← Фикх общий

Фикх общий · id 8356

مجلة مجمع الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (22 276 стр.). Показаны 13861–13900 · переход к 13866.

стр. 13861

المبحث الثالث علة الربا في الذهب والفضة ذهب قليل من العلماء إلى قصر الربا على الأصناف الستة التي ورد بها الحديث الشريف. وفي الذهب والفضة، والبر والشعير، والتمر والملح. وعدم جريانه في غيرها؛ بقاء على أصل الإباحة؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] . وأصحاب هذا القول فريقان؛ فريق قال بهذا القول لأنه لا يرى القياس دليلا شرعيا؛ وهم الظاهرية وغيرهم من نفاة القياس. والفريق الثاني: يقر بأن القياس دليل شرعي، ولكنه لا يعمل به في هذه المسألة، وحكي عن طاووس وقتادة، وهو قول عثمان البتي، وابن عقيل من الحنابلة، وأبي بكر البقلاني، وارتضاه من المتأخرين الصنعاني، والصديق حسن خان (١) . فعثمان البتي يرى عدم القياس في الربا؛ لأنه يشترط في القياس أن يقوم دليل في كل أصل أنه معلول ولم يظهر له هنا، والحديث ورد فيه ستة أصناف فإذا قسنا عليها غيرها صار ورودها لا معنى له، فيبطل العقد، ولا يجوز كما في قوله: (خمس من الفواسق يقتلن في الحل والحرم) (٢) . وأبو بكر البقلاني يرى أن القياس في الربا قياس شبه، وهو لا يرى الاحتجاج بقياس الشبه (٣) ، وأما ابن عقيل فقال: إن علل القائسين في مسألة الربا علل ضعيفة، وإذا لم تظهر فيه علة امتنع القياس (٤) . واتفق القائلون بالقياس – عدا من ذكرنا – على أن ثبوت الربا في الأصناف المذكورة بعلة، وأنه يثبت في كل ما وجدت فيه علته؛ لأن القياس دليل شرعي، فيجب استخراج علة هذا الحكم، وإثباته في كل موضع وجدت علته فيه.

стр. 13862

وقد اختلف العلماء في علة الربا في الذهب والفضة وسأقتصر على أهم آرائهم في هذا الشأن. أولا: قال بعض العلماء: إن علة ربا الفضل في الذهب والفضة هي الوزن مع اتفاق الجنس، وأما ربا النسيئة فعلته هي أحد وصفي علة ربا الفضل؛ الوزن، أو اتحاد الجنس وهو مذهب الحنفية (١) ، وأحمد في أشهر الروايات عنه والزهري، وحماد والثوري والنخعي، وإسحاق (٢) . وعلى هذا القول يحرم كل موزون بيع بجنسه إذا كان متفاضلا، فالذهب بالذهب متفاضلا ربا. ويشترط لصحته التساوي في الوزن والحلول، والتقابض. وعلى هذا يجري الربا في كل موزون كالحديد والنحاس والرصاص ونحوها من الموزونات. ثانيا: إن علة الربا في الذهب والفضة هي الثمنية الغالبة، أو جوهر الثمنية غالبا؛ وهو مذهب الشافعي، والمشهور عن مالك (٣) . ويعبر الشافعية عن ذلك بكونهما جنس الأثمان غالبا؛ وذكروا جنس الأثمان ليشمل التبر والمضروب، والحلي، والأواني الذهبية والفضية، وإن لم تكن ثمنا. وقالوا غالبا: احترازا من الفلوس إذا راجت رواج النقود (٤) .ومنهم من يعبر عن العلة بكونهما قيم المتلفات، ومنهم من جمعهما (٥) .وهذه علة قاصرة لا تتعدى إلى غيرهما. وقال النووي: (وفي تعدي الحكم إلى الفلوس إذا راجت وجه، والصحيح: أنه لا ربا فيها لانتفاء الثمنية الغالبة) (٦) . ثالثا: إن علة الربا في الذهب والفضة هي مطلق الثمنية. وهو قول للإمام أحمد في إحدى الروايتين عنه، وقول في مذهب الإمام مالك في غير المشهور عنه، وقول يحيى بن سعيد، والليث بن سعد، وهو اختيار أبي الخطاب من الحنابلة، والشيخ موفق الدين بن قدامة، وشيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم (٧) . ذكر أكثر الباحثين المعاصرين أن للإمام أحمد ثلاث روايات في علة الربا في الذهب والفضة؛ وهي: الوزن والجنس، والثمنية، ومطلق الثمنية، والثمنية الغالبة أو جوهر الثمنية، على اختلاف التعبير بينهم.

стр. 13863

وقد جاء هذا الفهم من ظاهر عبارات فقهاء الحنابلة كما في المغني، والمبدع، وفتاوى شيخ الإسلام. والتحقيق أن للإمام ﵀ روايتين في علة الربا في الذهب والفضة، هما: الوزن والجنس، والثمنية. وذكره فقهاء الحنابلة من الروايات الثلاث هو علة الربا بعموم، يشترط الذهب والفضة، والأصناف الأربعة في اثنتين، وتستقل الأصناف الأربعة بالرواية الثالثة (١) . يؤيد هذا أن ابن القيم عندما تكلم عن علة النقود ذكر هاتين الروايتين فقط (٢) . يقول ابن قدامة: (روي عن أحمد في ذلك ثلاث روايات، أشهرها أن علة الربا في الذهب والفضة كونه موزون جنس، وعلة الأعيان الأربعة مكيل جنس) (٣) . (والرواية الثانية، إن العلة في الأثمان الثمنية، وفيما عداها كونه مطعوم جنس) (٤) . (والرواية الثالثة؛ العلة فيما عدا الذهب والفضة كونه مطعوم جنس مكيلا أو موزونا) (٥) . فقصر علة الربا في الذهب والفضة على الروايتين الأولى، والثانية، أما الثالثة فمختصة بالأصناف الأربعة. وقد فسر بعض فقهاء الحنابلة الثمنية بالثمنية الغالبة فتختص بالذهب والفضة؛ مضروبه، وتبره، وحليه، ونحوه، وهنا تكون علة قاصرة عليهما، منهم أبو الخطاب الكلوذاني (٦) . ومنهم من فسرها بالثمنية المطلقة، مثل شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم (٧) ، وأبي الخطاب، حيث قال في (الانتصار) عند الجواب عن الفلوس: (ثم يجب أن يقولوا إذا نفقت حتى لا يتعامل إلا بها إن فيها الربا، لكونها ثمنا غالبا) (٨) وقال في التمهيد: (من فوائدها ربما حدث جنس آخر يجعل ثمنا، فتكون تلك علة) (٩) .

стр. 13864

الأدلة: أدلة القول الأول: استدل أصحاب القول الأول بأدلة أهمها ما يأتي: ١- عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((الذهب بالذهب وزنا بوزن مثلا بمثل، والفضة وزنا بوزن مثلا بمثل، فمن زاد واستزاد فهو ربا)) (١) . ٢- عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: ((لا تبيعوا الذهب بالذهب ولا الورق بالورق إلا وزنا بوزن مثلا بمثل سواء بسواء)) (٢) . ٣- عن أبي هريرة وأبي سعيد الخدري – ﵄ – أن رسول الله ﷺ بعث أخا بني عدي الأنصاري، فاستعمله على خيبر فقدم بتمر جنيب، فقال له رسول الله ﷺ : ((أَكُلُّ تمر خيبر هكذا؟)) قال: لا، والله يا رسول الله إنا لنشتري الصاع بالصاعين من الجمع، فقال رسول الله ﷺ : ((لا تفعلوا ولكن مثلا بمثل أو بيعوا هذا واشتروا بثمنه من هذا وكذلك الميزان)) (٣) . وورد في بعض ألفاظ الحديث: وقال ((في الميزان مثل ذلك)) (٤) . وجه الدلالة من الحديثين الأولين: أنه حكم فيهما على كل موزون مع اتحاد نوعه بأنه مثل بمثل (٥) . أما الحديث الثالث فقوله: ((وكذلك الميزان)) أي وكذلك الموزون، فدل على أن كل موزون لا يجوز التفاضل فيه (٦) . قال الكاساني بصدد تبيين وجه الدلالة: (وأراد به الموزون بطريق الكناية لمجاورة بينهما مطلقا من غير فصل بين مطعوم ومطعوم) (٧) . ٤-جعل الشارع المماثلة شرطا لصحة البيع، وانتفاء الربا، في الأصناف الستة. لأن التفاضل في هذه الأصناف إنما منع؛ لأنه فضل مال خال عن العوض، ويمكن التحرز عنه بحصول التماثل الذي طلبه الشارع، وأداته التي تحققه هي الكيل والوزن (٨) .

стр. 13865

أدلة الفريق الثاني: ١- الذهب والفضة قد خصا بأحكام في مواضع ولم يشاركهما غيرهما في تلك المواضع كتحريم التحلي منهما على الرجال، واتخاذ الأواني ونحوها، فليس بعيدا أن يخصا بتحريم الربا لأجل هذا المعنى (١) . ٢- (إن النقدين جوهران نفيسان بهما تقدر الأموال، ويتوصل بهما إلى سائر الأشياء، فهما أثمان المبيعات غالبا، وقيم المتلفات في جميع أقطار الدنيا، فهما رائجان عند كل الأمم ولدى كل الدول قديما وحديثا وذلك لخصائص ومزايا اعتبرت في هذين المعدنين في الأوصاف والندرة كان بهما أثبت من سواهما، ليكون أساسا للتمويلات ومقياس لقيم سائر الأشياء واسطة بين الإنسان وحاجاته؛ ولهذا قال بعض الفقهاء: إنهم يعتبران أثمان بالخلقة ولا غير مسكوكين) (٢) قال أبو حامد الغزالي: (ما خلقت الدراهم والدنانير لزيد خاصة، ولا لعمرو خاصة، إذ لا غرض للآحاد في أعيانهما فإنهما حجران، وإنما خلقا لتتداولهما الأيدي فيكون حاكمين بين الناس وعلامة معرفة للمقادير مقومة للمراتب) (٣) . أدلة من قال بالثمنية المطلقة: يمكن أن يستدل لمن قال: إن العلة الثمنية المطلقة، بأن المقصود ليس هو الذهب والفضة، وإنما المقصود ما يحققانه من كونهما وسيطين للتبادل، وكل منهما معيار للقيمة ووحدة للحساب والعد. وهو ما يعبر عنه الفقهاء من كونهما أثمان المبيعات وقيم المتلفات. والوسيلة المحضة التي لا يتعلق بها غرض يتحقق بها المقصود كيف كانت، والنقد من هذا القبيل فإذا تحققت وظائف الذهب والفضة في غيرهما كان مقتضى ذلك الإلحاق (٤) . يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (والتعليل بالثمنية تعليل بوصف مناسب؛ فإن المقصود من الأثمان أن تكون معيارا للأموال يتوصل بها إلى معرفة مقادير الأموال ولا يقصد الانتفاع بعينها فمتى بيع بعضها ببعض إلى أجل قصد بها التجارة التي تناقض مقصود الثمنية واشتراط الحلول والتقابض فيها هو تكميل لمقصودها من التوصل بها إلى تحصيل المطلوب فإن ذلك إنما يحصل بقبضها لا بثبوتها في الذمة مع إنها ثمن من طرفين، فنهى الشارع أن يباع ثمن بثمن إلى أجل فإذا صارت الفلوس أثمانا صار فيها المعنى فلا يباع ثمن بثمن إلى أجل) (٥) .

стр. 13866

ويقول ابن القيم: (التعليل بالثمنية هو الصحيح بل الصواب فإنهم أجمعوا على جواز إسلامهما في الموزونات من النحاس والحديد والرصاص فلو كان النحاس والحديد ربويين لم يجز بيعهما إلى أجل بدراهم نقدا – إلى أن قال – والعلة إذا انتقلت من غير فرق مؤثر دل على بطلانه) (١) . المناقشة والترجيح: ١-إن الأحاديث التي ذكر فيها الكيل والوزن غاية ما فيها أنها دلت على أن الوزن يحقق المماثلة المطلوبة شرعا. لكنها لم تحصر تحقق المماثلة فيهما إذ إن المثلية أعم من الكيل والوزن (٢) . قال النووي: (لا يلزم من كون الكيل معيارا أن يكون علة) (٣) . قال صديق حسن خان ناقلا عن الشوكاني: (إن ذكره للكيل والوزن في الأحاديث لبيان ما يتحصل به التساوي في الأجناس المنصوص عليها فكيف كان هذا الذكر سببا لإلحاق سائر الأجناس المتفقة في الكيل والوزن بهذه الأجناس الثابتة في الأحاديث، وأي تعدية حصلت بمثل ذكر ذلك، وأي مناط استفيد منها مع العلم أن الغرض بذكرها هو تحقيق التساوي كما قال: مثلا بمثل سواء بسواء) (٤) . وأما الحديث الثالث فأجيب عنه بأن قوله: (وكذلك الميزان) ليس مرفوعا إلى النبي ﷺ وإنما هو من كلام أبي سعيد الخدري وموقوف عليه، وهذا هو جواب البيهقي (٥) . يؤيده رواية هذا الحديث عند مسلم أيضا، والبخاري بدون كلمة ((وكذلك الميزان)) (٦) . وأجاب القاضي أبو الطيب وغيره: (بأن ظاهر الحديث غير مراد فإن الميزان نفسه لا ربا فيه، وأضمرتم فيه الموزون، ودعوى العموم في المضمرات لا يصح) (٧) ، لأنه تعميم بدون دليل عليه. وأجيب أيضا: (أنه يحمل الموزون على الذهب والفضة جمعا بين الأدلة) (٨) . (فيكون المقصود هو أن يتساوى النقدان في الوزن لحل مبادلتهما مع اتحاد الجنس، وليس كما يدعون كلمة ((وكذلك الميزان)) تدل بنفسها على حرمة كل مكيل وكل موزون بيع بجنسه مع التفاضل أو مع النسيئة) (٩) .

стр. 13867

٢- نقض العلة: التعليل بالوزن منقوض، لأن أحد وصفي علة ربا الفضل يكفي في تحريم النساء. وهذا لا يتحقق في عقد السلم؛ لأنه يجوز إسلام الذهب والفضة في سائر الموزونات، مثل الحديد والنحاس، بإجماع الفقهاء؛ وحيث إنه لا يتم التقابض في عقد السلم إلا من طرف واحد، بينما العلة تقتضي أن يتم التقابض من الطرفين، فتخلف الحكم في عقد السلم مع وجود العلة؛ وهي بيع موزون بموزون، فتبين أن العلة منتقضة (١) . ٣- التعليل بالوزن ليس تعليلا بوصف مناسب؛ فلا يصح أن يكون مؤثرا في الحكم؛ أي مظنة لأن يكون الحكم شرع من أجله، بل هو مجرد طرد محض ليس فيه مناسبة (٢) . يقول ابن القيم: (فإنهم أجمعوا على جواز إسلامهما (أي الذهب والفضة) في الموزونات من النحاس والحديد وغيرهما، فلو كان النحاس والحديد ربويين لم يجز بيعهما إلى أجل بدراهم نقدا، فإن ما يجري فيه الربا إذا اختلف جنسه، جاز التفاضل فيه دون النساء، والعلة إذا انتقضت من غير فرق مؤثر دل على بطلانها) (٣) . أما التعليل بغلبة الثمنية فهو تعليل بعلة قاصرة على النقدين، والعلة القاصرة لا يصح التعليل بها عند كثير من العلماء؛ منهم أبو حنيفة، والكرخي، وأبو عبد الله البصري، وأحد الوجهين عند الشافعية؛ لعدم الفائدة فيها؛ لأن حكم الأصل قد عرف من النص، وإنما فائدة العلة أن يلحق بالأصل غيره (٤) ؛ وهي منقوضة طردا بالفلوس، والأوراق النقدية لأنها أثمان ولا ربا فيها على هذه العلة، وعكسا بالحلي والتبر، وأواني الذهب والفضة، فإنه يقع الربا فيها مع أنها ليست أثمانا (٥) .

стр. 13868

الترجيح: بعد عرض آراء العلماء في علة الربا في الذهب والفضة، وذكر أدلتهم ومناقشتها، يترجح عندي رأي القائلين بأن العلة مطلق الثمينة. لأن أدلة القائلين بالوزن والجنس، والقائلين بغلبة الثمنية لم يسلم أي منها من اعتراضات قوية؛ ولأن الذهب والفضة وإن كانا يتمتعان بخصائص لا توجد في غيرهما، وأن المضروب منهما ثمن بالاتفاق، إلا أن هذا لا يمنع من وجود الثمنية في غيرهما؛ إذا تحقق فيه القيام بدور النقود؛ ومنها إن صار وسيطا للتبادل، ولقي قبولا عاما، وهذه الخصائص وجدت في غير الذهب والفضة، فدل على أن التعليل بجوهر الثمنية، أو الثمنية الغالبة، إذا قصد بها الذهب والفضة فقط لا يصلح أن يكون علة، لوجود الثمن في غيرهما، مثل الأوراق النقدية التي تكاد تكون النقد الوحيد في العالم في هذه العصور. ومن هنا يتبين أن التعليل بالثمنية، أو الثمنية المطلقة هو الذي يشمل كل نقد، وأنه التعليل الذي يتفق مع مقاصد الشارع. وقد تنبه أبو الخطاب الكلوذاني، الفقيه الحنبلي المتوفى سنة (٥١٠هـ) ، إلى فائدة التعليل بالثمنية، وعدم قصره على الذهب أو الفضة فقال: (من فوائدها ربما حدث جنس آخر يجعل ثمنا، فتكون تلك علة) (١) . وما أورد على من علل بالثمنية المطلقة بأن الأواني، والحلي من الذهب والفضة يجري فيها الربا وليست أثمانا، وأن هذا يؤدي إلى تخلف العلة عن الحكم. فالجواب عليه: أن الربا في الذهب والفضة ثابت بالنص، وهو عام يشمل التبر والمضروب، والحلي، والأواني، وقد حكى النووي، وابن عبد البر الإجماع عليه. وأن الثمنية في الذهب والفضة يمتد إلى أصل المضروب، بدليل أن السبائك الذهبية كانت تستعمل نقدا قبل سكها نقودا، وكان تقدير ثمنيتها بالوزن، والدليل على ذلك ما رواه الترمذي عن سويد بن قيس قال: جلبت أنا ومخرمة العبدي بزا من هجر فجاءنا النبي ﷺ فساومنا سروايل وعندي وزان يزن بالأجر فقال النبي ﷺ للوزان: ((زن وأرجح)) (٢) . قال الترمذي حديث حسن صحيح. ورواه أبو داود وابن ماجه والنسائي، والإمام أحمد، والدارمي.

стр. 13869

فدل الحديث الشريف على أنه يصح التعامل بالأثمان من الذهب والفضة بالوزن. كما يتعامل بها إذا كانت مضروبة ومحددا وزنها عددا؛ والموزون يمكن أن يكون مضروبا، أو سبائك أو تبرا، فدل على أن الثمنية شاملة للذهب والفضة في جميع أحواله. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (إن الناس في زمن رسول الله ﷺ كانوا يتعاملون بالدراهم والدنانير تارة عددا وتارة وزنا) (١) . وبعد أن استقر التعامل بالنقود الورقية في جميع دول العالم، وأصبحت النقد الوحيد الذي يتعامل به الناس اليوم، أو كاد، وبعد أن ثبتت علة الثمنية لها؛ لاكتسابها خصائص النقد، وصدر بهذا إقرار المجامع الفقهية، وهيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية، وهو ما استقر عليه رأي معظم الكتاب المعاصرين، وبعد أن اختفى التعامل بالذهب كنقد، إلا في نطاق محدود جدا، ومع أن بعض الدول – في العصر الحاضر – تمنع اتخاذ الذهب عملة. ومع أن السبائك الذهبية صارت سلعة تباع وتشترى. ومع كل هذا فإن علة الثمنية الثابتة للدينار قديما لا زالت باقية، وستظل إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وإن التعامل بالنقود الورقية، أو ظهور عملات أخرى في الوقت الحاضر، أو في العصور القادمة لا يغير علة الثمنية، ولا يقلل منها، في الدينار أو الدرهم، ولا وفي السبائك أو الحلي أو التبر، أو أي نوع من أنواع الذهب أو الفضة؛ لأن السنة الشريفة أوجبت التماثل عند بيع أي منهما بجنسه، وأوجبت القبض عند بيع أي منهما بالآخر، فهما الأصل، وغيرهما مقيس عليهما. ***

стр. 13870

المبحث الرابع أثر الجودة في شروط التماثل تختلف جودة الذهب من جهة تفاوته، وتفاوت عياره؛ ويراد بها مقدار نسبة الذهب الصافي مما يمكن أن يخلط به، مثل أن يكون عيار ٢٤ أو ٢١ أو ١٨. فهل يشترط في بيع بعضه ببعض التماثل؟ أم يجوز التفاضل؟ لا خلاف بين العلماء في أن جيد الذهب ورديئه سواء فيشترط التماثل ويحرم التفاضل، والمراد بالتماثل في الوزن، أو الكيل، أو العدد، أما اعتبار الجودة في الأموال الربوية عند المقابلة بالجنس فهي ساقطة؛ ومنها بيع الذهب بجنسه. سواء كان: تبرا، أو سبائك، أو مضروبا نقودا، صحيحا، أو مكسرا، مصنوعا أو غيره (١) . وإن خالف البعض في الحلي بغيرها (٢) . والدليل على وجوب التماثل، ما أوردناه من الأدلة في شروط الصرف، عند التعرض لشرطي التقابض والتماثل. والأدلة على عدم اعتبار الجودة منها: ١- عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة- ﵄ – ((أن رسول الله ﷺ استعمل رجلا على خيبر فجاءه بتمر جنيب (٣) فقال له: (أكل تمر خيبر هكذا) ، قال: لا، والله يا رسول الله. إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين، والصاعين بثلاثة، فقال: لا تفعل، بع الجمع بالدراهم ثم اتبع بالدراهم جنيبا)) (٤) . وهذا لفظ البخاري. ٢- عن عبادة بن الصامت أن رسول الله ﷺ قال: ((الذهب بالذهب تبرها وعينها والفضة بالفضة تبرها وعينها، والبر بالبر مدي بمدي، والشعير بالشعير مدي بمدي، والتمر بالتمر مدي بمدي، والملح بالملح مدي بمدي؛ فمن زاد أو ازداد فقد أربى ... )) (٥) الحديث. فدل حديث أبي سعيد على أن اعتبار الجودة في التمر ملغاة، لأن الرسول ﷺ نهى عن شراء التمر متفاضلا لأجل جودة الجنيب. بل أبطل البيع وأشار إلى الوسيلة الصحيحة عندما يراد شراء الجديد؛ وهي أن يباع الرديء بالدراهم – أي بغير جنس المبيع – ثم يُشترى بالدراهم النوع الجيد الذي يرغبه. وهذا في جميع أموال الربا؛ ومنها الذهب.

стр. 13871

ودل حديث عبادة: على وجوب التساوي عند اتخاذ الجنس ذهبا بذهب أو فضة بفضة، سواء كان تبرا وهو الذهب أو الفضة قبل أن يضرب، أو عينا؛ وهو الذهب أو الفضة بعد أن يضرب. ولكي يمكن معرفة نسبة نقاوة الذهب مما يختلط به؛ فإنها تقاس نقاوته كيماويا على أساس (١٠٠٠ من ١٠٠٠) ، ويكاد الذهب المتداول – غير الحلي والنقود الذهبية – أن يبلغ هذه الدرجة من النقاوة. إذ يشترط أن تكون نقاوة السبيكة القياسية للذهب المتداول دوليا (٩٩٥: ١٠٠٠) (١) . وحيث إن الذهب معدن لدن ومرن؛ فإنه لا يمكن تحويله إلى نقود أو حلي، أو أي مصوغات أخرى إلا إذا كان معه معدن آخر، كالنحاس أو الرصاص، ليكسبه صلابة، فيسهل تحويله. وتقل عدد قيراطات الذهب كلما زادت كمية المضاف إليه، وبالتالي تقل جودته. فيكون الذهب كمادة كيماوية ذات نقاوة ١٠٠٠: ١٠٠٠ معادلا ٢٤/٢٤. وهذا أجود عيار في الذهب و٢٢ قيراطا = ٩١٦ جزءا من الألف ٢١ قيراطا = ٨٧٥ جزءا من الألف ٢٠ قيراطا = ٨٣٣ جزءا من الألف ١٨ قيراطا = ٧٥٠ جزءا من الألف ١٤ قيراطا = ٥٨٣ جزءا من الألف ١٢ قيراطا = ٥٠٠ جزء من الألف وتقل هذه الجودة كلما هبط عيار الذهب (٢) . ولكن ما هو حد الرداءة الذي يعتبر معه هذا المعدن – وهو مختلط بغيره اختلاط امتزاج- ذهبا؟

стр. 13872

اختلف الفقهاء في حكم صرف النقود المغشوشة عند اتحاد الجنس كذهب بذهب. فقال الحنفية إذا كان الغالب الذهب، أو تساوي الذهب وما خلط به، أي ١٢/٢٤ فإنه يأخذ حكم الذهب؛ فيجب التماثل، ويحرم التفاضل. أما إذا كانت نسبة الغش هي الغالبة، فإنه حينئذ يجوز التفاضل. جاء في (بدائع الصنائع) : (الدراهم المضروبة أقسام ثلاثة: إما أن تكون الفضة فيها هي الغالبة، وإما أن يكون الغش فيها هو الغالب، وإما أن تكون الفضة والغش فيها على السواء فإن كانت الفضة فيها هي الغالبة بأن كان ثلثاها فضة وثلثها صفرا أو كانت ثلاثة أرباعها فضة وربعها صفر ونحو ذلك فحكمها حكم الفضة الخالصة لا يجوز بيعها بالفضة الخالصة إلا سواء، وكذا بيع بعضها ببعض لا يجوز إلا مثلا بمثل لأن اعتبار الغالب وإلحاق المغلوب بالعدم هو الأصل في أحكام الشرع؛ ولأن الدراهم الجياد لا تخلو عن قليل غش) (١) . لكن متأخري الحنفية وهم مشايخ ما وراء النهر قالوا: الدراهم المضروبة التي غالبها الغش يجب أن تعامل معاملة الخالصة؛ في بابي الربا والصرف. فلا يجوز فيها التفاضل (٢) . وذهب المالكية على الراجح من مذهبهم إلى جواز بيع المغشوش بمثله مبادلة، ومراطلة، كما يجوز بيعه بالخالص من الغش مراطلة. جاء في شرح الخرشي: (وجاز بيع مغشوش بمثله وبخالص، وجعله في الشامل المذهب، ابن عرفة، وهو اختيار ابن محرز واستظهر ابن رشد منعه وإليه أشار بقوله والأظهر خلافه، وأنه لا يجوز بيع المغشوش بالخالص، والخلاف إنما هو في المغشوش الذي لا يجري بين الناس كغيره، وإلا فيجوز اتفاقا كما يظهر من كلام التوضيح، وظاهر كلام ابن رشد دخول الخلاف فيه أيضا، وإنما أعاد العامل في قوله وبخالص لأجل قوله والأظهر خلافه فإن خلاف ابن رشد إنما هو في الثانية) (٣) . وقال الشافعية: (لا يجوز بيع دراهم مغشوشة بمغشوشة، أو بخالصة؛ لاشتمالهما على جنسين ربويين من الجانبين، أو من جانب واحد. وهي مسألة مد عجوة) (٤) . وقد تعرضنا لها في المبحث الخامس. وقال الحنابلة: (إذا بيعت النقود المغشوشة بالمغشوشة من جنسها جاز البيع إذا تساوى ما فيهما من الذهب، أو الفضة والغش، أو كان المعدن الذي حدث به الغش غير مقصود فيها. كالجنيهات الذهبية إذا خلطت بالنحاس أو الصفر؛ لأنها لا تخلو عن قليل غش؛ ووجود مقدار من الغش فيها غير مقصود، فلا يكون من قاعدة مد عجوة. أما إذا تفاوت ما فيهما من الذهب ومن الغش، أو جهل مقدار كل فإنه لا يجوز بيع بعضها ببعض. للعلم بالتفاضل في الأولى، والجهل بالتماثل في الثاني) (٥) .

стр. 13873

والراجح عندي مذهب الحنفية؛ وهو أن الحكم للغالب فإذا زادت نسبة الذهب على المخلوط به مثل إن كانت ١٣/٢٤، أو تساوت نسبة الذهب مع غيره مثل إن كان عيار ١٢/٢٤ فإنه يأخذ حكم الذهب في الحلي وغيرهما – عدا النقود – فيجب تطبيق شروط الصرف، ومنها وجوب التماثل، وحرمة التفاضل. أما إذا كانت نسبة الذهب أقل من المخلوط معه، واختلاطه هو اختلاط امتزاج، يتعذر فصله إلا بفساد المصنوع فإنه حينئذ لا يأخذ حكم الذهب، وإنما يأخذ حكم السلع من حيث أحكام الربا والصرف. فلا يشترط التماثل ولا التقابض. أما النقود المغشوشة التي غالبها الغش، إذا كانت سكة سائرة فإنه يطبق عليها أحكام الربا والصرف لأنها نقود؛ ثبتت فيها علة الثمنية فيجب التقابض والتماثل إذا بيع بعضها ببعض، ويجب التقابض دون التماثل إذا بيعت بنقود من غير جنسها. ولأن ما ذكره الحنابلة من وجوب تساوي ما فيهما من ذهب، أمر يتعذر تحقيقه. لأنه – كما ذكرنا سابقا – لا بد من وجود نسبة من الغش في الذهب والفضة، وهذه النسبة تتفاوت من مصنوع إلى مصنوع آخر. ولأن الفقهاء قد اتفقوا على أن جيد الذهب ورديئه سواء في اشتراط التماثل، والرداءة في الغالب تكون بسبب ما يضاف إليه. لكن إذا طغى النحاس أو الرصاص، أو غيرهما على الذهب لم يعد ذهبا فلا يشترط حينئذ التماثل. ***

стр. 13874

المبحث الخامس شراء حلي الذهب أو الفضة بجنسه من غير الحلي المطلب الأول تعريف الحلي، والصياغة أ - الحلي: (ما تزين به من مصوغ المعدنيات أو الحجارة) (١) قال: كأنها من حسن وشاره والحلي حلي التبر والحجاره والجمع حلي قال الفارسي: وقد يجوز أن يكون الحلي جمعا، وتكون الواحدة حلية، كشرية وشري، وهدية وهدي. والحلية كالحلي، والجمع من حلي وحلي (٢) . وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ [فاطر: ١٢] . جاز أن يخبر عنهما بذلك لاختلاطهما، وإلا فالحلية إنما تستخرج من الملح دون العذب. وحليت المرأة حليا، وهي حال وحالية: استفادت حليا، أو لبسته. وحلاها، ألبسها حليا أو اتخذه لها. وقوله تعالى: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ [الحج: ٢٣] عداه إلى مفعولين؛ لأنه في معنى: يُلْبَسُونَ (٣) . ب - الصياغة: عمل الحلي من فضة وذهب ونحوهما (٤) . أي تحويلهما إلى حلي جديد صالح للاستعمال. جاء في المصباح المنير: (صاغ الرجل يصوغه صوغا: جعله حليا، فهو صائغ، وصواغ، وهي الصياغة، وصاغ الكذب صوغا اختلقه، والصيغة أصلها الواو: مثل القيمة) (٥) (والصيغة العمل والتقدير، وهذا صوغ هذا إذا كان على قدره، وصيغة القول كذا أي مثاله وصورته على التشبيه بالعمل والتقدير) (٦) . المطلب الثاني آراء الفقهاء في حكم شراء حلي الذهب أو الفضة بجنسه من غير الحلي لا خلاف بين الفقهاء في اشتراط التماثل إذا بيع المصوغ بالمصوغ. أما بيع الذهب المصوغ، كالحلي وغيره بغير المصوغ، كالتبر والمضروب من الدراهم والدنانير، على اعتبار إلغاء الصناعة في المضروب، أو بيع الصحاح بالمكسرة، فللفقهاء في وجوب التماثل، وجواز التفاضل في مقابلة الصنعة مذهبان. المذهب الأول: ويري القائلون به أنه لا عبرة للصناعة ولا لغيرها، فيجب التماثل في بيع الجنس بجنسه – ذهب بذهب، أو فضة بفضة – فيحرم بيع مصنوع من الموزونات لم تخرجه الصناعة عن الوزن بجنسه، إلا مثلا بمثل، وزنا بوزن، سواء ما ماثله في الصناعة أم لا. وهذا مذهب جمهور العلماء من الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة (٧) والظاهرية والزيدية والإمامية. وممن قال به من العلماء المعاصرين، سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم، والشيخ عبد العزيز بن باز، وصدر به قرار هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية (٨) .

стр. 13875

المذهب الثاني: ويقول أصحابه: إذا كانت الصناعة مباحة، كخاتم الفضة، وحلية النساء، وبيعت الحلية بجنسها من غير المصنوع؛ فإنها تباع بالقيمة، ولا يشترط التماثل؛ جعلا للزائد في مقابلة الصنعة. وهو قول شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم، وقد جوزاه حالا ومؤجلا، ما لم يقصد كونهما ثمنا؛ أي لم يقصد الثمنية في الحلي، وإنما قصد كونه حليا يلبس. جاء في (الفتاوى الكبرى) : (ومن المسائل التي انفرد بها شيخ الإسلام عن الأئمة الأربعة القول بجواز بيع ما يتخذ من الفضة للتحلي وغيره كالخاتم ونحوه بالفضة متفاضلا وجعل الزيادة في الثمن في مقابلة الصنعة) (١) واشتهرت نسبته إلى شيخ الإسلام ابن تيمية، جاء في (كشف القناع) : (وجوز الشيخ المصوغ بقيمته حالا وكذا نساء ما لم يقصد كونهما ثمنا، فإن قصد ذلك لم يجز للنساء) (٢) وفي فتاواه نص على عدم الجواز؛ جاء في (مجموع الفتاوى) : (وإذا بيعت الفضة المصنوعة بفضة أكثر منها لأجل الصناعة لم يجز) (٣) . والمشهور عن شيخ الإسلام ما قدمناه. وما جاء في (مجموع الفتاوى) إما أنه قول ثان له، وإما أنه عرف من سؤال السائل أن أحدهما قصد أن يكون ثمنا؛ فلم يجزه بناء على القاعدة عنده. وقد نسب إلى الإمام مالك (أنه سئل عن الرجل يأتي دار الضرب بورِقه فيعطيهم أجرة الضرب ويأخذ منهم دنانير ودراهم وزنَ ورقه أو دراهمه، فقال: إذا كان ذلك لضرورة خروج الرفقة ونحو ذلك فأرجو أن لا يكون به بأس، وبه قال ابن القاسم من أصحابه) (٤) . لكن الصحيح أن هذا ليس مذهبا للإمام مالك، ولم يقل به في مسألة الحلي. فليس فيه موافقة لرأي أصحاب القول الثاني.

стр. 13876

أما أنه ليس مذهبا، ولا قولا للإمام مالك؛ لأن قوله على خلاف؛ لأن أصحابه قد نفوه عنه؛ فقد قال ﵀: (ومن أتى إلى الصائغ بورقه ليعمل له خلخالا فوجد عنده خلخالا معمولا فراطله فيه بورقه وأعطاه أجرة عمل يده فلا خير فيه) (١) وقد أنكره فقهاء المالكية؛ قال القاضي عبد الوهاب في (شرح الرسالة) : (وحكى بعضهم عنا في هذا العصر أنه يجوز أن يستفضل بينهما قدر قيمة الصياغة، وهذا غلط علينا، وليس هذا بقول لنا، ولا لأحد على وجه، والدليل على منع ذلك عموم الظواهر التي قدمناها وليس فيها فرق بين المصوغ والمضروب، وصرح القاضي عبد الوهاب بأن زيادة قيمة الصنعة إنما لا تراعى إلا في الإتلاف دون المعاوضات) (٢) . قال السبكي: (فلا وجه لنصب الخلاف معهم وهم موافقون) (٣) . وقال ابن عبد البر: (رواها جماعة من أصحاب مالك عن مالك. وهي مسألة سوء منكرة، لا يقول بها أحد من فقهاء المسلمين، وقد روي عن مالك في غير مسألة ما يخالفه. قال مالك في الرجل يأتي دار الضرب بورقه فيعطيهم أجر الضرب ويأخذ منهم وزن ورقه مضروبة. قال: إذا كان ذلك لضرورة خروج الرفقة ونحوه فأرجو أن لا يكون به بأس. وقال سحنون: عن ابن القاسم: أراه خفيفا للمضطر ولذي الحاجة، قال ابن وهب: وذلك ربا ولا يحل شيء منه، وقال عيسى بن دينار: لا يصلح هذا ولا يعجبني) (٤) . وقال ابن رشد بعد أن أورد مسألة الضرب: (ولم يجز مالك ولا أحد من أصحابه شراء حلي الذهب والفضة بوزنه من الذهب والفضة وزيادة قدر الصياغة) (٥) .

стр. 13877

وقال ابن رشد: (ونقل عن مالك ﵀ أنه كان يعمل به في زمن بني أمية لأنها كانت سكة واحدة والتجار كثير والناس مجتازون، والأسواق متقاربة، فلو جلس كل واحد حتى يضرب ذهب صاحبه فاتت الأسواق، فلا أرى بذلك بأسا؛ فأما اليوم فإن الذهب يغش، وقد صار لكل مكان سكة تضرب، فلا أرى ذلك يصلح، وإلى هذا ذهب ابن المواز من رأيه أن ذلك لا يجوز اليوم لأن الضرورة ارتفعت، وقال سحنون: لا خير فيه، وإليه ذهب ابن حبيب، وحكى أنه سأل عن ذلك من لقي من المدنيين والمصريين فلم يرخصوا فيه علي حال) (١) . وبعدما سبق فقد تحرر مذهب الإمام مالك ﵀؛ وهو في الحلي بيعه بمثله قولا واحدا. قال ابن حبيب: (وأما الصائغ فلا يجوز ذلك معه قولا واحد) . يؤيده ما نقلناه عن الإمام فيما سبق. وشبهة من ظن أنه يقول به في الحلي أمران: الأول: قياسهم بيع الحلي على الإتلاف؛ فإذا أتلف على إنسان ذهبا مصوغا فإنه يرد مثل الذهب، وقيمة الصنعة. قال القاضي عبد الوهاب: (إن زيادة قيمة الصنعة إنما لا تراعى إلا في الإتلاف دون المعاوضات) . (٢) . الثاني: مسألة ضرب السكة، ودفع الأجرة عليها، وفيها روايتان عن مالك، رواية الجواز مع الكراهة، وقيدها بالضرورة واحتج بضرورة الناس إلى الدراهم، وتعذر الصرف إلا في دار الضرب، مع حاجة الناس إلى الاستعجال، وانحفاز المسافر للمرور مع أصحابه وخوفه على نفسه في الانفراد، ويخاف إن غاب عنه ذهبوا أن لا يعطاه ويمطل به، والضرورة العامة تبيح المحظورات، وأما اليوم فقد صار الضرب بكل بلد واتسع الأمر فلا يجوز له (٣) . ومعلوم أن حالة الإتلاف غير حالة البيع، وأن مسألة ضرب السكة، والتي للضرورة لا يصح تجويز بيع الحلي بمثله وزيادة قيمة الصنعة عليها، لأن هذا للضرورة ولا ضرورة في بيع الحلي بمثله وزيادة أجرة الصنع.

стр. 13878

المطلب الثالث: أدلة الفريقين: الفرع الأول – أدلة أصحاب المذهب الأول: استدل الجمهور على وجوب التماثل في بيع الحلي، وعدم جواز أي زيادة لأجل الصنعة؛ بالكتاب، والسنة، والإجماع، والمعقول. أما الكتاب فقول الله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] . وجه الدلالة: أن الله حرم الربا، والربا هو الزيادة. ودليل التحريم عام، لم يفرق بين المصنوع وغيره. وأما السنة: فقد استدلوا بأحاديث كثيرة منها ما يفيد وجوب التماثل بعمومه، ومنها ما هو نص في الموضوع. فأما ما يفيد التماثل بعمومه فكثيرة نكتفي منها بما يأتي: ١- عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله ﷺ : ((الذهب بالذهب والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلا بمثل، سواء بسواء يدا بيد فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد)) (١) . ٢- عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: ((الدينار بالدينار لا فضل بينهما، والدرهم بالدرهم لا فضل بينهما)) (٢) . ٣- حديث أبي سعيد الخدري رضي الله قال: ((أبصرت عيناي وسمعت أذناي رسول الله ﷺ يقول لا تبيعوا الذهب بالذهب ولا تبيعوا الورق بالورق إلا مثلا بمثل ولا تشفوا)) (٣) ((بعضه على بعض ولا تبيعوا شيئا غائبا منه بناجز إلا يدا بيد)) (٤) . وفي لفظ ((إلا وزنا بوزن مثلا بمثل سواء بسواء)) . وأما الأحاديث التي تعتبر نصا في الموضوع فنذكر منها ما يأتي: ٤- عن أبي قلابة قال: ((كنت بالشام في حلقة فيها مسلم بن يسار، فجاء أبو الأشعث قال: قالوا: أبو الأشعث أبو الأشعث، فجلس فقلت له: حدث أخانا حديث عبادة بن الصامت قال: نعم غزونا غزاة وعلى الناس معاوية فغنمنا غنائم كثيرة فكان فيما آنية من فضة فأمر معاوية رجلا أن يبيعها في أعطيات الناس فتسارع الناس في ذلك فبلغ عبادة بن الصامت، فقام فقال: إني سمعت رسول الله ﷺ ينهى عن بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح إلا سواء بسواء عينا بعين فمن زاد أو ازداد فقد أربى. فرد الناس ما أخذوا، فبلغ ذلك معاوية فقام خطيبا فقال: ألا ما بال رجال يتحدثون عن رسول الله ﷺ أحاديث قد كنا نشهده ونصحبه فلم نسمعه منه، فقام عبادة بن الصامت فأعاد القصة ثم قال: لنحدثن بما سمعنا من رسول الله ﷺ وإن كره معاوية – أو قال وإن رغم – ما أبالي إلا أصحبه في جنده ليلة سوداء)) . قال حماد: هذا أو نحوه (٥) .

стр. 13879

٥- روى مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار، أن معاوية بن أبي سفيان باع سقاية من ذهب أو ورق بأكثر من وزنها فقال أبو الدرداء: سمعت رسول الله ﷺ ينهى عن مثل ذلك إلا مثلا بمثل، فقال له معاوية: ما أرى بمثل هذا بأسا، فقال أبو الدرداء: من يعذرني من معاوية أنا أخبره عن رسول الله ﷺ ويخبرني عن رأيه؛ لا أساكنك بأرض أنت بها. ثم قدم أبو الدرداء على عمر بن الخطاب فذكر ذلك له، فكتب عمر بن الخطاب إلى معاوية أن لا تبع ذلك إلا مثلا بمثل وزنا بوزن (١) . قال أحمد شاكر: الحديث صحيح (٢) . قال ابن عبد البر: (ظاهر هذا الحديث الانقطاع؛ لأن عطاء لا أحفظ له سماعا من أبي الدرداء، وما أظنه سمع منه شيء؛ لأن أبا الدرداء توفي بالشام في خلافة عثمان لسنتين بقيتا من خلافته) (٣) . وقال: (هذه القصة لا يعرفها أهل العلم لأبي الدرداء إلا من حديث زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار، وأنكرها بعضهم؛ لأن شبيها بها عرضت لمعاوية مع عبادة، وهي صحيحة مشهورة محفوظة مع معاوية من وجوه وطرق شتى) (٤) . فابن عبد البر ذكر احتمال الانقطاع، واشتباه رواية أبي الدرداء برواية عبادة بن الصامت. والجواب على هذا بالنسبة لدعوى الانقطاع: أولا: لم يجزم ابن عبد البر بالحكم بالانقطاع. وبعد البحث تبين أن الحديث متصل؛ لأن أبا الدرداء توفي لسنتين من خلافة عثمان بن عفان، ﵁ (٥) ، وعثمان توفي سنة خمس وثلاثين، وسط أيام التشريق وهو الراجح (٦) وقيل: سنة ستة وثلاثين (٧) . فتكون وفاة أبي الدرداء هي سنة ثلاث وثلاثين أو أربع وثلاثين. وعطاء بن يسار توفي على الراجح من قول أهل العلم سنة ثلاث ومئة، وعمره أربع وثمانون سنة، وهو قول الواقدي، وعمرو بن علي، وجزم به ابن يونس في تاريخ مصر، وذكره ابن حبان في الثقات (٨) . قال ابن حجر: (كان مولده سنة تسع عشرة، ومات سنة ثلاث ومائة) (٩) .

стр. 13880

وبناء على ما ذكرناه من تاريخ وفاة أبي الدرداء، وتاريخ مولد عطاء؛ فإن سن عطاء عند وفاة أبي الدرداء أربع عشرة سنة أو خمس عشرة سنة؛ وعلى هذا فإنه يكون معاصرا له، فلا يكون الحديث منقطعا. يؤيده أن عطاء بن يسار لم يذكره خليل بن كيكلدي العلاء في المراسيل، ضمن كتابه جامع التحصيل في أحكام المراسيل، فلم يذكر أنه لم يسمع أو لم يدرك أبا الدرداء وكذلك ابن حجر، وقبله المزي في تهذيب الكمال، وفي تحفة الأشراف بمعرفة الأطراف؛ حيث قال: عطاء بن يسار عن أبي الدرداء ولم يذكر أنه مرسل (١) ، كما أن البيهقي في السنن الكبرى روى هذه الرواية من طريق الشافعي (٢) ، وكذلك في معرفة السنن والآثار (٣) . وسكت عنه ولم يعلق كعادته في بيان المنقطع والمعلل من الأحاديث. وقد ذكر ابن حجر أبا الدرداء ضمن من روى عنهم عطاء بن يسار (٤) . قال الزرقاني: (والإسناد صحيح وإن لم يرد من وجه آخر فهو من الأفراد الصحيحة) (٥) . ثانيا: يمكن أن يكون عطاء سمع من معاوية، ومعاوية ذكر الحادثة التي وقعت له مع أبي الدرداء؛ لأن معاوية توفي سنة ستين من الهجرة. أما اشتباه رواية أبي الدرداء برواية عبادة فإن الجميع ممكن، لأنه عرض له ذلك مع عبادة، وأبي الدرداء (٦) . وترجح عندي أن يكون هذا في وقعة واحدة أنكره عبادة على معاوية، كما أنكرها عليه أبو الدرداء، وكل منهما منفرد بفتواه وإجابته وإنكاره. ويمكن أن تكونا قضيتين في زمنين مختلفين؛ إحداهما وقعت لعبادة مع معاوية، والأخرى وقعت لأبي الدرداء مع معاوية أيضا. والله أعلم. ٦- روى مالك عن يحيى بن سعيد أنه قال: (أمر رسول الله ﷺ السعدين أن يبيعا آنية من المغانم من ذهب أو فضة فباعا كل ثلاثة بأربعة عينا، وكل أربعة بثلاثة عينا، فقال لهما رسول الله ﷺ : ((أربيتما فردا)) (٧) وهو حديث مرسل (٨) وقد روي هذا الحديث متصلا من طريق آخر. فقد أورده ابن عبد البر قال: ذكر يعقوب بن شيبة وسعد بن عبد الله بن الحكم، قالا: حدثنا قدامة بن محمد بن قدامة بن خشرم الأشجعي عن أبيه قال: حدثني مخرمة بن بكير عن أبيه قال: سمعت أبا كثير جلال مولى عبد الرحمن أو عبد العزيز بن مروان يقول: سمعت حنشا السبائي عن فضالة بن عبيد يقول: كنا يوم خيبر فجعل رسول الله ﷺ على الغنائم سعد بن أبي وقاص، وسعد بن عبادة، فأرادوا أن يبيعوا الدينارين بالثلاثة، والثلاثة بالخمسة، فقال رسول الله ﷺ : ((لا، إلا مثلا بمثل)) (٩) . قال ابن عبد البر: (وهذا إسناد صحيح متصل حسن) (١٠) .

стр. 13881

٧- روى مالك عن حميد بن قيس المكي عن مجاهد، أنه قال: (كنت مع عبد الله بن عمر فجاءه صائغ فقال له: يا أبا عبد الرحمن، إني أصوغ الذهب ثم أبيع الشيء من ذلك بأكثر من وزنه فأستفضل منذ ذلك قدر عمل يدي، فنهاه عبد الله عن ذلك، فجعل الصائغ يردد عليه المسألة وعبد الله ينهاه حتى انتهى إلى باب المسجد أو إلى دابة يريد أن يركبها ثم قال عبد الله بن عمر: الدينار بالدينار والدرهم بالدرهم لا فضل بينهما هذا عهد نبينا وعهدنا إليكم) (١) . قال أحمد البنا: رواه مالك والشافعي في مسنده والبيهقي وسنده عندهم جيد (٢) . ورواه الإمام الشافعي في الرسالة عن ابن عمر أنه قال: (الدينار بالدينار والدرهم بالدرهم لا فضل بينهما هذا عهد نبينا إلينا وعهدنا إليكم) (٣) . قال أحمد شاكر: هذا حديث صحيح جدا (٤) . ٨- عن فضالة بن عبيد الأنصاري يقول: (أتي رسول الله ﷺ وهو بخيبر بقلادة (٥) فيها خرز (٦) وذهب، وهي من المغانم، تباع فأمر رسول الله ﷺ بالذهب في القلادة الذي في القلادة فنزع وحده ثم قال لهم رسول الله ﷺ : ((الذهب بالذهب وزنا بوزن)) (٧) . ٩- عن أبي رافع قال: قلت لعمر بن الخطاب – ﵁ يا أمير المؤمنين إني أصوغ الذهب فأبيعه بالذهب بوزنه، وآخذ لعمله أجرا. فقال: (لا تبع الذهب بالذهب إلا وزنا بوزن والفضة بالفضة إلا وزنا بوزن ولا تأخذ فضلا) (٨) وهذا الأثر عند عبد الرزاق في سنده مجهول. لكن البيهقي ساقه بسند فيه تعديل على الإبهام، لذلك المجهول فقال: وأخبرني أبو الحسين بن بشران العدل ببغداد. ١٠- وروى أنس بن مالك قال: (أتى عمر بن الخطاب – ﵁ – بإناء خسرواني قد أحكمت صنعته فبعثني به لأبيعه، فأعطيت به وزنه وزيادة، فذكرت ذلك لعمر – ﵁ – فقال: أما الزيادة فلا – وهذا الإناء من ذهب أو فضة) (٩) . وروى هذا الأثر ابن حزم من طريق سعيد بن منصور نا جرير بن عبد الحميد عن السماك بن موسى بن أنس بن مالك عن أبيه: أن عمر أعطاه آنية خسروانية مجموعة بالذهب فقال عمر: اذهب فبعها واشترط رضانا، فباعها من يهودي بضعف وزنها، ثم أخبر عمر، فقال له عمر: اذهب فاردده، لا، إلا بزنته (١٠) .

стр. 13882

ومن المعلوم أن ابن حزم لا يحتج إلا بالصحيح. قال في مقدمة كتابه: (وليعلم من قرأ كتابنا هذا أننا لم نحتج إلا بخبر صحيح من رواية الثقات) (١) . وجه الدلالة من الأدلة السابقة: فقد جاء حديث أبي سعيد الخدري وحديث أبي هريرة بصيغة النهي عن بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة إلا مثلا بمثل، وكذلك حديث عبادة جاء عاما في كل ذهب وفضة؛ حيث يدخل فيهما جميع أصنافهما من مضروب ومنقوش وجيد ورديء وصحيح ومكسور وحلي وتبر خالص ومغشوش. وليس في هذا الحديث ولا في غيره من الأحاديث ما يفيد تخصيص بيع الحلي من عموم النهي. فتكون الزيادة التي يقال: إنها في مقابل الصنعة حراما، والعقد فاسدا؛ لأنه منهي عنه، والنهي يفيد البطلان. وأما حديثا عبادة، وأبي الدرداء فوجه الدلالة فيهما إنكارهما على معاوية بيعه آنية من فضة بأكثر من وزنها كما جاء مصرحا به في حديث أبي الدرداء، والآنية قد تغيرت بالصناعة من التبر أو من الدراهم المضروبة إلى الشكل الذي أصبحت به آنية تصلح للاستعمال فقد بين الصحابيان الجليلان الحكم وهو عدم جواز بيعها بأكثر من وزنها، ولم يجيزا أي زيادة مقابل العمل. فتضمن الحديثان الشريفان الإنكار في الحالة الأولى، ثم بيان الحكم وهو الحرمة، وكيفية تصحيحه وهو أن يباع مثلا بمثل، ثم دعما قولهما بالدليل من رسول الله ﷺ فهذا بيان للحكم بدليله، ولم يلتفتا إلى قيمة الصنعة في الآنية المذكورة؛ حيث قال عبادة: ((إني سمعت رسول الله ﷺ ينهى عن بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة إلا سواء بسواء عينا بعين فمن زاد أو ازداد فقد أربى)) ، وقال أبو الدرداء: إني سمعت رسول الله ﷺ ينهى عن مثل هذا. فلما علم المسلمون الحكم امتثلوا وردوا ما أخذوا؛ تجنبا عن الوقوع في المحرم. وهذا دليل على أن هذا البيع باطل. وبعد أن حسا من معاوية ﵃ جميعا عدم تقبله لما ذكرا أعاد عبادة القصة وقال: لنحدثن بما سمعنا من رسول الله ﷺ ، وإن كره معاوية، أو قال: وإن رغم. وقال أبو الدرداء: من يعذرني من معاوية أنا أخبره عن رسول الله ﷺ ويخبرني عن رأيه، ثم جاء كتاب عمر إلى معاوية – ﵄ – مؤكدا عدم جواز التفاضل عند اتحاد الجنس سواء كان مصوغا أو غير مصوغ، وقد جاء ذلك بصيغة النهي (لا تبع ذلك إلا مثلا بمثل وزنا بوزن) . وقول عبادة: لا أبالي ألا أصحبه في جنده ليلة سوداء؛ وقول أبي الدرداء: لا أساكنك بأرض أنت فيها (يحتمل أن يكون القائل قد خاف على نفسه الفتنة لبقائه بأرض ينفذ فيها في العلم قول خلاف الحق عنده، وربما كان ذلك منه أنفة لمجاورة من رد عليه سنة علمها من سنن رسول الله ﷺ برأيه، وقد تضيق صدور العلماء عند مثل هذا وهو عندهم عظيم: رد السنن بالرأي) (٢) فدل على أن الزيادة في الذهب أو الفضة ربا لا فرق بين تبره ومضروبه ومصوغه وغير مصوغه.

стр. 13883

(وكان معاوية يذهب إلى أن النهي والتحريم إنما ورد من رسول الله ﷺ في الدينار المضروب والدرهم المضروب لا في التبر من الذهب والفضة بالمضروب، ولا في المصوغ بالمضروب، (وقيل: إنما كان ذلك منه في المصوغ خاصة والله أعلم) حتى وقعت له (الحادثة التي ذكرناها مع عبادة) ؛ وقد سأل عن ذلك أبا سعيد بعد حين، فأخبره عن النبي ﷺ بتحريم التفاضل في الفضة بالفضة والذهب بالذهب: تبرهما وعينهما، وتبر كل واحد منهما بعينه) (١) . وإنما كان سؤاله أبا سعيد استثباتا؛ لأنه كان يعتقد أن النهي إنما ورد في العين، ولم يكن – والله أعلم – علم بالنهي حتى أعلمه غيره. وخفاء مثل هذا على مثله غير نكير؛ لأنه من علم الخاصة، وذلك موجود لغير واحد من الصحابة. ويحتمل أن يكون مذهبه، كان كمذهب ابن عباس؛ فقد كان ابن عباس – وهو بحر العلوم – لا يرى بالدرهم بالدرهمين يدا بيد بأسا حتى صرفه عن ذلك أبو سعيد (٢) . ووجه الدلالة من حديث القلادة أنها نوع من الحلي، تتحلى بها النساء، وقد أبطل الرسول ﷺ بيعها عندما بيعت بذهب، لعدم العلم بتساوي ذهب القلادة بالذهب الذي هو ثمنها؛ حيث إن اقتران قلادة الذهب بالخرز يؤدي إلى عدم العلم بوزن ذهبها. فأمر بفصل الخرز أولا، ثم تساوي الثمن والمثمن، دون التفات إلى قيمة الصناعة في القلادة المذكورة، ولو كانت صناعة الحلي يجوز أن تقابل بالزيادة، لما أبطل الرسول ﷺ البيع المذكور؛ ولما أوجب التساوي، بل لا بد أن يبينه. لكنه أكد عدم جواز الزيادة التي منعها في الواقعة المذكورة بقوله: ((الذهب بالذهب وزنا بوزن)) . وقوله: الذهب، أي ذهب كان فهو شامل للحلي، لأنه جاء بيانا لحكم واقعة، هي بيع حلي بذهب. وهذه القضية نص في الموضوع لا تحتمل أي تأويل. وحديث السعدين، عندما باعا الآنية بالزيادة قال لهما رسول الله ﷺ ((: أربيتما فردا)) . وهذا يقتضي منع الزيادة في الذهب بالذهب والفضة بالفضة، وفي الحلي وغيرها؛ لأن الضرب نوع من الصنعة. وأمره ﷺ برد البيع دليل على فساد العقد. ووجه الدلالة من حديث عبد الله بن عمر مع الصائغ، نهيه ﵁ الصائغ أن يأخذ فضلا على قدر عمل يده. ثم بين الحالة التي يكون البيع فيها صحيحا وهي الدينار بالدينار والدرهم بالدرهم لا فضل بينهما. فالفضل بينهما الذي سأل عنه الصائغ، ورغب في تجويزه؛ وذلك بتكرير المسألة؛ وتبيين تبريره، وهو أن يستفضل قدر عمل يده؛ بين له الحكم وهو النهي عنه. ثم بين له الحالة التي يكون بيع الحلي فيها صحيحا عند اتحاد الجنس، فقال: الدينار بالدينار، والدرهم بالدرهم. ثم أكد الحكم بدليله؛ حيث قال: (هذا عهد نبينا إلينا وعهدنا إليكم) . فدل على أن هذا القول ليس من ابن عمر وإنما استند في فتواه إلى قول الرسول ﷺ . فهذا له حكم المرفوع.

стр. 13884

وقوله فيه: الدينار بالدينار والدرهم بالدرهم إشارة إلى جنس الأصل لا إلى المضروب دون غيره بدليل إرسال ابن عمر الحديث على سؤال الصائغ له عن الذهب المصوغ. ومثله قول عمر ﵁ لأبي رافع حين سأله عن الفضل مقابل الصياغة فقال: لا تبع الذهب بالذهب إلا وزنا بوزن، وأكد ذلك بقوله: ولا تأخذ فضلا. فدل على أن الفضل مقابل الصياغة لا يجوز. المعقول: ١- الصفات لا تقابل بالزيادة؛ لذا فإن العوضين إذا تساويا في الوزن، لم يؤثر اختلافهما في القيمة، كالجيد والرديء، بل المعتبر التساوي في المعيار الشرعي من كيل أو وزن (١) . ٢- ولأن اسم الذهب أو الفضة يتناول جميع أفراده جيده ورديئه، وتبره ومصوغه، صحيحه، ومكسوره، نافقه وغير نافقه، وغير ذلك، ومدار الحكم على ما يصدق عليه الاسم ولو اختلفت أنواع المسمى، وبناء عليه فلا اعتبار بما في الحلية والآنية من زيادة الصنعة، ولا يجوز أن تزيد قيمتها بسببها (٢) . ٣- ولأن صفة الوزن في النقدين منصوص عليها فلا يتغير بالصنعة ولا يخرج عن كونه موزونا (٣) ؛ ولذا فإنه لا يجوز بيع الدراهم والدنانير بالسبائك متفاضلا. الفرع الثاني – أدلة أصحاب المذهب الثاني: استدل القائل بجواز الزيادة في مقابلة الصنعة بما يأتي: ١- الحاجة: فيجوز مبادلة حلي الذهب بذهب بالتفاضل، على أن يكون الفضل في مقابل صناعة الحلي، وهذا وإن كان محرما سدا للذريعة، إلا أن ربا الفضل يباح منه ما تدعو إليه الحاجة؛ كالعرايا، فقد جوز الشارع بيع الرطب بالتمر لشهوة الرطب، وأين هذا من الحاجة إلى بيع المصوغ الذي تدعو الحاجة إلى بيعة وشرائه (٤) . ٢- دفع الحرج: (فإذا كانت الصياغة مباحة كخاتم الفضة وحلية النساء ... ، فالعاقل لا يبيع هذه بوزنها من جنسها، فإنه سفه وإضاعة للصنعة، والشارع أحكم من أن يلزم الأمة بذلك، فالشريعة لا تأتي به، ولا تأتي بالمنع من ذلك، فلم يبق إلا أن يقال: لا يجوز بيعها بجنسها البتة، بل يبيعها بجنس آخر، وفي هذا من الحرج والعسر والمشقة ما تنفيه الشريعة، فإن أكثر الناس ليس عندهم ذهب يشترون به ما يحتاجون إليه من ذلك، والبائع لا يسمح ببيعه ببر وشعير وثياب، وإن قالوا: على راغب الحلية اللجوء إلى الاستصناع، قلنا هذا متعذر أو متعسر، وكثير منهم يلجأ إلى الحيل من ذلك، ونحن نرى أن الحيل باطلة في الشرع) (٥) .

стр. 13885

٣- الحلي سلعة تباع كما تباع سائر السلع؛ لأنها خرجت بالصنعة عن جنس النقدين، وصارت من جنس الثياب وسائر السلع، فجاز بيعها بجنسها تفاضلا، ونساء، ولا يدخلها إما أن تقضي ٠وإما أن تربى، إلا كما يدخل سائر السلع (١) . ٤- قياسها على قيمة الإتلاف: فالحلي إذا غصب وتلف عند الغاصب فإنه يضمنه بقيمته لا بوزنه؛ لأنه بالصناعة صار متقوما، فكما يجوز ضمانه بالقيمة يكون بيعه كذلك. ٥- لا يجري الربا فيهما قياسا على عدم وجوب زكاتهما عند من يرى ذلك. فالنقدان من الذهب والفضة تجب فيهما الزكاة بلا خلاف، فإذا صار حليا لم تجب فيهما الزكاة عند جمهور العلماء. وهذا يعني أن الصناعة غيرت حكمهما الشرعي في الزكاة؛ وكذلك في الربا هما مالان ربويان، فإذا صارا حليا خرجا عن ربويتهما؛ لأنهما خرجا عن مقصود الأثمان، وأعدت للتجارة، فلا محذور في بيعها بجنسها، ولا يدخلها: إما أن تقضي وإما أن تربى، إلا كما يدخل في سائر السلع إذا بيعت بالثمن المؤجل، ولا ريب أن هذا قد يقع فيها، لكن لو سد على الناس ذلك لسد عليهم باب الدين وتضروا بذلك غاية الضرر (٢) . ٦- لا يعرف عن واحد من الصحابة أنه نهي عن بيع الحلي إلا بغير جنسه، وإلا بوزنه، والمنقول عنهم إنما هو في الأثمان، لا في الحلي. والناس في عهد النبي ﷺ كانوا يتخذون الحلية، وكانوا يبيعونها، ومعلوم قطعا أنها لا تباع بوزنها فإنه سفه (٣) . ٧- قياسه على الإجارة: فالزيادة التي تقابل قيمة الصنعة تعتبر بمثابة الإجارة على العمل (لأن المعاوضة إذا جازت على هذه الصياغة مفردة جازت عليها مضمومة إلى غير أصلها وجوهرها، إذ لا فرق بينهما في ذلك؛ فالشارع لا يقول لصاحب هذه الصياغة: بع هذا المصوغ بوزنه واخسر صياغتك. ولا يقول له: لا تعمل هذه الصياغة واتركها. ولا يقول له: تحيل على بيع المصوغ بأكثر من وزنه بأنواع الحيل. ولم يقل لا تبعه إلا بغير جنسه، ولم يحرم على أحد أن يبيع شيئا من الأشياء بجنسه) (٤) . ٨- (إذا كان أرباب الحيل يجوزون بيع عشرة بخمسة عشر في خرقة تساوي فلسا، ويقولون: الخمسة في مقابلة الخرقة، فكيف ينكرون بيع الحلية بوزنها وزيادة تساوي الصناعة؟ وكيف تأتي الشريعة الكاملة الفاضلة التي بهرت العقول حكمة وعدلا ورحمة وجلالة بإباحة هذا وتحريم ذلك؟ وهل هذا إلا عكس للعقول والفطر والمصلحة) (٥) .

стр. 13886

المطلب الرابع مناقشة الأدلة الفرع الأول – مناقشة أدلة الفريق الأول: ١- نوقش الاستدلال بالآية الكريمة، وبالأحاديث الدالة على عدم جواز التفاضل، ومنها حديث أبي سعيد الخدري؛ (بأنه ليس فيها ما هو صريح في المنع، وغايتها أن تكون عامة أو مطلقة ولا ينكر تخصيص العام، وتقييد المطلق بالقياس الجلي) (١) . سنجيب هنا على القول بأن الأحاديث ليس فيها ما هو صريح في المنع. وأما مسألة تخصيص العام وتقييد المطلق بالقياس الجلي فسوف نعرض لها عند مناقشة أدلة الفريق الثاني. والقول بأنه لم يرد فيه شيء يمنعه بخصوصه غير مسلم. فحديث عبادة في آنية الفضة بعد أن بين الحكم قال: ((إني سمعت رسول الله ﷺ ينهى عن بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة ... إلا سواء بسواء ... )) الحديث. فطبق حديث رسول الله ﷺ على تلك الواقعة. وجاء في حديث أبي الدرداء ((سمعت رسول الله ﷺ ينهى عن مثل هذا)) وجاء في حديث عبد الله بن عمر مع الصائغ ((هذا عهد نبينا وعهدنا إليكم)) فهذا له حكم المرفوع إلى رسول الله ﷺ . وهذه كلها أحاديث صحيحة؛ كما بيناه فيما سبق. وحديث القلادة واقعة عين في نوع من حلي النساء، أبطل الرسول ﷺ بيعه لاجتماع الذهب بالخرز مما يؤدي إلى عدم العلم بالتساوي، فأوجب الفصل، ثم المساواة بين ذهب القلادة – وهو مصنوع – وبين الذهب الذي هو ثمنها. فقال: (الذهب بالذهب وزنا بوزن) فهذه قضية عين لا تحتمل التأويل. وحديث السعدين الذي رواه الإمام مالك في الموطأ حيث أمرهما رسول الله ﷺ أن يبيعا آنية من ذهب أو فضة فباعا كل ثلاثة بأربعة عينا وكل أربعة بثلاثة عينا، فقال لهما رسول الله ﷺ : ((أربيتما فردا)) . فهذه الأحاديث كلها نصوص صريحة في المنع من بيع الحلي والأواني بأكثر من وزنها.

стр. 13887

٢- فإن قيل: إن النصوص الواردة بخصوص منع بيع الحلي بزيادة هي أقوال للصحابة وهي آراء لهم، وليس فيها نص عن رسول الله ﷺ ، إلا حديث يحيى بن سعيد، وهو مرسل. ٣- أجيب عليه بأن حديث النهي عن بيع القلادة إلا بالتساوي هو نص من الرسول ﷺ . والأحاديث الأخرى التي أوردها الصحابة- رضوان الله عليهم- ليست آراء لهم، وإنما هي مرفوعة، أو في حكم المرفوع؛ لأن أبا قتادة يقول: سمعت رسول الله ﷺ ينهى عن مثل هذا، ويقول ابن عمر: (هذا عهد نبينا إلينا، وعهدنا إليكم) . وأكد عبادة بن الصامت فتواه، بقوله: سمعت رسول الله ﷺ ، وأما حديث أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ فهو في حكم المرفوع؛ لأنه مما لا يقال بالرأي؛ ولأنه – استشهد – في جوابه للصائغ بحديث رسول الله ﷺ ، فقال: ((لا تبع الذهب بالذهب إلا وزنا بوزن، والفضة بالفضة إلا وزنا بوزن)) . والقول في حديث يحيى بن سعيد أنه مرسل، صحيح؛ لكنه جاء من طريق آخر بسند صحيح متصل، كما نقلناه عن ابن عبد البر. علما أن الحديث المرسل حجة عند الفقهاء، ولا يحد من العمل به إلا الإمام الشافعي. ٤- إن ما أنكره عبادة على معاوية لم يكون إلا لأنه يتضمن مقابلة الصياغة المحرمة بالأثمان، لا لأنه ربا؛ لأنه كان متعلقا بآنية من فضة، واتخاذ الأواني من الذهب والفضة حرام. والجواب على هذا: نعم إنها آنية من فضة، لكن عبادة ﵁ لم ينه عن البيع لأنها آنية؛ وإنما نهى عن البيع لعدم التماثل؛ لأنه واضح من سياق الحديث والخلاف مع معاوية، أن الأمر متعلق بأحكام ربا الفضل؛ يؤيده ما جاء في الحديث إلا سواء بسواء، عينا بعين، فمن زاد أو ازداد فقد أربى. وأما بيع الآنية فجاز لأنها من المغانم، ويمكن الاستفادة منها في غير الاستعمال كإناء؛ وذلك مثل تحويلها إلى دراهم، أو حلي، أو غير ذلك.

стр. 13888

وأما استدلالهم بالمعقول فنوقش بما يأتي: ١- (الفرق بين الصنعة التي هي أثر فعل الآدمي، وتقابل بالأثمان، ويستحق عليها الأجرة، وبين الصفة التي هي مخلوقة لله لا أثر للعبد فيها، ولا هي من صنعته، فالشارع بحكمته وعدله منع من مقابلة هذه الصفة بزيادة؛ إذ ذلك يفضي إلى نقض ما شرعه من المنع من التفاضل، فإن التفاوت في هذه الأجناس ظاهر ... وهذا بخلاف الصياغة التي جوز لهم المعاوضة عليها معه) (١) . والجواب على هذا: أين النص الذي جوز به الشارع من كتاب أو سنة معاوضة الحلي بجنسه مع زيادة تقابل الصنعة؟ بل إن النصوص صريحة بمنع مقابلة الصناعة بالزيادة. والقول بأن التفاوت في صفات الجودة والرداء ظاهر، يقال: إن التفاوت بين المصوغ وغير المصوغ أظهر. وإنما منع من مقابلتها بالزيادة للتجانس فقط؛ وهذا متحقق في الزيادة الصناعية كما هو في الزيادة الطبيعية. ولو جازت الزيادة مقابل الصنعة في الحلي، لجازت في بقية الربويات كالبر بدقيقه، لكنها لم تجز؛ لأنه يشترط التساوي، وهو متعذر. (٢) . (٢) وأما أن اسم الذهب يتناول جميع أفراده، فنوقش بأن الحلية المباحة صارت في الصنعة المباحة من جنس الثياب والسلع لا من جنس الأثمان. والجواب: أن هذا القول لا يسنده أي نص، بل إن النصوص تعارضه، كما بيناه في الأدلة (٣) .

стр. 13889

الفرع الثاني – مناقشة أدلة الفريق الثاني: ١- قولهم: لا ينكر تخصيص العام، وتقييد المطلق بالقياس الجلي، يجاب عليه بما يأتي: أولا: إنما يستعمل القياس إذا عدم النص، إما إذا وجد النص فإنه لا يسوغ الاجتهاد؛ قال الإمام الشافعي ﵀: (لا يحل القياس والخبر موجود، كما يكون التيمم طهارة في السفر عند الإعواز من الماء، ولا يكون طهارة إذا وجد الماء) (١) . والنصوص – كما قدمنا – متوافرة على النهي عن بيع الحلي بأكثر من وزنه. ثانيا: قاعدة تخصيص العام وتقييد المطلق بالقياس الجلي، مسلمة، وإن كان فيها خلاف عند علماء الفقه والأصول (٢) . ومع التسليم بالقاعدة فهي غير منطبقة على الدعوى، لما يأتي: أ - لأن القياس على العرايا لا يصح؛ حيث إن تجويزها ورد استثناء بنص خاص، وهو ما يعبر عنه بما جاء على خلاف القياس. فقد اشترط جمهور الفقهاء والأصوليين في حكم الأصل ألا يكون معدولا به عن سنن القياس (٣) . عن زيد بن ثابت عن رسول الله ﷺ أنه رخص بعد ذلك في بيع العرية بالرطب أو بالتمر ولم يرخص في غير ذلك. متفق عليه (٤) . فقوله: ولم يرخص في غير ذلك دليل على قصر الرخصة على هذا النوع من البيوع. كما يدل – أيضا – على قصر الرخصة في العرايا نهيه ﷺ عن المحاقلة والمزابنة (٥) . وقوله: (أنه رخص) نص على أن العرايا رخصة. وقوله: (بعد ذلك) أي بعد النهي عن بيع التمر بالتمر. قوله: (بالرطب أو بالتمر) (أو) محتملة أن تكون للتخيير، وأن تكون للشك، وأخرجه النسائي والطبراني من طريق صالح بن كيسان، والبيهقي من طريق الأوزاعي، كلاهما عن الزهري بلفظ: (بالرطب وبالتمر) ولم يرخص في غير ذلك. هكذا ذكره بالواو، وهذا يؤيد كون (أو) بمعنى التخيير لا الشك، بخلاف ما جزم به النووي (٦) .

стр. 13890

ب - أن هذا ليس قياسا جليا؛ لأنه لا يتفق مع تعريف القياس الجلي. حيث عرف بأنه: (ما عرفت علته بنص، أو إجماع) (١) . وعرفه بعض العلماء بأنه: (ما كانت العلة فيه منصوصة، أو غير منصوصة؛ غير أن الفارق بين الأصل والفرع مقطوع بنفي تأثيره) (٢) . وقد قسم الغزالي، وابن قدامة المقطوع بنفي تأثيره إلى مرتبتين: إحداهما: أن يكون المسكوت عنه أولى بالحكم من المنطوق به؛ كقوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣] فإنه أفهم تحريم الضرب والشتم، وكنهيه ﷺ عن الضحية بالعوراء والعرجاء فإنه أفهم المنع من العمياء ومقطوعة الرجلين. (٣) . المرتبة الثانية: ما يكون المسكوت عنه مثل المنطوق به، ولا يكون أولى منه ولا هو دونه، فيقال: إنه في معنى الأصل. (٤) كإلحاق الأمة بالعبد في تقويم نصيب الشريك على المعتق. كما في حديث ابن عمر – ﵄ – قال: قال رسول الله ﷺ : ((من أعتق شركا له في عبد، فكان له مال يبلغ ثمن العبد، قوم العبد عليه قيمة عدل، فأعطى شركاءه حصصهم وعتق عليه العبد، وإلا فقد عتق منه ما عتق)) (٥) . أخرجه البخاري ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وأحمد. وكثير من علماء الأصول، لا يرون تسميته بالقياس الجلي، بل يقولون: إنه من باب دلالة النص؛ لأن هذا معنى يستوي في فهمه الفقيه وغير الفقيه (٦) . والظاهر أن مراد ابن القيم – ﵀ – بالقياس الجلي لا يخرج عن التعريفات السابقة؛ لأنه قسم القياس إلى صحيح وفاسد، وقل في معرض بيان أوجه خطأ نفاة القياس: (أحدها: رد القياس الصحيح، ولا سيما المنصوص على علته التي يجري النص عليها مجرى التعميم باللفظ؛ مثل قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥] نهى عن كل رجس) (٧) .

стр. 13891

الثاني: (تقصيرهم في فهم النصوص، فكم من حكم دل عليه النص، ولم يفهموا دلالته عليه، وسبب هذا الخطأ حصرهم الدلالة في مجرد ظاهر اللفظ دون إيمائه، وتنبيهه، وإشارته، وعرفه عند المخاطبين، فلم يفهموا من قوله: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ ضربا، ولا سبًّا، ولا إهانة غير لفظة أف، فقصروا في فهم الكتاب كما قصروا في اعتبار الميزان) (١) . وقال – بصدد إنكاره على من قال: إن القياس كله باطل-: (وأنكروا القياس الجلي الظاهر، حتى فرقوا بين المتماثلين) (٢) . وقال بصدد تناقض القياسيين: (وتركهم لما هو نظيره من كل وجه، أو أولى منه) (٣) . فتبين من التعاريف التي ذكرناه، والتقسيمات التي نقلناها عن علماء الأصول، ومنهم ابن القيم أن قياس بيع الحلي بجنسه متفاضلا في الجواز على العرايا بعلة الحاجة ليس قياسا جليا؛ لأنه لا يساويه، فضلا عن أن يكون أولى منه، ولأن العلة ليس منصوصا عليها، ولا مجمعا عليها، وأين هذا من قياس الضرب على التأفيف، أو الأمة على العبد في سراية الحرية؟ بل إن الرخصة هنا منصوص على قصرها – كما سبق في بيانه في الحديث الشريف – فحكم الأصل قاصر عليه، فلا يقاس عليه غيره. ثالثا: وأما مسألة تخصيص العام وتقييد المطلق بالقياس الجلي: أ - فإضافة إلى الأحاديث العامة أوردنا أحاديث خاصة صحيحة ناصة على المنع من الزيادة في بيع حلي الذهب والفضة بجنسه. ومن هنا فليس هناك مجال للقول بتخصيص العموم في هذا الموضوع. ب - لم يثبت القياس الجلي- كما سبق بيانه – حتى يمكن التخصيص به. ٢- قال ابن القيم ﵀: (إن أكثر الناس ليس عندهم ذهب يشترون به حلي الفضة، أو فضة يشترون بها حلي الذهب، وأن البائع لا يسمح ببيعه ببر أو شعير أو ثياب، والاستصناع متعذر أو متعسر) (٤) . وهكذا سد كل الأبواب إلا بابا واحدا هو المطلوب إثبات جوازه. ولكنا لا نسلم وجود الحاجة؛ لأنه يمكن لمشتري الحلي من الذهب أن يشتريها بغير جنسها؛ كالفضة، أو الأوراق النقدية المتداولة اليوم، أو أي عملة يستقر عرف المجتمع في هذا العصر أو في العصور القادمة على أنه نقود، أو بعروض التجارة؛ كالعقار، والمنقول.

стр. 13892

ولو قيل بها في شراء الحلي، لقيل بها في شراء الطعام؛ كالبر، والتمر، ونحوهما؛ إذ الحاجة إلى الطعام أشد من الحاجة إلى الحلي؛ لأن الطعام ضروري لحياة الإنسان، بخلاف الحلي. ولأنه يحتاجه جميع الناس ذكورا وإناثا، صغارا وكبارا. أما الحلي فلا يستعمله إلا النساء؛ لذا فإن القول بأن الحاجة إلى بيع المصوغ وشرائه أشد من الحاجة إلى شراء الرطب بالتمر غير مسلم؛ لما بيناه. والقول بأن العاقل لا يبيع هذه من جنسها بوزنها، فإنه سفه، وإضاعة للصنعة. يجاب عليه بأنكم توافقون على أنه لا يجوز بيع المضروب بالتبر إلا متماثلا، وحالًّا، مع أن الضرب نوع من الصنعة، وفيه زيادة عمل. فكيف صار إهدار الصنعة في الحلي سفهًا وفي المضروب رشدًا؟ ثم إن الشارع وضع قاعدة عامة في أموال الربا؛ وهي التساوي، والحلول، عند استواء الجنس، ولم يستثن شيئا منها، إلا العرايا بنص خاص، وتضمن النص قصر الرخصة عليها، فلا تجوز تعديته إلى غيرها، كما بيناه فيما سبق. فمن أين يأتي استثناء للحلي لم يذكره الشارع؟ بل ذكر منعه؛ كما في النصوص التي سبق ذكرها. وأما القول بأن الشريعة لم تلزم الناس بأن يبيعوا ذلك بغير جنسه فغير مسلم؛ فقد ألزمت الناس أن يبيعوها بغير جنسها إذا أرادوا الفضل. يدل عليه الحديث الذي رواه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه. عن أبي سعيد وأبي هريرة ﵄ أن رسول الله ﷺ استعمل رجلا على خيبر فجاءه بتمر جنيب، فقال: أَكُلُّ تمر خيبر هكذا؟ قال: لا والله يا رسول الله، إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين والصاعين بالثلاثة، فقال: ((لا تفعل، بع الجمع بالدراهم، ثم ابتع بالدراهم جنيبا)) . وهذا لفظ البخاري (١) . ٣-القول بأن الحلي بالصنعة صارت سلعة كسائر السلع، لا من جنس الأثمان؛ فتجوز مبادلتها بجنسها تفاضلا، ونساء؛ ترده النصوص التي استبدل بها المانعون؛ ولأن الشارع منع الزيادة ولم يقم اعتبارا للجودة أو الصناعة؛ بدليل حديث ((إنا لنأخذ الصاع بالصاعين والصاعين بالثلاثة، فقال: لا تفعل، بع الجمع بالدراهم، ثم ابتع بالدراهم جنيبا)) . فألغى رسول الله ﷺ اعتبار الجودة، وأوجب المساواة؛ بدليل أنه لو اختلف الجنس، كذهب بفضة أو فضة بذهب، لجازت الزيادة، مع أن كلا منهما ليس سلعة؛ فسبب المنع من الزيادة اتحاد الجنس، فإذا اتحد الجنس في أموال الربا يجب التساوي، ويحرم التفاضل، حتى لو كان أحدهما سلعة. ولأن طحن الحب زيادة صنعه، ومع ذلك فلا يجوز بيع الدقيق بالحب لتعذر التساوي، جاء في المحرر لمجد الدين ابن تيمية – جد شيخ الإسلام – (ولا يجوز بيع حب بدقيقه أو سويقه) (٢) .

стр. 13893

٤- قياس الصناعة على الإتلاف في وجوب الزيادة ممنوع؛ لأن إمكانية إعمال القياس هو فيما لا نص فيه مع اتحاد العلة في المقيس والمقيس عليه، أما وقد وردت نصوص صحيحة، صريحة في منع الزيادة مقابل الصنعة فلا مجال للقول بإعمال القياس هنا، مع أنه لا توجد علة مشتركة بين المقيس والمقيس عليه ففي حالة ضمان المتلف صورة البيع منتفية تماما، لأن الإتلاف لا يتم برضا الطرفين المتلف، وصاحب الحلية المتلفة، كما هو في البيع، كما أنه تضمين الغاصب ليس من قبيل البيع، بل من قبيل تضمين المعتدي (١) . (لأنه لا يمتنع أن يجري التفاضل في قيمة المتلف ولا يجري في البيع، ألا ترى أنه لو أراد أن يبيع درهما صحيحا بأكثر من درهم مكسر لم يجز؟ ولو أتلف على رجل درهما صحيحا ولم يوجد له مثل فإنه يقوم بالمكسر، وإن بلغت قيمته أكثر من درهم، ولا يكون ربا، فدل على الفرق بين البيع والإتلاف. ولأن الإتلاف قد يضمن به ما لا يضمن بالبيع. ألا ترى أن من أتلف أم ولد لزمته قيمتها، ولو باعها لم تصح ولم تجب عليه قيمتها، فدل على الفرق بالضمانين وبطل اعتبار أحدهما بالآخر) (٢) ٥- والقول بعدم جريان الربا في الحلي قياسا على عدم وجوب الزكاة فيها مردود؛ لأنه ليس هناك علاقة ولا موافقة بين الربا والزكاة، لا من حيث الأموال، ولا من حيث الأحكام، وبالتالي فإنه لا مانع من أن يكون الحلي ربويا؛ ولا يكون زكويا. ثم إن عدم وجوب الزكاة فيها ليس لكونها بالصناعة خرجت عن جنس الأثمان، بل لأن من شروط الزكاة أن يكون ملك النصاب خاليا من الحوائج الأصلية، والحلية تعتبر من الحاجات الأصلية للنساء. وعدم وجوب الزكاة دلت عليه النصوص الشرعية، أما عدم اعتبار الربا في الحلي فقد عارضته النصوص. قال أبو عبيد: (ولأن الرسول ﷺ قد سن في الذهب والفضة سنتين: إحداهما في البيوع، والأخرى في الصدقة. فسنته في البيوع قوله: ((الفضة بالفضة مثلا بمثل)) فكان لفظة (بالفضة) مستوعبا لكل ما كان من جنسها، مصوغا وغير مصوغ. فاستوت في المبايعة: ورقها وحليها ونقرها. وكذلك قوله: ((الذهب بالذهب مثلا بمثل)) فاستوت فيه دنانيره، وحليه وتبره. وأما سنته في الصدقة فقوله: ((إذا بلغت الرقة خمس أواقي ففيها ربع العشر)) فخص رسول الله ﷺ بالصدقة الرقة من بين الفضة وأعرض عن ذكر سواها، فلم يقل: إذا بلغت الفضة كذا ولكنه اشترط الرقة من بينها) (٣) .

стр. 13894

قال أبو عبيد: (ولا نعلم هذا الاسم في الكلام المعقول عند العرب يقع إلا على الورق المنقوشة ذات السكة السائرة في الناس. وكذلك الأواقي ليس معناها إلا الدراهم كل أوقية أربعون درهما) (١) . وفي الصحاح: (الورق الدراهم المضروبة، وكذلك الرقة) (٢) . وفي لسان العرب: (الرقة في الحديث يريد الفضة والدراهم المضروبة منها) (٣) . ٦-والقول بأنه لا يعرف عن أحد من الصحابة أنه نهى أن تباع إلا بغير جنسها، أو بوزنها، مردود بالأحاديث التي استدل بها أصحاب المذهب الأول، فقد رووا النهي عن عمر، وابنه، وعبادة، وأبي الدرداء، ويحيى بن سعيد، ومجاهد وأنس بن مالك،، وأبي رافع. والقول بأن الناس يبيعونها في عهد النبي ﷺ ، ومعلوم أنهم لا يبيعونها بوزنها قطعا فإنه سفه، يجاب بأنه يمكنهم بيعها بخلاف جنسها، أو بعروض التجارة. ٥- والقول بعدم جريان الربا في الحلي قياسا على الإجارة غير مسلم؛ لأن الإجارة وإن كانت بيعا للمنافع، إلا أن الأجرة من طرف، والعمل من طرف آخر، وهذا غير متحقق في حالة بيع الحلي؛ لأن المشتري لا يعقد عقد إجارة، ولأنه لا يلزم من جواز الأجرة – منفردا – على صياغة الذهب مستقلة عن الحلي المصوغ، جواز اعتبارها مضمومة مع القيمة (فقد ظهر بالاستقراء من الشرع أن للاجتماع تأثيرا في الأحكام لا يكون حالة الانفراد. ويستوي في ذلك الاجتماع بين مأمور ومنهي مع الاجتماع بين مأمورين، أو منهيين، فقد نهى النبي ﷺ عن بيع وسلف، وكل واحد منهما لو انفرد جاز، ونهى الله عن الجمع بين الأختين في النكاح مع جواز العقد على كل واحدة بانفرادها. وفي الحديث النهي عن الجمع بين المرأة وعمتها، والمرأة وخالتها، وقال ((إذا فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم)) . ومنها: النهي عن تقدم رمضان بيوم أو يومين، ونهى عن جمع المفترق وتفريق المجتمع خشية الصدقة. ونهى عن الخليطين في الأشربة؛ لأن لاجتماعهما تأثيرا في تعجيل الإسكار) (٤) . فدلت هذه الأمثلة وغيرها كثير – بنصوص الشريعة – أن للاجتماع تأثيرا في الحكم ليس للانفراد حلا أو حرمة. ٨-الحيل التي ذكرها ابن القيم وحكم ببطلانها، نوافقه على أنها باطلة. لكنا لا نوافقه في تصحيح بيع الحلي بأكثر من وزنه مع اتحاد الجنس استنادا إلى تجويز من جوز تلك الحيل؛ لأن ما كان غير صحيح في نفسه لا يمكن تصحيح غيره عليه. قال تعالىلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: ٨] .

стр. 13895

الترجيح: بعد عرض أدلة الفريقين ومناقشتها ترجح لي عدم جواز بيع حلي الذهب أو الفضة؛ عند اتحاد الجنس بأكثر من وزنه، وأنه لا يجوز بيع الشيء بالشيء من جنسه نسيئة؛ وذلك لضعف أدلة الفريق الثاني – المجيزين - وقوة أدلة الفريق الأول – المانعين؛ لأن أدلة الفريق الثاني لا تستند إلى نص من قرآن أو سنة، ولا إلى إجماع، ولا إلى قياس صحيح، وكل الأقيسة والتعليلات التي ذكروها تبين من خلال المناقشة ردها لعدم سلامتها. وأما أدلة الفريق الأول: فمنها ما هو عام يشمل بعمومه كل ذهب وفضة، ويدخل في عمومها المصوغ وغيره، ولم يرد ما يخصص عمومها، ودعوى تخصيصها بالقياس الجلي، لم تثبت؛ لأنه لا يصح القياس مع النص؛ ولأنه لم يتحقق القياس الجلي لعدم وجود علة منصوص عليها أو مجمع عليها. ولم يصح القياس على العرايا؛ لأنها جاءت على خلاف القياس؛ ولأن من أدلة العرايا ما تضمن النص على أنه ﷺ (لم يرخص في غيرها) متفق عليه، فدل على قصر الرخصة عليها، وعم تعديته إلى غيرها. ومنها ما هو نص في الموضوع، ومعظمها أحاديث صحيحة، وما لم تبلغ درجة الصحة فهو صالح للاحتجاج بنفسه، وقد تقوى بغيره. فوجب الرجوع إلى الكتاب والسنة؛ قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩] .

стр. 13896

المبحث السادس شراء الحلي أو شراء الحلي بثمن الحلي المبيع شراء حلي الذهب بحلي من الذهب، أو حلي الفضة بحلي من الفضة، أو حلي أحدهما بثمن جنسه له أربع صور، نعرضها في المطالب التالية: المطلب الأول شراء الحلي الجديد بالقديم وصورته: أن يقدم إنسان ذهبه، أو فضته إلى صاحب متجر الحلي، سواء كان ذهبه قديما وهو الغالب، أو جديدا، ويطلب منه أن يعطيه مقابله حليا جديدا، فيزن الحلي القديم فإذا كان وزنه سبعين جراما مثلا أعطاه مقابله ستين جراما. هذه الصورة حرام؛ لا تجوز شرعا، لعدم التماثل، وقد قال بهذا جميع الفقهاء (١) . وصدر فيها قرار مجمع الفقه الإسلامي بجدة (٢) وقرار هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية (٣) لحديث أبي سعيد الخدري – ﵁ – أن رسول الله ﷺ قال: ((لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلا بمثل، ولا تشفوا)) (٤) ((بعضها على بعض، ولا تبيعوا الورق بالورق إلا مثلا بمثل ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا منها غائبا بناجز)) (٥) . متفق عليه، وغيره من الأحاديث.

стр. 13897

المطلب الثاني شراء الحلي بثمن الحلي المبيع اعتاد أكثر الناس، وخاصة النساء، بيع الحلي القديم، وأخذ حلي جديد بدلا منه، فيسألون صاحب متجر الحلي عن سعر الجرام في حالة بيعه، وفي حالة شرائه، فيجيبهم أنه يبيع الجرام بخمسين ريالا، ويشتري بخمسة وأربعين ريالا. فيطلبون منه أن يزن الذهب الذي يرغبونه، فإذا عرفت قيمته أنها ثمانون ألف ريال مثلا، ووزن ذهبهم القديم فبلغت قيمته سبعين ألفا، أجرى المقاصة بين المبلغين، ودفع المشتري العشرة آلاف الباقية. هذه المسألة وإن لم أجد لها تصويرا عند الفقهاء على هذا النحو. إلا أنه ينخرج لهم فيها قولان بناء على أقوالهم فيما يماثلها، وفي الاستبدال عن ثمن الصرف. القول الأول: يتخرج الحكم فيها بالجواز على قول الإمام مالك، والأصح من مذهب الحنفية (١) . جاء في المدونة: (قلت: أرأيت إن صرفت دينارا بعشرين درهما فأخذت منه عشرة دراهم وأخذت بعشرة منها سلعة، قال مالك: لا بأس بذلك. وكذلك لو صرفت دينارا بدرهم فلم أقبض الدراهم حتى أخذت بها سلعة من السلع قال مالك: لا بأس بذلك) (٢) . وقال السرخسي في كتاب الصرف: (والاستبدال بالثمن قبل القبض جائز بخلاف المبيع) (٣) . وقال صاحب الهداية: (ومن كان له على آخر عشرة دراهم فباعه الذي عليه العشرة دينارا بعشرة دراهم ودفع الدينار وتقاصا العشرة بالعشرة فهو جائز، ومعنى المسألة إذا باع بعشرة مطلقة) (٤) . (وهذا إذا كان الدين سابقا، فإن كان لاحقا فكذلك في أصح الروايتين) (٥) . (وإن كان مقارنا فإما أن يتقابضا أولا، فإن لم يتقابضا لم تقع المقاصة ما لم يتفقا عليها جميعا) (٦) .

стр. 13898

ووجه الجواز أن هذا عقد صرف، وفي الصرف يشترط قبض أحد العوضين احترازا عن الكالئ بالكالئ، ويشترط قبض الآخر للاحتراز عن ربا النسيئة، ولا ربا في دين يسقط وإنما هو في دين يقع الخطر في عاقبته؛ فجاز الاستبدال، ووقعت المقاصة استحسانا، والقياس ينفيه، وبه قال زفر ﵀، لأنه تصرف في بدل الصرف قبل قبضه، ووجه الاستحسان أنه بالتقابض انفسخ العقد الأول، وانعقد صرف آخر مضاف إلى الدين (١) واستدل أصحاب هذا القول بحديث ابن عمر – ﵄ – (قلت: يا رسول الله إني أبيع الإبل بالبقيع، فأبيع بالدنانير وآخذ بالدراهم، وأبيع بالدراهم وآخذ الدنانير، وآخذ هذه من هذه وأعطي هذه من هذه، فقال رسول الله ﷺ : ((لا بأس أن تأخذها بسعر يومها ما لم تفترقا وبينكما شيء)) (٢) . قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم ووافق الذهبي وقال أحمد شاكر: إسناده صحيح. القول الثاني: عدم جواز ذلك وهو مذهب الشافعية والحنابلة (٣) . وممن اطلعنا على قول له بالمنع من الفقهاء المعاصرين الشيخ محمد بن صالح العثيمين (٤) . واستدل أصحاب هذه القول بأدلة عقلية، هي ما يأتي: ١- لو استبدل عن ثمن الصرف لم يحصل مدلول قوله ﷺ : ((عينا بعين)) (٥) . لا عند العقد، ولا في المجلس. ٢- إن الثمن في الصرف غير مستقر؛ لأنه يعرض له البطلان بالتفرق قبل قبضه بخلاف الثمن في غير الصرف (٦) . ٣- لا يصح تصرفه قبل قبضه؛ لأنه لم يتم الملك فيه، أشبه التصرف في ملك غيره. ٤- إذا باع ربويا حالا واعتاض عن ثمنه ما لا يباع به نسيئة فإنه ذريعة إلى بيع الربوي نسيئة (٧) .

стр. 13899

المناقشة والترجيح: يمكن مناقشة أدلة المانعين بما يأتي: قولهم: لو استبدل عن ثمن الصرف لم يحصل مدلول قوله ﷺ ((عينا بعين)) . يصدق إذا كان البدل لا يتم قبضه في المجلس، وهذا غير موجود في الصورة التي معنا، إذ إن القائل بجواز الاستبدال يشترط التقابض في المجلس (١) . لقوله ﷺ : ((ما لم تفترقا وبينكما شيء)) . ومعنى (عينا بعين) . أي حاضرا بحاضر (٢) . وهذا الشرط متحقق؛ لأنه يتم قبض المبيع في الصرف، ويستبدل البائع عن ثمنه سلعة أخرى، يقبضها في مجلس العقد. وفي مسألتنا يشتري الذهب الجديد بثمن معلوم من النقود الورقية، ثم يجري المقاصة بين ثمنه، وثمن الذهب المبيع، ويتم التقابض في المجلس. وقولهم: إن الثمن في الصرف يعرض له البطلان بالتفرق قبل القبض بخلاف الثمن في غيره، يجاب عليه بأن بدل ثمن الصرف إذا اتحد مع المثمن في علة الربا يأخذ حكم الصرف، فلا بد من قبض البدل في المجلس. وقولهم: لا يصح تصرفه فيه قبل قبضه، نقول: نعم إذا كان مع غير من هو عليه، أما تصرفه ممن هو عليه فيصح، يؤيده حديث ابن عمر: ((أبيع بالدنانير وأخذ الدراهم، وأبيع بالدراهم وآخذ الدنانير، وآخذ هذه من هذه وأعطي هذه من هذه)) . وقولهم: إنه ذريعة إلى بيع الربوي بالربوي نسيئة، غير مسلم؛ لأنه إذا شرط الحلول والتقابض انتفت أي ذريعة إلى بيع الربوي بالربوي نسيئة. وبناء على رد أدلة المانعين بالمناقشة السابقة وقوة أدلة المجيزين، فإنه يترجح لي جواز التصرف في ثمن الصرف، ممن هو عليه، والمقاصة بثمنه، والاستبدال عنه، بشرط الحلول وتقابض المبيع وبدل ثمنه في مجلس العقد، قبل التفرق، إذا كان ثمنه ربويا.

стр. 13900

وبناء عليه فإنه يترجح عندي جواز الصورة المذكورة، وهو شراء الحلي بثمن الحلي المبيع، لأن هذا ليس بيع ذهب بذهب – كما قد يظن البعض – وإنما هو بيع الذهب القديم بنقود ورقية، وشراء الذهب الجديد بنقود ورقية، وإذا زادت قيمة أحد الذهبين عن الآخر فإن الفرق يدفع من النقود الورقية. وقد صدرت قرارات المجامع الفقهية، وهيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية بأن العملة الورقية نقد قائم بذاته له حكم النقدين من الذهب والفضة (١) . وهنا اختلف الجنس، وقد قال ﷺ : ((إذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد)) (٢) . وذلك كما لو أن النقود المستعملة اليوم الدراهم الفضية، وكانت هي الوسيط في الصورة المذكورة. ولأن هذه المعاملة خالية من ربا الفضل، والنسيئة، وليس فيها غرر، ويتم التقابض في المجلس. ويدل على صحة ما رجحناه حديث ابن عمر – ﵄ – حيث كان يبيع بالدنانير وهي من أموال الربا، ويعتاض عنها مالا ربويا وهو الدارهم، مع أنه لم يقبض الدنانير في يده. ومثله بيع الحلي القديم بالنقود الورقية، ثم الشراء بهذه النقود من المشتري حليا جديدا قبل قبضها وإجراء المقاصة بين الثمنين.
следующие страницы →