذا كان متفاضلا، فالذهب بالذهب متفاضلا ربا. ويشترط لصحته التساوي في الوزن والحلول، والتقابض. وعلى هذا يجري الربا في كل موزون كالحديد والنحاس والرصاص ونحوها من الموزونات.
ثانيا: إن علة الربا في الذهب والفضة هي الثمنية الغالبة، أو جوهر الثمنية غالبا؛ وهو مذهب الشافعي، والمشهور عن مالك (٣) .
ويعبر الشافعية عن ذلك بكونهما جنس الأثمان غالبا؛ وذكروا جنس الأثمان ليشمل التبر والمضروب، والحلي، والأواني الذهبية والفضية، وإن لم تكن ثمنا. وقالوا غالبا: احترازا من الفلوس إذا راجت رواج النقود (٤) .ومنهم من يعبر عن العلة بكونهما قيم المتلفات، ومنهم من جمعهما (٥) .وهذه علة قاصرة لا تتعدى إلى غيرهما. وقال النووي: (وفي تعدي الحكم إلى الفلوس إذا راجت وجه، والصحيح: أنه لا ربا فيها لانتفاء الثمنية الغالبة) (٦) .
ثالثا: إن علة الربا في الذهب والفضة هي مطلق الثمنية. وهو قول للإمام أحمد في إحدى الروايتين عنه، وقول في مذهب الإمام مالك في غير المشهور عنه، وقول يحيى بن سعيد، والليث بن سعد، وهو اختيار أبي الخطاب من الحنابلة، والشيخ موفق الدين بن قدامة، وشيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم (٧) .
ذكر أكثر الباحثين المعاصرين أن للإمام أحمد ثلاث روايات في علة الربا في الذهب والفضة؛ وهي: الوزن والجنس، والثمنية، ومطلق الثمنية، والثمنية الغالبة أو جوهر الثمنية، على اختلاف التعبير بينهم.
стр. 13863
وقد جاء هذا الفهم من ظاهر عبارات فقهاء الحنابلة كما في المغني، والمبدع، وفتاوى شيخ الإسلام.
والتحقيق أن للإمام ﵀ روايتين في علة الربا في الذهب والفضة، هما: الوزن والجنس، والثمنية. وذكره فقهاء الحنابلة من الروايات الثلاث هو علة الربا بعموم، يشترط الذهب والفضة، والأصناف الأربعة في اثنتين، وتستقل الأصناف الأربعة بالرواية الثالثة (١) . يؤيد هذا أن ابن القيم عندما تكلم عن علة النقود ذكر هاتين الروايتين فقط (٢) . يقول ابن قدامة: (روي عن أحمد في ذلك ثلاث روايات، أشهرها أن علة الربا في الذهب والفضة كونه موزون جنس، وعلة الأعيان الأربعة مكيل جنس) (٣) .
(والرواية الثانية، إن العلة في الأثمان الثمنية، وفيما عداها كونه مطعوم جنس) (٤) .
(والرواية الثالثة؛ العلة فيما عدا الذهب والفضة كونه مطعوم جنس مكيلا أو موزونا) (٥) .
فقصر علة الربا في الذهب والفضة على الروايتين الأولى، والثانية، أما الثالثة فمختصة بالأصناف الأربعة.
وقد فسر بعض فقهاء الحنابلة الثمنية بالثمنية الغالبة فتختص بالذهب والفضة؛ مضروبه، وتبره، وحليه، ونحوه، وهنا تكون علة قاصرة عليهما، منهم أبو الخطاب الكلوذاني (٦) . ومنهم من فسرها بالثمنية المطلقة، مثل شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم (٧) ، وأبي الخطاب، حيث قال في (الانتصار) عند الجواب عن الفلوس: (ثم يجب أن يقولوا إذا نفقت حتى لا يتعامل إلا بها إن فيها الربا، لكونها ثمنا غالبا) (٨) وقال في التمهيد: (من فوائدها ربما حدث جنس آخر يجعل ثمنا، فتكون تلك علة) (٩) .
стр. 13864
الأدلة:
أدلة القول الأول:
استدل أصحاب القول الأول بأدلة أهمها ما يأتي:
١- عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((الذهب بالذهب وزنا بوزن مثلا بمثل، والفضة وزنا بوزن مثلا بمثل، فمن زاد واستزاد فهو ربا)) (١) .
٢- عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: ((لا تبيعوا الذهب بالذهب ولا الورق بالورق إلا وزنا بوزن مثلا بمثل سواء بسواء)) (٢) .
٣- عن أبي هريرة وأبي سعيد الخدري – ﵄ – أن رسول الله ﷺ بعث أخا بني عدي الأنصاري، فاستعمله على خيبر فقدم بتمر جنيب، فقال له رسول الله ﷺ : ((أَكُلُّ تمر خيبر هكذا؟)) قال: لا، والله يا رسول الله إنا لنشتري الصاع بالصاعين من الجمع، فقال رسول الله ﷺ : ((لا تفعلوا ولكن مثلا بمثل أو بيعوا هذا واشتروا بثمنه من هذا وكذلك الميزان)) (٣) . وورد في بعض ألفاظ الحديث: وقال ((في الميزان مثل ذلك)) (٤) .
وجه الدلالة من الحديثين الأولين: أنه حكم فيهما على كل موزون مع اتحاد نوعه بأنه مثل بمثل (٥) . أما الحديث الثالث فقوله: ((وكذلك الميزان)) أي وكذلك الموزون، فدل على أن كل موزون لا يجوز التفاضل فيه (٦) .
قال الكاساني بصدد تبيين وجه الدلالة: (وأراد به الموزون بطريق الكناية لمجاورة بينهما مطلقا من غير فصل بين مطعوم ومطعوم) (٧) .
٤-جعل الشارع المماثلة شرطا لصحة البيع، وانتفاء الربا، في الأصناف الستة. لأن التفاضل في هذه الأصناف إنما منع؛ لأنه فضل مال خال عن العوض، ويمكن التحرز عنه بحصول التماثل الذي طلبه الشارع، وأداته التي تحققه هي الكيل والوزن (٨) .
стр. 13865
أدلة الفريق الثاني:
١- الذهب والفضة قد خصا بأحكام في مواضع ولم يشاركهما غيرهما في تلك المواضع كتحريم التحلي منهما على الرجال، واتخاذ الأواني ونحوها، فليس بعيدا أن يخصا بتحريم الربا لأجل هذا المعنى (١) .
٢- (إن النقدين جوهران نفيسان بهما تقدر الأموال، ويتوصل بهما إلى سائر الأشياء، فهما أثمان المبيعات غالبا، وقيم المتلفات في جميع أقطار الدنيا، فهما رائجان عند كل الأمم ولدى كل الدول قديما وحديثا وذلك لخصائص ومزايا اعتبرت في هذين المعدنين في الأوصاف والندرة كان بهما أثبت من سواهما، ليكون أساسا للتمويلات ومقياس لقيم سائر الأشياء واسطة بين الإنسان وحاجاته؛ ولهذا قال بعض الفقهاء: إنهم يعتبران أثمان بالخلقة ولا غير مسكوكين) (٢) قال أبو حامد الغزالي: (ما خلقت الدراهم والدنانير لزيد خاصة، ولا لعمرو خاصة، إذ لا غرض للآحاد في أعيانهما فإنهما حجران، وإنما خلقا لتتداولهما الأيدي فيكون حاكمين بين الناس وعلامة معرفة للمقادير مقومة للمراتب) (٣) .
أدلة من قال بالثمنية المطلقة:
يمكن أن يستدل لمن قال: إن العلة الثمنية المطلقة، بأن المقصود ليس هو الذهب والفضة، وإنما المقصود ما يحققانه من كونهما وسيطين للتبادل، وكل منهما معيار للقيمة ووحدة للحساب والعد. وهو ما يعبر عنه الفقهاء من كونهما أثمان المبيعات وقيم المتلفات. والوسيلة المحضة التي لا يتعلق بها غرض يتحقق بها المقصود كيف كانت، والنقد من هذا القبيل فإذا تحققت وظائف الذهب والفضة في غيرهما كان مقتضى ذلك الإلحاق (٤) .
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (والتعليل بالثمنية تعليل بوصف مناسب؛ فإن المقصود من الأثمان أن تكون معيارا للأموال يتوصل بها إلى معرفة مقادير الأموال ولا يقصد الانتفاع بعينها فمتى بيع بعضها ببعض إلى أجل قصد بها التجارة التي تناقض مقصود الثمنية واشتراط الحلول والتقابض فيها هو تكميل لمقصودها من التوصل بها إلى تحصيل المطلوب فإن ذلك إنما يحصل بقبضها لا بثبوتها في الذمة مع إنها ثمن من طرفين، فنهى الشارع أن يباع ثمن بثمن إلى أجل فإذا صارت الفلوس أثمانا صار فيها المعنى فلا يباع ثمن بثمن إلى أجل) (٥) .