← Фикх общий

Фикх общий · id 8356

مجلة مجمع الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (22 276 стр.). Показаны 13896–13935 · переход к 13901.

стр. 13896

المبحث السادس شراء الحلي أو شراء الحلي بثمن الحلي المبيع شراء حلي الذهب بحلي من الذهب، أو حلي الفضة بحلي من الفضة، أو حلي أحدهما بثمن جنسه له أربع صور، نعرضها في المطالب التالية: المطلب الأول شراء الحلي الجديد بالقديم وصورته: أن يقدم إنسان ذهبه، أو فضته إلى صاحب متجر الحلي، سواء كان ذهبه قديما وهو الغالب، أو جديدا، ويطلب منه أن يعطيه مقابله حليا جديدا، فيزن الحلي القديم فإذا كان وزنه سبعين جراما مثلا أعطاه مقابله ستين جراما. هذه الصورة حرام؛ لا تجوز شرعا، لعدم التماثل، وقد قال بهذا جميع الفقهاء (١) . وصدر فيها قرار مجمع الفقه الإسلامي بجدة (٢) وقرار هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية (٣) لحديث أبي سعيد الخدري – ﵁ – أن رسول الله ﷺ قال: ((لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلا بمثل، ولا تشفوا)) (٤) ((بعضها على بعض، ولا تبيعوا الورق بالورق إلا مثلا بمثل ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا منها غائبا بناجز)) (٥) . متفق عليه، وغيره من الأحاديث.

стр. 13897

المطلب الثاني شراء الحلي بثمن الحلي المبيع اعتاد أكثر الناس، وخاصة النساء، بيع الحلي القديم، وأخذ حلي جديد بدلا منه، فيسألون صاحب متجر الحلي عن سعر الجرام في حالة بيعه، وفي حالة شرائه، فيجيبهم أنه يبيع الجرام بخمسين ريالا، ويشتري بخمسة وأربعين ريالا. فيطلبون منه أن يزن الذهب الذي يرغبونه، فإذا عرفت قيمته أنها ثمانون ألف ريال مثلا، ووزن ذهبهم القديم فبلغت قيمته سبعين ألفا، أجرى المقاصة بين المبلغين، ودفع المشتري العشرة آلاف الباقية. هذه المسألة وإن لم أجد لها تصويرا عند الفقهاء على هذا النحو. إلا أنه ينخرج لهم فيها قولان بناء على أقوالهم فيما يماثلها، وفي الاستبدال عن ثمن الصرف. القول الأول: يتخرج الحكم فيها بالجواز على قول الإمام مالك، والأصح من مذهب الحنفية (١) . جاء في المدونة: (قلت: أرأيت إن صرفت دينارا بعشرين درهما فأخذت منه عشرة دراهم وأخذت بعشرة منها سلعة، قال مالك: لا بأس بذلك. وكذلك لو صرفت دينارا بدرهم فلم أقبض الدراهم حتى أخذت بها سلعة من السلع قال مالك: لا بأس بذلك) (٢) . وقال السرخسي في كتاب الصرف: (والاستبدال بالثمن قبل القبض جائز بخلاف المبيع) (٣) . وقال صاحب الهداية: (ومن كان له على آخر عشرة دراهم فباعه الذي عليه العشرة دينارا بعشرة دراهم ودفع الدينار وتقاصا العشرة بالعشرة فهو جائز، ومعنى المسألة إذا باع بعشرة مطلقة) (٤) . (وهذا إذا كان الدين سابقا، فإن كان لاحقا فكذلك في أصح الروايتين) (٥) . (وإن كان مقارنا فإما أن يتقابضا أولا، فإن لم يتقابضا لم تقع المقاصة ما لم يتفقا عليها جميعا) (٦) .

стр. 13898

ووجه الجواز أن هذا عقد صرف، وفي الصرف يشترط قبض أحد العوضين احترازا عن الكالئ بالكالئ، ويشترط قبض الآخر للاحتراز عن ربا النسيئة، ولا ربا في دين يسقط وإنما هو في دين يقع الخطر في عاقبته؛ فجاز الاستبدال، ووقعت المقاصة استحسانا، والقياس ينفيه، وبه قال زفر ﵀، لأنه تصرف في بدل الصرف قبل قبضه، ووجه الاستحسان أنه بالتقابض انفسخ العقد الأول، وانعقد صرف آخر مضاف إلى الدين (١) واستدل أصحاب هذا القول بحديث ابن عمر – ﵄ – (قلت: يا رسول الله إني أبيع الإبل بالبقيع، فأبيع بالدنانير وآخذ بالدراهم، وأبيع بالدراهم وآخذ الدنانير، وآخذ هذه من هذه وأعطي هذه من هذه، فقال رسول الله ﷺ : ((لا بأس أن تأخذها بسعر يومها ما لم تفترقا وبينكما شيء)) (٢) . قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم ووافق الذهبي وقال أحمد شاكر: إسناده صحيح. القول الثاني: عدم جواز ذلك وهو مذهب الشافعية والحنابلة (٣) . وممن اطلعنا على قول له بالمنع من الفقهاء المعاصرين الشيخ محمد بن صالح العثيمين (٤) . واستدل أصحاب هذه القول بأدلة عقلية، هي ما يأتي: ١- لو استبدل عن ثمن الصرف لم يحصل مدلول قوله ﷺ : ((عينا بعين)) (٥) . لا عند العقد، ولا في المجلس. ٢- إن الثمن في الصرف غير مستقر؛ لأنه يعرض له البطلان بالتفرق قبل قبضه بخلاف الثمن في غير الصرف (٦) . ٣- لا يصح تصرفه قبل قبضه؛ لأنه لم يتم الملك فيه، أشبه التصرف في ملك غيره. ٤- إذا باع ربويا حالا واعتاض عن ثمنه ما لا يباع به نسيئة فإنه ذريعة إلى بيع الربوي نسيئة (٧) .

стр. 13899

المناقشة والترجيح: يمكن مناقشة أدلة المانعين بما يأتي: قولهم: لو استبدل عن ثمن الصرف لم يحصل مدلول قوله ﷺ ((عينا بعين)) . يصدق إذا كان البدل لا يتم قبضه في المجلس، وهذا غير موجود في الصورة التي معنا، إذ إن القائل بجواز الاستبدال يشترط التقابض في المجلس (١) . لقوله ﷺ : ((ما لم تفترقا وبينكما شيء)) . ومعنى (عينا بعين) . أي حاضرا بحاضر (٢) . وهذا الشرط متحقق؛ لأنه يتم قبض المبيع في الصرف، ويستبدل البائع عن ثمنه سلعة أخرى، يقبضها في مجلس العقد. وفي مسألتنا يشتري الذهب الجديد بثمن معلوم من النقود الورقية، ثم يجري المقاصة بين ثمنه، وثمن الذهب المبيع، ويتم التقابض في المجلس. وقولهم: إن الثمن في الصرف يعرض له البطلان بالتفرق قبل القبض بخلاف الثمن في غيره، يجاب عليه بأن بدل ثمن الصرف إذا اتحد مع المثمن في علة الربا يأخذ حكم الصرف، فلا بد من قبض البدل في المجلس. وقولهم: لا يصح تصرفه فيه قبل قبضه، نقول: نعم إذا كان مع غير من هو عليه، أما تصرفه ممن هو عليه فيصح، يؤيده حديث ابن عمر: ((أبيع بالدنانير وأخذ الدراهم، وأبيع بالدراهم وآخذ الدنانير، وآخذ هذه من هذه وأعطي هذه من هذه)) . وقولهم: إنه ذريعة إلى بيع الربوي بالربوي نسيئة، غير مسلم؛ لأنه إذا شرط الحلول والتقابض انتفت أي ذريعة إلى بيع الربوي بالربوي نسيئة. وبناء على رد أدلة المانعين بالمناقشة السابقة وقوة أدلة المجيزين، فإنه يترجح لي جواز التصرف في ثمن الصرف، ممن هو عليه، والمقاصة بثمنه، والاستبدال عنه، بشرط الحلول وتقابض المبيع وبدل ثمنه في مجلس العقد، قبل التفرق، إذا كان ثمنه ربويا.

стр. 13900

وبناء عليه فإنه يترجح عندي جواز الصورة المذكورة، وهو شراء الحلي بثمن الحلي المبيع، لأن هذا ليس بيع ذهب بذهب – كما قد يظن البعض – وإنما هو بيع الذهب القديم بنقود ورقية، وشراء الذهب الجديد بنقود ورقية، وإذا زادت قيمة أحد الذهبين عن الآخر فإن الفرق يدفع من النقود الورقية. وقد صدرت قرارات المجامع الفقهية، وهيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية بأن العملة الورقية نقد قائم بذاته له حكم النقدين من الذهب والفضة (١) . وهنا اختلف الجنس، وقد قال ﷺ : ((إذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد)) (٢) . وذلك كما لو أن النقود المستعملة اليوم الدراهم الفضية، وكانت هي الوسيط في الصورة المذكورة. ولأن هذه المعاملة خالية من ربا الفضل، والنسيئة، وليس فيها غرر، ويتم التقابض في المجلس. ويدل على صحة ما رجحناه حديث ابن عمر – ﵄ – حيث كان يبيع بالدنانير وهي من أموال الربا، ويعتاض عنها مالا ربويا وهو الدارهم، مع أنه لم يقبض الدنانير في يده. ومثله بيع الحلي القديم بالنقود الورقية، ثم الشراء بهذه النقود من المشتري حليا جديدا قبل قبضها وإجراء المقاصة بين الثمنين.

стр. 13901

المطلب الثالث شراء الحلي بشرط الشراء بثمنه حليا من البائع هذه المسألة من حيث تصويرها كالمسألة السابقة، إلا أن بيع الحلي يشترط لشراء الحلي المعروض للبيع، أن يشتري البائع منه حليا. وربما كان الشرط من صاحب الذهب القديم؛ فيقول: لا أشتري منك إلا بشرط أن تشتري ذهبي القديم. أو لا أبيعك إلا أن تبيعني. وهذه المسألة لم أجد لها تصويرا – أيضا – عند الفقهاء على هذا النحو. لكن يتخرج الحكم فيها بالحرمة والبطلان على مذهب الشافعية والحنابلة، والحرمة والفساد على مذهب الحنفية بناء على تفسيرهم لبيعتين في بيعة. ولأنه لا يجوز الاستبدال عن ثمن الصرف قبل قبضه عند الشافعية والحنابلة. فكل من العقدين شرط للآخر؛ لأن تاجر الذهب اشترط لشراء الذهب القديم، أن يشتروا منه الذهب الجديد. ومعنى بيعتين في بيعة عند الحنفية والحنابلة وأحد تفسيرات الشافعي لها هي أن يشترط أحدهما على صاحبه عقدا آخر؛ كسلف، أو بيع، أو إجارة؛ كأن يقول: بعتك هذا البيت بمئة ألف على أن تبيعني هذه السيارة بثلاثين ألفا. (١) . لما روى أبو هريرة: ((نهى رسول الله ﷺ عن بيعين في بيعة)) (٢) . قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، والعمل على هذا عند أهل العلم (٣) وقال أحمد شاكر: إسناده صحيح (٤) . وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((مطل الغني ظلم، وإذا أحلت على مليء فاتبعه، ولا بيعتين في واحدة)) (٥) . قال الهيثمي: ورجال أحمد رجال الصحيح (٦) . وقال أحمد شاكر: إسناده صحيح (٧) . ولأنه عند الحنفية والشافعية بيع وشرط، وهو منهي عنه لما روي أن رسول الله ﷺ ((نهى عن بيع وشرط)) (٨) . ويتخرج القول فيه بالجواز على مذهب الإمام مالك ﵀.

стр. 13902

جاء في المدونة: (أرأيت إن صرفت عند رجل دراهم بدنانير على أن آخذ بثمنه منه سمنا أو زيتا، (قال) قال مالك: ذلك جائز نقدا أو إلى أجل) (١) . واختاره الشيخان عبد الرحمن السعدي وعبد الله البسام من الحنابلة المعاصرين (٢) . قال الشيخ السعدي: (وأما تفسيره بأن يقول: بعتك هذا البعير مثلا بمئة على أن تبيعني هذه الشاة بعشرة، فالمذهب (عند الحنابلة) إدخالها في هذا الحديث (بيعتين في بيعة) والقول الآخر في المذهب عدم إدخالها، وأنه لا يتناولها النهي، لا بلفظه ولا بمعناه ولا محظور في ذلك، وهو الذي نراه ونعتقده) (٣) . والراجح عندي أن الصورة المذكورة جائزة؛ لأن هذا ليس بيع ذهب بذهب – كما بينا في المطلب السابق – وإنما هو بيع الذهب القديم بريالات ورقية، وشراء الذهب الجديد بريالات ورقية. وأما أنها من بيعتين في بيعة فالراجح عندي أن بيعتين في بيعة هي بيع العينة. وهو قول شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم. وأحد الأقوال للإمام مالك، وقال به الشيخ عبد الرحمن بن سعدي والشيخ عبد الله البسام (٤) . قال ابن القيم ﵀: (البيعتان في بيعة بأن يقول: خذ هذه السلعة بمئة مؤجلة ثم يشتريها منه بثمانين حالَّة فقد باع بيعتين في بيعة، فإن أخذ بالثمن الزائد أخذ بالربا، وإن أخذ بالناقص أخذ بأوكسهما، وهذا من أعظم الذرائع إلى الربا. وهذا هو المعنى المطابق للحديث الذي رواه أبو هريرة عن النبي ﷺ : ((من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما أو الربا)) (٥) . صححه الحاكم. ووافقه الذهبي. ورواه ابن حبان. وما رواه سماك عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه قال: ((نهى رسول الله ﷺ عن صفقتين في صفقة)) . فإنه إذا كان مقصوده الدراهم العاجلة بالآجلة فهو لا يستحق إلا رأس ماله وهو أوكس الثمنين، فإن أخذه أخذ أوكسهما وإن أخذ الثمن الأكثر فقد أخذ الربا. فلا محيد له عن أوكس الثمنين أو الربا، ولا يحتمل الحديث غير هذا المعنى، وهذا هو بعينه الشرطان في بيع، فشرطان في بيع كصفقتين في صفقة (٦) .

стр. 13903

وقال ﵀: (وإذا أردت أن يتضح لك هذا المعنى فتأمل نهيه ﷺ في حديث ابن عمر عن بيعتين في بيعة، وعن سلف وبيع. رواه أحمد، ونهيه عن شرطين في بيعة، وعن سلف وبيع في حديث عبد الله بن عمرو. فجمع السلف والبيع مع الشرطين، ومع البيعتين في بيعة. وسر ذلك أن كلا الأمرين يؤول إلى الربا وهو ذريعة إليه. أما البيعتين في بيعة: فظاهر، فإنه إذا باعه السلعة إلى شهر ثم اشتراها منه بما شرطه له كان قد باع بما شرطه له بعشرة نسيئة. ولهذا حرم الله ورسوله العينة. وأما السلف والبيع: فلأنه إذا أقرضه مئة إلى سنة؛ ثم باعه ما يساوي خمسين بمائة: فقد جعل هذا البيع ذريعة إلى زيادة في القرض، الذي موجبه رد المثل، ولولا هذا البيع لما أقرضه، ولولا عقد القرض لما اشترى ذلك. فظهر سر قوله ﷺ : ((لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع)) . وقول ابن عمر: ((نهى عن بيعتين في بيعة وعن سلف وبيع)) واقتران إحدى الجملتين بالأخرى لما كان سلما إلى الربا) (١) . وأما قول البائع: أبيعك على أن تبيعني، أو تؤجرني، أو نحوهما من العقود؛ فالراجح عندي جوازه لحديث: ((لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع)) . قال الإمام مالك ﵀: (وتفسير ذلك أن يقول الرجل للرجل: آخذ سلعتك بكذا وكذا على أن تسلفني كذا وكذا. فإن عقد بيعهما على هذا فهو غير جائز) (٢) . فالعبارة الأولى من الحديث جاء النهي فيها عن اشتراط السلف في البيع وهذا دليل على قصره على الصورة المذكورة. ولا دليل على تعديته إلى بقية العقود؛ كاشتراط أبيعك على أن تبيعني. وإنما امتنع البيع في أشتري منك بكذا على أن تسلفني من أجل اقتران شيء محرم لعينه به، لا أنه شيء محرم من قبل الشرط (٣) ، وهذا غير موجود في العقود الأخرى. يؤيده أن العين تكون ثمنا بالاتفاق؛ وفي هذه الحالة لا بد أن يدخلها الاشتراط خلال المماكسة، مثل أن يقول المشتري: أشتري بيتك بمليون ريال على أن تأخذ مني ثلاث قطع من الأرض لقاء هذا المبلغ. أو يقول: أشتري بيتك بالقطع الثلاث، دون أن يذكر مبلغا. وما دام هذا جائزا فاشتراط أبيعك على أن تبيعني، أو تؤجرني، أو تشاركني، ونحوه يكون جائزا.

стр. 13904

فإن قيل: هذا الشرط يؤدي إلى تعليق العقد الأول على الثاني، قلنا: إن التعليق الممنوع هو الذي يؤدي إلى غرر، مثل أن يقول البائع: أبيعك إذا جاء ابني من السفر، ولا يعلمان وقت مجيئه أو يعلق على أمر مستحيل تحققه. أما الشرط الذي نرى جوازه فإنه يتم عقده خلال مجلس العقد؛ كما يتم ذلك لو لم يشترط عقدا آخر. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (إنه يجوز تعليق العقود بالشروط، إذا كان في ذلك منفعة للناس ولم يكن متضمن ما نهى الله عنه ورسوله، فإن كل ما ينفع الناس، ولم يحرمه الله ورسوله: هو من الحلال الذي ليس لأحد تحريمه. وقد ذكرنا عن أحمد نفسه: جواز تعليق البيع بشرط، ولم أجد عنه ولا عن قدماء أصحابه نصا بخلاف ذلك. بل ذكر من ذكر من المتأخرين: أن هذا لا يجوز كما ذكر ذلك أصحاب الشافعي) (١) . وأما الأحاديث التي استدل بها أصحاب القول الأول؛ فهي دالة على تحريم بيعتين في بيعة وليس فيها ما يدل على أنها الصورة التي ذكروها. وأما حديث ((نهى عن بيع وشرط)) فضعفه ابن القطان؛ وعلته ضعف أبي حنيفة في الحديث (٢) وأنكره الإمام أحمد، حيث قال: (لا نعرفه مرويا في مسند) (٣) وقال ابن قدامة: (فلا يعول عليه) (٤) ؛ لأن الشرط الصحيح لا يؤثر في البيع وإن كثر، والفاسد يؤثر فيه وإن كان واحدا. وقد استغربه النووي (٥) . وحديث جابر وهو أنه باع النبي ﷺ جملا واشترط حملانه إلى المدينة متفق عليه (٦) يرد الحديث النهي عن بيع وشرط. ويدل على أن الشروط التي فيها منفعة للعاقد تكون صحيحة؛ ومنها أبيعك على أن تبيعني، أو تؤجرني، أو تشاركني، ونحوها. المطلب الرابع بيع الحلي وقبض ثمنه ثم الشراء به حليا وصورته أن يشتري الإنسان من بائع الحلي خلخالا ويدفع ثمنه بالعملة الورقية المتداولة، أو أي عملة مخالفة لجنس الخلخال، ويقبض البائع الثمن ويقبض المشتري المبيع. ثم يبيعه ذهبه القديم ويتسلم قيمته ويتسلم المشتري الذهب. وهذه الصورة جائزة شرعا بلا خلاف، وهي الأحوط. وإن كان الإمام أحمد ﵀ يفضل أن يطلب حاجته من غير من باع عليه، فإن وجد وإلا رجع عليه واشترى منه.

стр. 13905

المبحث السابع الجمع بين البيع والإجارة على عمل الحلي بجنسه يرغب بعض الناس في حلية معينة، أو نقوش يقترحها على صائغ الحلي، فيتفق معه على أن يعمل له خلخالا معينا، يحدد وزنه، وعياره وشكله، ومقدار أجرته. فإذا حدد وزنه بثلاثمئة جرام، فإنه عندما تتم صياغته يعطيه ثلاثمئة جرام، وأجرته خمسين جراما مثلا. وربما لا يحدد وزنه، ولكن يتفقان على وزنه بعد صنعه، فإذا علم مقداره بعد صنعه دفع مثله، وأجرته المتفق عليها. وصورة ثانية وهي: أن يدفع طالب الحلي القيمة والأجرة من غير جنسه، فإذا كانت الحلية المطلوبة من الذهب، دفع مقابلها من النقود الفضية، أو الأوراق النقدية. فأما المسألة الأولى – وهي أن يدفع القيمة والأجرة من جنسها على ما بيناه – فقد اختلف فيها العلماء على قولين: القول الأول: لا يجوز ذلك. وهو مذهب الحنفية والمالكية والشافعية (١) . وقد علل المانعون ذلك بأن مقدار الذهب مجهول؛ ولأنه عقد صرف لا بد فيه من التقابض، ولم يتم التقابض في المجلس. وزاد الحنفية والشافعية أنه شرط العمل في الشراء (٢) . قال الشافعي: (ولا خير في أن يأتي الرجل بالفص إلى الصائغ فيقول له: اعمله لي خاتما حتى أعطيك ذلك وأعطيك أجرتك، وقاله مالك) (٣) . وجاء في المبسوط: (إن استأجره ليموه له لجاما فإن اشترط ذهب التمويه على الذي يأخذ الأجر فلا خير فيه؛ لأن مقدار ما يحتاج إليه من الذهب للتمويه غير معلوم؛ ولأن العقد في ذلك صرف فلا بد من التقابض في المجلس ولم يوجد) (٤) .

стр. 13906

القول الثاني: يجوز ذلك وهو قول الحنابلة (١) . جاء في المغني: (فأما إن قال لصائغ: صغ لي خاتما وزنه درهم وأعطيك مثل وزنه، وأجرتك درهما. فليس ذلك بيع درهم بدرهمين. وقال أصحابنا: للصائغ أخذ الدرهمين؛ أحدهما في مقابل الخاتم والثاني أجرة له) (٢) . والراجح عندي مذهب الجمهور؛ وهو عدم جواز هذا العقد وبطلانه؛ لأنه في حالة عدم تحديد مقدار الحلي المطلوب يكون مجهولا، وفي جميع الأحوال لا يصح هذا العقد لعدم التقابض في المجلس في حالة ما إذا كان مقدار الذهب محددا وعدم التقابض والتماثل في حالة عدم تحديد مقدار الحلي؛ مثل أن يقول: صغ لي بناجز وأعطيك مثل وزنها وأجرتك خمسين جراما؛ لأنه صرف ومن شروطه التقابض والتماثل. فإن قيل: إنه من باب الاستصناع. فالجواب أن الاستصناع عند الحنابلة كما هو عند المالكية والشافعية قسم من أقسام السلم (٣) ، ومن شروط السلم تسليم الثمن في مجلس العقد. وإذا كان السلم في الذهب أو الفضة فيشترط أن يكون رأس المال من غير الأثمان (٤) ؛ أي من غير الذهب، أو الفضة، أو الأوراق النقدية، أو ما يقوم مقامهما في الوقت الحاضر كالشيكات ونحوها، أو ما يستقر العرف مستقبلا على أنه نقود؛ وذلك لاتحاد العلة وهي الثمنية؛ فيحرم النساء. أما إذا كان رأس المال من غير الأثمان فإنه يجوز استصناع الحلي من تاجر الحلي، أو من المصنع (٥) . وأما قول الحنفية والشافعية بأنه شرط العمل في الشراء؛ بناء على مذهبهم عدم جواز بيع وشرط، بناء على ما روي أن الرسول ﷺ ((نهى عن بيع وشرط)) (٦) فهذا الحديث ضعفه ابن القطان (٧) وأنكره الإمام أحمد (٨) واستغربه النووي (٩) . قال ابن قدامة: (فلا يعول عليه) (١٠) . ولهذا فإن الشرط الصحيح لا يؤثر في البيع وإن كثر، والفاسد يؤثر وإن كان واحدا (١١) .

стр. 13907

ويرد على الحنفية والشافعية أيضا بأنه يجوز اشتراط شرط في البيع لا يخالف مقتضاه، أو فيه منفعة للعاقد معلومة. بدليل حديث جابر إنه باع النبي ﷺ جملا واشترط حملانه إلى المدينة (١) متفق عليه. ومما يحسن التنبيه عليه، أن أحد الباحثين ذكر أن من أسباب منعه عند المالكية، اجتماع البيع والإجارة؛ لأن الصرف نوع من البيوع (٢) . لكن المالكية لا يمنعون اجتماع البيع والإجارة؛ بدليل قصرهم المنع على العقود الستة فقط، والتي يلخصونها في قول: جص مشنق (٣) كما أن ابن جزي نص على جواز اجتماع البيع والإجارة (٤) . وأما قول الحنابلة في الصورة التي ذكرها ابن قدامة: إن ذلك ليس بيع درهم بدرهمين فمسلم. لأن أحدهما في مقابلة وزن الحلي، والثاني أجرة. لكن لم يتم شرط التقابض في المجلس، فلا يصح العقد. والصورة الثانية هي أن يدفع طالب الحلية الثمن والأجرة من غير جنسه لا تجوز، ولايصح العقد عليها أيضا. لعدم التقابض؛ لقوله ﷺ : ((فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد)) (٥) . والطريقة التي يكون بها تحقيق رغبة طالب الحلية وتوافق أحكام الشريعة الإسلامية هي: أ - أن تتم صناعة الحلي خلال مدة انتظار طالبها، ويتم التقابض في المجلس، ويتم دفع ثمنها من النقود الورقية، أو نحوها مما هو مخالف لجنسها. ب - أن يشتري الإنسان الذهب أو الفضة، تبرا أو سبائك، أو حليا، ويدفع ثمنها، بالتساوي إن اتحد جنسها أو بالتفاضل إن اختلف الجنس، ويقبض المشتري الذهب، أو الفضة ويقبض البائع الثمن. ثم يتفق معه على أجرة الصناعة التي يريدها ويسلمه المعدن المشترى - ذهبا أو فضة – وفي هذه الحالة يكون العقد جائزا، وصحيحا، سواء كانت الأجرة من جنس المعدن أو مختلفة عنه، وسواء دفعها مقدما أو عند تسليم الحلي، أو دفع بعضها مقدما، والبعض الآخر مؤخرا.

стр. 13908

ج- أن يشتري الذهب أو الفضة بما لا يتفق معهما في علة الربا، أي بغير الأثمان، كعروض التجارة، ونحوها. وفي حالة عدم قبض الحلي يجب تسليم الثمن لئلا يكون من بيع الدين بالدين. أو يتم قبض الحلي ثم تسليمها للمصنع، وفي هذه الحالة يكون العقد صحيحا سواء قبض الثمن أم لم يقبض منه شيئا. وقال الدكتور وهبة الزحيلي: (وأجاز المالكية الجمع بين البيع والإجارة، وبين البيعتين في البيعة ويكون هذا من باب الخيار، ومنع الجمهور ذلك واعتبر الحنفية البيع فاسدا، والشافعية والحنابلة اعتبروه باطلا) (١) . فقوله: أجاز المالكية الجمع بين البيع والإجارة، صحيح. وأما بيعتين في بيعة فلم يجزها المالكية ولا غيرهم من المذاهب الأخرى. وهم وإن اتفقوا على منعها، فقد اختلفوا في تفسيرها (٢) . وإذا لم يجيزوا بيعتين في بيعة، فكيف يجيزونها مجتمعة مع البيع والإجارة؟ وأما قوله: ومنع الجمهور ذلك، فالنسبة للبيعتين في بيعة صحيح كما بيناه فيما سبق. وأما بالنسبة لاجتماع البيع والإجارة فغير مسلم. حيث أجازه الشافعية والحنابلة؛ جاء في متن المنهاج: (ولو جمع في صفقة مختلفي الحكم كإجارة وبيع أو سلم صحا في الأظهر ويوزع المسمى على قيمتهما) (٣) . وفي فتح العزيز: (وأصح القولين أنه لو جمع بين عقدين مختلفين في صفقة واحدة كالإجارة والسلم، أو الإجارة والبيع أو النكاح والبيع ... فالعقد صحيح) (٤) . وجاء في شرح منتهى الإرادات: (وكل من البيع والإجارة يصح إفراده بالعقد. فجاز الجمع بينهما كالعينين) (٥) . وأما الحنفية فالقياس عندهم أنهم يمنعون الجمع بين البيع والإجارة، إذا جاءت بناء على الاشتراط، لكنهم أجازوها استحسانا (٦) جاء في الهداية: (ومن اشترى نعلا على أن يحذوها البائع قال: أو يشركها، فالبيع فاسد، قال ﵁: ما ذكره جواب القياس، ووجهه ما بينا، وفي الاستحسان يجوز للتعامل فيه فصار كصبغ الثوب) (٧) .

стр. 13909

وعلق عليها ابن الهمام فقال: (وفي الاستحسان يجوز البيع والشرط للتعامل كذلك، ومثله في ديارنا شراء القبقاب على هذا الوجه: أي على أن يسمر له سيرا، وصار كصبغ الثوب مقتضى القياس منعه لأنه إجارة عقدت على استهلاك عين مع المنفعة وهو عين الصبغ ولكن جوز للتعامل) (١) . وقال الحصكفي: (أو جرى العرف به [أي شرط جرى العرف به] كبيع نعل ... على أن يحذوه البيع أو يشركه أي يضع عليه الشرك وهو السير ومثله تسمير القبقاب استحسانا للتعامل بلا نكير، هذا إذا علقه بكلمة على، وإن بكلمة إن بطل البيع لا في بعت إن رضي فلان) (٢) . وقد علق ابن عابدين على قوله: (استحسانا للتعامل. فقال: أي يصح البيع ويلزم الشرط استحسانا للتعامل والقياس فساده لأن فيه نفعا لأحدهما وصار كصبغ الثوب مقتضى القياس منعه لأنه إجارة عقدت على استهلاك عين الصبغ مع المنفعة ولكن جوز للتعامل ومثله إجارة الضئر وللتعامل جوزنا الاستصناع مع أنه بيع المعدوم ومن أنواعه شراء الصوف المنسوج على أن يجعله البائع قلنسوة أو قلنسوة بشرط أن يجعل البائع لها بطانة من عنده) (٣) . وبعد هذه النقول عن علماء الحنفية تبين أنهم يجيزون اجتماع البيع والإجارة استحسانا، وأن العمل على هذا من غير نكير، لأنه استقر العرف على هذا.

стр. 13910

المبحث الثامن المبادلة بين مقدار من الذهب ومقدار أقل منه مضموم إليه جنس آخر يقع في بعض البضائع كالساعات، والخواتم، وبعض السيارات، وغيرها؛ حلية من الذهب. وكذلك بعض ما يلبسه النساء؛ كالياقوت، والزمرد، واللؤلؤ، قد يطعم بالذهب. وقد يكون الذهب مضموما إلى ذلك الغير دون صناعة. وقد يركب مع غيره، ويسهل نزعه منه، وإعادته إليه، دون إفساد للمبيع. وهذه المسألة يترجم لها الفقهاء ببيع الربوي بجنسه ومع أحدهما، أو معهما من غير جنسهما، ويترجم لها بمسألة مد عجوة (١) . لكن موضوع بحثنا مقتصر على الجزء الأول من المسألة، وهو بيع الربوي بجنسه ومع أحدهما من غير جنسه. وإن كانت الأقوال، والحكم، والأدلة، في الجميع واحدة. ولأنه يشترط المماثلة في بيع الربوي بجنسه؛ وقع الخلاف بين الفقهاء في هذه المسألة؛ وذلك لعدم تحقق المساواة، أو الجهل به، والجهل بالمساواة في بيع الربوي بجنسه كالعلم بالتفاضل. وقبل عرض خلاف الفقهاء في هذه المسألة، أعرض لبعض الصور: ١- إذا كانت الحلية محرمة كالملاعق والصحون والمطلية بالذهب، والخواتم التي فيها ذهب للرجال؛ فهذه يحرم شراؤها، ويبطل العقد عليها، لما روى حذيفة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((لا تلبسوا الحرير ولا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافها، فإنها لهم في الدنيا ولنا في الآخرة)) متفق عليه (٢) . وعن أم سلمة – ﵂ – قالت: قال رسول الله ﷺ : ((من شرب في إناء من ذهب أو فضة فإنما يجرجر في بطنه نار جهنم)) . متفق عليه (٣) . في رواية لمسلم ((الذي يأكل ويشرب)) . فإذا حرم استعمال الآنية، أو نحوها، حرم بيعها؛ إذا كان الشراء لغرض الاستعمال.

стр. 13911

٢- أما إذا كانت الحلية مباحة فإنه يصح بيع السلعة التي معها، أو مازجها ذهب بالعروض، وبالنقود الورقية، وبالشيكات، وبالنقود الفضية، دون اشتراط التماثل. وفي بيعها بالفضة والنقود الورقية نسيئة خلاف. ٣- لكن الفقهاء اختلفوا في بيعها بالذهب على قولين: القول الأول: إذا كان مع الذهب شيء غيره؛ فإنه لا يحل بيع ذلك الشيء بذهب، لا بأكثر من وزنه، ولا بأقل، ولا بمثله حتى يفصل الذهب وحده، فيباع مثلا بمثل. وهو مذهب المالكية، والشافعية، وهو المذهب عند الحنابلة؛ نص عليه الإمام أحمد في مواضع كثيرة، وعليه جماهير الأصحاب، وهو قول زفر من الحنفية، وقول ابن حزم (١) . ومن الصحابة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁، فقد روى محمد بن عبد الله الشعبي عن أبي قلابة عن أنس قال (أتانا كتاب عمر ونحن بأرض فارس: لا تبيعوا سيوفا فيها حلقة فضة بالدراهم) (٢) . وصح عن ابن عمر: أنه كان لا يبيع سرجا ولا سيفا فيه فضة حتى ينزعه ثم يبيعه وزنا بوزن وروي فيه عن أمير المؤمنين علي – ﵁ – شيء محتمل (٣) . قال السبكي (وكل هذه الآثار بأسانيد صحيحة) (٤) . وروى عن سالم بن عبد الله والقاسم بن محمد، وشريح، وابن سيرين، وإسحاق، وأبي ثور (٥) . قال الإمام الشافعي: (فلا يجوز أن يشتري ذهبا فيه حشو، ولا معه شيء غيره بالذهب، كان الذي معه قليلا أو كثيرا؛ لأن أصل الذي نذهب إليه، أن الذهب بالذهب مجهول أو متفاضل، وهو حرام من كل واحد من الوجهين. وهكذا الفضة بالفضة) (٦) . ويستثني أصحاب هذا القول – ما عدا ابن حزم – من المنع ما إذا كان الذهب المضموم مع غيره مصنوعا صناعة يتعذر معها فصل كل منهما عن الأخر أو أن فصلهما يؤدي إلى تخريب الصنعة. فهنا يكون المبيع قيميا فيجوز بيعه بالذهب. قال الإمام الشافعي: (وهكذا كل صنف من هذه خلطه غيره مما يقدر على تمييزه منه لم يجز بعضه ببعض إلا خالصا) (٧) .فقد قيد المنع بالقدرة على تمييزه. وقال الباجي عند ذكر الشروط التي يصح بها بيع المحلى بالذهب أو الفضة بجنسه، دون فصله: (أن يكون الحلي مرتبطا بالمحلى ارتباطا في إزالته مضرة فلا يقدر على إزالته من المبيع وتمييزه إلا بمضرة لاحقة) (٨) ؛ كالفصوص المصوغ عليها، وحلية السيف المسمرة عليه وأما القلائد التي لا تفسد عند نظمها فظاهر المذهب أنه لا تأثير لها في الإباحة (٩) .

стр. 13912

أما ابن حزم فإنه يقول بالمنع مطلقا حتى يفصل الربوي عن ما معه (١) . ويستثنون أيضا ما إذا كان الذهب في المبيع تابعا لغيره بأن كان المقصود الأعظم غير الجنس الربوي فيجوز البيع، وهو قول الإمام مالك، وأحمد في المشهور عنه، والأصح من مذهب الشافعية، وهو مذهب الحكم بن عتيبة، والحسن، وإبراهيم، وهو قول سفيان (٢) . قال المرداوي: وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وذكر أنه ظاهر المذهب، ونصره صاحب الفائق (٣) ، ووافقه ابن القيم (٤) . ومع أن الأصل عند المالكية المنع، إلا أنهم أجازوه للضرورة بشروط، هي: ١-أن تكون الحلية مباحة. ٢-أن تكون الحلية مسمرة علي المحل، بحيث يكون في نزعها ضرر. ٣ - أن تكون الحلية قدر الثلث فأقل (٥) . قال الإمام مالك: (بأن يكون الثلث فما دون) (٦) . جاء في المدونة: (قلت: أرأيت إن اشتريت سيفا محلى بفضة حليته أقل من ثلث السيف بفضة إلى أجل أيجوز هذا في قول مالك؟ قال: قال مالك: لا يجوز بيعه بفضة ولا بذهب إلى أجل، قلت: أفبيعه بفضة أو بذهب نقدا في قول مالك، قال: نعم. قلت: فلماذا جوزه مالك بالنقد بالفضة ولم يلتفت إلى الفضة التي في السيف وهي عنده ملغاة وجعلها تبعا للسيف فلم لا يجوزنه بفضة إلى أجل؟ ... قال مالك: لأن هذا لم يجز إلا على وجه النقد) (٧) .

стр. 13913

وقال ابن قدامة: (وإن باع ما فيه الربا بغير جنسه، ومعه من جنس ما بيع به إلا أنه غير مقصود، كدار مموه سقفها بالذهب جاز. لا أعلم فيه خلافا. وكذلك لو باع دارا بدار مموه سقف كل واحدة منها بذهب أو فضة؛ جاز؛ لأن ما فيه غير مقصود بالبيع؛ فوجوده كعدمه) (١) . وقال النووي: (لو باع دارا بذهب فظهر فيها معدن ذهب، أو باع دارا فيها بئر ماء بدار فيها بئر ماء، وقلنا الماء ربوي، صح البيع في المسألتين على الأصح لأنه تابع.) (٢) . وقال شيخ الإسلام ابن تيميه: (فإذا كان المقصود بيع الربوي بجنسه متفاضلا، وقد أدخل الغير حيلة، كمن يبيع ألفي درهم بألف درهم في منديل، أو قفيزي حنطة بقفيز في زنبيل فهذا لا ريب في تحريمه، كما هو مذهب مالك وأحمد والشافعى، وإن كان المقصود هو البيع الجائز وما فيه من مقابل ربوي بربوي داخل على وجه التبع كبيع الغنم بالغنم، وفي كل منهما لبن وصوف، أو بيع غنم ذات لبن بلبن، وبيع دار مموهة بذهب وبيع الحلية الفضية بذهب، وعليهما ذهب يسير موهت به، ونحو ذلك، فهذا الصواب فيه أنه جائز، كما هو المشهور من مذهب أحمد وغيره كما جاز دخول الثمرة قبل بدو صلاحها في البيع تبعا) (٣) . القول الثاني: يجوز ذلك؛ إذا كان المفرد أكثر من الذي معه غيره، لا مثله، ولا دونه، أو يكون مع كل واحد منهما من غير جنسه وتكون الزيادة في مقابل المصاحب للربا؛ وهو مذهب الحنفية وحماد بن أبي سليمان، والشعبي، والنخعي، وراوية عن الإمام أحمد (٤) .

стр. 13914

وقد اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية في مواضع من فتاواه (١) .وهذه الرواية عن الإمام أحمد ضعيفة والعمل على الرواية الأولى. فقد نقل الجماعة عن الإمام أحمد أنه لا يجوز. قال: (في رواية حنبل في الخاتم والمنطقة والسيف وما أشبهه: لا أرى أن يباع حتى يفصل ويخرج منه والقلادة على ذلك. ونقل عبد الله قال: قرأت على أبي عن الحكم أنه قال: ألف درهم وستون درهما بألف درهم وخمسة دنانير لا بأس به فقال أبي هذا حديث رديء لا يعجبنا، فظاهر هذا المنع. ونقل الميموني: وقد سأله لا يشتري السيف والمنطقة حتى يفصلها قال: لا يشتريها حتى يفصلها إلا أن هذا أهون من ذلك. قال أبوبكر روى هذه المسألة عن أبي عبد الله خمس عشرة نفسا كلهم اتفقوا على أنه لا يجوز البيع حتى يفصل إلا الميموني. ونقل مهنا قولا آخر، والعمل على ما روى الجميع. فالراوية التي أوردنها في القول الثاني هي التي نقلها مهنا وهي مخالفة لما نقله عنه الجماعة، بل ما نقله عنه خمسة عشر نفسا) (٢) . وقد اشترط الحنفية قبض الحلية وما يقابلها من الثمن إن أمكن فصلها، وإلا قبضت هي والسلعة التي حليت بها؛ لأن عدم القبض يؤدي إلى ربا النسيئة (٣) . جاء في رد المحتار: (ولو تبايعا فضة بفضة أو ذهبا بذهب ومع أقلهما شيء آخر تبلغ قيمته باقي الفضة جاز البيع من غير كراهة) (٤) . وقال ابن الهمام (الأصل أنه إذا بيع نقد مع غيره بنقد من جنسه لا بد أن يزيد الثمن على النقد المضموم إليه) (٥) .مثل أن يكون المبيع سيفا محلى بذهب زنته حوالي عشرين جراما والثمن مئة جرام من الذهب، فهذا الذهب المفرد أكثر من الذي مع السيف، فيكون عشرون جراما في مقابل العشرين التي مع السيف، والثمانون في مقابلة السيف.

стр. 13915

الأدلة أولا: أدلة أصحاب القول الأول: ١- استدل أصحاب القول الأول بحديث فضالة الوارد في صحيح مسلم بطرق متعددة، ورواه أبو داود، والترمذي، والنسائي، والدارقطني، والبيهقي، وغيرهم. فعن فضالة بن عبيد الأنصاري يقول: أتي رسول الله ﷺ وهو بخيبر بقلادة فيها خرز وذهب وهي من المغانم تباع فأمر رسول الله ﷺ بالذهب الذي في القلادة فنزع وحده ثم قال لهم رسول الله ﷺ : ((الذهب بالذهب وزنا بوزنا)) (١) . وفي راوية عن فضالة بن عبيد قال: اشتريت يوم خيبر قلادة باثني عشر دينارا فيها ذهب وخرز ففصلتها فوجدت فيها أكثر من اثني عشر دينارا فذكرت ذلك للنبي ﷺ فقال: ((لا تباع حتى تفصل)) . رواه مسلم والنسائي وأبو داود والترمذي وصححه (٢) . فقذ تضمن الحديث الشريف أمر رسول الله ﷺ بفصل الذهب الذي في القلادة عن الخرز، وبيعه لوحده؛ لأنه لا يجوز بيع الذهب مع غيره بذهب حتى يفصل من ذلك الغير، ويميز عنه ليعرف عنه مقدار الذهب المتصل بغيره؛ لاتحادهما في العلة وهي تحريم بيع الجنس بجنسه متفاضلا (٣) ؛ ولأن الجهل بالتساوي كالعلم بالتفاضل، وفي هذه المسألة يجهل تساوي الذهب الذي في الساعة – مثلا – بالذهب الذي هو ثمن الساعة. ومثل هذا نهيه ﷺ عن بيع الصبرة من التمر بالكيل المسمى من التمر، ونهيه عن بيع الرطب خرصا، والحب في سنابله قبل اشتداده خرصا، كما في المزابنة، والمحاقلة.

стр. 13916

٢- (لأنه قابل الجملة بالجملة، ومن قضيته الانقسام على الشيوع لا على التعيين، وهو أن يكون كل جزء على الشيوع مقابلا لكل جزء على الشيوع) (١) . ٣- (ولأن قضية اشتمال أحد طرفي العقد على مالين مختلفين أن يوزع ما في الطرف الآخر عليهما باعتبار القيمة والتوزيع فيما نحن فيه يؤدي المفاضل أو عدم تحقيق المماثلة) (٢) ؛ (فالصفقة إذا جمعت شيئين مختلفي القيمة انقسم الثمن عليهما، كما لو اشترى شقصا وسيفا بألف قوم السيف والشقص وقسم الألف عليهما على قدر قيمتهما، وأخذ الشفيع الشقص بحصته من الثمن على قدر قيمته، وأمسك المشتري السيف بحصته من الثمن على قدر قيمته، وإذا قسم الثمن على قدر القيمة أدى إلى الربا؛ لأنه إذا باع دينارا صحيحا قيمته عشرون درهما، ودينارا قراضة قيمته عشرة دنانير، بدينارين، وقسم الثمن عليهما على قدر قيمهما صارت القراضة مبيعة بثلث الدينارين، والصحيح بالثلثين وذلك ربا) (٣) . ٤- واستدل بعضهم على المنع بسد الذرائع المؤدية إلى الربا؛ فإن اتخاذ ذلك حيلة على الربا الصريح، كبيع مئة درهم في كيس بمئتين جعلا للمئة في مقابلة الكيس وقد لا يساوي درهما (٤) . واستدلوا علي تجويز البيع إذا كان الذهب في المبيع تابعا لغيره، بما يأتي: ١- إذا كان المقصود هو البيع الجائز، وما فيه من مقابلة ربوي بربوي داخل على وجه التبع، فهو جائز كما جاز دخول الثمرة قبل بدو صلاحها في البيع تبعا؛ لقول رسول الله ﷺ : ((من ابتاع نخلا بعد أن تؤبر فثمرتها للبائع إلا أن يشترط المبتاع، ومن ابتاع عبدا وله مال فماله للبائع إلا أن يشترط المبتاع)) (٥) . ٢- لأن ما فيه الربا غير مقصود فوجوده كعدمه، ولذلك لا تشترط رؤيته في صحة البيع، ولا لزومه (٦) . ٣-قالوا: إن الحاجة داعية إلى ذلك (٧) .

стр. 13917

أدلة المذهب الثاني: استدل أصحاب القول الثاني بما يأتي: ١- أن الأصل في الأموال الربوية المختلفة الجنس إذا اشتملت عليها الصفقة وكان في صرف الجنس إلى الجنس فساد المبادلة يصرف كل جنس منها إلى خلاف جنسه، وإذا كان الثمن أكثر كان ما يقابله مثلا بمثل، والفاضل ثمن الشيء المصاحب (١) . ٢- (أن المقابلة المطلقة تحتمل مقابلة الفرد بالفرد كما في مقابلة الجنس بالجنس، وأنه طريق متعين لتصحيحه، فيحمل عليه تصحيحا لتصرفه) (٢) . (كما إذا باع نصف عبد مشترك بينه وبين غيره، فإنه ينصرف إلى نصيبه تصحيحا لتصرفه) (٣) . ٣- قالوا: الأصل حمل العقود على الصحة: (فالعقد إذا أمكن حمله على الصحة. لم يحمل على الفساد؛ لأنه لو اشترى لحما من قصاب، جاز. مع احتمال كونه ميتة. ولكن وجب حمله على أنه مذكى تصحيحا للعقد. ولو اشترى من إنسان شيئا، جاز مع احتمال كونه غير ملكه، ولا إذن له في بيعه، تصحيحا للعقد. وقد أمكن التصحيح ههنا بجعل الجنس في مقابلة غير الجنس، أو جعل غير الجنس في مقابلة الزائد على المثل) (٤) . ٤- (لأنه إذا احتمل العقد وجه صحة وبطلان حمل على الصحة) (٥) .

стр. 13918

المناقشة مناقشة أدلة المذهب الأول: ١- بالنسبة لحديث القلادة نوقش من وجهين: الوجه الأول من حيث حجيته: قال الطحاوي: (فقد اضطرب علينا حديث فضالة، فلم يوقف على ما أريد منه، فليس لأحد أن يحتج بمعنى من المعاني التي روي عليها إلا أن يحتج بمعنى من المعاني التي روي عليها إلا أن يحتج مخالفة عليه بالمعنى الآخر) (١) . (وله عند الطبراني في الكبير طرق كثيرة جدا، في بعضها قلادة فيها خرز وذهب، وفي بعضها ذهب وجوهر، وفي بعضها خرز ذهب، وفي بعضها خرز معلقة بذهب، وفي بعضها باثني عشرا دينارا، وفي أخرى بتسعة دنانير وفي أخرى سبعة دنانير) (٢) . الوجه الثاني: من حيث دلالته: قيل: (إنما نهى عنه لأنه في بيع الغنائم) (٣) . وقيل: (يجوز أن يكون رسول الله ﷺ فصل الذهب؛ لأن صلاح المسلمين كان في ذلك، ففعل ما فيه صلاحهم؛ لا لأن بيع الذهب قبل أن ينزع مع غيره في صفقة واحدة غير جائز) (٤) . وقيل: إن الأمر بالفصل؛ لأن الذهب الذي مع القلادة أكثر من المنفصل؛ بدليل قوله: (ففصلتها فوجدت فيها أكثر من اثني عشر دينارا، والثمن إما سبعة أو تسعة وأكثر ما روي أنه اثنا عشرا) (٥) .فهو دونها على جميع الروايات، وليس في الحديث تعرض لما يكون الثمن أكثر من المبيع بحيث يعلم يقينا مساواة بعض الثمن لما قابله من جنسه، والزيادة في مقابلة المصاحب. وأجيب على الوجه الأول بما يأتي: بعد أن ساق البيهقي معظم هذه الروايات؛ قال: (سياق هذه الأحاديث مع عدالة رواتها تدل على أنها كانت بيوعا شهدها فضالة كلها والنبي ﷺ نهى عنها فأداها كلها، وحنش الصنعاني أداها متفرقة) (٦) . قال ابن حجر: (والجواب المسدد عندي أن هذا الاختلاف لا يوجب ضعفا، بل المقصود من الاستدلال محفوظ لا اختلاف فيه، وهو النهي عن بيع ما لم يفصل، وأما جنسها وقدر ثمنها فلا يتعلق به في هذه الحالة ما يوجب الحكم بالاضطراب، وحينئذ فينبغي الترجيح بين رواتها وإن كان الجميع ثقات فيحكم بصحة رواية أحفظهم وأضبطهم، وتكون رواية الباقين بالنسبة إليه شاذة) (٧) .

стр. 13919

وقال السبكي: (وليس هذا باضطراب قادح ولا ترد الأحاديث الصحيحة بمثل هذه الاحتمالات، وقوله ﷺ ((لا يباع حتى يفصل)) صريح لا يحتمل التأويل، وكونه فضالة أفتى به في غير طريقة غير مرفوع إلى النبي ﷺ لا ينفي سماعه له، فقد يسمع الراوي شيئا ثم يتفق له مثل تلك الواقعة فيفتي بمثله) (١) . وقال الشوكاني: (إنه لا اضطراب محل الحجة، والاضطراب في غيره لا يقدح فيه) (٢) . فهذه الروايات كلها متفقة على النهى عن البيع حتى يفصل ولا منافاة بينها فالجمع بينهما بذلك أولى من الحكم على بعضها بالغلط. وأجيب على الوجه الثاني: بأن القصة التي شهدها فضالة كانت متعددة فلا يصح التمسك بما وقع في بعضها وإهدار البعض الآخر. وبأن الحديث فيه دلالة على علة النهي، وهي عدم الفصل، حيث قال ((لا تباع حتى تفصل)) ، وظاهر ذلك عدم الفرق بين المساوي والأقل والأكثر، والغنيمة وغيرها. إن القول بمقابلة الجملة بالجملة، والجزء الشائع بالشائع، لا يقتضي الربا والفساد، وإنما يقتضيه لو كان التفاضل لازما حقيقة، وذلك لا يكون إلا إذا قوبل معين بمعين، وتفاضلا، وحينئذ لا حاجة في التصحيح إلى التوزيع وصرف كل جنس إلى خلاف جنسه عينا، ونحن نقول: هو الأصل، وإنما قلنا: إذا كان تصحيح العقد يحصل باعتباره التوزيع وجب المصير إليه (٣) . ونوقش الدليل الثالث؛ وهو أن الصفقة إذا اشتملت على عوضين مختلفي القيمة. قالوا: هذه علة ضعيفة؛ فإن الانقسام إذا باع شقصا مشفوعا، وما ليس بمشفوع – كالعبد والسيف والثوب – إذا كان لا يحل، عاد الشريك إلى الآخذ بالشفعة، فأما انقسام الثمن بالقيمة لغير حاجة فلا دليل عليه.

стр. 13920

مناقشة أدلة المذهب الثاني: ١- إن قولهم بصرف الجنس إلى غير جنسه، والزايد في مقابلة الفاضل عن المثل. فيه تغيير تصرف العاقد؛ لأنه قابل الجملة بالجملة، ومن قضيته الانقسام على الشيوع، لا على التعيين (١) ، وهو أن يكون لكل واحد من البدلين نصيب من جملة الآخر. (وبأن اختلاف العوضين من الجانبين، أو من أحدهما يوجب اعتبار القيمة وتوزيع الثمن بالقيمة يوم العقد، فإذا باع عبدا وثوبا ثم خرج أحدهما مستحقا فإنه يرجع بقيمة المستحق من الثمن لا بنصف الثمن) (٢) . وقد أجيب على هذا (بأن الذي تغير وصف التصرف لا أصله؛ لأنه يبقى موجبه الأصلي وهو ثبوت الملك في الكل بمقابلة الكل) (٣) . ٢-وقولهم: (إنه طريق متعين للتصحيح، بأنه ليس كذلك، بل يحمل على ما يقتضيه من صحة وفساد، ولذلك لو باع بثمن وأطلق، وفي البلد نقود بطل، ولم يحمل على نقد أقرب البلاد إليه، أما إذا اشترى من إنسان شيئا، فإنه يصح؛ لأن الظاهر أنه ملكه؛ لأن اليد دليل الملك. وإذا باع لحما فالظاهر أنه مذكى؛ لأن المسلم في الظاهر لا يبيع الميتة) (٤) . الترجيح: بعد عرض أدلة الفريقين، ومناقشتها، يترجح عندي، عدم جواز بيع السلعة التي معها ذهب مقصود في الشراء – والتي لا يتعذر فصلها – بالذهب حتى يفصل الذهب عن السلعة، ويباع مثلا بمثل، يدا بيد. وذلك لقوة دليل القائلين به؛ فحديث القلادة صحيح، وصريح في الموضوع، وإجابة المجيزين بأن الأمر بفصلها؛ لأن الذهب الذي مع القلادة أكثر من اثني عشرا دينارا، والثمن إما سبعة أو تسعة، وأكثر ما روي أنه اثنا عشر، فهو دونها في جميع الروايات؛ لا يقوى على دفع دلالة الحديث الذي ورد في بعض رواياته بصيغة النهي، والتي تفيد التحريم عند الأئمة الأربعة، وغيرهم من أهل التحقيق في الأصول (٥) ، وتفيد البطلان عند جمهور العلماء (٦) ،والفساد عند الحنفية (٧) .ولأن الحديث فيه نص على علة النهي؛ وهي عدم الفصل؛ (لا تباع حتى تفصل) وظاهر ذلك عدم الفرق بين الأكثر، والأقل والمساوي، إلا إذا علمت المساواة يقينا. ولأن قول المجيزين نوع اجتهاد، ولا يجوز الاجتهاد في مقابلة النص. أما إذا كان الذهب في السلعة تابعا لغيره، وغير مقصود بالشراء، أو لا يمكن فصله عنها، أو يمكن لكن يسبب إفسادها، فإني أرى جواز البيع، دون تحديد نسبة معينة. والقول بالجواز في حالة ما إذا كان الذهب لا يمكن فصله، أو أن فصله يسبب فساد السلعة المباعة هو قول جميع الفقهاء، عدا ابن حزم. والقول بجواز البيع إذا كان الذهب في المبيع تابعا لغيره، وغير مقصود بالشراء، وهو قول جماهير العلماء، وهو الأصح من مذهب الشافعية، كما ذكره النووي (٨) . وهو أصح القولين عند البغوي والرافعي وجزم به صاحب التتمة (٩) .

стр. 13921

يؤيد ما رجحته قول رسول الله ﷺ في الحديث الذي رواه ابن عمر: ((من ابتاع نخلا بعد أن تؤبر فثمرتها للبائع إلا أن يشترط المبتاع، ومن ابتاع عبدا وله مال فماله للبائع إلا أن يشترط المبتاع)) (١) . فهذا الحديث دل على جواز دخول الثمرة في البيع؛ مع أن الأصل عدم جواز بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها؛ لكنها جازت هنا؛ لأنها جاءت تبعا للمبيع؛ ولأنها غير مقصودة، أو لأنها غير مقصودة، أو لأنها ليست المقصود الأعظم. وكذلك جوز بيع العبد مع ماله من مال فيبيعه سيده، ومعه ماله؛ ولو كان كله أو بعضه نقودا، بثمن نقدي، مع أن الأصل عدم جواز ذلك، إلا بشروط الصرف. لكنه جاز هذا البيع، لأن مال العبد جاء تبعا للمبيع، وغير مقصود بالشراء. وقد أكد هذا عمل الصحابة والسلف من بعدهم. فقد روى المغيرة بن جبير عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه أتاه رجل وهو يخطب فقال: يا أمير المؤمنين إن بأرضنا قوما يأكلون الربا، قال علي: وما ذاك؟ قال: يبيعون جامات (٢) . مخلوطة بذهب وفضة بورق، فنكس علي رأسه وقال: لا، أي لا بأس به المغيرة بن جبير ذكره البخاري في تاريخه (٣) . وعن ابن عباس ﵄ قال: (لا بأس ببيع السيف المحلى بالدراهم) (٤) . وعن إبراهيم النخعي قال: كان خباب قينا وكان ربما اشترى السيف المحلى بالورق (٥) .

стр. 13922

المبحث التاسع شراء الذهب للاستعمال وفيه عدة مطالب. المطلب الأول شراء الحلي للنساء يجوز شراء الذهب لتتحلى به النساء بالإجماع؛ كالخلخال، والسوار، والخاتم، والقلادة، وكل ما جرت العادة بلبسه، ولم يبلغ حد الإسراف أو التشبه بالرجال. (١) . لحديث ((أحل الذهب لإناث أمتي وحرم على ذكورها)) . أخرجه النسائي، وهو حديث حسن (٢) . المطلب الثاني شراء حلي الذهب ليستعمله الرجال يحرم استعمال الرجال حلي الذهب، كالخاتم والسوار، وسن لغير حاجة بغير خلاف (٣) . لحديث ((أحل الذهب لإناث أمتي وحرم على ذكورها)) (٤) . أخرجه النسائي، وهو حديث حسن. وبالنسبة للبيع فقال قال الحنفية: (إذا ثبت كراهة لبسها.. ثبت كراهة بيعها وصوغها) (٥) . أما المالكية والحنابلة فإنه يتخرج القول بتحريم شراء الذهب لهذا الغرض؛ لقولهم بسد الذرائع، اشتراطهم مشروعية السبب الباعث على العقد. ويتخرج ذلك على مذهب الظاهرية لاشتراطهم مشروعية السبب (٦) . وقد نص عليه الإمام مالك ففي الأواني (٧) . أما الشافعية فيصح البيع عندهم؛ لأنهم لا يشترطون مشروعية السبب (٨) . قال القاضي أبو الطيب: في بيع الأواني: (البيع صحيح لأن المقصود عين يصح بيعها) (٩) .

стр. 13923

والراجح عندي مذهب الحنفية والمالكية والشافعية والظاهرية، وهو حرمة شراء الذهب ليلبسه الرجال، وبطلان عقد البيع في هذه الصورة سواء نص عليه في العقد، أم كان مقصودا ولم ينص عليه وحرمت التجارة في هذا النوع من الحلي. ومرادي بلبسه؛ هو ما يضعه الرجل على شيء من بدنه. على أن هناك خلاف بين المذاهب الفقهية في بعض الصور والتفريعات في بعض حالات الاستعمال. والدليل على ما رجحته، قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢] . وقوله ﷺ : ((أحل الذهب لإناث أمتي وحرم على ذكورها)) (١) . ولحديث علي ﵁ قال: ((نهاني رسول الله ﷺ أن أقرأ وأنا راكع، وعن خاتم الذهب، وعن القسي والمعصفر)) (٢) . قال أحمد شاكر: إسناده صحيح. وقوله ﷺ : ((إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى)) (٣) . فالشارع جعل حكم الأعمال تابعا لنية المتصرف فإن قصد أمرا حلالا وقعت صحيحة، وإن قصد أمرا محرما وقعت باطلة (٤) . فما حرم استعماله حرم بيعه، وحرمت التجارة فيه، إلا أن يقصد من الشراء تحويله إلى صناعة أخرى، أو أن يلبسه النساء، أو يؤجر عليهن، ونحو ذلك فحينئذ لا بأس بالشراء.

стр. 13924

ويستثنى من المنع حالتان: الحالة الأولى: شراؤه للحاجة؛ فقد قال جمهور الفقهاء بجواز اتخاذ أنف أو سن من الذهب أو شد الأسنان بالذهب للحاجة إليه (١) ؛ لحديث عرفجة بن أسعد قطع أنفه يوم الكلاب (٢) . أنفا من ورق فأنتن عليه، فأمره النبي ﷺ فاتخذ أنفا من ذهب رواه أبو داود والترمذي، وحسنه (٣) . وقال أبو حنيفة: (لا يجوز اتخاذ السن أو شده بالذهب للرجال دون الفضة، لأن النص ورد في الأنف دون غيره، ولضرورة النتن بالفضة، وخالفهم محمد، وأما أبو يوسف فقيل مع محمد، وقيل مع الإمام) (٤) . ويتخرج على رأي أبي حنيفة عدم جواز البيع. والراجح مذهب الجمهور، للاشتراك في العلة وهي الحاجة، أما شراء الذهب لتزيين الأسنان به للرجال دون حاجة فلا يجوز. الحالة الثانية: تحلية آلات القتال بالذهب، مثل تحلية السيف. وقد اختلف الفقهاء في هذا. على قولين: القول الأول: قال الحنفية والشافعية لا يجوز تحلية آلات القتال بالذهب لأن الأصل أن التحلي بالذهب حرام على الرجال إلا ما خصه الدليل ولم يثبت ما يدل على الجواز، ولأن فيه زيادة إسراف وخيلاء (٥) . ويتخرج على رأي الحنفية كراهة بيع الذهب لهذا الغرض (٦) . القول الثاني: قال المالكية والحنابلة يجوز تحلية السيف بالذهب سواء ما اتصل به كالقبيعة والمقبض، أو ما انفصل عنه كالغمد، وقصر الحنابلة الجواز على القبيعة. لأن عمر – ﵁ – كان له سيف فيه سبائك من ذهب، وعثمان بن حنيف كان في سيفه مسمار من ذهب (٧) . ويتخرج على القول الثاني جواز بيع الذهب لهذا الغرض وهو الراجح عندي لحديث مزيدة قال ((دخل رسول الله ﷺ يوم الفتح وعلى سيفه ذهب وفضة، قال طالب: فسألته عن الفضة، فقال: كانت قبيعة السيف فضة)) (٨) . قال الترمذي: وهذا حديث حسن غريب.

стр. 13925

المطلب الثالث شراء أواني الذهب وفيه فرعان: الفرع الأول – شراء أواني الذهب للاستعمال: يحرم استعمال أواني الذهب، كالملاعق، والصحون، والسكاكين، ونحوها، على الرجال والنساء، وعلى مذاهب الأئمة الأربعة. لقوله ﷺ : ((لا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافها، فإنها لهم في الدنيا ولنا في الآخرة)) رواه الجماعة (١) . ولنهيه ﷺ عن الشرب في آنية الفضة؛ حيث قال: ((من شرب فيها في الدنيا لم يشرب فيها في الآخرة)) (٢) . وقال ﷺ : ((الذي يشرب في آنية الفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم)) متفق عليه (٣) . وغير الأكل والشرب من وجوب استعمال في معناهما لأن ذكرهما خرج مخرج الغالب. وبناء على حرمة استعمالها فإنه يحرم شراء أواني الذهب عند الحنفية، والمالكية، ويتخرج القول بالحرمة على مذهب الحنابلة لقولهم بسد الذرائع، واشتراطهم مشروعية السبب. إذا كان الشراء لغرض الاستعمال؛ لأن ما حرم استعماله حرم شرائه (٤) . جاء في المدونة: (كان مالك يكره هذه الأشياء التي تصاغ من الذهب والفضة مثل الأباريق، وكان مالك يكره مداهن الفضة والذهب ومجامر الذهب والفضة سمعت ذلك منه والأقداح واللجم والسكاكين المفضضة وإن كانت تبعا لا أرى أن تشترى) (٥) . أما الشافعية فيصح عندهم شراء أواني الذهب والفضة ما لم ينص في العقد على الاستعمال؛ وذلك بناء على عدم اشتراط مشروعية السبب عندهم (٦) . وقد نص القاضي أبو الطيب من الشافعية على صحة بيع أواني الذهب والفضة (٧) . أما إذا كان الشراء لغير غرض الاستعمال فإنه يصح شراء أواني الذهب والفضة، لأنهما مقصودان بذاتهما؛ ولأن المانع من جواز البيع عند من قال به هو الاستعمال، فإذا انتفى استعمالهما؛ انتفى المانع؛ فجاز شرائهما. جاء في مواهب الجليل: (وأما بيعها فجائز لأن عينها تملك إجماعا) (٨) .

стр. 13926

والدليل على ما ذكرناه ما يأتي: ١- عن أبي قلابة قال: كنت بالشام في حلقة فيها مسلم بن يسار فجاء أبو الأشعث قال: قالوا أبو الأشعث أبو الأشعث فجلس، فقلت له: حدث أخانا حديث عبادة بن الصامت قال: نعم غزونا غزاة وعلى الناس معاوية فغنمنا غنائم كثيرة فكان فيما غنمنا آنية من فضة فأمر معاوية رجلا أن يبيعها في أعطيات الناس فتسارع الناس في ذلك فبلغ عبادة بن الصامت، فقام فقال: إني سمعت رسول الله ﷺ ينهى عن بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة ... إلا سواء بسواء عينا بعين فمن زاد أو ازداد فقد أربى.. الحديث (١) . وجه الدلالة: هو بيع معاوية – ﵁ – آنية من فضة، وعدم إنكار عبادة بن الصامت – ﵁ – لبيع الآنية المذكورة، وإنما أنكر عدم التماثل، وإنكاره لعدم التماثل، يفهم منه تجويزه لهذا البيع إذا تحقق التساوي؛ يؤيده استشهاده للحكم الذي قرره، وهو المنع عند التفاضل، أو عدم التقابض، والجواز عند التساوي والحلول، بقوله: ((سمعت رسول الله ﷺ ينهى عن بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة ... إلا سواء بسواء عينا بعين)) . فدل هذا على جواز بيع أواني الذهب أو الفضة للاقتناء، أو لغيره من الأغراض، عدا غرض الأكل فيها، أو الشرب منها، أو لبسها. وهذه المستثنيات، فهمت من أحاديث المنع من الاستعمال في الأغراض المذكورة. ٢- روى مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار، أن معاوية بن أبي سفيان باع سقاية من ذهب أو ورق بأكثر من وزنها فقال أبو الدرداء: سمعت رسول الله ﷺ ينهى عن مثل هذا إلا مثلا بمثل، فقال له معاوية: ما أرى بمثل هذا بأسا، فقال أبو الدرداء: من يعذرني من معاوية أنا أخبره عن رسول الله ﷺ ويخبرني عن رأيه لا أساكنك بأرض أنت بها، ثم قدم أبو الدرداء على عمر بن الخطاب فذكر ذلك له فكتب عمر بن الخطاب إلى معاوية أن لا تبع ذلك إلا مثلا بمثل وزنا بوزن (٢) . قال أحمد شاكر: الحديث صحيح (٣) . وجه الدلالة: أن أبا الدرداء لم ينكر على معاوية بيع السقاية التي هي من ذهب أو فضة، وهي كأس كبيرة يشرب بها، ويكال بها، وإنما أنكر عليه البيع مع عدم التساوي؛ يؤيده قوله: سمعت رسول الله ﷺ ينهى عن مثل هذا إلا مثلا بمثل. ومفهومه أنه إذا كان مثلا بمثل يصح البيع. فدل على جواز بيع أواني الذهب والفضة. وكذلك عمر بن الخطاب لما كتب إليه لم ينكر عليه بيع السقاية، وإنما أنكر عليه عدم التماثل، وأمره أن لا يبيعها إلا مثلا بمثل. فدل أيضا: على جواز بيع أواني الذهب والفضة إذا توفرت شروط التماثل، والحلول.

стр. 13927

الفرع الثاني- شراء أواني الذهب للاتخاذ أو الزينة: اختلف الفقهاء في حكم اتخاذ آنية الذهب. فمذهب الحنفية، وهو قول عند المالكية، والصحيح عند الشافعية، وراوية عند الحنابلة: يجوز اتخاذ آنية الذهب والفضة (١) . ومذهب الحنابلة، وقول ثان للمالكية، والأصح عند الشافعية، حرمة اتخاذ آنية الذهب والفضة؛ لأن ما حرم استعماله حرم اتخاذه على هيئة الاستعمال (٢) .. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (يحرم اتخاذها في أشهر الروايتين، فلا يجوز صنعتها، ولا استصياغها، ولا اقتناؤها، ولا التجارة فيها؛ لأنه متخذ على هيئة محرمة الاستعمال، فكان كالطنبور وآلات اللهو، ولأن اتخاذها يدعو إلى استعمالها غالبا فحرم كاقتناء الخمر والخلوة بالأجنبية) (٣) . فعلى القول الأول، وهو مذهب الحنفية والمالكية والصحيح من مذهب الشافعية، ورواية عند الحنابلة يجوز شراء أواني الذهب والفضة، إذا كان الشراء للاقتناء؛ لأن ما جاز اتخاذه، جاز شراؤه. قال الحطاب: (وأما بيعها فجائز لأن عينها تملك إجماعا) (٤) . ويتخرج على مذهب الحنابلة حرمة بيع وشراء أواني الذهب والفضة؛ لأن ما حرم اتخاذه حرم بيعه. والراجح عندي جواز شراء أواني الذهب والفضة سواء كانت خالصة، أو مموهة، إذا كان الشراء لغرض القنية، أو الزينة؛ كالتحف، ونحوها، لا لغرض الاستعمال. يؤيده بيع معاوية آنية من فضة، ولم ينكر عليه عبادة ولا أبو الدرداء، كما بينا وجه دلالته في المطلب السابق. وقياسها على آلات اللهو والطنبور لا يصح في نظري، لأن هذه لا فائدة فيها، أما أواني الذهب والفضة، فإن لها قيمة مادية في ذاتها بصرف النظر عن كونهما آنية، ولأنه يمكن تحويلهما والاستفادة منهما في غير الاستعمال.

стр. 13928

المطلب الرابع شراء المموه بالذهب وفيه مسألتان: المسألة الأولى – شراء الآنية المموهة بالذهب: التمويه: هو طلاء الإناء، المصنوع من نحاس أو حديد أو نحوهما بماء الذهب أو الفضة ماء الذهب: هو سائل ناتج عن إذابة قطعة من الذهب بوضعها في سوائل كيماوية مثل: نتريك أسد مع كلودريك أسد، فينتج عن هذا ماء الذهب، ويسمى الماء الملكي، فيطلى به، أو يكتب به، وعندما يتعرض للشمس يجف. من الطرق التي تتبع في طلاء الأشياء بالذهب، ما ذكره مالكولم بر، في كتابه الذهب. فقال: (والعجب العجاب أن يحول الذهب إلى رقائق رفيعة جدا بواسطة الطرق. فلو حاولت أن تطرق معدنا آخر، فإنه ينكسر، ولكن الذهب له من الليونة ما يكفي لأن يطرق حتى يصير رقائق في منتهى الدقة إلى درجة أن الرقيقة لا تكاد تكون متماسكة الأجزاء. توضع قطع صغيرة جدا من الذهب بحيث أن كل خمسة وسبعين قطعة منها تزن أوقية واحدة، بين ورقات سميكة من الورق المقوى، وتجعل حزمة أو لفافة. ثم تطرق هذه اللفافة لمدة عشرين دقيقة بمطرقة تزن سبعة عشر رطلا. فنجد بعد ذلك أن كل قطعة من ذلك الذهب تغطي مساحة قدرها ثلاث بوصات مربعة ونصف البوصة. ومع ذلك فإن صانعي الذهب لا يقنعون بهذا، بل يمضون في الطرق لمدة ساعتين أخريين. وهكذا تغدو رقيقة الذهب رفيعة جدا، حتى إنك إذا تنفست أمامها طارت، رغم أن كثافة الذهب عالية. ولو لمستها بيدك لاستحالت إلى ذرات رفيعة دقيقة. بعد ذلك يمكن أن تكسى بها الأشياء بفرجون كما لو كانت طلاء فتبدو الأشياء التي تطلى بها كما لو كانت مصنوعة من الذهب المصمت ... كذلك تستعمل رقائق الذهب في طبع العناوين على أغلفة الكتب وفي كتابة اللافتات" ص١٥ و١٦. (وهناك طريق أخرى لتغطية مختلف المصنوعات المعدنية بقشرة من الذهب حتى تبدو كأنها مصنوعة من الذهب الخالص، وهذه الطريقة لا تكلف ثمنا باهظا كما يكلف الذهب المصمت. وذلك بأن تضغط صفيحة رقيقة من الذهب فوق لوح من النحاس أو الفضة تحت ضغط شديد، فليتصق الذهب بلوح المعدن الآخر، فيبدو الأخير كأنه من خالص الذهب، وهو أرخص من الطلاء بالذهب، ويعيش طويلا دون أن يتآكل. فمتى ضغط الذهب جيدا في المعدن الآخر، أمكن قطع اللوح إلى أي شكل أريد، أو طرق إلى صفائح رقيقة، أو سحب إلى أسلاك رفيعة، أو حول إلى أنابيب، وفي كل هذه الأحوال تظل القشرة الذهبية منتظمة السمك في كل جزء من الأشياء الناتجة) ص ١٧. مثل أن تطلى الأباريق، أو فناجيل الشاي أو نحو ذلك، من الأواني المعدة للأكل فيها، أو الشرب منها.

стр. 13929

اختلف الفقهاء في حكم استعمال الآنية المموهة على قولين: القول الأول: ذهب الحنفية والمالكية والشافعية في الأصح عندهم إلى جواز استعمال الآنية المموهة بذهب أو فضة سواء في الأكل أو الشرب أو غير ذلك. لكن قيده الحنفية والشافعية بما إذا لم يتجمع منه شيء إذا عرض على النار؛ لقلة المموه به فكأنه معدوم، وأما ما يمكن تخليصه، واجتماع شيء منه فعند أبي حنيفة ورواية عن محمد جواز استعماله، ولا يجوز عند أبي يوسف ورواية عن محمد. وعند الشافعية وجهان. والأصح لا يحرم. وعلله المالكية بأنه ليس إناء ذهب (١) . وأما الحنابلة فلا يجيزون استعمال الآنية المموهة بالذهب أو الفضة. (وقيل: إن كان لو حك لاجتمع منه شيء حرم وإلا فلا) (٢) . واستدلوا بما روى ابن عمر – ﵄ – عن النبي ﷺ قال: ((من شرب من إناء ذهب، أو فضة، أو إناء فيه شيء من ذلك، فإنما يجرجر في بطنه نار جهنم)) (٣) . قال الدارقطني: إسناده حسن. وبالنسبة لبيع وشراء الأواني المموهة بالذهب أو الفضة فجائز عند المالكية والشافعية، ويتخرج جوازها عند الحنفية بناء على القول بجواز استعمالها (٤) ويتخرج عدم جواز ذلك عند الحنابلة. والراجح عندي عدم جواز بيع وشراء الأواني المموهة بالذهب أو الفضة إذا كان لغرض الاستعمال لحديث ابن عمر الدال على النهي عن استعمال الآنية التي فيها شيء من الذهب أو الفضة وهذا يتحقق في المموه. ولوجود علة المنع وهي السرف والخيلاء، فإذا حرم الاستعمال حرم البيع.

стр. 13930

المسألة الثانية – شراء التحف أو الثريات، أو مقابض الأبواب المموهة بالذهب: بعض الأشياء التي تصنع من الحديد، أو النحاس، كمقابض الأبواب والأجزاء الثابتة من الثريات الكهربائية، ونحوها، تدهن نسبة قليلة جدا من الذهب، لتعطيها منظرا جميلا، ولتحميها من الصدأ، ونحوه. ونظرا لقلة الذهب فيها، فإنه لا يتحمل عوامل التعرية، فيدهنه الصاغة بدهان آخر يسمى – روديوم – يساعد على تثبيت الذهب. ذهب الحنفية والمالكية والشافعية في الأصح إلى جواز استعمال الرجل ما موه بذهب أو فضة مما يجوز له استعماله من الحلي؛ كالخاتم إذا لم يخلص منه شيء بالعرض على النار؛ لأن الذهب والفضة على هذه الصفة مستهلك فصار كالعدم. وقال الحنابلة: يجوز استعمال المموه – غير الآنية – إن تغير لونه، وبحيث لا يحصل منه شيء إذا عرض على النار. أما بالنسبة لبيع الأمور المذكورة والتجارة فيها فيصح ذلك عند المالكية والشافعية؛ لأنهم أجازوا بيع أواني الذهب والفضة الخالصة، فيكون بيع المموه جائزا عندهم من باب أولى؛ لأنهم يجيزون استعمالها. ويتخرج جواز ذلك عند الحنفية، لتجويزهم استعمالها. ويتخرج على مذهب الحنابلة جواز البيع بالقيود التي ذكروها، أما بدونه فلا يجوز عندهم. الراجح عندي جواز بيعها والتجارة فيها؛ لأن غير الأواني أمرها أخف؛ ولأن نصوص المنع نص في أواني الأكل والشرب واللباس؛ ولأن هذه ليست ذهبا ولا فضة، ولو عرضت على النار لا يخلص منها شيء، ولأنه ربما تدعو لها الحاجة؛ لأن بعض المعادن كالحديد ونحوه يتعرض للصدأ، أو يتغير لونه؛ فيكون قبيح المنظر، فيحتاج إلى طلائه بماء الذهب، وهي قشرة رقيقة.

стр. 13931

المبحث العاشر أهم أساليب تجارة الذهب في الأسواق العالمية في هذا العصر من مجالات الاستثمار التي تقوم بها المصارف العالمية التجارة في الذهب، إلى جانب التجارة في بقية المعادن النفيسة، والعملات الأخرى. كما أن هذا النوع من التجارة تمارسه المؤسسات، كما يمارسه الأفراد. ويباع الذهب على شكل سبائك مكعبة، أو مسحوق ناعم، أو مسكوكات، ويترواح وزن السبيكة بين ٦ – ٧ كيلو جرامات، وأما مسحوق الذهب فيوضع ضمن صناديق من التوتيا الملحومة (١) . وتطبق المصارف العالمية، والأسواق العالمية تجارة الذهب، وغيره من العملات إما بالأسعار الحاضرة أو الآجلة عمليات الصرف على أساس السعر الحاضر. وهذه حالتان: التبايع، والتواعد. فإذا تم التعاقد بواسطة التلفون، وأكد بالبرقية، أو الفاكس، فإنه يتم إنهاء هذه خلال يومي عمل، بخلاف اليوم الذي تم التعاقد فيه. فإذا كان التعاقد تم يوم الثلاثاء فإنه يكون التسليم والتسلم هو يوم الخميس، ويكون تاريخ هذا اليوم هو تاريخ الاستحقاق، ولا تحسب أيام العطلات الرسمية في حساب تواريخ الاستحقاق؛ فلو تعاقد مصرفان كل منهما في بلد آخر يوم الجمعة فإنه يكون تاريخ الاستحقاق هو يوم الثلاثاء؛ لأن يومي السبت والأحد هما يوما عطلة رسمية في أوروبا، وتحديد مهلة اليومين يعتبر من متطلبات إجراءات التسوية بين المتعاملين. وقد أصبح قاعدة عامة في التعامل الدولي، كما قد يضاف إلى ذلك عامل الفرق الزمني بين الأسواق المختلفة في أنحاء العالم، فهناك فرق زمني يترواح بين ٥ –٦ ساعات بين أوروبا وأمريكا، ويزداد هذا الفارق كلما اتجهنا إلى غرب أمريكا، وكذلك بالنسبة للفارق الزمني بين أسواق الشرق الأقصى (طوكيو، هونج كونج، سنغفورة وأوربا) (٢) . والإجراءات التي يجب اتباعها في تنفيذ عملية بيع أو شراء الذهب، أو العملات بين المصارف التجارية في أنحاء العالم هي كما يلي:

стр. 13932

١- الاتفاق بين الطرفين عن طريق الهاتف على بيع أو شراء كمية من الذهب، ثم تبادل مراسلي كل من الطرفين، وعنوانهما، وأرقام حساباتهما لديهما. ٢- يقوم كل من الطرفين بتأييد الاتفاق الذي تم بينهما – بالهاتف – برسالة تلكس لتأكيد الأمر وإثباته. ٣- بعد ذلك يقوم كل من الطرفين بالاتصال بمراسله، ويطلب بائع الذهب تحويل الكمية المشتراة من حسابه إلى حساب الطرف الآخر إما في نفس المصرف، أو في مصرف آخر بحسب رغبة الطرف الآخر. ويطلب المشتري تحويل مبلغ معين من حسابه – وهو قيمة الذهب – إلى حساب الطرف الآخر إما في نفس المصرف أو في مصرف آخر بحسب رغبة الطرف الآخر. ٤- عند وصول كمية الذهب إلى حساب المشتري، ووصول قيمته إلى حساب البائع يصل إلى كل من الطرفين إشعار من مراسله بوصول المبلغ إلى حسابه. ٥- في حالة عدم وصول كمية الذهب إلى حساب المشتري أو القيمة إلى حساب البائع يتم الاتصال بالطرف الآخر لمعرفة سبب التأخير. ٦- في حالة التنازع بين الطرفين حول عملية البيع أو الشراء تتم المصالحة بينهما في نادي العمليات الخارجية (الديلنغ روم) بتقسيم الخسارة الواقعة بين الطرفين. ٧- في حالة عدم التصالح في نادي العمليات الخارجية يقوم كل من الطرفين بإحالة المشكلات للمصرف المركزي الذي في بلده لكي يقوم بحلها مع المصرف المركزي في بلد الطرف الآخر. ٨- في حالة عدم الاتفاق بين المصرفين المركزيين المذكوريين تحال المشكلة لمحكمة دولية للنظر في القضية والحكم فيها (١) .

стр. 13933

الحكم الشرعي للعمليات الحاضرة: قال بعض الباحثين (١) . بجواز عمليات الصرف الحاضرة، دون أو يوضح المراد بالحاضرة. وتبعه آخرون ظنا منهم أن المراد بالعمليات الحاضرة تعني معناها الحقيقي. والذي أراه أن عمليات بيع الذهب الحاضرة وبقية عمليات الصرف على الصورة التي ذكرناها، والتي تطبقها المصارف العالمية، وأسواق العملات العالمية غير جائزة شرعا، والعقود التي تمارس على هذه الصورة هي عقود باطلة؛ لا يعتد بها شرعا، ولا يترتب عليها أثر. لأنها مخالفة لأحاديث رسول ﷺ الصحيحة الصريحة. فقد قال ﵊ في الحديث الذي رواه عبادة بن الصامت ((الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مثلا بمثل سواء بسواء يدا بيد ... )) (٢) . في حديث أبي سعيد الخدري قال رسول الله ﷺ : ((لا تبيعوا شيئا غائبا منه بناجز إلا يدا بيد)) (٣) . والشاهد من الحديثين قوله ﷺ : ((يدا بيد)) . فاشترط التقابض من البائع والمشتري قبل أن يتفرقا من مجلس العقد. وقال ابن المنذر: (وقد أجمع من نحفظ عنه من أهل العلم أن المتصارفين إذا افترقا قبل أن يتقابضا أن الصرف فاسد) (٤) . وكان التطبيق العملي الذي وقع بين أوس بن الحدثان النصري وبين طلحة بن عبيد الله خير شاهد على فساد عمليات بيع الذهب وأنواع الصرف الأخرى إلا بالتقابض في المجلس؛ لأن للحادثة المذكورة وجه شبه بما يسمى بعمليات الصرف الحاضرة، ومع أن أوسا وطلحة كانا حاضرين، وفي بلد واحد، إلا أن نقود أحدهما مقبوضة، ونقود الآخر لم تقبض بعد، فقد منعهما عمر بن الخطاب ﵁ من أن يتفرقا قبل أن يقبض كل منهما نقوده، بل أكد هذا المنع بالقسم، فقال: ((والله لا تفارقه حتى تأخذ منه)) وهل كان هذا اجتهادا من عمر؟ لا. وإنما كان قوله هذا تطبيقا عمليا للحكم الذي فهمه من قول رسول الله ﷺ : ((الذهب بالورق ربا إلا هاء وهاء، والشعير بالشعير ربا إلا هاء وهاء)) . ومعنى هاء وهاء: خذ وهات.

стр. 13934

فاشتراط التقابض يدا بيد غير متوفر في عمليات بيع الذهب التي يطلق عليها العمليات الحاضرة، والتي بينا معناها، وخطواتها؛ لأنه لا يتم التقابض فيها إلا في اليوم الثالث من يوم العقد، وإن صادف عطلة فيكون في اليوم الرابع، أو الخامس. فهي غير جائزة شرعا. أما رسالة التلكس التي يتبادلها المتعاقدان فهي تمثل الإيجاب والقبول فقط. ولا تمثل تقابضا للمبيع وثمنه. كيف يمكن تصحيح هذه العملية؟ نظرا لأن التجارة في الذهب وغيره من العملات هي إحدى وسائل الاستثمار، والتي يمكن للمصارف الإسلامية، والمؤسسات الإسلامية، والأفراد، الأخذ بها؛ رغبة في زيادة أرباحها، وتنويعا في وسائل استثمارها؛ وحيث إن هذه العملية تتم بين عاقدين كل منهما في بلد بعيد عن العاقد الآخر. مثل أن يكون المشتري بنك فيصل الإسلامي البحريني، والبائع بنك لندن. فإني أقترح أن تتخذ المصارف الإسلامية وكيلا موحدا لها، في كل سوق من أسواق الصرف، والسلع العالمية التي يكثر نشاطها فيها، تسهيلا لمعاملاتها، وتقليلا لنفقاتها، واطمئنانا لسلامة مشترياتها من الغش. ودور الوكيل هو القيام بتنفيذ العقود وإبراهما، والقبض، والإقباض. بعد أن يتلقى الأوامر من المصرف الموكل، وبعد أن يقوم المصرف المذكور بالدراسة، والمساومة، ولا يبقى إلا إبرام العقود، حينئذ يوجه أوامره إلى وكيله لإتمام الصفقة المشتراة، أو المباعة. فإذا كان مصرف فيصل البحريني سيتولى العقد والقبض والإقباض مع بنك لندن، فإنه حينئذ يجب تطبيق شروط الصرف التي سبق بيانها. وقد ظهر لي جواز هذا العقد لما يأتي:

стр. 13935

أولا: بالنسبة للقبض. سبق أن بينا أن القيد الدفتري في حساب المشتري في المصرف يعتبر قبضا، وقد صدر بهذا قرار كل من مجمع الفقه الإسلامي بمكة، وجدة. وأما أن المصرف الذي اشترى الذهب منه هو الذي يقبض المبيع من نفسه فجائز أيضا؛ لأن المشتري وكله؛ والوكالة في الصرف جائزة عند جمهور العلماء؛ الحنفية، والشافعية، والحنابلة، والراجح عند المالكية (١) . قال البهوتي: (فإن أذن له – أي في مصارفة نفسه – جاز. فيتولى طرفي عقد المصارفة) وقال: (ويصح قبض وكيل من نفسه لنفسه) (٢) . وقال ابن جزي: (تجوز الوكالة على الصرف إن تولى الوكيل العقد والقبض وأمن التأخير) (٣) فمصرف لندن وهو البائع يمكن أن يقبض ثمن الذهب شيكا؛ لأنه يقوم مقام النقود، كما سبق أن بيناه. أو بالفاكس، أو بالتلفون إذا كان للمشتري فيه حساب يمكن الحسم منه. ويمكن أن يقبض الذهب من نفسه للمشتري، ويقيده في حساب المشتري (بنك فيصل الإسلامي البحريني) . وإذا كان المشتري مصرف لندن، ولديه رصيد من الذهب لمصرف فيصل البحريني، وباعه، أو باع جزءا منه على مصرف لندن، واقتطعه مصرف لندن من الحساب الذي لديه، وقبض ثمن الذهب قبل الافتراق من المجلس وإن تباعدا. صح العقد. ويمكن تخريجه على ما ذكره الفقهاء في المصارفة بالوديعة. وقد بينا جواز المصارفة بها عندهم (٤) . وقولي إن القيد الدفتري في حساب المشتري يعتبر قبضا مشروطا بوجود كمية الذهب المشتراة في المصرف البائع، لأنه يقع كثيرا أن تبيع المصارف كميات من الذهب، أو العملات الأخرى دون أن يكون عندها المقدار المشترى، وذلك لعلمها أن المشتري لا يطلب استلام ذهبه، أو عملته التي اشتراها؛ لأنه يعتمد على القيود الدفترية فقط، وعلى هذا فالمصارف تبيع شيئا غير مملوك لها، فضلا عن أن يكون موجودا لديها. وإذا كان ذلك كذلك فإن العقد باطل، وحرام شرعا؛ لقول النبي ﷺ لحكيم بن حزام: ((لا تبع ما ليس عندك)) (٥) . قال الترمذي: حديث حسن. وقال عنه في رواية أخرى: حسن صحيح. ولأن القيد الدفتري والحالة هذه لا يمثل قبضا، وإنما هو وسيلة خداع. وتأكيدا لوكالة المشتري للبائع فإني أرى أن يكتب في ورقة إثبات البيع وتقييده في حساب المشتري العبارة التالية (وذلك بناء على توكيل المشتري للمصرف ... بالقبض) . وقبض الذهب بالصورة التي ذكرناها هو قبض حقيقي؛ لأنه تم باليد، بواسطة الوكيل. وقبض ثمنه بالشيك قبض حكمي، وفي معنى القبض باليد. ثانيا: إبرام العقد بوسائل الاتصال الحديث كالتلفون، والبرق؛ والسلكي، واللاسلكي، وبالتلكس، وبالفاكسملي، وبالراديو، وبالتلفزيون، وبالقمر الصناعي، وبالانترفون، أو ما يقوم مقامه وبكل وسيلة تم استخدامها، أو تكتشف فيما بعد؛ وهي مساوية في الوضوح، والسرعة، لهذه الآلات، يكون صحيحا من حيث صحة الإيجاب والقبول، ولزومهما، أو فسخهما. ومن حيث اتحاد مجلس العقد. لأن الرضا هو الأساس في إبرام العقود، ولهذا جاز التعاقد بالرسالة والكتابة والإشارة، مع أن كلا من العاقدين بعيد عن الآخر لا يراه، ولا يسمع صوته، بل أن التعاقد بوسائل الاتصال الحديثة، أقوى، وأوضح، وأسرع، من التعاقد بواسطة الرسول أو الخطاب، لأن كلا من العاقدين يخاطب الآخر، ويماكسه، ويستطيع أن يستوضح كثيرا من المواصفات والشروط التي يصعب تحقيقها بالرسالة، أو بالخطاب؛ فهي جائزة بدلالة مفهوم الموافقة الأولوي. أي صح ذلك من باب أولى. ويفهم من نصوص الفقهاء ﵏ ما يؤيد صحة هذا القول، قال ابن الهمام عند شرحه لعبارة (البيع ينعقد بالإيجاب والقبول يعني إذا سمع كلام الآخر) (٦) . وهذا متحقق في التلفون ونحوه.
следующие страницы →