← Фикх общий

Фикх общий · id 8356

مجلة مجمع الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (22 276 стр.). Показаны 13931–13970 · переход к 13936.

стр. 13931

المبحث العاشر أهم أساليب تجارة الذهب في الأسواق العالمية في هذا العصر من مجالات الاستثمار التي تقوم بها المصارف العالمية التجارة في الذهب، إلى جانب التجارة في بقية المعادن النفيسة، والعملات الأخرى. كما أن هذا النوع من التجارة تمارسه المؤسسات، كما يمارسه الأفراد. ويباع الذهب على شكل سبائك مكعبة، أو مسحوق ناعم، أو مسكوكات، ويترواح وزن السبيكة بين ٦ – ٧ كيلو جرامات، وأما مسحوق الذهب فيوضع ضمن صناديق من التوتيا الملحومة (١) . وتطبق المصارف العالمية، والأسواق العالمية تجارة الذهب، وغيره من العملات إما بالأسعار الحاضرة أو الآجلة عمليات الصرف على أساس السعر الحاضر. وهذه حالتان: التبايع، والتواعد. فإذا تم التعاقد بواسطة التلفون، وأكد بالبرقية، أو الفاكس، فإنه يتم إنهاء هذه خلال يومي عمل، بخلاف اليوم الذي تم التعاقد فيه. فإذا كان التعاقد تم يوم الثلاثاء فإنه يكون التسليم والتسلم هو يوم الخميس، ويكون تاريخ هذا اليوم هو تاريخ الاستحقاق، ولا تحسب أيام العطلات الرسمية في حساب تواريخ الاستحقاق؛ فلو تعاقد مصرفان كل منهما في بلد آخر يوم الجمعة فإنه يكون تاريخ الاستحقاق هو يوم الثلاثاء؛ لأن يومي السبت والأحد هما يوما عطلة رسمية في أوروبا، وتحديد مهلة اليومين يعتبر من متطلبات إجراءات التسوية بين المتعاملين. وقد أصبح قاعدة عامة في التعامل الدولي، كما قد يضاف إلى ذلك عامل الفرق الزمني بين الأسواق المختلفة في أنحاء العالم، فهناك فرق زمني يترواح بين ٥ –٦ ساعات بين أوروبا وأمريكا، ويزداد هذا الفارق كلما اتجهنا إلى غرب أمريكا، وكذلك بالنسبة للفارق الزمني بين أسواق الشرق الأقصى (طوكيو، هونج كونج، سنغفورة وأوربا) (٢) . والإجراءات التي يجب اتباعها في تنفيذ عملية بيع أو شراء الذهب، أو العملات بين المصارف التجارية في أنحاء العالم هي كما يلي:

стр. 13932

١- الاتفاق بين الطرفين عن طريق الهاتف على بيع أو شراء كمية من الذهب، ثم تبادل مراسلي كل من الطرفين، وعنوانهما، وأرقام حساباتهما لديهما. ٢- يقوم كل من الطرفين بتأييد الاتفاق الذي تم بينهما – بالهاتف – برسالة تلكس لتأكيد الأمر وإثباته. ٣- بعد ذلك يقوم كل من الطرفين بالاتصال بمراسله، ويطلب بائع الذهب تحويل الكمية المشتراة من حسابه إلى حساب الطرف الآخر إما في نفس المصرف، أو في مصرف آخر بحسب رغبة الطرف الآخر. ويطلب المشتري تحويل مبلغ معين من حسابه – وهو قيمة الذهب – إلى حساب الطرف الآخر إما في نفس المصرف أو في مصرف آخر بحسب رغبة الطرف الآخر. ٤- عند وصول كمية الذهب إلى حساب المشتري، ووصول قيمته إلى حساب البائع يصل إلى كل من الطرفين إشعار من مراسله بوصول المبلغ إلى حسابه. ٥- في حالة عدم وصول كمية الذهب إلى حساب المشتري أو القيمة إلى حساب البائع يتم الاتصال بالطرف الآخر لمعرفة سبب التأخير. ٦- في حالة التنازع بين الطرفين حول عملية البيع أو الشراء تتم المصالحة بينهما في نادي العمليات الخارجية (الديلنغ روم) بتقسيم الخسارة الواقعة بين الطرفين. ٧- في حالة عدم التصالح في نادي العمليات الخارجية يقوم كل من الطرفين بإحالة المشكلات للمصرف المركزي الذي في بلده لكي يقوم بحلها مع المصرف المركزي في بلد الطرف الآخر. ٨- في حالة عدم الاتفاق بين المصرفين المركزيين المذكوريين تحال المشكلة لمحكمة دولية للنظر في القضية والحكم فيها (١) .

стр. 13933

الحكم الشرعي للعمليات الحاضرة: قال بعض الباحثين (١) . بجواز عمليات الصرف الحاضرة، دون أو يوضح المراد بالحاضرة. وتبعه آخرون ظنا منهم أن المراد بالعمليات الحاضرة تعني معناها الحقيقي. والذي أراه أن عمليات بيع الذهب الحاضرة وبقية عمليات الصرف على الصورة التي ذكرناها، والتي تطبقها المصارف العالمية، وأسواق العملات العالمية غير جائزة شرعا، والعقود التي تمارس على هذه الصورة هي عقود باطلة؛ لا يعتد بها شرعا، ولا يترتب عليها أثر. لأنها مخالفة لأحاديث رسول ﷺ الصحيحة الصريحة. فقد قال ﵊ في الحديث الذي رواه عبادة بن الصامت ((الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مثلا بمثل سواء بسواء يدا بيد ... )) (٢) . في حديث أبي سعيد الخدري قال رسول الله ﷺ : ((لا تبيعوا شيئا غائبا منه بناجز إلا يدا بيد)) (٣) . والشاهد من الحديثين قوله ﷺ : ((يدا بيد)) . فاشترط التقابض من البائع والمشتري قبل أن يتفرقا من مجلس العقد. وقال ابن المنذر: (وقد أجمع من نحفظ عنه من أهل العلم أن المتصارفين إذا افترقا قبل أن يتقابضا أن الصرف فاسد) (٤) . وكان التطبيق العملي الذي وقع بين أوس بن الحدثان النصري وبين طلحة بن عبيد الله خير شاهد على فساد عمليات بيع الذهب وأنواع الصرف الأخرى إلا بالتقابض في المجلس؛ لأن للحادثة المذكورة وجه شبه بما يسمى بعمليات الصرف الحاضرة، ومع أن أوسا وطلحة كانا حاضرين، وفي بلد واحد، إلا أن نقود أحدهما مقبوضة، ونقود الآخر لم تقبض بعد، فقد منعهما عمر بن الخطاب ﵁ من أن يتفرقا قبل أن يقبض كل منهما نقوده، بل أكد هذا المنع بالقسم، فقال: ((والله لا تفارقه حتى تأخذ منه)) وهل كان هذا اجتهادا من عمر؟ لا. وإنما كان قوله هذا تطبيقا عمليا للحكم الذي فهمه من قول رسول الله ﷺ : ((الذهب بالورق ربا إلا هاء وهاء، والشعير بالشعير ربا إلا هاء وهاء)) . ومعنى هاء وهاء: خذ وهات.

стр. 13934

فاشتراط التقابض يدا بيد غير متوفر في عمليات بيع الذهب التي يطلق عليها العمليات الحاضرة، والتي بينا معناها، وخطواتها؛ لأنه لا يتم التقابض فيها إلا في اليوم الثالث من يوم العقد، وإن صادف عطلة فيكون في اليوم الرابع، أو الخامس. فهي غير جائزة شرعا. أما رسالة التلكس التي يتبادلها المتعاقدان فهي تمثل الإيجاب والقبول فقط. ولا تمثل تقابضا للمبيع وثمنه. كيف يمكن تصحيح هذه العملية؟ نظرا لأن التجارة في الذهب وغيره من العملات هي إحدى وسائل الاستثمار، والتي يمكن للمصارف الإسلامية، والمؤسسات الإسلامية، والأفراد، الأخذ بها؛ رغبة في زيادة أرباحها، وتنويعا في وسائل استثمارها؛ وحيث إن هذه العملية تتم بين عاقدين كل منهما في بلد بعيد عن العاقد الآخر. مثل أن يكون المشتري بنك فيصل الإسلامي البحريني، والبائع بنك لندن. فإني أقترح أن تتخذ المصارف الإسلامية وكيلا موحدا لها، في كل سوق من أسواق الصرف، والسلع العالمية التي يكثر نشاطها فيها، تسهيلا لمعاملاتها، وتقليلا لنفقاتها، واطمئنانا لسلامة مشترياتها من الغش. ودور الوكيل هو القيام بتنفيذ العقود وإبراهما، والقبض، والإقباض. بعد أن يتلقى الأوامر من المصرف الموكل، وبعد أن يقوم المصرف المذكور بالدراسة، والمساومة، ولا يبقى إلا إبرام العقود، حينئذ يوجه أوامره إلى وكيله لإتمام الصفقة المشتراة، أو المباعة. فإذا كان مصرف فيصل البحريني سيتولى العقد والقبض والإقباض مع بنك لندن، فإنه حينئذ يجب تطبيق شروط الصرف التي سبق بيانها. وقد ظهر لي جواز هذا العقد لما يأتي:

стр. 13935

أولا: بالنسبة للقبض. سبق أن بينا أن القيد الدفتري في حساب المشتري في المصرف يعتبر قبضا، وقد صدر بهذا قرار كل من مجمع الفقه الإسلامي بمكة، وجدة. وأما أن المصرف الذي اشترى الذهب منه هو الذي يقبض المبيع من نفسه فجائز أيضا؛ لأن المشتري وكله؛ والوكالة في الصرف جائزة عند جمهور العلماء؛ الحنفية، والشافعية، والحنابلة، والراجح عند المالكية (١) . قال البهوتي: (فإن أذن له – أي في مصارفة نفسه – جاز. فيتولى طرفي عقد المصارفة) وقال: (ويصح قبض وكيل من نفسه لنفسه) (٢) . وقال ابن جزي: (تجوز الوكالة على الصرف إن تولى الوكيل العقد والقبض وأمن التأخير) (٣) فمصرف لندن وهو البائع يمكن أن يقبض ثمن الذهب شيكا؛ لأنه يقوم مقام النقود، كما سبق أن بيناه. أو بالفاكس، أو بالتلفون إذا كان للمشتري فيه حساب يمكن الحسم منه. ويمكن أن يقبض الذهب من نفسه للمشتري، ويقيده في حساب المشتري (بنك فيصل الإسلامي البحريني) . وإذا كان المشتري مصرف لندن، ولديه رصيد من الذهب لمصرف فيصل البحريني، وباعه، أو باع جزءا منه على مصرف لندن، واقتطعه مصرف لندن من الحساب الذي لديه، وقبض ثمن الذهب قبل الافتراق من المجلس وإن تباعدا. صح العقد. ويمكن تخريجه على ما ذكره الفقهاء في المصارفة بالوديعة. وقد بينا جواز المصارفة بها عندهم (٤) . وقولي إن القيد الدفتري في حساب المشتري يعتبر قبضا مشروطا بوجود كمية الذهب المشتراة في المصرف البائع، لأنه يقع كثيرا أن تبيع المصارف كميات من الذهب، أو العملات الأخرى دون أن يكون عندها المقدار المشترى، وذلك لعلمها أن المشتري لا يطلب استلام ذهبه، أو عملته التي اشتراها؛ لأنه يعتمد على القيود الدفترية فقط، وعلى هذا فالمصارف تبيع شيئا غير مملوك لها، فضلا عن أن يكون موجودا لديها. وإذا كان ذلك كذلك فإن العقد باطل، وحرام شرعا؛ لقول النبي ﷺ لحكيم بن حزام: ((لا تبع ما ليس عندك)) (٥) . قال الترمذي: حديث حسن. وقال عنه في رواية أخرى: حسن صحيح. ولأن القيد الدفتري والحالة هذه لا يمثل قبضا، وإنما هو وسيلة خداع. وتأكيدا لوكالة المشتري للبائع فإني أرى أن يكتب في ورقة إثبات البيع وتقييده في حساب المشتري العبارة التالية (وذلك بناء على توكيل المشتري للمصرف ... بالقبض) . وقبض الذهب بالصورة التي ذكرناها هو قبض حقيقي؛ لأنه تم باليد، بواسطة الوكيل. وقبض ثمنه بالشيك قبض حكمي، وفي معنى القبض باليد. ثانيا: إبرام العقد بوسائل الاتصال الحديث كالتلفون، والبرق؛ والسلكي، واللاسلكي، وبالتلكس، وبالفاكسملي، وبالراديو، وبالتلفزيون، وبالقمر الصناعي، وبالانترفون، أو ما يقوم مقامه وبكل وسيلة تم استخدامها، أو تكتشف فيما بعد؛ وهي مساوية في الوضوح، والسرعة، لهذه الآلات، يكون صحيحا من حيث صحة الإيجاب والقبول، ولزومهما، أو فسخهما. ومن حيث اتحاد مجلس العقد. لأن الرضا هو الأساس في إبرام العقود، ولهذا جاز التعاقد بالرسالة والكتابة والإشارة، مع أن كلا من العاقدين بعيد عن الآخر لا يراه، ولا يسمع صوته، بل أن التعاقد بوسائل الاتصال الحديثة، أقوى، وأوضح، وأسرع، من التعاقد بواسطة الرسول أو الخطاب، لأن كلا من العاقدين يخاطب الآخر، ويماكسه، ويستطيع أن يستوضح كثيرا من المواصفات والشروط التي يصعب تحقيقها بالرسالة، أو بالخطاب؛ فهي جائزة بدلالة مفهوم الموافقة الأولوي. أي صح ذلك من باب أولى. ويفهم من نصوص الفقهاء ﵏ ما يؤيد صحة هذا القول، قال ابن الهمام عند شرحه لعبارة (البيع ينعقد بالإيجاب والقبول يعني إذا سمع كلام الآخر) (٦) . وهذا متحقق في التلفون ونحوه.

стр. 13936

ونقل ابن قدامة عن الإمام مالك ﵀ قوله: (يقع البيع بما يعتقده الناس بيعا) (١) . وقال ابن قدامة: (ولنا [يعني الحنابلة] أن الله أحل البيع ولم يبين كيفيته، فوجب الرجوع فيه إلى العرف، كما رجع إليه في القبض والإحراز والتفرق) (٢) . وقال النووي: (لو تناديا وهما متباعدان وتبايعا صح البيع بلا خلاف، وأما الخيار فقال إمام الحرمين: يحتمل أن يقال: لا خيار لهما؛ لأن التفرق الطارئ يقطع الخيار، فالمقارن يمنع ثبوته قال: ويحتمل أن يقال: يثبت ما داما في موضعهما فإذا فارق أحدهما موضوعه بطل خياره، وهل يبطل خيار الآخر أو يدوم إلى أن يفارق مكانه؟ فيه احتمالان للإيمان، وقطع المتولي بأن الخيار يثبت لهما ما دام في موضعهما فإذا فارق أحدهما ووصل إلى موضع لو كان صاحبه معه في الموضع عد تفرقا حصل التفرق وسقط الخيار، هذا كلامه والأصح في الجملة ثبوت الخيار وأنه يحصل التفرق بمفارقة أحدهما موضعه وينقطع بذلك خيارهما، وسواء في صورة المساءلة كانا متباعدين في صحراء أو ساحة أو كانا في بيتين من دار، أو في صحن وصفة؛ فصرح به المتولي) (٣) . فيظهر مما نقلناه عن الشافعية أن المتعاقدين لا يشترط فيهما قرب المكان، ولا رؤية بعضهما في صحة العقد. وممن أجاز عقود البيع بوسائل الاتصال الحديثة من الفقهاء المعاصرين الشيخ أحمد إبراهيم بك؛ والشيخ محمد بخيت المطيعي، مفتي الديار المصرية سابقا، والشيخ مصطفى أحمد الزرقا والدكتور وهبة الزحيلي والدكتور محمد مصطفى شلبي، وغيرهم (٤) . قال الشيخ أحمد إبراهيم: (وأما العقد بالتلفون فالذي يظهر أنه كالعقد مشافهة، مهما طالت الشقة بينهما، ويعتبر العاقدان كأنهما في مجلس واحد، إذ المعنى المفهوم من اتحاد المجلس أن يسمع أحدهما كلام الآخر ويتبينه وهذا حاصل في الكلام بالتلفون) (٥) . لكني أرى وجوب تثبت كل من العاقدين من شخصية صاحبه، وصحة ما تنسبه إليه الأدلة من أقوال أو أفعال، كي لا يدخل اللبس والتزييف من أحد الطرفين، أو من طرف ثالث (٦) .

стр. 13937

ويشترط أن تكون صيغة العقد موافقة لمتقضى الشرع حسب ما فصله الفقهاء؛ لئلا يراد منها السوم، ومعرفة السعر فقط، وما شابه ذلك من الحيل التي يتخذها التجار؛ مثل أن يرسل أو فاكسا، لا لغرض التعاقد، بل لمعرفة السعر مثلا، أو إظهار نفاق البضاعة، أو غير ذلك. فحينئذ لا تكون الصيغة بهذه الوسائل صالحة لتكوين العقد. ثالثا: اتحاد المجلس، وعدم التفرق قبل إتمام عقد البيع، وإن طالت مدة المجلس، ويعتبر مجلس العقد متحدا، ولو لم ير أحد العاقدين الآخر؛ مثل أن يكون الموجب في بلد، والقابل في بلد آخر، كما في مجلس العقد في حالة إرسال رسول، وإرسال كتاب إلى من وجه إليه إيجاب الموجب. فإذا تم العقد بين الموجب والقابل بواسطة التلفون، أو الفاكس، أو البرقية التي تصل في الحال. وقبل الافتراق – وإن كان كل من العاقدين بعيدا عن الآخر – وأرسل المشتري شيكا إلى البائع، بواسطة الفاكس، أو أي وسيلة أخرى طبقت في هذا العصر، أو يتم تطبيقها مستقبلا، وتمثل النقود، أو تكون وسيلة تصرف النقود بها في الحال، وتكون مقبولة عرفا، وغير مخالفة شرعا. واستلم البنك البائع القيمة، وقيد كمية الذهب المشتراة في حساب المشتري لديه، أو سلمها لمندوب المشتري، فالذي أراه أن العقد صحيح؛ لأننا اعتبرنا البائع وكيلا في القبض عن المشتري؛ ولأن الإيجاب والقبول تم بوسائل الاتصال الحديثة؛ ولأن قبض المبيع والثمن تم خلال مدة المجلس؛ إذا لم يرجع الموجب عن إيجابه، وتم قبول القابل خلال مدة المكالمة التلفونية بينهما، أو بعدها، أو خلال استماعه لتوجيه الإيجاب بالراديو، أو التلفزيون، أو الأقمار الصناعية، أو العرض بواسطة شاشات الحسابات الآلية، أو نحو ذلك، إذا كان موجها إلى شخص معين، طبيعي، أو معنوي، والقبول بالفاكس في مجلس وصول الإيجاب إلى من وجه إليه الإيجاب. لأنه ليس المراد من اتحاد المجلس كون العاقدين في مكان واحد، وإنما المراد به اتحاد الزمن الذي يكون المتعاقدان مشتغلين فيه بالتعاقد (١) ، ويكون القبول معتبرا ما دام لم يتخلل بينه وبين الإيجاب ما يعد إعراضا عن العقد من الطرفين. يقول السرخسي: (ولسنا نعني بالمجلس موضع جلوسهما، بل المعتبر وجود القبض قبل أن يتفرقا) (٢) . وقال النووي: (ولو تناديا وهما متباعدان وتبايعا صح البيع بلا خلاف) (٣) ويقول: (ومذهبنا صحة القبض في المجلس وإن تأخر يوما أو أياما وأكثر ما لم يتفرقا، وبه قال أبو حنيفة وآخرون) (٤) .

стр. 13938

فإن قيل كيف يجوز شراء الذهب وكل من العاقدين في بلد آخر، ورسول الله ﷺ يقول في الحديث الذي رواه ابن عمر: ((إني أبيع الإبل بالبقيع بالدراهم وأخذ مكانها الدنانير، وأبيع بالدنانير وآخذ مكانها الدراهم. فقال رسول الله ﷺ : لا بأس أن تأخذها بسعر يومها، ما لم تفترقا وبينكما شيء)) (١) . قال أحمد شاكر: إسناده صحيح. وقد تضمن قرار مجمع الفقه الإسلامي الذي نص على جواز إبرام العقود بوسائل الاتصال الحديثة أن هذا لا يشمل الصرف لاشتراط التقابض. قلنا: إن النهي عن الافتراق الذي تضمنه حديث رسول الله ﷺ لعلة نص عليها الحديث؛ وهي قوله: ((وبينكما شيء)) . يعني لا يجوز أن تفترقا قبل أن يتم القبض من كل منكما؛ لأن القبض شرط لصحة عقد الصرف، وعدم التفرق شرط لتحقق القبض، فإذا تحقق القبض في مجلس العقد على ما أوضحناه، وهو اتحاد الزمن الذي يكون المتعاقدان مشغلين فيه بالتعاقد، دون أن يصدر من أي منهما إعراض عن العقد فقد زال المانع؛ فلم يتفرقا وبينهما شيء. ومثله حديث عمر: ((والله لا تفارقه حتى تأخذ منه)) يعني أن المانع من المفارقة هو عدم القبض، أما إذا تم القبض بين المتعاقدين في زمان واحد، على أي حال كان، وفي أي مكان فإنه حينئذ يصح العقد، لأن علة النهي انتفت. ومثله قرار مجمع الفقه الإسلامي بجدة؛ حيث علل المنع من عدم جواز عقد الصرف بوسائل الاتصال الحديثة لعدم القبض. ونحن نقول بهذا؛ لكن إذا أمكن تحقق القبض عقيب إتمام الإيجاب والقبول، وكان العاقدان في الفترة التي تعقبه مشتغلين بعملية القبض وإن طالت فترة المجلس، دون أن ينصرف أي منهما عن مكانه الذي هو فيه؛ فقد زال المانع؛ فصح العقد.

стр. 13939

العمليات الآجلة: يتم بيع وشراء الذهب، أو العملات بطريقة العمليات الآجلة، وذلك بتحرير عقود كتابية يتبادلها الطرفان، يتم فيها الاتفاق على أسعار هذه العملية عند التعاقد، بينما لا يتم التقابض للذهب أو العملات المتبادلة إلا في وقت لاحق في المستقبل، تكون الأسعار فيه قد تغيرت غالبا. وهناك تواريخ تكاد تكون ثابتة للعمليات الآجلة، وهي لمدة شهر، وشهرين، وثلاثة شهور، وستة شهور، وسنة. والعمليات التي تقل عن ستة شهور هي الأكثر تداولا، وسوقها دائما نشطة، أما العقود التي تزيد عن ذلك أي لمدة سنة فهي أقل (١) . الحكم الشرعي: والحكم الشرعي لهذه العملية أنها حرام، والعقد المذكور فيها عقد باطل، لا يعتد به شرعا، ولا تترتب عليه آثاره، لفقدان شرط من شروط الصرف؛ وهو التقابض، فقد قال ﷺ : ((فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد)) .

стр. 13940

المبحث الحادي عشر صور الصرف وفيه عدة مطالب المطلب الأول القبض الحكمي القبض الحكمي قال به الفقهاء في أحوال كثيرة، وأقاموه مقام القبض الحقيقي، ومن صوره التخلية بين المشتري والمبيع. بحيث يكون سالما له، ويتمكن من قبضه، وحكموا بالقبض، ولو لم يتم بالفعل في هذه الحالة. على تضييق، وتوسيع في اعتبار التخلية قبضا في بعض البيوع دون بعضها، أو في أكثرها. أما في الصرف فقد نص الفقهاء على أنه لا تكفي التخلية، وأنه لا بد من القبض باليد، كما بيناه في شروط الصرف. وعندي أن القبض الحكمي يمكن تقسيمه إلى قسمين، أحدهما التخلية، والثاني ما يستند إلى شيء مادي؛ كالشيك، أو السند المتضمن لقبض مبلغ معين، أو كمية معينة من الذهب، أو الإشعار بالقبض، أو القيد الدفتري في حساب المشتري، أو المقاصة من دين سابق. فالتخلية لا أرى جواز اعتبارها قبضا في الصرف. وأما القسم الثاني فإنه يجوز عندي اعتباره قبضا، لاستناده إلى شيء مادي. وهو ما أقصده، عندما أقول بجواز القبض الحكمي في المسائل المذكورة في هذا البحث أو غيره.

стр. 13941

المطلب الثاني المصارفة بالوديعة المصرفية المصارفة بالوديعة المصرفية جائزة عند الفقهاء، وهو مذهب الحنابلة، ورواية عن الإمام مالك (١) . جاء في كشاف القناع: (وإن كان له عنده دينار وديعة فصارف رب الدينار الوديع به وهو معلوم بقاؤه أو مظنون بقاؤه صح الصرف لانتفاء الغرر وإن شك في عدم وجود الدينار صح الصرف أن الأصل بقاؤه) . ويتخرج القول بجوازها على مذهب الحنفية والشافعية والرواية الأخرى عند المالكية؛ لأن منعهم الصرف بالوديعة معلل بعدم دخولها في ضمان المودع، أو لعدم حضورها. فهذا غير متحقق في الوديعة المصرفية. قال الباجي: (ولأن حق المودع متعلق بعين ماله-[أي المال المودع] – ولم يتعلق بذمة الشخص المودع فلا يجوز أن يصارف به إلا عند حضوره) (٢) . يقول الإمام الشافعي: (وإذا كان للرجل عند الرجل دنانير وديعة فصارفه فيها ولم يقر الذي عنده الدنانير أنه استهلكها حتى يكون ضامنا. ولا أنها في يده حين صارفه فيها فلا خير في الصرف، لأنه غير مضمون ولا حاضر، وقد يمكن أن يكون هلك في ذلك الوقت فيبطل الصرف) (٣) . وقال السرخسي: (إذا استودع رجل رجلا.... فوضعها في بيته ثم التقيا في السوق فاشتراها منه بمئة دينار ونقد الدنانير لم يجز أن يفارقه قبل أن يقبض الوديعة من بيته؛ لأن الوديعة أمانة في بيته والقبض المستحق بالعقد قبض ضمان فقبض الأمانة لا ينوب عند لأنه دونه) (٤) . فالمحترزات التي ذكرها الفقهاء، وهي غياب الوديعة، أو عدم ضمانها من قبل المودع – المصرف – لا تتصف بها الودائع المصرفية في هذا العصر؛ لأنها مضمونة على المصرف، وهي إن سميت وديعة إلا أنها قد كيفت من كثير من الباحثين المعاصرين على أنها قرض؛ بدليل أن الوديعة لو تلفت لا يضمنها المصرف، والودائع المصرفية في هذا العصر يضمنها المصرف ولأن الوديعة لا يجوز تصرف المودع بها، ولا خلطها بماله، والواقع أن المصارف تتاجر بالودائع، وتخلطها بأموالها، لكل هذا فهي قرض، وقبض المصرف ضمان. وما دام ذلك كذلك فإنه يجوز المصارفة على المذاهب الأربعة. يقول الصاوي: (لأنه لما دخل على الضمان المرتهن أو المودع صار كأنه حاضر في مجلس الصرف) (٥) .

стр. 13942

المطلب الثالث صور الصرف المصرفية ١- شراء النقود من المصرف، أو قبض شيك عنها. أ - أن يشتري شخص نقدا من المصرف بنقد آخر، فيسلم المصرف نقوده، ويأخذ مقابلها العملة التي يريدها، فهذا جائز، مادام التقابض قد تم في مجلس العقد، حتى وإن طال المجلس. وهذه الصورة التي يتعامل بها الناس منذ القدم، ولا إشكال فيها. وهي قبض حقيقي. ب - وإن أخذ – في الصورة السابقة – من المصرف شيكا يمكن صرفه من مصرف معين، أو يمكن صرفه من عموم المصارف، أو المحلات التجارية، كما في الشيكات السياحية؛ فيعتبر قبضه للشيك قبضا حكميا لمحتواه؛ وهو جائز؛ لأنه بمنزلة التقابض قي البدلين قبل التفرق. وأرى أن قبض الشيك قبض لمحتواه إذا كان صادرا من مصرف، أو شركة مصرفية. أما إذا كان صادرا من غيرهما فلا أرى اعتباره قبضا في الصرف إلا إذا كان مصدقا؛ لأن كثيرا من الناس يصدر شيكات غير مصدقة، ولا يتحقق صرفها؛ إما لعدم وجود رصيد يغطيها، وإما لتمكن محررها من إيقافها. ٢-يدفع العميل للمصرف مبلغا من النقود (جنيهات مصرية) على أن يسجله في حسابه الخاص بالمارك الألماني فيقوم المصرف بعملية الصرف في الحال، متمثلة في قبضه للجنيهات المصرية، وبيان مقدار قيمتها من الماركات، ثم يدخل في حسابه الخاص ما يقابلها من الماركات، ويعطيه إيصالا بذلك. وهذه العملية مركبة من عقدين: صرف، وإيداع؛ وهذا جائز؛ لأن تحويل الجنيهات إلى الماركات صرف تم في مجلس العقد، وتسجيله في حسابه قبض، واستلام الإيصال مستند لهذا القبض؛ وقد تحقق القبض بشيء مادي محسوس، وهو التسجيل، واستلام المستند؛ ولأنه يرجع في القبض إلى العرف (١) ، وقد جرى في هذا العصر على أن القيد في الحساب المصرفي قبض، وهذا العرف لا يعارض النصوص الموجبة للتقابض؛ ولأن فائدة القبض تمام الملك، وإطلاق تصرف المشتري في المبيع، وهما متحققان بالقيد في الحساب، إذ لا يوجد مانع منه. وقد صدر قرار مجمع الفقه الإسلامي برابطة العالمالإسلامي بأنه: (يعتبر القيد في دفاتر المصرف في حكم القبض لمن يريد استبدال عملة بعملة أخرى سواء كان الصرف بعملة يعطيها الشخص للمصرف أو بعملة مودعة فيه) (٢) .

стр. 13943

وقد صدر بهذا أيضا قرار مجمع الفقه الإسلامي بجدة، وقد جاء فيه: أن من صور القبض الحكمي المعتبرة شرعا وعرفا (القيد المصرفي لمبلغ من المال في حساب العميل في الحالات التالية) : ت - (إذا أودع العميل مبلغا من المال مباشرة أو بحوالة مصرفية) (١) . وقد يوهم تعبير المالكية أنهم يمنعون الصرف إذا أودع أحدهما ما قبضه عند الآخر. جاء في مواهب الجليل: (إذا وقع التقابض في الصرف ثم أودع أحدهما ما قبضه عند الآخر لم يجز) (٢) . وقال اللخمي: (ولا يجوز اليوم لمن صرف دينارا بدراهم أن يودعها بعد المناجزة عند الصراف لأن القصد من تركها أن يبرأ من نقصها ونحاسها (٣) . لكن يندفع هذا الوهم بما عللوا به: قال ابن رشد: (إنما لم يجز ذلك أنه آل إلى الصرف المتأخر؛ فإنهما على القصد إلى ذلك ولو صح ذلك منهما لم يكن عليهما فيه حرج) (٤) . قال: (وقد أجاز ذلك ابن وهب في سماع أبى جعفر إذا طبع عليه) . فبين أن المنع من هذا إذا كان يؤول إلى الصرف المتأخر حيث كان هو المقصود باطلا أما إذا كان الإيداع صحيحا، أي ليس مشروطا من قبل المصرف؛ فإنه حينئذ لا حرج؛ فيكون الصرف صحيحا؛ ومن المعلوم أن الإيداع في حساب العميل في المصارف في هذا العصر، إيداع صحيح؛ لأنه يتمكن العميل في أي لحظة من سحبه، أو سحب بعضه. وما علل به اللخمي غير متحقق في هذا العصر؛ لأن معظم التعامل اليوم بالنقود الورقية، ولا يمكن نقصها، ولا غشها من قبل المصارف المعترف بها، ولا يتحقق فيها أيضا؛ لأن التعليل الذي ذكره – مع عدم التسليم به في جميع الأحوال – يمكن أن يقال في حق النقود الذهبية والفضية القليلة المقدار عند من يرى أنها تتعين بالتعيين. أما النقود الورقية فإنها لا تتعين بالتعيين. ولا يتحقق أيضا في الذهب والفضة في هذا العصر، لأنه أمكن ضبط حجمهما، ووزنهما، وتحديد عيار كل منهما. ٣- (إذا كان للعميل حساب لدى مصرف بعملة ما، فأمر المصرف بقيد مبلغ منه في حسابه بعملة أخرى بناء على عقد صرف ناجز تم بينه وبين المصرف، واستيفاء المبلغ الذي اشترى به من حسابه، فيعتبر القيد المصرفي المعجل بالعملة المشتراة قبضا حكميا من قبل العميل الآمر، ويعتبر الاقتطاع الناجز من قبل المصرف للبدل من حساب العميل قبضا حكميا له من المصرف، ويعد مجموع ذلك بمثابة التقابض بين البدلين في الصرف، وإن اتحدت يد القابض والمقبض حسا) (٥) . جاء في كشاف القناع: (فإن أذن له – [أي في مصارفة نفسه] – جاز. فيتولى طرفي عقد المصارفة) (٦) .

стр. 13944

وقد صدر بهذا قرار مجمع الفقه الإسلامي بمكة المكرمة، كما ذكرناه فيما سبق، وصدر بهذا أيضا قرار مجمع الفقه الإسلامي بجدة؛ حيث جاء فيه: إن من صور القبض الحكمي المعتبرة شرعا وعرفا. ج إذا اقتطع المصرف – بأمر العميل- مبلغا من حساب له إلى حساب آخر بعملة أخرى، في المصرف نفسه أو غيره، لصالح العميل أو لمستفيد آخر (١) . إذا تصارف العميل مع المصرف الذي له فيه حساب، فأمر المصرف باقتطاع البدل الذي اشترى به من حسابه، وتسلم من المصرف شيكا بالنقد الذي (٢) . اشترى به يمكن صرفه من بنك معين، أو غير معين، فإن هذا الصرف جائز، فاقتطاع المصرف لبدل الصرف من حساب العميل قبضا حقيقيا؛ قال ابن قدامة: (إذا كان له عند رجل دينار وديعة فصارفه به، وهو معلوم بقاؤه، أو مظنون صح الصرف) (٣) . وقد كيفه البعض (٤) . على أنه من قبيل المصارفة بما في الذمة (٥) . وهذا التكييف لا يصح في نظري؛ لأن هذا ليس دينا على المصرف، وإنما هي نقود العميل أودعها في المصرف، يستطيع أن يسحب منها أي وقت شاء، ويصارف المصرف بها، أو بجزء منها، فهي وديعة وليست دينا. ويعتبر تسلم الشيك قبضا حكميا لمضمونه. ٥- أن يتقدم شخص بنقوده، أو شيكه الذي يمثل ريالات سعودية، مثلا، إلى مصرف في مكة المكرمة، يريد منه أن يحول هذه النقود إلى القاهرة، أو يريد أن يستلمها هناك جنيهات مصرية هو أو وكيله. فيقوم البنك في الحالة الثانية بإجراء صرف الريالات إلى جنيهات مصرية، ويسلم العميل شيكا يتضمن مبلغها من الجنيهات المصرية؛ قيمة لريالاته، يحوله إلى فرع له في القاهرة، أو مصرف وكيل له. ويمكن أن يرسل برقية، أو فاكسا، أو تلكسا، أو مكالمة تلفونية، إلى المصرف المذكور تتضمن تسليم المبلغ المذكور. ويحصل المصرف في هذه الحالة على أجرة، وعلى مصاريف البرقية أو التلكس أو نحوهما.

стр. 13945

وهذه المعاملة جائزة، والوصف الفقهي لها عندي، أنها إجارة على نقل النقود، أو صرف وإجارة؛ ففي حالة استلام ذات العملة فهي إجارة فقط، وفي حالة استلام عملة أخرى كالجنيهات المصرية مقابل الريالات السعودية فهي صرف، ثم إجارة؛ وكل من العقدين مستقل عن الآخر؛ لأن تحويل الريالات إلى جنيهات صرف، ثم نقلها أو التعهد بنقلها إلى القاهرة وأخذ عوض مقابل هذا النقل إجارة على نقل النقود؛ لأنه هو مقصود العاقدين، وليست العمولة التي يدفعها طالب التحويل إلا أجرة النقل. والمصرف له أن يتخذ الوسيلة التي ينفذ العقد بها، ومن هذه الوسائل الشيك، أو البرقية، أو الفاكس، أو التلفون، أو نحو ذلك. لكن في جميع الأحوال يجب أن يفرق بين الصرف، والإجارة؛ لأن الصرف يشترط فيه التقابض، وسبق أن ذكرنا أن قبض الشيك، أو قبض المستند الذي يقوم مقامه في حالة الإرسال بواسطة الفاكس، أو البرقية، أو نحوهما، يعد قبضا حكميا صحيحا. وبعد الوصول إلى هذا التخريج عثرت على أقوال لبعض العلماء والباحثين قد قالوا بتخريج هذا العقد على الإجارة منهم الشيخ أحمد إبراهيم بك، والدكتور عبد الحميد إبراهيم، والدكتور ستر بن نواب الجعيد (١) . فقد قال الشيخ أحمد إبراهيم بك: (أقول: إن حوالة البريد (بوليصة البوستة) المعروفة عندنا ليست من هذا القبيل بل هي إجارة على إرسال النقود من بلد إلى بلد بأجر معلوم) (٢) . يؤيد هذا القول ما ذكره صاحب المغني من أن العلماء إنما كرهوا اشتراط القضاء في بلد آخر في القرض لاحتمال أن للشيء المستقرض مؤونة وأجرة إلى ذلك البلد الذي شرط فيه الوفاء؛ ولذلك استثنوا ما لا مؤونة لحمله (٣) .فإذا دفعت المؤونة التي كره العلماء التوفية في بلد غير بلد القرض فقد زال موجب الكراهة ويصير هذا العقد إجارة حتى لو ورد في صورة القرض لأن العبرة في العقود بمقاصدها لا بألفاظها كما هو راجح في الشريعة (٤) .

стр. 13946

وقد كيف بعض الباحثين هذه العملية على أنه سفتجة (١) .: ١- وهذا التكييف لا يصح في نظري؛ لأن السفتجة قرض. كما هو رأي جمهور الفقهاء (٢) . فقد عرفها الدسوقي بأنها (الكتاب الذي يرسله المقترض لوكيله ببلد ليدفع للمقترض نظير ما أخذه منه ببلده وهي المسماة بالبالوصة) (٣) . ٢- ولأن الجموع التي تقف في المصارف لإرسال النقود إلى ذويهم أو عملائهم، أو حساباتهم في مصارف أخري، في الحقيقة ليست مقرضة، ولا يتبادر إليها القرض بأي حال. ٣- وأن المقترض في السفتجة لا يتقاضى أجرا. أما المصارف اليوم فإنها تأخذ أجرا على هذه العملية. فإن قيل: إنها حوالة. قلنا: لا يصح تكييفها على الحوالة: ١- لأن الحوالة: نقل الدين من ذمة إلى ذمة. والصورة التي نحن بصددها الأصل فيها أنه ليس هناك دائن ولا مدين، وإن وجدت عند تحويل مستوردي البضائع إلى دائنيهم المصدرين، إلا أنها لا توجد في بقية الحالات. مثل أن يحول إلى حسابه، أو إلى أولاده. ٢- ولأن من أركان الحوالة: المحيل، والمحتال، والمحال عليه. وهذا غير متوفر في كل الحوالات المصرفية المعاصرة؛ لأنه قد يقوم المحيل بالحوالة إلى نفسه؛ مثل أن يحيل إلى حسابه في بنك القاهرة. فلم يوجد المحتال، ولا المحال عليه، في عقد الحوالة الفقهية. وإذا كان التحويل إلى دائنه المصدر مثلا، فإنه لا يوجد المحال عليه، ومن المعلوم أنه إذا لم يوجد أحد أركان العقد، فإن العقد لا ينعقد. ٣- لا يجوز أخذ الأجرة في عقد الحوالة. بينما الحوالات المصرفية يصح أخذ الأجر عليها؛ لأنها إجارة على تعهده بإيصال النقود إلى البلد الذي اتفق العميل مع المصرف عليه، سواء كان المصرف الذي حرر الشيك عليه فرعا له، أو وكيلا عنه. وقال ابن حزم: (والإجارة جائزة على التجارة مدة مسماة في مال مسمى أو هكذا جملة كالخدمة والوكالة، وعلى نقل جواب المخاصم طالبا كان أو مطلوبا وعلى جلب البينة وحملهم إلى الحاكم وعلى تقاضي اليمين وعلى طلب الحقوق والمجيء بمن وجب إحضاره لأن هذه كلها أعمال محدودة داخلة تحت أمر رسول الله ﷺ بالمؤاجرة) (٤) .

стр. 13947

فإن قيل: إن اجتماع الصرف والإجارة في عقد واحد يشمله نهي النبي ﷺ عن عقدين في عقد. قلنا: إن المنهي عنه إذا كان أحد العقدين شرطا للآخر، مثل أن يقول: أبيعك بشرط أن تؤجرني؛ أو أقرضك على أن تشركني، أو لا أصرف لك أن تحول المبلغ لي. وهذا كله غير موجود في العقد؛ فإن دافع النقود يستطيع أن يصرف دون أن يلزمه المصرف بالتحويل له، والإجارة عليه، وبإمكانه أن ينقل نقوده إلى أي بلد بدون صرف. فليس أي من العقدين متوقفا على الآخر؛ بل كل منهما مستقل عن الآخر. فإن قيل: كيف يتحمل المصرف الضمان عند هلاك المال، دون أن يثبت إهماله أو تفريطه؛ كما لو وقع عليه حريق؛ أو آفة لا دخل له فيها؟ أجيب عليه بأن الأجير المشترك عليه الضمان عند جماعة من العلماء (١) . (وهذا القول هو الموافق لمقاصد الشريعة في حفظ الأموال، وتضمينه هو سبب وجود الثقة في هذه المعاملات. وإذا ثبتت أنه لم يفرط أو كان التلف مما لا يمكن الاحتراز منه فلا وجه للقول بتضمينه وبهذا يتم الجمع بين المصلحتين؛ مصلحة أصحاب الأموال والأجراء. أما إذا قلنا بعدم تضمينه فإن المفسدة التي تلحق أصحاب الأموال أعظم من المفسدة التي تلحق الأجراء في حال القول بتضمينه، وإذا علم الأجير أنه ضامن بعثه ذلك على التحرز وعدم التفريط، وأخذ الحيطة لنفسه) (٢) . وقال الأستاذ مصطفى الزرقا: (إن الأجير وهو المحيل في السفتجة لن يقوم بما استؤجر عليه وهو إيصال المال الذي دفعه إليه المستأجر إلى البلد المطلوب بل سيحتفظ به ليقبض المستأجر بدلا عنه في البلد الآخر، والإجارة لا بد في انعقادها من أجرة ليتحقق معناها فبماذا استحق الأجرة إذا لم يقم الأجير بالعمل) (٣) .؟ ويجاب على هذا بأن العمل قد تحقق ذلك أنه هو المنفعة، وهو تهيئة النقود وتحقق وجودها في المكان الذي يريده المؤجر، وذلك يتحقق بنقلها حسيا، أو بتوفير مثلها هناك في فرعه أو لدى وكيله؛ لأن النقود لا تتعين بالتعيين، كما هو الراجح من قولي العلماء في النقود الذهبية والفضية. وكما هو الثابت في النقود الورقية في هذا العصر. بدليل أن المستأجر لو عدل عن نقل النقد وقد تسلمه المصرف؛ فإنه لا يلزم المصرف ردها بعينها، بل يعطيها مثلها.

стр. 13948

فما دام الأمر كذلك فلا يترتب على نقل النقد بعينه كبير فائدة والمصرف – الأجير المشترك – يختلف عن بقية الأجراء المشتركين الذين يتقبلون من الناس أشياء تتعين بالتعيين، لأن هؤلاء الأجراء يلزمهم أن يردوا الشيء الذي أخذوه بعينه. أما المصرف فإن الأشياء التي يتسلمها وهي النقود لها هذه الميزة الخاصة – عدم التعيين – فلا يلزم ردها بعينها (١) . وقال الأستاذ: مصطفى الزرقا: (إذا تصرف الأجير في المال الذي قبضه بحسب المقصود من العملية كان متصرفا في الأمانة فهو غاصب آثم، وإذا قيل: إنه تصرف بالإذن فلا يكون آثما. قلنا: إنه عندئذ ينقلب مقترضا ضامنا إلى حين الوفاء ولا يبقى أجيرا بعمل لقاء أجر) (٢) . ثم بأي حق موجب يلزم الذي في البلد الآخر أن يدفع لهذا المستأجر مال الأجير الذي تحت يده أو في ذمته؟ (٣) . ويمكن الإجابة على هذا الاعتراض: بأن تصرف الأجير المشترك – المصرف – في النقد مبني على ما سبق من أن النقد لا يتعين بالتعيين، وقد قبضها بقصد تقديمها أو تقديم مثلها في المكان الذي عينه طالب التحويل – المؤجر – وتصرف المصرف فيها لا يجعله مقترضا؛ لأنه لم يقبضها أمانة. أما المصرف الذي في البلد الآخر – كالقاهرة – فإنه يقوم بتسليم المستأجر المبلغ الذي يحتويه الشيك؛ لأنه وكيل عن الأجير في دفع قيمة الشيكات عن موكله. وليس الانسحاب من الوكالة بمؤثر في العقد؛ ذلك أن حامل الشيك حينما يقدمه للفرع الذي في القاهرة يستطيع الوكيل أن يرفض قبول الشيك إذا لم يتلق رصيدا يغطيه، أو ليس عنده ثقة في ساحب الشيك تقوم مقام الرصيد. يؤيده أن بنك القاهرة في مثلنا وكيل، وأن مصرف مكة المكرمة الذي حرر الشيك إذا أراد أن يمنع صرف ذلك الشيك فإنه يرسل إشعارا إلى ذلك الفرع بوقف صرف الشيك. أما حامل الشيك فلا يضر امتناعه، ولا يتصور أن يمتنع من التقديم؛ لأن امتناعه يضر به (٤) .

стр. 13949

الخاتمة وفيها أهم نتائج البحث ١- التجارة في الذهب جائزة إذا توفرت فيها شروط صحتها. ٢- يشترط لها شروط البيع المعروفة؛ لأنها من أنواع البيوع. ٣- إضافة إلى وجوب توفر شروط البيع فإنه إذا كان المبيع ذهبا والثمن ذهبا، يشترط التماثل، والتقابض في مجلس العقد، والحلول، والخلو عن خيار الشرط. ٤- إذا اختلف الجنس، مع الاتحاد في علة الربا وهي الثمنية، مثل شراء الذهب بالفضة، أو الأوراق النقدية، أو الشيك؛ فإنه يشترط التقابض، ويجوز التفاضل. ٥- تحول النقود من الذهب والفضة إلى الأوراق النقدية لا يغير من علة الربا فيهما شيئا. ٦- ما ذكره بعض العلماء من كراهة العمل بالصرف؛ لأن كثيرا ممن يعملون فيه ينقصهم العلم بأحكامه، أو لا يتورعون فيه. لكن مثل هاتين الحالتين لا تعودان على حكم الصرف بالحرمة أو الكراهة، وإنما تلحق الحرمة والبطلان العقد إذا لم يستوف شروطه، أو اختل شيء من أركانه. ٧- ما ذكره الغزالي من أن الاتجار في أعيان النقود على خلاف وضع الحكمة إذ طلب النقد لغير ما وضع له ظلم غير مسلم؛ لأن الله أجاز بيعهما وشراءهما على لسان رسوله ﷺ – كما بيناه في الأدلة – من لوازمه من يتخذها مقصودا لتتوفر لمن أرادها. ٨- اتفقت المذاهب الفقهية الأربعة على أن التقابض في الصرف إنما يكون باليد. فيشترط القبض الحقيقي، أو ما يقوم مقامه؛ مثل القيد الدفتري أو قبض الشيك، لا التخلية. ٩- لا خلاف بين العلماء في أن جيد الذهب ورديئه سواء؛ فيشترط التماثل، ويحرم التفاضل، والمراد بالتماثل في الوزن أو الكيل، أو العدد. ١٠- حد الرداءة الذي يعتبر معه هذا المعدن – وهو مختلط بغيره اختلاط امتزاج – ذهبا إذا زادت نسبة الذهب على المخلوط مثل إن كان عيار ١٣/٢٤ أو تساوي مثل عيار ١٢/١٤. وهذا في جميع أنواع الذهب ومنها الحلي، عدا النقود الذهبية، وهذا مذهب الحنفية، وهو الراجح؛ لأن الحكم للغالب.

стр. 13950

١١- إذا زادت نسبة الغش فأصبح عيار الذهب أقل من ١٢/١٤ ويتعذر فصله إلا بفساد المصنوع؛ فإنه حينئذ لا يأخذ حكم الذهب، وإنما يأخذ حكم السلع من حيث أحكام الربا والصرف. ١٢- أما النقود المغشوشة التي غالبها الغش، إذا كانت سكة سائرة فإنه يطبق عليها أحكام الربا والصرف؛ لأنها نقود؛ تثبت فيها علة الثمنية فيجب التقابض والتماثل إذا بيع بعضها ببعض، ويجب التقابض دون التماثل إذا بيعت بنقود من غير جنسها. ١٣- قال جمهور العلماء الحنفية والمالكية والشافعية والظاهرية والزيدية والإمامية: إذا بيع المصوغ كالحلي بغير المصوغ كالتبر والمضروب من الدراهم أو الدنانير فإنه لا عبرة للصناعة ولا لغيرها، فيجب التماثل في بيع الجنس بجنسه. ١٤- وقال ابن القيم واشتهر عن شيخ الإسلام ابن تيمية أنه إذا كانت الصناعة مباحة – كحلية النساء – وبيعت الحلية بجنسها من غير المصنوع؛ فإنها تباع بالقيمة ولا يشترط التماثل؛ جعلا للزائد في مقابلة الصنعة. ١٥- الراجح هو مذهب الجمهور لقوة أدلتهم؛ منها أحاديث عامة تشمل كل ذهب، ومنها ما هي خاصة بالحلي؛ وهي أحاديث صحيحة، وقليل منها لم يبلغ درجة الصحة لكنه صالح للاحتجاج عند جمهور العلماء، كما أنه تقوى بغيره. واحتجوا بالمعقول أيضا. ١٦- أدلة الفريق الثاني ليس فيها نص من القرآن أو السنة، وإنما هي تعليلات، وأقيسة، مثل القياس على بيع العرايا للحاجة، ودفع الحرج، وأن الحلية بالصنعة صارت سلعة كسائر السلع، وقياسا على عدم وجوب زكاة الحلي عند من يرى ذلك، وقياسها على أجرة الصياغة، وقياسها على قيمة الإتلاف. ١٧- نوقشت أدلة الفريقين، وتبين منها قوة أدلة المذهب الأول. وأجيب على أدلة الفريق الثاني بما يعتقد أنه كاف في ردها. ١٨- إذا بيع المصوغ بالمصوغ فإنه يجب التماثل، ويحرم التفاضل عند جميع الفقهاء. ١٩- بيع الحلي القديم بالنقود الورقية، أو غيرها من العملات عند اختلاف الجنس، والشراء بثمنه حليا جديدا، من مشتري الحلي الأول، وإجراء المقاصة بين الثمنين. لم أجد لهذه المسألة تصويرا عند الفقهاء على هذا النحو. لكن يتخرج القول فيها بالجواز على قول الإمام مالك، ومذهب الحنفية؛ وهو ما رجحه الباحث؛ لأن هذا ليس بيع ذهب بذهب، أو فضة بفضة. ويتخرج منعها على مذهب الشافعية والحنابلة، وقد نوقشت أدلتهم ورد عليها.

стр. 13951

٢٠- إذا اشترى الصائغ الحلي القديم بالنقود الورقية مثلا، على أن يشتري منه البائع حليا جديدا. لم أجد لهذه المسألة تصويرا عند الفقهاء على هذا النحو – أيضا – لكن يتخرج القول فيها بالحرمة والبطلان على مذهب الشافعية والحنابلة، والحرمة والفساد على مذهب الحنفية بناء على تفسيرهم لبيعتين في بيعة، ولأنها عند الشافعية والحنفية اشتملت على بيع وشرط. ويتخرج القول فيها بالجواز على مذهب الإمام مالك. وهو ما رجحه الباحث. بناء على أن الراجح في معنى بيعتين في بيعة هو بيع العينة، وهو تفسير ابن تيمية وابن القيم، وغيرهم. ٢١- إذا باع الإنسان حليا وقبض ثمنه، ثم اشترى بالثمن حليا آخر فهو جائز بلا خلاف. ٢٢- إذا طلب راغب الحلية من الصائغ أن يعمل له حلية معينة سواء حدد وزنها أو لم يحدده، فإذا تم العمل أعطاه مثل وزنها، وزيادة من جنسها، أو من غير جنسها، حسب ما اتفق على مقدارها عند العقد فهذه الصورة لا تجوز عند الحنفية والمالكية والشافعية، وهو ما رجحه الباحث، لعدم التقابض في المجلس، ولعدم التماثل إذا كانت الأجرة من جنس الحلية. ٢٣- إذا حدد وزنها فهي جائزة عند الحنابلة. ٢٤- إذا كان ثمن الحلية المطلوب صناعتها، أو ثمنها وأجرتها – وإن قدرت مستقلة عن الثمن – مختلفا عن الحلية، كالنقود الورقية، ويتم تسليم الثمن أو بعضه عند تسليم الحلية فيحرم العقد، ويبطل؛ لعدم التقابض في مجلس العقد. ٢٥- الطرق التي توافق الشرع، وتحقق غرض طالبي صناعة الحلي سواء كانوا أفرادا أو ورشا، أو مصانع لحلي الذهب أو الفضة، هي كالتالي: أ - أن تتم صناعة الحلي خلال مدة انتظار طالبها، ويتم التقابض في المجلس، ويتم دفع ثمنها من النقود الورقية، أو نحوها مما هو مخالف لجنسها. ب - أن يشتري الإنسان الذهب أو الفضة، تبرا، أو سبائك، أو حليا، ويدفع ثمنها، بالتساوي إن اتحد جنسها، أو بالتفاضل إن اختلف الجنس، ويقبض المشتري الذهب، أو الفضة، ويقبض البائع الثمن. ثم يتفق معه على أجرة الصناعة التي يريدها ويسلمه المعدن المشترى – ذهبا أو فضة – وفي هذه الحالة يكون العقد جائزا، وصحيحا، سواء كانت الأجرة من جنس المعدن أو مختلفة عنه، وسواء دفعها مقدما، أو عند تسليم الحلي، أو دفع بعضها مقدما، والبعض الآخر مؤخرا.

стр. 13952

٢٦- يقع في بعض البضائع كالساعات وبعض السيارات. وكالياقوت والزمرد، واللؤلؤ حلية من الذهب فإذا بيعت السلعة المذكورة بذهب، فلها أحوال: أ - إذا كانت الحلية محرمة كالملاعق والصحون المطلية بالذهب فهذه يحرم شراؤها، ويبطل العقد عليها، سواء شريت بذهب أو بغيره من النقود. ب - إذا كانت الحلية مباحة فإنه يصح بيع السلعة التي معها ذهب، بالعروض، وبالنقود الورقية، والشيكات، وبالنقود الفضية، دون اشتراط التماثل. ج- أما بيعها بالذهب فقد اختلف فيه على قولين: القول الأول: إذا كان مع الذهب شيء غيره؛ فإنه لا يحل بيع ذلك الشيء؛ لا بأكثر من وزنه ولا بأقل، ولا بمثله حتى يفصل الذهب وحده، فيباع مثلا بمثل. وهو مذهب المالكية والشافعية والحنابلة، وابن حزم، وزفر من الحنفية. ويستثني أصحاب هذا القول – ما عدا ابن حزم – من المنع ما إذا كان الذهب المضموم مع غيره مصنوعا صناعة يتعذر معها فصل كل منهما عن الآخر، أو أن فصلهما يؤدي إلى تخريب الصنعة. فهنا يكون المبيع قيميا فيجوز بيعه بالذهب. ويسثنون أيضا ما إذا كان الذهب في المبيع تابعا لغيره بأن كان المقصود الأعظم غير الجنس الربوي فيجوز البيع، وهو قول الإمام مالك، وأحمد في المشهور عنه، والأصح من مذهب الشافعية، وهو اختيار ابن تيمية، وابن القيم. وقال مالك: بأن تكون الحلية قدر الثلث فأقل. ٢٧- بعد عرض أدلة الفريقين ومناقشتها ترجح عدم جواز بيع السلعة التي معها ذهب مقصود في الشراء – والتي لا يتعذر فصلها – بالذهب، حتى يفصل الذهب عن السلعة، ويباع مثلا بمثل، يدا بيد. أما إذا كان الذهب في السلعة تابعا لغيره، وغير مقصود بالشراء، أو لا يمكن فصله عنها، أو يمكن لكن يسبب إفسادها، فيترجح جواز البيع، دون تحديد نسبة معينة. ٢٨- يحرم شراء الذهب ليلبسه الرجال، وبطلان عقد البيع في هذه الصورة، سواء نص عليه في العقد، أم كان مقصودا ولم ينص عليه، وحرمة التجارة في هذا النوع من الحلي. ٢٩- يستثنى من المنع: إذا كان شراؤه للحاجة؛ كاتخاذ سن، أو أنف من ذهب. وتحلية آلات القتال بالذهب كالسيف، ونحوه. ٣٠- يحرم استعمال أواني الذهب على مذاهب الأئمة الأربعة. ٣١- يحرم شراء أواني الذهب عند الحنفية والمالكية، ويتخرج القول بالحرمة على مذهب الحنابلة؛ لقولهم بسد الذرائع، واشتراطهم مشروعية السبب. ٣٢- جواز ذلك عند الشافعية ما لم ينص في العقد على الاستعمال.

стр. 13953

٣٣- يجوز شراء أواني الذهب إذا كان الشراء للاتخاذ أو الزينة عند الحنفية، وأحد القولين عند المالكية، والصحيح عند الشافعية، وراوية عند الحنابلة. وهو ما رجحه الباحث. ٣٤- ويتخرج على مذهب الحنابلة حرمة بيع وشراء أواني الذهب والفضة، لأن ما حرم اتخاذه حرم بيعه. ٣٥- قال الحنفية والمالكية والشافعية في الأصح عندهم يجوز استعمال الآنية المموهة بذهب أو فضة سواء في الأكل، أو الشرب، أو غير ذلك. لكن قيده الحنفية والشافعية بما إذا لم يتجمع منه شيء إذا عرض على النار؛ لقلة المموه به. والمذهب عند الحنابلة لا يجوز استعمال مموه. وقيل: إن كان لو حك لاجتمع منه شيء حرم وإلا فلا. ٣٦- يجوز شراء الأواني المموهة بالذهب أو الفضة عند الحنفية والمالكية والشافعية. ويتخرج عدم جواز ذلك عند الحنابلة. وقد رجح الباحث عدم جواز بيع وشراء الأواني المموهة بالذهب أو الفضة إذ كان لغرض الاستعمال؛ لحديث ((من شرب من إناء ذهب، أو فضة، أو إناء فيه شيء من ذلك، فإنما يجرجر في بطنه نار جهنم)) . ٣٧- يصح عند الحنفية والمالكية والشافعية شراء التحف أو الثريات، أو مقابض الأبواب ونحوها المموهة بالذهب. وهو ما رجحه الباحث. ويصح ذلك عند الحنابلة – في غير الآنية – إن تغير لونه، وبحيث لا يحصل منه شيء إذا عرض على النار. ٣٨- تطبق المصارف والأسواق العالمية تجارة الذهب بالأسعار الحاضرة أو الآجلة. ٣٩- العمليات الحاضرة: إذا حصل التعاقد بالتلفون يوم الثلاثاء وأكد بالبرقية، أو الفاكس فإنه يكون التسليم والتسلم هو يوم الخميس ويكون تاريخ هذا اليوم هو تاريخ الاستحقاق، ولا تحسب العطل الرسمية. ويقوم كل من الطرفيين بالاتصال بمراسله ويطلب بائع الذهب تحويل الكمية المشتراة من حسابه إلى حساب الطرف الآخر إما في نفس المصرف أو في مصرف آخر. ويطلب المشتري تحويل مبلغ معين من حسابه إلى حساب الطرف الآخر، إما في نفس المصرف أو في مصرف آخر. ٤٠- في حالة عدم وصول كمية الذهب إلى المشتري أو القيمة إلى حساب البائع يتم الاتصال بالمصرف الآخر لمعرفة سبب التأخير.

стр. 13954

٤١- عمليات بيع الذهب الحاضرة وبقية عمليات الصرف بالصورة التي ذكرناها، غير جائزة شرعا، والعقود التي تمارس على هذه الصورة هي عقود باطلة؛ لا يعتد بها شرعا. ٤٢- بين الباحث كيفية تصحيح هذه العملية. ٤٣- المصارفة بالوديعة المصرفية جائزة عند الحنابلة وراوية عن الإمام مالك. ويتخرج القول بجوازها على مذهب الحنفية والشافعية والرواية الأخرى عند المالكية؛ لأن منعهم الصرف بالوديعة معلل بعدم دخولها في ضمان المودع، أو لعدم حضورها. وهذا غير متحقق في الوديعة المصرفية. ٤٤- إذا تقدم شخص بريالات سعودية، أو شيكا إلى المصرف وطلب منه أن يحولها إلى القاهرة، ويستلمها هناك جنيهات مصرية هو أو وكيله. فهذه المعاملة جائزة والوصف الفقهي لها أنها إجارة على نقل النقود في حالة استلام ذات العملة، وفي حالة استلام عملة أخرى كالجنيهات المصرية فهي صرف، ثم إجارة. وكل من العقدين مستقل عن الآخر؛ لأن تحويل الريالات إلى جنيهات صرف، ثم نقلها أو التعهد بنقلها إلى القاهرة وأخذ عوض مقابل هذا النقل إجارة على نقل النقود. ٤٥- كيَّف بعض الباحثين العملية المذكورة بأنها سفتجة، وهذا التكييف لا يصح في نظري؛ لأن السفتجة قرض؛ كما هو رأي جمهور الفقهاء. والجموع التي تقف في المصارف لإرسال النقود إلى ذويهم أو عملائهم ليست مقرضة، ولا يتبادر إليها القرض بأي حال. بل لا يمكن القول: إن الإنسان مقرض من نفسه لنفسه في حالة تحويل مبلغ من حسابه إلى حسابه في بلد آخر. ٤٦- ولا يصح تكييفها على الحوالة؛ لأن الحوالة نقل الدين من ذمة إلى ذمة، والصورة التي نحن بصددها الأصل فيها أنه ليس هناك دائن ولا مدين. ولأن من أركان الحوالة المحيل والمحتال والمحال عليه، وهذا غير متوفر في كل الحوالات المصرفية المعاصرة؛ لأنه قد يقوم المحيل بالحوالة إلى نفسه، فلم يوجد المحتال ولا المحال عليه في عقد الحوالة الفقهية. ولأنه لا يجوز أخذ الأجرة في عقد الحوالة بينما الحوالات المصرفية يصح أخذ الأجرة عليها. والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وأزكى الصلاة وأتم التسليم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين. د. صالح بن زابن المرزوقي

стр. 13955

أهم مراجع البحث - الإجارة الواردة على عمل الإنسان؛ للدكتور شرف بن علي الشريف. - الإجماع؛ لابن المنذر - أحكام الأوراق النقدية والتجارية؛ للدكتور ستر الجعيد. - أحكام عقد الصرف؛ رسالة دكتوراه، من جامعة الأزهر؛ إعداد سالم أحمد سلامة. - الإحكام في أصول الأحكام؛ لابن حزم. - الإحكام في أصول الأحكام؛ للآمدي. - أحكام المعاملات المالية؛ للشيخ علي الخفيف. - إحياء علوم الدين؛ لأبي حامد الغزالي. - الاختيارات الفقهية؛ لشيخ الإسلام ابن تيمية. - أصول السرخسي؛ أبي بكر محمد بن أحمد بن سهل السرخسي. - إعلام الموقعين؛ لابن القيم. - إكمال إكمال المعلم؛ (شرح صحيح مسلم) للآبيّ. - الأم؛ للإمام الشافعي. - الأموال؛ لأبي عبيد القاسم بن سلام. - الأموال؛ لابن زنجويه. - الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف؛ للمرداوي. - البحر المحيط في أصول الفقه؛ للزركشي. - بدائع الصنائع؛ للكاساني. - بداية المجتهد؛ لابن رشد. - البرهان في أصول الفقه؛ للجويني.

стр. 13956

- بلغة السالك لأقرب المسالك إلى مذهب مالك؛ للصاوي. - البيان والتحصيل؛ لابن رشد. - تاج العروس؛ للزبيدي. - التاج والإكليل؛ للمواق. - تبيين الحقائق؛ للزيلعي. - تحول المصرف الربوي إلى مصرف إسلامي؛ لسعود بن محمد الربيعة. - تطوير الأعمال المصرفية؛ للدكتور سامي حمود. - تفسير القرآن العظيم؛ لابن كثير. - التلخيص الحبير؛ للحافظ ابن حجر العسقلاني. - التلويح على التوضيح؛ للتفتازاني. - التمهيد؛ لابن عبد البر. - توضيح الأحكام من بلوغ المرام؛ للشيخ عبد الله البسام. - تيسير التحرير؛ لابن الهمام. - جامع الأصول؛ لابن الأثير. - جمع الجموع؛ لابن السبكي. - حاشية الدسوقي؛ للشيخ عرفة الدسوقي. - حاشية الرهوني على شرح الزرقاني؛ لمتن خليل؛ لمحمد الرهوني. - حاشية التفتازاني على شرح العضد؛ لسعد الدين التفتازاني. - حاشية الطحطاوي على الدر المختار؛ للسيد أحمد الطحطاوي الحنفي. - حاشية القليوبي؛ لشهاب الدين القليوبي. - حاشية العدوي؛ للعدوي. - الحاوي؛ للماوردي، مخطوط. - حجة الله البالغة؛ لولي الله الدهلوي.

стр. 13957

- حلية العلماء؛ للشاشي القفال. - حواشي تحفة المحتاج؛ للشراوني، والعبادي. - الدر المختار، للحصكفي. - الذهب، تأليف مالكولم بر ترجمة أمين سلامة. - الذهب ودوره في الأنظمة النقدية الدولية؛ إعداد: خورين آكوب جبرائيل، ونهاد النقيب؛ مراجعة حسن النجفي. - الذخيرة؛ للقرافي. - الربا والمعاملات المصرفية؛ للدكتور عمر المترك. - رد المحتار على الدر المختار؛ لابن عابدين. - الرسالة؛ للإمام محمد بن إدريس الشافعي. - الروض المربع؛ للبهوتي. - الروض النضير شرح مجموع الفقه الكبير؛ للسياغي. - روضة الطالبين؛ للنووي. - الروضة الندية؛ لصديق حسن خان. - سبل السلام؛ للصنعاني. - سنن أبي داود. - سنن الدارقطني. - السنن الكبرى؛ للبيهقي. - سنن النسائي. - شرائع الإعلام؛ لابن القاسم المحلي. - شرح تنقيح الفصول؛ للقرافي. - شرح السنة؛ للبغوي. - الشرح الصغير؛ للدردير. - شرح العضد لمختصر المنتهى. - شرح القواعد الفقهية؛ للشيخ مصطفى الزرقا.

стр. 13958

- الشرح الكبير؛ للدردير. - شرح الكوكب المنير؛ لابن النجار. - شرح مختصر الروضة؛ للطوفي. - شرح منتهى الإيردات؛ لابن النجار. - الصحاح؛ للجوهري. - صحيح البخاري بشرحه فتح الباري؛ الصحيح للبخاري، والفتح، لابن حجر. - صحيح مسلم بشرح النووي. - صحيح الترمذي بشرح ابن العربي. والواقع أن الترمذي لم يلتزم فيه بشرط الصحيح، ففيه الحسن والضعيف. - شرح العمدة في الفقه؛ لشيخ الإسلام ابن تيمية. - عمل شركات الاستثمار الإسلامية في السوق العالمية؛ للدكتور أحمد محيي الدين. - الفائق في غريب الحديث؛ للزمخشري. - فتاوى إسلامية؛ لابن باز، وابن عثيمين، وابن جبرين. - فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية. - فتاوى ورسائل الشيخ محمد بن إبراهيم. - الفتاوى الهندية؛ لجماعة من العلماء. - فتح القدير، للكمال ابن الهمام. - الفرق بين البيع والربا، للشيخ صالح الفوزان. - الفروع؛ لابن مفلح. - الفروق؛ للقرافي. - الفقه الإسلامي وأدلته؛ للدكتور وهبة الزحيلي. - القبض الحقيقي والحكمي؛ للدكتور نزيه حماد. - القبض في العقود المالية في الفقه الحنفي؛ للدكتور محمد زكي عبد البر. مجلة البحوث الفقهية المعاصرة. - القواعد والأحكام؛ للعز بن عبد السلام - القواعد والفوائد الأصولية؛ لابن اللحام. - كتاب الخلاف؛ للطوسي.

стр. 13959

- كتاب الذيل على طبقات الحنابلة؛ لابن رجب. - كتاب مسائل الروايتين والوجهين؛ لأبي يعلى. - لسان العرب؛ لابن منظور. - اللباب في شرح الكتاب؛ للميداني. - المبدع؛ لابن مفلح. - المبسوط؛ للسرخسي. - مجلة أبحاث الاقتصاد الإسلامي؛ العدد الأول والثاني سنة ١٤٠٤هـ. - مجلة الأحكام الشرعية؛ للقاري. - مجلة البحوث الفقهية المعاصرة، العدد الواحد والعشرين. - مجلة جامعة أم القرى؛ العدد السابع. - مجلة الدعوة - مجلة مجمع الفقه الإسلامي. - مجلة القانون والاقتصاد؛ العدد الخامس. - المجموع؛ وتكملته؛ المجموع للنووي، والتكملة الأولى للسبكي. - المحرر في الفقه؛ لابن تيمية. - المحصول؛ للرازي. - المحلى؛ لابن حزم. - المدخل الفقهي العام، للزرقا. - المدخل في التعريف بالفقه الإسلامي؛ لشلبي.

стр. 13960

- المدونة؛ للإمام مالك. - المستدرك؛ للحاكم. - المستصفى؛ للغزالي. - مسند الإمام أحمد، تحقيق أحمد شاكر. - مسند الإمام أحمد، مع الفتح الرباني؛ للساعاتي. - المسودة، لآل تيمية. - مصنف عبد الرزاق. - المعاملات الشرعية المالية، لأحمد إبراهيم بك. - معالم السنن؛ للخطابي. - المغرب؛ للمطرزي. - المقدمات؛ لابن رشد. - الملخص الفقهي، للفوزان. - منتقى الأخبار بشرحه، المنتقى لابن تيمية، والنيل، للشوكاني. - المنتقى؛ للباجي. - الموسوعة الفقهية، نشر وزارة الأوقاف الكويتية. - الموافقات؛ للشاطبي. - مواهب الجليل، للحطاب. - الموطأ، للإمام مالك. - المهذب، للشيرازي. - نهاية المحتاج، للرملي. - النقد الأجنبي؛ لسيد عيسى. - الهداية؛ للبابرتي.

стр. 13961

تجارة الذهب الحلول الشرعية لاجتماع الصرف والحوالة إعداد الشيخ محمد علي التسخيري والسيد جعفر الحسيني الجمهورية الإسلامية الإيرانية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين وصحبه الميامين. الموضوع الثالث – تجارة الذهب، الحلول الشرعية لاجتماع الصرف والحوالة: ١- خصوصية الذهب والفضة واختلافهما عن السلع الأخرى: لا شك في أن النقود المتعارفة في زمن الشريعة قد تبدلت من الدينار والدرهم الذهبي والفضي إلى النقود الاعتبارية البحتة والأوراق المتعارفة في زماننا هذا والتي لا قيمة ذاتية – تذكر – لها؛ إذ ليست هي سلعة من السلع. ولكي يتضح لنا علة الثمنية للدينار قديما ومدى اعتبارها في النقدين – الذهب والفضة – بعد انتشار الأوراق النقدية، علينا أن ندرس في تاريخ النقود القديمة في العصور السالفة فنقول. تاريخ نقود الأمم مختلف الأدوار: كان التبادل في العصور القديمة على شكل المقايضة، أي مبادلة السلع بعضها ببعض، كما قد يتفق ذلك ولو نادرا في زماننا هذا وخاصة في المجتمعات القروية البسيطة. وقيل: إنه كان يجعل بعض السلع كالغلات أو الأنعام أو الثياب مقياسا للتبادل وبمنزلة النقد فرارا من مشاكل المقايضة. قال في المقتطف: كان الناس في العصور السالفة على أقسام: فمنهم من لا شريعة لهم للتملك فكانوا يضربون في الأرض كيف شاؤوا يصيدون حيوانها ويجتنون ثمارها وهم قبائل كثيرة منتشرة في إفريقية وبعض الجزائر. وقسم منهم قرروا شريعة التملك فاستقل كل منهم بمال يذب عنه ويسعى في توفيره ولكن لا نقود لهم، فإذا احتاج أحدهم شيئا مما عند الآخر أخذ عوضا عنه شيئا من مقتنياته وهذه المقايضة نوع من البيوع ولعلها أقدم أنواعه ولم تزل جارية في أطراف هذه البلاد وفي جهات كثيرة من آسيا وإفريقية.

стр. 13962

وقسم ثالث اعتمدوا على أنواع من المقتنيات مقياسا لأثمان البضائع فقالوا: إن هذه البضاعة تساوي كذا خروفا أو كذا سيفا أو كذا وزنا من الذهب أو الفضة. وقد سبق ذلك ضرب النقود عند أكثر أمم الأرض ولم يزل على قلة في بعض الأطراف. وقسم رابع اعتمدوا على قطع موزونة من المعادن ضربوها بسكة الدولة حتى لا يدخلها الزيف وجعلوا لها قيمة مطلقة يقومون بها أثمان البضائع وهم كل الشعوب المتمدنة. ومن الجدير بالذكر أن الباحث عن أصل النقود عليه أن يعود إلى مهد المعارف والصنائع، بلاد الصين العظيمة التي سبقت كل العالم إلى رياض التمدن؛ فقد وجد في هذه البلاد نقود ضربت فيها قبل ميلاد المسيح بنحو ألفين ومئتين وخمسين سنة، ومن هذه النقود ما شكله كالقميص أو كالسكين كأنهم كانوا يبيعون ويشترون بالأقمصة والسكاكين. ثم لما انتبهوا لإبدالها بقطع من المعدن جعلوا شكل القطع كشكل الأقمصة والسكاكين فصارت السلعة التي تساوي عشرين قميصا تساوي عشرين بوا (الفلس الذي بشكل القميص) والسلعة التي تساوي خمسين سكينا تساوي خمسين تاوا (الفلس الذي بشكل السكين) . ثم إن هذه النقود لما كانت بطبيعتها عسرة الحمل تفطن الصينيون لسبكها مستديرة فقالوا: إن النقود التي تدور العالم يجب أن تكون مستديرة فضربوها كذلك وسبكوها سبكا فأصبحت هدفا للتزييف حتى أنك ترى في تاريخ نقود الصين المنع الأكيد عن زيف النقود والحث البليغ على إرجاعها إلى ميزانها. وفي عام (١١٩) قبل الميلاد فرغت خزانة الملك (اوتي) من النقود فأمر وزيره بنشر نقود من جلد الغزال الأبيض تضاهي أوراق البنك المتعارفة في يومنا هذا، ومن هنا نسب بعض الباحثين تأسيس البنك إلى الصينين – فلم تلبث أن أصابها ما يصيب أوراق بعض الدول في هذه الأيام أي انحطت أثمانها كثيرا حتى بيع قرص الأرز بما قيمته ثلاثة آلاف ليرا من هذه الأوراق. ويتلو أهالي الصين في السبق إلى استعمال نقود الورق منذ أمد بعيد أهالي اليابان، فقد قيل إنه ورد في الجزء التاسع والخمسين من قاموسهم العام المسمى (سن تساي دَن) : إن نقود الورق استعملت في أيام دولة سنغ ودولة يون ولم تف بالغرض لأن الفيران كانت تقرضها والمطر يبللها والاستعمال يبريها. أما المصريون فقد كانوا يتعاملون بقطع النحاس يزنونها وزنا ولم يتعاملوا بالذهب والفضة إلا قليلا وربما صاغوها حلقات كالخواتيم وتعاملوا بها كذلك، وأول من ضرب النقود في مصر المرزبان ارنيدس اقتداء بداريوس الهخامنشي ملك الفرس.

стр. 13963

أما العبرانيون فقد قيل: إن أول من ضرب النقود العبرية (سمعان المكابي) بإذن انطيوخس السابع عام ١٤٤ قبل الميلاد. أما الدارك الوارد اسمه في التوارة فمن النقود الفارسية، وسمي دركا نسبة إلى داريوس الهخامنشي، وعليه صورة الملك راكعا وبيده قوس وسهم (١) . وقال الدكتور جيمس هنري في كتابه (العصور القديمة) : كان البيع والشراء تجريان مقايضة قبل أن تعرف النقود، وأول أمة عرفت النقود وتعاملت بها اللوذية (بليديا) في نحو سنة ٧٠٠ قبل الميلاد، وكانت بابل التي سنت أقدم الشرائع تجهل النقد وكان أهلها يثمنون الأشياء بقطع الفضة بأوزان معلومة وكانت الأوقية أول وزن يستعملوه. وجاء في ص٨٧ من كتاب (النقود العربية) أما ماذي وفارس فقد تعلمتا ضرب النقود من لوذية، وكانت قيمة الذهب فيهما تزيد على قيمة الفضة ثلاثة عشر ضعفا، ولعل فارس تعلمت ضرب النقود من لوذية على إثر تغلبها عليها سنة ٥٤٦ قبل الميلاد وكانت النقود في أول أمرها تضرب مربعة، ثم جعلوها مستديرة، وكان الايونيون يستعملون المعادن الكريمة وزنا كما فعل البابليون قبلهم، وكانت وحدة الوزن عندهم، المنا البابلي، وكل ستين منا (ليرة) يساوي (وزنة) وقيمة الوزنة من الفضة ٥٦٢٥ فرنك، وقد علم اللوذيون العالم النقود المقطوعة بحجم معين ووزن معين، وطبعها بطابع الملك أو الملكة كفالة لقيمتها؛ وهكذا شاع استعمال النقود المطبوعة في الجزر ويونان وأوربا.

стр. 13964

وقال جودت باشا في تاريخه عند ذكر المسكوكات: قد ثبت بمقتضى التحقيقات التي وقفنا عليها في هذا الباب ونظرا لما حققه أصحاب هذا الفن – ثبت أن اليونانيين هم الذين أحدثوا السكة قبل حوالي ألفين وستمائة سنة، وقبل ذلك كانوا يتبادلون الأموال بالسبائك المصنوعة من الذهب والفضة وما شابهها. وكانوا ينقشون على مسكوكاتهم تارة رسم أصنامهم وطورا رسم الأبنية مثل البروج والقلاع وبيوت الأنعام والجبال والنبات والأشجار وطورا كان الحكام المستقلون يرسمون صورهم على مسكوكاتهم والحكومات الجمهورية كانت ترسم دار حكومتها أو اسم البلدة التي ضرب فيها ومسكوكات الروم كانت على مثل هذا التراث (١) . وجاء في دائرة المعارف للبستاني (٢) نقلا عن مسيولترون أن الدراهم من أيام سولون إلى أيام بيركلس والإسكندر كان يساوي (٩٢) سنتيما أي ٩٢ جزءا من مائة جزء الفرنك، ومن الإسكندر إلى الميلاد ٨٧ سنتيما، وقيل: كان في بادئ الأمر ٦٥ سنتيما وصار (٩٦) ثم هبط بعد زمان الإسكندر إلى (٧٥) . وذكر اليعقوبي في تاريخه (بأن ملوك بابل هم الذين قيدوا البنيان واتخذوا المدن وعملوا الحصون وشرفوا القصور و.. واستخرجوا المعادن وضربوا الدنانير ... ) (٣) . والقرآن يصرح بوجود الدراهم ورواجها في عهد يوسف ﵇ حيث قال تعالى: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾ [يوسف: ٢٠] . وروى الشيخ الصدوق ﵀ في كتاب عيون أخبار الرضا ﵇ عن آبائه عن الحسين بن علي ﵇ قال: كان علي بن أبي طالب ﵇ بالكوفة في الجامع إذ قام إليه رجل من أهل الشام فقال: يا أمير المؤمنين إني أسألك عن أشياء، فقال أمير المؤمنين ﵇: سل تفقها ولا تسأل تعنتا، فأحدق الناس بأبصارهم فقال: أخبرني عن أول ما خلق الله تعالى؟ فقال ﵇: خلق النور ... وسأله عن أول ما وضع سكة الدنانير والدراهم فقال: نمرود بن كنعان بعد نوح ﵇ (٤) والظاهر أنه ملك بابل الذي كان معاصرا لإبراهيم الخليل ﵇.

стр. 13965

نقود العرب في الجاهلية: قال جورج زيدان: (كان العرب قبل الإسلام يتعاملون بنقود كسرى وقيصر وهي الدراهم والدنانير، وكانت الدنانير على الإجمال نقودا ذهبية والدراهم نقودا فضية بما يقابل الجنيه والريال عندنا، وكانوا يعبرون عن الذهب بالعين وعن الفضة بالورق، وكان عندهم أيضا نقود نحاسية منها الحبة والدانق، على أن مرجع هذه النقود إنما هو إلى الوزن لأن المراد بالدينار قطع من الذهب وزنها مثقال عليه نقش الملك أو السلطان الذي ضربه، والمراد بالدرهم وزن الدرهم من الفضة، ويسمونه أيضا الوافي) (١) . وقال في تاريخ العرب قبل الإسلام: (أما أهل الحجاز فقد تعاملوا بالنقود الرومية والساسانية، وتعاملوا بالدراهم وتعاملوا بالدنانير، وتعاملوا بالدانق، ولعلهم كانوا يتعاملون بنقود أهل اليمن كذلك، وبنقود أهل الحبشة؛ فقد كان أهل مكة خاصة تجارا يتاجرون مع اليمن ويتاجرون مع العراق وبلاد الشام، وتجارتهم هذه تجعلهم يستعملون مختلف النقود خاصة أنهم كانوا في مكان فقير لا يساعد على ضرب النقد فيه، وأغلب اعتماد العرب في الجاهلية، وفي صدر الإسلام قبل ضرب النقود الإسلامية، بالحروف العربية على نقد الذهب المضروب عند الروم وهو الدينار أما النقود المضروبة من الفضة فكان جل اعتماد العرب فيها على نقود الساسانيين) (٢) . أول من أمر بضرب السكة في الإسلام: قيل: إن أول من أمر بضرب السكة في الإسلام، هو عمر بن الخطاب لمصالح أهل البصرة، فضربها على النقش الكسروي سنة ١٨ من الهجرة ثم تابعه في ذلك عثمان بن عفان وكذا معاوية بن أبي سفيان في أيام دولته ذاهلين عن تحويل عن نقوشها الكسروية والقيصرية إلى الإسلامية. قال جودت باشا في تاريخه: (في زمن الرسالة المحمدية ﷺ لم يقع اعتناء بأمر السكة لكون الملة كانت في ابتداء أمرها ساذجة مع بداوة العرب، فاستمرت النقود المتداولة بين الناس على الحال التي كانت عليها، وفي الأكثر كانت تستعمل المقادير الميزانية. وبالجملة فإن السكة التي كانت جارية في بلاد العرب هي الدراهم والدنانير التي كانت مسكوكة بسكة ملوك الفرس والمجوس والهند والروم، وفي زمن الخلفاء الأربع وأوائل الدولة الأموية كانت الهمم والأنظار متعلقة بأمر الغزاة والجهاد ولذلك لم يقع اهتمام بضرب السكة (٣) .

стр. 13966

أول من نقش على النقود بسكة إسلامية: قال جودت باشا: (إن المسلّم عند أهل العلم أن الذي أحدث ابتداء ضرب السكة العربية هو الحجاج بأمر من عبد الملك حين كان واليا على العراق من قبله "٧٥ و٧٦" ولكن ظهر خلاف هذا عند الكشف الجديد في سنة ١٢٧٦ وذلك إن رجلا إيرانيا اسمه جواد أتى دار السعادة بسكة فضية عربية ضربت في البصرة سنة ٤٠ من الهجرة، والفقير رأيتها بين المسكوكات القديمة عند صبحي بك أفندي، مكتوب على أحد وجهها بالخط الكوفي ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤) ﴾ [الإخلاص١: ٤] . وفي دورتها محمد رسول الله أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون وعلى الوجه الآخر"لا إله إلا الله وحده لا شريك له" وفي دروتها "ضرب هذا الدرهم بالبصرة سنة ٤٠) (١) . وقال السيد محسن الأمين العاملي: تحت عنوان (أول من أمر بضرب السكة الإسلامية) : (ذكر الفاضل المتتبع الشيخ حيدر قلي خان بن نور محمد خان الكابلي في رسالته "غاية التعديل في الأوزان والمكاييل" وأخبرني به من لفظه بمنزله يوم السبت العشرين من المحرم سنة ١٣٥٣. وكان يجيد اللغة الإنكليزية قال: رأيت في دائرة المعارف البريطانية ص٩٠٤ عند الكلام على المسكوكات العربية ما تعريبه ملخصا (إن أول من ضرب السكة الإسلامية هو الخليفة علي بالبصرة سنة ٤٠ من الهجرة الموافقة لسنة ٦٦٠مسيحية ثم أكمل الأمر بعده عبد الملك الخليفة سنة ٧٦ من الهجرة الموافقة لسنة ٦٩٥ مسيحية) (٢) . إذن فأول من أحدث السكة الإسلامية وأبطل النقوش الكسراوية والقيصرية هو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵇، ولا غرو في أن يكون أول من تفطن لذلك فيمحو آثار الشرك وشعائر المجوسية والنصرانية عن المسكوكات الإسلامية فإنه أعلم الأمة بصلاحها وفسادها وأولى الناس بإقامة الأمت والعوج وسد الثلم وتعظيم شعائر الدين والإسلام ولكنه ضربها على الدراهم الفضية المحتاج إليها وجعل نقشها دائرا مدار الشهادتين – التوحيد ورسالة النبي الأعظم ﷺ وتاريخ ودار الضرب. ثم ضرب بعد ذلك مصعب بن الزبير بأمر أخيه عبد الله بن الزبير دراهم أكثر نقوشها عربية بالخط الكوفي وعليها شعار الإسلام والتوحيد.

стр. 13967

قال المقريزي: (فلما قام عبد الله بن الزبير بمكة ضرب دراهم مدورة ... وضرب أخوه مصعب بن الزبير دراهم بالعراق وجعل كل عشرة منها سبعة مثاقيل وأعطاها الناس في العطاء حتى قدم الحجاج بن يوسف العراق من قبل عبد الملك بن مروان فقال: ما نبقي من سنة الفاسق أو المنافق شيئا، فغيرها) (١) . وقال الدميري في حياة الحيوان الكبرى: وهو – أي عبد الملك بن مروان - أول من ضرب الدراهم والدنانير بسكة الإسلام وكان على الدنانير نقش بالرومية وعلى الدراهم نقش بالفارسية. قلت: ولهذا السبب. وهو إني رأيت في كتاب [المحاسن والمساوئ] (٢) للإمام إبراهيم بن محمد البيهقي ما نصه: قال الكسائي: دخلت على الرشيد ذات يوم وهو في إيوانه وبين يديه مالا كثير قد شق عنه البدر شقا وأمر بتفريقه على خدمة الخاصة وبيده درهم تلوح كتابته وهو يتأمله، وكان كثيرا ما يحدثه فقال: هل علمت أول من سن هذه الكتابة في الذهب والفضة؟ قلت: يا سيدي هو عبد الملك بن مروان. قال: فما كان السبب في ذلك؟ قلت: لا علم لي غير أنه أول من أحدث هذه الكتابة، فقال: سأخبرك؛ كانت القراطيس للروم وكان أكثر من بمصر نصرانيا على دين ملك الروم وكانت تطرز بالرومية وكان طرازها أبا وابنا وروحا، فلم يزل كذلك صدر الإسلام كله يمضي على ما كان عليه إلى أن ملك عبد الملك بن مروان فتنبه له وكان فطنا، فبينما هو ذات يوم إذ مر به قرطاس فنظر إلى طرازه فأمر أن يترجم للعربية ففعل ذلك فأنكره وقال: ما أغلظ هذا في أمر الدين والإسلام أن يكون طراز القراطيس وهي تحمل في الأواني والثياب وهما يعملان بمصر وغير ذلك مما يطرز من ستور وغيرها من عمل هذا البلد على سعته وكثرة ماله، والبلد يخرج منه هذه القراطيس تدور في الآفاق والبلاد وقد طرزت بسطر مثبت عليها، فأمر بالكتابة إلى عبد العزيز بن مروان وكان عامله بمصر بإبطال ذلك الطراز على ما كان يطرز به من ثوب وقرطاس وستر وغير ذلك، وأن يأمر صناع القراطيس أن يطروزها بصورة التوحيد ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا﴾ وهذا طراز القراطيس خاصة إلى هذا الوقت لم ينقص ولم يزد ولم يتغير، وكتب إلى عمال الآفاق جميعا بإبطال أعمالهم من القراطيس المطرزة بطراز الروم ومعاقبة من وجد عنده بعد هذا النهي شيء منها بالضرب الوجيع والحبس الطويل.

стр. 13968

فلما ثبتت القراطيس بالطراز المحدث بالتوحيد وحمل إلى بلاد الروم منها انتشر خبرها ووصل إلى ملكهم، وترجم له ذلك الطراز فأنكره وغلظ عليه واستشاط غيظا فكتب إلى عبد الملك: إن عمل القراطيس بمصر وسائر ما يطرز هناك للروم، ولم يزل يطرز بطراز الروم إلى أن أبطلته، فإن كان من تقدمك من الخلفاء قد أصاب فقد أخطأت وإن كنت قد أصبت فقد أخطؤوا فاختر من هاتين الحالتين أيهما شئت وأحببت، وقد بعثت إليك بهدية تشبه محلك، وأحببت أن تجعل رد ذلك الطراز إلى ما كان عليه في جميع ما كان يطرز من أصناف الأعلاق حاجة أشكرك عليها وتأمر بقبض الهدية، وكانت عظيمة القدر، فلما قرأ عبد الملك كتابه رد الرسول وأعلمه أنه لا جواب له ورد الهدية فانصرف بها إلى صاحبه فلما وافاه أضعف الهدية ورد الرسول إلى عبد الملك وقال: إني ظننتك استقللت الهدية فلم تقبلها، ولم تجبني عن كتابي، فأضعفت الهدية وإني أرغب إليك إلى مثل ما رغبت فيه من رد الطراز إلى ما كان عليه أولا، فقرأ عبد الملك الكتاب ولم يجبه ورد الهدية، فكتب إليه ملك الروم كتابا يقتضي أجوبة كتبه ويقول: إنك قد استخففت بجوابي وهديتي ولم تستعفني بحاجتي فتوهمتك استقللت الهدية فضعفتها فجريت على سبيلك الأول وقد أضعفتها ثالثة وأنا أحلف بالمسيح لتأمرن برد الطراز إلى ما كان عليه أو لأمرن بنقش الدنانير والدراهم فإنك تعلم أنه لا ينقش شيء منها إلا ما ينقش في بلادي، ولم تكن الدراهم والدنانير نقشت في الإسلام فينقش عليها شتم نبيك، فإذا قرأته ارفضّ جبينك عرقا، فأحب أن تقبل هديتي وترد الطراز إلى ما كان عليه ويكون فعل ذلك هدية تودني بها ونبقى على الحال الأول بيني وبينك، فلما قرأ عبد الملك الكتاب صعب عليه الأمر وغلظ وضاقت به الأرض وقال: أحسبني أشأم مولود ولد في الإسلام لأني جنيت على رسول الله ﷺ من شتم هذا الكافر ما يبقى عبر الدهر ولا يمكن محوه من جميع مملكة العرب إذا كانت المعاملات تدور بين الناس بدنانير الروم ودراهمهم فجمع أهل الإسلام واستشارهم فلم يجد عند أحد منهم رأيا يعمل به، فقال له روح بن زنباع: إنك لتعلم المخرج من هذا الأمر ولكنك تتعمد تركه، فقال: ويحك من؟

стр. 13969

فقال: عليك بالباقر من أهل بيت النبي ﷺ قال: صدقت ولكنه أرتج عَلَيَّ الرأي فيه، فكتب إلى عامله بالمدينة أن أشخص إلى محمد بن علي بن الحسين مكرما، ومتعه بمئة ألف درهم لجهازه وبثلاثمائة ألف درهم لنفقته وأرح عليه في جهازه وجهاز من يخرج معه من أصحابه وحبس الرسول قبله إلى موافاة محمد بن علي، فلما وافاه أخبره الخبر، فقال له محمد رحمه الله تعالى: لا يعظم هذا عليك فإنه ليس بشيء من جهتين: إحداهما إن الله لم يكن ليطلق ما تهدد به صاحب الروم في رسول الله ﷺ ، والأخرى وجوب الحيلة فيه. قال: وما هي؟ قال: تدعو في هذه الساعة بصناع فيضربون بين يديك سككا للدراهم والدنانير، وتجعل النقش عليها صورة التوحيد وذكر رسول الله ﷺ في وجه الدرهم والدينار والآخر في الوجه الثاني. وتجعل في مدار الدرهم والدينار ذكر البلد الذي يضرب فيه والسنة التي تضرب فيها تلك الدراهم والدنانير وتعمد إلى وزن ثلاثين درهما عددا من الأصناف الثلاثة التي العشرة منها وزن عشرة مثاقيل، وعشرة منها وزن ستة مثاقيل، وعشرة منها وزن خمسة مثاقيل، فتكون أوزانها جميعا أحدا وعشرين مثقالا فتجزئها من الثلاثين فتصير العدة من الجميع وزن سبع مثاقيل، وتصب صنجات من قوارير لا تستحيل إلى زيادة ولا نقصان فتضرب الدراهم على وزن عشرة، والدنانير على وزن سبعة مثاقيل وكانت الدراهم في ذلك الوقت إنما هي الكسراوية التي يقال لها اليوم البغلية، لأن رأس البغل ضربها لعمر ﵁ بسكة كسروية في الإسلام مكتوب عليه صورة الملك، وتحت الكرسي مكتوب بالفارسية نوش خور: أي كل هنيئا، وكان وزن الدرهم منها قبل الإسلام مثقالا، والدراهم التي كان وزن العشرة منها وزن ستة مثاقيل، والعشرة وزن خمسة مثاقيل هي السمرية الخفاف والثقال ونقشها نقش فارس. ففعل ذلك عبد الملك، وأمره محمد بن علي بن الحسين ﵁ أن يكتب السكك في جميع بلدان الإسلام، وأن يتقدم إلى الناس في التعامل وأن يتهدد بقتل من يتعامل بغير هذه السكة من الدراهم والدنانير وغيرها، وأن تبطل وترد إلى مواضع العمل حتى تعاد إلى السكك الإسلامية، ففعل عبد الملك ذلك ورد رسول ملك الروم إليه يعلمه بذلك ويقول: إن الله مانعك مما قد أردت أن تفعله، وقد تقدمت إلى عمالي في أقطار البلاد بكذا وبكذا وبإبطال السكك والطروز الرومية، فقيل لملك الروم: افعل ما كنت تهددت به ملك العرب، فقال: إنما أردت أن أغيظه بما كتبت إليه لأني كنت قادرا عليه والمال وغيره برسوم الروم فأما الآن فلا أفعل لأن ذلك لا يتعامل به أهل الإسلام وامتنع من الذي قال، وثبت ما أشار به محمد بن علي بن الحسين ﵁ إلى اليوم، ثم رمى يعني الرشيد إلى بعض الخدم (١) .

стр. 13970

٢- علة الثمنية الثابتة للدينار قديما ومدى اعتبارها في النقدين، الذهب والفضة، بعد انتشار الأوراق النقدية: السؤال الذي يطرح نفسه بادئ الأمر بالنسبة لنقود اليوم هو أن الأوراق الاعتبارية هل تلحق – في باب الصرف – بالنقدين، الذهب والفضة أولا؟ وذلك من ناحتين. أ- بلحاظ حرمة التفاضل. ب- بلحاظ اشتراط القبض. أما بالنسبة إلى حرمة التفاضل: فقد تعارف القول بحرمة أخذ الزيادة حتى في هذه الأوراق المالية المتعارفة اليوم، فلو اقترض أحد ألف دينار ملتزما بإرجاع ألف ومئتين مثلا بعد سنة كان ذلك ربا. ولكن يمكن أن يقال فيما إذا لم تكن الزيادة أكثر من زيادة التضخم في الأسعار بجواز أخذ الزيادة وذلك بيان أن هذه الأوراق التي تعتبر مثلية فلا تلحظ في مثليتها شكل الورق مثلا بل تلحظ في مثليتها قوتها الشرائية، فإذا كان الألف والمئتان بعد سنة يساوي الألف لما قبل سنة في القوة الشرائية أو كان أقل من ذلك فلا زيادة في المقام وليس هناك ربا (١) . وقبل الخوض في صميم الموضوع لا بد من التأمل في أنه هل يصح قياس الأوراق المالية المتداولة اليوم بالشيكات والسندات بدعوى أنها تحكي عن أرصدتها لدى الدولة أو لدى مصدرها وليست لها مالية مستقلة، أو لا يصح ذلك؟ وتوضيح ذلك: أن النقود والأوراق المالية – كما ألمحنا إلى مجمل تاريخها – مرت بأدوار: الدور الأول: دور نيابتها عن أرصدتها من ذهب أو فضة محتفظ بها في خزانة مصدر الأوراق، تكون هي في الحقيقة ملكا لأصحاب الأوراق وليست هذه الأوراق إلا حاكية عن تلك الأرصدة. وفي هذا الفرض لا ينبغي الإشكال في حرمة أخذ الزيادة لأنه ربا وقد ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة:٢٧٥] . الدور الثاني: ما بدأ بعد أن أحس المصدرون للأوراق بأنهم غير مضطرين إلى الاحتفاظ بعين الأرصدة بمقدار الأوراق المصدرة، لأن أصحاب الأوراق سوف لن يطالبهم جميعا في وقت واحد بتسليم الرصيد فتبدل الاحتفاظ بالأرصدة إلى التعهد بدفع الرصيد لمن جاء بالورق إلى مصدر الأوراق.
следующие страницы →